باب
صلاة الخوف
القارئ: تجوز صلاة الخوف في كل قتال مباح كقتال الكفار والبغاة والمحاربين ولا تجوز في محرم لأنها رخصة فلا تستباح بالمحرم كالقصر.
الشيخ: قوله ﵀ باب صلاة الخوف من باب إضافة الشيء إلى سببه يعني باب الصلاة التي سببها الخوف، الخوف من العدو ثم ذكر أنه لابد أن يكون القتال مباحًا كقتال الكفار ومراده المحاربون فأما الذين بيننا وبينهم عهد أو ذمة فقتالهم حرام إلا إذا نقضوا العهد فإنه يجوز قتالهم وإن خيف نقض العهد فإننا ننبذ إليهم العهد على سواء وقد مر علينا أن المعاهدين ينقسمون إلى ثلاثة أقسام مستقيمون وخائنون ومن خيف خيانتهم فالمستقيم نستقيم له (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) والخائن قد انتقض عهده والذين تخاف خيانته ننبذ إليه على سواء، البغاة جمع باغي وهم الذين يخرجون على الإمام بتأويل سائغ يعني يخرجون على ولي الأمر فيقاتلونه ولهم شبهة وهذا معنى قول الفقهاء بتأويل سائغ فهؤلاء يباح قتالهم حتى يرجعوا إلى الصواب ومن ذلك قوله تعالى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) وهؤلاء طائفتان خرج بعضهما على بعض وصار يقاتل بعضهم بعضًا فمن بغى من الطائفتين وجب علينا قتاله وكذلك من بغى على الإمام وجب علينا قتاله الثالث المحاربون وهم الذين يقطعون الطرق ولا نتمكن منهم إلا بقتال هؤلاء لم يخرجوا على الإمام لكنهم خرجوا على الناس وصاروا يقطعون الطريق ولم نتمكن من القضاء عليهم إلا بالقتال فالمهم أنه لابد أن يكون القتال مباحًا وعلل المؤلف ذلك بقوله لأنه رخصة والرخصة لا تستباح بالمعصية.
السائل: من خاف على المال في بيته من السرقة كيف يصلي؟
الشيخ: يصلي على حسب حاله.
السائل: البغاة لهم تأويل سائغ، وإذا ليس لهم تأويل سائغ؟
[ ٢ / ١٦٦ ]
الشيخ: يقول العلماء إذا اختل شرط من الشروط فهم خوارج يعاملون معاملة الخوارج.
القارئ: والخوف على ضربين شديد وغيره فغير الشديد يجوز أن يصلي بهم على الصفة التي صلاها رسول الله ﷺ قال أحمد ﵁ الأحاديث التي جاءت في صلاة الخوف كلها أحاديث جياد صحاح وهي تختلف فأقول إن ذلك كله جائز لمن فعله إلا أن حديث سهل بن أبي خيثمة أنكى في العدو فأنا أختاره وقال ستة أو سبعة تروى فيها كلها جائز فنذكر الوجوه التي بلغنا.
الشيخ: في هذا خطأ نحوي ما هو؟ بلغنا الصواب بلغتنا والتأنيث هنا واجب لأنه ضمير وقد قال ابن مالك:
وإنما تلزمُ فِعلَ مُضْمَرِ مُتَّصِلٍ أو مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ
تبين لنا أن صلاة الخوف وردت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على وجوه متنوعة فهل هذه الوجوه تتبع المصلحة أو هي على التخيير مطلقا؟ الجواب تتبع المصلحة لأن بعضها قد لا يكون من المصلحة بل قد يكون متعذرًا أن تقام صلاة الخوف على هذا الوجه إلا على وجه الإلقاء بالنفس إلى التهلكة واختياره حديث سهل بن أبي حثمة أولًا أنه أنكى بالعدو كما قال والثاني أنه موافق لظاهر القرآن فإنك إذا قرأت حديث سهل ﵁ وقرأت الآية وجدت أنه أقرب الصفات إلى ما ذكره الله في كتابه.
القارئ: فالوجه الأول منها: ما روى صالح بن خوات عمن صلى مع النبي ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صلت معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائمًا فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم متفق عليه فهذا حديث سهل الذي اختاره أحمد.
[ ٢ / ١٦٧ ]
الشيخ: هذا إذا تأملته وجدته مطابقًا للآية قال (فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا) يعني أتموا صلاتهم (فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) وهذا من حسن الترتيب ومن كمال العدل لأن الطائفة الأولى أدركت مع النبي ﷺ فضيلة والثانية أدركت فضيلة أخرى الأولى أدركت فضيلة تكبيرة الإحرام والثانية أدركت فضيلة التشهد والتسليم ولهذا جعل الله تعالى الثانية هي التي صلت مع الرسول (وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) الأولى يعتبر فاتها شيء من الصلاة وهي الركعة والطائفة الثانية لم يفتها شيء في الواقع لأن النبي ﷺ انتظر الطائفة الثانية حتى قضت الركعة وسلم بهم وفي هذا دليل على سهولة الشريعة الإسلامية لأن صلاة الخوف هذه خالفت غيرها من الصلوات من وجوه:
الوجه الأول أن الطائفة الأولى انفردت عن الإمام وسلمت قبله.
والثاني أن الطائفة الثانية قضت ما فاتها قبل أن يسلم.
ومنها أيضًا أن الإمام في الركعة الثانية يلزمه أن يطيلها أكثر من الركعة الأولى لأنه سينتظر قضاء الطائفة الأولى للركعة ثم ذهابهم ثم مجيء الطائفة الثانية ثم دخولها في الصلاة وقراءتها الفاتحة فهو سوف يطول الركعة الثانية أكثر من الأولى مع أن القاعدة في الصلوات أن الركعة الثانية أقصر من الأولى.
السائل: المؤلف ﵀ ذكر الإمام أحمد وقال ﵁ فهل الترضي خاص بالصحابة أم عام؟
الشيخ: لا، عام بنص القرآن لكن تخصيص رجل معين جرت عادة العلماء أنهم لا يخصون إلا الصحابي فقط ولكن ليس حرامًا أن تقول رضي الله عن فلان.
[ ٢ / ١٦٨ ]
القارئ: ويشترط أن يكون في المسلمين كثرة يمكن تفريقهم طائفتين كل طائفة ثلاثة فأكثر ويقرأ الإمام في حال الانتظار ويطيل حتى يدركوه لأن الصلاة ليست محلًا للسكوت وتكون الطائفة الأولى في حكم الائتمام قبل مفارقته إن سها لحقهم حكم سهوه وسجدوا له وإن سهوا لم يلحقهم حكم السهو لأنهم مأمومون فإذا فارقوه صاروا منفردين لا يلحقهم سهوه وإن سهوا سجدوا لأنهم منفردون وأما الطائفة الثانية فيلحقها سهو إمامها في جميع الصلاة ما أدركوه معه وما لم يدركوه كالمسبوق ولا يلحقهم حكم سهوهم في شيء من صلاتهم لأنهم إن فارقوه فعلًا فهم موئتمون به حكمًا لأنهم يسلمون بسلامه فإذا قضوا ما عليهم فسجد إمامهم سجدوا معه فإن سجد قبل إتمامه سجدوا معه لأنه إمامهم فلزمهم متابعته ولا يعيدون السجود بعد فراغهم من التشهد لأنهم لم ينفردوا عن الإمام فلا يلزمهم من السجود أكثر مما يلزمه بخلاف المسبوق.
الشيخ: هذا في سجود السهو هل يلحق الطائفة الأولى أو لا؟ فنقول الراجح أنه إن سها فيما أدركوه لحقهم وإن سها بعد أن فارقوه لم يلحقهم أما الطائفة الثانية فتلزمهم متابعته في كل حال سواء أدركوا سهوه أم لم يدركوه.
فصل
القارئ: الوجه الثاني أن يقسمهم طائفتين يصلي بكل طائفة صلاة كاملة كما روى أبو بكرة قال صلى رسول الله ﷺ في خوف الظهر فصف بعضهم خلفه وبعضهم بإزاء العدو فصلى ركعتين ثم سلم فانطلق الذين صلوا معه فوقفوا موقف أصحابهم ثم جاء أولئك فصلوا خلفه فصلى بهم ركعتين ثم سلم فكان لرسول الله ﷺ أربعًا ولأصحابه ركعتين ركعتين رواه أبو داود.
الشيخ: صلى أربعًا لكن غير متواصلة يعني صلى بطائفة ركعتين وبطائفة ركعتين فيكون صلاته بالطائفة الثانية صلاة متنفل وخلفه مفترض.
فصل
[ ٢ / ١٦٩ ]
القارئ: الوجه الثالث أن يصلي بهم كالتي قبلها إلا أنه لا يسلم إلا في آخر الأربع كما روى جابر قال أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا في ذات الرقاع فنودي بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين فكانت لرسول الله صلى كانت لرسول الله أربع ركعات وللقوم ركعتان رواه البخاري.
الشيخ: ما الفرق بين هذا الوجه والذي قبله؟ أن الأول فيه تسليم لرسول الله ﷺ أما هذا لا، إذًا قوله (ما فاتكم فأتموا) يستثنى منه هذه الصفة من صلاة الخوف فإن القوم المتأخرين قد فاتهم ركعتان ومع ذلك لا يؤمرون بقضائهما.
وذات الرقاع هذه غزوة قبل نجد كانت أرجلهم يأكلها الحفا فصاروا يجعلون عليها رقاعًا وقاية.
فصل
القارئ: الوجه الرابع ما روى عبد الله بن عمر قال صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف في بعض أيامه فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة ثم قضت الطائفتان ركعة ركعة متفق عليه فهذا الوجه جوز أحمد ﵁ الصلاة به واختار حديث سهل لأنه أشبه بظاهر الكتاب وأحوط للصلاة وأنكى في العدو أما الكتاب فقوله تعالى (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) وقوله (وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) ظاهره أن جميع صلاتها معه وأن الطائفة الأولى قد صلت جميع صلاتها ولا يتحقق هذا في هذا الوجه وأما الاحتياط للحرب فإن كل طائفة تنصرف بعد الفراغ من صلاتها وتتمكن من الضرب والكلام والتحريض وغير ذلك وفي هذا الوجه تنصرف كل طائفة وهي في حكم الصلاة لا تتمكن من ذلك ولا يخلو من أن تمشي أو تركب وذلك عمل كثير يفسدها.
الشيخ: يفسدها يعني في غير هذه الحال يعني لو احتاجوا إلى مشي طويل أو ركوب فإن صلاتهم لا تبطل لوجود الضرورة إلى ذلك.
فصل
[ ٢ / ١٧٠ ]
القارئ: الوجه الخامس إذا كان العدو في جهة القبلة بحيث لا يخفى بعضهم على المسلمين ولم يخافوا كمينا صلى بهم كما روى جابر قال شهدت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف فصففنا خلفه صفين والعدو بيننا وبين القبلة فكبر رسول الله ﷺ فكبرنا جميعا ثم ركع وركعنا ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف المؤخر في نحر العدو فلما قضى رسول الله ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم ثم ركع رسول الله ﷺ وركعنا جميعا ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ثم انحدر بالسجود والصف الذي كان يليه مؤخرًا في الركعة الأولى وقام الصف المؤخر في نحور العدو فلما قضى النبي ﷺ السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجد ثم سلم النبي ﷺ وسلمنا جميعا أخرجه مسلم.
الشيخ: هذه الصورة معروفة الآن العدو قِبَل القبلة صفهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صفين فكبر بهم جميعًا وركع بهم جميعًا وسجد ومعه الصف الأول ثم قام فسجد الصف المؤخر وعلى هذا فيكون قيامهم بين الركوع والسجود أعني الصف المؤخر يكون طويلًا أو قصيرا؟ طويلًا لأنهم لم يسجدوا إلا بعد أن سجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورفع فلما قاموا تأخر الصف المقدم وصار في مكان الصف المؤخر وتقدم الصف المؤخر وصار في مكان الصف المقدم أولًا وفعلوا في الركعة الثانية كما فعلوا في الركعة الأولى وفي هذا دليل على جواز العمل وإن كثر في صلاة الخوف للضرورة إليه وفيه كمال العدل بين المصلين لأن النبي ﷺ جعل الصف المقدم مؤخرًا والمؤخر مقدمًا لئلا يقول الصف المؤخر إن هؤلاء فضلونا في الصف المقدم في الركعتين جميعًا.
[ ٢ / ١٧١ ]
السائل: في الوجه الثالث صلاة النبي ﷺ أربع ركعات بدون سلام هل يحمل على أنه سلم بعد ركعتين حمل المطلق على المقيد؟
الشيخ: لا، لأنه صريح كانت أربع ركعات ولقومه ركعتان.
السائل: هل يفعل الوجه الخامس لو لم يكن العدو تجاه القبلة؟
الشيخ: لا ما يصح وليس هناك فائدة منها إلا إذا كان العدو تجاه القبلة.
القارئ: فهذه الأوجه الخمسة جائزة لمن فعلها ولا نعرف وجهًا سادسًا غير ما روى ابن عباس قال صلى رسول الله ﷺ بذي قرد صلاة الخوف والمشركون بينه وبين القبلة فصف صفًا خلفه وصفًا موازي العدو فصلى بهم ركعة ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ورجع هؤلاء إلى مصاف هؤلاء فصلى بهم ركعة ثم سلم فكان لرسول الله ﷺ ركعتان ولهم ركعة ركعة رواه الأثرم وكلام أحمد يقتضي كون هذا من الوجوه الجائزة إلا أن أصحابه قالوا لا تأثير للخوف في عدد الركعات فيدل على أن هذا ليس بمذهب له.
الشيخ: والصواب ما دلَّ عليه عموم كلام الإمام أحمد أن كل وجه صح عن الرسول ﷺ في صفة صلاة الخوف فإن الصلاة به جائزة ولكن لاحظوا أننا ذكرنا فيما سبق أولًا أنه ليست المسألة على سبيل التخيير ولكنها على سبيل المصلحة فقد يجوز هذا الوجه في حال ولا يجوز في حال أخرى فحديث جابر الذي مرنا قريبًا لا يجوز إذا كان العدو خلف ظهورنا أي فائدة أن نصطف صفين ويصلي بنا الإمام ثم يبقى الصف الأول قائمًا لا فائدة من هذا.
* (هنا يوجد سقط في قراءة المتن والشرح من قوله: (فصل) فإن صلى المغرب على حديث سهل ) إلى قوله: (ثم تكبر الطائفة وتدخل معه)
القارئ: فإذا جلس للتشهد الآخر نهضت لقاء ما فاتها ولم تتشهد معه لأنه ليس بموضع تشهدها ويحتمل أن تتشهد معه إذا قلنا إنها تقضي ركعتين متواليتين لئلا يفضي إلى وقوع جميع الصلاة بتشهد واحد.
[ ٢ / ١٧٢ ]
الشيخ: والصحيح في هذا أن الطائفة الأولى تصلي ركعتين معه وأنه يقوم بعد التشهد ويثبت قائمًا حتى تعود الثانية فإذا صلت معه الركعة وجلس للتشهد قامت فقضت ركعتين تقرأ في الأولى بسورة مع الفاتحة ثم تتشهد لأن الصحيح أن ما يقضيه هو آخر صلاته ثم تقوم وتأتي بالركعة الثالثة بفاتحة الكتاب فقط ثم تجلس ويسلم الإمام بها فتكون الطائفة الأولى امتازت بإدراك ركعتين والثانية امتازت بإدراك جميع الصلاة لقول النبي ﷺ (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) والأولى أدركت ركعتين لكن انصرافها قبل سلام الإمام انصراف بأمر الله فتثاب عليه.
السائل: ما الفرق بين ما رجحناه وبين كلام المؤلف ﵀؟
الشيخ: المؤلف يقول إن الطائفة الثانية إذا قامت تصلي ركعتين متواليتين على أحد الوجهين وعلى الوجه الثاني تصلي ركعتين بتشهدين لكن تقرأ في كلتا الركعتين سورة مع الفاتحة ونحن نقول تصلي ركعتين بتشهدين وتقرأ في الركعة الثالثة وهي الثانية المقضية بالفاتحة فقط.
فصل
القارئ: ويجوز صلاة الخوف للمقيمين لعموم قوله تعالى (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) ولأنها حالة خوف فأشبهت حالة السفر ويصلي بكل طائفة ركعتين وتتم الطائفة الأولى بالحمد لله في كل ركعة والطائفة الأخرى بالحمد لله وسورة وفي موضع مفارقة الطائفة الأولى له وجهان على ما ذكرنا في المغرب.
الشيخ: يعني هل تفارقه وهو في التشهد الأول أو تفارقه متى؟ إذا قام إلى الثالثة فيه وجهان كما سبق.
القارئ: وإن صلى بطائفة ثلاث ركعات وبالأخرى ركعة أو صلى المغرب بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين جاز لأنه لم يزد على انتظارين ورد الشرع بهما.
[ ٢ / ١٧٣ ]
الشيخ: لكن ينبغي أن يقيد هذا بما إذا لم يخالف الجيش فإن خالف وقال نريد أن تصلي بنا كما ورد فإنه يلزمه أن يصلي كما ورد لأن كونه يصلي بالأولى ركعة واحدة هذا بخس لها في الواقع فيقيد هذا الكلام بما إذا لم يحصل معارض فإن حصل معارض وقال نريد أن تطبق السنة ولا نسمح بحقنا إن كان لنا حق فإنه يتبع هذا المعارض.
القارئ: وإن فرقهم أربع فرق وصلى بكل طائفة ركعة أو ثلاث فرق في المغرب صحت صلاة الأولى والثانية لأنهما فارقتاه لعذر وبطلت صلاة الإمام لزيادته انتظارًا لم يرد الشرع بمثله وصلاة الثالثة والرابعة لاقتدائهما بمن صلاته باطلة وقال ابن حامد إن لم يعلما ببطلان صلاته صحت صلاتهما للعذر فأشبه من صلى وراء محدث يجهل هو والإمام حدثه.
الشيخ: أولًا هذا الكلام عليه مؤاخذتان:
المؤاخذة الأولى ظاهر كلامه أنه يجوز أن يفرقهم أربع فرق مطلقا وليس كذلك بل يقيد هذا بما إذا لم يكن هناك ضرر فإن كان هناك ضرر إذا فرقهم أربع فرق بحيث تقل الفرقة وتكون صغيرة بالنسبة لمقابلة العدو فإن هذا يمنع وإن كان هي في الواقع لم تكن صغيرة إلى ذاك الحد لأنها ستجتمع مع إحدى الفرق الثلاث.
المؤاخذة الثانية قوله إن صلاة الإمام تبطل لأنه انتظار لم يرد به الشرع فيقال وهذا الانتظار الذي لم يرد به الشرع زيادة تطويل الركن وزيادة تطويل الركن جائز حتى وإن لم يكن في صلاة الخوف فلو أطال الإنسان القيام في الركعة الثانية أكثر من الأولى لكان هذا غير مبطل للصلاة وإن كان الأفضل أن تكون الأولى أطول فالصحيح أن ينظر للمصلحة إذا كان من المصلحة أن يفرقهم أربع فرق فليفعل وتصح صلاته مع الطوائف الأربع كلها.
السائل: إذا كان في صلاة الخوف إمام ومأموم واحد كأن يحاصرهما العدو؟
[ ٢ / ١٧٤ ]
الشيخ: إمام ومأموم إذا كان لابد أن ينتظر المأموم نقول كبر مع الإمام واركع مع الإمام وارفع مع الإمام وعند السجود تبقى تنتظر لا يأتي العدو ثم إذا قام الإمام اسجد ثم قم معه في الثانية وهذه مسألة فرضية.
السائل: مصلحة تفريقهم أربع فرق ليست واضحة لأن المصلحة في جعلهم فرقتين؟
الشيخ: وهذه بارك الله فيك قد تحدث أحيانًا قد يكون في تفريقهم أربع فرق مصلحة إذا كان العدد كبيرًا وتفريقهم أربع فرق قد تتغير به الوجوه عند العدو مثل ما فعل القعقاع بن عمرو في غزوه للفرس صار يرحل يعني الجيش يقابل العدو وبعضهم يذهب من بعيد يأتي كأنه مدد جديد فيهابه العدو المهم أن المصلحة ما يمكن الآن يتصورها الإنسان حتى تقع فعلًا.
فصل
القارئ: فإن صلى صلاة الخوف من غير خوف لم تصح لأنها لا تنفك من مفارق إمامه أو تارك متابعته أو قاصر مع إتمام إمامه أو قائم للقضاء قبل سلامه وكل ذلك مبطل إلا مع العذر إلا أن يصلي بكل طائفة صلاة تامة على حديث أبي بكرة.
الشيخ: وهذا يرد إذا كان يصلي صلاة تامة على حديث أبي بكرة يبقى فيه مشكلة على المذهب أن الطائفة الثانية سوف تأتم بمتنفل وهي مفترضة وعلى القول الصحيح أنه يجوز للمفترض أن يصلي خلف المتنفل هذا يمكن ويرد أيضًا على هذا القول أنه سيفرق القوم إلى جماعتين وهذا بدعة لأن الواجب اجتماع القوم على إمام واحد بصلاة واحدة إلا لعذر فعلى كل تقدير نقول إنه لا ينبغي حتى لو قلنا بصحة صلاة المفترض خلف المتنفل فإنه سيرد علينا محذور آخر وهو تفريق الجماعة الواحدة.
فصل
القارئ: قال أصحابنا لا يجب حمل السلاح في صلاة الخوف لأنه لو وجب لكان شرطًا كالسترة.
[ ٢ / ١٧٥ ]
الشيخ: قال المؤلف ﵀ قال أصحابنا وهذا من باب الورع أن ينسب القول إلى قائله ويفهم من هذا التعبير أن المؤلف ﵀ لا يرى هذا الرأي وهو الصحيح أي أن الصحيح أنه يجب حمل السلاح يجب وليس شرطًا لصحة الصلاة لأنه لا علاقة له بها إذ أن المقصود منه المدافعة عن النفس فلا علاقة له بالصلاة ولا يمكن أن يكون كالسترة السترة تجب لأنه لو تجرد الإنسان منها لكان عريانًا وهذا ينافي الخشوع والخضوع لله أن يصلي وهو عاري يقف بين يدي الله ﷿ وعورته مكشوفة لكن السلاح لا يكون كذلك فالصواب أن حمل السلاح في صلاة الخوف واجب لأن الله تعالى قال (وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) وقال في الطائفة الثانية (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) فالصواب الوجوب وهو دليل على وجوب حماية النفس مما يعرض لها من الأضرار.
القارئ: ويستحب أن يحمل ما يدفع به عن نفسه كالسيف والسكين ويكره ما يثقله كالجوشن وما يمنع كمال السجود كالمغفر وما يؤذي به غيره كالرمح متوسطا فإن كان في حاشية لم يكره.
الشيخ: قوله أن يحمل من السلاح ما يدفع به عن نفسه بشرط أن لا يؤذي غيره وأن لا يخل بصلاته وأن لا يشق عليه لكن إذا قدر أنه في ضرورة إلى حمل الثقيل فهل يحمله نقول نعم يحمله ويتصبر على المشقة وكذلك من إلى جانبه يتصبر على الأذى لأن المقام مقام دفاع فإذا كان القوم معهم رشاشات ونحن معنا رشاشات لكن قلنا لا تحمله وأنت تصلي احمل السيف والسكين وما أشبه ذلك صار في هذا خطر على المسلمين فالصواب أنه يحمل من السلاح ما يدفع به عن نفسه بحسب الحاجة والضرورة.
[ ٢ / ١٧٦ ]
القارئ: ولا يجوز حمل نجس ولا ما يخل بركن الصلاة إلا أن يخاف وقوع السهام والحجارة ونحوها به فيجوز للضرورة ويحتمل وجوب حمل السلاح للأمر به لقوله تعالى (وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) وقوله تعالى (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ) فيدل على الجناح عند عدم ذلك.
الشيخ: صار ما ظنناه هو الواقع بالنسبة للمؤلف أنه يرى وجوب حمل السلاح وهذا هو الصحيح وأما حمل السلاح النجس فيجوز عند الضرورة، ومع عدم الضرورة لا يجوز لأنه لا يجوز للمصلي أن يحمل شيئًا نجسًا وهو يصلي فإن قال قائل كيف تقولون هذا وقد ثبت أن النبي ﷺ حمل أمامة بنت ابنته زينب وأبوها أبو العاص بن الربيع مع أنه ليس هناك ضرورة قلنا إن النجاسة في معدتها طاهرة فالبول والعذرة في البطن طاهرة ولا يكون نجسًا حتى ينفصل.
السائل: قول المؤلف (ويكره ما يبطله كالجوشن وما يمنع كمال السجود كالمغفر) هل الحكم على العقال مثله؟
الشيخ: العقال لا يمنع كمال السجود هل أحد يرى أهل العقل ما يسجدون إلا الذي ينزله حدر هذا ما يمنع كمال السجود إلا أنه يستلزم أن يحول بينه وبين الأرض ما كان متصلًا به وهو مكروه عند العلماء.
فصل
[ ٢ / ١٧٧ ]
القارئ: الضرب الثاني الخوف الشديد مثل التحام الحرب والقتال ومصيرهم إلى المطاردة فلهم أن يصلوا كيفما أمكنهم رجالًا وركبانًا يومئون بالركوع والسجود على قدر الطاقة ويتقدمون ويتأخرون ويضربون ويطعنون ولا يؤخرون الصلاة عن وقتها وصلاتهم صحيحة وإن هرب هربًا مباحًا من عدو أو سيل أو سبع أو نار لا يمكنه التخلص إلا بالهرب أو كان أسيرًا يخاف الكفار إن صلى أو مختفيًا في موضع يخاف أن يُظهر عليه صلى كيفما أمكنه قائمًا أو قاعدًا أو مستلقيًا إلى القبلة وغيرها بالإيماء بالسفر والحضر فإن أمن في صلاته أتمها صلاة آمن وإن ابتدأها آمنًا فعرض له الخوف أتمها صلاة خائف لأنه يبني على صلاة صحيحة فجاز كبناء صلاة المرض على صلاة الصحة.
الشيخ: هذا الضرب الثاني من صلاة الخوف إذا كان الخوف شديدًا لا يمكن معه الصلاة على الوجوه السابقة فإنه على حالين:
الحال الأولى أن تكون العقول ذاهبة ولا يتمكن الإنسان أن يستحضر شيئًا من صلاته لا قليلة ولا كثيرة ففي هذه الحال إن كانت الصلاة تجمع إلى ما بعدها ويزول هذا الخوف قبل خروج وقت الثانية فإنها تجمع لما بعدها وجوبًا وإن كانت لا تجمع لما بعدها فلهم أن يؤخروها عن وقتها وعلى هذا يحمل ما ورد عن بعض الصحابة بعض القواد أنهم أخروا صلاة الفجر حتى طلعت الشمس وذلك لأن الإنسان في هذه الحال لا يستحضر قراءة ولا ركوعًا ولا سجودًا لأن قلبه طائر قلبه هواء فيؤخر حتى تنتهي هذه الأزمة.
[ ٢ / ١٧٨ ]
الحالة الثانية: إذا كان يمكن أن يستحضر لكن لا يمكن أن يركع ويسجد ويقف للصلاة فهذا يصلي كما قال المؤلف على حسب حاله كارًا وفارًا مستقبلًا القبلة أو مستدبرًا القبلة على حسب حاله لقول الله ﵎ (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) ومعلوم أن الراجل الخائف سوف يقوم بما يؤمنه على أي حال كان ثم ذكر المؤلف ﵀ أنه إن حصل هذا الخوف في أثناء الصلاة انتقل إليه وإن زال هذا الخوف في أثناء الصلاة انتقل إلى صلاة آمن كما قلنا في المريض إذا قدر على القيام في أثناء الصلاة أتمها قائمًا وإذا عجز عن القيام في أثناء الصلاة أتمها قاعدًا لعموم قول الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).
السائل: إذا استطاع الإنسان في الحرب أن يصلي مع حضور القلب لكنه لا يستطيع الوضوء؟
الشيخ: إن أمكن تيمم وإن لم يمكن صلى بغير طهارة ولا يؤخرها عن وقتها إلا ما كانت مجموعة فالأولى أن يؤخر إذا كان المقصود الطهارة أما إذا كان لا يستطيع أن يأتي بالركوع والسجود وغير ذلك فكما قلت لكم إذا كانت تجمع لما بعدها يجب أن يجمع.
القارئ: وإن رأى سوادًا فظنه عدوا فصلى صلاة الخوف ثم بان أنه غير عدو أو بينه وبينه ما يمنع العبور أعاد لأنه لم يوجد المبيح فأشبه من ظن أنه متطهر فصلى ثم علم بحدثه قال أصحابنا ويجوز أن يصلوا في شدة الخوف جماعة رجالًا وركبانا ويعفى عن تقدمهم الإمام لأجل الحاجة كما عفي عن العمل الكثير وترك الاستقبال.
الشيخ: واضح وصحيح ولا يوجد إشكال والقياس صحيح لأن هذا أخل بأركان الصلاة وشروطها.
السائل: لو سمع غوثًا أن احتراقًا أو غرقًا هل نقول ينقذه وهو يصلي أم يقطع الصلاة؟
الشيخ: يقطع الصلاة لأن هذه لمصلحة الغير.
[ ٢ / ١٧٩ ]