يجوز لمن وجبت عليه الزكاة: الصدقة تطوعًا قبل إخراجها (^١) (ويجب) إخراج الزكاة (على الفور مع إمكانه) كنذر مطلق، وكفارة؛ لأن الأمر المطلق يقتضي الفورية، وكما لو طالبه بها الساعي، ولأن حاجة الفقير ناجزة والتأخير مخلٍّ بالمقصور، وربَّما أدَّى إلى الفوات (^٢) (إلا لضرورة) كخوف رجوع ساع، أو على
باب إخراج الزكاة
وفيه ست وعشرون مسألة:
(^١) مسألة: يجوز أن يتصدَّق مَنْ وجبت عليه الزكاة بصدقة مُطلقة بأي شيء قبل إخراج تلك الزكاة الواجبة عليه؛ للتلازم؛ حيث إن الأمر بالصدقات مطلق في الأوقات، فيلزم إخراجها بأيِّ وقت، ومنها: الوقت الذي يكون قبل إخراج الزكاة الواجبة، فإن قلتَ: لمَ ذُكر ذلك مع أنه معلوم جوازه؟ قلتُ: ليُفرِّق بين الزكاة والصوم؛ لأن صوم التطوع لا يُقدَّم على صوم الفرض.
(^٢) مسألة: إذا وجبت زكاة على مسلم لأيِّ مال من الأموال الزكوية كبهيمة الأنعام، أو الثمار والحبوب، أو النقود فيجب عليه أن يُخرجها فورًا، دون تأخير؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب، وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ حيث دلَّ مفهوم الزمان على عدم جواز تأخير إخراج زكاة الحبوب والثمار عن يوم حصاده؛ ولأن الأمر مطلق فيقتضي الفور، وغير الثمار والحبوب مثلها؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، ثانيهما: قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ حيث إن الأمر مطلق، فيقتضي الفور، الثانية القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن الوفاء بالنذر المطلق وإخراج كفارة اليمين، يجب أن يكونا على الفور فكذلك إخراج الزكاة مثلهما والجامع: الإسراع في إبراء =
[ ٢ / ٣٠٢ ]
نفسه، أو ماله ونحوه، وله تأخيرها لأشدِّ حاجة، وقريب، وجار، ولتعذُّر إخراجها من المال لغيبة ونحوها (^٣) (فإن منعها) أي: الزكاة (جحدًا لوجوبها: كفر عارف بالحكم) وكذا: جاهل عرف فعُلِّم وأصرَّ، وكذا: جاحد وجوبها ولو لم يمتنع من أدائها (وأخذت) الزكاة (منه وقُتل)؛ لردَّته بتكذيبه لله ورسوله بعد أن يُستتاب ثلاثًا (أو بخلًا) أي: ومن منعها بخلًا من غير جحد: (أخذت منه) فقط قهرًا كدين الآدمي، ولم يُكفَّر (وعُزِّر) إن علم تحريم ذلك، وقوتل إن احتيج إليه، ووضعها
الذمة؛ والأمر يقتضي الفورية في كل، ثانيهما: كما أن ساعي الزكاة - وهو: جامعها من قبل الإمام - إذا طالب المالك بالزكاة فيجب عليه أن يدفعها له فورًا، فكذلك يجب أن يُخرجها فورًا بسبب طلب الشارع لها بدون ساع، والجامع: الطلب في كل الذي يقتضي الفورية فإن قلتَ: لمَ وجب إخراجها على الفور؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط المالك لدينه، والإسراع في إبراء ذمته منها، وقضاء حاجة الفقير؛ لأن حاجته ناجزة.
(^٣) مسألة: يُستحب تأخير أداء الزكاة لمصلحة ضرورية أو حاجية اقتضت تأخيرها كمرض، أو غيبة مال - بسبب كونه ليس عنده - أو خشي المالك من لصوص إن علموا مقدار زكاته، أو خشي إن أخرجها بنفسه أن يأتي إليه ساعي الزكاة فيأخذها منه مرة أخرى، أو قصد بتأخيرها أن يعطيها أشدَّ الناس حاجة لها، أو أن يعطيها جاره، أو قريبه المستحقين لها، أو مُنع التصرف فيها أو نحو ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا التأخير فيه دفع ضرر عن المالك، أو جلب مصلحة حاجية له في دنياه أو آخرته، فشرع ذلك من أجلها، أصله: قوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام". [فرع]: مقدار التأخير الذي استُحب في أداء الزكاة: مدَّة لا تزيد عن شهر؛ للتلازم؛ حيث إن الشهر هو أقصى مُدَّة يرجع فيه الناس، أو تُسدَّد فيها الديون، أو يزول الضرر فيها غالبًا: فلزمت.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
الإمام في مواضعها، ولا يكفر بقتاله للإمام (^٤)، ومن ادَّعى أداءها، أو بقاء الحول،
(^٤) مسألة: إذا منع شخص زكاة ماله: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان عارفًا بحكمها، ولكنه جحده وأنكره: فيُطبَّق عليه أحكام المرتدِّ، فيُستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب ودفع الزكاة: تُرك، وإن لم يتب: أخذت منه الزكاة، وقُتل؛ وكذا: يُفعل فيمن كان جاهلًا بحكم الزكاة فعُلِّم إياه، وأصرَّ على عدم دفعها؛ لإجماع الصحابة السكوتي؛ حيث إن أبا بكر ﵁ قد قاتل مانعي الزكاة، ولم يُنكر عليه أحد من الصحابة، فإن قلتَ: لمَ يُستتاب؟ قلتُ: لما ذكرناه فيمن جحد وجوب الصلاة في مسألة (١٥) من باب "حقيقة الصلاة وحكمها" من كتاب الصلاة، فإن قلتَ: لمَ يُقتل إذا لم يتب؟ قلتُ: لارتداده عن الإسلام: نظرًا لتكذيبه لله ورسوله، فيُقتل؛ لئلا يؤثِّر على غيره، فإن قلتَ: لمَ أخذت الزكاة منه مع أن الكفار غير مخاطبين بفروع الإسلام؟ قلتُ: لأن الزكاة قد استقرَّت في ذمَّته قبل الحكم بكفره فأصبحت من حقوق الفقراء، فإن قلتَ: لمَ يُعلَّم بحكم الزكاة إن كان جاهلًا؟ قلتُ: لكونه معذورًا بجهله فلا يؤاخذ به؛ قياسًا على النسيان والخطأ الوارد في قوله ﷺ: "عفي عن أمتي الخطأ والنسيان .. " ثانيًا: إن كان عالمًا بحكم الزكاة، ومُقرًا به، ولكنه امتنع من دفع الزكاة بُخلًا: فلا يحكم بكفره، وتُؤخذ منه قهرًا، ثم يُعزِّره ويؤدِّبه الإمام بما يراه مناسبًا، فإن امتنع عن دفعها: فللإمام - الذي يقوم بمصالح المسلمين -: أن يقاتله، ولا يكفر هذا البخيل بسبب مقاتلته؛ للقياس، بيانه: كما أن الدَّين يُؤخذ من المدين قهرًا إذا امتنع عن الوفاء به فكذلك الزكاة تؤخذ من البخيل هذا، والجامع: أن كلًا منهما حقٌّ يجب أن يُخرج ويُعطى أصحابه، فإن قلتَ: لمَ لا يكفر هذا البخيل إذا قاتل الإمام؟ قلتُ: لكونه مُعتقدًا وجوب الزكاة، وهو يُقاتله دفاعًا عن نفسه، فإن قلتَ: لمَ يُعزَّر؟ قلتُ: لأنه أخَّر الزكاة عن مستحقيها.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
أو نقص النصاب، أو أن ما بيده لغيره ونحوه: صُدِّق بلا يمين (^٥) (وتجب) الزكاة (في مال صبي ومجنون)؛ لما تقدَّم (فيُخرجها وليُّهما) في مالهما كصرف نفقة واجبة عليهما: لأن ذلك حق تدخله النيابة، ولذلك صحَّ التوكيل فيه (^٦) (ولا يجوز
(^٥) مسألة: إذا طولب مسلم بأن يُزكِّي على ما عنده من أموال فقال: "إني قد دفعتها أو أن النصاب ناقص، أو أن الحول لم يتم، أو أن هذا المال ليس له" أو قال غير ذلك مما يمنع الزكاة فإنه يُصدَّق، ولا يُطلب منه اليمين على ذلك؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في المسلم الصدق، فيُستصحب ذلك ويعمل به إن لم يتبين ما يدل على خلافه، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو طُلب من كل مسلم اليمين على كل ما ادَّعاه: للحق كثيرًا من المسلمين المشقة.
(^٦) مسألة: تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون - إذا بلغ النصاب وتمَّ عليه حول -، ويتولَّى إخراج ذلك وليُّهما؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنهما لو أتلفا شيئًا أخذ ثمن ما أتلفاه من مالهما فكذلك الزكاة تُؤخذ من مالهما، والجامع: أن كلًا منهما حق لآدمي، فيجب أن يُخرج هذا الحق، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر وابنه، وعلي، جابر، والحسن وعائشة ﵃ كانوا يُخرجون الزكاة من مالهما، فإن قلتَ: لمَ وجبت في مالهما مع أنهما غيرُ مكلَّفين؟ قلتُ: لأن الزكاة مُتعلِّقة بالمال، لا بالشخص، فإذا بلغ النصاب وحال عليه الحول: فيجب إخراج زكاته بصرف النظر عن مالكه من باب الحكم الوضعي، لا التكليفي وقد بينتُ ذلك في كتابي: "إتحاف ذوي البصائر" و"المهذب"، فإن قلتَ: لمَ يقوم الولي بإخراج الزكاة؟ قلتُ: لأن إخراج الزكاة لا بدَّ فيه من نية، والصبي والمجنون لا تصح منهما نية؛ فنية الولي تكفي عنهما؛ لكونه يُعتبر وكيلًا عنهما، ومعروف: صحة الوكالة والنيابة في الأموال كنفقة الأقارب والزوجات، وأروش الجنايات، وقيم المتلفات.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
إخراجها) أي: الزكاة (إلا بنية) من مُكلَّف؛ لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" والأولى: قرْن النية بدفع، وله تقديمها بزمنٍ يسير كصلاة، فينوي الزكاة أو الصدقة الواجبة ونحو ذلك (^٧)، وإذا أُخذت منه قهرًا: أجزأت ظاهرًا (^٨)، وإن تعدَّر وصول
(^٧) مسألة: النية شرط لصحة دفع وإخراج الزكاة: سواء كانت زكاة أموال، أو زكاة فطر، وبناء على ذلك: فإنه إذا لم ينو شيئًا عند إخراجها، أو نوى الصدقة المطلقة ثم نواها زكاة لماله بعد ذلك: فلا تجزئ، والأفضل: أن تكون النية عند دفعها، ولا بأس بتقديم النية بزمن يسير على دفعها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" حيث إن الزكاة عمل، فلا يصح إلا بنية؛ لأن لفظ "الأعمال" جَمع مُعرَّف بأل وهو من صيغ العموم، ومفهوم حصر المبتدأ في الخبر يدل على أنه لا عمل شرعي وصحيح إلا بنية، الثانية: القياس، بيانه: كما أن نية الدخول في الصلاة تكون عند تكبيرة الإحرام، ويجوز تقديمها عليها بزمن يسير، فكذلك الزكاة تكون نيتها عند دفعها، ويجوز تقديمها عليه بزمن يسير والجامع: أن كلًا منهما عبادة تُشترط لها النية، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن أوجه إخراج المال كثيرة، ولا يُحدِّد أنها للزكاة إلا النية، ثم إن تقديمها بزمن يسير فيه توسعة على المسلمين.
(^٨) مسألة: إذا أخذ الإمام الزكاة قهرًا من شخص قد امتنع عن دفعها بُخلًا -: فإنها تُجزئ عن ذلك الشخص ظاهرًا، بأن لا يُطالبه الإمام بها مرة ثانية في ذلك العام، لكنها لا تُجزئ عنه باطنًا فلا تبرأ ذمته؛ للقياس، بيانه: كما أن هذا الشخص لو صلَّى خوفًا من الإمام بدون نية: فإن صلاته لا تصح، فكذلك مثلها والجامع: أن كلًا منهما عبادة قد فقدت شرط صحتها وهي النية، لكونه أخرجها خوفًا من الإمام، وهو المقصد من الحكم.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
إلى المالك؛ لحبس أو نحوه، فأخذها الإمام أو نائبه: أجزأت ظاهرًا وباطنًا (^٩) (والأفضل: أن يُفرِّقها بنفسه)؛ ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقها (^١٠) وله دفعها إلى السَّاعي (^١١)، ويُسنُّ إظهارها (^١٢) (و) أن (يقول عند دفعها هو) أي: مُؤدِّيها (وآخذها: ما ورد) فيقول دافعها: "اللهم اجعلها مغنمًا، ولا تجعلها مغرمًا" ويقول آخذها: "آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا (^١٣) وإن وكَّل مسلمًا ثقة: جاز وأجزأت نية مُوكِّل مع قرب، وإلا: نوى
(^٩) مسألة: إذا كان الشخص غائبًا؛ لعذر كأن يكون محبوسًا، أو مسافرًا: فأخذ الإمام زكاة ماله؛ ليوزِّعها على مستحقيها ونوى ذلك عنه: فإنها تجزئ عن ذلك الشخص ظاهرًا - فلا يُطالب بها مرة أخرى - وتجزئ عنه باطنًا - فتبرأ ذمَّته -؛ للقياس، بيانه: كما أن ولي الصبي والمجنون يقوم بإخراج زكاة مالهما وينوي عنهما، فكذلك الإمام مثله في ذلك، فإن قلتَ: لمَ أجزأت ظاهرًا وباطنًا؟ قلتُ: لكون عذره مقبولًا.
(^١٠) مسألة: يُستحب أن يقوم المالك بتوزيع وتقسيم زكاة ماله بنفسه على مستحقيها؛ للمصلحة؛ حيث إنه في ذلك يتيقن من وصولها إلى مستحقيها، وهذا أحوط للدِّين.
(^١١) مسألة: يُباح للمالك أن يدفع زكاة ماله إلى الساعي - وهو: مندوب الإمام لجمع الزكوات - إذا كان ذلك الإمام يصرفها في مصارفها الثمانية -؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع لكلمة المسلمين، ودفع مشقة المالك إذا وزَّعها بنفسه.
(^١٢) مسألة: إذا رأى المالك أن إظهار دفع الزكاة فيه مصلحة: فيُستحب إظهارها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يؤدِّي إلى الاقتداء به.
(^١٣) مسألة: يُستحب أن يقول دافع الزكاة: "اللهم اجعلها مغنمًا، ولا تجعلها مغرمًا" أو يقول: "اللهم تقبَّل مني إنك أنت السميع العليم"، ويُستحب أن =
[ ٢ / ٣٠٧ ]
مُوكِّل عند دفع لوكيل، ووكيل عند دفع لفقير (^١٤)، ومن عَلِم أهلية آخذ كُره إعلامه بها، ومع عدم عادته: لا يُجزئه الدفع له إلا إن أعلمه (^١٥) (والأفضل: إخراج زكاة
يقول آخذها: "آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا"؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ حيث إن الشارع قد أمر هنا بالدعاء للدافع للزكاة؛ لأن المراد بـ "الصلاة هنا" الدعاء، الثانية: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أرشد إلى دعاء الدافع للزكاة، وقد روى ذلك أبو هريرة، وابن أبي أوفى، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك الدعاء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن دعاء الدافع، والمعطى والفقير هنا يتسبَّب في بركة المال المتبقِّي عند الغني، وفي بركة المال المدفوع للفقير.
(^١٤) مسألة: يجوز للمالك أن يُوكِّل شخصًا ثقة بأن يُخرج زكاة ماله ويدفعها للفقير، وينوي هذا المالك: أن هذا المخرج زكاة ماله عند دفعها للوكيل، وينويها الوكيل عند دفعها للفقير إن كان زمن دفعها إلى الفقير بعيدًا عن زمن دفع الموكِّل إلى الوكيل فأكثر كثلاثة أيام فأكثر، أما إن قرب - كأقل من ذلك - فتجزئ نية الموكِّل في ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إن التوكيل في هذا فيه توسعة على المسلمين، الثانية: التلازم؛ حيث إن اشتراط نية إخراج الزكاة لصحتها يلزم منه: أن تكون هذه النية مقارنة أو مقاربة للإخراج والدفع، فإن قلتَ: لمَ حُدِّد القرب بأقل من ثلاثة أيام والكثير بثلاثة أيام فأكثر؟ قلتُ: لأن هذا الزمن قليل في عرف وعادة كثير من الناس، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط في الوكيل كونه ثقة؟ قلتُ: لأن الفاسق لا يُؤمن جانبه، فقد لا يُعطيها مستحقيها.
(^١٥) مسألة: إذا غلب على ظن المالك: أن زيدًا من المستحقين للزكاة، وأنه من عادته أنه يأخذها: فإنه يُعطيه الزكاة بدون إعلامه أن هذا من الزكاة: وإن =
[ ٢ / ٣٠٨ ]
كُلِّ مال في فقراء بلده) (^١٦) ويجوز نقلها إلى دون مسافة قصر من بلد المال؛ لأنه في حكم بلد واحد (ولا يجوز نقلها) مطلقًا (إلى ما تُقصر فيه الصلاة)؛ لقوله ﷺ لمعاذ - لما بعثه إلى اليمن -: "أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُردُّ على فقرائهم" بخلاف نذر وكفارة، ووصيَّة مُطلقًا (فإن فعل) أي: نقلها إلى مسافة قصر: (أجزأت)؛ لأنه دفع الحق إلى مُستحقِّه فبرئ من عهدته، ويأثم (إلا أن يكون) المال (في بلد) أو مكان (لا فقراء فيه فيُفرِّقها في أقرب البلاد إليه)؛ لأنهم أولى (^١٧)،
أعلمه: جاز مع الكراهة، أما إن كان من المستحقين لها وليست عادته أن يأخذ الزكاة: فيجب على المالك أن يُعلم زيدًا بأن هذا المال زكاة، فإن لم يُخبره بذلك وأعطاه إياه بدون إعلامه: فلا تُجزئه، ولا بدَّ أن يدفعها لآخر مرة أخرى؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إن إعلام الذي من عادته أخذ الزكاة: فيه امتهانه وإذلاله فلذا كُره، الثانية: التلازم؛ حيث إن عدم عادة زيد بأخذ الزكاة، والمالك لم يُعلمه بأن ما أعطاه إياه زكاة: يلزم منه عدم إجزائها؛ لاحتمال أن يأخذها بناء على أن المال الذي أعطاه إياه عطية، أو هدية، أو صلة ونحو ذلك، لا زكاة، ومع هذا الاحتمال لا تُجزئ عن الزكاة، فلزم دفعها مرة أخرى لآخر.
(^١٦) مسألة: يُستحب أن يُقسِّم الشخص زكاة ماله بين فقراء بلده؛ للمصلحة؛ حيث إن الغني يعرف فقراء بلده معرفة دقيقة، وإعطاؤهم يُحقِّق المقصد من مشروعية الزكاة وهي: المواساة وإيجاد المودَّة والمحبَّة بين أهل البلد الواحد.
(^١٧) مسألة: يجوز للشخص أن ينقل زكاة ماله من بلده إلى بلدان أخرى: سواء كانت قريبة أقل من مسافة قصر - وهو (٨٢) كم - أو أكثر من ذلك، وسواء وُجد فقراء في بلده أو لم يوجد، ولا يأثم في ذلك، وهو مذهب الجمهور؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ..﴾ حيث إن هذا =
[ ٢ / ٣٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عام، فيشمل جميع فقراء ومساكين المسلمين؛ لأن لفظ "الفقراء والمساكين" جمع مُعرَّف بأل وهو من صيغ العموم، وهو مطلق في الأمكنة؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ لقبيصة: "أقم حتى تأتينا الصدقة فأمر لك بها" ولم يكن قبيصة هذا من أهل المدينة، فدل على أنها تنقل، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن المدين يدفع دينه لصاحبه في أيِّ مكان، فكذلك الزكاة تُدفع للفقير في أي مكان وإن كان بعيدًا والجامع: أن كلًا منهما فيه دفع حق لمستحقه، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك مُطلقًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تواصل وتكاتف اجتماعي بين المسلمين؛ حيث إنه توجد أقلِّيات إسلامية في بلدان كافرة تعاني من الفقر والظلم الذي قد لا يتصوَّره أحد، فدفع الزكاة إلى هؤلاء فيه تقوية لهم، وتحسين للإسلام في نفوس جيرانهم من الكفار مما يجعلهم يعتنقوه، فإن قلتَ: لا يجوز للشخص أن ينقل زكاة ماله إلى بلد تبعد عن بلده مسافة قصر، وإن نقلها إلى ذلك البلد: فإنها تُجزئ ويأثم، أما إن لم يوجد فقراء في بلده فيجوز نقلها إلى أقرب البلدان إليه - وهو مذهب أكثر الحنابلة وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "وأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ إلى فقرائهم" حيث إن الضمير يعود إلى فقراء اليمن فقط قلتُ: لا يُسلَّم ذلك؛ لأن الضمير يعود إلى فقراء المسلمين جميعًا؛ لأن العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السبب، ولعدم وجود مُخصِّص يُخصِّص فقراء اليمن فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في مرجع الضمير في حديث معاذ" فعندنا: راجع إلى جميع المسلمين؛ للقاعدة التي ذكرناها، ولا يقوى حديث معاذ على تخصيص وتقييد الكتاب والسنة القولية، أما عندهم فالضمير راجع إلى فقراء اليمن، وهو مخصِّص ومقيد للكتاب والسنة القولية تنبيه: وقوله: "بخلاف نذور كفارة =
[ ٢ / ٣١٠ ]
وعليه مؤنة نقل، ودفع، وكيل، ووزن (^١٨)، (فإن كان) المالك (في بلد وماله في) بلد (آخر: أخرج زكاة المال في بلده) أي: بلد به المال كل الحول أو أكثره، دون ما نقص عن ذلك؛ لأن الأطماع إنما تتعلَّق به غالبًا بمُضي زمن الوجوب، أو ما قاربه (و) أخرج (فطرته في بلد هو فيه) وإن لم يكن له به مال؛ لأن الفطرة إنما تتعلَّق بالبدن - كما تقدَّم - (^١٩)، ويجب على الإمام بعث السعاة قرب زمن الوجوب؛ لقبض زكاة
ووصيَّة مُطلقًا" يشير به إلى أن الزكاة لا تُنقل إلى بلدان أخرى على مذهب أكثر الحنابلة، أما لو نذر أن يتصدَّق على فقراء، أو وصى للفقراء بشيء، أو وجبت عليه كفارة يمين: فإنه يُعطيها أيَّ فقير مهما كان بلده ولو كانت بعيدة عن بلد الناذر والمكفِّر والموصي.
(^١٨) مسألة: أُجرة نقل الزكاة من مكان إلى بلد أو مكان آخر، ومؤنة حملها، ودفعها، ومؤنة وكيل عنه، وأجرة كيلها، ووزنها تؤخذ من مال المزكِّي، لا من الزكاة؛ للقياس، بيانه: كما أن مؤنة تسليم المبيع وكيله ووزنه، ونقله تكون على البائع فكذلك الزكاة مثله تكون على المزكي والجامع: أن كلًا منهما من تمام توفية الحق، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الفقير؛ لئلا يزعم غني بأن تلك الزكاة قد نقصت بسبب المؤنة.
(^١٩) مسألة: إذا وُجد مسلم في مكة مثلًا، وماله في بغداد، وبلغ هذا المال النصاب وحال عليه الحول أو أكثره في بغداد: فيجب أن يُخرج زكاة هذا المال في بغداد، ويُوزِّعها على فقراء ذلك البلد - أعني بغداد -، أما زكاة الفطرة فيُخرجها في البلد الذي جاء عيد الفطر وهو فيه - وهو هنا مكة -؛ للتلازم؛ حيث إن زكاة كل شيء تابع للمزكَّى فيلزم أن يُخرج زكاة المال في البلد الذي وُجد فيه ذلك المال، وتُخرج زكاة النفس في البلد الذي تُوجد هذه النفس فيه كما سبق في مسألة (٢٦) من باب "زكاة الفطر"؛ لأن أطماع الفقراء تتعلَّق بذلك المزكَّى =
[ ٢ / ٣١١ ]
المال الظاهر كالسائمة والزرع والثمار؛ لفعله ﷺ، وفعل خلفائه ﵃ بعده (^٢٠) (ويجوز تعجيل الزكاة لحولين فأقل)؛ لما روى أبو عبيد في "الأموال" بإسناده عن علي ﵁: "أن النبي ﷺ تعجَّل من العباس صدقة سنتين"، ويعضده رواية مسلم: "فهي عليَّ ومثلها" وإنما يجوز تعجيلها إذا كمل النصاب، لا عما يستفيده (^٢١)، وإذا
عنه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع بين مصلحتي الغني والفقير.
(^٢٠) مسألة: يُستحب للإمام أن يبعث السُّعاة إلى جميع مناطق وأطراف دولته لجمع زكاة الأموال الظاهرة كبهيمة الأنعام، والزروع والثمار كل عام، ووضعها في بيت المال، وبعد ذلك يُقسِّمها على المستحقين لها بالعدل والإنصاف؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، الثانية: فعل الصحابة؛ حيث كان الخلفاء الأربعة يفعلون ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن بعض الناس لا يعلمون تفاصيل أحكام الزكاة، فبعث هؤلاء السعاة يكفيهم مؤنة ذلك، فإن قلتَ: يجب على الإمام بعث السعاة - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على هذا الوجوب، والسنة الفعلية، وفعل الصحابي لا يفيدان إلا الندب فقط.
(^٢١) مسألة: يجوز أن يُعجِّل المسلم إخراج زكاة ماله قبل وقت وجوبها بحول أو حولين، بشرط: بلوغ هذا المال للنصاب قبل تعجيل تلك الزكاة، وعليه: فلا يجوز تعجيل إخراج زكاة عن شيء سيستفيده مُستقبلًا، ويُكمِّل به النصاب، فمثلًا: لو ملك بعض نصاب فعجَّل زكاته على أنه كامل النصاب: لم يُجزئه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، حيث رخَّص النبي ﷺ لعمِّه العباس تعجيل زكاته حولين، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه يجوز تعجيل قضاء الدَّين قبل حلوله فكذلك يجوز تعجيل الزكاة هنا والجامع: أن كلًا منهما قد وُجد سبب =
[ ٢ / ٣١٢ ]
تمَّ الحول والنِّصاب ناقص قدر ما عجَّله: صحَّ، وأجزأه؛ لأن المعجَّل كالموجود في مُلكه، فلو عجَّل عن مائتي شاة شاتين فنتجت عند الحول سخلة: لزمته ثالثة (^٢٢)، وإن مات قابض معجَّلة، أو استغنى قبل الحول: أجزأت (^٢٣)، لا إن دفعها إلى من
وجوبه فجاز، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط بلوغ النصاب في ذلك؟ قلتُ: لكون بلوغ النصاب سبب ولا يجوز تقديم الحكم على السبب، فإن قلتَ: لمَ لا يجوز تعجيل الزكاة عما سيستفيده مستقبلًا؟ قلتُ: لأن ما سيأتي ليس في ملكه؛ لعدم وجوده حقيقة، فإن قلتَ: لمَ حُدِّد التعجيل بالحولين فقط؟ قلتُ: لأن التعجيل خلاف الأصل، وإذا جاز في الحولين للنَّص وهو خلاف الأصل؛ رخصة - فما عداه يبقى على الأصل فيه كما قال ابن عقيل.
(^٢٢) مسألة: إذا عجَّل زكاة ماله، ثم بعد أن تمَّ الحول وجد أن النصاب قد نقص مقدار ما عجَّله: فإن هذا يصح ويُجزئ عنه ما أخرجه، فمثلًا: لو عجَّل وأخرج شاتين عن مائتي شاة، فأنتجت هذه المائتان سخلة واحدة عند الحول: فإنه يجب عليه أن يخرج شاة ثالثة؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو ملك مائتان وواحدة من الشياه: فإنه يُخرج زكاة عنها ثلاث شياه فكذلك يفعل إذا عجَّل عنها، والجامع: أن كلًا من المعجَّل والموجود داخل في مُلكه؛ لقاعدة: "إعطاء المعدوم حكم الموجود".
(^٢٣) مسألة: إذا عجَّل زيد زكاة ماله ودفعها لعمرو الفقير حين الدفع ثم مات عمرو أو استغنى قبل تمام الحول على ذلك المال الذي عُجِّلت زكاته: فإن ما عجَّله زيد من زكاة يُجزئ عنه؛ للتلازم؛ حيث إن وجود عمرو فقيرًا عند دفع الزكاة إليه، وقبضها يلزم منه: إجزاؤها عن زيد، فإن قلتَ: لمَ أجزأت هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنها لو لم تكن مُجزئة لأدَّى إلى عدم جواز تعجيل الزكاة؛ نظرًا لتطرق احتمال موت قابض المعجَّل منها واستغنائه.
[ ٢ / ٣١٣ ]
يعلم غناه فافتقر؛ اعتبارًا بحال الدفع (^٢٤) (ولا يُستحب) تعجيل الزكاة (^٢٥)، ولمن أخذ الساعي منه زيادة أن يعتدَّ بها من قابلة، قال الموفق: إن نوى التَّعجيل (^٢٦).
(^٢٤) مسألة: إذا عجَّل زيد زكاة ماله ودفعها إلى عمرو الغني حين الدفع ويعلم زيد ذلك، وقبل تمام الحول على ذلك المال الذي عُجِّلت زكاته افتقر عمرو: فإن ما عجَّله زيد من زكاة لا يُجزئ عنه، بل لا بدَّ أن يُخرج زيد زكاة ماله مرة أخرى؛ للقياس، بيانه: كما أن زيدًا لو دفع زكاة ماله إلى غني لا يُجزئ ذلك فكذلك الحكم هنا، والجامع: أن كلًا منهما غني لا يستحق الزكاة حال الدفع.
(^٢٥) مسألة: لا يُستحب للمسلم أن يُعجِّل زكاة ماله؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المالك؛ حيث إنه يُحتمل أن ينقص النصاب، أو يتلف ماله كله قبل تمام الحول، فيتضرَّر فدفعًا لذلك: شرع عدم استحباب ذلك.
(^٢٦) مسألة: إذا أخذ الساعي - وهو: نائب الإمام في جمع الزكاة - زيادة من المالك: كأن يأخذ الساعي شاتين عن أربعين شاة على أنها زكاة: فإن المالك يعتدُّ بالشاة الثانية ويحسبها في زكاة السنة القادمة بشرط: أن ينوي المالك أن ذلك تعجيل للزكاة، فإذا جاءت السنة القادمة وعنده مائتا شاة: فإنه يُعطي الساعي شاة واحدة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نية تعجيل الزكاة: احتساب تلك الشاة المعجَّلة، زكاة للسنة القادمة.
هذه آخر مسائل باب "إخراج الزكاة" ويليه باب "أهل الزكاة"
[ ٢ / ٣١٤ ]