أي: تطهير مواردها (^١) (يجزيء في غسل النجاسات كلها) ولو من كلب أو خنزير (إذا كانت على الأرض) وما اتصل بها من الحيطان والأحواض، والصخور (غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة) ويذهب لونها وريحها، فإن لم يذهبا: لم تطهر ما لم يعجز، وكذا: إذا غمرت بماء المطر، والسيول؛ لعدم اعتبار النية لإزالتها، وإنما أكتفي بالمرة؛ دفعا للحرج والمشقة؛ لقوله ﷺ: "أريقوا على بوله سجلًا من ماء، أو ذنوبًا من ماء" متفق عليه (^٢) فإن كانت النجاسة ذات أجزاء متفرقة كالرمم، والدم
باب إزالة النجاسة الحكمية
وفيه إحدى وثلاثون مسألة:
(^١) مسألة: المراد بالنجاسة الحكمية: النجاسة المستقذرة التي طرأت على عين طاهرة في الأصل، وتمنع صحة الصلاة كبول أو غائط، فإن قلتَ: لِمَ سمَّيت بالنجاسة الحكميةُ؟ قلتُ: للاحتراز عن النجاسة العينية كعين الغائط، أو الكلب أو الخنزير، فإن هذه لا يمكن تطهيرها ولو غُسلت آلاف المرات، فإن قلتَ: لِمَ جعل هذا الباب في هذا الموضع؟ قلتُ: لمناسبته له؛ حيث إنه لما فرغ من الطهارة من الحدث بالتطهر بالماء، أو التراب: ناسب أن يذكر القسم الثاني - من الطهارة - وهو: الطهارة من الخبث والنجس، وقد سبق بيان ذلك في تعريف الطهارة، وبيان أن النجاسة لا تُزال إلا بالماء، وذلك في مسألتي (٢ و٤) من مسائل: "حقيقة الكتاب والطهارة والمياه".
(^٢) مسألة: تزول النجاسة - كبول أو غائط - الواقعة على الأرض أو ما تعلق بها من حيطان أو صخور بغسلة واحدة لموضعها بماء طهور بشرط: أن تُذْهِب هذه الغسلة بعين النجاسة، ولونها وريحها إن كان قادرا على ذلك، وإذا ذهبت عين =
[ ١ / ٢٥٠ ]
الجاف والروث واختلطت بأجزاء الأرض: لم تطهر بالغسل، بل بإزالة المكان بحيث يتيقن زوال أجزاء النجاسة (^٣) (و) يجزيء في نجاسة (على غيرها) أي: غير أرض
= النجاسة بسبب مطر، أو نبع ماء فإن الموضع يطهر؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: "أنه ﷺ قد أمر بأن يُصبَّ على الأرض التي بال الأعرابي فيها دلو من الماء" والأمر مطلق، فيقتضي الوجوب وعدم التكرار، وما يتعلق بالأرض مثلها، لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، ثانيهما: قوله ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" فيغسل المسلم ما يستطيعه من النجاسة وجوبًا؛ فإن عجز عن بعض النجاسة أو عن إزالة لونها أو ريحها: جاز تركه؛ لأن الواجب يسقط بالعجز عنه، فإن قلتَ: لِمَ يُجزيء في ذلك غسلة واحدة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتسهيل على الناس؛ لكثرة ما يقع من هذه النجاسات، ولقلَّة المياه فإن لم تزل إلا بأكثر من ذلك: فعل، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك الشرط في الإزالة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن عين ولون ورائحة النجاسة تستقذره النفوس، وهذا لا يمكن أن يُتَعَبَّد به الله، ولمنع من أن يتأذى منه الخلق، فإن قلتَ: لِمَ يطهر محل النجاسة إذا مرَّ عليها ماء من مطر أو نحوه؟ قلتُ: لأن النية لا تُشترط لإزالة النجاسة؛ لكونها من باب التروك، وهذا لا يُشترط فيه نية العبد ولا قصده.
(^٣) مسألة: إذا كانت النجاسة لها أجزاء يسهل دخولها في باطن الأرض، وتختلط بها، مثل: "الرِّمَّة" - وهو العظم البالي أو الدم الجاف فوق الأرض، أو روث الحمار، أو الغائط إن زادت دهنياتها ويبست: فإن الغسل لا يظهر ذلك، بل تجب إزالة أجزاء المكان الذي أصابته تلك النجاسة، بحيث يغلب على الظن زوال أجزاء النجاسة بكاملها؛ للتلازم؛ حيث إن تلك النجاسة لا تزول إلا بهذه الطريقة - فالماء لا يطهرها - فلزمت وجوبا من باب "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
[ ١ / ٢٥١ ]
(سَبع) غسلات (إحداها) أي: إحدى الغسلات - والأولى أولى - (بتراب) طهور (في نجاسة كلب وخنزير) وما تولَّد منهما أو من أحدهما؛ لحديث: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا أولاهن بالتراب" رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا، ويعتبر ما يوصل التراب إلى المحل، ويستوعبه به إلا فيما يضر فيكفي مسماه (ويجزيء عن التراب أشنان ونحوه) كالصابون والنخالة، (^٤) ويحرم استعمال
(^٤) مسألة: إذا ولغ كلب أو خنزير أو ما تولد منهما أو من أحدهما في إناء وشرب منه، أو سقط فيه هو، أو روثه، أو أي شيء منه: فإنه يجب أن يُزال ذلك الماء من ذلك الإناء، ثم يغسل سبع مرات بماء طهور، ويستحب أن تكون الغسلة الأولى منها بتراب طهور، وفي كل غسلة يمر على جميع أجزاء الإناء ويستوعبه، ويكفي في التراب كل ما يطلق عليه اسم التراب، ويجزيء عنه الأشنان - وهو الحرض - أو الصابون، أو النخالة - وهي: قشرة الحب - أو ملح أو نحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا أولاهن بالتراب" حيث أوجب غسل الإناء من ولوغ الكلب؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ويدل بمفهوم الموافقة على أن غير التراب مثله في إزالة لعاب الكلب إذا كان في مرتبته في الإزالة كالصابون ونحوه ويكفي ما يطلق عليه اسم "التراب" لأنه يصدق عليه ذلك، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الكلب وما تولد منه وأي شيء منه إذا ولغ، أو سقط منه شيء منه في إناء فإنه يُغسل سبع مرات أولاهن بالتراب، فكذلك يغسل الإناء من ولوغ الخنزير وما تولد منه؛ والجامع: النجاسة في كل بل إن الخنزير أشر من الكلب وأنجس وأخبث، فإن قلتَ: لِم يَفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للإنسان مما يخرج منهما أثناء شربهما في الإناء من مواد سامة وقاتلة أحيانًا، فإن قلتَ: لِمَ استحب أن تكون الغسلة الأولى بالتراب؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الماء في الغسلات الست الباقية سيزيل أثر هذا التراب أو الصابون، فإن قلتَ: إنه لا =
[ ١ / ٢٥٢ ]
مطعوم في إزالتها (^٥) (و) يجزيء (في نجاسة غيرهما) أي: غير الكلب والخنزير أو ما
= يُغسل الإناء إلا من ولوغ الكلب والخنزير، أما ما سقط فيه من روثهما أو نحو ذلك: فلا يغسل الإناء منه سبع مرات، بل مرة واحدة؛ للتلازم؛ حيث إن هذا مفهوم الشرط في الحديث وهو قوله: "إذا ولغ"، لما يخرج بسببه أشياء وتستقر في الإناء فلا يشمل الروث، قلتُ: إن هذا الشرط لا مفهوم له؛ لأن الولوغ هو الغالب عند الكلاب وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، فإن قلتَ: لا يغسل الإناء من ولوغ الخنزير، بل يُغسل منه مرة واحدة كغيره من النجاسات وهو قول النووي وابن عثيمين وغيرهما؛ لأن الحديث قد اقتصر على ذكر الكلب مع وجود الخنزير في عهده ﷺ، ومذكور في القرآن، فيلزم من عدم ذكره: عدم إلحاقه بالكلب في هذا الحكم قلتُ: إن غسل الإناء من ولوغ الخنزير أولى من غسله من ولوغ الكلب فيه - كما بينا فيما سبق - ولا يلزم من عدم ذكر الخنزير الكلب: عدم إلحاقه به وإلا بذلك يبطل كثير من مسائل القياس، يؤيده أنه ﷺ ذكر ما يجوز قتله في الحل والحرم وهي: "الفأرة، والحية والعقرب، والحدأة، والغراب الأبقع" ومع ذلك الحق بها غيرها من المؤذيات ولم يذكرها النبي ﷺ مع وجودها في عصره؛ اختصارًا، وتنبيهًا على أن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه أمران: أولهما: هل الشرط الذي خرج مخرج الغالب له مفهوم أولا؟ فعندنا: لا مفهوم له، وعندهم: له مفهوم، ثانيهما: "هل المحصور بعدد أو المخصوص بذكر يقاس عليه أو لا؟ " فعندنا: يقاس عليه إذا وجدت العلة، وقد يكون من مفهوم الموافقة، فيكون ما ورد في الكلب يشمل الخنزير من باب دلالة اللفظ وعندهم: لا.
(^٥) مسألة: يحرم أن تغسل النجاسة بأي مطعوم، سواء كانت في إناء أو كانت على الأرض ونحوها، أو كانت على البدن أو الثوب؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إفساد للطعام الذي لا يخلو من أن يشتهيه أحد، فمفسدة ذلك ظاهرة.
[ ١ / ٢٥٣ ]
تولد منهما، أو من أحدهما (سبع) غسلات بماء طهور، ولو غير مباح إن أنقت، وإلا: فحتى تنقي، مع حتِّ وقرص لحاجة، وعصر مع إمكان كل مرة خارج الماء، فإن لم يمكن عصره: فبدقه وتقليبه أو تثقيله كل غسلة حتى يذهب أكثر ما فيه من الماء، ولا يضر بقاء لون أو ريح، أولهما عجزًا (بلا تراب)؛ لقول ابن عمر: "أُمرنا بغسل الأنجاس سبعًا" فينصرف إلى أمره ﷺ، قاله في "المبدع" وغيره، (^٦) وما تنَّجس
(^٦) مسألة: تجزيء غسلة واحدة لأي نجاسة كبول ودم وغائط سقطت على ثوب، أو إناء أو فرش - غير نجاسة كلب وخنزير - مع العصر أو الدق أو التقليب، ليخرج الماء من الشيء النجس، فإن زالت النجاسة بتلك المرة، وإلا: يزيد في الغسل حتى تزول، ويزول ريحها ولونها، هذا كله على حسب الاستطاعة، فإن عجز عن العصر أو الدق أو التقليب، أو زوال الريح أو اللون: سقط عنه ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أصاب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه بماء، ثم لتُصلِّ فيه" حيث أوجب الغسلة الواحدة هنا من نجاسة الدم الساقط على الثوب أو الفرش، والإناء؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ولا يقتضي التكرار فتكفي المرة الواحدة وغير الدم من النجاسات كالدم في ذلك، فيكون من باب مفهوم الموافقة، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن النجاسة إذا وقعت على الأرض: فإنها تغسل مرة واحدة - كما سبق في مسألة (٢) فكذلك إذا سقطت على إناء أو ثوب أو فرش ونحوها مثلها، والجامع: النجاسة في كل - غير نجاسة كلب أو خنزير -، فإن قلتَ: لِمَ يغسل مرة واحدة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو كُلِّفنا بغسل ذلك سبع غسلات: للحق كثيرًا من المسلمين الضيق والحرج والمشقة؛ لكثرة ما يقع من تلك النجاسات من أنفسهم وأطفالهم وحيواناتهم، ولقلة المياه، فإن قلتَ: لِمَ يسقط العصر أو ذهاب الريح أو اللون عند العجز عنه؟ قلتُ: لأن الواجب يسقط عند العجز عنه، أصله قوله ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر =
[ ١ / ٢٥٤ ]
بغسلة: يُغسل بعدد ما بقي بعدها مع تراب في نحو نجاسة كلب إن لم يكن استُعمل (^٧) (ولا يطهر متنجس) ولو أرضًا (بشمس، ولا ريح، ولا دلك) ولو
= فأتوا منه ما استطعتم" فإن قلتَ: إنه يجب غسل ذلك سبع غسلات؛ وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ لقاعدتين: الأولى السنة القولية؛ حيث قال ابن عمر: "أمرنا بغسل الأنجاس سبعًا" والصحابي إذا قال: "أمرنا" فله حكم المرفوع، والأمر هنا للوجوب؛ لأنه مطلق، فدل بمفهوم العدد على أنه لا يجزيء غسل النجاسة بأقل من سبع مرات، الثانية: القياس؛ على غسل الإناء من ولوغ الكلب، بجامع: النجاسة في كل، قلتُ: أما الحديث فضعيف كما قال كثير من أئمة الحديث - فلا يحتج به، أما القياس: ففاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الكلب فيه مادة ضارة تخرج من لعابه عند الشرب، ولا يزيلها إلا سبع غسلات من التراب، بخلاف النجاسات الأخرى فلم يثبت فيها ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه أمران: أولهما: "هل حديث ابن عمر يحتج به لقوته أو لا؟ " فعندنا: ضعيف لا يُحتج به، وعندهم: قوي، ثانيهما: "تعارض القياسين" فألحقناه بغسل الأرض؛ لأن غسل الثوب من النجاسة أكثر شبهًا به وألحقوه بغسل الإناء من ولوغ الكلب لأنه أكثر شبهًا به، وهذا يُسمى بقياس الشبه.
(^٧) مسألة: إذا غسل الإناء من ولوغ كلب أو خنزير الغسلة الأولى، ثم أصاب ماء هذه الغسلة موضعًا آخر: فإن هذا الموضع الآخر يُغسل بما بقي من الغسلات، وهي: ست غسلات فقط، ويُستعمل فيه تراب لم يُستعمل في غسل نجاسة من قبل؛ للتلازم؛ حيث إن الغسلة الأولى - من السبع - قد استُعملت لتطهير النجاسة فيلزم أن تكون محسوبة من المطهرات، وأن تكون في محلها من الغسلات، وهذا فيه تيسير على المكلَّفين، وهو المقصد من هذا الحكم، تنبيه: المصنف قد عمَّم هذا الحكم لغسل الإناء من ولوغ كلب وخنزير، وغير ذلك =
[ ١ / ٢٥٥ ]
أسفل خُفٍّ، أو حذاء، أو ذيل امرأة، ولا صقيل بمسح (ولا) يطهر متنجِّس بـ (استحالة)، فرماد النجاسة ودخانها وغبارها وبخارها، ودود جرح، وصراصير كنف، وكلب وقع في ملاحة فصار ملحًا ونحو ذلك: نجس (^٨) (غير الخمرة) إذا
= من النجاسات؛ بناء على مذهبه: أنه تُغسل النجاسات سبع غسلات، وقد سبق أن الراجح غير ذلك في مسألة (٦).
(^٨) مسألة: لا يطهر المتنجِّس إلا بغسله بالماء الطهور - كما سبق وبناء عليه: فلا يطهر المتنجس بوضعه في شمس، أو أمام ريح، أو دلك، أو مسح مرآة بدون ماء، وكذا: لا يطهر كلب أو خنزير بتحولهما إلى ملح، أو صار روث حمار رمادًا، أو غبارًا، أو صار جرح آدمي دودًا، أو خرجت صراصير من حمام؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ حيث دل مفهوم الصفة هنا على أن غير الماء لا يطهِّر، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ - في البحر "هو الطهور ماؤه" حيث دل مفهوم الصفة هنا على أن غير الماء لا يطهر، ثانيها: أنه ﷺ: أمر بذنوب من ماء فأهريق على بول الأعرابي، وأمر بأن تغسل المرأة الدم من الحيضة بالماء، فلم يقيد الشارع غسل تلك النجاسات بالماء إلا لأنه خاص بالتطهير، فيدل مفهومه على غير الماء لا يُطهِّر، ثالثها: أنه ﷺ: "قد نهى عن أكل الجلَّالة وشرب ألبانها وركوبها" والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، فلو كانت النجاسة إذا تحوَّلت إلى شيء آخر تطهر: لما حرَّم الشارع أكل الجلَّالة وشرب ألبانها؛ لكون ما تأكله من النجاسات قد تحوَّلت إلى لحوم وألبان: فإن قلتَ: لِمَ لا يطهر المتنجس إلا بالماء الطهور؟ قلتُ: لأن الماء يتميز بالدقة والرقة واللطافة وسرعة السيلان فيقوى على إزالة النجاسة بخلاف غيره، وقد سبق بيان ذلك في مسألة (٤) من مسائل "حقيقة الكتاب والطهارة والمياه".
[ ١ / ٢٥٦ ]
انقلبت بنفسها خَلًّا، أو بنقل لا لقصد تخليل، ودنَّها مثلها؛ لأن نجاستها؛ لشدتها المسكرة، وقد زالت كالماء الكثير إذا زال تغيره بنفسه، والعَلَقَة إذا صارت حيوانا طاهرًا (فإن خُلِّلت) أو نُقلت لقصد التخليل: لم تطهر، والخل المباح: أن يصب على العنب أو العصير خلُّ قبل غليانه حتى لا يغلي، ويُمنع غير خلَّال من إمساك الخمرة لتخلَّل (^٩) (أو تنجَّس دهن مائع) أو عجين، أو باطن حَبٍّ، أو إناء تشرَّب
(^٩) مسألة: إذا انقلبت الخمرة - وهو: كل مسكر - بنفسها إلى خل من غير معالجة من صاحبها، أو نُقلت من موضع إلى مكان مشمس، أو نقلت من دَنٍّ - وهو: الإناء - إلى آخر: فإن الخمرة تطهر هنا، أما إن عالجها صاحبها حتى انقلبت إلى خلٍّ: فلا تطهر؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الماء النجس بسبب تغير لونه أو ريحه يطهر إذا زال هذا التغيُّر بنفسه، وكذلك العَلَقَة - وهو: الدم الغليظ الخارج من الأنثى - إذا تحوَّلت إلى آدمي أو حيوان طاهر: تطهر، بعد أن كانت نجسة، فكذلك الخمرة إذا تحوَّلت بنفسها إلى خلٍّ، والجامع: أن كلًّا منهما استحال بنفسه دون قصد، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال عمر: "لا تأكلوا خلَّ خمر إلا خمرًا بدأ الله بفسادها" حيث أثبت طهارة الخمرة التي قلبها الله إلى خل، وحرم الخل الذي قصد صاحبه أن يصنعه من الخمر؛ نظرًا لنجاسته؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، فإن قلتَ: لِمَ فرق بين الأمرين؟ قلتُ: لأنه إذا قصد الإنسان تخليلها: فإنه كان قاصدًا باقتنائها تحويلها إلى خل، فكان قد فعل محرمًا - باقتناء الخمرة - وهذا محرم؛ لأن الحرام لا يكون سببًا للحل؛ لأن الخمرة داء فتبقى نجسة، أما إذا لم يقصد: فقد قلبها الله تعالى خلًا؛ دون تدخل من الإنسان فكانت طاهرة، تنبيه: الفرق بين الخل والخمر: هو: أن الخلَّ: أن يصبَّ شخص حامضًا على عنب أو تمر قبل غليانه، وهذا طاهر، وهو مباح، وسمي كذلك لاختلال حلاوة العنب والتمر، أما إذا صبَّ الحامض على العنب أو =
[ ١ / ٢٥٧ ]
النجاسة، أو سكين سقيتها: (لم يطهر)؛ لأنه لا يتحقق وصول الماء إلى جميع أجزائه، وإن كان الدهن جامدًا ووقعت فيه نجاسة: ألقيت وما حولها، والباقي طاهر، فإن اختلط ولم ينضبط حرم (^١٠) (وإن خفي موضع نجاسة) في بدن أو ثوب أو بقعة
= التمر ثم جعله يغلي: فهذا هو الخمر، فيجب تركه، لنجاسته ومضرته للجسم، تنبيه آخر: يُمنع أي شخص سواء كان خلَّالا، أو غير ذلك من إمساك الخمرة حتى تتخلل، سدًا للذرائع، وهذا مخالف لقول المصنف: إنه يُمنع غير خلال فقط؛ لعدم الدليل على ما قاله.
(^١٠) مسألة: إذا سقطت نجاسة - كبول أو غائط أو فأرة - على دهن: ففيه التفصيل الآتي: أولًا: إن كان الدهن جامدًا، وحُدِّد موضع النجاسة منه، ولم تختلط به: فإن ذلك الموضع الذي سقطت فيه النجاسة يُلقى وما حوله، ولا يؤكل، ويكون الباقي طاهرًا، ثانيًا: إن كان الدهن جامدًا، ولم يُحدِّد موضع النجاسة منه: بأن اختلطت بالدهن، ولم يُضبط وجوده: فيحرم كل الدهن، ثالثًا: إن كان الدهن سائلًا ومائعًا: فإن الدهن يكون نجسًا، ولا يمكن تطهيره بأي شيء، وكذا: كل ما غلب على الظن تشرُّبه للنجاسة مثل ذلك: كأن تسقط النجاسة على عجين، أو على باطن حب، أو على إناء من خشب، أو على سكين طرية؛ للتلازم؛ حيث إن غسل أجزاء النجاسة أو إلقائها عن المحل واجب، ويلزم من إلقاء النجاسة الواضحة الموضع وما حولها من الدهن الجامد: تطهير الباقي؛ لانفراده عن النجاسة، ويلزم من كون الدهن جامدًا ولم يُعيَّن موضع النجاسة، أو كونه سائلًا أو كون الشيء متشربًا للنجاسة: أن لا يمكن تطهير أجزائه فيكون كله نجسًا يجب تركه من باب "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، فإن قلتَ: إذا سقطت فيه نجاسة؛ يُلقى ما تنجَّس منه وما حوله: سواء كان الدهن جامدًا أو سائلًا، وهو قول ابن تيمية وتبعه ابن =
[ ١ / ٢٥٨ ]
ضيقة وأراد الصلاة: (غسل) وجوبًا (حتى يجزم بزواله) أي: زوال النجس؛ لأنه متيقن، فلا يزول إلا بيقين الطهارة، فإن لم يعلم جهتها من الثوب: غسله كله، وإن علمها في أحد كميه ولا يعرفه: غسلهما، (^١١) ويُصلي في فضاء واسع حيث شاء بلا تحر (^١٢) (ويطهر بول) وقيء (غلام لم يأكل الطعام) لشهوة (بنضحه) أي: غمره بالماء، ولا يحتاج لمرس وعصر، فإن أكل الطعام: غسل كغائطه، وكبول
= عثيمين؛ للاستصحاب؛ حيث إنه لم يرد ما يفرق بينهما، فنستصحب ذلك ونعمل به، قلتُ: بل ورد دليل يفرِّق بين السائل والجامد - على التفصيل السابق - وهو: التلازم، وأيضًا: المصلحة؛ حيث إن السائل تتسرَّب النجاسة إلى جميع أجزائه فكيف نلقيها وما حولها؟! ثم إنه يحرم استعماله؛ لنجاسته؛ تغليبًا لجانب الحظر على جانب الإباحة؛ حماية للإنسان من أضرار النجاسة المحتملة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الاستصحاب باق على ما هو عليه، أم وُجد دليل غيَّر الحالة؟ " فعندنا: قد وجد دليل غيَّر الحالة وهو التلازم، والمصلحة، وعندهم: لم يوجد فيبقى على ما هو عليه ويُعمل به.
(^١١) مسألة: إذا سقطت نجاسة على بدنه أو فراش صغير، أو أرض صغيرة، أو أحد كميه أو نحو ذلك، ولا يعلم الموضع الذي فيه تلك النجاسة: فإنه يجب أن يغسل جميع البدن، أو الثوب، أو الفراش، أو الأرض أو كمي ثوبه؛ لقاعدة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" حيث إن تطهير الشيء من النجاسة لأجل الصلاة فيه أو عليه واجب، ولا يمكن أن يغلب على ظنه أو يتيقن بطهارة ذلك الشيء إلا بغسله كله فوجب، وهو من باب التلازم.
(^١٢) مسألة: إذا سقطت نجاسة في أرض واسعة أو فراش كبير جدًّا ولا يعلم موضعها من ذلك، فإنه يصلي في أي موضع أراد؛ للمصلحة؛ حيث إن غسل ذلك الموضع الواسع، أو الفراش الكبير يشق على كثير من الناس، فدفعًا لذلك: شرع عدم غسله.
[ ١ / ٢٥٩ ]
الأنثى والخنثى فيغسل كسائر النجاسات، قال الشافعي: "لم يتبين لي فرق من السنة بينهما"، وذكر بعضهم: "أن الغلام أصله من الماء والتراب، والجارية أصلها من اللحم والدم" وقد أفاده ابن ماجه، وهو غريب قاله في "المبدع"، (^١٣) ولعابهما
(^١٣) مسألة: إذا بال أو تقيأ غلام لم يبدأ بأكل الطعام على ثوب أو غيره: فإنه يطهر بنضحه بأن يرش عليه ماء فقط - وهو: الغمر بالماء - بدون عصر، أما إن بال الغلام بعد أكله للطعام، أو تغوَّط - قبل الأكل أو بعده -، أو بالت الجارية أو تغوطت - بعد أكلها للطعام أو قبله .. فإن ما وقع عليه البول أو الغائط لا يطهر إلا بغسله مرة واحدة كسائر النجاسات؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "يُنضح من بول الغلام ويغسل من بول الجارية" فإن قلتَ: لِمَ فرق الشارع بينهما؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الغلمان قد اعتاد أباؤهم على حملهم، فلو وجب غسل الثوب من بول الغلام: للحق كثيرًا من الناس الضيق والمشقة؛ لكثرة ما يقع منهم ذلك، ولقلة المياه، أما الجواري: فهن مع أمهاتهن في البيوت فلا يشق غسل بولهن، وقيل: إن بول الغلام لا لزوجة فيه ولا رطوبة فيكفيه النضح، بخلاف بول الجارية فنظرًا لما فيه من اللزوجة والرطوبة لالتصاق المثانة بالرحم: فإنه يُغسل، وقيل غير ذلك، وقد فصَّلت القول في ذلك في كتابي: "المهذب" و"الإتحاف" أثناء الرد على زعم النظام "أن الشريعة تفرق بين متماثلات"، تنبيه: ذكر المصنف: أن الغلام إذا أكل الطعام لشهوة: فإن بوله يغسل، دون ما إذا أكله لغير شهوة فينضح، قلتُ: وهذا التفريق لم أجد دليلًا عليه؛ لأن السنة أتت مطلقة، تنبيه آخر: قول الشافعي: "لم يتبين لي فرق من السنة بينهما" إن كان يقصد: إنه لم يرد شيء من السنة يفرق بينهما: فهذا فيه نظر، حيث أن السنة فرقت بينهما كما سبق، وإن كان يقصد أنه لم تتبين الحكمة والعلة من التفريق بينهما: فهذا صحيح، لكن العلماء أوجدوا علِلًا لذلك =
[ ١ / ٢٦٠ ]
طاهر (^١٤) (ويُعفى في غير مانع و) في غير (مطعوم عن يسير دم نجس) ولو حيضًا، أو نفاسًا، أو استحاضة، وعن يسير قيح وصديد من حيوان طاهر، لا نجس، ولا إن كان من سبيل قُبُل أو دُبُر، (^١٥)
= ذكرت بعضها فيما سبق، تنبيه ثالث: قول بعضهم: "إن الغلام أصله من الماء والتراب والجارية أصلها من اللحم والدم" لم أجده، وهو غريب جدًّا كما قال المصنف، والأولى عدم ذكره؛ لعدم تقبل العقول السليمة له.
(^١٤) مسألة: لعاب وسؤر الغلام والجارية طاهر: إذا سقط على شيء لا ينجسه، وهذا مطلق، أي: سواء كانا قبل أكلهما للطعام، أو بعده، للقياس، بيانه: كما أن لعاب المكلَّف وسؤره طاهر، فكذلك الغلام والجارية مثله، والجامع: أن كلًا منهما آدمي، وهو طاهر، فإن قلتَ: لِمَ كان طاهرًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على حاملي الغلام والجارية؛ إذ لو كان لعابهما نجسًا: للحق كثيرًا من الناس الضيق والمشقة؛ نظرًا لكثرة ما يقع منهم.
(^١٥) مسألة: الدم الكثير نجس لا يُعفى عنه، فيجب غسله: سواء كان خارجًا من آدمي أو حيوان طاهر - وهو: الدم المسفوح - وسواء وقع على ثوب أو بدن، وسواء وقع على طعام أو غيره، وسواء خرج من أحد السبيلين أو لا، وكذلك كثير القيح والصديد مثله، أما إن كان الدم قليلًا: فهو معفو عنه بشروط ثلاثة: أولها: أن لا يكون ذلك في شيء مائع وسائل، ثانيها: أن لا يكون في مطعوم، ثالثها: أن لا يكون قد خرج من أحد السبيلين: القبل والدبر، فإن وجد في مائع أو طعام، أو خرج من أحد السبيلين: فهو نجس لا يُعفى عنه، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ لأسماء في دم الحيض يسقط على الثوب: "تحتُّه ثم تقرصه، ثم تغسله بالماء" حيث أوجب الشارع غسل الدم؛ لأن الأمر هنا مطلق، فيقتضي الوجوب، وهو عام فيشمل قليل الدم وكثيره؛ لأن لفظ الراوي "دم الحيض" اسم منكر أضيف إلى معرفة، وهذا من صيغ العموم، وقد وردت السنة التقريرية =
[ ١ / ٢٦١ ]
واليسير: ما لا يفحش في نفس كل أحد بحسبه، ويضم متفرق بثوب لا
= فخصَّصت هذا الحديث بالدم الكثير؛ حيث قالت عائشة: "قد يكون لإحدانا الدرع فيه تحيض، ثم ترى فيه قطرة من دم فتقعصه بريقها" وهذا لا يخفى عادة عن النبي ﷺ، لكثرة ما يقع من زوجاته، فيكون قد أقرهن عليه، ولم يُنكره، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فيكون القليل من الدم معفوًا عنه، الثانية: القياس، بيانه: كمان أن القليل من دم الآدمي معفو عنه، فكذلك القليل من دم الحيوان مثله، والجامع: الطهارة في كل، فإن قلتَ: لِمَ كان الدم الكثير نجسًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الدم أو الصديد يتسبب غالبًا في كثير من الأمراض، فدفعًا لذلك حُذِّر منه بالحكم عليه بأنه نجس، فإن قلتَ: لِمَ عفي عن قليله؟ قلتُ: للمصلحة حيث إن الدم أو الصديد القليل من أي مصدر لا يسلم منه أحد، فلو وجب غسله: لَلَحِق أكثر المسلمين ضيق وحرج ومشقة، فإن قلتَ: لِمَ كان الدم الساقط على مائع، أو طعام، أو الخارج من أحد السبيلين نجسًا مطلقًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه سينتشر في المائع بسرعة، وسيُفسد الطعام فيحرم أكله، وإذا خرج من أحد السبيلين فلا يخلو من أن يصطحب معه بعض النجاسات المغلظة، فإن قلتَ: إن دم الآدمي طاهر قليله وكثيره إلا كثير دم الحيض فهو نجس، وهو قول بعض العلماء كابن عثيمين؛ للاستصحاب؛ حيث إنه ورد عنه ﷺ أنه أمر بغسل دم الحيض فقط، فيكون هو النجس فقط، وإن الصحابة كانوا يصلون بجراحاتهم الناتجة عن الحروب قلتُ: أما الحديث: فلم يفرق بين دم الحيض وغيره من الدماء، لأن الأصل عندنا في الدماء النجاسة، وإنما عفي عن قليله؛ للسنة التقريرية، والمصلحة وقد سبقا، أما الصحابة فقد كانوا يتحرزون مما هو أقل من الدم، ثم إن الدماء الناتجة عن الحروب معفو عنها وإن كثرت؛ لمشقة غسلها، لقلة المياه، ولضيق الوقت فإن قلَت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الاستصحاب مع السنة التقريرية والمصلحة" فعندنا: إن الاستصحاب لم يبق على ما هو عليه، وعندهم: قد بقي على ما كان إلا ما ثبت عن طريق السنة القولية.
[ ١ / ٢٦٢ ]
أكثر، (^١٦) ودم السمك، وما لا نفس له سائلة كالبق والقمل، (^١٧) ودم الشهيد
(^١٦) مسألة: يعرف القليل والكثير من الدم والقيح والصديد بقول العقلاء من المتوسطين من الناس وأعرافهم، ولا يُنظر إلى قول المتشددين، ولا المتساهلين في ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن المتوسط في حكمه ينظر للأمور بنظرة العقل الرزين، والخبرة الطويلة، فيلزم قبول قوله بخلاف غيره، فإذا وقع دم في أماكن متفرقة من ثوب واحد: فإنه يضم بعضه إلى بعض فإن بلغ مبلغ الكثير عند هذا المتوسط: فهو كثير، فيكون نجسًا لا يُعفى عنه، وإن بلغ مبلغ القليل عند هذا المتوسط: فهو قليل يُعفى عنه. تنبيه: قول المصنف: "واليسير: ما لا يفحش في نفس كل أحد بحسبه" هذا غير منضبط، فقد يفحش دم عند زيد في حين أنه لا يفحش ويكثر عند عمرو.
(^١٧) مسألة: الدم الخارج من الحيوانات والحشرات الصغيرة كالبعوض والقمل، والعقرب، والذباب والبرغوث، والجراد، والسمك ونحوها مما لا نفس - وهو الدم - له سائلة: معفو عنه: كثيره وقليله، فلا يُغسل الشيء الذي سقط عليه ذلك الدم؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ حيث دل مفهوم الصفة على أن الدم غير المسفوح - وهو غير السائل - كدماء ما ذكر من الحشرات - لا يُحرم أكله، وما لا يُحرَّم أكله ليس بنجس، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك معفوًا عنه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تلك الحشرات تكثر بين الناس، فلا يسلم من دمائها أحد، فلو كانت نجسة لوجب غسل ما سقطت عليه، وهذا يشق عليهم، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
[ ١ / ٢٦٣ ]
عليه، (^١٨) وما يبقى في اللحم وعروقه ولو ظهرت حمرته: طاهر (^١٩) (و) يُعفى (عن
(^١٨) مسألة: الدم الخارج من شهيد المعركة إذا كانت عالقة بثيابه: معفو عنه؛ للسنة القولية؛ حيث: "إنه ﷺ قد أمر بدفن شهداء أحد بدمائهم"، فلو لم تكن معفوًا عنها: لغسل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ عفي عن ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، إذ لو وجب غسلها: لشق عليهم ذلك؛ لقلَّة المياه في أماكن الحروب، ولضيق الوقت.
(^١٩) مسألة: الدم المختلط في لحم مأكول اللحم - كبهيمة الأنعام - بعد ذكاتها، - وهو الدم غير المسفوح - ودم جميع عروقها وقلبها وكبدها وطحالها: كله دم معفو عنه ولو ظهرت حمرته فلا يغسل ما سقط عليه؛ لقاعدتين، الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ حيث دل مفهوم الصفة منها على أن الدم غير المسفوح معفو عنه شرعًا، وهذا المفهوم قد خصَّص عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ الدم المسفوح - وهو الذي يسيل على الأرض - هو المحرم فقط، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث قالت عائشة: "كنا نطبخ البرمة على عهده ﷺ تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا يُنكره" فلو كان غير معفو عنه لبين حرمته؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: لِمَ عفي عن ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لا يُمكن الاحتراز من هذا الدم المختلط بالعظم. [فرع]: الدم الخارج من الحيوانات النجسة - كالكلب والخنزير وما تولَّد منهما، والحمار ونحوها - نجس مطلقًا، أي: سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وسواء سقط على مائع أو طعام أو لا؛ للقياس، بيانه: كما أن لعاب تلك الحيوانات نجس فكذلك دمها، والجامع: خروج ذلك من داخل الحيوان النجس، فإن قلتَ: لِمَ كان دم تلك الحيوانات نجس؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للإنسان من أضرار تلك الدماء.
[ ١ / ٢٦٤ ]
أثر استجمار) بمحلِّه بعد الإنقاء واستيفاء العدد (^٢٠) (ولا ينجس الآدمي بالموت)؛ لحديث: "المؤمن لا ينجس" متفق عليه (^٢١) (وما لا نفس) أي: دم (له سائلة) كالبق والعقرب، وهو (متولِّد من طاهر) لا ينجس بالموت: برِّيًّا كان أو بحريًا: فلا ينجس الماء اليسير بموتهما فيه (^٢٢) (وبول ما يؤكل لحمه، وروثه، ومنيه) طاهر، لأنه ﷺ
(^٢٠) مسألة: إذا استجمر بثلاثة أحجار، وبذل جهده في إنقاء المحلِّ - وهو: الدُّبُر -، وبقي بعض الأثر - بعد ذلك: فإنه يُعفى عنه؛ للمصلحة؛ حيث إن إزالة أثر الغائط يشق على الناس، فدفعًا لذلك: عفا عنه الشارع؛ نظرًا لضيق الوقت، وتكرار ذلك في اليوم والليلة، وهذا تيسير على الناس وقد سبق بيانه.
(^٢١) مسألة: المسلم لا ينجس بالموت، فيجوز لمسه بدون غسل اليد بعد ذلك، بخلاف الكافر؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إن المؤمن لا ينجس" حيث نفى عن المؤمن النجاسة في حال حياته وبعد مماته؛ لأنه مطلق في الأزمان، فيدل بمفهوم الصفة على أن الكافر ينجس بالموت، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن المسلم طاهر في حال حياته، والموت ليس من الأحداث ولا من الأنجاس وفيه تيسير على الناس، فإن قلتَ: إن الكافر كذلك طاهر بعد موته - وهو قول بعض العلماء - وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس على المؤمن بجامع الآدمية، قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الكافر نجس في حياته وبعد مماته، ولكن الشارع تسامح عن حاله في حياته؛ لمصلحة المسلمين؛ حيث يكثر التعامل معهم، أما بعد مماته فقد بقي على أصل نجاسته، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الأصل في الكافر النجاسة أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا، فقاسوه على المسلم في الحالتين.
(^٢٢) مسألة: ما لا دم له سائل، وهو متولِّد من طاهر: لا ينجس بالموت، فلو مات بماء: جاز التطهر به، أو مات على ثوب أو فرش: جازت الصلاة بذلك، وذلك مثل: البعوض، والنمل، والقمل، والذباب، والجراد، والسمك، =
[ ١ / ٢٦٥ ]
"أمر العُرَنيين أن يلحقوا بإبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها" والنجس لا يباح شربه، ولو أبيح للضرورة: لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة (^٢٣) (ومني الآدمي)
= والخنافس، والجعلان وغيرها مما يعيش بالبر والبحر، أما إن كان له دم سائل عند الذبح كالضفدع، والحية والتمساح، أو كان متولدًا من نجس كدود الحمامات والصراصير التي تتكون من الحشوش، والبيَّارات، والمجاري ونحو ذلك: فهي نجسة حية كانت أو ميتة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه؛ فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء" فلو كانت ميتته نجسة: لما أمر النبي ﷺ بغمسه فيه مرة ثانية؛ لأنه سيُنجِّسه، فلزم أن ميت الذباب ليس بنجس، وغيره من البعوض والقمل ونحوهما مما ذكر معه؛ لعدم الفارق في "كونه لا دم له سائل، وكونه متولدًا من طاهر" وهذا من باب مفهوم الموافقة وكون الذباب كذلك يلزم منه: أن الذي له دم سائل، أو المتولد من نجس: نجس من باب مفهوم الصفة، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك طاهرًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يصعب الاحتراز عن تلك الحشرات، وكانت طاهرة؛ تيسيرًا على الناس، ولأن الذي له دم سائل يدخل ضمن عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ نظرًا لتحجُّر الدم فيها فتنجس كل ما سقطت فيه، ولأن ما تولَّد من نجس يدخل في عموم النجاسات كالبول والغائط - كما سبق ..
(^٢٣) مسألة: بول وروث ومني كل ما يؤكل لحمه من الحيوانات - كبهيمة الأنعام والطيور ونحوها - طاهر، فلو سقطت على ماء: لجاز التطهر منه، ولو سقطت على ثوب أو فرش: لجازت الصلاة فيه؛ لقاعدتين الأولى: السنة القولية؛ حيث "إن العرنيين جاءوا إلى النبي ﷺ يشكون بطونهم فأمرهم أن يشربوا من أبوال إبل الصدقة وألبانها"، وهذا يدل على طهارة تلك الأبوال؛ لكون النجس لا يجوز شربه؛ لإضراره بالإنسان، ومني الإبل كبوله؛ لعدم الفارق؛ =
[ ١ / ٢٦٦ ]
طاهر؛ لقول عائشة: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ثم يذهب فيصلي فيه" متفق عليه، فعلى هذا يستحب فرك يابسه وغسل رَطْبه (^٢٤) (ورطوبة فرج
= لكون كلًا منهما خارج من طاهر، وهو من فضلاتها، وبول ومني غير الإبل من الحيوانات المأكولة اللحم كبول ومنى الإبل؛ لعدم الفارق في ذلك من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد صلى في مرابض الغنم"، ومرابضها لا تخلو من روثها وبولها عادة، وهذا يدل على طهارتها، وروث الحيوانات مأكولة اللحم كروث الغنم؛ لعدم الفارق في كونها خارجه مما يؤكل لحمه من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك طاهرًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يصعب الاحتراز من تلك الأمور؛ لكثرتها بين المسلمين، واشتغالهم بها، فدفعًا للمشقة: شرع هذا، فإن قلتَ: إن هذا كله نجس، وإنما أباح ﷺ للعرنيين شرب أبوالها؛ ضرورة مرضهم، وهذا جائز؛ قياسًا على أكل الميتة للضرورة قلتُ: هذا غير مسلُّم؛ إذ لو كانت نجسة؛ لأمرهم بغسل أفواههم عندما يريدون الصلاة ولكنه لم يأمرهم بذلك، وهذا يدل على طهارتها؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه "تعارض القياس السنة القولية والفعلية" فعندنا: تقدَّم السنة وما لزم منها، وعندهم: القياس يقدم، لضعف السنة هنا؛ لكون الاحتمال يتطرق إليها.
(^٢٤) مسألة: مني الآدمي طاهر: فلو سقط على ماء: جاز التطهر به، ولو سقط على ثوب، أو فراش جازت الصلاة عليه بدون غسل، ولكن يستحب فرك وحك اليابس من المني، وأن يغسل الرطب منه؛ للسنة التقريرية؛ حيث قالت عائشة: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ ثم يذهب فيصلي فيه" ولم ينكر ﷺ ذلك، وهذا يدل على طهارة مني الآدمي مطلقًا؛ إذ لو كان نجسًا: لوجب غسله كغيره من النجاسات ومني غيره من الذكور والإناث كمنيه ﷺ، لعدم الفارق في كونه من فضلات الآدمي من باب "مفهوم الموافقة"؛ ويلزم من =
[ ١ / ٢٦٧ ]
المرأة) وهو: مسلك الذكر: طاهر كالعرق، والريق، والمخاط، والبلغم، ولو أزرق، وما سال من الفم وقت النوم (^٢٥) (وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة: طاهر) غير مكروه غير دجاجة مُخلاة، و"والسُّؤر": - بضم السين مهموز: بقية طعام الحيوان وشرابه،
= فعل عائشة ذلك: استحباب فرك المني إذا كان يابسًا؛ لقبوله الفرك والحك بالظفر، أما غير اليابس: فيستحب غسله؛ لعدم قبوله للفرك، فإن قلتَ: لِمَ كان مني الآدمي طاهرًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو وجب غسله أو نجاسة الماء الذي وقع فيه: للحق كثيرًا من المسلمين ضيق وحرج ومشقة؛ نظرًا لكثرة وقوعه، وقلة المياه، فإن قلتَ: لِمَ كان المني طاهرًا، والمذي، والودي نجسان؟ قلتُ: الأصل أن الثلاثة كلها نجسة؛ نظرًا لخروجها من مخرج النجاسة - وهو ذكر الرجل أو فرج المرأة - ولكن خُفِّف في المني؛ لكثرة وقوعه، فيشق غسله، وبقي المذي والودي على الأصل؛ لقلَّة وقوعهما ..
(^٢٥) مسألة: ما خرج من فرج المرأة - وهو مدخل ذكر الرجل عند الجماع - من رطوبات: طاهر، فيجوز لها أن تصلي بتلك السراويل أو الثياب التي وصلت إليها تلك الرطوبات، وكذا: عرق الآدمي - رجلًا كان أو امرأة - وريقه، وبلغمه، والسوائل التي تخرج منه عند النوم، وكذا: المخاط ولو كان لونه يميل إلى الزُّرقة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ: "قد تفل في ثوبه ثم مسح بعضه ببعض" وهذا يدل على طهارة ذلك، وغيره ممن ذكرناه مثله في كونه خارج من جسد طاهر من الفم أو الأنف ويشق التحرز منه: من باب "مفهوم الموافقة" الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن العرق والريق ونحوهما طاهر فكذلك ما خرج من فرج المرأة طاهر، والجامع: أن كلًا منهما يشق التحرز منه، وهذا هو المقصد الشرعي من كون ذلك طاهرًا
[ ١ / ٢٦٨ ]
و"الهرُّ": القط، (^٢٦) وإن أكل هو، أو طفل ونحوهما نجاسة ثم شرب - ولو قبل أن
(^٢٦) مسألة: سؤر الهرة - وهي: ما تبقيه من شرابها أو طعامها، أو لعابها وريقها -: طاهر، وكذا: كل حيوان دون الهرة في الجسم كالفأرة، والوزغ، والضفدع، والضب، والجرذ، والقنفذ، والدجاجة ولو كانت مخلَّاة مثل الهرة في ذلك، فلو شربت تلك الحيوانات من ماء: لجاز التطهر منه، أو سقط لعابها على ثوب أو فراش: لجاز الصلاة فيه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: - في الهرة -: "إنها ليست بنجس؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات"، فنفى النجاسة عن الهرة، وهذا عام لجسمها، ولما خرج منها؛ لأن "نجس" نكرة في سياق نفي، وهذا من صيغ العموم، وغيرها مما ذكرناه مثلها في عدم النجاسة، لعدم الفارق، بل هي أولى منها؛ لأن الهرة إذا كانت تكثر التطواف بالبيت ويصعب التحرز منها فغيرها مما هو أقل منها جسمًا أصعب منها في ذلك، وأكثر تطوافًا منها، فيكون من باب مفهوم الموافقة الأولى، أو القياس الأولى، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك طاهرًا مع احتمال أكلها للنجاسة بخلاف الكلب؟ قلتُ: الأصل: أن كل الحيوانات غير مأكولة اللحم نجسة كالهرة والكلب وغيرهما، ولكن الشارع قد رخَّص في سؤر الهرة وما دونها من الحيوانات وجعلها طاهرة؛ نظرًا لكثرة تطوافها، وصعوبة تحرز الناس منها، فلو كانت نجسة: لوجب غسل كل شيء سقط عليه لعابها، ولوجب ترك ماء شربت منه، وهذا فيه مشقة على المسلمين؛ لكثرتها في البيوت، ولقلة المياه والمشقة تجلب التيسير، بخلاف الكلب فقد أمر الشارع بغسل الإناء الذي يشرب منه كما سبق - لكونه لا يدخل في المنازل عادة، ويمكن التحرز منه وإذا شرب من إناء - وهو نادر - فلا يشق غسله، فإن قلتَ: إن سؤر الدجاجة المخلَّاة نجس - وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه يُحتمل أكلها النجاسات فيلزم من ذلك نجاستها قلتُ: إن هذا الاحتمال موجود في الهرة وغيرها مما هو دونها في الجسم فلم يمنع من طهارتها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض التلازم مع مفهوم السنة" فعندنا: يقدم المفهوم لعدم إطراد التلازم، وعندهم: يقدم التلازم؛ لقوة وقوعه.
[ ١ / ٢٦٩ ]
يغيب - من مائع: لم يؤثر؛ لعموم البلوى، (^٢٧) لا عن نجاسة بيدها أو رجلها، (^٢٨) ولو وقع ما ينضمُّ دُبُره في مائع ثم خرج حيًا: لم يؤثر (^٢٩) (وسباع البهائم و) سباع (الطير) التي هي: أكبر من الهر خِلْقَه (^٣٠) (والحمار الأهلي والبغل منه) أي: من
(^٢٧) مسألة: إذا أكل الهر، أو الطفل، أو غيرهما من حيوان - دون الهر - أو طير أي نجاسة كغائط أو بول، ثم شرب من ماء، فإن سؤر هذه الحيوانات طاهر، فلو شربت من ماء: فإنه يجوز أن نتطهر منه، سواء غاب هذا الحيوان عنا أو لا؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على المسلمين، فلو كان ذلك ينجس الماء: للحق كثيرًا من الناس مشقة وضيق؛ نظرا لكثرة وقوعه، وعموم البلوى فيه، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
(^٢٨) مسألة: إذا شوهدت نجاسة في رجل أو يد الهرة أو الطفل أو نحوهما وانغمس في ماء أو مائع، أو وطأ فراشًا أو ثوبًا: فإن ذلك ينجس الماء والمائع والفراش، والثوب فلا تجوز الطهارة من الماء، ولا تجوز الصلاة في الثوب أو على تلك الأرض؛ للإجماع على ذلك ومستنده: ظهور النجاسة، وهو من باب التلازم.
(^٢٩) مسألة: إذا وقع حيوان ينضم دبره عادة في ماء أو مائع كالفأرة، والجرذ، والوزغ، والضب، والضفدع ونحوها وخرج حيًا: فإن هذا الماء أو المائع لا ينجس، فيجوز أن يتطهر به؛ للتلازم؛ حيث يلزم من انضمام دبره مع الحياة: امتناع خروج نجاسة منه غالبًا في الماء، فيبقى على طهارته، فإن قلتَ: لِمَ يكون ذلك طاهرًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس، فإن قلتَ: لِمَ لا ينجس إذا خرج حيًا؟ قلتُ: لأنه إذا مات في الماء: فإنه لا ينضم دبره لاسترخائه، فيحتمل خروج نجاسة غالبًا فينجس الماء.
(^٣٠) مسألة: ما هو فوق الهرة في الجسم من سباع البهائم - وهي: المفترسة كالأسد والفهد والنمر والذئب والفيل ونحوها - وسباع الطير - وهي: ذوات الجوارح كالصقر والحدأة والنسر ونحوها -: كلها نجسة، وكذا: جميع =
[ ١ / ٢٧٠ ]
الحمار الأهلي، لا الوحشي (نجسة) وكذا: جميع أجزائها، وفضلاتها؛ لأنه ﷺ لما سئل عن الماء وما ينوبه من السباع والدَّواب فقال: "إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء" فمفهومه: أنه ينجس إذا لم يبلغهما، وقال - في الحمر يوم خيبر: "إنها رجس" متفق عليه، و"الرِّجس": النجس. (^٣١)
= أجزائها وفضلاتها، وسؤرها وريقها وعرقها: نجسة: فلو شربت من ماء فلا يجوز أن يُتطهر به، ولو سقطت تلك الأمور على ثوب أو فراش أو أرض فلا تجوز الصلاة فيه؛ للقياس، بيانه: كما أن الكلب وما يخرج منه نجس، فكذلك تلك السباع مثله، والجامع: أن كلًا منها يحرم أكله ويُعتبر من أكلة النجاسات، ويمكن التحرُّر منها، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك نجسًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المسلمين من أضرارها.
(^٣١) مسألة: الحمار الأهلي - وهو: الذي يعيش داخل البلد - والبغل - وهو: المتولد من الحمار والفرس - طاهران وكل من ريقهما، وعرقهما وسؤرهما طاهر، لكن يُحرَّم أكلهما؛ للسنة التقريرية؛ حيث إنهما كانا يُركبان ويُستعملان في داخل البيوت وخارجها وذلك في عهده ﷺ، فلا يُنكر ذلك مع أنه يلزم من ذلك إلصاق الثياب الرطبة واليابسة عليها عند الركوب، وشربها من الأواني ونحو ذلك، فلو كان ذلك نجسًا لبيَّنه ﷺ وهذا يدل على طهارة ذلك؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك طاهرًا؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه جلب مصالح ومنافع الحمار والبغل، ودفع مفسدة ومشقة غسل كل ما سقط عليه لُعابهما، وسؤرهما، وعرقهما؛ حيث إن أكثر المسلمين يحتاجون إليهما، فإن قلتَ: لِمَ قُيِّد الحمار بأنه الأهلي وكذا: البغل؟ قلتُ: احترازًا عن الحمار والبغل الوحشيين؛ حيث إنهما طاهران، بالإجماع، ومستنده السنة القولية حيث إنه ﷺ "نهى عن لحوم الحمر =
[ ١ / ٢٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الأهلية" - كما رواه أنس - فيدل مفهوم الصفة منه: على: أن لحم الحمر والبغال الوحشية يؤكل، ويلزم من أكله: طهارة سؤره ولُعابه، فإن قلتَ: إن الحمار والبغل الأهليين نجسان، وكل أجزائهما، ولُعابهما وعرقهما نجسة، - وهو قول كثير من العلماء، وهو ما ذكره المصنَّف هنا؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ لما سئل عن الماء وما ينوبه من السِّباع والدَّواب قال: "إذا كان الماء قلتين لم يُنجسه شيء" حيث دلَّ مفهوم العدد منه على أن الماء الذي هو أقل من قلتين: ينجس إذا شرب الحمار والبغل والسباع وأي دابة حُرِّم أكلها ثانيهما: إنه ﷺ قد نهى عن لحوم الحمر الأهلية وعلَّل ذلك بقوله: إنها "رجس" والرجس: النجس، والنهي هنا مطلق، فيقتضي تحريم أكلها، ونجاستها، والبغل مثل "الحمار الأهلي"، لكونه متولدًا منه، فيكون نجسًا مثله، قلتُ: إن السنة التقريرية قد خصَّصت عموم مفهوم العدد من حديث: "إذا كان الماء … " فأخرجت الحمار الأهلي والبغل، من كونهما نجسين، أما قوله: "إنها رجس" فيُحتمل أنه أراد لحمها الذي كان في قدروهم - أثناء أمره لأبي طلحة يوم خيبر - حيث إنه نجس؛ لأنه لحم ما لا يحل أكله، ويُحتمل أنه أراد أنها محرمة مثل ما قال تعالى في الخمر والميسر والأنصاب والأزلام: ﴿رِجْسٌ﴾ والمراد به التحريم، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل الاستدلال به، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل السنة التقريرية خصصت عموم مفهوم العدد أو لا؟ فعندنا: نعم، وعندهم: لا. وأيضًا هل المراد من لفظ "رجس" النجس أو التحريم؟ فعندنا: التحريم فقط، وعندهم: النجس والتحريم معًا.
هذه آخر مسألة من باب "إزالة النجاسة" ويليه: باب "الحيض والاستحاضة والنفاس"
[ ١ / ٢٧٢ ]