بفتح الميم والواو (وهي) مشتقة من الموت، وهو: عدم الحياة، واصطلاحًا (الأرض المنفكّة عن الاختصاصات، وملك معصوم) بخلاف الطرق، والأفنية، ومسيل المياه والمحتطبات، ونحوها، وما جرى عليه ملك معصوم بشراء أو عطية، أو غيرهما، فلا يُملك شيء من ذلك بالإحياء (^١) (فمن أحياها) أي: الأرض الموات: (ملكها)؛ لحديث جابر يرفعه: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" رواه أحمد، والترمذي،
باب إحياء الموات
وفيه أربع وعشرون مسألة:
(^١) مسألة: الإحياء لغة: جعل الشيء حيًا: ذا قوة حساسة أو نامية، والموات: لغة مشتقة من الموت، وهو: عدم الحياة، والموات: الأرض التي لم تعمر، ولم تكن حريمًا لشيء معمور، والمراد بـ "إحياء الموات" اصطلاحًا: "أن يقوم شخص باستصلاح أرض منفكَّة عن الاختصاصات، وعن ملك معصوم وذلك لزراعتها أو البناء عليها" فلفظ: "شخص" عام شامل للمكلف ولغيره - كما سيأتي بيانه - وعبارة: "المنفكة عن الاختصاصات" فيها بيان اشتراط: أن تكون تلك الأراض المراد استصلاحها وامتلاكها: لا تختص بشيء عام يخدم المسلمين كأن تكون طريقًا للمسلمين، أو فناء لهم يجتمعون فيها في وقت الصيف، أو الشتاء، أو موضعًا لمسيل الأمطار، أو موضعًا لأخذ حطبهم، أو حشيشهم، أو موضعًا لدفن موتاهم أو لصلاة عيدهم وجنائزهم، ومأخذ طينهم، فإن كانت الأرض تستخدم لذلك: فلا يجوز امتلاكها بالإحياء، وعبارة: "وعن ملك معصوم" فيه بيان اشتراط أن تكون تلك الأرض المراد استصلاحها وامتلاكها: لا يملكها معصوم من المسلمين أو الكفار بشراء، أو عطية، أو إرث، أو نحو ذلك أو كانت حريم لبئر وعين أحد، ولو كان ملكًا قديمًا: فلا يجوز امتلاكها بالإحياء.
[ ٣ / ٥٩٣ ]
وصحَّحه، وعن عائشة مثله، رواه مالك، وأبو داود، وقال ابن عبد البر: هو مسند صحيح متلقَّى بالقبول عند فقهاء المدينة وغيرهم (من مسلم وكافر) ذمي، مكلف وغيره؛ لعموم ما تقدَّم، لكن على الذمي خراج ما أحيا من موات عنوة (بإذن الإمام) في الإحياء (وعدمه)؛ لعموم الحديث، ولأنها عين، مباحة، فلا يفتقر ملكها إلى إذن (في دار الإسلام وغيرها) فجميع البلاد سواء في ذلك (والعنوة) كأرض الشام، ومصر والعراق (كغيرها) مما أسلم أهله عليه، أو صولحوا عليه (^٢) إلا ما أحياه
(^٢) مسألة: يُباح إحياء الأرض الميتة التي لا مالك لها، ولا ينتفع بها عامة المسلمين، فيقوم الشقص بإحيائها بالسقي، أو الزرع أو الغرس، أو البناء، أو بالتحويط، وبذلك يملكها ملكًا حقيقيًا؛ سواء كان ذلك الشخص مسلمًا أو كافرًا ذميًا، وسواء كان مكلفًا أو لا، وسواء أذن الإمام أو نائبه، أو لا، وسواء كانت تلك الأرض في دار الإسلام، أو دار حرب، وسواء كانت قد فُتحت عنوة، أو صلحًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" وهذا عام؛ لأن "مَنْ" الشرطية من صيغ العموم، فيشمل المسلم والكافر الذمي، والمكلف وغيره ومن أذن له أو لا، وأطلقت الأرض فشملت الأرض المفتوحة عنوة، أو صلحًا، وشملت أرض الإسلام، وأرض الكفار، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن أخذ الحشيش والحطب لا يحتاج إلى إذن الحاكم أو نائبه، فكذلك إحياء الأرض وأخذها لا يحتاج إلى ذلك والجامع: أن كلًّا منها عين مباحة، والعين المباحة لا تفتقر ولا تحتاج إلى إذن أحد، فإن قلت: لِمَ شُرع إحياء الموات؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حثّ على إعمار بلاد المسلمين بالزراعة والغراس النافع للمسلمين، (فرع): إذا قام الذمي بإحياء أرض من أراضي المسلمين فيجب عليه إعطاء خراجها لإمام المسلمين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الأرض للمسلمين: أن لا تُقرُّ في يد غيرهم بدون خراج، مثلها مثل الأرض غير الموات.
[ ٣ / ٥٩٤ ]
مسلم من أرض كفار صولحوا على أنها لهم ولنا الخراج (^٣) (ويُملك بالإحياء ما قرب من عامر إن لم يتعلّق بمصلحته)؛ لعموم ما تقدم، وانتفاء المانع، فإن تعلّق بمصالحه كمقبرة، وملقى كناسة ونحوهما: لم يُملك (^٤)، وكذا: موات الحرم وعرفات لا يملك بالإحياء (^٥)، وإذا وقع في الطريق وقت الإحياء نزاع فلها سبعة أذرع، ولا تغيّر بعد
(^٣) مسألة: لا يجوز لمسلم أن يحيي أرضًا من أراضي الكفار الذين صولحوا على أن تلك الأراضي لهم، ويُسلِّموا لنا الخراج؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك الصلح واقع في بلادهم، والموات واقع فيها أيضًا فيلزم: عدم جواز التعرّض لشيء منها؛ لأن فيه خرقًا لعقد الصلح، وهذا لا يحسن من المسلمين.
(^٤) مسألة: يجوز أن يُملك بالإحياء كل ما قرب من عامر أو قرب من مملوك بشرط: أن لا يتعلَّق به مصلحة العامر والمملوك، فإن تعلَّق به مصلحته، كمدفن موتي القرية وموضع قماماتها، وفنائها، ومرعى ماشيتها، وموضع احتطابها، وطرقها، ومسيل مائها، وحريم النهر، والبئر، والعين، وملقى آلات الشخص أمام بيته: فإن هذا لا يُملك بالإحياء، ويُرجع في معرفة القرب والبعد إلى العرف والعادة عند أهل كل قرية؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" وهذا عام؛ لأن "مَنْ" الشرطية من صيغ العموم، فيشمل ما قرب من العامر والمملوك وما بعد، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث أقطع ﷺ بلال بن الحارث العقيق وهو من عمارة المدينة، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما يجوز إحياء البعيد عن العامر والمملوك، فكذلك يجوز إحياء القريب منه والجامع: عدم المانع في كل، الرابعة: المصلحة: حيث إن إحياء ما تعلَّقت به مصلحة العامر والمملوك يُفسد ذلك العامر والمملوك على أهله الذي هم أحق بالمراعاة؛ لكونهم أسبق، لذلك اشتُرط ذلك الشرط؛ لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح.
(^٥) مسألة: لا يملك بالإحياء الأراضي التي هي حول الحرم المكّي، وأراضي أداء المناسك كعرفات ومنى، ومزدلفة، والطرق الواسعة المودِّية إليها؛ للمصلحة: حيث =
[ ٣ / ٥٩٥ ]
وضعها (^٦)، ولا يُملك معدن ظاهر كملح، وكحل وجص بإحياء، وليس للإمام إقطاعه (^٧)، وما نضب عنه الماء من الجزائر لم يُحيى بالبناء؛ لأنه يردُّ الماء إلى الجانب
= إن ذلك فيه تضييق في أداء الناس لمناسكهم في الحج والعمرة، والناس فيه سواء، فدفعًا لمفسدة هذا التضييق: شرع ذلك؛ لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح.
(^٦) مسألة: إذا أراد شخص إحياء أرض موات، ووقع نزاع في سعة الطريق منها وقت الإحياء: فإنه يوضع سبعة أذرع بذراع يد الرجل المتوسط، ولا تُغير الطرق بعد وضعها أول مرة ولو زادت على سبعة إلّا عند حاجة المسلمين لذلك، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع" وهو نص في المسألة، الثانية: المصلحة: حيث إن الطرق لمصلحة المسلمين العامة، فلا يجوز لواحد منهم أو لطائفة تغيير الطرق لمصلحتها الخاصة؛ لأن ذلك فيه مفسدة، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، أما إذا احتاج عامة المسلمين تغيير طريق من الطرق فلهم ذلك إذا اقتضت الضرورة، والضرورة والحاجة يقدرها أصحاب العقول المتوسطة من العلماء، ولا يعتمد في ذلك على المتشددين المغالين، ولا على المتساهلين.
(^٧) مسألة: كل شيء ينتفع به عامة المسلمين أو أكثرهم وهي المعدن إذا كان ظاهرًا قبل الإحياء مثل: الأرض التي فيها الملح، أو الكبريت، أو القار، أو النفط، أو الكحل، أو الذهب، أو الفضة، أو الحديد، أو الرصاص، أو فيها مقاطع جص أو طين، ونحو ذلك: فإن ذلك لا يُملك بالإحياء، ولا يحق للإمام أو نائبه أن يقطعها لأحد، بل تبقى ينتفع بها سائر المسلمين؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الطرق التي يمشي عليها المسلمون، ومشاريع المياه لا تملك بالإحياء، لا يجوز للإمام إقطاعها لأحد فكذلك المعادن الظاهرة، والجامع: أن كلًّا منهما يتعلَّق به مصالح المسلمين العامة، الثانية: المصلحة: حيث إن هذه الأشياء لو ملكها =
[ ٣ / ٥٩٦ ]
الآخر فيضرُّ بأهله، وينتفع به بنحو زرع (^٨)، (ومن أحاط مواتًا): بأن أدار حوله حائطًا منيعًا بما جرت العادة به: فقد أحياه، سواء أرادها للبناء أو غيره؛ لقوله ﵇: "من أحاط حائطًا على أرض: فهي له" رواه أحمد وأبو داود عن جابر (^٩)
= أحد بالإحياء والإقطاع: للحق عامة المسلمين ضرر وضيق؛ لأن هذا الشخص الذي ملكها بالإحياء، أو الذي أقطع سيمنع الناس من الانتفاع منها، وإن أخذ العوض عنه: فإنه سيغليه عليهم وهذا فيه مفاسد لا تُعدُّ ولا تحصى. (فرع): المعادن إذا كانت باطنة فحفرها إنسان، وأظهرها: فإنه لا يملكها بالإحياء، ولا يحق للإمام إقطاعها لأحد؛ قياسًا على الطرق ومشاريع المياه، والجامع: أن كلًّا منها يتعلَّق به مصالح المسلمين العامة.
(^٨) مسألة إذا نضب الماء وامتنع عن بعض جزيرة، أو غار ماء عن ساحل من سواحل بحر، أو نهر: فلا يحيى بالبناء عليه بيوتًا، بل ينتفع بالأرض التي انحسر الماء عنها بزرعها أو غرسها ونحو ذلك؛ للمصلحة: حيث إن الماء لو عاد مرة أخرى فإنه سيرده البناء، ثم سيرجع إلى الجهة الأخرى فيُضر بأهلها، فدفعًا لذلك: شرع عدم البناء عليه.
(^٩) مسألة: إذا قام شخص بتحويط أرض موات إحياءً لها: بأن يُدير حولها حائطًا منيعًا بما جرت عادة الناس به: فإنه يملكها بالإحياء: سواء أرادها للبناء، أو للزرع، أو حظيرة للغنم، أو الحطب أو للخشب أو نحو ذلك من الانتفاعات؛ للسنة القولية حيث قال ﷺ: "من أحاط حائطًا على أرض فهي له" وهو نص في المسألة؛ لأن اللام في قوله: "له" للتمليك، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على المسلمين. (فرع): صفة الإحياء بالبناء: أن يكون الإحياء بشيء يمنع الدخول فيه على حسب العادة والعرف، ويختلف ذلك باختلاف البلدان وأعرافهم وعاداتهم، فبعضهم لا يتم الإحياء إلّا بالبناء بحجر، وبعضهم بالطين وبعضهم بالخشب، أو القصب، وإن بناه بشيء أعلى وأقوى =
[ ٣ / ٥٩٧ ]
(أو حفر بئرًا فوصل إلى الماء): فقد أحياه (أو أجراه) أي: الماء (إليه) أي: إلى الموات (من عين ونحوها، أو حبسه) أي: الماء (عنه) أي: عن الموات إذا كان لا يزرع معه؛ (ليزرع: فقد أحياه)؛ لأن نفع الأرض بذلك أكثر من الحائط، ولا إحياء بحرث وزرع (^١٠) (ويملك) المحيي (حريم البئر العادية) بتشديد الياء، أي: القديمة،
= مما جرت به عادتهم فهو أولى؛ للتلازم والمصلحة؛ حيث إن كل شيء ورد الشرع به وأطلقه: يلزم منه الرجوع إلى أعراف الناس وعادتهم، كما شرع القبض، والحرز، وقليل الدم الناقض للوضوء وكثيره، وقليل الحركة في الصلاة وكثيرها، ونحوها، ولم يبين مقدار ذلك كله، فرجع فيه إلى عرف متوسطي العقلاء من الناس، ولا يؤخذ رأي المتشددين، ولا المتساهلين في ذلك، وهذا من تيسير الإسلام وسعته المقصودة؛ لطفًا بالمسلمين ومراعاة لظروفهم وأحوالهم.
(^١٠) مسألة: إذا حفر شخص بئرًا فوصل إلى الماء، فإنه يكون قد أحياها، وكذلك إذا أجرى الماء من بئره أو نهر إلى أرض موات فقد أحياها، أو كان يزرعها، ثم امتنع: فإنها تبقى على ملكيته بالإحياء، وكذلك: إذا عمد إلى أرض غير صالحة: فقام فأصلحها، وقطع أشجارها، وأبعد حجارتها، ونقَّاها، وحرثها للزرع على ما جرى العرف فيه: فقد أحياها، ومن أحيا أرضًا بأي طريق فقد ملكها بذلك؛ للمصلحة: حيث إن الماء يحصل به الإحياء؛ لأنه بذلك يمكن الانتفاع بالأرض أكثر مما لو حوطها فقط، فإن قلتَ: لا إحياء بمجرَّد حرث أرض أو زرعها فقط، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك مما يتكرر كلما أراد الانتفاع بها، وهذا يلزم منه عدم اعتباره بالإحياء؛ لاحتمال عدم دوامه قلتُ: هذا لا يُسلَّم؛ بل إن حرثها وسقيها وزرعها إحياء لها، وهو أنفع من تحويطها فقط، فإذا كان مجرد تحويطها يُعتبر إحياء لها: فإن حرثها وسقيها وزرعها يُعتبر إحياء لها من باب أولى؛ لكون ذلك أنفع، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع المصلحة" كما هو واضح.
[ ٣ / ٥٩٨ ]
منسوبة إلى عاد، ولم يرد عادًا بعينها (خمسين ذراعًا من كل جانب) إذا كانت انطمَّت، وذهب ماؤها، فجدَّد حفرها، وعمارتها، أو انقطع ماؤها فاستخرجه (وحريم البدية) المحدثة (نصفها) أي: خمسة وعشرون ذراعًا؛ لما روى أبو عبيد في الأموال عن سعيد بن المسيب قال: "السنة في حريم القليب العادي خمسون ذراعًا، والبدي خمسة وعشرون ذراعًا" وروى الخلال والدارقطني نحوه مرفوعًا، وحريم شجرة: قدر مدِّ أغصانها، وحريم دار من موات حولها: مطرح تراب، وكناسة، وثلج، وماء ميزاب (^١١)، ولا
(^١١) مسألة مقدار ما يملكه المحيي لأرض موات وهو المسمَّى بـ "الحريم" هو كما يلي:
أولًا: إن كانت له بئر قديمة أو كان قد ورثها، فانطمَّت، وتساوت مع سطح الأرض، أو ذهب ماؤها، ثم قام بحفرها وأعادها، وجدَّد عمارتها، أو استخرج ماءها: فإن مقدار ما يملكه هو: خمسون ذراعًا بذراع الرجل المتوسط من كل جهة من جهات البئر الأربع، ثانيًا: إن حفر بئرًا ابتداء، وأحدثها للتمليك، أو لأجل سقي الماشية في أرض موات: فإن مقدار ما يملكه هو: خمسة وعشرون ذراعًا من كل جهة من جهات البئر الأربع، ثالثًا: إن حفر بئرًا للزرع، وأحدثها للتمليك: فمقدار ما يملكه هو: ثلاثمائة ذراع من كل جهة من جهات البئر الأربع، رابعًا: إن غرس شجرة أو نخلة في أرض موات: فمقدار ما يملكه هو: مدُّ أغصانها وجريدها، خامسًا: إن بنى دارًا في أرض موات ليست محفوفة بأملاك آخرين فمقدار ما يملكه هو: مطرح وموضع تراب يحتاجه وموضع قمامة وكناسة أمام تلك دار، ثلج، ومصب ميزاب، وممر إلى بابها، فيحرم على غيره التصرُّف بمثل تلك المقادير؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما قال سعيد بن المسيب: "السنة في حريم البئر البدي خمسة وعشرون ذراعًا من نواصيها كلها، وحريم بئر الزرع ثلاثمائة ذراع من نواحيها كلها، وحريم البئر العادي خمسون ذراعًا من نواحيها كلها" وهو حديث مرسل - كما جاء في التلخيص (٣/ ٧٢ - والحديث المرسل هذا حجّة عندنا؛ لأنه توفر فيه شروط حجيته - وهو:=
[ ٣ / ٥٩٩ ]
حريم لدار محفوفة بملك، ويتصرَّف كل منهم بحسب العادة (^١٢)، ومن تحجَّر مواتًا:
= كونه من رواية سعيد بن المسيب -، ثانيهما: أنه اختصم إلى النبي ﷺ في حريم نخلة: "فأمر بجريدة من جرائدها فذرعت، فكانت سبعة أذرع، أو خمسة، فقضى بذلك" والشجرة كالنخلة؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: المصلحة؛ حيث إن صاحب بئر الزرع والغرس يحتاج إلى ما حول ذلك البئر موقفًا لإبله، وغنمه، ودواب سحب الماء، وموضعًا للأحواض التي يجمع فيها الماء لسقي زرعه، ولسقي ماشيته ونحو ذلك، فيحتاج إلى الأذرع الثلاثمائة، أو الخمسين، وما قرب منها لأجل ذلك، وكذلك صاحب الشجرة والنخلة يحتاج إلى مدِّ أغصانها ليتمكّن من تلقيحها، والاستفادة من ظلها، وصاحب الدار يحتاج إلى المرافق التي تجعله يسكن براحة كممر دخوله، ومصب ميزابه، وموضع قمامته ونحو ذلك، ولأجل ذلك شرع ذلك، وهذا مقصد من المقاصد الشرعية، فائدة: المراد بالبئر العادي: القديمة التي أعيدت، وليست منسوبة إلى عاد كما زعم الكثيرون، منهم ابن حجر في التلخيص (٣/ ٧١) - ولو عبَّر المصنف هنا بقوله: "حريم البئر المعادة" لكان أولى، فائدة أخرى: الحريم هو المكان الذي يحرم انتهاكه، لذلك المرأة تسمَّى "حرمة" - كما جاء في المصباح (١/ ١٣٢) -.
(^١٢) مسألة: إذا بنى شخص دارًا محاطة بدور أخرى: فلا حريم له، أي: لا يملك أكثر من مساحة داره؛ وهو وكل واحد من أصحاب الدور والأملاك المحيطة به يتصرَّف في داره المملوكة له والطريق الذي أمامها على حسب العادة والعرف في ذلك، فإن تعدَّى واحد من المتجاورين: فإن الحاكم يمنعه؛ للمصلحة: حيث إن الحريم ومقدار ما يملكه يُعتبر من المرافق التي يُنتفع بها، ولا يحقُّ له أن ينتفع بأملاك غيره بدون إذنه؛ لما فيه من الضرر على ذلك الغير، فدفعًا لذلك: شرع هذا الحكم من باب: "دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح".
[ ٣ / ٦٠٠ ]
بأن أدار حوله أحجارًا ونحوها: لم يملكه وهو أحق به، ووارثه من بعده، وليس له بيعه (^١٣) (وللإمام إقطاع موات لمن يُحييه)؛ لأنه ﵇ أقطع بلال بن الحارث العقيق
(^١٣) مسألة: إذا أحاط زيد أرض موات بحجارة، أو بأكوام من التراب، أو بجدار صغير، أو بشوك، بخندق: فإنه لا يملك تلك الأرض بذلك الفعل، ولكنه يكون أحقّ بها من غيره، وإذا مات زيد: فإن وارثه أحق بها بالانتفاع فقط، ولا يجوز لزيد ولا لوارثه بيعها، ويجوز التنازل عنها بعوض، وإن طالت مدَّة إحاطته بذلك - بنحو ثلاث سنين -: فللإمام الحق بأن يُخيّر زيدًا بين أمرين: إما أن يحييها ببناء وسكن بذلك البناء، أو بحفر بئر، أو أن يتركها لغيره يقوم بإحيائها؛ لقواعد الأولى: السنة القولية، وهي من وجهين: أولهما قوله ﷺ: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به"، فيكون زيد أحق بالانتفاع بذلك، ثانيهما: قوله ﷺ: "من ترك حقًّا أو مالًا فهو لورثته" وحق الانتفاع بتلك الأرض المحاطة كان للمورِّث، فانتقل إلى وارثه، الثانية: التلازم؛ حيث إن لملك يكون بالإحياء الشرعي، فيلزم من عدم وجود الإحياء الشرعي في التحويط بالحجارة وما ذكرها معها: عدم حصول التمليك، ويلزم من عدم الملك: عدم جواز بيعه؛ لأن من شروط البيع: أن يكون المبيع مملوكًا للبائع، ويلزم من كون حق الانتفاع له: جواز التنازل عن هذا الانتفاع بعوض؛ لأنه من حقه؛ لسبقه إليه، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن زيدًا لو وقف في طريق ضيق، أو مجمع ماء يسقي منه الناس، لا هو انتفع ولا جعل الناس ينتفعون فإن السلطان والإمام يجبره بأن ينتفع، أو يتنحَّى ويجعل الآخرين ينتفعون فكذلك الحال هنا يجبره الإمام بأن يحيي تلك الأرض إحياء شرعيًا، أو يتركها لغيره يحييها والجامع: أن كلًّا منهما ضيَّق على الناس في حق مشترك بينهم، وهذا كله من أجل نفع الناس، ودفع المفاسد عنهم، وهو المقصد منه.
[ ٣ / ٦٠١ ]
(ولا يملكه) بالإقطاع، بل هو أحق من غيره، فإذا أحياه: ملكه (^١٤)، وللإمام أيضًا إقطاع غير موات؛ تمليكًا وانتفاعًا؛ للمصلحة (^١٥) (و) له (إقطاع الجلوس) للبيع
(^١٤) مسألة: يجوز للإمام: أن يقطع ويُعطي أرض موات لكل شخصٍ قادرٍ على إحيائها بالزرع، أو البناء الشرعي، فإذا قام هذا المعطى بإحياء تلك الأرض: فإنه يملكها شرعًا، له حق بيعها، فيكون مالكًا لها بالإحياء، لا بالإقطاع، أما إذا لم يقم بإحيائها: فلا يملكها، ولكنه يكون أحق بها من غيره، ويأخذ الإمام ما لم يقدر على إحيائه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ: "قد اقطع بلال بن الحارث العقيق" و"أقطع وائل بن حجر أرضًا في حضرموت"، الثانية: قول وفعل الصحابي: حيث "إن عمر وعثمان قد أقطعا بعض الصحابة"، وقال عمر لبلال بن الحارث - الذي أقطعه الرسول ﷺ "لم يقطعك لتحجبه عن الناس، إنما أقطعك لتعمر، فخذ منها ما قدرت على عمارته ورد الباقي" وهذا يلزم منه: أن الشخص المقطع أحق من غيره بتلك الأرض المقطعة له، وأولى بإحيائها، ويلزم أيضًا: أنه لا يملكه بالإقطاع؛ لأنه لو ملكه به: لما جاز استرجاعه منه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع من أخذ الناس للمساحات الكبيرة من الأراضي إلا إذا قدروا على إحيائها بزرع أو بناء شرعي، ومنع للحكّام أن يعطوا الآخرين تلك المساحات، بل يُعطى كل شخص ما يقدر على إحيائه.
(^١٥) مسألة إذا رأى الإمام أن المصلحة تقتضي إقطاع أرض غير موات لشخص من الناس: بأن كانت لشخص فعجز عن إحيائها وأخذها الإمام وكانت ملكًا لبيت المال، فيعطيها الإمام ذلك الشخص: فإنه يجوز له ذلك، ويكون المقطع مالكًا بشرط: أن يكون ذلك الشخص المعطى ممن يخدمون الإسلام والمسلمين بغير رزق، أو رزقه قليل كالعلماء الذين ينشرون العلم بتعليمه، وبالتأليف فيه، والجند الذين ينشغلون بنشر الأمن في البلاد، ويُدافعون عنها إن لزم الأمر؛=
[ ٣ / ٦٠٢ ]
والشراء (في الطرق الواسعة) ورحبة مسجد غير محوطة (ما لم يضر بالناس)؛ لأنه ليس للإمام أن يأذن فيما لا مصلحة فيه فضلًا عمّا فيه مضرّة (ويكون) المقطع (أحقّ بجلوسها)، ولا يزول حقه بنقل متاعه منها؛ لأنه قد استحق بإقطاع الإمام، وله التظليل على نفسه بما ليس ببناء بلا ضرر، ويُسمَّى هذا: إقطاع إرفاق (^١٦) (ومن غير إقطاع) للطرق الواسعة والرحبة غير المحوطة الحق (لمن سبق بالجلوس ما بقي قماشه فيها وإن طال) جزم به في "الوجيز"؛ لأنه سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فلم يمنع، فإذا نقل متاعه: كان لغيره، الجلوس، وفي "المنتهى" وغيره: فإن أطاله: أزيل؛ لأنه يصير كالمالك (^١٧) (وإن سبق اثنان) فأكثر إليها، وضاقت: (اقترعا)؛ لأنهما استويا
= للمصلحة: حيث إن ذلك فيه إعانة للمعطى والمقطع على عملهم في نشر الإسلام والمسلمين، ولئلا يُذلهم أحد بسبب حاجتهم إليه. وفيه الحث على طلب العلم وتعليمه، والدفاع عن الإسلام بالقلم والسلاح.
(^١٦) مسألة: يجوز للإمام أن يُقطع ويُعطي مواضع يجلس فيها البائعون، ويضعون فيها بضائعهم، وذلك في الطرق الواسعة، وجوانب المساجد وساحاته غير الداخلة فيه، وهذا المقطع أو المعطى أحق بذلك، ولو ذهب شخص عن الموضع الذي أُقطع إياه فترة ثم عاد: فهو أحق به، وله أن يضع على هذا الموضع الذي أُقطع إياه ما يُضلِّله به من حر الشمس من كساء ونحوه، ولا يبني عليه وهو المسمَّى بـ "إقطاع إرفاق" إقطاع نفع، ولكن هذا يكون بشرط وهو: أن لا يلحق عامة الناس ضرر في هذا الإقطاع، فإن لحق بهم ذلك: فلا يجوز للإمام أن يفعل ذلك، وما فُعل وضرَّبهم: فإنه يزال؛ للمصلحة: حيث إن هذا الإقطاع فيه جلب مصلحة للبائعين، وللمشترين؛ حيث إنه يكون قريبًا منهم والمقطع أحق به؛ لكون الإمام هو الذي أقطعه، واشتُرط عدم الضرر على عامة الناس؛ لأنه "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" كما قال ﷺ، والضرر يُزال.
(^١٧) مسألة: إذا سبق شخص إلى موضع في الطرق الواسعة، والرحبة، والساحات=
[ ٣ / ٦٠٣ ]
في السبق، والقرعة مميزة (^١٨)، ومن سبق إلى مباح: من صيد، أو حطب، أو معدن ونحوه: فهو أحق به، وإن سبق إليه اثنان: قُسِّم بينهما (^١٩) (ولمن في أعلى الماء المباح)
= غير المملوكة، فجلس فيه للبيع من غير إقطاع فهو أحق به، وإن طال جلوسه فيه، فإن نقل متاعه وبضاعته وأخلى الموضع: فإن لغيره الجلوس فيه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به" وهذا عام؛ لأن "من" الشرطية من صيغ العموم، فيشمل كل شخص ولو لم يقطعه الإمام، وهذا سابق إلى ذلك المجلس فيكون أحق به من غيره، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تركه للموضع، والمكان، وعدم إقطاع الإمام له: أن غيره له حق في الموضع والمكان إذا تركه الأول، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على المسلمين، فإن قلت: إن هذا الجالس إذا أطال الجلوس فإنه يُزال، ويُمنع ويُقام، وهو ما ذكره بعض الحنابلة؛ للتلازم؛ حيث إن إطالته تلك تجعله كالمتملك لذلك، ويختص بنفع يساويه فيه غيره في استحقاقه قلت: هذا غير مسلَّم؛ لأنه سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم كالسابق في الجلوس في المسجد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع السنة القولية" كما هو واضح هنا.
(^١٨) مسألة: إذا وصل شخصان - فأكثر - إلى موضع ومكان في وقت واحد، ولم يتمكّنا من الجلوس فيه معًا؛ نظرًا لضيقه: فإنهما يقترعان، فمن خرجت له القرعة: يكون أحق به؛ للسنة الفعلية؛ حيث إن الرسول ﷺ كان يقرع بين نسائه للخروج معه في غزواته؛ فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ لأن القرعة هي الحكم إذا تساوت الحقوق وازدحمت؛ لأنه ليس أحدهما بأولى في المكان من الآخر.
(^١٩) مسألة: إذا وصل شخص - قبل الآخرين - إلى شيء مباح كصيد، أو حطب، أو معدن كملح قليل، أو ثمر مباح، أو لقاط نخل، أو حب زرع مرغوب عنه: فإن=
[ ٣ / ٦٠٤ ]
كماء مطر (السقي، وحبس الماء إلى أن يصل إلى كعبه، ثم يرسله إلى من يليه) فيفعل كذلك، وهلمَّ جرَّا، فإن لم يفضل عن الأول، أو من بعده شيء: فلا شيء للآخر؛ لقوله ﵇: "اسق يا، زبير، ثم احبس الماء حتى يصل إلى الجدر" متفق عليه، وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: نظرنا إلى قول النبي ﷺ: "ثم احبس الماء حتّى يصل إلى الجدر" فكان ذلك إلى الكعبين، فإن كان الماء مملوكًا: قسَّم بين الملاك بقدر النفقة والعمل، وتصرَّف كل واحد في حصته بما شاء (^٢٠) (وللإمام دون
= هذا الشخص هو الأحق به، وإن وصل إليه اثنان - فأكثر - في وقت واحد: فإنه يُقسِّم بينهما بالتساوي ولا تستعمل القرعة هنا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهو الحديث السابق في مسألة، (١٧)، الثانية: التلازم؛ حيث إنهما قد اشتركا في السبب وهو تساويهما في الوصول، فيلزم اشتراكهما في الفائدة والمحصَّل.
(^٢٠) مسألة: إذا وُجد أشخاص ساقيتهم التي تجلب لهم الماء واحدة وتشاحوا: ففي ذلك تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان الماء مباح للجميع غير مملوك لأحد كماء المطر، أو النهر الصغير: فإن الشخص الذي في المكان الأعلى يسقي إلى أن يبلغ الماء إلى حدِّ كعب قدمه - وهو العظم البارز في أسفل الساق -، ثم يترك الماء إلى من بعده، فإذا بلغ الماء إلى حد كعب قدم الثاني: فإنه يرسله إلى من بعده وهكذا، فإن لم يفضل عن الأول شيء فلا شيء لمن بعده، وإن لم يفضل عن الثاني شيء: فلا شيء لمن بعده وهكذا؛ للسنة القولية حيث قال ﷺ: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يصل إلى الجدر" والجدر يختلف بالطول والقصر لذلك قاس السلف - كالزهري وغيره - ما وقعت فيه القصة فوجدوه يبلغ الكعبين، فجعلوا ذلك معيارًا ومقاسًا لاستحقاق الأعلى والأول من الماء، ثانيًا: إن كان الماء غير مباح للجميع، بل هو مملوك: فإنه يُقسَّم بين مالكيه بقدر النفقة والعمل، وإن حصل تشاح بينهم: فإن الحاكم يقسِّمه بينهم على قدر أملاكهم، ومن ثم يتصرَّف كل واحد في حصته بما شاء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون كل=
[ ٣ / ٦٠٥ ]
غيره حمى مرعى" أي: أن يمنع الناس من مرعى (لدواب المسلمين) التي يقوم بحفظها كخيل الجهاد والصدقة (ما لم يضرهم) بالتضييق عليهم؛ لما روى عمر أن النبي ﷺ: "حَمى النقيع لخيل المسلمين" رواه أبو عبيد (^٢١)، وما حماه النبي ﷺ ليس لأحد نقضه، وما حماه غيره من الأئمة يجوز نقضه (^٢٢)، ولا يجوز لأحد أن يأخذ من أرباب الدواب عوضًا عن مرعى موات أو حمى؛ لأنه ﵇: "شرك الناس فيه" (^٢٣)، ومن
= واحد قد ملك بالعمارة والنفقة: أن يُقسَّم على قدر تلك النفقة، ويلزم من كون الحاكم مسؤول عن الجميع: أن يقسمه بينهم على قدر أملاكهم، ويلزم من انفراد كل واحد بملكه: أن يسقي بحصته من الماء ما شاء من الأرض، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه العدالة في تقسيم الحقوق.
(^٢١) مسألة: يباح للإمام فقط: أن يحمي مرعى لدواب المسلمين التي يقوم بحفظها كخيل الجهاد والصدقة ونعم الجزية، والبهائم الضالة عن أصحابها، ويمنع الناس من أن يرعوا ماشيتهم فيما حماه بشرط عدم الإضرار بالمسلمين؛ للسنة الفعلية: حيث إنه ﷺ: "حمى النقيع لخيل المسلمين" والدواب غير الخيل مثلها، والنقيع هو: ما يستنقع فيه الماء، وموضع النقيع الذي حماه النبي ﷺ على عشرين فرسخًا من المدينة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مصلحة عامة لجميع المسلمين، واشترط عدم الإضرار بعامة المسلمين؛ دفعًا للضرر عنهم، ودفع المفاسد يقدم على جلب المصالح.
(^٢٢) مسألة: إذا حمى النبي ﷺ كأرض النقيع كما سبق في مسألة (٢١) - لا يجوز لأحد أن ينقضه ولا تغييره إلّا إذا انعدمت الحاجة إليه أما ما حماه من بعده من الخلفاء: فإنه يجوز نقضه وتغييره؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون حمى النبي ﷺ نصًا: عدم جواز نقضه وتغييره، ويلزم من كونه حمى غيره صدر عن اجتهاد: جواز تغييره ونقضه؛ الجواز نقض الاجتهاد.
(^٢٣) مسألة: لا يجوز أن يأخذ أحد عوضًا من أصحاب الدواب التي ترعى العشب=
[ ٣ / ٦٠٦ ]
جلس في نحو جامع لفتوى، أو إقراء: فهو أحق بمكانه ما دام فيه، أو غاب لعذر وعاد قريبًا، ومن سبق إلى رباط، أو نزل فقيه بمدرسة، أو صوفي بخانقاه: لم يبطل حقه بخروجه منه لحاجة (^٢٤).
= من أراض موات أو يأخذه ممن حمى أرضًا مواتًا، ومن أخذ منهم: فإنه يُعزَّر؛ لقاعدتين: الأولى السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "الناس شركاء في ثلاث: في الماء، والنار، والكلأ" فيلزم من كونهم شركاء في العشب: عدم جواز أخذ أحد ممن رعى بهائمه فيه، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تساوي الناس في العشب، والحمى: عقاب من أخذ شيئًا عوضًا عن ذلك؛ لأنه أخذ مالهم بغير حق، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية الناس من أكل أموالهم بغير حق.
(^٢٤) مسألة: إذا جلس فقيه أو عالم لفتوى أو إقراء، أو تعليم: فإنه يكون أحق بمكانه ما دام فيه، أو ذهب عنه قليلًا ثم عاد؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به" وهذا عام لهذا ولغيره كما سبق بيانه، وغيابه عنه قليلًا لا يؤثِّر، وهذا داخل فيما سبق، ولا أدري لماذا كرَّره.
هذه آخر مسائل باب "إحياء الموات" ويليه باب "الجعالة أو الوعد بالجائزة".
[ ٣ / ٦٠٧ ]