وهو في اللغة: الإعلام قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: إعلام، وفي الشرع: إعلام بدخول وقت الصلاة، أو قربه لفجر بذكر مخصوص، (^١) (والإقامة) في الأصل مصدر "أقام" وفي الشرع: إعلام بالقيام إلى الصلاة بذكر مخصوص، (^٢) وفي الحديث: "المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم
باب الأذان والإقامة
وفيه ثلاث وأربعون مسألة:
(^١) مسألة: الأذان لغة: هو الإعلام والإخبار بأي شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ﴾ أي: إعلام وإخبار من الله ورسوله إلى الناس - كما في "اللسان" (١٣/ ٩) -، وهو في الاصطلاح: "إعلام الغائبين بذكر مخصوص بأن وقت الصلاة قد دخل، أو قرب دخوله لصلاة الفجر"، والمراد بـ "الذكر" هنا: كلمات الأذان - كما سيأتي بيانها -، وذكر عبارة: "أو قرب دخوله لصلاة الفجر" لأنه يجوز أن يؤذن للفجر قبل دخول وقته - كما سيأتي بيانه فإن قلت: لِمَ سُمي هذا الذكر بالأذان؟ قلتُ: لاشتقاقه من الأذان الحسِّية؛ لسماعه بها كما قاله الزَّجاج، فإن قلتَ: لِمَ ذكر باب الأذان هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه بعد تقرير حكم الصلاة ناسب أن يُذكر علامة بداية دخول وقتها لتُفعل فيه، وهذا أنسب من جعل الأذان بعد بيان أوقات الصلاة؛ كما فعل بعض الفقهاء؛ لأن علمنا بأول الوقت مقدَّم في المصلحة على علمنا بأوله وآخره.
(^٢) مسألة: الإقامة لغة: مصدر قام الذي هو ضد القعود والاضطجاع والسير - كما في "اللسان" (١٢/ ٤٩٧) - وهو في الاصطلاح: "إعلام الحاضرين بذكر مخصوص بأن تكبيرة الإحرام قد قرُبت" والمراد بـ "الذكر" كلمات الإقامة - كما سيأتي بينها - فإن قلتَ: لِمَ سُمي هذا الذكر بالإقامة؟ قلتُ: لاشتقاقه من القيام لأجل تكبيرة الإحرام مع الإمام، فيقوم الحاضرون لأداء الصلاة بسببها؛ =
[ ١ / ٣٢٧ ]
القيامة" رواه مسلم (^٣) (هما فرضا كفاية)؛ لحديث: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم" متفق عليه (على الرجال) الأحرار (المقيمين) في القرى والأمصار، لا على الرجل الواحد، ولا على النساء، ولا على العبيد، ولا على المسافرين (للصلوات) الخمس (المكتوبة) دون المنذورة، المؤدَّات دون المقضيات،
= لذا يقول المقيم: "قد قامت الصلاة" والمراد: قد استقام إيقاعها وآن الدخول فيها - كما قال القرافي في "الذخيرة" (٢/ ٤٣).
(^٣) مسألة: الأذان أفضل من الإمامة؛ للسنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة" فيلزم من هذا الوصف للمؤذنين: أنهم أكثر عملًا وثوابًا من الأئمة؛ لأن "الناس" اسم جنس معرف بأل وهو من صيغ العموم، والأئمة من الناس، ثانيهما: قوله ﷺ: "اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين" فيلزم من هذا: أن المؤذن أفضل من الإمام؛ لأن المغفرة عامة للإرشاد وغير، فإن قلتَ: لِمَ كان الأذان أفضل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الأذان فيه مشقة ترقُّب الوقت بدقة، وإعلان ذكر الله، وتنبيه الناس على دخول وقت صلاتهم: حيث إنه يترتب على ذلك صحة صلاتهم، وصحة إفطارهم في رمضان، والأجر على قدر المشقة، فإن قلتَ: لو كان الأذان أفضل لتولاه النبي ﷺ وخلفاؤه من بعده؟ قلتُ: إن تركهم للأذان لا يدل على عدم أفضليته، ومنَعَهَم منه انشغالُهم بالإمامة التي هي وظيفة الإمام الأعظم، ولا يمكن الجمع بين الأذان والإمامة؛ نظرًا لمشقة ترقب الوقت، والانشغال بأمور المسلمين لذا: قال عمر: "لولا الخلافة لأذنت".
[فرع]: الأذان أفضل من الإقامة؛ للقياس الأولى، بيانه: كما أن الأذان أفضل من الإمامة فإنه يكون أفضل من الإقامة من باب أولى؛ لأن الأذان أشق من الإمامة، والإمامة أشقُّ من الإقامة، فتكون الإقامة أدناها مشقَّة، وعليه: فتكون الإمامة أفضل من الإقامة.
[ ١ / ٣٢٨ ]
والجمعة من الخمس، ويُسنَّان لمنفرد، وسفرًا، ولمقضية (يُقاتل أهل بلد تركوهما) أي: الأذان والإقامة، فيُقاتلهم الإمام أو نائبه؛ لأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة، (^٤)
(^٤) مسألة: الأذان والإقامة سُنَّة مؤكدة للجماعة من الرجال الأحرار المقيمين في البلد للصلوات المفروضة المؤدَّاة في أوقاتها، وإذا تركها هؤلاء: فإن الإمام يؤدِّبهم بما يراه مناسبًا دون أن يقاتلهم، ويُستحبَّان لرجل منفرد، ولمسافر، ولصلاة مقضية أو منذورة بشرط ألا يكون حولهم أحد يُشوش عليه، لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ: "لو يعلم الناس ما في الأذان والصف الأول لاستهموا عليهما" ويلزم من ذلك: أن الأذان مستحب، وإذا كان الأذان كذلك: فمن باب أولى أن تكون الإقامة مثله، ثانيها: أنه ﷺ لما بيَّن للأعرابي أن الواجب عليه خمس صلوات لم يأمره بالأذان والإقامة، وهذا يلزم منه: عدم وجوبهما؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ثالثها: قوله ﷺ لمالك بن الحويرث ورجل معه -: "فليؤذن لكما أحدكما" ويلزم منه: أن الأذان يشرع للجماعة وصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب الحديثان السابقان، والاثنان جماعة في الصلاة، لقوله ﷺ: "الاثنان فما فوقهما جماعة"، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر قال: "النساء لا أذان لهن ولا إقامة"، الثالثة: الاستقراء؛ حيث إنه ثبت من استقراء عصر النبي ﷺ والصحابة: أنه لا يؤذن ولا يُقام إلا للصلاة المفروضة المودَّاة في وقتها، الرابعة: التلازم؛ حيث يلزم من كون الأذان والإقامة مستحبَّين: عدم جواز مقاتلة من تركهما من أهل البلد، بل يؤدَّبون؛ لأن المستحب لا يُعاقب على تركه، فإن قلتَ: لِمَ كانا مستحبَّين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن فيهما إعلام بدخول الوقت؛ وإعلام بقرب تكبيرة الإحرام، وهما يُعتبران من شعائر الإسلام الظاهرة، فإن قلت: لِمَ اسْتُحَّبا لمنفرد، ومسافر ولصلاة مقضية ومنذورة بشرط: عدم وجود أحد؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا لو أذن لشخصه: لربما توهم =
[ ١ / ٣٢٩ ]
وإذا قام بهما من يحصل به الإعلام غالبًا: أجزأ عن الكل وإن كان واحدًا، وإلا: زيْدَ بقدر الحاجة: كل واحد في جانب، أو دفعة واحدة بمكان واحد، ويُقيم
= آخرون بأن صلاتهم قد دخل، وهذا يخلط عليهم أوقاتهم، وإن لم يوجد حولهم أحد فيُستحب لهم؛ لأنهم قاموا بشعيرة من شعائر الإسلام، فإن قلتَ: لِمَ شرع الأذان والإقامة للرجال دون النساء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الأذان يُشرع فيه رفع الصوت - كما سيأتي - وصوت المرأة عورة، فإن قلتَ: لِمَ شرع الأذان والإقامة للأحرار، دون العبيد؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن العبيد مشغولون عادة بخدمة أسيادهم فلو قاموا بهذه الشعيرة لفقد هؤلاء الأسياد تلك الخدمة أو نقصت وشق عليهم ذلك، فإن قلتَ: لِمَ شرع الأذان للصلوات المكتوبة المؤدَّاة في وقتها دون النوافل، والجنازة، والمقضية والمنذورة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الصلوات المكتوبة هي التي لها وقت مُحدَّد شرعًا فيؤذن لها إعلامًا للناس بأن وقتها قد دخل، لمشروعية الجماعة لها، بخلاف غيرها فلا وقت لها عام، فإن قلتَ: الأذان والإقامة فرضا كفاية: إذا قام بهما من يكفي سقط عن الجميع، ويُقاتل الإمام أهل بلد تركوهما وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لمالك بن الحويرث وآخر معه: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكما أحدكما" حيث أوجب الأذان؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وقوله: "أحدكما" دليل على أن هذا واجب كفائي: فإذا قام بهما أحدهما: سقط عن الآخر، والإقامة مثل الأذان في هذا، قلتُ: إن حديث: "لو يعلم الناس … " وحديث الأعرابي - السابق ذكرهما - قد صرفا الأمر الوارد في حديث مالك من الوجوب إلى الاستحباب، كما سبق بيانه والإقامة مثل ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض حديث مالك مع حديث الأعرابي، وحديث: "لو يعلم الناس ما في الأذان … "" فعندنا: الحديثان قد صرفا الأمر الوارد في حديث مالك من الوجوب إلى الندب، وعندهم: لم يقويا على صرفه، بل بقي على إطلاقه المقتضي للوجوب.
[ ١ / ٣٣٠ ]
أحدهم، وإن تشاحُوا: أقرع، (^٥) وتصح الصلاة بدونهما لكن يُكره (^٦) (وتحرم أجرتهما) أي: يحرم أخذ الأجرة على الأذان والإقامة؛ لأنهما قربة لفاعلهما (لا) أخذ (رزق من بيت المال) من مال الفيء؛ (لعدم متطوع) بالأذان والإقامة فلا يحرم كأرزاق القضاة والغزاة (^٧) (و) سُنِّ أن (يكون المؤذن صيِّتًا) أي: رفيع الصوت؛
(^٥) مسألة: يكفي مؤذن واحد لبلد واحد في الغالب، يُعلمهم بدخول وقت الصلاة، وإن لم يحصل الإعلام بواحد: فإنه يزاد ثاني، ويكون كل واحد في جانب من البلد، ويُقيم واحد منهما، فإن تنازعا في الإقامة: فإنه يُقرع بينهما، فإذا خرجت القرعة على أحدهما: فهو الذي يُقيم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ يُقرع بين نسائه أيهنَّ تخرج معه"، فيدل على مشروعية القرعة في الأحكام، الثانية: المصلحة؛ حيث إن المقصود هو: إعلام الآخرين بدخول وقت الصلاة وبقرب تكبيرة الإحرام فإذا تحققت هذه المصلحة بواحد أجزأ.
(^٦) مسألة: تصح الصلاة بدون أذان ولا إقامة بدون كراهة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونهما مستحبين أن تصح بدونهما بدون كراهة؛ لأن المستحب لا كراهة في تركه، فإن قلتَ: إن الصلاة تصح مع الكراهة بدونهما وهو ما ذكره المصنف هنا؟ قلتُ: لم أجد دليلًا صحيحًا على ذلك.
(^٧) مسألة: يحرم على الشخص: أن يأخذ أجرة معينة على الأذان والإقامة بأن يعقد عقدًا ملزمًا بأن لا يؤذن ولا يقيم إلا بالأجرة الفلانية، ولكن إذا لم يوجد متطوع يفعلهما: فيجوز لشخص أن يأخذ الرزق - وهو: العطاء والمكافأة - من بيت المال من سهم الفيء - وهو: السهم الذي الله ورسوله؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ لعثمان بن أبي العاص: "واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا" حيث حرم أخذ الأجرة على ذلك؛ لأن النفي هنا بمنزلة النهي، وهو مطلق، فيقتضي التحريم، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الغزاة =
[ ١ / ٣٣١ ]
لأنه أبلغ في الإعلام، زاد في "المغني" وغيره: وأن يكون حسن الصوت، لأنه أرق لسامعه (^٨) (أمينًا) أي: عدلًا؛ لأنه مؤتمن يُرجع إليه في الصلاة وغيرها (عالمًا بالوقت)؛ ليتحراه فيؤذن في أوله (^٩) (فإن تشاح فيه اثنان) فأكثر: (قُدِّم أفضلهما فيه) أي: فيما ذكر من الخصال (ثم) إن استووا فيها: (قُدِّم أفضلهما في دينه وعقله)؛ لحديث: "ليؤذن لكم خياركم" رواه أبو داود وغيره (ثم) إن تساووا: قُدِّم (من يختاره) أكثر (الجيران)؛ لأن الأذان لإعلامهم (ثم) إن استووا في الكل
= والقضاة يأخذون الأرزاق والعطاءات، والمكافآت على هذه الأعمال من بيت المال فكذلك المؤذن والمقيم والجامع: القيام بمصالح المسلمين في كل، فإن قلتَ: لِمَ حُرم أخذ الأجرة هنا؟ قلتُ: لأنهما قربة لفاعلهما، والقرب عبادات، ولا يجوز أخذ الأجرة على العبادات، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح له أخذ الرزق؟ قلتُ: لإغنائه عن كسب العيش، وعن سؤال الناس فينشغل عن ترقُّب الوقت.
(^٨) مسألة: يُستحب للمؤذن أن يكون صوته رفيعًا حسنًا مؤثرًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ لعبد الله بن زيد: "ألقه على بلال؛ فإنه أندى منك صوتًا" أي: أرفع وأحسن صوتًا، الثانية: المصلحة؛ حيث إن المقصود هو: إعلام الغائبين بدخول وقت الصلاة، ولا يحصل ذلك بالكمال إلا بهذه الصفة.
(^٩) مسألة: يُشترط في المؤذن: أن يكون عالمًا بأوقات الصلوات، وأن يكون أمينًا وعدلًا؛ لقاعدة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" فلا يمكن معرفة دخول وقت الصلاة - الواجب معرفته - إلا إذا كان المؤذن عالمًا بذلك الوقت أمينًا عدلًا يثق الناس به ويرجعون إليه: فوجب اشتراط ذلك فيه، فإن قلتَ: إن هذا مستحب، ولا يجب، وهو ما ذكره المصنف هنا، قلتُ: لا يُسلِّم ذلك؛ لأن المستحب يجوز تركه مطلقًا ومعرفة دخول الوقت، والأمانة لا يجوز تركهما؛ لكونهما يؤثران على أعمال الناس.
[ ١ / ٣٣٢ ]
فـ (قرعة) فأيهم خرجت له القرعة: قُدِّم (^١٠) (وهو) أي: الأذان المختار (خمس عشرة جملة)؛ لأنه أذان بلال ﵁، (^١١) من غير ترجيع الشهادتين، فإن
(^١٠) مسألة: إذا تنازع اثنان كل واحد منهما يريد أن يكون مؤذنًا: فإننا نُقدِّم الأفضل منهما في معرفة الأوقات، والأمانة، ورفعة الصوت وحسنه، فإن كانا سواء في ذلك: فإنا نُقدِّم الأفضل منهما في الدِّين والعقل، فإن تساويا في ذلك: فإنا نُقدِّم من يختاره أكثر جيران المسجد، فإن اختاروهما معًا: فإنا نختار أحدهما بواسطة القرعة - وهي: السهمة نصبها الشارع مُعينة للمستحق قاطعة للنزاع - فأيُّهما خرجت له القرعة: كان هو المؤذن؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "يؤذن لكم خياركم" ولا شك أن من اتصف بتلك الصفات يوصف بأنه خيار الناس، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ إذا أراد أن يسافر أقرع بين نسائه فأيتهنَّ خرج سهمها خرجت معه، ويسقط الحق عن البواقي، فتكون مشروعة، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن العقل السليم العارف بما يجلب المصالح، وما يدفع المفاسد يؤيد تلك المراتب، ويجعل الجيران يختارون مؤذنهم؛ لأن منصب الأذان منصب عمل في أهم العبادات، فلا بدَّ من أخذ الاحتياطات والاحترازات في عملية الاختيار، فإذا لم نجد شيئًا نتمسك به من الصفات لتقديم أحدهما: اضطررنا إلى استعمال القرعة المشروعة؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر، فإن قلتَ: لم يقبل أكثر الجيران، دون اشتراط جميعهم؟ قلتُ: لأن العمل بالأكثر والأغلب واجب، ولاستحالة الإجماع.
(^١١) مسألة: جمل الأذان المشروعة: خمس عشرة جملة وهي: "الله أكبر" أربع مرات و"أشهد أن لا إله إلا الله" مرتين، و"أشهد أن محمدًا رسول الله" مرتين، و"حي على الصلاة" مرتين، و"حي على الفلاح" مرتين، و"الله أكبر" مرتين، و"لا إله إلا الله" مرة؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن بلالًا كان يؤذن للنبي ﷺ هكذا حضرًا وسفرًا، ولم ينكره ولم يُبين خلافه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، =
[ ١ / ٣٣٣ ]
رجَّعهما: فلا بأس (^١٢) (ويُرتِّلُها) أي: يُستحب أن يتمهل في ألفاظ الأذان، ويقف على كل جملة، (^١٣) وأن يكون قائمًا (على علو) كالمنارة؛ لأنه
= واستمر على ذلك بلال حتى توفى ﷺ كما قال أحمد، وكان عليه عمل أهل المدينة كما قال مالك، فإن قلتَ: لِمَ شرع الأذان بهذه الصورة؟ قلتُ: لتأكيد عقيدة المسلم والإيمان؛ حيث إنه تضمن الإقرار بالكمال لله، وإثبات وحدانيته، ورسالة نبيه ﷺ ثم بين أن الفلاح في الدارين يكمن في الصلاة - كما ذكره القرطبي في "المفهم" (٢/ ٧٥٢).
(^١٢) مسألة: يُستحب ترجيع المؤذن الشهادتين بأن يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله" خافضًا بهما صوته ويُسمع بهما القريب منه، ثم يُعيدهما رافعًا بهما صوته، ليُسمع من حول المسجد - وهكذا جميع جمل الأذان ويُستحب عدم الترجيع؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن أبا محذورة كان يُرجِّع إذا أذن للنبي ﷺ، وكان بلال لا يُرجِّع، ولم يرد عنه ﷺ أنه أنكر على أحدهما ذلك، فيلزم استحبابهما معًا، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا يُقدَّر على حسب حال المؤذن، فإن قلتَ: إن الترجيع مباح وليس بمستحب، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ قلتُ: لم أجد دليلًا قد رجَّح الترجيع أو عدمه، وعدم الدليل دليل على عدم الحكم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "عدم إنكار النبي ﷺ هل يدل على الاستحباب أو على الإباحة؟ " فعندنا: يدل على الاستحباب؛ إذ لا يُقر إلا على فعل طاعة، وعندهم: يدل على الإباحة، فإن قلتَ: لِمَ سمي ذلك بالترجيع؟ قلتُ: لأنه يُرجِّع من السِّرَّية بهما إلى العلن.
(^١٣) مسألة: يُستحب أن يُرتل المؤذن جمل الأذان، ويترسل ويتمهل بها، بحيث يُفهم غيره، من غير تمطيط، ولا مدَّ مفرط، فيقف بعد كل جملة وقفة يسيرة بقدر ما يأخذ نفسه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أذنت فترسَّل" وصرف =
[ ١ / ٣٣٤ ]
أبلغ في الإعلام، (^١٤) وأن يكون (مُتطهرًا) من الحدث الأصغر والأكبر، ويُكره أذان جُنُب وإقامة مُحدث، وفي "الرعاية": يُسنُ أن يؤذن مُتطهرًا من نجاسة بدنه وثوبه (^١٥) (مستقبل القبلة)؛ لأنها أشرف الجهات (^١٦) (جاعلًا إصبعيه) السَّبَّابتين (في
= هذا الأمر إلى الاستحباب الإجماع: حيث أجمع العلماء على جواز قرن جملتين من جمل الأذان، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أبلغ في إعلام الغائبين والبعيدين عن المسجد.
(^١٤) مسألة: يُستحب أن يكون - أثناء أذانه - قائمًا على موضع مرتفع؛ للسنة التقريرية؛ حيث كان بلال يفعل ذلك، ولم يُنكر عليه النبي ﷺ ذلك، فإن قلت: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أبلغ في الإعلام وإيصال الصوت إلى البعيدين عن المسجد.
(^١٥) مسألة: يُستحب أن يكون - أثناء أذانه وإقامته - متطهرًا من الحدث الأصغر والأكبر، ومن النجس، فيُكره أذان أو إقامة شخص عليه جُنُب ولو أذن على غير طهارة: لصح؛ للمصلحة حيث إنه إذا كان على غير طهارة فلربما فاتته تكبيرة الإحرام مع الإمام أثناء ذهابه للتطهر وهذا يحرمه من كثير من الأجر، فإن قلتَ: لِمَ صح أذان وإقامة من غير المتطهر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة أحوال المؤذن والمقيم: فقد يُفاجئه دخول الوقت، فإن تطهر: لزم تأخير إعلام الناس بدخول الوقت، فلم يبق إلا أنه يؤذن ولو كان على غير طهارة فجاز.
(^١٦) مسألة: يُستحب أن يكون - أثناء أذانه وإقامته - مستقبلًا للقبلة؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن مؤذني النبي ﷺ كانوا يفعلون ذلك، وأقرهم ﵇، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: لأن المؤذن والمقيم يذكر أشرف الكلمات، فيُستحب أن يستقبل أشرف الجهات.
[ ١ / ٣٣٥ ]
أذنيه)؛ لأنه أرفع للصوت (^١٧) (غير مستدير) فلا يُزيل قدميه في منارة ولا غيرها (^١٨) (مُلتفتًا في الحيعلة يمينًا وشمالًا) أي: يُسنُّ: أن يلتفت يمينًا لـ "حي على الصلاة"، وشمالًا لـ "حي على الفلاح" (^١٩) ويرفع وجهه إلى السماء فيه كله؛ لأنه حقيقة التوحيد (^٢٠) (قائلًا بعدهما) أي: يُسنُّ أن يقول - بعد الحيعلتين - (في أذان الصبح)، ولو أذن قبل الفجر: (الصلاة خير من النوم مرتين)؛ لحديث أبي
(^١٧) مسألة: يُستحب أن يجعل - أثناء أذانه - طرفي إصبعيه السَّبَّابتين داخل أذنيه؛ للسنة التقريرية؛ حيث كان بلال يفعل ذلك، وأقره عليه ﷺ، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أرفع لصوته، وأقل إزعاجًا لنفسه، ولإعلام الآخرين الذين لا يسمعونه بأنه يقوم بالأذان؛ لأن هذه الحالة لا تكون عادة إلا للمؤذن.
(^١٨) مسألة: يُستحب أن لا يستدير أثناء أذانه: فلا يدور على نفسه، بأن يُحرك قدميه عن الأرض؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن بلالًا كان لا يفعل ذلك، وأقره عليه النبي ﷺ، فإن قلتَ: لِمَ اسْتُحب ذلك؟ قلتُ: لأنه يلزم من ذلك أن يستدبر القبلة أشرف الجهات.
(^١٩) مسألة: يُستحب أن يلتفت المؤذن عن يمينه قليلًا برأسه وعنقه فقط عند قوله: "حي على الصلاة"، وأن يلتفت عن يساره عند قوله: "حي على الفلاح" والمراد: هلموا وتعالوا إلى الصلاة التي هي خير مما أنتم فيه من دنيا؛ حيث إنها سبب الفلاح في الدارين؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن بلالًا كان يفعل ذلك، واقره ﵇، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إسماع لمن في الجهتين بهذا الخطاب الداعي لهم.
(^٢٠) مسألة: يُستحب أن يرفع المؤذن والمقيم وجهه إلى السماء قليلًا أثناء ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن جمل الأذان والإقامة مشتملة على التوحيد والعقيدة، فناسب رفع الوجه إلى من تخصُّه تلك الكلمات؛ إقرارًا بعلوه سبحانه.
[ ١ / ٣٣٦ ]
محذورة، رواه أحمد وغيره، ولأنه وقت ينام الناس فيه غالبًا، ويُكره في غير أذان الفجر، وبين الأذان والإقامة (^٢١) (وهي) أي: الإقامة (إحدى عشرة) جملة بلا تثنية، وتُباح تثنيتها (^٢٢) (يَحدُرُها) أي: يُسرع فيها، ويقف عند كُلِّ جملة كالأذان (^٢٣) (ويُقيم من أذن) استحبابًا، فلو سبق المؤذن بالأذان فأراد المؤذن أن
(^٢١) مسألة: يُستحب التثويب في أذان الفجر، وهو: أن يقول - بعد الحيعلتين: "الصلاة خير من النوم" مرَّتين ويُكره في غير ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث أمر ﷺ أبا محذورة بأن يقول ذلك في أذان الفجر، والذي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب: وقوع ذلك على سبيل الإرشاد، وهو مصلحة ويلزم منه: كراهة التثويب في غيره، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الناس في نوم عميق فيحتاجون من يُنبِّههم ببيان خيرية الصلاة، أما غيره: فلا يُشرع التثويب فيه؛ لأن ذلك في عبادة، والعبادات توقيفية.
(^٢٢) مسألة: جمل الإقامة المشروعة إحدى عشرة جملة وهي: "الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله" دون تثنية - غير ما تُني - وإن ثنَّى كل كلمة: فمباح؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن أبا محذورة كان يُثني الإقامة، وكان بلال يفردها - وهي المشهورة - وأقرَّهما ﵇، فإن قلتَ: لِمَ شُرعت الإقامة مفردة الكلمات بخلاف الأذان؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الإقامة للحاضرين في المسجد، فلا حاجة إلى تكرارها، بخلاف الأذان فالناس البعيدين بحاجة إلى تكرار كلماته.
(^٢٣) مسألة: يُستحب أن يحدر في الإقامة وهو: الإسراع بها مع توقف بعد كل جملة وقفة سريعة - كما جاء في "الصحاح" (٢/ ٦٢٥) -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أقمت فاحدر" وصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب: إجماع العلماء على جواز الترسل فيه، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك بخلاف =
[ ١ / ٣٣٧ ]
يقيم: فقال أحمد: لو أعاد الأذان كما صنع أبو محذورة، فإن أقام من غير إعادة: فلا بأس، قاله في "المبدع" (^٢٤) (في مكانه) أي: يُسنُّ أن يُقيم في مكان أذانه (إن سهل)؛ لأنه أبلغ في الإعلام، فإن شقَّ كأن أذن في منارة، أو مكان بعيد عن المسجد: أقام في المسجد؛ لئلا يفوته بعض الصلاة، (^٢٥) لكن لا يُقيم
= الأذان؟ قلتُ: لأن الإقامة قد شُرعت لإعلام الحاضرين في المسجد بأن تكبيرة الإحرام قد قَرُبت فليسوا بحاجة إلى الترسُّل والتمهُّل، بخلاف الغائبين البعيدين فهم بحاجة إلى التمهل بالأذان ولذا شُرع.
(^٢٤) مسألة: يُستحب أن يتولَّى الإقامة مَنْ تولَّى الأذان الأخير: فلو أذن زيد في مسجد لصلاة الظهر مثلًا، ثم أذن بكر: فإنه يقيم أحدهما، ولكن لو أراد زيد الإقامة: فالأفضل إعادة الأذان؛ حتى يكون الأخير؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يُستحب أن يتولى خطبتي الجمعة واحد فكذلك يُستحب أن يتولى الأذان والإقامة واحد، والجامع: أن كلًا منهما ذكر سابق للصلاة، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أحوط في عدم اضطراب الناس؛ نظرًا لتغيُّر الصوت عليهم.
(^٢٥) مسألة: يُستحب أن يقيم في المكان الذي أذن فيه إن تيسَّر ذلك بدون فوات شيء من الصلاة عليه، أما إن شق ذلك، أو خشي فوات بعض الصلاة: فإنه يُقيم داخل المسجد، للسنة التقريرية؛ حيث قال ابن عمر: "كنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاة" ويلزم من ذلك: أنهم سمعوا الإقامة وهم في بيوتهم، وهذا لا يكون إلا إذا كان المقيم في مكان الأذان المرتفع، والنبي ﷺ قد أقر بذلك، فدل على استحبابه إذا لم توجد مشقة في ذلك، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أبلغ في إعلام الحاضرين في المسجد ومن حوله، أما إن وُجدت مشقة على المقيم، أو خشي =
[ ١ / ٣٣٨ ]
إلا بإذن الإمام (^٢٦) (ولا يصح) الأذان (إلا مُرتَّبًا) كأركان الصلاة (متواليًا) عرفًا؛ لأنه لا يُمكن المقصود منه إلا بذلك، فإن نكسه: لم يُعتدَّ به، (^٢٧) ولا تُعتبر الموالاة بين الإقامة والصلاة إذا أقام عند إرادة الدخول فيها، ويجوز الكلام بين الأذان
= فوات بعض الصلاة: فإنه لا يُستحب، بل المستحب إقامته في المسجد؛ لأن فيه دفع مفسدة عنه، ودفع المفاسد مقدَّم على جلب المصالح.
(^٢٦) مسألة: يُستحب أن لا يقيم للصلاة إلا إذا أذن له الإمام في ذلك؛ للسنة التقريرية؛ حيث كان بلال لا يقيم إلا بعد إذن النبي ﷺ، وخروجه إليه، ولم يُنكر النبي ﷺ ذلك على بلال، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو أقام قبل إذن الإمام: للزم تأخير الصلاة عن الإقامة؛ لأنه قد يكون الإمام على غير طهارة، أو انشغل بشيء ضروري، فدفعًا لذلك: استحب ذلك.
(^٢٧) مسألة: يُشترط في الأذان والإقامة أن تكون كلماتهما مرتبة متوالية، فلا يُعتبر بأذان وإقامة قد فصل بين كلماتها بشيء كسكوت أو كلام طويل عرفًا، أو قدَّم بعض الكلمات على بعض، أو نكَّسه؛ للسنة القولية والتقريرية؛ حيث إنه ﷺ قد علَّم بعض مؤذنيه كأبي محذورة وبلال، وابن أم مكتوم، والصدائي، وأقرَّ بعضهم على هذا الأذان والإقامة بالترتيب والتوالي المذكور فكان ذلك هو المشروع، فلا يُقبل غير المرتب، أو غير المتوالي؛ لأنه فَعل غير المشروع فعله، فيُردُّ، لعموم قوله ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ"، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: لأن كلمات الأذان، وكلمات الإقامة عبادة واحدة متكونة من عدة أجزاء، فلا يصح التفريق بين أجزائها، أو تقديم كلمة على كلمة كالوضوء، وأركان الصلاة، ولأنه لا يتم المقصود من الأذان والإقامة وهو الإعلام إلا إذا كانت كلماتهما مُرتبة متوالية.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وبعد الإقامة قبل الصلاة (^٢٨) ولا يصح الأذان إلا (من) واحد ذكر (عدل) ولو ظاهرًا، فلو أذن واحد بعضه وكمَّله آخر أو أذنت امرأة، أو خنثى، أو ظاهر الفسق: لم يُعتدَّ به، (^٢٩) ويصح الأذان (ولو) كان (مُلحَّنًا) أي: مطربًا به (أو) كان (ملحونًا) لحنًا لا يُحيل المعنى، ويُكرهان، ومن ذي لَثْغةٍ فاحشة، وبطل إن أحيل
(^٢٨) مسألة: لا تُشترط الموالاة بين الأذان والإقامة، ولا بين الإقامة والدخول في الصلاة، فيجوز الكلام أو الشُّغل بين ما ذكر للمؤذن والمقيم، والإمام وغيرهم لعذر ولغير عذر؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ تذكَّر مرة أنه جُنُب بعد الإقامة، فذهب واغتسل وجاء فكبَّر، ولم يُعِد الإقامة، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر كان يُكلِّم الرَّجل بعد ما تُقام الصلاة، وما بعد الأذان مثل ما بعد الإقامة؛ لعدم الفارق، فإن قلتَ: لِمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة أحوال المسلمين.
(^٢٩) مسألة: يُشترط أن يكون الأذان قد صدر كله من واحد ذكر عدل؛ فلو بدأ شخص بالأذان وأكمله آخر، أو أذنت امرأة، أو خنثى، أو مَنْ ظهر فسقه أو غير مميز أو مجنون: فإن هذا الأذان لا يُعتبر، - وكذلك الإقامة مثله -؛ للمصلحة؛ حيث إنه إذا صدر كله من واحد عدل ذكر: فإن الناس سيثقون بذلك، ويغلب على ظنهم أن وقت الصلاة قد دخل، وأن تكبيرة الإحرام قد قرُبت، بخلاف ما لو قام واحد بأوله، وآخر قام بآخره، أو أذنت امرأة أو خنثى، أو فاسق أو مجنون، أو غير المميز: فإنه لا تحصل عندهم الثقة بذلك، فيضطرب شأنهم؛ لاختلاف صوت المؤذنين عليهم وهو يكون كالعبث، والمرأة ليست من أهل الأذان والإقامة؛ لأن صوتها عورة - والخنثى مثلها - والفاسق وغير المميز والمجنون لا يُوثق بأقوالهم.
[ ١ / ٣٤٠ ]
المعنى (^٣٠) (ويجزيء) أذان (من مميز)؛ لصحة صلاته كالبالغ (^٣١) (ويُبطلهما) أي: الأذان والإقامة (فصل كثير) بسكوت أو كلام ولو مباحًا (و) كلام (يسير محرَّم) كقذف، وكُره اليسير غيره (^٣٢) (ولا يجزيء) الأذان (قبل الوقت)؛ لأنه شرع
(^٣٠) مسألة: إذا لحَّن شخص في أذانه - أو إقامته - بأن أطرب غيره به، أو لَحَنَ فيه بأن نصب المرفوع، أو رفع المجرور، أو كان ذا لثغةٍ كالذي يُبدل القاف دالًا، أو الراء لامًا ونحو ذلك: فإنه يصح أذانه وإقامته مع الكراهة بشرط: أن لا يكون ذلك يُحيل كلمة من كلمات الأذان أو الإقامة إلى غير المراد منها، فإن أحال ذلك: كأن يبدل الكاف أو الباء من لفظ "أكبر" بالفاء: فلا يصح الأذان والإقامة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه إذا قرأ ولحن قراءته لحنًا لا يُحيل المعنى: تصح قراءته، وإن كان هذا اللحن يحيل المعنى: فلا تصح قراءته فكذلك الأذان والإقامة مثلها، والجامع: أن كلًا منهما ذكر يُتعبَّد به، فإن قلتَ: لِمَ صح تلك مع تلك الصفات الناقصة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين؛ فإن قلتَ: لِمَ كُره ذلك؟ قلتُ: لأن التلحين، واللحن، واللثغة صفات نقص، ويُكره أن يتولَّى من به نقص الأذان والإقامة؛ لأنه قد لا يفهم بعض الناس كلامهم.
(^٣١) مسألة: يصح أذان وإقامة الصبي المميز - وهو: من بلغ سبع سنوات -؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يصح أذان وإقامة البالغ فكذلك المميز مثله، والجامع: صحة الصلاة منهما وصحة النية منهما، فإن قلتَ: لِمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين؛ إذ قد لا يوجد بالغ يقوم بذلك، ويحصل مقصود الأذان والإقامة وهو: الإعلام، فما المانع من صحته وإجزائه؟!.
(^٣٢) مسألة: يبطل الأذان والإقامة إذا فصل المؤذن والمقيم بين كلماتهما بفاصل طويل عرفًا من سكوت أو كلام ولو كان مباحًا، أو بفاصل قصير وبكلام محرَّم، كأن يقول: "الله أكبر" ثم يسب أحدًا أو يقذفه، أو يغتابه، أما إن تكلَّم =
[ ١ / ٣٤١ ]
للإعلام بدخوله، (^٣٣) ويُسنُّ في أوله (^٣٤) (إلا الفجر) فيصح (بعد نصف الليل)؛ لحديث: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" متفق عليه، ويُستحب لمن أذن قبل الفجر: أن يكون معه من يُؤذن في الوقت، وأن يُتَّخذ ذلك
= بكلام يسير مباح كأن يُرشد أحدًا بين الكلمات: فهذا لا يُبطله، ولكنه مكروه؛ للتلازم؛ حيث إن اشتراط التوالي في كلماتها: - كما سبق في مسألة (٢٧) - يلزم منه: أن الفصل بين كلماتهما يُبطلهما، فإن قلتَ: لِمَ يبطل بالفصل بالكلام المحرم؟ قلتُ: لعدم اجتماع مأمور به - وهو الأذان والإقامة - مع كلام منهي عنه؛ لتضادهما، فإن قلتَ: لِمَ كُره الفصل اليسير بمباح وصح؟ قلتُ: لأن هذا يقرب من أن يكون عبثًا، وصح؛ لكون ذلك لا يؤثر كالحركة القليلة في الصلاة.
(^٣٣) مسألة: لا يُجزيء الأذان قبل دخول وقت الصلاة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لمالك بن الحويرث ورجل معه: "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكما أحدكما" فاشترط للأذان الصحيح حضور الوقت، وهو: دخوله، ودل مفهوم الشرط: على عدم إجزاء الأذان قبل دخوله، فإن قلتَ: لِمَ لا يُجزيء؟ قلتُ: لأن المقصود من الأذان: إعلام الناس بدخول الوقت، والأذان قبل دخوله مخالف لهذا، وقد يؤدي إلى أن يصلي بعض الناس قبل دخول الوقت، وهذا مبطل لها.
(^٣٤) مسألة: يُستحب أن يُؤذن في أول وقت الصلاة، وإن أخَّره قليلًا فمُباح؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن بلالًا كان يؤذن إذا زالت الشمس، وكان ﷺ يُقرِّه على ذلك، ولا يقر إلا على فعل الخير، فهذا يلزم منه أنه يؤذن للظهر بعد زوال الشمس مباشرة، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا سيُمكِّن الناس من الصلاة في أول وقتها، فإن قلتَ: لِمَ أبيح تأخيره؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المؤذنين؛ إذ لو اشتُرط أن يكون الأذان في أوله: للحقهم ضيق ومشقة.
[ ١ / ٣٤٢ ]
عادة؛ لئلا يُغرُّ الناس، (^٣٥) ورفع الصوت بالأذان ركن ما لم يؤذن لحاضر فبقدر ما يسمعه (^٣٦) (ويُسنُّ جلوسه) أي: المؤذن (بعد أذان المغرب) وصلاة يسن تعجيلها
(^٣٥) مسألة: يُستحب الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها، ويستحب - في هذه الحالة - أن يكون للفجر مؤذنان: أحدهما يؤذن قبل دخول وقته، والآخر يؤذن بعد دخول وقته، وأن يعرف الناس عين كل مؤذن؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم" فلزم من ذلك: أن بلالًا قد أذن قبل دخول وقت صلاة الفجر، لذا: جاز الأكل والشرب في رمضان بعد أذانه، ولزم منه أيضًا: إعلام الناس بعين كل مؤذن؛ حتى يعرف الناس الأذان الأول من الأذان الثاني بصوتهما، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنهم في هذا الوقت في نوم عميق، فيحتاجون لمن ينبههم قبل الوقت؛ ليتمكنوا من التطهر، وصنع طعام لهم إن كانوا في رمضان، وقد أشار ﷺ: "إن بلالًا يؤذن بليل ليتنبه نائمكم ويُرجِّع قائمكم" وهذه زيادة ثقة مقبولة.
(^٣٦) مسألة: يجب على المؤذن أن يرفع صوته بالأذان إلا إذا أذن لنفسه، أو لجماعة حاضرة عنده، فيرفع صوته بقدر ما يسمعه هؤلاء؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود من الأذان إعلام البعيدين عن المسجد بدخول وقت الصلاة، فيلزم لحصول ذلك: أن يرفع صوته، ويلزم من كونه يؤذن لنفسه أو لمن حضر عنده: أن يخفض صوته بقدر سماعه، لحصول المقصود من الأذان بذلك، تنبيه: المقصود من قوله: "ورفع الصوت ركن" أن الرفع به لابد منه، فإن لم يحصل هذا: فإنه يُبحث عن غيره رفيع الصوت، وليس المقصود بلفظ "ركن": أن أذانه يبطل، بل يصح وإن لم يرفع به صوته، وقد سبق أن رفع الصوت به مستحب في مسألة (٨).
[ ١ / ٣٤٣ ]
قبل الإقامة (يسيرًا)؛ لأن الأذان شُرع للإعلام فَسُنَّ تأخير الإقامة للإدراك (^٣٧) (ومن جمع) بين صلاتين لعذر: أذن للأولى، وأقام لكل منهما: سواء كان جمع تقديم أو تأخير (أو قضى) فرائض (فوائت أذن للأولى ثم أقام لكل فريضة) من الأولى وما بعدها، وإن كانت الفائتة واحدة: أذن لها، وأقام، ثم إن خاف من رفع صوته تلبيسًا: أسرَّ وإلا: جهر، فلو ترك الأذان لها: فلا بأس (^٣٨) (ويُسن لسامعه) أي:
(^٣٧) مسألة: يُستحب للمؤذن أن يجلس بعد أذانه لصلاة المغرب جلسة خفيفة تقدر بالوقت الذي يتوضأ فيه الإنسان العادي، أو بوقت نافلة خفيفة، ثم يقيم الصلاة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "صلوا قبل المغرب" ثلاثًا ثم قال: "لمن شاء" ويلزم من هذا: الجلوس للمؤذن بعد الأذان، والقرينة اللفظية وهي قوله: "لمن شاء" هي التي صرفت الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الأذان شُرع لإعلام البعيدين، فيستحب تأخير الإقامة والجلوس قليلًا بعد الأذان ليدرك البعيدون الصلاة، فإن قلتَ: لِمَ خصصت صلاة المغرب بذلك؟ قلتُ: مخالفة لبعض العلماء - من الحنفية والشافعية - حيث إنه حُكي عنهم أنه يقام لصلاة المغرب بعد الأذان مباشرة.
(^٣٨) مسألة: إذا نوى شخص الجمع بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء لعذر السفر أو المطر أو المرض، أو أراد قضاء فوائت: فإنه يؤذن للأولى منها، ويقيم للباقي إن أمن التشويش على الآخرين، فإن خشي التشويش والتلبيس عليهم: فإنه يؤذن ويقيم لها سرًا، ولو ترك الأذان والإقامة فبماح؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ: "جمع بين الظهر والعصر في عرفة بأذان وإقامتين" ولما أشغله المشركون في غزوة الخندق عن الصلوات: "أمر بلالًا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء" فإن قلتَ: لم يكفي أذان واحد؟ قلتُ: لأن الأذان للصلاة الأولى حصل به إعلام البعيدين فاجتمعوا =
[ ١ / ٣٤٤ ]
لسامع المؤذن أو المقيم - ولو أن السامع امرأة أو سمعه ثانيًا وثالثًا حيث سن - (متابعته سرًا) بمثل ما يقول، ولو في طواف، أو قراءة، ويقضيه المصلي والمتخلِّي (و) تسنُّ (حوقلته في الحيعلة) أي: أن يقول السامع: "لا حول ولا قوة إلا بالله" إذا قال المؤذن أو المقيم: "حي على الصلاة، حي على الفلاح" وإذا قال: "الصلاة خير من النوم" ويُسمَّى "التثويب" قال السامع: صدقت وبررت، (^٣٩) وإذا قال المقيم:
= لها، فلا داعي لأذان للصلوات التي بعدها؛ نظرًا لاجتماعهم، فإن قلتَ: لِمَ اشترط في الأذان: أن لا يكون مشوشًا على الآخرين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة توهم أن وقت صلاة قد دخل لغير الجامعين أو القاضين؛ فإن قلتَ: لِمَ أبيح ترك الأذان والإقامة؟ قلتُ: لأن الأصل: أنهما مستحبان، فلو لم يفعلهما: لما أثم، فإن قلتَ: إنه لا يُشرع الأذان للصلوات المقضية - وهو قول مالك ونُقل عن الشافعي -؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر بلالًا بالإقامة للصلوات عند الفراغ من غزوة الخندق، ولم يأمره بالأذان، كما رواه أبو سعيد الخدري، قلتُ: إن أمر النبي ﷺ لبلال بالأذان هنا قد ثبت برواية ابن مسعود، وهي زيادة ثقة مقبولة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "هل زيادة الثقة هنا مقبولة أو لا؟ " فعندنا: مقبولة، وعندهم: لا.
(^٣٩) مسألة: يُستحب لسامع المؤذن: أن يقول مثل ما يقول سِرًا مطلقًا؛ أي: سواء كان ذكرًا أو أنثى أو خنثى أو حرًا أو عبدًا، وسواء سمعه أول مرة أو مرات، وسواء كان مشتغلًا بطواف أو قراءة أولًا، كان في حال صلاة، أو في حال قضاء حاجته: فإنه يقول مثلما قال المؤذن إذا فرغ من حالته تلك، أما إذا قال: "حي على الصلاة حي على الفلاح" فإن السامع يقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله"؛ للسنة القولية؛ وهو من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول" وصرفت السنة القولية الأمر هنا إلى الاستحباب؛ حيث قال ﷺ: "على الفطرة" لما سمع مؤذنًا يؤذن فلم يجبه، فلو كانت الإجابة واجبة لما تركها ﷺ، ثانيهما: قوله: =
[ ١ / ٣٤٥ ]
"قد قامت الصلاة" قال السامع: "أقامها الله وأدامها"، (^٤٠) وكذا: يُستحب للمؤذن والمقيم إجابة أنفسهما؛ للجمع بين ثواب الأذان والإجابة (^٤١) (و) يسنُّ (قوله) أي:
= " إذا قال المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح فقال أحدكم: لا حول ولا قوة إلا بالله .. من قلبه: دخل الجنة"، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الأذان ذكر لله، وتأكيد للتوحيد، فقول السامع كما يقول المؤذن مشاركة له في ذلك، واستحبَّت الحوقلة عند قول المؤذن: "حي على الصلاة حي على الفلاح"؛ لأنهما نداء للغائبين، وهو قد سمع، فيقولها ليُقرَّ بالعجز عن التحول عما هو فيه إلى الصلاة إلا بتوفيق من الله تعالى، فهي كلمة استعانة وكنز من كنوز الجنة، تنبيه: لا يوجد دليل على قول السامع: "صدقت وبررت" عند قول المؤذن: "الصلاة خير من النوم" فلذاك يقولها السامع كما قالها المؤذن؛ لعموم الحديث السابق، فإن قلت: لِمَ سميت عبارة: "الصلاة خير من النوم" بالتثويب؟ قلتُ: لأنه مأخوذ من "ثاب" "يثوب" أي: رجع وعاد - كما في اللسان (١/ ٢٤٣)؛ حيث إن المؤذن رجع إلى الدعاء إلى الصلاة بقول: "الصلاة خير من النوم" بعد أن دعا لها بالحيعلة.
(^٤٠) مسألة: لا يشرع للسامع للإقامة متابعته، ولا أن يقول شيئًا إذا فرغ منها؛ للاستصحاب؛ حيث إنه وردت متابعة المؤذن - كما سبق - ولم يرد شيء في الشرع عن متابعة المقيم، فيبقى على النفي الأصلي فإن قلتَ: لم لا تشرع المتابعة للمقيم، وشُرعت متابعة المؤذن؟ قلتُ: لأن الإقامة يشرع فيها الحدر والإسراع - كما سبق - فيشق على السامع متابعته، بخلاف الأذان فتستحب متابعته؛ لمشروعية التمهل والترسل فيه فيقدر على المتابعة بيسر تنبيه: قوله: يقول السامع للإقامة: "أقامها الله وأدامها" لم أجد دليلا قويا على ذلك.
(^٤١) مسألة: يُستحب للمؤذن أن يتابع نفسه؛ فإذا قال - مثلا -: "الله أكبر" جهرًا قال هو سرًا: "الله أكبر" وهكذا؛ أما المقيم فلا يتابع نفسه للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع بين فعله للأذان وبين الإجابة، فيتحصل على الأجرين معًا لا =
[ ١ / ٣٤٦ ]
قول المؤذن وسامعه (بعد فراغه: اللهم) أصله: يا الله - والميم بدل من ياء قاله الخليل وسيبويه (ربَّ هذه الدعوة) - بفتح الدال - أي: دعوة الأذان (التَّامَّة) أي: الكاملة السالمة من نقص يتطرق إليها (والصلاة القائمة) أي: التي ستقوم وتفعل بصفاتها (آتِ محمدًا الوسيلة) منزلة في الجنة (والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته) أي: الشفاعة العظمى في موقف القيامة؛ لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون، ثم يدعو، (^٤٢) ويحرُم خروج من وجبت عليه الصلاة بعد الأذان في
= سيما وأنه يستحب الترسل فيه، أما متابعة المقيم لنفسه: ففيها مشقة مع استحباب الحدر والإسراع فيها؛ إذ لا يجتمعان.
(^٤٢) مسألة: يُستحب أن يقول المؤذن والسامع عند الفراغ من الأذان: "اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته" ثم يقول: "رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولًا" ثم يدعو بما شاء بين الأذان والإقامة؛ للسنة القولية؛ وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ: "من قال حين يسمع النداء: "اللهم رب هذه الدعوة … " حلَّت له شفاعتي"، ثانيها: قوله: "الدعاء لا يرد بين الآذان والإقامة" ثالثها: قوله: "من قال حين يسمع النداء: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ رسولًا: غفر له ذنبه" فإن قلتَ: لِمَ اسْتُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القائل لها يتحصَّل بسبب ذلك على الأجر والثواب وإجابة الدعوة: فيسأل الله بهذه الصلاة التامة أن يأتي محمدًا الوسيلة والمنزلة العالية في الجنة فوق رتبة الصالحين من خلقه، وأن يبعثه المقام الذي وعده به بقوله: "ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودًا" وهي الشفاعة العظمى المختصة بنبينا ﷺ حين يشفع بأهل الموقف بعد ما يستشفعون بآدم، ثم نوح، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمد ﷺ فيقول نبينا ﷺ: "أنا لها"، فإن قلتَ: لِمَ سمي بالمقام المحمود؟ قلتُ: لأنه يحمده الأولون =
[ ١ / ٣٤٧ ]
الوقت من المسجد بلا عذر أو نية رجوع (^٤٣)
= والآخرون وذلك بتسبُّبه بتعجيل الحساب والراحة من طول الموقف في المحشر، فائدة: لفظ "اللهم" أصله "يا الله" فحذفت الياء من قوله: "يا الله" وعُوِّض عنها بميم مشدودة في الآخر، كما جاء في المصباح (١/ ٢٠).
(^٤٣) مسألة: يُكره الخروج من المسجد بعد الأذان لغير عذر، فإن وجد عذر: فيباح الخروج للمصلحة؛ حيث إن خروجه من المسجد بلا عذر قد يُشغله عن الصلاة مع الجماعة، فدفعًا لذلك: كُره الخروج، فإن قلتَ: إن الخروج منه بعد الأذان حرام بلا عذر، أو نية الرجوع؛ لقول الصحابي: حيث إن أبا هريرة قال فيمن خرج من المسجد بعد الأذان: "قد عصى أبا القاسم ﷺ " ووصفه بهذا يدل على تحريم الخروج منه بعد الأذان؛ لأن الوصف بالعصيان عقاب، ولا يُعاقب إلا على فعل محرم، قلتُ: إذا خرج وهو ينوي الدخول في مسجد آخر أو لعذر: فلا دليل على تحريم ذلك، وهذا إن ثبت عن أبي هريرة: هو اجتهاد منه، أصله: الاحتياط، والتغليظ بدون دليل، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض المصلحة مع قول الصحابي" فعندنا: تقدم المصلحة، وعندهم: يقدم قول الصحابي. [فرع]: من الأخطاء الفاحشة عند المؤذنين ما يلي: أولًا: مدُّ الهمزة في قوله: "أشهد" فينقلب إلى استفهام، ثانيها: مدُّ الباء في قوله: "أكبر" فتصبح: إكبار"، ثالثهما: الوقف على قوله: "إله" والابتداء من قوله: "إلا الله"، رابعها: إدخال "الدال" مع "الراء" عند قوله: "محمدًا رسول الله"، خامسها: جعل "التاء" في قوله: "حي على الصلاة" "هاء" وهذا يكون دعاء إلى النار، سادسها: إبدال: "تاء" الصلاة: "حاء" عند قوله: "حي على الصلاة حي على الفلاح"، سابعها: إخفاء الشهادتين حتى أن بعض الناس لا يسمعها، وعلى أي مسؤول عن المؤذنين في أي دولة إسلامية: أن يُعلموا المؤذنين طريقة الأذان الصحيحة للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع الوقوع في مثل هذه الأخطاء الشنيعة وغيرها.
هذه آخر مسائل باب "الأذان والإقامة" ويليه باب "شروط صحة الصلاة"
[ ١ / ٣٤٨ ]