القارئ: ومن لزمه دين مؤجل لم يجز مطالبته به لأنه لا يلزمه أداؤه قبل أجله ولا يجوز الحجر عليه به لأنه لا يستحق المطالبة به فلم يملك منعه من ماله بسببه فإن أراد سفرًا يحل دينه قبل قدومه منه فلغريمه منعه إلا برهن أو ضمين مليء لأنه ليس له تأخير الحق عن محله وفي السفر تأخيره وإن لم يكن كذلك ففيه روايتان إحداهما له منعه لأن قدومه عند المحل غير متيقن ولا ظاهر فملك منعه كالأول والثانية ليس له منعه لأنه لا يملك المطالبة به في الحال ولا يعلم أن السفر مانع منها عند الحلول فأشبه السفر القصير وإن كان الدين حالًا والغريم معسرًا لم تجز مطالبته لقول الله تعالى (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة).
[ ٤ / ٤٨٢ ]
الشيخ: وإن كان ذو عسرة فيها إشكال وهو رفع ذو مع أن المتبادر أن تكون منصوبة والجواب أنها تامة فالمعنى إن كان ذو عسرة أي إن وجد والمعنى أن المدين إذا كان معسرًا فَنَظِرَة إلى ميسرة أي فعلى الطالب نَظِرَة أي انظارٌ إلى ميسرة وحذف الخبر هنا من أجل أن يكون الذي يبدر إلى ذهن المخاطب وسمع المخاطب هو الإنظار دون الوجوب لأن كلمة فنظرة وقعها في النفس أعظم من قولنا فعليه نظرة وهذا من بلاغة القرآن وهنا استفدنا أولًا الاختصار وثانيًا وقوة وقع الكلام على النفس لو أن فقيرًا أتى إلى شخص وقال أريد أن تبيعني شيئًا إلى أجل لأني الآن ليس عندي شيء فقال البائع إلى متى فقال الفقير إلى أن ييسر الله عليَّ فهل هذا الشرط جائز مع أنه مجهول لأنه قال متى يسر الله عليَّ؟ نقول هذا الشرط جائز لا لأنه مجهول أو معلوم لكن لأنه وهو مقتضى العقد إذ أن مقتضى العقد أن الإنسان الفقير إذا بيع عليه فإنه لا يطالب إلا بعد الميسرة فيكون هذا كالتأكيد ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ (أن
رجلًا قدم ببز له من الشام فقالت له عائشة يا رسول الله لو أرسلت إلى فلان قدم له بز من الشام فأرسله إليه وقال له في الأجل إلى ميسرة فأبى الرجل) لم يبيع فدل ذلك على جواز شراء الفقير بأجل إلى ميسرة.
[ ٤ / ٤٨٣ ]
القارئ: ولا يملك حبسه ولا ملازمته لأنه دين لا يملك المطالبة به فلم يملك به ذلك كالمؤجل فإن كان ذا صنعة ففيه روايتان إحداهما يجبر على إجارة نفسه لما روي أن رجلًا دخل المدينة وذكر أن وراءه مالا فداينه الناس ولم يكن وراءه مال فسماه النبي ﷺ سرقا وباعه بخمسة أبعرة وروى الدارقطني نحوه وفيه أربعة أبعرة والحر لا يباع فعلم أنه باع منافعه ولأن الإجارة عقد معاوضة فجاز أن يجبر عليه كبيع ماله وإجارة أم ولده والثانية لا يجبر لما روى أبو سعيد أن رجلًا أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال النبي ﷺ (تصدقوا عليه) فتصدقوا عليه فلم يبلغ وفاء دينه فقال النبي ﷺ (خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك) رواه مسلم ولأنه نوع تكسب فلم يجبر عليه كالتجارة.
الشيخ: الرواية الأولى أصح إذا صح الحديث وفيها أيضًا دليل قياس فهذا رجل عليه دين ولكنه قادر على التكسب فهل نجبره أن يتكسب ليقضي دينه؟ الحديث الأول يدل على ذلك لأن الرسول باعه بخمسة أبعرة وهو حر والحر لا يباع فإذا تعذر بيع عينه تعين بيع منافعه وهذا هو الكسب ولأنه قادر على الوفاء بكسبه فلزمه الوفاء به كالقادر على الوفاء بماله ولا فرق وأما الحديث الثاني الذي رواه مسلم فلا يعارضه لأن الجواب عنه سهل فهذه قضية عين يحتمل أن هذا الرجل الذي خسر في بيعاته يحتمل أنه عاجز عن التكسب فلم يجبره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأما قوله (لأنه نوع تكسب فلم يجبر عليه كالتجارة) فيقال التجارة لا يلزم بها إذا كان معسرًا وهو قادر وإذا قلنا نعم ففرق بينها وبين المنافع التجارة قد يتجر الإنسان ويخسر فيزداد دينه لكن المنافع هو كسبان على كل حال فهو سيعطى أجرة فالقياس هنا فيه نظر والحديث لا يعارض الحديث الأول والقياس مع الحديث الأول هو أن القادر على الوفاء بكسبه كالقادر على الوفاء بماله ولا فرق.
فصل
[ ٤ / ٤٨٤ ]
القارئ: وإن كان موسرًا فلغريمه مطالبته وعليه قضاؤه لقول النبي ﷺ (مطل الغني ظلم) متفق عليه فإن أبى فله حبسه لقول النبي ﷺ (ليُّ الواجد يحل عقوبته وعرضه) من المسند فإن لم يقضه باع الحاكم ماله وقضى دينه لما روي أن عمر ﵁ قال إن أسيفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال سابق الحاج فادَّان معرضًا فمن
كان له عليه مال فليحضر فإنا بائعو ماله وقاسموه بين غرمائه رواه مالك في الموطأ بنحوه فإن غيب ماله حبسه وعزره حتى يظهره.
الشيخ: قوله (فادَّان) يعني تدين وقوله (عزره حتى يظهره) يفيد أنه يكرر التعزير ولو كل يوم حتى يظهره وهذا ليس كالتعزير على فعل محرم لأن التعزير على فعل محرم لا يكرر إذ أنه إذا عزر على فعل محرم انتهى عنه وانتهى الموضوع لكن التعزير على ترك واجب يكرر حتى يقوم بالواجب.
القارئ: ولا يجوز الحجر عليه مع إمكان الوفاء لعدم الحاجة إليه وإن تعذر الوفاء وخيف من تصرفه في ماله حجر عليه إذا طلبه الغرماء لئلا يدخل الضرر عليهم.
[ ٤ / ٤٨٥ ]
الشيخ: المدين ينقسم إلى أقسام الأول ألا يكون عنده شيء يوفي به فهذا يجب انظاره ويحرم طلبه ومطالبته وحبسه وتعزيره دليل ذلك (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة) الثاني أن يكون عنده مال يكافئ الدين أو يزيد عليه فهذا يلزم بالوفاء بدون حجر وللحاكم أن يبيع ما شاء من ماله ويوفي به ودليله قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (مطل الغني ظلم) والظلم لا يجوز إقراره إلا إذا رضي المظلوم فالحق له والثالث أن يكون ماله دون دين يعني أن الدين أكثر فهذا يحجر عليه إذا طلب الغرماء ذلك أو بعضهم والحجر هو أن يمنع من التصرف في ماله أي في عين ماله سواء كان المال عينًا قائمة أو في الذمة فلا يجوز أن يبرئ من الدين الذي في ذمة المعسر أو الغني لأن هذا يضر بالغرماء واختار شيخ الإسلام ﵀ أن الحجر يثبت سواء حكم به الحكم أم لا ولكن الحجر في التبرع خاصة وأن من دينه قدر ماله يحرم عليه أن يتبرع بالمال لا بصدقة ولا بوقف ولا بهدية ولا بهبة وأما التصرف بالبيع والشراء على وجه لا يضر به فهذا جائز أما إذا بلغ الحاكم وحكم بالحجر عليه منع من التصرف بماله مطلقًا فيقبض على يده فلا يتصرف لا بتبرع ولا بغيره.
فصل
[ ٤ / ٤٨٦ ]
القارئ: فإن ادعى الإعسار من لم يعرف له مال فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدمه وإن عرف له مال أو كان الحق لزمه في مقابلة مال كثمن مبيع أو قرض لم يقبل قوله إلا ببينة لأن الأصل بقاء المال ويحبس حتى يقيم البينة فإن قال غريمي يعلم إعساري فعلى غريمه اليمين أنه لا يعلم ذلك وإن أقام البينة على تلف المال فعليه اليمين معها أنه معسر لأنه صار بهذه البينة كمن لم يعرف له مال وإن شهدت بإعساره فادعى غريمه أن له مالًا باطنًا لم تلزمه يمين لأنه أقام البينة على ما أدعى وتسمع البينة على التلف وإن لم يكن ذا خبرة باطنة لأنه أمر يعرف بالمشاهدة ولا تسمع على الإعسار إلا من أهل الخبرة بحاله لأنه من الأمور الباطنة فإن كان في يده مال
فأقر به لغيره سئل المقر له فإن كذبه بيع في الدين وإن صدقه سلم إليه فإن قال الغريم أحلفوه أنه صادق لم يستحلف لأنه لو رجع عن الإقرار لم يقبل منه وإن طلب يمين المقر له احلفناه لأنه لو رجع قبل رجوعه.
[ ٤ / ٤٨٧ ]
الشيخ: هذه المسألة فيها نظر إذا أقر أنه لفلان الخ، والصواب التفصيل أنه إذا أقر أنه لفلان وكان هناك شبهة بأن كان فلان من أصدقائه الخاصين وكان هذا المدين لا يبالي أقضى دينه أم لا فهنا لا يكفي الإقرار بل لصاحب الدين أن يُحَلِّفَهُ ويُحَلِّفَ مَنْ أُقِرَّ لَهُ أيضًا لاحتمال أنه كاذب وهذه تقع كثيرًا فيمن عندهم النعرة القبلية فتجد الواحد منهم يشهد ويحلف لصاحبه وإن كان يعلم أنه كاذب لأنه من قبيلته ولأنه صديقه وما أشبه ومثل هذه المسائل التي يذكرها الفقهاء ﵏ يذكرونها على سبيل العموم وعلى سبيل الإطلاق لكن تقيد بالقرائن بلا شك لا سيما في المعاملات نعم العبادات يتوقف فيها على ما جاءت به الشريعة لكن في المعاملات يعمل بالقرائن ولهذا عمل شاهد يوسف بالقرينة لما قالت امرأة العزيز حين هرب منها يوسف ﵊ ووجد سيدها عند الباب (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) اتهمته مع أنها هي التي تدعوه إلى نفسها ثم الحاكم حكم وقال إن كان قميصه قُدَّ من قُبُلٍ فهي صادقة وهو كاذب وإن كان قميصه قُدَّ من دُبُرٍ فهو صادق وهي كاذبة والقرينة هنا هي شق الثوب إذا كان من الأمام فمعناه أنه هو الذي طلبها وشقت ثوبه للفرار منه وإذا كان من الخلف فمعناه أنه هو الذي هرب وليس منه طلب بل هي التي لحقته وجرت القميص حتى تمزق فهذا عمل بالقرائن ومن العمل بالقرائن قصة داود وسليمان وهي قصة غريبة خرجت امرأتان بابنين لهما فأكل الذئب ابن الكبيرة فادعت الكبيرة أن ابن الصغيرة ابنها والصغيرة تنفي ذلك وتقول هو ابني ثم تحاكمتا إلى داود ﵊ فأخذ بدعوى الكبيرة اجتهادًا منه وقال هذه الصغيرة الشابة يأتيها الولد في المستقبل وهذه عجوز كبيرة تحتاج إلى ولد فحكم به للكبيرة ثم خرجت المرأتان ومرتا بسليمان ولعلهما مازالتا في نزاع فأخبرتا سليمان بما
[ ٤ / ٤٨٨ ]
حكم به داود فقال لا أنا أشق الولد نصفين ودعا بالسكين نصف تأخذه الكبيرة ونصف تأخذه الصغيرة فرحبت الكبيرة بهذا الحكم ووافقت أما الصغيرة فقالت يا نبي الله هو لها مالي فيه دعوى فحكم به لصغيرة كيف عرف أنه للصغيرة؟ لأنها أشفقت عليه وقالت ولدي يبقى حيًا وإن لم يكن عندي أما الكبيرة فكان ولدها قد تلف فقالت يتلف هذا معه ألا يشبه هذا ما حدث في زماننا الآن بمحكمة التمييز؟ نقول فيها نوع شبه وعلى كل حال أنا أقول إن القرائن يعمل بها لكن القرائن ليست مبنية على التهمة بل على الحقيقة فالقرائن لها أثرها فما ذكره المؤلف ﵀ في هذا الفصل من الدعاوي هو حكم عام لكن القضية المعينة يجب أن يكون لها الحكم الذي تقضيه القرائن والأحوال.
فصل
القارئ: فإن كان ماله لا يفي بدينه فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه لزمته إجابتهم لما روى كعب بن مالك (أن رسول الله ﷺ حجر على معاذ وباع ماله) رواه سعيد بن منصور بنحوه عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك، ولأن فيه دفعًا للضرر عن الغرماء فلزم ذلك كقضائهم ويستحب الإشهاد على الحجر ليعلم الناس حاله فلا يعاملوه إلا على بصيرة.
[ ٤ / ٤٨٩ ]
الشيخ: تبين لنا الآن أن الدين والمال إن كان المال أكثر فلا حجر وإن كان مساويًا فلا حجر وإن كان الدين أكثر فهنا يثبت الحجر لكن بسؤال الغرماء أو بعضهم والحجر معناه أن نمنع المفلس من التصرف في ماله لا في ذمته لأن ماله الآن تعلق به حق الغرماء فنقول لا تبع ولا تشتري ولا تهب ولكن هل يثبت الحجر بمجرد أن يزيد الدين على ماله ونقول الآن لا يجوز لك تتصرف يضر بالغرماء أو لابد من الحجر؟ فيه قولان للعلماء والصحيح أنه لا يحل له أن يتبرع بشيء من ماله مادام دينه أكثر من ماله وذلك لأن وفاء الدين واجب والتبرع بالمال ليس بواجب حتى وإن كان صدقة فإذا قال أريد أن أعطي هذا الفقير عشرة ريال نقول لا تعطه عشرة ريال فإذا قال الدين كثير مائة ألف قلنا لا تعطه عشرة ريالات ولكن أعطهن الغريم الذي يطلبك ويبقى عليه مائة ألف إلا عشرة ريال وهلمجرا تنقص شيئًا فشيئًا حتى تنتهي.
القارئ: ويتعلق بالحجر عليه أربعة أحكام أحدها منع تصرفه في ماله فلا يصح بيعه ولا هبته ولا وقفه ولا غير ذلك لأنه حجر ثبت بالحاكم فمنع تصرفه كالحجر للسفه وفي العتق روايتان إحداهما لا يصح لذلك ولأن حق الغرماء تعلق بماله فمنع صحة عتقه كما لو كان مريضًا.
الشيخ: قوله (كما لو كان مريضًا) يعني كما لو كان السيد مريضًا مرض الموت وأعتقه فإنه لا ينفذ منه إلا الثلث فقط.
القارئ: والثانية يصح لأنه عتق من مالك رشيد صحيح أشبه عتق الراهن.
الشيخ: هذا قياس على شيء لا يسلم المؤلف ﵀ قال (لو أن المحجور عليه أعتق عبدًا) ولنفرض أن العبد نصف ماله فمعناه أنه ضيع على الغرماء نصف ما يستحقون ويقول أن القول الثاني صحيح وقاسه على الراهن وهو المدين الذي رهنه عبده ثم أعتقه فالمذهب أن العتق ينفذ والصحيح أنه لا ينفذ لا عتق الراهن ولا عتق المحجور عليه.
[ ٤ / ٤٩٠ ]
القارئ: وإن أقر بدين أو عين في يده كالقصار والحائك يقر بثوب لم يقبل إقراره لذلك ويلزم في حقه يتبع به بعد فك الحجر عنه وإن توجهت عليه يمين فنكل عنها فهو كإقراره.
الشيخ: قوله (لذلك) يعني لتعلق حق الغرماء بماله والصورة هذه واضحة إنسان بعد أن حجر عليه قال هذا الثوب الذي عندي لفلان فلا يقبل إقراره بالنسبة للغرماء ويقبل إقراره بالنسبة لصاحب الثوب فيُطَالَب به بعد فك الحجر عنه ويقول المؤلف ﵀ (كالقصار والحائك) مع أن الغالب أن القصار صادق والقصار هو الذي يفصل الثياب فإذا حجرنا على هذا القصار الذي يفصل الثياب وهو يقول هذا الثوب لفلان فلا شك أن القرينة تدل على صدقه ومع ذلك يقولون لا تقبل لكن لو أن صاحب الثوب جاء يدعيه مع إقرار القصار فهنا ينبغي أن يقال إن الإقرار صحيح وأن الثوب يعطى لصاحبه أما على المذهب فيكون الثوب يدخل في ماله ويباع ويُعْطَى الغرماء ويضمن لصاحب الثوب بعد فك الحجر.
القارئ: وإن تصرف في ذمته بشراء أو اقتراض أو ضمان أو كفالة صح لأنه أهل للتصرف والحجر إنما تعلق بماله دون ذمته ولا يشارك أصحاب هذه الديون الغرماء لأن من علم منهم بفلسه فقد رضي بذلك ومن لم يعلم فهو مفرط ويتبعونه بعد فك الحجر عنه كالمقر له.
الشيخ: قوله (يتبعونه) أي أصحاب الديون الذين أقر لهم بعد الحجر.
القارئ: وهل للبائع والمقرض الرجوع في أعيان أموالهما إن وجداها على وجهين أحدهما لهما ذلك للخبر ولأنه باعه في وقت الفسخ فلم يسقط حقه منه كما لو تزوجت المرأة معسرًا بنفقتها والثاني لا فسخ لهما لأنهما دخلا على بصيرة بخراب الذمة أشبها من أشترى معيبًا يعلم عيبه.
الشيخ: الصحيح أنهما يرجعان بعين مَالِهِمَا نعم لو عَلِما أنه محجور عليه فقد فرطا أما إذا جهلا وهو رجل معروف يبيع ويشتري مع الناس ثم تبين أنه محجور عليه فلابد أن يرجعا بمالهما.
القارئ: وإن جنى المفلس.
[ ٤ / ٤٩١ ]
الشيخ: قوله (المُفَلَّسُ) يعني الذي حكم بتفليسه بفتح اللام.
القارئ: وإن جنى المفلس جناية توجب مالًا لزمه وشارك صاحبه الغرماء لأنه حق ثبت بغير رضى مستحقه فوجب قضاؤه من المال كجناية عبده وإن ثبت عليه حق بسبب قبل الفلس ببينة شارك صاحبه الغرماء لأنه غريم قديم فهو كغيره.
فصل
القارئ: الحكم الثاني أنه يتعلق حقوق الغرماء بعين ماله فليس لبعضهم الاختصاص بشيء منه سوى ما سنذكره ولو قضى المفلس أو الحاكم بعضهم وحده لم يصح لأنهم شركاؤه فلم يجز اختصاصه دونهم ولو جُنِيَ عليه جناية أوجبت مالًا أو ورث مالًا تعلقت حقوقهم به وأن
أوجبت قصاصًا لم يملكوا إجباره على العفو إلى مال لأن فيه ضرر بتفويت القصاص الواجب لحكمة الأحياء.
الشيخ: مثال ذلك هذا الذي حجر عليه جنى عليه جاني وقطع يده عمدًا واليد فيها نصف الدية فقال الغرماء اعفوا إلى دية قال لا أنا أريد القصاص وهو إذا أقتص لم يحصل على على مال فهل يلزمونه على أن يعفوا إلى المال؟ لا، لا يلزمونه وذلك لأن الإنسان يريد القصاص للتشفي فلا يتشفى بكونه يأخذ دية.
القارئ: ولا يجبر على قبول هبة ولا صدقة ولا قرض عرض عليه ولا المرأة على التزوج لأن فيه ضرر بلحوق المنة أو التزوج من غير رغبة ولو باع بشرط الخيار لم يجبر على ما فيه الحظ من رد أو إمضاء لأن الفلس يمنعه إحداث العقود لا امضاؤها وليس للغرماء الخيار لأن الخيار لم يشرط لهم وإن وهب هبة بشرط الثواب لزم قبوله لأنه عوض عن مال فلزم قبوله كثمن المبيع ولا يملك إسقاط ثمن مبيع ولا أجرة ولا أخذه رديئًا ولا قبض المسلم فيه دون صفته إلا بإذن الغرماء لما ذكرناه.
الشيخ: الخلاصة أنه لا يجوز أن يتصرف تصرفًا يضر بالغرماء وأما لا يضر بهم فلا بأس لأنه لم يحجر عليه لسفه حتى نقول إن تصرفه غير صحيح وإنما حجر عليه لمصلحة الغرماء فما أضر بهم منع وما لم يضر بهم لم يمنع ولهذا يصح إقراره في ذمته واستدانته في ذمته وما أشبهها.
[ ٤ / ٤٩٢ ]
القارئ: وإن أدعى مالًا له به شاهد حلف وثبت المال وتعلقت حقوقهم به وإن نكل لم يكن للغرماء أن يحلفوا لأن دعواهم لهذا المال غير مسموعة فلا يثبت بأيمانهم كالأجانب ولأنهم لو حلفوا لحلفوا على إثبات مال لغيرهم وكذلك الحكم في غرماء الميت إذا لم يحلف الوارث لم يحلفوا لما ذكرنا.
فصل
القارئ: والحكم الثالث أن للحاكم بيع ماله وقضاء دينه ويستحب أن يحضره عند البيع لأنه أعرف بثمن ماله وجيده ورديئه فيتكلم عليه وهو أطيب لقلبه ويحضر الغرماء لأنه أبعد من التهمة وربما رغب بعضهم في شراء شيء فزاد في ثمنه أو وجد عين ماله فأخذها فإن لم يفعل جاز.
الشيخ: لكن إذا زاد أحد الغرماء في الثمن وخيف منه ألا يوفي بناءًا على أن له دينًا على هذا المحجور عليه ففي هذه الحال لا نقبل منه الزيادة لأن هذه الزيادة ستعود بالنقص على بقية الغرماء إلا إذا نقد الثمن أو أتى برهن أو ضمين.
القارئ: لأن ذلك موكول إليه ويقيم مناديًا ينادي على المتاع فإن عين الغرماء أو المفلس مناديًا ثقة.
الشيخ: في النسخة الأولى (فإن عين المفلس والغرماء) الواو يعني اتفق الاثنان على منادي ثقة أما على النسخة الثانية (أو) إن عين المفلس أو الغرماء أي أحدهما لكن إذا اختلفوا فلابد أن يتدخل القاضي.
القارئ: فإن عين الغرماء أو المفلس مناديًا ثقة أمضاه الحاكم وإن لم يكن ثقة رده لأن للحاكم نظرا فإنه ربما ظهر غريم آخر وإن اختلفوا في المنادي قدم الحاكم أوثقهما وأعرفهما فإن تطوع بالنداء ثقة لم يستأجر لأن فيه بذل الأجرة من غير حاجة وإن عدم بذلت الأجرة من مال المفلس لأن البيع حق عليه ويقدم على الغرماء بها لأنه لو لم يعط لم يناد وكذلك أجرة من يحفظ المتاع والثمن ويحمله.
الشيخ: هؤلاء مقدمون على الغرماء لأن عملهم يتعلق بنفس المال وهو لمصلحة الغرماء فلا نقول إنهم يشاركون الغرماء في الدين ويوزع عليهم بالقسط بل نقول يقدمون لأنهم يعملون لمصلحة الغرماء.
[ ٤ / ٤٩٣ ]
القارئ: ويباع كل شيء في سوقه لأن أهل السوق أعرف بقيمة المتاع وأرغب وطلابه فيه أكثر فإن باعه في غيره بثمن مثله جاز لأنه ربما أداه اجتهاده إلى ذلك لمصلحة فيه ويبدأ ببيع ما يسرع إليه الفساد لأن في تأخيره هلاكه ثم بالحيوان لأنه يحتاج إلى العلف ويخشى عليه التلف ثم بالأثاث لأنه يخشى تلفه وتناله اليد ثم بالعقار لأنه أبعد تلفًا وتأخيره أكثر لطالبيه فيزداد ثمنه.
السائل: وإذا أقر بعد الحجر عليه بدين فهل يدخل صاحب الدين مع الغرماء؟
الشيخ: إذا ثبت في ذمته دين قبل الحجر عليه فصاحب الدين يشارك الغرماء لكن بشرط أن تكون هناك بينة على أن الدين ثبت في ذمته قبل الحجر عليه.
السائل: لو كان لشخص دين على أحد فهل يجوز له أن يستأجره إن كان أهلًا لهذا العمل؟
الشيخ: له أن يستأجره وإذا انتهى العمل قال مثلًا أجرتك خمسة آلاف وأنا أطلبك خمسة آلاف لكن بشرط أن يكون عند هذا المُسْتَأجَر ما يقوم بنفقته فإن لم يكن عنده ما يقوم بنفقته صار معسرًا ويجب إنظاره.
السائل: لو كان عليه بعض الديون ولكن بعضها مؤجل بأجل بعيد فهل كل الآجال تحل عند الفلس؟
الشيخ: إذا كان بعض الديون مؤجل وبعضها غير مؤجل أو بعضها مؤجل بأجل بعيد فهذه ذكروا أنه لا يحل المؤجل ويبقى في ذمته حتى ييسر الله عليه.
القارئ: ومن وجد من الغرماء عين ماله فهو أحق بها ومن اكترى من المفلس دارا أو ظهرًا بعينه قبل الحجر عليه فهو أحق به.
الشيخ: قوله (من وجد من الغرماء عين ماله فهو أحق بها) عين ماله أي بأن يكون باعه بالأمس سيارة مثلًا وحجر عليه اليوم والسيارة مازالت معه والبيع بالأمس صحيح فهذا الذي وجد عين ماله مقدم على الغرماء لقول النبي ﷺ (من وجد عين ماله عند رجل قد أفلس فهو أحق به).
[ ٤ / ٤٩٤ ]
القارئ: ومن اكترى من المفلس دارا أو ظهرًا بعينه قبل الحجر عليه فهو أحق به لأنه استحق عينه قبل إفلاسه فأشبه ما لو اشترى منه عبدا وإن اكترى منه ظهرًا في الذمة فهو أسوة الغرماء لأن دينه في الذمة أشبه سائر الغرماء وإن كان في المتاع رهن أو جانٍ قدم المرتهن والمجني عليه بثمنه لأن المرتهن لم يرض بمجرد الذمة بخلاف سائر الغرماء وحق المجني عليه يقدم على حق المرتهن فعلى غيره أولى وإن فضل منه فضل رده على التركة وإن لم يف بحقهما فلا شيء للمجني عليه لأنه لا حق له في غير الجاني ويضرب المرتهن مع الغرماء بباقي دينه لأن حقه متعلق بالذمة مع تعلقه بالعين وإن بيع له متاع فهلك ثمنه واستحق المبيع رجع المشتري بثمنه وهل يقدم على الغرماء فيه وجهان أحدهما يقدم لأن في تقديمه مصلحة فإنه لو لم يقدم تجنب الناس شراء ماله خوفًا من الاستحقاق فيقل ثمنه فقدم به كأجرة المنادي والثاني لا يقدم لأنه حق لزمه بغير رضى صاحبه أشبه أرش جنايته ثم يقسم ما أجتمع من ماله بين الغرماء على قدر ديونهم.
الشيخ: إذا ضاق المال فإنه ينسب الموجود للدين فإذا كان الموجود نصف الدين أعطي كل واحد نصف دينه فإذا قدرنا أن الدين عشرة آلاف والموجود خمسة يعطى كل واحد نصف دينه قَلَّ أو كثر فمن له ألف يعطى خمسمائة ومن له ريالان يعطى ريالًا.
القارئ: فإن ظهر غريم بعد القسمة نقضت وشاركهم لأنه غريم لو كان حاضرًا لشاركهم فإذا ظهر بعد ذلك قاسمهم كما لو ظهر للميت غريم بعد قسم ماله وإن أكرى داره عاما وقبض
أجرتها فقسمت ثم أنهدمت الدار رجع المكتري على المفلس بأجرة ما بقي وشاركهم فيما اقتسموه لأنه دين وجب بسبب قبل الحجر فشارك به الغرماء كما لو انهدمت قبل القسمة.
فصل
[ ٤ / ٤٩٥ ]
القارئ: الحكم الرابع أن ما وجد عين ماله عنده فهو أحق بها لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال (من وجد متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس فهو أحق به) متفق عليه وله الخيار بين أخذه أو تركه وله أسوة الغرماء سواء كانت السلعة مساوية لثمنها أو أقل أو أكثر لأن الإعسار ثبت للفسخ فلا يوجبه كالعيب.
الشيخ: بالنسبة لمن وجد عين ماله فإن قيمة عين ماله إما أن تكون أكثر أو أقل أو مساوية فإذا كانت أقل مثل أن يكون باعها بألف والآن تساوي خمسمائة وقال أريد أن أخذها بخمسمائة واضرب مع الغرماء بما بقي فليس له ذلك بل يقال له إما أن تأخذها ولا شيء لك وإما أن تضم إلى بقية المال وإذا كانت أكثر وأراد أن يأخذها فله ذلك بأن يكون باعها بخمسة والآن تساوي عشرة فله ذلك مع أنه سوف يكون فيه إضرار على الغرماء فلو قال الغرماء لهذا الرجل الذي وجد عين ماله نحن ندفع لك الثمن الذي بعتها به ودعاه ندخلها مع المال حتى يكثر فالظاهر أن لهم ذلك وأن معنى قول النبي ﷺ (فهو أحق به) يعني عند التزاحم وضيق المال أما إذا لم يكن تزاحم ولا ضيق مال وقيل للرجل نسلمك ما بعت به فالظاهر أنه ليس له الحق في أن يأخذ السلعة.
القارئ: ولا يفتقر إلى حاكم للخبر ولأنه فسخ ثبت بنص السنة فلم يفتقر إلى حاكم كفسخ النكاح بالعتق تحت العبد وفيه وجهان أحدهما أن الخيار على التراخي لأنه رجوع لا يسقط إلى عوض فكان على التراخي كالرجوع في الهبة والثاني هو على الفور اختاره القاضي لأن في تأخيره إضرار بالغرماء لتأخير حقوقهم ولأنه خيار يثبت في البيع لنقص في العوض أشبه الرد بالعيب.
[ ٤ / ٤٩٦ ]
الشيخ: الرد بالعيب سبق أن الصواب فيه أنه على التراخي لكنه يُضْرَبُ له أجلٌ بحيث لا يضر بالغرماء فيقال له أنت الآن أحق بسلعتك ولكن هل تريد السلعة أو تضرب مع الغرماء؟ فقال أمهلوني وكلما قالوا له في ذلك قال أمهلوني فهنا يقال له لا يمكن بل يقال له لك يوم أو يومان إما أن تختار هذا أو هذا.
القارئ: فإن حكم حاكم بسقوط الخيار فقال أحمد ﵁ ينقض حكمه لأنه يخالف صريح السنة ويحتمل أن لا ينقض لأنه مختلف فيه.
الشيخ: الاحتمال الثاني أصح وذلك إذا كان الذي نقضه عنده علم ونعلم أنه فعل ذلك اجتهادًا أما إذا كُنَّا لا نعلم أو اتهمنا هذا القاضي أنه أراد المحاباة للغرماء فلا شك أنه لا يمكن أن يسقط الخيار وهذا المثال ذكروه في باب القضاء أن القاضي لا ينقض حكمه في هذا ولو نقل هذا الاحتمال إلى هناك لأنه قد يغيب عن ذهن الإنسان ما ذكره الموفق هنا.
القارئ: ولو بذل الغرماء لصاحب السلعة ثمنها ليتركها لم يلزمه قبوله للخبر ولأنه تبرع بدفع الحق من غير من هو عليه فلم يجبر المستحق على قبوله كما لو أعسر بنفقة زوجته فبذلها غيره.
الشيخ: هذا فيه نظر لأنه كونه يأبى لا شك أن فيه إضرار على الغرماء وكذلك الزوجة إذا أعسرت زوجها بنفقتها وقام بعض المحسنين وقال أنا أعطيك النفقة فليس لها الفسخ لأنها أصبح الآن ليس عليها ضرر فإن قالت فيه المنة قلنا المنة ليست عليكِ في هذه الحال بل المنة على الزوج وعلى هذا فيكون المقيس والمقيس عليه كلاهما فيه نظر.
[ ٤ / ٤٩٧ ]
القارئ: وسواء ملكها المفلس ببيع أو قرض لعموم الخبر ولو أصدق امرأة مالا وأفلست قبل دخوله بها ثم ارتدت أو طلقها ووجد عين ماله فهو أحق بها ولو أستأجر شيئًا فأفلس قبل مضي شيء من المدة فللمؤجر الرجوع فيه لأنه وجد عين ماله وإن كان بعد مضي المدة فهو غريم بالأجرة وإن كان بعد مضي شيء منها فهو غريم لأن المدة كالمبيع ومضي بعضها كتلف بعضه وقال القاضي له الفسخ فإن كان للمفلس زرع فعليه تبقيته بأجرة مثله.
فصل
القارئ: ولا يملك الرجوع إلا بشروط خمسة أحدها أن يجدها سالمة فإن تلف بعضها أو باعه المفلس أو وهبه أو وقفه فله أسوة الغرماء لقوله ﵇ (من أدرك متاعه بعينه فهو أحق به) والذي تلف بعضه لم توجد عينه فإن كان المبيع عبدين أو ثوبين فتلف أحدهما أو بعضه ففي السالم منهما روايتان أحدهما له الرجوع فيه بقسطه لأنه وجده بعينه والثانية لا يرجع لأنه لم يجد المبيع بعينه أشبه العين الواحدة وإن كان المبيع شجرة مثمرة فتلفت ثمرتها فله أسوة الغرماء لأنهما كالعين الواحدة إلا أن تكون الثمرة مؤبرة حين البيع فاشترطها المبتاع فهما كالعينين لأن الثمرة لا تتبع الأصل فهي كالولد المنفصل وإن نقص المبيع صفة مثل أن هُزِلَ أو نسي صناعة أو كبر أو كان ثوبًا فخلق لم يمنع الرجوع لأن فقد الصفة لا يخرجه عن كونه عين المال فيتخير بين أخذه ناقصا أو يكون أسوة الغرماء بكل الثمن وإن فقئت عينه فهو كتلف
بعضه وإن شج أو جرح أو افتضت البكر فكذلك في قول أبي بكر لأنه نقص جزء ينقص قيمته فأشبه ما لو فقئت عينه وقال القاضي قياس المذهب أن له الرجوع لأنه فقد صفة فهو كالهزال ثم إن كان لا أرش له لكونه حصل بفعل الله تعالى أو فعل المفلس فلا شيء للبائع مع الرجوع وإن كان له أرش فللبائع إذا رجع أن يضرب مع الغرماء بحصة ما نقص من ثمنه فينظر ما نقص من قيمته فيرجع بقسطه من الثمن لأنه مضمون على المشتري للبائع بالثمن والأرش للمفلس على الجاني.
[ ٤ / ٤٩٨ ]
السائل: ذكرتم بارك الله فيكم أن حديث (من وجد متاعه بعينه الخ) المراد به عند التزاحم فما المراد بقولنا عند التزاحم؟
الشيخ: المراد تزاحم الدين والقيمة بحيث يتنازع الغرماء مع صاحب السلعة فهو يقول هذا عين مالي أريد أخذه سواء زاد أو نقص وهم يقولون له نعطيك الثمن ويدخل في المال والمؤلف يرى أن القول قول صاحب السلعة لظاهر الخبر ونحن نرى أن صاحب السلعة ليس له حق وتوجيهنا للحديث أن الرسول ﷺ إذا لم يكن فيه ضرر فإن كان فيه ضرر على المفلس وعلى الغرماء فلا يمكن ذلك فيقيد الحديث بقوله ﷺ (لا ضرر ولا ضرار) فما دام أن صاحب السلعة مثلًا قد باعها بمائة ريال وهي الآن تساوي مئتين فلا يضره شيء إذا دفعوا له مائة.
فصل
القارئ: فإن كان المبيع زيتًا فخلطه بزيت آخر أو لتَّ به سويقًا أو صبغًا فصبغ به ثوبا أو مسامير فسمر بها بابًا أو حجرًا فبنى به أو لوحًا فجعله في سفينة أو سقف أو نحو ذلك لم يكن له الرجوع لأنه لا يقدر على أخذ عين ماله في بعض الصور ولا يقدر في بعضها إلا بإتلاف مال المفلس ولا يزال الضرر بالضرر.
الشيخ: كلام المؤلف هنا هو في رجوع البائع بعين ماله إذا حجر على المشتري.
القارئ: وإن كانت حنطة فطحنها أو زرعها أو دقيقًا فخبزه أو زيتًا فعمله صابونًا أو غزلًا فنسجه أو ثوبًا فجعله قميصا أو حبًا فصار زرعًا أو بيضًا فصار فرخًا أو نوىً فنبت شجرًا أو نحوه مما يزيل أسمه فلا رجوع له لأنه لم يجد متاعه بعينه لتغير اسمه وصفته.
الشيخ: وهذه هي الحكمة من كون الرسول الله ﷺ قال (متاعه بعينه) معناه أنه ما تغير بزيادة ولا نقص ولا تغيير.
فصل
[ ٤ / ٤٩٩ ]
القارئ: وإن اشترى ثوبًا فصبغه أو قصره أو سويقًا فلته بزيت فلصاحبهما الرجوع فيهما لأن عين مالهما قائمة مشاهدة لم يتغير أسمها ولا صفتها ويصير المفلس شريكهما بما زاد عن قيمتهما لأن ما حصل من زيادة القيمة بالصبغ وغيره فهي للمفلس لأنها حصلت بفعله في ملكه وإن نقص الثوب لم يمنع الرجوع لأنه نقص صفة فهو كالهزال وإن لم يزد بالقصارة سقط حكمها لعدم أثرها في الزيادة وإن اشترى أرضًا فزرعها ثم أفلس فللبائع الرجوع فيها لما ذكرنا ويكون الزرع مبقى إلى الحصاد بغير أجرة لأن العوض في مقابلة الأرض لا في مقابلة المنفعة فإذا فسخ عادت إليه الرقبة دون المنفعة المستثناة شرعًا كما لو باعه أمة فزوجها ثم رجع فيها دون منفعة بضعها.
فصل
القارئ: الشرط الثاني أن لا يكون البائع قبض من ثمنها شيئا فإن قبض بعضه فلا رجوع له لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال (أيما رجل باع سلعة فأدرك سلعته بعينها عند رجل قد أفلس ولم يكن قبض من ثمنها شيئًا فهي له وإن كان قد قبض من ثمنها شيئًا فهو أسوة الغرماء) رواه أبو داود ولأن في الرجوع بالباقي تبعيض الصفقة على المفلس فلم يجز كما لو يقبض شيئا.
فصل
القارئ: الشرط الثالث أن لا يتعلق بها حق غير المفلس فإن خرجت عن ملكه ببيع أو غيره لم يرجع لأنه تعلق بها حق غيره أشبه ما لو أعتقها وإن رهنها سقط الرجوع لذلك وإن تعلق بها أرش جانية سقط الرجوع لأنه يقدم على حق المرتهن فهو أولى بالمنع ويتوجه أن لا يمنع لأنه لا يمنع تصرف المشتري بخلاف الرهن فعلى هذا إن شاء رجع فيها ناقصة بعيب الجناية وإن شاء فله أسوة الغرماء فإن كان دين الرهن أو أرش الجناية بقدر بعضه منع الرجوع في الجميع لأنه منع الرجوع في بعضها فمنعه في جميعها كبيع بعضها وقال القاضي يرجع في باقيها بقسطه لأنه
[ ٤ / ٥٠٠ ]
لا مانع فيه وإن كان المبيع شقصًا مشفوعًا ففيه وجهان أحدهما للبائع الرجوع أختاره ابن حامد للخبر ولأنه إذا رجع فيه عاد الشقص إليه فزال الضرر عن الشفيع لعدم شركة غير البائع.
القارئ: والثاني الشفيع أحق لأن حقه آكد بدليل أنه ينتزع الشقص من المشتري وممن نقله إليه المشتري بخلاف البائع وإن باعه المفلس أو وهبه ثم عاد إليه ففيه وجهان أحدهما له الرجوع للخبر ولأنه وجد عين ماله خاليًا عن حق غيره أشبه إذا لم يبعه والثاني لا يرجع لأن هذا الملك لم ينتقل إليه منه فلم يملك فسخه.
الشيخ: الظاهر أن الثاني أصح لأنه لما باعه أولًا سقط حق صاحب العين فإذا عاد فاشتراه فهذا ملك متجدد.
القارئ: وإن كان المبيع صيدا فوجده البائع بعد أن أحرم سقط الرجوع لأنه تملك للصيد فلم يجز مع الإحرام كشرائه.
الشيخ: هذا فيه شيء لأنه يقال هذا ليس تملكًا جديدًا ولكنه يشبه الفسخ فلو قيل بأن له أن يعود لكنه لا يدخل ملكه بمعنى أنه يمنع من اليد المشاهدة لكان له وجه فنقول ارجع واعطه من ليس بمحرم واجعله وديعة عنده.
فصل
القارئ: الشرط الرابع كون المفلس حيًا فإن مات فالبائع أسوة الغرماء لما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال (فإن مات فصاحب المتاع أسوة الغرماء) رواه أبو داود وفي لفظ (أيما امرئ مات وعنده مال امرئ بعينه اقتضى من ثمنه شيئًا أو لم يقتض فهو أسوة الغرماء) رواه ابن ماجه ولأن الملك انتقل عن المفلس فسقط الرجوع فيه كما لو باعه.
فصل
[ ٥ / ١ ]
القارئ: الشرط الخامس أن لا يزيد زيادة متصلة كالسمن والكبر وتعلم صنعة فإن وجد ذلك منع الرجوع ذكره الخرقي لأنه فسخ بسبب حادث فمنعته الزيادة المتصلة كالرجوع في الصداق للطلاق قبل الدخول وعن أحمد ﵁ له الرجوع للخبر ولأنه فسخ فلم تمنعه الزيادة كالرد بالعيب فأما الزيادة المنفصلة كالولد والثمرة الظاهرة والكسب فلا يمنع الرجوع لأنه يمكن الرجوع في العين دونها والزيادة للمفلس في ظاهر المذهب لأنها نماء ملكه المنفصل فكانت له كما لو ردها بعيب أو رجعت إلى الزوج بالطلاق ولأن قول النبي ﷺ (الخراج بالضمان) رواه أبو داود يدل على أن النماء للمشتري لكون الضمان عليه وقال أبو بكر هي للبائع قياسًا على المتصلة والفرق ظاهر لأن المتصلة تتبع في الفسوخ دون المنفصلة.
فصل
القارئ: فإن باعها حائلًا فحملت فالحمل زيادة متصلة لأنه يتبع أمه في العقود والفسوخ ولا يمكن الرجوع فيها دونه فهو كالسمن ويحتمل أن يرجع فيها دون ولدها يتربص به حتى تضع لأنه جزء لانفصاله غاية فأشبه الثمرة وإن أفلس بعد وضعها فهو زيادة منفصلة له الرجوع في
الأم دون الولد إلا أن تكون أمة فلا يجوز التفريق بينهما ويخير بين دفع قيمة الولد ليملكهما وبين بيعهما معًا فيكون له من الثمن ما يخص الأم وإن باعها حاملًا فلم تزد قيمتها فله الرجوع وإن زادت القيمة لكبر الحمل أو وضعه فهي زيادة متصلة وإن زاد أحدهما خرج على الروايتين فيما إذا كان المبيع عينين فتلفت إحداهما وقال القاضي له الرجوع فيهما على كل حال ومن جعل الحمل لا حكم له جعل حكمها حكم المبيعة حائلًا سواء.
الشيخ: لا شك أن الحامل تختلف عن الحائل وأن الحمل قد وقع العقد عليه لأنه وإن كان متصلًا فهو في حكم المنفصل بخلاف بقية الأعضاء كاليد والرجل.
فصل
[ ٥ / ٢ ]
القارئ: فإن باع نخلًا حائلًا فأطلعت ثم أفلس المشتري قبل تأبيرها فالطلع زيادة متصلة لأنها تتبع في البيع وقال ابن حامد حكمها حكم المنفصل لأنه يمكن فصله وأفراده بالبيع بخلاف السمن وإن أفلس بعد تأبيرها فهي زيادة منفصلة تكون للمفلس متروكة إلى الجذاذ كما ولو اشترى النخل وكذلك الحكم في سائر الشجر وفي الأرض ينبت فيها الزرع فإن اتفق المفلس والغرماء على تبقيته أو قطعه فلهم ذلك وإن اختلفوا وله قيمةٌ مقطوعًا قدم قول من طلب القطع لأنه أقل غررًا ولأن الطالب للقطع إما غريم يطلب حقه أو مفلس يطلب تبرئة ذمته فإن أقر المفلس للبائع بالطلع لم يقبل إقراره لأنه يسقط به حق الغرماء فلم يقبل كإقراره بغريم آخر وعلى الغرماء اليمين أنهم لا يعلمون برجوع البائع قبل التأبير لأن اليمين تثبت في جنبتهم ابتداء وإن أقر الغرماء لم يقبل لأن الملك للمفلس ويحلف المفلس ويثبت الطلع له ينفرد به دونهم لإقرارهم أنه لا حق لهم فيه وله تخصيص بعضهم به وقسمته بينهم فمن أباه قيل له إما أن تأخذه أو تبرئه لأنه للمفلس حكما فقد قضاهم ما ثبت له فلزمهم قبوله كما لو أدى المكاتب نجومه فأدعى سيده تحريمه فإن قبضوا الثمرة بعينها لزمهم ردها إلى البائع لإقرارهم له بها وإن قبضوا ثمنها لم يلزمهم رده لأنهم إنما اعترفوا له بالعين لا بالثمن وإن شهد الغرماء للبائع بالطلع وهم عدول قبلت شهادتهم لأنهم غير متهمين.
السائل: ما الفرق بين المُفَلَّسِ والمُفلِس؟
الشيخ: المُفلَّسِ من حكم بتفليسه بمعنى أنه حكم عليه بالتفليس ومنع من التصرف في ماله والمُفلِس الفقير قبل أن يحكم عليه.
السائل: رجوع البائع بحقه لو وجد عين ماله كمال هو هل يشترط له إذن الحاكم؟
الشيخ: لا يشترط لكن أصل الحجر لابد أن يكون بنظر الحاكم لأن الحاكم هو الذي سوف يوزع المال.
[ ٥ / ٣ ]
السائل: إذا مات إنسان وعليه دين وله غرماء وواحد من الغرماء له رهن عند الميت فهل يصبح الرهن له إذا جده بعينه أم أنه يشارك الغرماء؟
الشيخ: لا له الحق في الرهن بمعنى أنه يباع الرهن ويستوفي منه وقد يكون الرهن أكثر من دينه وقد يكون أقل فيختص هو بالرهن حتى يقضي دينه.
فصل
القارئ: وإن اشترى أرضًا فغرسها أو بنى فيها ثم أفلس فللبائع الرجوع في الأرض ثم إن طلب المفلس والغرماء قلع الغراس والبناء فلهم ذلك وعليهم ضمان ما نقصها القلع وتسوية الحفر لأنه نقص حصل بفعلهم لتخليص ملكهم فأشبه المشتري مع الشفيع وإن أبوا القلع فللبائع دفع قيمته ويملكه لأنه حصل لغيره في ملكه بحق فملك ذلك كالشفيع فإن أبى ذلك سقط الرجوع لأن فيه ضررًا على المشتري ولأن عين ماله مشغولة بملك غيره أشبه الحجر المبني عليه هذا قول ابن حامد وقال والقاضي يحتمل أن له الرجوع لأن شغل ملكه بملك غيره لا يمنع الرجوع إذا كان أصلا كالثوب إذا صبغ فإذا رجع فاتفق الجميع على البيع بيع وأعطي كل واحد حقه وإن أبى بعضهم احتمل أن يجبر عليه لأنه معنى ينفصل به أحدهما عن صاحبه أشبه بيع الثوب المصبوغ واحتمل أن لا يجبر صاحب الأرض ويباع الشجر وحده لأنه ممكن بخلاف الصبغ.
الشيخ: الظاهر أن مثل هذا الأولى أن تباع من بين الجميع أو يجبر صاحب الأرض على أن يأخذ الشجر بقيمته فإذا قال أنا أريد أرضي، نقول نعم لكن لابد أن تأخذ الشجر بقيمته وإلا تباع وإذا بيعت نقول تقوم الأرض خالية من الشجر والبناء وتقوم وفيها الشجر والبناء وما بين القيمتين فهو نصيب المفلس والغرماء.
فصل
[ ٥ / ٤ ]
القارئ: وإن اشترى غِرَاسًا فغرسه ثم أفلس فلم يزد فللبائع الرجوع فيه ويقلعه ويضمن النقص فإن أبى قلعه فبذل المفلس والغرماء قيمته ليملكوه فلهم ذلك كالتي قبلها وإن أرادوا قلعه فلهم ذلك ولا ضمان عليهم لأن المفلس اشتراه مقلوعًا فلم يلزمهم مع رده لذلك شيء آخر ولا إبقاءه في أرضهم بغير استحقاق وإن زاد سقط الرجوع في قول الخرقي وعلى رواية الميموني يحتمل ذلك أيضا لأن النماء فيه قد حصل من أرض المفلس فلم يملك البائع أخذه ويحتمل أن له الرجوع كما لو سمن العبد من طعامه وإن اشترى من رجل أرضًا ومن آخر غرسًا فغرسه فيها فلصاحب الأرض الرجوع وفي صاحب الأرض الغرس التفصيل الذي ذكرناه فإن رجعا معًا فالحكم فيهما كما لو كان الغرس في أرض المفلس.
الشيخ: هذه مسائل نادرة الوقوع لكن الفقهاء ﵏ يذكرون أشياء قد تكون نادرة الوقوع وبعضها قد يكون غير ممكن تمرينًا للطالب على القواعد التي تذكر والله على كل شيء قدير قد يأتي زمن يحصل فيه مثل هذه الأشياء.
فصل
القارئ: وإن أفلس وعليه دين مؤجل لم يحل.
الشيخ: قوله (لم يحل) هذه جواب لمن وليست صفة قوله (دين مؤجل) والمعنى أنه إن أفلس فإنه لا يحل.
[ ٥ / ٥ ]
القارئ: لأن التأجيل حق له فلم يبطل بفلسه كسائر حقوقه قال القاضي لا يحل رواية واحدة وقال أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنه يحل لأن الفلس معنى يوجب تعلق الدين بماله فأسقط الأجل كالموت فإن قلنا لا يحل اختص أصحاب الديون الحالة بماله دونه لأنه لا يستحق استيفاء حقه قبل أجله وإن حل دينه قبل القسمة شاركهم لمساواته إياهم في استيفائه فأشبه من تجدد له دين بجناية المفلس عليه وإن أدرك بعض المال شاركهم فيه لذلك فإن كان المؤجل برهن خص به لأن حقه تعلق بعينه فإن وجد عين ماله فقال أحمد يكون موقفا إلى أن يحل فيختار الفسخ أو الترك لأن حقه تعلق بالعين فقدم على غيره كالمرتهن فإن كان ماله سلما فأدرك عين ماله رجع فيها وإن لم يدركها وحل دينه قبل القسمة ضرب بالمسلم فيه وأخذ بقسطه من جنس حقه إن
كان في المال وإلا اشترى به من جنس حقه ودفع إليه ولا يجوز أن يأخذ غير ما أسلم فيه لقول النبي ﷺ من (أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره) رواه ابن ماجه وأبو داود.
الشيخ: سبق الكلام على هذا الحديث وأنه ضعيف وأنه إن صح فالمراد لا يصرفه إلى سلم آخر فقوله (إلى غيره) يعني إلى سلم آخر لأنه إذا صرفه إلى سلم آخر لزم من ذلك أن يزيد فيكون هذا من باب الربا أضعاف مضاعفة.
فصل
القارئ: فإن مات إنسان وعليه دين مؤجل ففيه روايتان إحداهما لا يحل اختارها الخرقي لقول النبي ﷺ (من ترك حقًا فلورثته) والتأجيل حق له فينتقل إلى ورثته لأنه لا يحل به ماله فلا يحل ما عليه كالمجنون.
الشيخ: قوله (ماله) بالفتح يعني الذي له وما اسم موصول والمعنى أنه لو كان للميت دين مؤجل فإنه لا يحل بل يبقى على أجله للورثة فكذلك الذي عليه.
[ ٥ / ٦ ]
القارئ: والثانية يحل لأن بقاءه ضرر على الميت لبقاء ذمته مرتهنة به وعلى الوارث لمنعه التصرف في التركة وعلى الغريم تأخير حقه وربما تلفت التركة وعلى كلتا الروايتين يتعلق الحق بالتركة كتعلق الأرش بالجاني.
الشيخ: هذه المسألة فيها روايتان والمثال إذا مات الإنسان وعليه دين مؤجل فهل يحل أو لا يحل؟ فيه روايتان والمذهب أنه لا يحل بشرط أن يوثق الورثة برهن محرز أو كفيله مليء فإن لم يوثقوا حل مثال ذلك رجل مات وعليه عشرة آلاف ريال مؤجلة إلى سنة فنقول الأجل باقي لأنه حق للورثة إذ أن الورثة وجب على مورثهم حق مؤجل فانتقل إليهم بهذه الصفة لكن بشرط أن يوثقوا لصاحب الحق إما برهن محرز يكفي للدين وإما بكفيل مليء يعني شخص يضمن الحق إذا حل بشرط أن يكون مليء أي قادرًا على الوفاء بماله وبدنه وقوله وهذا هو المذهب وهو الصحيح لأن في هذا القول حفظ لحقوق الجميع فإذا قال الورثة لن نأتي برهن ولن نأتي بكفيل نقول إذًا يحل وفي هذه الحال إذا حل الدين فهل يسقط شيء من الدين أو يحل الدين كاملًا؟ نقول يحل الدين كاملًا إلا إذا رضي صاحب الدين مثاله إنسان توفي وعليه عشرة آلاف ريال مؤجلة إلى سنة والورثة أبوا أن يقيموا كفيل مليء أو يوثقوا الدين برهن فماذا نقول؟ الجواب يحل الدين وتسلم عشرة آلاف الآن من تركته لكن هل نقول تسلم عشرة آلاف كاملة أو نقول
يخصم منها الفرق بين الذي يحل بعد سنة والذي حل الآن؟ نقول بل تحل كاملة إلا إذا وافق صاحب الدين وقال مادام أنكم تعطوني الدين حالًا فأنا أنزل لكم منه، فله ذلك.
[ ٥ / ٧ ]
القارئ: وعلى كلتا الروايتين يتعلق الحق بالتركة كتعلق الأرش بالجاني ويمنع الوارث التصرف فيها إلا برضى الغريم أو توثيق الحق بضمين مليء أو رهن يفي بالحق إن كان مؤجلا فإنه قد يكونون أملياء فيؤدي تصرفهم إلى فوات الحق فإن تصرفوا قبل ذلك صح تصرفهم كتصرف السيد في الجاني ويلزمهم أقل الأمرين من قضاء الدين أو قيمة التركة لأنه لا يلزمهم أكثر من وفاء الدين ولا أكثر من التركة ولهذا لو كانت باقية لم يلزمهم أكثر من تسليمها وإن تلفت التركة قبل التصرف فيها والتوثيق منها سقط الحق كما لو تلف الجاني.
[ ٥ / ٨ ]
الشيخ: في كلام المؤلف ﵀ دليل على أن الورثة لا يلزمهم قضاء الدين إذا لم يخلف المدين تركة سقط حق الغريم ولا يلزم الورثة أن يسددوا عنه لأنه (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) نعم لو كان الميت قريبًا قرابة قوية كأبيه أو ابنه أو أخيه أو ما أشبه ذلك فهنا ينبغي أن يسددوا عنه من أموالهم إذا كان لديهم مال وأما الوجوب فلا يجب فإن قيل وهل يوفى من الزكاة؟ فالجواب لا، لا يوفى من الزكاة لأن الزكاة للأحياء فقط والأموات إن كانوا أخذوا أموال الناس يريدون أدائها أدى الله عنهم وإن كانوا أخذوها يريدون إتلافها فليسوا أهلًا للرحمة كما قال النبي ﵊ (من أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) ويدل لهذا أن بعض أهل العلم حكى إجماع العلماء على أنه لا يقضى من الزكاة دينٌ على ميت لأن الزكاة إنما هي للأحياء وأيضًا كان النبي ﷺ تقدم إليه جنائز وعلى أصحابها ديون فكان لا يوفيها من الزكاة لكن لما أفاء الله عليه وكثرت الغنائم صار يوفيها ﵊ ونقول أيضًا لو فتح هذا الباب يعني قضاء الديون عن الأموات لبقي الغرماء الأحياء لا يحصل لهم شيء لأن الناس سوف ينقبون عن الدفاتر السابقة فإذا كان عليهم دين يقضونها من الزكوات فيبقى الغرماء من الأحياء لا يحصل لهم شيء من الزكاة ونقول أيضًا إذا قضينا الدين عن الميت فإنما يحصل بذلك براءة ذمته فقط لكن إذا قضينا الدين عن الحي حصل بذلك فائدتان الأولى قضاء دينه والثانية حفظ ماء وجهه وسلامته من الذل أمام الغرماء فلا ينبغي أن نعدل عن هذا إلى هذا لكن نعم لو فرض أنه لا يوجد غرماء أحياء فقد يتوجه القول بإخراجها في دين الأموات على ما في ذلك من ثقلٍ عندي على أن أصناف الزكاة باقية كما هي.
[ ٥ / ٩ ]
القارئ: وإن قضى الورثة الدين من غير التركة أو منها جاز وإن أبى الجميع باع الحاكم من التركة ما يقضي به الدين وإن مات المفلس وعليه دين مؤجل فوثق الورثة للمؤجل اختص أصحاب الحالَّة بالتركة وإن أبوا ذلك حل دينه فشاركهم لئلا يفضي إلى إسقاط دينه بالكلية.
السائل: هل يمنع الورثة من التصرف في التركة إذا كان على مورثهم دين؟
الشيخ: لا يمنعون بل لهم التصرف في عين التركة لأن الدين لم يتعلق بعين التركة بل هو في ذمة الميت أما ما تعلق بعين التركة كالمرهون فإنهم ليس لهم التصرف فيه.
السائل: إذا اتفق شخص ما مع بنك من البنوك على أن يشتري البنك قطعة أرض ثم هو يشتريها من البنك بقيمة أعلى مما اشتراها به البنك فهل هذه المعاملة جائزة؟
الشيخ: هذا لا يجوز أولًا لأنه بيع لما لا يملك وثانيًا هو حيلة على الربا فبدلًا من أن يقول أنا أقرضك قيمتها وهي الآن تساوي أربعين ألفًا قال أعطيك أربعين ألف وتوفيها لي بعد سنة بستين ألف فهذه حيلة لكن لو كانت الأراضي موجودة عند صاحبها وجاء إنسان وقال أريد أن أشتري هذه الأرض ستين ألف مؤجلة فلا بأس وقولهم إنه لو شاء لردها فنقول هذه مغالطة في الواقع لأن هذا الذي جاء وعين الأرض وقال اشترها لي وبعها عليَّ مؤجلة مقسطة لا يمكن أن يدعها ثم لو فرض أنه تركها فإن التجار سوف يحترز من معاملته مرة أخرى ولذلك يذكر لي أن الذين يستعملون هذه الطريقة ثم يحصل منهم تراجع عن ما تم الاتفاق عليه فإنهم يضعونه في القائمة السوداء بمعنى أنهم لا يعاملوه بعد هذا.
السائل: بعض التجار يشتري أرضًا ويقول إنه سوف يبني عمارة مؤلفة من طوابق متعددة ثم يبيع هذه الطوابق التي لم تبنَ بعد ويجمع أموال من المشترين فهل هذه المعاملة جائزة؟
الشيخ: هذا لا يجوز هذا لأنه باع شيئًا مجهولًا فهو شيء مفروض في الذهن.
السائل: حتى لو ذكر المواصفات لكل طابق وما يحتويه من الشقق والغرف؟
[ ٥ / ١٠ ]
الشيخ: حتى المواصفات مهما كانت ولهذا قال العلماء في كتاب البيع يشترط أن يكون معلومًا برؤية أو صفة في غير الدار ونحوها وقالوا إن الدار لا يمكن أن تباع بالصفة لابد من رؤيتها ولهذا لو يأتي إنسان من أشد الناس وصفًا ويصف لك بيت فيه حجر وغرف وساحات وما أشبه ذلك ما يمكن أن تتصوره كما لو شاهدته.
السائل: حتى لو أراه شيئًا قريبًا من مثل ما سيباع عليه؟
الشيخ: أبدًا لا يصح وهذا بيع الأنموذج وفيه خلاف ثم نقول إنه قد حصل في هذا تلاعب وذلك أن أناس جمعوا أموالًا كثيرة على هذا الأساس وتلاعبوا بالناس وإلى الآن ما بدؤوا بالتنفيذ والناس الآن ضاجين منهم يقولون لعبوا بنا قالوا سننشئ عمارات في هذه الأرض ولم يفعلوا شيئًا وأخذوا أموال الناس والله أعلم هل ترجع هذه الأموال أو لا ترجع.
فصل
القارئ: وإذا حجر على المفلس وهو ذو كسب يفي بمؤنته ومؤنة من تلزمه مؤنته فذلك في كسبه لأن ماله لا يخرج فيما لا حاجة إلى إخراجه فيه وإن لم يف كسبه بمؤنته كملناها من ماله وإن لم يكن ذا كسب أنفق عليه وعلى من تلزمه مؤنته من ماله بالمعروف في مدة الحجر لقول النبي ﷺ (ابدأ بنفسك ثم بمن تعوله) وفيمن يعوله من تكون نفقته دينًا كالزوجة وإذا قدم نفقة نفسه على نفقة الزوجة وجب تقديمها على سائر الديون ولأن تجهيز الميت يقدم على دينه اتفاقًا فنفقة الحي أولى لأن حرمته آكد من حرمة الميت.
[ ٥ / ١١ ]
الشيخ: قوله (يقدم على دينه اتفاقًا) الظاهر أن قصده عند الحنابلة لأن بعض أهل العلم يقول إن الدين المتعلق بعين التركة مقدم على مؤنة التجهيز لكن لعل المؤلف يريد بكلمة (اتفاقًا) أي في مذهب الحنابلة، وهذا الفصل واضح ونمثل له فنقول إذا حجر على الإنسان فإنه يمنع من التصرف في ماله ثم إن كان له كسب يفي بنفقته ونفقة عياله فهذا هو المطلوب ويبقى ماله للغرماء وإن لم يكن له كسب وجب أن يُعطى من ماله الذي حجر عليه فيه ما يقوم بمؤنته ومؤنة عياله واستدل المؤلف لهذا بقوله ﷺ (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول) واستدل أيضًا بتعليل وهو أن نفقة الزوجة دين تكون دين على الزوج إذا كان، واستدل أيضًا بتعليل وهو أن نفقة الزوجة تكون دين على الزوج إذا كان معسرًا فلو قلنا أنه لا ينفق عليها لزمه دين لزوجته فتتراكم الديون عليه فتقدم وذكر أيضًا تجهيز الميت يقدم على دينه اتفقًا ومراده بذلك الدين المرسل أما الدين الذي فيه رهن أو ما أشبه ذلك ففيه خلاف أو يقال قوله (اتفاقًا) إذا أردنا أن نعمم فالمراد اتفاقًا بين فقهاء الحنابلة وفي قوله (فنفقة الحي الأولى لأن حرمته آكد من حرمة الميت) دليل على أن قضاء دين الميت من الزكاة لا يجوز لأننا لو فتحنا الباب لانسد باب قضاء الدين عن الأحياء ولو قلنا إنه يجوز أن يقضى دين الميت من الزكاة لكان الناس الآن يراجعون دفاترهم القديمة وديون آبائهم وأجدادهم ثم يقضونها من زكواتهم ويبقى الأحياء بغير قضاء وقد ذكرنا هذا سابقًا وقولنا فيه ثلاثة أو أربعة أوجه تدل على أن ذلك لا يجوز أي قضاء دين الميت من الزكاة أما التبرع فلا بأس أن يتبرع أحد ليقضي دين الميت عنه.
القارئ: ويقدم نفقة من تلزمه مؤنته من أقاربه لأنهم جروا مجراه ولذلك عتقوا عليه إذا ملكهم.
[ ٥ / ١٢ ]
الشيخ: قوله ﵀ (لأنهم جروا مجراه ولذلك عتقوا عليه إذا ملكهم) فيه نظر لأنه لا يعتق عليه بالملك إلا مَنَ كان مِنْ محارمه لا من أقاربه كعمه وخاله وأخيه وأمه وأبيه وابنه وبنته لكن ابن عمه لو ملكه لم
يعتق عليه لأنه لو قدر أنه امرأة لجاز له أن يتزوجها والمهم أن الذين يعتقون بالملك هم المحارم لا من تلزمه نفقتهم.
القارئ: وكذلك نفقة زوجته لأنها آكد من نفقة أقاربه وتجب كسوتهم أيضًا لأن ذلك مما لابد منه ويكون ذلك من أدنى ما ينفق على مثلهم أو يكتسي مثلهم فإن كانت لهم ثياب هي أرفع من كسوة مثلهم بيعت واشترى لهم كسوة مثلهم ورد الفضل على الغرماء.
الشيخ: وكذلك نقول لو كان عنده مثلًا سيارة يحتاجها للركوب ويغني عنها ما دونها فإنه تباع هذه السيارة ويشترى له بأقل ويكون الزائد يضاف إلى حق الغرماء وكذلك البيت لو فرض أن له بيت يسكنه يساوي مثلًا مليون ويمكن أن يسكن في بيت يساوي خمسمائة ألف فإنه يباع البيت الذي يساوي مليون ويشترى له بيت بخمسمائة ألف ويوفر خمسمائة ألف للغرماء.
[ ٥ / ١٣ ]
القارئ: وإن مات منهم ميت كفن من ماله لأنه يجري مجرى كسوة الحي ويكفن في ثلاثة أثواب كغيره ويحتمل أن يكفن في ثوب واحد لأن الزائد فضل يستغنى عنه ولا تباع داره التي لا غناء له عن سكناها لأنه مما لابد منه أشبه الكسوة فإن كانت واسعة يكفيه بعضها بيع الفاضل منها إن أمكن وإلا بيعت كلها واشتري له مسكن مثله وإن لم يكن له مسكن أستؤجر له مسكن لأن ذلك ممالا لابد منه ورد الفضل على الغرماء ولا يباع خادمه الذي لا يستغني عن خدمته وإن كان مسكنه وخادمه وثيابه أعيان أموال الناس أفلس بها ووجدوها فلهم أخذها للخبر ولأن حقوقهم تعلقت بالعين فكانت أقوى من غيرها ويحتمل أن من لم يكن له مسكن ولا خادم فاستدان ما اشتراهما به وأفلس بذلك الدين أن يباع مسكنه وخادمه لأنهما بأموال الغرماء فتبقيتهما له إضرار بهم وفتح باب الحيلة للمفاليس في استدانة ما يشترون به ذلك فيبقى لهم.
الشيخ: هذا الاحتمال ضعيف لأن حق الغريم في هذه الحال لا يتعلق بعين الخادم أو المسكن لكن لو علمنا أنه متحيل فلنا أن نبيعه قطعًا لحيلته أما إذا لم نعلم فالأصل أن ماله محترم.
فصل
القارئ: وإذا قُسِمَ ماله بين غرمائه ففيه وجهان أحدهما يزول الحجر عنه لأن المعنى الذي حجر عليه من أجله حفظ المال وقد زال ذلك فيزول الحجر لزوال سببه والثاني لا يزول إلا بفك الحاكم له لأنه حجر ثبت بالحاكم فلا يزول إلا به كالحجر على السفيه وإذا فك الحجر عنه
فلزمته ديون ثم حجر عليه ثانيا شارك غرماء الحجر الأول غرماء الحجر الثاني إلا أن الأولين يضربون ببقية ديونهم والآخرون يضربون بجميع ديونهم.
[ ٥ / ١٤ ]