وهم (ثمانية) أصناف، لا يجوز صرفها إلى غيرهم: من بناء المساجد، والقناطر، وسدِّ البثوق، وتكفين الموتى، ووقف المصاحف وغيرها من جهات الخير؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية (^١) أحدهم (الفقراء، وهم:)
باب أهل الزكاة
وفيه ثنتان وخمسون مسألة:
(^١) مسألة: أهل الزكاة - وهم: الذين يستحقون ويُعطون الزكاة - ثمانية: الفقراء، والمساكين، والعاملون على جمع الزكاة، والمؤلفة قلوبهم للإسلام، والعبيد الذين يُريدون فك رقابهم من أسيادهم، والغارمون، والمجاهدون في سبيل الله، والمسافرون المنقطعون - وسيأتي بيانهم - وهم مخصَّصون بذلك: وعليه: فلا يجوز صرف الزكاة لأمور أخرى غير ذلك: كإصلاح الطرق، وبناء المساجد والقناطر والمقابر، وتجهيز الموتى، وطبع القرآن والكتب الشرعية وغيرها من الأعمال الخيرية؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ حيث دلَّ منطوق ذلك على وجوب صرف الزكاة لأحد الأصناف الثمانية المذكورة، ودلَّ مفهوم الحصر بـ "إنما" ومفهوم الصفة، ومفهوم العدد على عدم جواز صرف الزكاة لغير تلك الأصناف، فإن قلتَ: لمَ خُصَّ هؤلاء الثمانية لذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إعطاء هؤلاء الثمانية من الزكاة فيه جلب مصالح للإسلام والمسلمين، وسيأتي بيان تلك المصالح أثناء ذكر كل صنف. [فرع]: إذا لم يُوجد واحد من الأصناف الثمانية في بلده، ولا في البلدان الإسلامية الأخرى: فإن الوجوب يبقى في ذمَّة المزكِّي، ويسقط عنه الأداء، فإن وُجد أحد تلك الأصناف أعطاها إياه، وإن مات المزكِّي قبل ذلك: =
[ ٢ / ٣١٥ ]
أشدُّ حاجة من المساكين؛ لأن الله تعالى بدأ بهم، وإنما يبدأ بالأهم فالأهم، فهم (من لا يجدون شيئًا) من الكفاية (أو يجدون بعض الكفاية) أي: دون نصفها (^٢)، وإن
فإن ذمته تبرأ؛ للتلازم؛ حيث إن وجود واحد من الأصناف الثمانية شرط للأداء فيلزم من عدم الشرط - وهو: وجود أحد الأصناف -: عدم الحكم - وهو: وجوب الأداء، فإن قلتَ: لمَ سقط الأداء هنا؟ قلتُ: لأن الأداء واجب، وهو معجوز عنه، ويسقط الواجب بالعجز عنه أصله قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. [فرع آخر]: يحرم أن يُعطى من الزكاة الفاسق بفعل المنكرات من زنا، أو شرب خمر، أو التعامل بالربا، أو التحايل على أكل الحرام، أو نحو ذلك من أنواع الفسق ولو كان من الأصناف الثمانية؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ فحرَّم هنا التعاون على الإثم؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم، ولو أعطيت الفسَّاق: للزم من ذلك: التعاون على الإثم، فيدخل ما نحن فيه في عموم هذه الآية؛ لأن "الإثم" مفرد محلَّى بال وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنَّ حرمان الفسقة من إعطائهم الزكاة سبب لجعلهم يرجعون إلى رُشدهم.
(^٢) مسألة: في الأول - ممن يُعطون من الزكاة - وهو: الفقير، وهو: الذي لا يجد شيئًا من كفايته، أو يجد بعض الكفاية التي لا تكفيه وعياله دون نصفها، ولا يقدر على فعل شيء؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ فجعل الشارع الفقير من الذين يستحقون الزكاة، فإن قلتَ: لمَ كان الفقير من الثمانية ولِمَ بدأ به؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الفقراء أولى الناس بالعطاء؛ لشدَّة حاجتهم، ولانتشارهم بين المسلمين، ولكثرتهم، فكانوا - لذلك - أهم من غيرهم، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي الفقير بهذا الاسم؟ قلتُ: نسبة إلى فقرات الظهر؛ حيث إن من نُزِعت فقرة من فقراته: ينقطع صلبه، وتضعف قوته، فلا يقدر على العمل ليتكسَّب.
[ ٢ / ٣١٦ ]
تفرَّغ قادر على التكسُّب للعلم، لا للعبادة، وتعذَّر الجمع: أُعطي (^٣) (و) الثاني (المساكين) الذين (يجدون أكثرها) أي: أكثر الكفاية (أو نصفها) (^٤)، فيُعطى الصنفان تمام كفايتهما مع عائلتهما سنة (^٥)، ومن ملك ولو من أثمان ما لا يقوم بكفايته:
(^٣) مسألة: يجوز أن يُعطى طالب العلم من الزكاة وإن كان قدرًا على التكسُّب بشرطين: أولهما: أن لا يستطيع الجمع بين طلبه للعلم، والتكسُّب، ثانيهما: أن يقصد بهذا العلم الذي يطلبه: أن يرفع الجهل عن نفسه، وعن غيره ليُعبد الله على بصيرة، ويُعطى منها أيضًا لشراء الكتب الشرعية؛ ولا يُعطى من تفرَّغ للعبادة مع قدرته على التكسُّب؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ حيث إن هذا عام، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن لفظ "الفقراء" جمع معرّف بأل، وهو من صيغ العموم؛ الثانية: المصلحة؛ حيث إن طلب العلم إذا وُجد فيه الشرط الثاني: فإنه سبب لنفع الإسلام والمسلمين في عصر طالب العلم هذا، وبعد ذلك، أما العابد: فلا يُعطى منها؛ لكونه لم ينفع إلا نفسه فقط.
(^٤) مسألة: في الثاني - مَّمن يُعطون من الزكاة - وهو: المسكين، وهو الذي يجد أكثر كفايته، أو نصفها، وهو أحسن حالًا من الفقير؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿.. وَالْمَسَاكِينِ﴾ فجعل الشارع المسكين ممن يستحق الزكاة فإن قلتَ: لمَ جُعل المسكين بعد الفقير هنا؟ قلتُ: لأنه يلي الفقير في شدَّة الحاجة، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي المسكين بهذا الاسم؟ قلتُ: لكونه مشتقًا من السكون وهو ضد الحركة، ولا يسكن شيء إلا إذا انقطعت حركته، والمسكين قد أسكنته حاجته.
(^٥) مسألة: يُعطى الفقير والمسكين من الزكاة قدر كفايتهما وكفاية من يعولان من الأولاد والزوجات ونحوهم لمدة سنة كاملة؛ للتلازم؛ حيث إن المقصد من الزكاة هو: سدُّ حاجة الفقير والمسكين مع عائلتهما؛ لإغنائهما عن الذُّل، =
[ ٢ / ٣١٧ ]
فليس بغني (^٦) (و) الثالث (العاملون عليها وهم) السُّعاة الذين يبعثهم الإمام لأخذ الزكاة من أربابها كـ (جُباتها، وحُفَّاظها) وكتَّابها، وقُسَّامها (^٧)، وشُرِط: كونه مُكلَّفًا، مسلمًا أمينًا، كافيًا، من غير ذوي القربى (^٨)، ويُعطى قدر أجرته منها، ولو
فيلزم: أن يُعطيا تلك المدَّة، وهو: الحول تتكرَّر بتكرُّر ذلك الحول، وكل واحد من عائلتهما مقصود في دفع حاجته.
(^٦) مسألة: إذا ملك شخص شيئًا من عقارات ونحوها لا تكفي أثمانها نفقته أو لا تكفي نفقة عياله: فإنه يُعطى من الزكاة، ويجوز له أن يأخذها؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حيث إن هذا الشخص يدخل تحت عموم ذلك؛ لأن "الفقراء والمساكين" جمع معرّف بأل، وهو من صيغ العموم.
(^٧) مسألة: في الثالث - ممن يعطون من الزكاة - وهو: العامل عليها، وهو: الساعي الذي عيَّنه الإمام لجمع الزكاة، وحفظها، وكتابتها، وعدِّها، ووزنها، وكيلها، وقسمتها بين مُستحقيها، ومن أعان في ذلك، وأُحتيج إليه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ ويعم ذلك كل من اشترك في جمع أو حفظ ونحو ذلك؛ لأن لفظ "العاملين" جمع معرف بأل وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ يُعطى هذا منها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن العامل قد انقطع عن الأعمال الأخرى لأجلها، فيُعطى منها؛ تعويضًا عن ذلك الانقطاع، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط أن يكون الساعي قد عيَّنه الإمام؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للأغنياء من أن يتحايل عليهم بعض الناس لأخذ زكاتهم بدون أن يُعطوها الفقراء.
(^٨) مسألة: شروط العامل على الزكاة والساعي لأخذها خمسة: أولها: أن يكون مُكلَّفًا - أي: بالغ عاقل -، ثانيها: أن يكون مسلمًا، ثالثها: أن يكون أمينًا =
[ ٢ / ٣١٨ ]
غنيًا (^٩)، ويجوز كون حاملها وراعيها ممن مُنع منها (^١٠) الصنف (الرابع: المؤلَّفة
عدلًا، رابعها: أن يكون قادرًا على العمل، عالمًا بأحكام الزكاة، خامسها: أن لا يكون من ذوي القربى للنبي ﷺ، كبني هاشم، وبناء على ذلك: فلا يجوز أن يتولَّى ذلك صبي ولا مجنون، ولا كافر، ولا فاسق، ولا غير قادر على العمل أو غير عالم بأحكامها، ولا واحد من بني هاشم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، حيث قال ﷺ للفضل بن العباس - لما سأله العمالة على الصدقات -: "إنها لا تحلُّ لمحمد، ولا لآل محمد" حيث بيَّن أن ذوي القربى لا يتولون جمع الصدقات، ولو تولى واحد منهم فيُعطى أجرته من غير الزكاة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن العمل على الزكاة ولاية، ولا يصلح للولاية إلا من توفَّرت فيه تلك الشروط لحماية الغنى والفقير، فيأخذ الزكاة بأمانة، ويُوزِّعها على مستحقيها بأمانة وإخلاص، دون أن يظلم الغني بأخذ أكثر من الزكاة، أو يظلم الفقير بمنعه بعض حقه.
(^٩) مسألة: يُعطى العامل على الزكاة قدر عمله وجهده من نفس الزكاة وإن كان ذلك العامل غنيًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا تحلُّ لغني إلا لخمسة: العامل عليها، ومشتريها، والغارم، والغازي، ومسكين أهدى منها لغني" فأثبت أن الغني العامل يعطى منها؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات فإن قلتَ: لمَ يُعطى منها مع غناه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُعتبر تعويضًا له عن انقطاعه عن الأعمال الأخرى.
(^١٠) مسألة: يجوز أن يحمل الزكاة من موضع الغني إلى بيت المال، وأن يرعى بهائم الصدقة شخص لا يتولَّى العمل على الزكاة، كالكافر، وذوي القربى، ويُعطى أجرته من غير الزكاة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الاشتغال بجمع وتقسيم الزكاة مباشرة كنقلها ورعيها: جوازه؛ لعدم صلته بالولاية على الصدقة.
[ ٢ / ٣١٩ ]
قلوبهم) جمع مؤلَّف، وهو: السَّيد المطاع في عشيرته (ممن يُرجى إسلامه، أو كفُّ شرِّه، أو يُرجى بعطيته: قوة إيمانه) أو إسلام نظيره، أو جبايتها ممن لا يُعطيها، أو دفع عن المسلمين (^١١)، ويُعطى ما يحصل به التأليف عند الحاجة فقط، فترك عمر وعثمان وعلي ﵃ إعطاءهم؛ لعدم الحاجة إليه في خلافتهم، لا لسقوط سهمهم، فإن تعذَّر الصرف إليهم: رُدَّ على بقية الأصناف (^١٢) (الخامس: الرقاب وهم: الكاتبون) فيُعطى المكاتب وفاء دينه؛ لعجزه عن وفاء ما عليه، ولو مع قدرته على
(^١١) مسألة في الرابع - ممن يُعطون من الزكاة - وهو: المؤلَّف قلبه، وهو الكافر المطاع في قومه الذي يُرجى إسلامه، ويُرجى بإسلامه أن ينفع المسلمين بأن يُدافع عنهم، أو يكف شرَّه عنهم وإن لم يرج إسلامه، وكذلك: المسلم ضعيف الإيمان يُعطى منها؛ لتقوية إيمانه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهو عام لجميع ما ذكرنا؛ لأن لفظ "المؤلَّفة" جمع معرف بأل، وهو من صيغ العموم، والمراد من التأليف: جمع القلوب وتألُّفها، وتهدئتها وإزالة العداوة عنها، فإن قلتَ: لمَ يُعطى هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وقد بينَّاها.
(^١٢) مسألة: يُشترط في إعطاء المؤلَّفة قلوبهم: أن تكون مصلحة الإسلام والمسلمين قد اقتضت إعطاءهم، - كما سبقت الأمثلة على ذلك في مسألة (١١) -، فإن كانت المصلحة لا تقتضي ذلك: فلا يُعطون بسبب تلك المصلحة لا بسبب سقوط سهمهم؛ حيث إن سهمهم باق إلى يوم القيامة، يُستعمل عند قيام المصلحة، ويُصرف ما يُعطون إياه من الزكاة إلى الأصناف الباقية؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن عمر وعثمان وعلي ﵃ منعوا إعطاءهم في خلافتهم؛ لعدم اقتضاء المصلحة لذلك في تلك الفترة، ويُفهم من ذلك: أنهم يُعطون عند اقتضاء المصلحة لذلك.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
التكسُّب، ولو قبل حلول نجم (^١٣)، ويجوز أن يشتري منها رقبة لا تعتق عليه فيُعتقها؛ لقول ابن عباس (^١٤) (و) يجوز أن (يفكَّ منها الأسير المسلم)؛ لأن فيه فكَّ رقبة من الأسر (^١٥)، لا أن يُعتق قِنَّه أو مكاتبه
(^١٣) مسألة: في الخامس - ممن يُعطون من الزكاة - وهو: المكاتب، وهو الرقيق الذي اشترى نفسه من سيده بثمن يُسدِّده له على أقساط: سواء كان هذا الرقيق قادرًا على التكسُّب أو لا، وسواء حلَّ سداد القسط أو لا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وهو عام فيشمل كل ما ذُكر: لأن لفظ "الرقاب" جمع معرَّف بأل، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ يُعطى هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إزالة الرِّق والذُّل والمهانة عن مسلم وإرجاعه إلى الأصل وهو الحرية.
(^١٤) مسألة: يجوز أن يشتري الشخص عبدًا أجنبيًا عنه من زكاته، فيُعتقه؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ حيث إن ذلك عام لجميع العبيد؛ لأن لفظ "الرقاب" جمع معرَّف بأل وهو من صيغ العموم كما سبق، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس قال ذلك، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، وقد بيناها في مسألة (١٣)، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك في العبد الأجنبي عنه فقط؟ قلتُ: لأن العبد القريب للشخص بنسب أو رحم كأبيه أو أمه، أو بنته، أو أخيه، أو أخته، أو عمه، أو خاله، أو عمته، أو خالته -، يعتقون شرعًا إذا اشتراهم ولو لم يُعتقهم المشتري، فإذا حسب أثمانهم التي اشترى بها هؤلاء من زكاته: فلا يُجزئ هذا عنه؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك فيه عود نفع الزكاة إلى مُخرجها فيلزم: عدم إجزائها.
(^١٥) مسألة: يجوز أن يفكَّ الشخص مسلمًا من الأسر من زكاته؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وهذا عام، فيشمل هذا - كما سبق -، الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز أن يُعطى الغارم من الزكاة لسداد =
[ ٢ / ٣٢١ ]
عنها (^١٦) (السادس: الغارم) وهو: نوعان: أحدهما: غارم (لإصلاح ذات البين) أي: الوصل بأن: يقع بين جماعة عظيمة - كقبيلتين أو أهل قريتين - تشاجرا في دماء وأموال ويحدث بسببها الشحناء والعداوة، فيتوسط الرجل بالصلح بينهما، ويلتزم في ذمَّته مالًا؛ عوضًا عما بينهم، ليطفئ النائرة، فهذا قد أتى معروفًا عظيمًا، فكان من المعروف حمله عنه من الصدقة؛ لئلا يُجحف ذلك بسادات القوم المصلحين، أو يوهن عزائمهم، فجاء الشرع بإباحة المسألة فيها، وجعل لهم نصيبًا من الصدقة (ولو مع غنى) إن لم يدفع من ماله، النوع الثاني: ما أشير إليه بقوله (أو) تديَّن (لنفسه) في شراء من كفار، أو مباح أو محرَّم وتاب (مع الفقر)، ويُعطى وفاء دينه ولو لله (^١٧)، ولا يجوز له صرفه
دينه وفكِّ رقبته منه، فكذلك يجوز هنا والجامع: فكُّ الرقبة في كل، والتَّخليص من الضيق الذي كان يُلاقيه الأسير والمدين، وهذا هو المقصد الشرعي.
(^١٦) مسألة: لا يجوز للشخص أن يُعتق عبده أو أمته من زكاته؛ للقياس، بيانه: كما أنه لا يجوز إخراج عين من العروض زكاة عنها، فكذلك لا يجوز إعتاق العبد منها، والجامع: عدم حصول نفع الفقير، وهو المقصد من الزكاة في كل، وهذا هو المقصد الشرعي.
(^١٧) مسألة: في السادس - ممن يُعطون من الزكاة - وهو: الغارم، وهو نوعان: أولهما: الشخص الذي التزم بدفع مال من أجل إصلاح بين جماعتين قد اختلفا لأي سبب، وهذا يُعطى منها وإن كان غنيًا سواء دفع من ماله أو لا، ثانيهما: الشخص الذي استدان أموالًا لنفسه ليشتغل بها، أو لينفقها على نفسه ومن يعول، أو لينفقها لله كحج ونحو ذلك: ثم بعد ذلك عجز عن السداد، أو مات قبل ذلك: فإنه يُسدَّد ذلك من الزكاة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ وهذا عام لكل من ذكرنا ويعم قبل الموت وبعده؛ لأن "الغارمين" جمع معرَّف بأل وهو من صيغ العموم؛ الثانية: =
[ ٢ / ٣٢٢ ]
في غيره ولو فقيرًا (^١٨)، وإن دُفع إلى الغارم؛ لفقره: جاز أن يقضي منه
السنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "لا تحل لغني إلا لخمسة .. " وذكر منهم "الغارم" فأثبت جواز إعطاء الغارم من الزكاة وإن كان غنيًا؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، ولم يُفرِّق بين من دفع من ماله أو لا ثانيهما: أن قبيصة قال: تحمَّلتُ حمالة فأتيتُ النبي ﷺ فقال: "أقم حتى تأتينا الصدقة فآمر لك بها" وهذا عام؛ حيث إنه ﷺ لم يستفصل: هل هو غني أو فقير؟ فلزم أن تُعطى للغارم وإن كان غنيًا، أو دفع من ماله؛ لأن ترك الاستفصال عن الحال ينزل منزلة العموم في المقال، فإن قلتَ: لمَ يُعطى الغارم من الزكاة مع غناه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حثُ الناس على إصلاح ذات البين، وهو: إصلاح حال الوصل الفاسد بين جماعتين، لئلا يضرُّ ذلك بالسادات المصلحين، أو يُضعف من عزائمهم، وفيه التكافُل والتعاون الاجتماعي بتسديد دين العاجز عن سداد دينه، أو مات قبل ذلك، وفيه تحسين الإسلام في أنظار الكفار فيتسبَّب في إسلامهم فإن قلتَ: لا يعطى الغني الغارم إذا دفع من ماله وهو ما ذكره المصنِّف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن سداده من ماله يلزم منه سقوط الغرم، فلا يكون مدينًا قلتُ: إن الغارم يُعطى وإن سدَّد من ماله؛ لعموم القاعدتين السابقتين، فلم يخصص ذلك بشيء، ثم إن سداده من ماله يضرُّه فشُرع إعطاؤه من الزكاة لدفع ذلك الضرر فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع الكتاب والسنة" فنعمل بعمومهما وهم خصَّصوا ذلك بالتلازم.
(^١٨) مسألة: إذا أُعطي شخص من الزكاة؛ لكونه غارمًا فقط: فلا يجوز له أن يصرف ذلك إلا لما غرمه فقط، وعليه: فلا يجوز أن يصرف ما أُعطي لأكله أو شُربه أو مسكنه وإن كان فقيرًا مُحتاجًا إليه؛ للتلازم؛ حيث إن المعطي للزكاة قد نوى إعطاء ذلك الشخص لكونه غارمًا: يلزم منه أن يصرف ما أعطاه إياه =
[ ٢ / ٣٢٣ ]
دينه (^١٩) (السابع: في سبيل الله وهم: الغزاة المتطوِّعة الذين لا ديوان لهم) أو لهم دون ما يكفيهم، فيُعطى ما يكفيه لغزوه ولو غنيًا (^٢٠)، ويُجزئ أن يُعطى منها لحج فرض فقير وعمرته (^٢١) لا أن يشتري منها فرسًا يحبسها، أو عقارًا يقفه على
لما نواه المعطي فقط دون غيره؛ لأن النية تُعيِّن، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سدٌّ للذرائع؛ لأن بعض الناس قد يتحايل الأخذ زكاة الناس بادِّعائه بأنه تحمَّل حمالة، ثم يصرفها لنفسه، فدفعًا لذلك شرع.
(^١٩) مسألة: إذا أُعطي شخص من الزكاة؛ لكونه غارمًا فقيرًا معًا: فيجوز له أن يُسدِّد ما غرمه ويأخذ منه لسداد دينه؛ للتلازم؛ حيث إنَّ المعطي للزكاة قد نوى حين دفع الزكاة إليه: أنه لما غرم، ولفقره، ولم يُعيِّن أحدهما: فيلزم منه جواز صرفه لهما معًا.
(^٢٠) مسألة: في السابع - مَّمن يُعطون من الزكاة - وهو: المجاهد في سبيل الله، وهو: الذي يغزو ويُقاتل الكفار لإعلاء كلمة الله، المتطوِّع في ذلك الذي لا راتب ولا رزق ولا عطاء له من بيت المال، أو له شيء، ولكن لا يكفيه، فهذا يُعطى وإن كان غنيًا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حيث إن هذا عام لما ذكرنا؛ لأنه منكَّرًا أضيف إلى معرفة، وهذا من صيغ العموم، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا تحلُّ لغني إلا لخمسة .. " وذكر منهم: "الغازي" حيث أثبت الشارع إعطاء الغازي وإن كان غنيًا؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مصلحة عامة وهي نشر الإسلام، وهدم الكفر وأعظم التطوُّعات الشرعية الجهاد بالنفس، ثم النفقة فيه كما سبق بيانه في مسألة (٢) من باب "صلاة التطوع" من كتاب "الصلاة".
(^٢١) مسألة: إذا عجز شخص عن فرض الحج أو العمرة؛ لفقره: فيجوز أن يأخذ من الزكاة ليحج أو يعتمر بما أخذ، ويُجزئ ذلك عن المخرج وهو المزكِّي؛ =
[ ٢ / ٣٢٤ ]
الغزاة (^٢٢)، وإن لم يغز: ردَّ ما أخذه (^٢٣) نقل عبد الله: إذا خرج في سبيل الله: أكل من الصدقة (^٢٤) (الثامن: ابن السَّبيل) وهو (المسافر المنقطع به) أي: بسفره المباح، أو المحرَّم إذا تاب (دون المنشئ للسفر من بلده) إلى غيرها؛ لأنه ليس في سبيل؛ لأن السَّبيل هي: الطريق، فسمي من لزمها ابن السَّبيل كما يُقال: "ولد الليل" لمن يكثر خروجه فيه، و"ابن الماء" لطيره؛ لملازمته له (فيُعطى) ابن السَّبيل (ما يوصله إلى بلده) ولو وُجد مُقرضًا، وإن قصد بلدًا واحتاج قبل وصوله إليها: أُعطي ما يصل
للقياس؛ بيانه: كما أنَّ من جاهد في سبيل الله يُعطى من الزكاة فكذلك الحاج والمعتمر العاجز عنهما من ماله والجامع: أن كلًا منهما يُسمَّى جهادًا؛ كما ورد عنه ﷺ، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا قد احتاج إلى الحج والعمرة فيُعطى لسدِّ هذه الحاجة، وهو موافق للمقصد الشرعي من الزكاة.
(^٢٢) مسألة: لا يجوز للشخص أن يشتري من زكاة ماله فرسًا أو جملًا، أو عقارًا، أو درعًا ويوقف ذلك في سبيل الله؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ووقف الشيء ليس من الإيتاء أو الإعطاء، فلا يكون من الزكاة، فلم يجز.
(^٢٣) مسألة: إذا أخذ شخص من الزكاة بناء على أنه سيغزو العدو، ولكنه لم يفعل ذلك: فيجب عليه: أن يردَّ ما أخذه؛ للقياس، بيانه: كما أن الشخص إذا أخذ نقودًا لأجل أن يعمل عملًا فلم يعمله، فيجب عليه ردُّ هذه النقود، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما لم يقم بالعمل الذي استلم الأجرة من أجله.
(^٢٤) مسألة: لا يستفيد الشخص مما أُعطي - من الزكاة - لأجل الغزو إلا بعد خروجه له؛ للتلازم؛ حيث إنه أُعطي لخروجه للغزو فيلزم: أن لا يستفيد مما أُعطي - من أكل ونحوه - إلا بعد تحُّق الخروج؛ لكونه هو المقصود بالعطاء.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
به إلى البلد الذي قصده، وما يرجع به إلى بلده (^٢٥)، وإن فضل مع ابن سبيل، أو غاز، أو غارم، أو مكاتب شيء: ردَّه وغيرهم يتصرَّف بما شاء؛ لملكه له مُستقرًا
(^٢٥) مسألة: في الثامن والأخير - ممن يُعطون من الزكاة - وهو: المسافر المنقطع في سفره عن أهله وولده، ولا شيء معه يُوصله إليهم، أو قصد بلدًا مُعينًا، وانتهى ما معه من النفقة، فهذان يُعطيان: فيُعطى الأول ما يُوصله إلى أهله، ويُعطى الثاني ما يُوصله إلى البلد الذي قصده وما يُرجعه منه إلى بلده الأصلي: وهذا مطلق: أي سواء كان هذا السفر طويلًا أو قصيرًا، وسواء وجد مُقرضًا أو لم يجد، وسواء كان مُوسرًا في بلده أو لا، بشرطين: أولهما: أن يكون الانقطاع حال السفر، ثانيهما: أن يكون السفر مباحًا، أو غير مباح لكنه تاب؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ والمقصود به: المسافر المنقطع، وهذا يعمُّ كلَّ من ذكرنا لأنه منكرًا أضيف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم، ودلَّ المنطوق من ذلك على أنَّ الذي يُعطى هو من لازم الطريق المنقطع؛ لذلك سُمِّي به؛ لملازمته إياه، ودلَّ مفهوم الصفة على أن من أراد الخروج لا يُعطى من الزكاة وإن لم يجد ما يُوصله إلى ما أراد السفر إليه؛ لكونه لا يُطلق عليه "ابن السَّبيل" حقيقة ولا مجازًا، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع المضرَّة عن هذا المنقطع، والرفق به، لذلك لا يُعطى من أراد السفر وهو غير قادر على الوصول إلى البلد الذي يُريد السفر إليه؛ لأن وجود هذا في بلده أرفق به، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط كون السفر مباحًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن إعطاء المسافر سفر معصية إعانة له على معصيته، وهذا منهي عنه؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
(ومن كان ذا عيال: أخذ ما يكفيهم) لأن كل واحد من عائلته مقصود دفع حاجته (^٢٦)، ويُصدَّق من ادَّعى عيالًا، أو فقرًا، ولم يُعرف
(^٢٦) مسألة: إن بقي شيء بعد سداد المكاتب لدينه، وسداد الغارم ما غرم، وفراغ المجاهد من جهاده، ووصول ابن السَّبيل إلى بلده: فيجب إرجاعه إلى من دفعه - من إمام أو غني -، أما إن بقي شيء بعد زوال الفقر، والمسكنة، والعمالة وحصول التأليف: فلا يجب إرجاعه إلى من دفعه؛ للكتاب حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ حيث يلزم من تعبير الشارع بـ "اللام" في الأربعة الأوائل: أن ملكهم قد استقر على ما أخذوه، لأن "اللام" للتمليك، ويلزم من تعبير الشارع بـ "في" في الأربعة الأواخر: أنهم لا يملكون ما أخذوه، فلم يستقر لهم، بل أخذهم مُراعى فيه السبب الذي من أجله أعطوا منها - وهو: سداد دين المكاتب، وسداد ما غرم، والجهاد في سبيل الله، ووصول ابن السبيل -، وبناء عليه: يجب على هؤلاء الأربعة أن يُرجعوا ما بقي بعد ذلك فإن قلتَ: لمَ فُرِّق بين أهل الزكاة في هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يشقُّ معرفة زوال الفقر، والمسكنة، والعمالة، وحصول التأليف بالتَّحديد، فلا يرد الواحد من الأربعة الأوائل في الآية ما بقي بعد زوال ما هم فيه؛ دفعًا لتلك المشقة، بخلاف الفراغ من سداد الدَّين للمكاتب والغارم، والفراغ من الجهاد في سبيل الله، ووصول ابن السبيل إلى بلده فلا يشقُّ معرفته، فوجب ردُّ ما بقي بعد زوال ذلك، تنبيه: قوله: "ومن كان ذا عيال" إلى قوله "حاجته" قد سبق بيانه في مسألة (٥). [فرع]: السائل للصدقة والزكاة يُعطى منها إن ظهرت عليه علامات الاستحقاق؛ للمصلحة؛ حيث إن أُعطي مُطلقًا فقد يؤدِّي إلى أن يأخذها من لا يستحقها، ويُحرم منها من يستحقها. [فرع آخر]: يُستحب للمسلم أن يتعفَّف، ولا يأخذ =
[ ٢ / ٣٢٧ ]
بغِنَى (^٢٧) (ويجوز صرفها) أي: الزكاة (إلى صنف واحد)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ولحديث معاذ - حين بعثه النبي ﷺ إلى اليمن - فقال: "أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردَّ على فقرائهم" متفق عليه، فلم يذكر في الآية والخبر إلا صنفًا واحدًا (^٢٨)، ويُجزئ
الصَّدقات وإن كان فقيرًا، وأن يحرص كل الحرص على أن يعمل عملًا وإن كانت أجرته قليلة؛ حيث إن هذا أعزُّ وأكرم له؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه" ثانيها: قوله: "من يستعفف يُعفُّه الله، ومن يستغن يُغنه الله" فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الاستعفاف والاستغناء عما في أيدي الأغنياء والسلاطين يؤدِّي إلى عز الإسلام والمسلمين.
(^٢٧) مسألة: إذا ادَّعى شخص أنه فقير، أو أنه صاحب عيال: فإنه يُصدَّق، فلا تُطلب البينة على ذلك، ويُعطى من الزكاة بشرط: عدم معرفته بالغِنَى؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ وهذا الشخص بادِّعائه الفقر يدخل تحت عموم تلك الآية، فيلزم إعطاؤه لعدم معرفتنا له بالغنى، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الأصل في المسلمين الصدق، ولمشقة إثبات البينة على ذلك.
(^٢٨) مسألة: يجوز أن يُعطى الشخص جميع زكاة ماله لصنف واحد كالفقراء مثلًا، ويُستحب أن يجتهد في الأحوج لها منهم فيُقدِّمه في العطاء منها كما نص عليه الإمام مالك؛ لقواعد: الأولى: الكتاب: حيث قال تعالى: ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: " … فترد على فقرائهم" حيث لم يذكر إلا صنفًا واحدًا في النَّصَّين وهم: الفقراء، فيلزم جواز صرفها لهم فقط، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن صرفها إلى صنف واحد قد روي عن عمر، =
[ ٢ / ٣٢٨ ]
الاقتصار على إنسان واحد، ولو غريمه، أو مكاتبه إن لم يكن حيلة؛ لأنه ﷺ أمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر، وقال لقبيصة: "أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها" (^٢٩) (ويُسنُّ) دفعها (إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم) كخاله، وخالته، على قدر حاجتهم: الأقرب فالأقرب؛ لقوله ﷺ: "صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة" (^٣٠) فصل: (ولا) يُجزئ أن (تُدفع إلى هاشمي) أي: من
وحذيفة، وابن عباس ﵃، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مشقة تقسيمها على كل صنف من الثمانية.
(^٢٩) مسألة: يجوز أن يُعطى زيد زكاة ماله لعمرو الفقير: سواء كانت كثيرة أو قليلة، وسواء كان عمرو غريمًا لزيد - بأن كان زيد يطلبه دينًا - أو لا، وسواء كان عمرو عبدًا مكاتبًا لزيد - بأن اشترى عمرو نفسه من زيد - أو لا، بشرط: أن لا يكون إعطاء زيد زكاة ماله لعمرو حيلة من زيد لينتفع بزكاة ماله؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد أمر بني زريق أن يدفعوا بزكاتهم لسلمة بن صخر، وهو واحد، ثانيهما: أنه قال لقبيصة: "أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها" وهو واحد، وهي كثيرة، والنَّصان مُطلقان؛ حيث لم يُقيَّدا بشيء من كون المعطي غريمًا، أو مكاتبًا، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، وسد حاجة ذلك الفقير الواحد، ودفع مشقة تقسيمها على الثمانية، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك الشرط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سدُّ الذرائع والحيل التي تجعل المزكِّي ينتفع بزكاة ماله؛ لقطع طمعه والعود في شيء مما أخرجه بكل طريق، وهذا من محاسن الإسلام كما قال ابن القيم.
(^٣٠) مسألة: يُستحب أن يُعطي المسلم زكاة ماله قريبه المستحق لها الذي لا تجب نفقته عليه، أما إن كان ليس مستحقًا لها أو كان مستحقًا ولكنه ممن تجب =
[ ٢ / ٣٢٩ ]
يُنسب إلى هاشم بأن يكون من سلالته، فدخل فيهم آل عباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل الحارث بن عبد المطلب، وآل أبي لهب؛ لقوله ﷺ: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس" أخرجه مسلم (^٣١) لكن تجزئ
مؤنتهم ونفقته عليه: فلا يجوز دفع الزكاة إليه؛ للسنة القولية، حيث قال ﷺ: "أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح" والزكاة يُطلق عليها "صدقة" وصيغة "أفضل" من صيغ الندب، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تقوية الصلة والقرابة والتراحم بين الأقرباء. [فرع]: إذا أعطى زكاته للمستحقين لها من الأجانب أو الأقرباء: فإنه يُفرقها بينهم على التساوي إن كانوا في رتبة واحدة من الحاجة، وإن كان بعضهم أحوج من البعض الآخر: فإنه يُقدِّم في العطاء الأحوج فالأحوج، وإن وجد أجنبي أحوج لها من القريب: قدِّم ذلك الأجنبي، ويُقدَّم الجار من المستحقين لها على غير الجار، ويُقدَّم العالم على طالب العلم، ويُقدَّم المستقيم في دينه على من ليس كذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن القصد من الزكاة هو: سدُّ حاجة المستحقين لها، ومواساتهم، وما كان أحوج، أو أقرب في الجوار، أو أعلم، أو أكثر استقامة فإنه يتحقق فيه ذلك المقصد بصورة آكد.
(^٣١) مسألة: لا يُجزئ دفع الزكاة إلى بني هاشم، ولا يحل لهم أخذها، ويشمل ذلك ستة بطون: "آل العباس" و"آل علي" و"آل جعفر" و"آل عقيل" و"آل الحارث بن عبد المطَّلب" و"آل أبي لهب"؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: أن الفضل بن العباس، والمطلب بن ربيعة بن الحارث قالا للنبي ﷺ: "أمِّرنا على هذه الصدقة، فنُصيب ما يُصيب الناس من المنفعة" فقال ﷺ: "إن الصدقة لا تحلُّ لآل محمد، وإنما هي أوساخ الناس" فبيَّن تحريم دفع الزكاة إلى هؤلاء، وحُرِّم عليهم أن يأخذوها؛ لأن لفظ "لا تحلُّ" من صيغ التحريم، =
[ ٢ / ٣٣٠ ]
إليه إن كانَ غازيًا، أو غارمًا؛ لإصلاح ذات البين، أو مؤلَّفًا (^٣٢) (و) لا إلى (مطلبي)؛ لمشاركتهم لبني هاشم في الخمس، اختاره القاضي، وأصحابه، وصحَّحه ابن المنجا، وجزم به في "الوجيز" وغيره، والأصح: تُجزئ إليهم اختاره الخرقي، والشيخان وغيرهم؛ لأن آية الأصناف وغيرها من العمومات تتناولهم، ومشاركتهم
ثانيهما: أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال ﷺ له: "كخ كخ ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة" فحرم ذلك فنهى هؤلاء عن الأخذ من الصدقة؛ لأن النفي: نهي، وهو مطلق، فيقتضي التحريم؛ فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن مَنْعهم من أكل الزكاة يُعتبر تكريمًا لهم؛ لكون الزكاة أوساخ الناس - كما ورد في الحديث - فإن قلتَ: إن آل أبي لهب يُعطون من الزكاة - وهو ما ذكره بعض العلماء -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إيذاء أبي لهب للنبي ﷺ: أن لا تستحق ذراريه الكرامة بخلاف البطون الخمسة الأخرى فقد نصروه في الجاهلية والإسلام قلتُ: إن ابني أبي لهب: "عتية" "ومُعتّب" قد أسلما عام الفتح، وحسن إسلامهما، وشهدا غزوة حنين والطائف، ولهما عَقِب نفع الله به، فلزم دخولهم مع أصلهم، وهم بنو هاشم، فلا يُعطون من الزكاة تكريمًا، ولا دخل لهم فيما فعله أبوهم أبو لهب؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
(^٣٢) مسألة: إذا كان الشخص من بني هاشم من المؤلَّفة قلوبهم، أو غازيًا، أو غارمًا لدين بسبب إصلاح ذات البين: فيجوز أن يُعطى من الزكاة، وله الأخذ منها؛ للقياس، بيانه: كما يجوز للغني أن يأخذ من الزكاة إذا كان غازيًا أو غارمًا، أو مؤلَّفًا فكذلك يجوز للهاشمي ذلك إذا كان كذلك، والجامع: أن كلًا منهم أخذ بسبب العمل الذي قام به، ولا توُجد منَّة في ذلك.
[ ٢ / ٣٣١ ]
لبني هاشم في الخُمس ليس لمجرَّد قرابتهم؛ بدليل: أن بني نوفل وبني عبد شمس مثلهم ولم يُعطوا شيئًا من الخمس، وإنما شاركوهم بالنصرة مع القرابة كما أشار إليه ﷺ بقوله: "لم يُفارقوني في جاهلية ولا إسلام" والنُّصرة لا تقتضي حرمان الزكاة (^٣٣) (و)
(^٣٣) مسألة: لا يُجزئ دفع الزكاة إلى بني المطَّلب، وهم من يُنسبون إلى المطَّلب بن عبد مناف، ولا يحل لهم أخذها، وهو مذهب الجمهور؛ للقياس، بيانه: كما أن بني هاشم لا تدفع لهم الزكاة، ولا يحل لهم أخذها، فكذلك بنو المطَّلب مثلهم والجامع: أن كلًا منهم يأخذون من خمس الغنيمة الذي خُصِّص لذوي القربى، وأن كلًا منهم قد اشتركوا في نصرة النبي ﷺ والقرابة له، ولذا حكم ﷺ عليهما بأنهما كالشيء الواحد قائلًا: "إنما بنو المطَّلب وبنو هاشم شيء واحد" يُؤيده: أنه لما حاصرت قريش بني هاشم انضمَّ إليهم بنو المطَّلب، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وقد بيَّناها في مسألة (٣١)، فإن قلتَ: يُجزئ دفع الزكاة إلى بني المطَّلب، ويحلُّ لهم أخذها وهو قول كثير من الحنابلة - كالخرقي والشيخين: ابن قدامة موفق الدين، والمجد بن تيمية ومال إليه المصنف هنا -، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ..﴾ وهذا عام، فيشمل فقراء بني المطَّلب، وغيرهم، وإنما خُصِّص منهم بنو هاشم بالسنة القولية، وهي من وجهين وقد سبق ذكرهما في مسألة (٣١) -، ويبقى لفظ الآية عامًا شاملًا لما بقي بعد التخصيص، وهو حجة فيه، وقرابة بني المطَّلب لبني هاشم لا تقتضي أن يكون بنو المطَّلب مثل بني هاشم في منعهم من أخذ الزكاة؛ لنقض ذلك في بني عبد شمس وبني نوفل؛ حيث إنهما مثل بني المطَّلب في القرابة ومع ذلك لم يُعطيا شيئًا من الخمس قلتُ: إن قياس بني المطلب على بني هاشم في ذلك قياس صحيح؛ حيث استكمل شروطه؛ حيث إن هناك أمورًا تجمع بني المطَّلب وبني هاشم منها: القرابة الشديدة التي بينهما، وأن كلًا =
[ ٢ / ٣٣٢ ]
لا إلى (مواليهما)؛ لقوله ﷺ: "وإنَّ مولى القوم منهم" رواه أبو داود والنسائي والترمذي وصحَّحه، لكن على الأصح: تُجزئ إلى موالي بني المطَّلب كإليهم (^٣٤)،
منهما يأخذ من خمس الغنيمة، وأنهما كالشيء الواحد، وأنهما قد انضمَّا معًا عند الضراء، فلذا صحَّ قياس بني المطلب على بني هاشم، وهذا القياس قد خصَّص عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ فأخرج بني المطَّلب عن ذلك العموم فلا تُدفع لهم الزكاة كبني هاشم، بخلاف بني نوفل، وبني عبد شمس فلا يُوجد شيء من ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل القياس السابق قد قوي على تخصيص عموم الآية؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا. [فرع]: يجوز للمطَّلبي أن يأخذ من الزكاة إذا كان غازيًا أو غارمًا أو مؤلفًا؛ قياسًا على الهاشمي في ذلك كما سبق في مسألة (٣٢). [فرع آخر]: يجوز لبني هاشم وبني المطَّلب أخذ الزكاة إذا كانوا فقراء، ومُنعوا من خمس الغنيمة، أما إن لم يكونوا فقراء، أو أعطوا من الغنيمة فلا يجوز لهم أخذ الزكاة؛ للمصلحة؛ حيث إن منعهم من أخذ الزكاة مع حاجتهم، وعدم تمكُّنهم من أخذ الخمس يُلحق الضَّرر بهم، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
(^٣٤) مسألة: لا يُجزئ دفع الزكاة إلى موالي بني هاشم وموالي بني المطَّلب - وهم العبيد الذين أعتقهم هؤلاء وسُلالتهم -، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا تحلُّ لنا الصدقة وإن موالي القوم منهم" فيكون على موالي القوم ما على القوم، ولهم مالهم ويعم ما ذكرناه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن بني هاشم وبني المطَّلب يرثون هؤلاء الموالي بالتعصيب، فإن قلتَ: يُجزئ دفع الزكاة إلى مواليهم، وهو قول كثير من العلماء؛ للقياس، بيانه: كما يجوز دفع الزكاة إلى فقراء سائر الناس فكذلك هؤلاء الموالي مثلهم إذا كانوا فقراء، والجامع: أن كلًا منهم ليسوا بقرابة للنبي ﷺ، قلتُ: إن هذا فاسد؛ لأنه قياس =
[ ٢ / ٣٣٣ ]
ولكل أخذ صدقة التطوع، ووصية، أو نذر لفقراء (^٣٥)، لا كفارة (^٣٦) (ولا إلى فقيرة تحت غني مُنفق) ولا إلى فقير يُنفق عليه من وجبت عليه نفقته من أقاربه، لاستغنائه بذلك (ولا إلى فرعه) أي: ولده وإن سفل من ولد الابن، أو ولد البنت (و) لا إلى
مع الفارق؛ لأن هؤلاء الموالي بمنزلة القرابة؛ لثبوت حكم القرابة فيهم من الإرث، والعقل، والنفقة، فأجروا مجرى ذلك في الصدقة، وهذا بخلاف سائر فقراء الناس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: هل لفظ "منهم" الوارد في الحديث شامل لحكم عدم دفع الزكاة لهم كالقوم أو لا؟ فعندنا: نعم، وعندهم: لا، تنبيه: قوله: "لكن على الأصح تُجزئ إلى موالي بني المطَّلب كإليهم" يُشير به إلى ما صحَّحه وهو: جواز دفع الزكاة إلى بني المطَّلب فإذا جاز ذلك فمن باب أولى جواز دفعها إلى مواليهم، وقد سبق أن هذا مرجوح في مسألة (٣٣).
(^٣٥) مسألة: يجوز لبني هاشم، ولبني المطَّلب ومواليهم أخذ صدقات التطوع، والصدقات الموصى بها، والصدقات المنذورة للفقراء إذا كانوا فقراء حقيقة؛ للتلازم؛ حيث إن كونها لا يُطلق عليها زكاة مفروضة يلزم منه: جواز أخذهم لها، فإن قلتَ: لمَ فُرِّق بين الزكاة والصدقات المطلقة هنا؟ قلتُ: لأن الزكاة تُعتبر من أوساخ الناس كما ورد، بخلاف الصدقات المطلقة، فلا توصف بذلك.
(^٣٦) مسألة: لا يجوز لبني هاشم وبني المطَّلب ومواليهم أخذ الصَّدقات التي هي كفارة عن ذنب كإطعام عشرة مساكين في كفارة اليمين، أو إطعام ستين مسكينًا في كفارة الجماع في نهار رمضان ونحو ذلك؛ للقياس، بيانه: كما لا يجوز لهؤلاء أخذ الزكاة، فكذلك لا يجوز أخذ شيء من الكفارات والجامع: أن كلًا منها قد أوجبه الشارع، فيُؤخذ بسبب طلب الشارع له، فيكون كل منها من أوساخ الناس.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
(أصله) كأبيه، وأُمه، وجده، وجدته من قبلهما وإن علوا (^٣٧)، لا أن يكونوا عُمَّالًا أو مؤلَّفين، أو غزاة، أو غارمين لذات بين، ولا يُجزئ أيضًا إلى سائر من تلزمه نفقته ما لم يكن عاملًا، أو غازيًا، أو مؤلفًا، أو مكاتبًا، أو ابن سبيل، أو غارمًا لإصلاح ذات بين (^٣٨)، ويُجزئ إلى من تبرَّع بنفقته بضمِّه إلى عياله (^٣٩)، أو تعذَّرت
(^٣٧) مسألة: لا يُجزئ دفع الزكاة إلى أيِّ شخص يُنفق عليه مَنْ وجبت عليه نفقته من أقاربه كزوجته، وفروعه كابنه وبنته وإن نزلوا، وأصوله كأبيه وأمه وإن علوا، وهذا المنفق غني منفق، فإن كان فقيرًا، أو كان غنيًا لا يُنفق: فيجوز دفعها إلى هؤلاء؛ للتلازم؛ حيث إن الإنفاق عليهم يلزم منه استغناؤهم عن أخذ الزكاة، ويلزم من عدم الإنفاق: عدم استغنائهم عنها، فجاز دفعها إليهم؛ لدخولهم تحت عموم قوله تعالى: ﴿… لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ وهو المقصد الشرعي.
(^٣٨) مسألة: يجوز للشخص أن يدفع زكاة ماله إلى والديه، أو أولاده، أو أي شخصٍ تلزمه نفقته بشرط: أن يكون من تُدفع له الزكاة عاملًا على الزكاة، أو مؤلَّفًا قلبه، أو مجاهدًا في سبيل الله، أو غارمًا بسبب إصلاح ذات البين، أو مكاتبًا قد اشترى نفسه من سيده، أو قد انقطع به السبيل؛ للقياس، بيانه: كما أن الغني يُعطى من الزكاة لأجل هذه الأمور، فكذلك الأقرباء يُعطيهم قريبهم من زكاته لأجل تلك الأمور، والجامع: أن كلًا قد استحقَّ العطاء بسبب عمله، أو بسبب الانقطاع، أو كثرة الدَّين، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سدٌّ لحاجة هؤلاء، وهو المقصد من مشروعية الزكاة.
(^٣٩) مسألة: إذا تبرَّع زيد فضمَّ عمرًا إلى عياله، وأنفق عليه طول عمره: فيجوز لزيد أن يُعطي عمرًا من زكاته؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ..﴾ حيث إن هذا عام لكل فقير؛ لأن "الفقراء" جمع معرف بأل، وهو =
[ ٢ / ٣٣٥ ]
نفقته من زوج أو قريب بنحو غيبة، أو امتناع (^٤٠) (ولا) تجزئ (إلى عبد) كامل رق (^٤١) غير عامل أو مكاتب (^٤٢) (و) لا إلى (زوج) فلا يُجزئها دفع زكاتها إليه ولا بالعكس (^٤٣)، وتُجزئ إلى ذوي أرحامه من غير عمودي
من صيغ العموم، فيشمل عمرًا؛ لكونه فقيرًا، فإن قلتَ: لمَ يُعطى وقد استغنى بالنفقة عليه؟ قلتُ: لأن نفقته مُتبرِّعًا بها، ولم تكن إلزامية من الشارع، لذا: يستطيع زيد التخلِّي عنه، فلم يكن عمرو مستغنيًا حقيقة.
(^٤٠) مسألة: إذا كان لزيد زوجة، وأولاد، فغاب زيد، أو امتنع عن الإنفاق: فيجوز أن تُدفع لهم الزكاة؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ وهو عام لكل فقير، فيشمل هؤلاء؛ لعدم استغنائهم، وقد سبق ذلك في مسألة (٣٧).
(^٤١) مسألة: لا يُجزئ أن يدفع السيد زكاة ماله إلى رقيقه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من دفع ذلك: أن يكون قد دفعها إلى نفسه؛ لكون مال العبد لسيده؛ فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الزكاة تُعتبر مُلكًا لآخذها، والعبد لا يملك، ولأن السيد سينتفع من ذلك.
(^٤٢) مسألة: إذا كان ذلك الرقيق عاملًا على الزكاة، أو مُكاتبًا - بأن اشترى نفسه من سيده -: فيجوز أن يدفع سيده إليه زكاة ماله؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ﴾ وهذا عام، فيشمل الرقيق؛ لكون العامل يأخذ أجرة عمله وإن كان غنيًا، والمكاتب يأخذ ما يُسدِّد به دينه.
(^٤٣) مسألة: يُجزئ أن تدفع الزوجة الغنية زكاة مالها إلى زوجها الفقير دون العكس؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ وهذا عام؛ لأن "الفقراء" جمع معرَّف بأل، وهو من صيغ العموم، فيشمل الزوج الفقير وغيره من الفقراء، فالمقتضى لإعطائه موجود، والمانع من ذلك مفقود، الثانية: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ لما علم بأن زينب تُعطي زوجها عبد الله بن مسعود من زكاة مالها قال: "لها أجران: أجر القرابة، وأجر =
[ ٢ / ٣٣٦ ]
النَّسب (^٤٤) (وإن أعطاها لمن ظنَّه غير أهل) لأخذها (فبان أهلًا): لم تُجزئه؛ لعدم جزمه بنية الزكاة حال دفعها لمن ظنه غير أهل لها (^٤٥) (أو بالعكس) بأن دفعها لغير أهلها ظانًا أنه أهلها: (لم تجزئه)؛ لأنه لا يخفى حاله غالبًا، وكدين الآدمي (^٤٦) (إلا)
الصدقة" وهذا يلزم منه جواز ذلك فإن قلتَ: لا يُجزئ أن تدفع الزوجة زكاتها إلى زوجها، ولا يُجزئ العكس وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: أما عدم إجزاء دفع الزوج زكاته لزوجته فهذا صحيح وقد سبق بيانه في مسألة (٣٧)، أما عدم إجزاء دفع الزوجة زكاتها لزوجها: فلم أجد دليلًا قويًا على ذلك؛ بل الدليل على خلافه وقد بينَّاه.
(^٤٤) مسألة: يجوز للشخص أن يدفع زكاة ماله لأيِّ قريب لا تجب نفقته عليه: سواء من ذوي الأرحام أو لا بشرط: أن يكونوا فقراء؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ..﴾ وهذا عام، فيشمل القريب وغيره إذا كانوا فقراء، ولا تجب نفقتهم على المزكِّي.
(^٤٥) مسألة: إذا دفع زيد زكاة ماله إلى عمرو ظنًا منه أنه ليس ممن يستحقونها: فبان بعد مُدَّة: أنه ممن يستحقونها: فإن هذا لا يُجزئه، بل يجب على زيد أن يدفع الزكاة مرة أخرى لأحد مستحقيها؛ للقياس، بيانه: كما أن الشخص لو صلى في وقت ظنه أنه ليس وقت للصلاة فبان بعد ذلك أنه وقت لها: فإن الصلاة لا تصح، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًا منهما قد خلى من نية صلاحية كل من الركنين - وهما الصلاة والزكاة -؛ لعدم موافقته لما تصح فيه النية، وأيُّ عمل يخلو من النية لا يصح، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لكونه وضعها في غير موضعها؛ حيث إنه أعطاها لغير مستحقها عمدًا فكانت مردودة.
(^٤٦) مسألة: إذا دفع زيد زكاته إلى عمرو ظنًا منه أنه ممن يستحقها - غير الفقير -، فبان بعد مُدَّة: أنه ممن لا يستحقها: فلا يُجزئه ذلك، بل يجب على زيد أن =
[ ٢ / ٣٣٧ ]
إذا دفعها (لغني ظنَّه فقيرًا) فتُجزئه؛ لأن النبي ﷺ أعطى الرجلين الجلدين وقال: "إن شئتما أعطيتكما منها، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب" (^٤٧) (وصدقة التطوع مستحبة) حثَّ الله عليها في كتابه العزيز في آيات كثيرة، وقال ﷺ: "إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء" رواه الترمذي، وحسَّنه (^٤٨) (و)
يدفع الزكاة مرة أخرى لأحد مستحقيها؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن زيدًا المدين لعمرو، لو أعطى هذا الدَّين لبكر ظنًا منه أنه عمرو، فبان بعد ذلك أنه ليس بعمرو، فيجب على زيد أن يُعطي ذلك الدَّين لعمرو مرة أخرى، فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما لم يصل الحق إلى صاحبه الحقيقي، الثانية: العادة والعرف؛ حيث إنه قد اعتاد الناس أن من يستحق الزكاة لا يخفى حاله، فنظرًا لتساهله في التأكد وإعطائها لغير مستحقيها: لم يُعذر وهذا هو المقصد من ذلك.
(^٤٧) مسألة: إذا دفع زيد زكاة ماله إلى عمرو ظنًا منه أنه فقير، فبان بعد ذلك أنه غني: فإنها تجزئ عن زيد، وتبرأ ذمَّته؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال النبي ﷺ لرجلين جلدين سألا الصدقة -: "إن شئتما أعطيتكما منها .. " فيلزم من ذلك: جواز إعطاء من ادَّعى الفقر وأظهره، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الغالب أن الغِنَى يخفى على كثير من الناس، ولو أراد شخص أن يعلم أن هذا غني أو فقير: لوجد مشقة عظيمة في ذلك فدفعًا لذلك: أجزأت.
(^٤٨) مسألة: صدقة التطوع من أعظم المستحبَّات؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وغيرها من الآيات الكثيرة، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء" فإن قلتَ: لمَ استُحبَّت؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنها تتسبَّب في =
[ ٢ / ٣٣٨ ]
هي (في رمضان) وكل زمان ومكان فاضل كالعشر، والحرمين أفضل؛ لقول ابن عباس: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبرائيل" الحديث متفق عليه (و) في (أوقات الحاجات أفضل) (^٤٩) وكذا: على ذي رحم، ولا سيما مع عداوة وجار؛ لقوله تعالى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ ولقوله ﷺ: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان:
إيجاد خيري الدنيا والآخرة من بركة المال المتصدق منه، وإطفاء غضب الرب، ودفع ميتة السوء، ورفع الأمراض، والستر.
(^٤٩) مسألة: أفضل الأوقات في إخراج الصدقات هو: رمضان، والعشر ذي الحجة، ووقت حاجة الناس لها كأوقات الشتاء، والمطر، ووقت المجاعة، والحروب والقحط، والزلازل، والفتن، ونحو ذلك؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ أي: أعظم الصدقة هي: الصدقة على فقير بئيس بحاجة إلى المال حاجة شديدة وغير ذلك مما ذكر مثل ذلك؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر" يقصد عشر ذي الحجة؛ الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث قال ابن عباس: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان" فإن قلتَ: لمَ كان ذلك الأفضل؟ قلتُ: لأفضلية الزمان الذي وقعت تلك الصدقة فيه. [فرع]: أفضل الأماكن في إخراج الصدقات هي: أفضل بُقاع العالم وهي مكة المكرمة، والمدينة المنورة؛ للتلازم؛ حيث إن مضاعفة الحسنات في هذين المكانين يلزم منه: أن تكون الصدقة فيهما أفضل من غيرهما.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
صدقة وصلة" (^٥٠) (وتسن) الصدقة (بالفاضل عن كفايته و) كفاية (من يمونه)؛ لقوله ﷺ: "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غِنَى" متفق عليه (ويأثم) من تصدَّق (بما ينقصها) أي: يُنقص مؤنة تلزمه، وكذا: لو ضرَّ بنفسه، أو غريمه، أو كفيله؛ لقوله ﷺ: "كفى بالمرء إثمًا أن يُضيِّع من يقوت" (^٥١)، ومن أراد الصدقة بماله كله، وله عائلة لهم كفاية، أو يكفيهم بمكسبه:
(^٥٠) مسألة: أفضل المستحقين للصدقة: هو القريب الفقير المظهر عداوته للمتصدِّق، ثم: القريب الفقير الكاتم عداوته له، ثم القريب الفقير المحب، ثم الجار الفقير المظهر عداوته له، ثم الجار الفقير الكاتم عداوته له، ثم الجار الفقير المحب له، ثم فقراء المسلمين ومساكينهم: الأمثل فالأمثل في الحاجة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ وقال: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ حيث قدَّم الأقربين في الصدقات سواء كانت قرابة نسب أو رحم، أو جوار، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة" وقال: "أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح" أي: العدو المظهر لعداوته، والجار مثله؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يتسبَّب في إزالة العداوة بين الأقرباء، ويُوجد الترابط الأسري، والجار بمنزلة القريب في الرحم؛ لشدَّة ما اهتمَّ الشارع به ومن ذلك قوله ﷺ: "أوصاني جبريل بالجار حتى ظننت أنه سيُورِّثه".
(^٥١) مسألة: يُستحب أن يتصدَّق المسلم بما فضل وزاد عن كفايته وحاجته، وكفاية وحاجة من يعول، ويُحرَّم أن يتصدَّق بشيء يُنقص تلك الكفاية، أو يتسبَّب بضرره، أو ضرر غريمه - وهو: من يطالبه بدين - أو يضرُّ كفيله بحق مالي، ويأثم إن فعل ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "اليد العليا خير من اليد =
[ ٢ / ٣٤٠ ]
فله ذلك؛ لقصة الصدِّيق، وكذا: لو كان وحده، ويعلم من نفسه حسن التوَّكُّل والصبر عن المسألة، وإلا: حُرِّم (^٥٢).
السُّفلى، وابدأ بنفسك ثم بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غِنى" وقال: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وقال: "كفى بالمرء إثمًا أن يُضيِّع من يعول" حيث يلزم من تلك النصوص ما قلناه، ولا يُعاقب المسلم إلا إذا ارتكب حرامًا، أو ترك واجبًا، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من تدبَّر ما ذكرناه هنا لوجد أن فيه جلب مصالح له، ودفع مفاسد عنه.
(^٥٢) مسألة: يجوز أن يتصدَّق المسلم بكل ماله، أو بما يُنقص من كفايته وكفاية عياله، وله مع ذلك أجر عظيم، لكن بشرط: أن يكون قادرًا على التكسُّب بما يكفيهم، وهو واثق بحسن توكُّله على الله، والصبر على الفقر والتعفُّف عن المسألة، فإن فُقد هذا الشرط: فيُحرَّم عليه ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ حيث ورد ذلك في سياق المدح لهؤلاء، فيلزم من ذلك جواز ما قلناه ويؤجر على ذلك أجرًا عظيمًا، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث أقرَّ ﷺ أبا بكر ﵁ حينما تصدَّق بجميع ماله؛ لعلمه ﷺ عن أبي بكر أنه مُتكسِّب، ويصبر على الفقر، ويترك المسألة وغير أبي بكر ممن يشبهه في هذه الصفات مثله في الحكم؛ لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه أعظم الأجر، وسدُّ حاجة الفقراء، وفي اشتراط ذلك الشرط دفع مفسدة عنه وعائلته، ودفع المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح.
هذه آخر مسائل باب "أهل الزكاة" وهو آخر أبواب كتاب "الزكاة"، ويليه كتاب "الصوم"
[ ٢ / ٣٤١ ]