هي الأوعية جمع "إناء"، لما ذكر الماء: ذكر ظرفه (^١) (كل إناء طاهر) كالخشب والجلود، والصفر، والحديد (ولو) كان (ثمينًا) كجوهر، وزمرُّد (يُباح اتخاذه واستعماله) بلا كراهة (^٢)، غير جلد آدمي وعظمه فيُحرَّم (^٣)
باب الآنية التي تُحفظ فيها المياه
وفيه ثنتان وعشرون مسألة:
(^١) مسألة: الآنية: جمع "إناء" وهو: جمع قِلَّة -وهو ما دون العشرة-، وجمع الكثرة: "أواني" وهي: الأوعية التي تحفظ فيها المياه، ومعنى الإناء لغة: هو منتهى الشيء، ومنه قوله تعالى ﴿عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي منتهى حدِّها، وقال: ﴿حَمِيمٍ آن﴾ أي: منتهى الحرارة، فإن قلتَ: لِمَ ذكر باب "الإناء" بعد المياه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذكر ذلك هنا مناسب؛ لكون الماء سريع الجريان فيلزم أن يُحفظ بالإناء، ثم إنه يُعلم بواسطة الإناء الماء الكثير والقليل، ثم إن الإناء ينزح به الماء النجس، ويكاثر بواسطته، وفيه ما هو طاهر، وما هو نجس، وبعضها يمكن تطهيره، وبعضها لا يمكن تطهيره، فتبين أن ذكره هنا أنسب من ذكره في باب "الأطعمة والأشربة"، كما فعل بعض الفقهاء.
(^٢) مسألة: جميع الأواني الطاهرة -غير آنية الذهب والفضة- يُباح اتخاذها واستعمالها بلا كراهة، وهذا مطلق، أي: تستعمل للأكل والشرب، والبيع والشراء، والزينة: سواء كانت ثمينة كالأواني المصنوعة من الجواهر والزمُّرد، أو غير ثمينة كالأواني المصنوعة من الخشب والجلود، ونحوه؛ للاستصحاب، حيث إن الأصل في الأواني الإباحة إلا ما ورد دليل على المنع منه -ولم يرد المنع إلا عن أشياء سيأتي ذكرها- فيبقى ما عداها على الأصل، فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس.
(^٣) مسألة: يحرم جعل جلد وعظم وشعر الآدمي آنية؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ حيث دلَّ مفهوم الصفة منه على تحريم فعل أي شيء =
[ ١ / ٦٤ ]
(إلا آنية ذهب وفضة، ومضبَّبًا بهما) أو بأحدهما -غير ما يأتي-، وكذا: المموَّه، والمطلي، والمطعَّم، والمكفَّت بأحدهما (فإنه يحرم اتخاذها)؛ لما فيه من السرف والخيلاء، وكسر قلوب الفقراء (واستعمالها) في أكل وشرب وغيرهما (ولو على أنثى)؛ لعموم الأخبار، وعدم المخصص، وإنما أبيح التحلي للنساء؛ لحاجتهن إلى التزين للزوج، وكذا: الآلات كلها كالدواة، والقلم، والمسعط، والقنديل، والمجمرة، والمدخنة حتى الميل ونحوه (^٤) (وتصح الطهارة منها) أي: من الآنية المحرَّمة، وكذا: الطهارة
= في بني آدم يُهينه، واتخاذ آنية من جزء منه تحصل به تلك الإهانة، فإن قلتَ: لِمَ حُرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الإنسان قد أُعدَّ للعمل بالشرائع؛ نظرًا لما تميز به من عقل، فلا يهان بذلك.
(^٤) مسألة: يحرم على الرجال والنساء استعمال واتخاذ الأواني المصنوعة من الذهب والفضة، أو المضيب بهما، -بأن يُسدُّ بهما شق في إناء- وكذا المطلي بهما في أي آلة من الآلات المستعملة كالأقلام والمصابيح، أو مقابض الأبواب، أو الرفوف، أو الطشوت، أو المجامر، أو المداخن ونحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا من صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة" فحرم ذلك؛ لأن النهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم، وهو عام للرجال والنساء؛ لأن "واو الجمع" من صيغ العموم، والنساء يدخلن في خطابات الذكور إذا لم يوجد دليل يخرجهن، الثانية: القياس؛ وهو من وجوه: أولها: أن ما ضبِّب، ومُوِّه، وطُعِّم بالذهب والفضة، يُقاس على خالص الذهب والفضة، والجامع: الإسراف، وكسر قلوب الفقراء، ثانيها: أن جميع أنواع الاستعمالات تُقاس على الأكل والشرب، والجامع: الاستعمال الدال على الخيلاء، ثالثها: أن ما حرم استعماله حرم اتخاذه؛ قياسًا على آلة اللهو كالطنبور، والجامع: أن كلًا منهما منهي عنه، والقاعدة هي "أن ما حرم استعماله حرم اتخاذه"، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث =
[ ١ / ٦٥ ]
بها، وفيها وإليها، وكذا آنية مغصوبة (^٥) (إلا ضبَّة يسيرة) عرفًا، لا كبيرة (من
= إن استعمال واتخاذ ذلك فيه مفسدة كسر قلوب الفقراء، والإسراف المنهي عنه، فدفعًا لذلك حُرِّم، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك، وأبيحت الأواني غالية الأثمان المصنوعة من الجواهر؟ قلتُ: لوجود الفرق؛ حيث إن استعمال واتخاذ الأواني غالية الأثمان كالجواهر لا يحصل فيها الخيلاء وكسر قلوب الفقراء؛ لعدم معرفتهم بها، أما الذهب والفضة: فهما معروفان عند الفقراء، فلو استعملها الغني أو اتخذها: لكسر قلوب الفقراء، -ذكره الباجي كما نقله عنه القرافي في "الذخيرة" (١/ ١٦٧) -، فإن قلتَ: لِمَ حُرِّم ذلك مع جواز التحلي بهما للمرأة؟ قلتُ: الأصل تحريم ذلك على الذكور والإناث، ولكن أبيح التحلي للنساء؛ للمصلحة، حيث إن ذلك فيه تزين المرأة أمام زوجها، لتجذبه إليها، وفي ذلك إحصان لها، وله، ويُسبب ذلك كثرة الاستيلاد، وكثرة المسلمين.
(^٥) مسألة: تصح الطهارة بماء موجود في إناء ذهب أو فضة، أو مضبَّبب بهما: سواء اغترف الماء منه، أو انغمس فيه، أو صب منه الماء، أو صبَّ عليه أو نحو ذلك، وكذلك تصح الطهارة بماء في إناء مغصوب أو مسروق إن لم يجد غيره؛ للتلازم؛ حيث إن حقيقة الطهارة هي: جريان الماء على البدن أو الأعضاء، وهذا قد كمل، فيلزم صحتها وليس في ذلك معصية، إن لم يجد غيره، أما إن وجد غيره: فلا تصح الطهارة بها كما سيأتي فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس؛ إذ قد لا يوجد إلا هذه الأواني المحرمة المحفوظ فيها الماء، ولم يتوفر فيه شرط التيمم. [فرع]: إن وُجد عند الشخص غير تلك الأواني المغصوبة والمسروقة: فلا تصح الطهارة بتلك المغصوبة والمسروقة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا تصح الصلاة في الدار المغصوبة إن وجد عنده غيرها، فكذلك لا تصح الطهارة في الأواني المغصوبة والمسروقة، والجامع حماية حقوق المسلمين من أخذها ظلمًا في كل، وهذا هو المقصد منه.
[ ١ / ٦٦ ]
فضة) لا ذهب (لحاجة) وهي: أن يتعلق بها غرض غير الزينة، فلا بأس بها؛ لما روى البخاري عن أنس ﵁: "أن قدح النبي ﷺ انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة"، وعلم منه: أن المضبَّب بذهب حرام مطلقًا، وكذا: المضبَّب بفضة لغير حاجة، أو بضبَّة كبيرة عرفًا ولو لحاجة؛ لحديث ابن عمر: "من شرب في إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك: فإنما يُجرجر في بطنه نار جهنم" رواه الدارقطني (^٦) (وتكره مباشرتها) أي: الضبَّة المباحة (لغير حاجة)؛ لأن فيه
(^٦) مسألة: يُحرَّم استعمال الإناء المضبَّبب بالذهب: سواء كان هذا التضبيب قليلًا أو كثيرًا، وسواء كان الحاجة أو لغير حاجة، ويحرم أيضًا استعمال الإناء المضبَّبب بالفضة إذا كان هذا كثيرًا لحاجة أو لغير حاجة، وكذا إن كان يسيرًا لغير حاجة، أما إن كان التضبيب بالفضة يسيرًا لحاجة -كأن لا يوجد إلا هذه القطعة من الفضة لسد هذا الصدع في الإناء دون نيته التزين بذلك-: فإن هذا يُباح؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد انكسر قدح له فاتخذ مكان الشعب سلسلة من الفضة" -كما روى ذلك أنس- وظاهره: أن ذلك كان يسيرًا، وكان الحاجة؛ لأنه يلزم من لفظ "الشعب" كونه قليلًا أو يسيرًا؛ لأن المراد: الخيط الصغير، ويلزم من فعله ذلك: أنه كان لحاجة؛ لأن الفضة هي التي تقوى على جبر الكسر بدقة، بخلاف الحديد، ودل مفهوم الحال من هذا: على عدم جواز غير ذلك من التضبيب بالذهب مطلقًا، أو بالفضة الكثيرة، أو اليسيرة بغير حاجة، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه يُحرم استعمال الإناء خالص الذهب والفضة فكذلك يُحرم الإناء المضبَّبب بهما، والجامع: الإسراف، وكسر قلوب الفقراء، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح التضبيب القليل من الفضة لحاجة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التضبيب بقليل الفضة أكثر جودة، وأمنع من الكسر مرة ثانية من الحديد تنبيه القليل والكثير من التضبيب =
[ ١ / ٦٧ ]
استعمالًا للفضة، فإن احتاج إلى مباشرتها كتدفق الماء ونحو ذلك: لم يُكره (^٧) (وتباح آنية الكفار) إن لم تُعلم نجاستها (ولو لم تحل ذبائحهم) كالمجوس؛ "لأنه ﷺ توضأ من مزادة مشركة" متفق عليه (و) تُباح (ثيابهم) أي: ثياب الكفار، ولو وَلِيت عوراتهم كالسراويل: (إن جُهل حالها) ولم نعلم نجاستها؛ لأن الأصل: الطهارة، فلا تزول بالشك، وكذا ما صبغوه أو نسجوه، وآنية من لابس النجاسة كثيرًا كمدمن الخمر، وثيابهم، وبدن الكافر طاهر، وكذا طعامه وماؤه (^٨)، لكن تكره الصلاة في ثياب المرضع،
= يُحدَّدان بعرف المتوسطين من عقلاء الناس، لا المتشدِّدين، ولا المتساهلين، تنبيه آخر: استدلاله بحديث ابن عمر: لا يصح: لأن فيه زيادة: "أو إناء فيه شيء من ذلك" وهذه الزيادة لم ترد في رواية ابن عمر عند البخاري وغيره من أئمة الحديث؛ وإنما وردت عند الدارقطني وقد ضعَّفها أئمة الحديث؛ لأن في إسناده يحيى بن محمد الجاري وهو مضعَّف.
(^٧) مسألة: إذا وضع ضُبة يسيرة من فضة لحاجة: فإنه يُكره أن يأكل أو يشرب من جهتها إلا لحاجة -بأن تكون جميع الجهات حارة إلا جهة الضبُة، أو أن يكون تدفق الماء من جهتها- فإن هذا لا يكره؛ للتلازم؛ حيث يلزم من مباشرة الضبة اليسيرة بلا حاجة: أن يكون قد باشر استعمال الفضة الخالصة، وهذا فيه نوع من ارتكاب منهي عنه -حيث إنه ﷺ قد نهى عن الأكل والشرب من آنية الفضة- وإنما حمل على الكراهة؛ لأن الإناء ليس كله فضة، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه أبيح لحاجة؛ مراعاة لأحوال الناس، وكره لغير حاجة احتياطًا للدِّين.
(^٨) مسألة: يُباح استعمال أواني الكفار للطهارة ولغيرها، واستعمال ثيابهم الخارجية والداخلية، التي نسجوها أو صبغوها أو لبسوها للصلاة وغيرها، =
[ ١ / ٦٨ ]
والحائض والصبي ونحوهم (^٩) (ولا يطهر جلد ميتة بدباغ) روي
= وكذا أبدانهم وبشرتهم طاهرة، وطعامهم، وشرابهم، وسؤرهم، وكذا: أواني المسلم الذي من عادته ملامسة النجاسات كالجزَّارين، والدبَّاغين ونحوهم، وثيابهم؛ ولكن هذا بشرط: عدم العلم بنجاستها؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في الثياب، والأواني، والأبدان الطهارة، فنستصحب ذلك ونعمل به، حتى يرد دليل يمنع من ذلك ولم يوجد، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو مُنع المسلمون من استعمال أو ملامسة الكفار أو غيرهم ومن استعمال أوانيهم: لَلَحِقهم الضيق والحرج؛ لكثرة معايشة المسلمين مع الكفار، ومجاورتهم لهم واختلاطهم بهم، تنبيه: الحديث الذي ذكره "أنه ﵇ توضأ من مزادة كافرة" لم يرد بهذا اللفظ، بل ورد بلفظ: "أنه استعمل مزادة مشركة" وهو المخرَّج عند البخاري ومسلم، والاستعمال قد يكون في الطهارة، وفي غيرها، وإنما الذي توضأ من جرة نصرانية هو عمر كما أورده الشافعي في "الأم" (١/ ٧) وهو مؤيد للاستصحاب.
(^٩) مسألة: تصح الصلاة في ثياب المرضع والحائض والنفساء والصبي ونحوهم مع الكراهة؛ للتلازم؛ حيث إن كثرة ملامستهن للنجاسات التي تُسببها الرضاعة للأطفال، والحيض، والنفاس، وعدم تطهر الصبي من نجاساته عادة، يلزم منه احتمال وجود نجاسات فيها، ونظرًا لهذا الاحتمال: كُره، لكن لو علمنا وجود نجاسة أو غلب على ظننا ذلك فلا تصح الصلاة فيها، فإن قلتَ: إنه ﷺ كان يثب عليه الحسن والحسين وأمامة بنت أبي العاص وهو يصلي، وهذا يلزم منه: عدم كراهة ذلك؛ لأنه ﷺ لا يفعل المكروه، قلتُ: يحتمل أنه كان يغلب على ظنه عدم نجاسة ثيابهم، وهو لم يلبس ثيابهم، ويحتمل إنه قد أعاد صلاته الفرض فيما بعد، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل: بطل به الاستدلال، فإن =
[ ١ / ٦٩ ]
عن عمر وابنه وعائشة وعمران بن حصين ﵃ (^١٠)، وكذا: لا يطهر
= قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في تطرق الاحتمال إلى فعله ﷺ": فعندنا يتطرق، وعندهم: لا يتطرق.
(^١٠) مسألة: الإناء المصنوع من جلد حيوان مأكول مات: يجوز استعماله في الطهارة وغيرها بشرط: أن يُدبغ -والدبغ: تنظيف ونزع الفضلات العالقة بالجلد من النجاسات -كما قال القرافي في "الذخيرة" (١/ ١٦٦)،- للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" والإهاب: هو الجلد، وهذا عام؛ حيث إن "أي" الشرطية من صيغ العموم، ويكون المراد: أيُّ جلد نجس بالموت فإن الدباغة تطهره، وهذا هو لازمه؛ إذ لا يُقال ذلك إلا فيما لحقه التنجيس، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس، لأن بعض الحيوانات تموت فجأة، فلو مُنع من الانتفاع بجلودها بعد دبغها: للحق بعضهم الضيق والمشقة، فإن قلتَ: إن جلد الميتة من الحيوان لا يطهر سواء دُبغ أو لا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ حيث إنه حرم الانتفاع بأي جزء من أجزاء الميتة؛ لأن لفظ "الميتة" مفرد محلى بأل وهو من صيغ العموم والجلد جزء منها، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" -كما رواه عبد الله بن عكيم، وهو واضح الدلالة، الثالثة: "قول الصحابي؛ حيث ثبت عن عمر وابنه وعائشة: أنهم كانوا يقولون بعدم طهارته، قلتُ: أما الآية فهي عامة، وقد خُصِّصت بالسنة القولية التي ذكرنا -وهي: "أيما إهاب .. "-، أما حديث عبد الله بن عكيم: فهو ضعيف كما قال كثير من أئمة الحديث، وعلى فرض صحته: فإنه يحمل على الجلد قبل الدبغ؛ لأن "إهاب" يشمل الجلد قبل وبعد الدباغة، أما قول الصحابي: فلا يُحتج به؛ لأنه عارض السنة القولية -وهي: "أيما إهاب دبغ فقد طهر"- تنبيه: جلد الحيوان المأكول المذكى يجوز استعماله؛ للإجماع، =
[ ١ / ٧٠ ]
جلد غير مأكول بذكاة كلحمه (^١١) (ويباح استعماله) أي: استعمال الجلد (بعد الدبغ) بطاهر منشِّف للخبث قال في الرعاية "ولا بد فيه من زوال الرائحة الخبيثة"، (^١٢) وجَعْلُ المصران والكرش
= فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الآية وحديث بن عكيم مخصصان بحديث "أيما إهاب دبغ .. " أو لا؟ "، فعندنا مخصَّصان به، وعندهم: لا. و"هل حديث ابن عكيم ضعيف أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: صحيح.
(^١١) مسألة: لا يطهر جلد أي حيوان غير مأكول اللحم -كالكلب والخنزير والذئب والأسد والنمر والفهد وجميع السباع -سواء ذُكيَّ أو لا، دبغ أو لا، ولا يجوز بيعه، للقياس؛ بيانه كما أن لحوم هذه الحيوانات نجسة نجاسة ذاتية فلا تطهر ولا تباع، فكذلك جلودها، والجامع: النجاسة الذاتية في كل، فإن قلتَ: لِمَ لا يطهر ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ما كانت نجاسته نجاسة ذاتية مضر استعماله بالإنسان ضررًا بالغًا، فإن قلتَ: لِمَ كان جلد الميت من مأكول اللحم يطهر بالدبغ مع نجاسته بالموت وهذا لا يطهر بالدَّبغ؟ قلتُ لأن جلد مأكول اللحم طرأت عليه النجاسة بالموت والشيء الطارئ يُذهبه الدبغ، بخلاف غير مأكول اللحم فنجاسة جلده نجاسة ذاتية، فلا يطهر ولو غسل ودبغ آلاف المرات.
(^١٢) مسألة: يُشترط في الذي يُدبغ به الجلد: أن يكون طاهرًا، منقيًا، منشِّفًا للنجس، مزيلًا للرائحة الكريهة، والذي يفعل ذلك عادة الشَّبُّ، والصابون والقرض ونحوها من المنظفات؛ للقياس، بيانه: كما أنه يُشترط في الأحجار المستجمر بها ذلك، فكذلك يشترط في الذي يُدبغ به، والجامع التطهير في كلٍ وإزالة القاذورات، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يقي المستعمل لهذا الجلد شرَّ الأمراض.
[ ١ / ٧١ ]
وترًا دباغ (^١٣)، ولا يحصل بتشميس ولا تتريب (^١٤)، ولا يفتقر إلى فعل آدمي، فلو وقع في مدبغة فاندبغ: جاز استعماله (^١٥) (في يابس) لا مائع ولو وسع قلتين من الماء، إذا كان الجلد (من حيوان طاهر في الحياة) مأكولًا كان كالشاة، أو لا كالهِّر، أما جلود السباع كالذئب ونحوه مما خلقته أكبر من الهِّر، ولا يؤكل: فلا يباح دبغه، ولا استعماله قبل الدبغ ولا بعده، ولا
(^١٣) مسألة: إذا جُعِلت مصران الحيوان أو كرشه أوتارًا للقوس الذي يُرمى به: فهذا بمثابة دباغ له، يجوز لمسه بدون حائل؛ للتلازم؛ حيث إن تقطيعه إلى أوتار، وحبال يلزم منه إزالة ما فيه من النجاسات.
(^١٤) مسألة: لا يحصل الدباغ بجعل الجلد في الشمس، أو دلكه بالتراب، بل لا بد من التأكد من فعل الأمور فعل الأمور الأربعة -المذكورة في مسألة (١٢) -؛ للتلازم؛ حيث إن اشتراط الطهارة والتنقية، والتنشيف والإزالة في الدبغ يلزم منه عدم حصول الدبغ بدونها، والتشميس والتتريب لا يُحصِّلان ذلك، فيلزم عدم حصول الدبغ الشرعي، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المسلم من أن يستعمل شيئًا لم يتنق من النجاسات فتتأثر صحته بسببه.
(^١٥) مسألة: لا يُشترط في الدبغ: الفعل، فلو وقع الجلد في مدبغة تُنقِّي، وتُنشِّف وتُزيل النجاسات: فإن ذلك الجلد يطهر، ولو لم يفعل به الشخص شيئًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الأرض النجسة ببول أو غيره تطهر بمجرد صبِّ الماء عليها بدون فعل، فكذلك الجلد إذا وضع في مدبغة معدَّة لذلك يطهر، والجامع: حصول التطهير في كل، فإن قلتَ: لِمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على المسلمين.
[ ١ / ٧٢ ]
يصح بيعه، (^١٦) ويباح استعمال منخل من شعر نجس في يابس (^١٧) (ولبنُها) أي:
(^١٦) مسألة: لا يشترط في إباحة استعمال جلد الميتة بعد الدبغ: أن يستعمل في الأشياء اليابسة، بل يُستعمل في جميع الأشياء سواء كانت يابسة أو رطبة إذا كان جلد حيوان طاهر مأكول اللحم، أو كانت خِلْقَته كالهر فأقل مما لا يؤكل لحمه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" وهذا عام للاستعمال في الأشياء اليابسة والرطبة، حيث لم يُخصص فيم يُستعمل له؟ وهو عام لجلد الميتة المدبوغ والمذكاة؛ لأن "أي" من صيغ العموم، فإن قلتَ: يُشترط أن يُستعمل هذا الجلد للميتة المدبوغ في الأشياء اليابسة فقط، وبناء عليه: لا يوضع فيه ماء أو أي شيء مائع ولو كان كثيرًا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أن روث الحمار إذا لاقى ماء: فإنه ينجسه، فكذلك جلد الميتة المدبوغ إذا لاقى ماء يُنجِّسه، والجامع: أن كلًا منهما نجس لاقى طاهرًا: فنجَّسه، قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن جلد الميتة قد طهر بالدبغ -كما لزم من الحديث السابق- فيكون طاهرًا قد لا فى ماء طاهرًا فمن أين تأتيه النجاسة؟! بخلاف روث الحمار؛ حيث إنه نجس نجاسة ذاتية، لا يمكن تطهيره، فلو كان لاقي ماء طهورًا: لنجسه، لكونه نجسًا قد لاقى طاهرًا، ومع الفرق: لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة" فعندنا: يعمل بعموم السنة، ولا يقوى القياس على تخصيصه، وعندهم: القياس قد قوي على تخصيص العام باليابس فقط، تنبيه: قوله: "أما جلود السباع" إلى قوله: "ولا يصح بيعه" قد سبق بيانه في مسألة (١١).
(^١٧) مسألة: يباح استعمال منخل -وهو ما تُنخل به الحبوب وتُصفَّى به- قد وضع فيه شعر نجس، كشعر ميتة، أو كلب، بشرط: أن يكون هذا الحب المنخول يابسًا؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز ركوب الحمار نجاسته، فكذلك يجوز نخل الحب اليابس بمنخل فيه شعر نجس، والجامع: عدم تعدِّي النجاسة في =
[ ١ / ٧٣ ]
لبن الميتة (وكل أجزائها) كقرنها، وظفرها، وعصبها، وعظمها، وحافرها، وأنفحتها، وجلدتها (نجسة) فلا يصح بيعها (غير شعر ونحوه) كصوف، ووبر، وريش من طاهر في الحياة، فلا ينجس بموت، فيجوز استعماله (^١٨) ولا ينجس باطن بيضة مأكول صَلُّبَ قشرها بموت
= كل، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة وهي: التيسير على الناس وعدم وجود محذور.
(^١٨) مسألة: إذا مات حيوان مأكول طاهر في الحياة: فينتفع بجلده بعد دبغه -كما سبق- وبشعره وصوفه في كل شيء، أما غير الجلد والشعر: فلا يجوز الانتفاع به، ولا بيعه ولا غير ذلك -كلبن الميتة وعظامها، وأظفارها، وحوافرها، ورأسها، ويدها، ورجلها، وأنفحتها -وهو: شيء أصفر يخرج بعد الولادة يشبه اللبن-؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وهذا التحريم عام لجميع أجزاء الميتة؛ لأن "الميتة" مفرد محلَّى بال وهو من صيغ العموم، ثانيهما: قوله: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ حيث إن هذه الآية خصَّصت الآية الأولى فاستثنت الشعر من أجزاء الميتة، فأحلَّته، وهي عامة في كون الشعر مباحًا من غير فرق بين شعر المذكى والميت؛ لأن لفظ "وأشعارها … " جمع منكر مضاف إلى معرفة، وهو الضمير وهذا من صيغ العموم، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" حيث إن هذا قد خصَّص الآية الأولى، فأخرج الجلد من التحريم -وقد سبق- الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن اللبن لو وضع في وعاء نجس لتنجس بذلك فكذلك لبن الميتة يكون نجسًا، والجامع وجود مائع في وعاء نجس، فإن قلتَ: لِمَ يُنتفع بالجلد والشعر فقط من الميتة دون بقية أجزائها؟ قلتُ: =
[ ١ / ٧٤ ]
الطائر (^١٩) (وما أُبين من) حيوان (حي فهو كميتته) طهارة ونجاسة: فما قُطع من السمك طاهر، وما قطع من بهيمة الأنعام ونحوها مع بقاء حياتها: نجس، (^٢٠) غير مسك وفأرته (^٢١)
= للمصلحة؛ حيث إن الناس ينتفعون بهما على المدى البعيد، فالجلود يصنعون منها أوعية للمياه، والأوبار، والأشعار يصنعون منهما بيوتهم وأفرشتهم كما أشارت إلى ذلك الآية.
(^١٩) مسألة: إذا مات مأكول وهو طائر أو لا، وفي بطنه بيضة: فإنها لا تنجس فيجوز أكلها بشرط: صلابة قشرها؛ للقياس، بيانه: كما أن ولد الميتة إذا خرج حيًا يكون طاهرًا، فكذلك البيضة هنا، والجامع: الانفصال في كل، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لا ضرر على أكلها؛ لصلابة قشرها؛ ولعموم منفعتها.
(^٢٠) مسألة: إذا قُطع من حيوان شيء وبقي هذا الحيوان حيًا فهو كميتته: فإن كانت ميتة هذا الحيوان نجسة كالميت من بهيمة الأنعام: فإن هذا المقطوع نجس لا يجوز أكله، ولا بيعه، أما إن كانت ميتة هذا الحيوان طاهرة تؤكل بدون ذكاة كالسمك والجراد: فإن هذا المقطوع طاهر يجوز أكله وبيعه؛ للسنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "ما قُطع من البهيمة وهي حية فهو كميتته" حيث بيَّن أن الجزء يتبع الكل في الحكم، ثانيهما: قوله: "أُحل لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان: فالجراد والسمك … " فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للحيوانات من قطع بعض أجزائها وهي حية؛ رحمة بها.
(^٢١) مسألة: إذا ظهر في الغزال كيس عند سرته فهو فأرته التي تحوي على المسك، فإذا أخذه المسلم فهو طاهر حلال سواء كان ذلك الغزال حيًا أو لا؛ =
[ ١ / ٧٥ ]
والطريدة، وتأتي في الصيد (^٢٢).
= للقياس، بيانه كما أن الولد إذا انفصل عن الوالدة يكون طاهرًا حلالًا، فكذلك هذا الكيس، والجامع: الانفصال بالطبع، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك طاهرًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه نفع المسلمين، بدون إلحاق ضرر على المأخوذ منه.
(^٢٢) مسألة: إذا طارد قوم صيدًا في صحراء -مثلًا- فرمى كل واحد منهم ذلك الصيد، فقطع كل واحد منهم جزءًا من ذلك الصيد غير الذي قطعه الآخر، حتى مات، فإن تلك القطع حلال طاهرة؛ للعرف، بدون أن يُنكره أحد من العلماء، قال الحسن البصري: "لا بأس بالطريدة؛ كان الناس يفعلون ذلك في مفازتهم" واستحسن ذلك أحمد.
هذه آخر مسائل باب "الآنية"، ويليه باب "الاستنجاء والاستجمار، ودخول الحمام وآداب قضاء الحاجة"
[ ١ / ٧٦ ]