مشتقة من الأجر، وهو: العوض، ومنه: سُمِّي الثواب أجرًا، وهي عقد على منفعة مباحة معلومة من عين معيّنة أو موصوفة في الذمة مدة معلومة، أو عمل معلوم بعوض معلوم (^١)
باب الإجارة
وفيه خمس وسبعون مسألة:
(^١) مسألة: الإجارة لغة: اسم للأجرة وإعطاء الأجر مقابل منفعة، وهي مشتقة من الأجر، وهو: العوض عن فعل شيء، ويطلق على المجازاة، والثواب والجزاء يُقال: "أجرته" أي: أثبته وجازيته على شيء قام به - كما في المصباح (١/ ٥) - وهي في الاصطلاح: "عقد على منفعة مباحة من عين معينة أو موصوفة في الذمَّة مدَّة معلومة، أو عقد على عمل شيء معلوم بعوض معلوم" فلفظ "عقد على منفعة" فيه اشتراط: أن يكون العقد بين المؤجر والمستأجر على المنفعة، دون العين، وخرج بذلك البيع والهبة؛ لكونهما عقد على عين، وعبارة "مباحة" فيها اشتراط: كون المؤجَّر مُباح قابل للبذل، وخرج بذلك البضع؛ حيث إنه غير مباح التأجير، لذلك كان العقد عليه لا يُسمَّى إجارة، وعبارة "من عين معيّنة أو موصوفة في الذمة مُدَّة معلومة" فيها بيان القسم الأول من قسمي الإجارة - وهو المشهور - وهو: كون الإجارة على شيء مشاهد مثل قول زيد لعمرو: "أجَّرتك هذه الدار سنة أو شهرًا أو يومًا" أو كونها على شيء موصوف بأوصاف دقيقة كقوله: "أجَّرتك دارًا صفتها كذا وكذا سنة أو شهرًا أو يومًا" وعبارة "مدَّة معلومة" فيها اشتراط العلم بمدَّة الانتفاع بالشيء المؤجر، وخرج بذلك: التأجير دون تعيين مدَّة؛ حيث إن هذا لا يجوز، وعبارة "أو عقد على عمل شيء" فيها بيان القسم الثاني من قسمي الإجارة وهو: كون الإجارة على عمل معلوم كقول زيد لعمرو: =
[ ٣ / ٤٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= " أستأجرك على بناء جدار هنا أوصافه كذا وكذا" وعبارة: "بعوض معلوم" فيها اشتراط كون الأجرة معلومة المقدار، وهذا الشرط للقسمين، وهذا ثبت بالتلازم؛ حيث إنه بعد استقراء وتتبع النصوص والأدلة: لزم هذا التعريف - كما سيأتي بيان ذلك. (فرع): عقد الإجارة مشروع وصحيح عند جمهور العلماء المعتدّ بأقوالهم؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فلو لم تصح الإجارة لما أُمر بذلك، فلازم العبارة يدلّ على الصحة، وقال تعالى: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ وقال: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ فيلزم صحّة الإجارة شرعًا؛ لأن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد ما يخالفه في شرعنا. الثانية: للسنة القولية: حيث إنه "﵇ أمر أن تُكرى الأرض بذهب أو ورق" - كما رواه سعد بن أبي وقاص - وقال: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفَّ عرقه" وهذا يلزم منه صحة الإجارة ومشروعيتها، الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ وأبا بكر قد استأجرا رجلًا من بني الديل يوصلهما إلى المدينة" "وأنه ﵇ قد احتجم وأعطى الحجام أجره" فلزم من ذلك صحة الإجارة؛ إذ لو لم تصح لما فعله، فإن قلتَ: لِمَ شُرعت الإجارة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الحاجة تقتضي مشروعيتها؛ لكون الواحد يحتاج إلى السكنى والسفر، فليس كل واحد يملك دارًا يسكنها، أو راحلة يُسافر عليها، ولا يمكن أن يتطوّع بذلك أحد فيحتاج إلى استئجار ذلك، وكذلك مالك الدار قد يحتاج إلى بناء جدار ولا يستطيع فعله بنفسه، ولا يمكن أن يتطوَّع به أحد، فيحتاج إلى أن يستأجر أحدًا يقوم به، وبذلك يحصل تكافل المجتمع وقضاء كل واحد حاجة الآخر ولو كان بأجرة، فإن قلتَ: إن الإجارة لا تصح، وهو ما حكي عن الحسن البصري، وابن علية، وابن الأصم، والقاشاني والنهرواني؛ للمصلحة: حيث إن الإجارة بيع المنافع، والمنافع حال العقد معدومة القبض،=
[ ٣ / ٤٠٦ ]
وتنعقد بلفظ "الإجارة" و"الكراء" وما في معناهما (^٢)، وبلفظ "بيع" إن لم يُضف للعين (^٣) و(تصح) الإجارة (بثلاثة شروط) أحدهما (معرفة المنفعة)؛ لأنها المعقود
= فيكون في ذلك غرر وجهالة، فيلزم عدم صحتها دفعًا لذلك. قلتُ: إن المنافع وإن كانت معدومة عند العقد إلا أنها مستوفاة في الغالب من عادات الناس وأعرافهم، والعادة محكَّمة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع الكتاب والسنة" فنحن عملنا بالكتاب والسنة، لظهور دلالتهما والمصلحة اجتهاد، ولا اجتهاد مع النص، وأيضًا: "تعارض المصلحتين" فنحن عملنا بالمصلحة العامة وهي: مصلحة المجتمع الإسلامي فجازت الإجارة لذلك مع تأييد العادة لذلك، وهم عملوا بالمصلحة الخاصة، والعامة مقدمة على الخاصة.
(^٢) مسألة: تصح الإجارة بلفظ: "الإجارة" فتقول: "أجرتك هذه الدار" وقول المستأجر: "استأجرتها" وبلفظ "الكراء" فتقول: "أكريتك هذه الدار"، وقول المستأجر: "اكتريتها"؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وضع هذين اللفظين للإجارة، وفهم أن المقصود منهما التأجير: صحة ذلك. (فرع): تصح بأي لفظ يُفهم معنى الإجارة: "كأعطيتك نفع هذه الدار سنة بكذا"؛ للقياس؛ بيانه: كما تصح الإجارة بلفظ "الإجارة" و"الكراء" فكذلك ما في معناهما، والجامع: فهم المقصود في كل.
(^٣) مسألة: لا تنعقد الإجارة بلفظ "البيع"؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن النكاح لا ينعقد بلفظ "البيع" فكذلك الإجارة مثله، والجامع: أن كلًّا منهما عقد يُخالف البيع في الاسم والأحكام الثانية: التلازم؛ حيث إن الإجارة تضاف إلى العين التي يضاف إليها البيع، وهذه الإضافة واحدة فيلزم أن يُجعل لكل من "الإجارة" و"البيع" لفظًا خاصًّا به تفريقًا بينهما؛ لإبعاد التشابه، فإن قلت: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن انعقاد الإجارة بلفظ "البيع" مع وجود ألفاظٍ =
[ ٣ / ٤٠٧ ]
عليها، فاشتُرط العلم بها كالمبيع (^٤)، وتحصل المعرفة إما بالعرف (كسكنى دار)؛ لأنها
= خاصة بها يُفضي إلى اختلاط حقائق الأمور، مما يؤدِّي إلى اختلاف المتعاقدين، فدفعًا لذلك: شرع هذا؟ فإن قلتَ: إنها تنعقد بلفظ البيع بشرط: أن لا يضاف البيع للعين، بل يقول المؤجر: "بعتك منفعة هذه الدار" وهذا ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أن الصَّرف ينعقد بلفظ "البيع" فكذلك الإجارة تنعقد بلفظ "البيع" والجامع: أن كلًّا منهما بيع في الحقيقة قلتُ: هذا بعيد؛ دفعًا للضرر عن المتعاقدين في الإجارة؛ إذ يؤدِّي إلى عدم فهم المتعاقدين أو أحدهما المقصود من هذا العقد فيقع الخلاف بينهما، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع المصلحة" فنحن نعمل بالمصلحة؛ حيث إنها تقتضي إعطاء كل عقد ما يُناسبه؛ دفعًا للضرر، وهم عملوا بالقياس فإن قلتَ: إن "الإجارة" تنعقد بأي لفظ عرف به المتعاقدان: أن المقصود هو "الإجارة" وهو ما ذكره كثير من العلماء منهم ابن تيمية وابن القيم؛ للتلازم: حيث إنه يلزم من عدم ورود ألفاظ للإجارة خاصة بها: أن يُرجع إلى العرف فيما بينهما. قلتُ: هذا بعيد؛ لمخالفته للمصلحة التي ذكرناها؛ إذ قد يفهم أحد المتعاقدين غير ما فهمه الآخر؛ لاختلاف المجتمعات، والبيئات، والأفراد في المفاهيم، وبسبب اختلاف الأفهام والمقاصد وقع خلاف كبير في بعض الأحكام، فدفعًا لذلك رجَّحنا ما ذكرناه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم والمصلحة".
(^٤) مسألة: في الأول - من شروط صحة الإجارة - وهو: أن يعرف كلُّ واحدٍ من المؤجَّر والمستأجر المنفعة التي أُجِّرت، فلا يصح تأجير شيء مجهول المنفعة مثل أن يعرف المتعاقدان: "أن هذه الدار أُجِّرت للسكنى" و"أن هذا المكان أُجَّر مستودعًا" و"أن هذا أُجِّر مدرسة للتعليم" وهكذا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يُشترط في صحة البيع معرفة العين المباعة، فلا يصح بيع عين مجهولة فكذلك يُشترط في صحة الإجارة معرفة المنفعة المؤجرة والجامع: أن كلًّا من المنفعة والعين قد وقع =
[ ٣ / ٤٠٨ ]
لا تكرى إلا لذلك، فلا يعمل فيها حدادة ولا قصارة، ولا يسكنها دابة، ولا يجعلها مخزنًا لطعام، ويدخل ماء بئر تبعًا، وله إسكان ضيف وزائر (و) كـ (خدمة آدمي) فيخدم ما جرت العادة به من ليل أو نهار، وإن أستأجر حرة أو أمة صرف وجهه عن النظر (و) يصح استئجار آدمي لعمل معلوم كـ (تعلم علم) وخياطة ثوب أو قصارته، أو ليدل على طريق ونحوه؛ لما في البخاري عن عائشة في حديث الهجرة: "واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلًا هو عبد الله بن أرقط وقيل: ابن أريقط كان كافرًا من بني الديل هاديًا خريتًا (و) "الخريت" الماهر بالهداية، وإما بالوصف كحمل زبرة حديد وزنها كذا إلى موضع معين، وبناء حائط يذكر طوله وعرضه وسمكه وآلته (^٥) الشرط
= عليهما العقد، فإن قلتَ: لِمَ اشترط هذا الشرط؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن عدم معرفة المتعاقدين للمنفعة المؤجَّرة يؤدِّي إلى الجهالة والغرر مما يُفضي إلى الاختلاف والتنازع، فدفعًا لذلك اشتُرط هذا الشرط.
(^٥) مسألة: تحصل معرفة المنفعة بطريقين: الطريق الأول: عرف وعادة الناس كتأجير دار للسكنى، أو تأجير آدمي للعمل، أو تعليم علم، أو بناء جدار، أو الهداية إلى طريق ونحو ذلك، فالمستأجر هنا يستعمل الدار فيما جرت العادة استعمالها فيه كأن يضع فرشه، وطعامه المعتاد، ومتاعه، وأوانيه، ولا يجوز استعمالها فيما لم تجر العادة استعمالها فيه كأن يجعلها مستودعًا لبضاعته، أو موضعًا للحدادة، أو للتجارة، أو لحيواناته، أو مصنعًا لثياب ونحو ذلك، فإن فعل ذلك: فإن عقد الإجارة يبطل، وكذا: إذا استأجر آدميًا: فإنه يستخدمه فيما جرت العادة استعماله فيه من أعمال، وأزمان، فلا يجوز للمستأجر أن يستخدمه في أشياء لم تجرد العادة استخدامه فيها، أو تكليفه بالعمل في وقت لا يُعمل فيه عادة، فإن فعل ذلك: فإن عقد الإجارة يبطل؛ الطريق الثاني: وصف المنفعة التي استأجره لأجلها، فلو استأجره لحمل مجموعة حديد: فلا بد أن يعرف المستأجر وزنها، وكميتها، ووزنها، والموضع الذي تُحمل إليه ونحو ذلك مما يخصُّ المحمول، ولو=
[ ٣ / ٤٠٩ ]
(الثاني: معرفة الأجرة) بما تحصل به معرفة الثمن؛ لحديث أحمد عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ نهى عن استئجار الأجير حتى يُبيِّن له أجرة (^٦)، فإن آجره الدار
= استأجره لبناء حائط فلا بدَّ أن يعرف المستأجر طوله، وعرضه، وارتفاعه، ونوع المادة التي يُبنى فيها من حجارة، أو بلك، أو لبن أو جص ونحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد استأجر رجلًا من بني الديل ليدله الطريق إلى المدينة المنورة" فلزم من ذلك: جواز استئجار الآدمي، واشتراط معرفة المنفعة بالوصف، الثانية: القياس، بيانه: وهو من وجهين: أولهما: كما يجوز بيع العين بثمن مطلق في موضع فيه نقد معروف فكذلك يجوز تأجير الدار والآدمي وإطلاق ذلك والجامع: أن العرف يُحدِّد المطلوب في ذلك، فلم يُحتج إلى بيان طريقة السكنى أو عمل الآدمي؛ لكونهما لا يستأجران إلا لذلك، ثانيهما: كما يجوز بيع العين الموصوفة وصفًا دقيقًا فكذلك يجوز تأجير المنفعة الموصوفة وصفًا دقيقًا والجامع: معرفة المباع والمؤجَّر بذلك تمام المعرفة. فإن قلتَ: لِمَ حصلت معرفة المنفعة بهذين الطريقين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمتعاقدين من جهل وغرر يقع عليهما أو على أحدهما.
(^٦) مسألة: في الثاني - من شروط صحّة الإجارة - وهو: أن يعرف كل من المؤجِّر والمستأجر قدر الأجرة، وهذه المعرفة تكون بالرؤية، أو بالوصف؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه تُشترط معرفة ثمن السلعة المباعة في البيع وذلك بالرؤية أو بالوصف فكذلك قدر الأجرة يشترط أن يُعرف بذلك والجامع: أن كلًّا منهما عوض في عقد معاوضة فوجب العلم به برؤية أو صفة. فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المتعاقدين من التنازع بسبب جهل قدر الأجرة كما يحصل كثيرًا، تنبيه: ما ذكره المصنف من "نهي النبي ﷺ عن استئجار الأجير حتى يُبين له أجره" لا يصلح للاستدلال به؛ لضعفه؛ بسبب وجود انقطاع في سنده، وبعضهم جعله موقوفًا على راويه - وهو: أبو سعيد=
[ ٣ / ٤١٠ ]
بعمارتها (^٧)، أو عوض معلوم وشرط عليه عمارتها خارجًا عن الأجرة: لم تصح (^٨)، ولو آجرها بمعين على أن ينفق المستأجر ما تحتاج إليه محتسبًا به من الأجرة: صحَّ (^٩) (وتصح) الإجارة (في الأجير والظئر بطعامهما وكسوتهما) روي عن أبي بكر، وعمر،
= الخدري -.
(^٧) مسألة: إذا قال زيد لعمرو: "أجَّرتك هذه الدار سنة كاملة بشرط: أن تعمر ما انهدم منها": فلا تصح الإجارة؛ للتلازم؛ حيث إن القدر الذي يعمر ما انهدم مجهول فيلزم عدم صحة الإجارة؛ لفقدان شرط من شروط صحة الإجارة - وهو: العلم بقدر الأجرة - والمقصد: حماية المستأجر. (فرع): إن قال زيد لعمرو: "أجرتك هذه الدار شهرًا بشرط: أن تبني هذا الجدار الساقط" وبيَّن له وصف الجدار الذي يزيد بناءه - كما سبق بيانه -: فإن الإجارة تصح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من توفر شرط صحة الإجارة وهو العلم بقدر الأجرة وهو بناء هذا الجدار عند العقد: صحتها.
(^٨) مسألة: إذا قال زيد لعمرو: "أجرتك هذه الدار بألف درهم سنة كاملة بشرط: أن تعمر ما انهدم منها أيضًا": فلا تصح الإجارة؛ للتلازم؛ حيث إن الثمن الذي يعمر ما انهدم منها مجهول: فقد يزيد على المستأجر زيادة غير محتملة، وقد يطمع المؤجَّر ويطلب من المستأجر تحسينات تزيد من الثمن فيتضرَّر المستأجر، فيلزم من ذلك: عدم صحة الإجارة؛ لفقدان شرط من شروط صحتها - وهو العلم بالأجرة - والمقصد هو: منع الضرر عن المستأجر، وقطع التنازع.
(^٩) مسألة: إذا قال زيد لعمرو: "أجرتك هذه الدار بألف سنة كاملة بشرط: أن تصلحها وتحسب ما تنفقه عليها من الأجرة - وهي: الألف - ": فإن الإجارة تصح؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو وكَّل عمرًا لإصلاح دار ونحوها وأعطاه ما يُنفق به على ذلك فإنه يصح ذلك فكذلك هذه الحالة مثل ذلك والجامع: أن الإنفاق في الحالتين على المالك. والمقصد هنا: حماية المتعاقدين.
[ ٣ / ٤١١ ]
وأبي موسى في الأجير، وأما الظئر فلقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ويُشترط لصحة العقد العلم بمدة الرضاع، ومعرفة الطفل بالمشاهدة، وموضع الرضاع، ومعرفة العوض (^١٠) (وإن دخل حمامًا، أو سفينة) بلا عقد (أو
(^١٠) مسألة: يجوز أن يستأجر زيد عمرًا للخدمة وغيرها بطعامه الذي اعتاد الناس أن يعطونه الأُجَراء؛ لقاعدتين: الأولى: فعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكر وعمر، وأبا موسى، قد استأجروا الأجراء بطعامهم، وأن أبا هريرة قد أجَّر نفسه بطعام نفسه، الثانية: التلازم؛ حيث إن الطعام يُعتبر عوض لمنفعة، ويكفي فيه ما تعارف عليه الناس أن يطعموه أُجراءهم فيلزم: جواز ذلك ولو لم يُسمَّ مقدار الطعام؛ لكون العرف يكفي عن التسمية، والمقصد منه: قضاء حاجة المؤجر والمستأجر. تنبيه: استدلّ بعضهم بالسنة القولية؛ حيث إنه ﵇ لما قرأ قصة موسى ﵇ قال: "آجر نفسه ثمان سنين أو عشرًا على عفَّة فرجه، وطعام بطنه" قلتُ: هذا لا يصلح للاستدلال به هنا؛ لأن المسألة مفروضة في استئجار الآدمي بطعامه فقط، وهنا قد استؤجر موسى بطعامه، وإنكاحه، فاختلفت المسألتان. (فرع): يجوز أن يستأجر الرجل امرأة تُرضع له ولده بطعامها المعروف - وهو المسمَّى بالظئر - بشروط أربعة: أولها: أن تعلم المرأة المرضعة المدة التي ستقوم بإرضاع الطفل فيه، ثانيها: أن تشاهد المرضعة الطفل الذي سترضعه، ثالثها: أن يتفق والد الطفل والمرأة المرضعة على الموضع الذي ستُرضعه فيه هل هو في بيتها، أو في بيت والده؟ رابعها: أن يعرف كل من والده، والمرضعة قدر الأجرة، فإن لم تتوفَّر تلك الشروط فلا صحة للإجارة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ حيث دلَّت هذه الآية بدلالة الإشارة على أن المقصود بهذه الآية هي: المرضعة غير الزوجة؛ لأن الزوجة تجب نفقتها وكسوتها ولو لم ترضع ولده - وقد فصَّلتُ هذا في كتابي: "طرق دلالة الألفاظ على الأحكام" الثانية: التلازم؛ وقد سبق بيانه في مسألة: (١٠) =
[ ٣ / ٤١٢ ]
أعطى ثوبه قصارًا، أو خياطًا) ليعملاه (بلا عقد: صح بأجرة العادة)؛ لأن العرف الجاري بذلك يقوم مقام القول، وكذا: لو دفع متاعه لمن يبيعه، أو استعمل حمالًا ونحوه فله أجرة مثله، ولو لم يكن له عادة بأخذ الأجرة (^١١)، الشرط
= فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي سد حاجة الناس. فإن قلتَ: لِمَ اشترطت تلك الشروط هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المرضعة ووالد الطفل من الجهل في بعض ما تترتَّب عليه تلك الرضاعة: من طول مدة أو قصرها، وكبر حجم الطفل أو صغره، ومشقة ذهاب المرضعة إلى والد الطفل، أو عدمها، وكثرة أجره أو قلَّتها؛ حيث إن الجهل في تلك الأمور يُؤدِّي إلى التنازع والاختلاف، فدفعًا لذلك: اشترطت تلك الشروط، فإن قلتَ: إن التأجير بالطعام لا يصح مطلقًا: سواء تأجير المرء نفسه بطعامه، أو الظئر؛ للمصلحة: حيث إن الطعام والعمل والرضاع والحليب الذي يرضعه الطفل يختلف كثرةً وقلةً اختلافًا متباينًا، فيكون مجهولًا، فيقع غرر بسبب ذلك فيلزم عدم صحته؛ لفقدان شرطه وهو: معرفة العمل، والأجرة - قلتُ: إن اختلاف هذا واقع، ولكن يُقدَّر ذلك بما تعارف الناس عليه من عمل، وطعام، ولبن، والعادة محكَّمة، كما قيل في الإطعام والكسوة في كفارة اليمين حيث إنه يكفي في ذلك أدنى ما يُطلق عليه الاسم، وكذا: الوصية ونحو ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الكتاب وفعل الصحابي، والمصلحة العامة مع المصلحة الخاصة التي ذكرها المخالف".
(^١١) مسألة: إذا دفع زيد إلى عمرو قماشًا ليخيطه له، أو يُقصِّره له، أو دخل حمامًا لعمرو ليتنظف فيه، أو ركب سفينة ليسافر عليها، أو أعطاه متاعه ليبيعه له، أو حمَّله متاعًا ليحمله له إلى منزله، ووقع ذلك من غير عقد إجارة ولا شرط، ولا ذكر للتعويض، وكان عمرو قد أعدَّ ونصب نفسه لذلك بأن كان خياطًا، أو قصَّارًا، أو صاحب حمام أو سفينة، أو بياعًا، أو حمالًا: فإن هذا يصح؛ ويعطى أجرة =
[ ٣ / ٤١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= المثل، وهي أجرة من يعمل مثل عمله؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه يجوز بيع السلعة بنقد بدون تعيين نوع ذلك النقد إذا وُجد نقد قد اشتهر في التداول في ذلك البلد، ويُطالب البائع بذلك النقد المشهور وإن لم يُعيِّن ذلك في أول العقد فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما يكفِ العرف الجاري ويقوم مقام القول الثانية: التلازم؛ حيث إن شاهد الحال - وهو وضع نفسه خياطًا، أو قصَّارًا، أو صاحب حمام أو سفينة، أو بيَّاعًا، أو حمَّالًا - يلزم منه إعطاؤه أجرة المثل، ولو لم يتكلَّم، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه تيسير على الناس، إذ لو اشتُرط في ذلك وجود العقد، وذكر الأجرة والقبول والإيجاب: لتعطَّلت أكثر أعمال الناس، فدفعًا لذلك: شُرع هذا، فإن قلتَ: إن هذا لا يصح، ولا يستحق أُجرة المثل، وهو قول جمهور الشافعية وكثير من العلماء؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشخص لو تبرَّع بعمله لآخر فلا يستحق أُجرة فكذلك مَنْ أعطي عملًا يعمله، أو طُلب منه شيء بدون عقد أو شرط عوض لا يستحق شيئًا والجامع: أن كلًّا منهما قد عمل ذلك من غير عوض مشروط في العقد ومجهول لهما قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن المتبرِّع لم يشهد الحال على أنه يقوم بالأعمال بأجرة، بخلاف ما نتكلَّم عنه حيث اشتُرط فيه: كونه مُعدًّا لنفسه لذلك، ومع الفرق لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" حيث إنّا ألحقناه بالنقد المشهور في البلد عند بيع سلعة؛ لكون ذلك أكثر شبهًا به عندنا، وهم ألحقوه بالمتبرّع بعمله؛ لكون ذلك أكثر شبهًا به عندهم، وهو "قياس الشبه". (فرع): إذا لم يُعدَّ نفسه وينصبها للعمل وأخذ الأجرة فلا يصح استئجاره إلا بعقد، وشرط، وذكر للتعويض عند العقد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المتبرِّع بعمل شيء لا يُعطى أجرة على عمله إلا بعد عقد وشرط وتسمية للأجرة فكذلك هذا والجامع: أنه في كل=
[ ٣ / ٤١٤ ]
(الثالث: الإباحة في) نفع (العين) المقدور عليه المقصود كإجارة دار يجعلها مسجدًا، وشجر لنشر ثياب، أو قعود بظله (فلا تصح) الإجارة (على نفع محرَّم كالزنا، والزمر، والغناء، وجعل داره كنيسة أو لبيع الخمر)؛ لأن المنفعة المحرمة مطلوب إزالتها، والإجارة تنافيها، وسواء شرط ذلك في العقد أو لا إذا ظن الفعل، ولا تصح إجارة طير؛ ليوقظه للصلاة؛ لأنه غير مقدور عليه، ولا شمع وطعام؛ ليتجمَّل به، ويردُّه، ولا ثوب يوضع على نعش ميت، ذكره في "المغني" و"الشرح" ولا نحو: تفاحة لشم (^١٢) (وتصح إجارة حائط لوضع أطراف خشبه) المعلوم (عليه)؛ لإباحة
= منهما لم يجر عرف يقوم مقام العقد.
(^١٢) مسألة: في الثالث والأخير - من شروط صحة الإجارة - وهو: أن تكون المنفعة المؤجَّرة مباحة شرعًا، ومقصودة، ومقدورًا على الانتفاع بها: كأن يستأجر دارًا ليجعلها مسجدًا، وشجرًا لينشر عليه ثيابه، أو ليجلس في ظلِّه ونحو ذلك مما فيه منفعة يقصدها عقلاء المكلفين، ومقدورًا عليها، وبناء على ذلك: فلا تصح إجارة شيء يستعمل في محرمات كأن تُستأجر دار لتُعمل فيها الفواحش من زنا وشرب خمر، أو المتاجرة في ذلك، أو للغناء، أو جعلها كنيسة، أو للعب القمار أو نحو ذلك، وكذا: لا تصح إجارة شيء؛ لأجل التجمُّل به، ثم يردُّه، أو إجارة ثوب؛ ليوضع على نعش الميت، أو إجارة تفاحة للشم فقط أو نحو ذلك؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ واستئجار الأشياء لاستعمالها في المحرمات تدخل في عموم هذه الآية؛ لأنه من باب: التعاون على الإثم والعدوان فيحرَّم؛ لأن النهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم، ولفظ "الإثم" و"العدوان" اسم مفرد محلى بأل وهو من صيغ العموم، الثانية: القياس، بيانه: كما أجمع العلماء على بطلان إجارة النائحة والمغنية فكذلك تبطل إجارة الأشياء التي تستعمل للمحرمات والجامع: أنه في كل منهما انتفاع محرم، وهو منهي عنه، الثالثة: التلازم؛ حيث إن ما لا يُقصد فيه الانتفاع كشم=
[ ٣ / ٤١٥ ]
ذلك (^١٣) (ولا تؤجَّر المرأة نفسها) بعد عقد النكاح عليها (بغير إذن زوجها)؛ لتفويت حق الزوج (^١٤).
= تفاحة، أو التجمُّل، أو ما لا يُقدر على الانتفاع به لا يُمكن حصول الانتفاع الحقيقي منه فيلزم عدم صحة استئجاره؛ لكون بذل المال والعوض عنه فيه سفه، والسفيه يُحجر عليه، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط هذا الشرط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المجتمع من انتشار المحرمات والمعاصي فيه، وحماية الأفراد من بذل الأموال في أشياء لا تستحقها؛ ليكون المجتمع مطيعًا، غنيًا (فرع): إذا أجَّر زيد عمرًا دارًا واستعملها عمرو لفعل المنكرات والمعاصي، أو لفعل أشياء غير مقصودة لعقلاء المكلَّفين: فإن من حق المؤجَّر - وهو زيد -: أن يفسخ الإجارة: سواء شرط ذلك في العقد أو لا؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك فقد شرطًا من شروط صحة الإجارة - وهو: إباحة الانتفاع والقصد فيه - فيلزم بطلانها؛ لانتفاء شرطها. (فرع ثان) لا تصح إجارة طير كديك؛ لأجل أن يوقظ المستأجر للصلاة؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من أن منفعته غير متقوَّمة ومقدَّرة وغير مقدور عليها: عدم صحة إجارتها؛ لعدم العلم بالمنفعة المؤجَّرة علمًا دقيقًا ولا يمكن أن تخرج منه المنفعة بالقوة، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المستأجر من أن يؤكل ماله بغير حق.
(^١٣) مسألة: تصحّ إجارة حائط؛ ليضع المستأجر أطراف خشبه عليه وكذا: تصح إجارة حائط ليبني المستأجر عليه بناء بشرطين: أولهما: أن يكون الخشب والبناء معلومين، ثانيهما: أن تكون مدة الإجارة معلومة؛ للقياس؛ بيانه: كما تصح إجارة السطح للنوم عليه فكذلك تصح الإجارة هنا والجامع: أن كلًّا منهما منفعة مقصودة مقدور على تسليمها، واستيفائها، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط هذان الشرطان؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمتعاقدين من أن يبغي أحدهما على الآخر.
(^١٤) مسألة: لا يصح أن تؤجِّر الزوجة نفسها لخدمة، أو أي عمل إلّا إذا أذن =
[ ٣ / ٤١٦ ]
فصل: (ويشترط في العين المؤجَّرة) خمسة شروط: أحدها: (معرفتها برؤية أو صفة) إن انضبطت بالوصف، ولهذا قال: (في غير الدار ونحوها) مما لا يصح فيه السَّلَم: فلو استأجر حمامًا فلا بد من رؤيته؛ لأن الغرض يختلف بالصغر، والكبر، ومعرفة مائه، ومشاهدة الإيوان، ومطرح الرماد، ومصرف الماء (^١٥)، وكره أحمد كراء الحمام؛ لأنه يدخله من تنكشف عورته فيه (^١٦) (و) الشرط الثاني: (أن يعقد على
= زوجها؛ للمصلحة: حيث إن وقتها من حق زوجها بسبب عقد النكاح عليها، فإذا أجَّرت نفسها للخدمة فإنها تكون قد فوّتت حق الزوج وهذا محرم فتأثم بذلك، فدفعًا لذلك شرع هذا.
(^١٥) مسألة: في الأول - من الشروط التي يجب أن تتوفَّر في العين المؤجَّرة - وهو: أن تُعرف العين المؤجَّرة بالمشاهدة إن كانت لا تنضبط بالوصف، كالبساتين، والمزارع، والحمامات، ونحو ذلك فهذه لا بد من مشاهدتها، ومشاهدة أجزائها، وحدودها، فمثلًا: الحمام لا بدَّ من مشاهدته، ومعرفة كثرة مائة أو قلّته، ومكان الجلوس فيه، وموضع الرماد الذي يكون بعد تسخين الماء، ومعرفة مصرف الماء ونحو ذلك مما يختلف قدر الأجرة بسببها، أما إن كانت تنضبط بالوصف فيكفي وصفها للمستأجر فقط كالدور والدكاكين ونحوها؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يُشترط ذلك في بيع العين، فكذلك يُشترط في تأجير تلك العين والجامع: أن كلًّا منهما يُشترى ويُستأجر للانتفاع به، ويختلف الثمن والأجرة باختلاف كبر العين، وصغرها وتيسير الانتفاع، وعدم ذلك، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن عدم هذا يؤدي إلى الجهالة بمنفعة العين المؤجَّرة، وهذا قد يُفوِّت المنفعة أو بعضها على المستأجر فيتضرّر، فدفعًا لذلك اشترط هذا.
(^١٦) مسألة: تصح إجارة الحمام على من يستعمله للتنظُّف فيه مع الكراهة - كما نُقل =
[ ٣ / ٤١٧ ]
نفعها) المستوفى (دون أجزائها)؛ لأن الإجارة هي بيع المنافع فلا تدخل الأجزاء فيها (فلا تصح إجارة الطعام؛ للأكل، ولا الشمع؛ ليُشعله) ولو أكرى شمعة؛ ليُشعل منها ويرد بقيتها وثمن ما ذهب، وأجر الباقي: فهو فاسد (^١٧) (ولا حيوان؛ ليأخذ لبنه) أو
= عن الإمام أحمد -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون منفعته مقصودة ومقدور على تسليمها واستيفائها: صحة عقد الإجارة هنا، ويلزم من احتمال انكشاف عورة من يدخله احتمالًا بعيدًا: كراهية ذلك؛ دفعًا للمفسدة المحتملة.
(^١٧) مسألة: في الثاني - من الشروط الواجب توفرها في العين المؤجَّرة - وهو: أن يقع عقد الإجارة على نفع العين التي سيستوفيها المستأجر، وبهذا لا يُنظر إلى أجزاء العين المؤجَّرة، فلا تدخل في هذا العقد، وبناء على ذلك: لا تصح إجارة طعام؛ ليأكل منه المستأجر، ولا إجارة شراب؛ ليشرب منه المستأجر، ولا شمعة؛ لينتفع المستأجر في ضوئها فترة، ثم يُرجع المستأجر ما بقي من الطعام، أو الشراب، أو الشمعة إلى المؤجِّر، ويدفع أجرة ما استهلكه من الأكل والشرب والشمعة؛ للتلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: أن عقد الإجارة واقع على بيع المنفعة فيلزم اشتراط ذلك، ويلزم منه عدم دخول الأجزاء ضمن العقد، ثانيهما: أن دخول المنفعة، وأجزائها كإجارة طعام ليأكل منه المستأجر، ويرد باقيه، ويدفع أجرة ما أكله - وغير ذلك من الأمثلة - قد اشتمل على عقدين: عقد بيع وعقد إجارة، وقد جُهل الشيء المباع منه كما جهل الشيء المستأجر منه، فيلزم بطلان العقد؛ للجهالة والغرر، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المتعاقدين من أكل مالهما أو أحدهما بالباطل، وفيه قطع للتنازع بينهما. فإن قلتَ: إن هذا لا يشترط فتصحّ الإجارة في مثل تلك الأمثلة، فتجوز إجارة الشمعة؛ ليشعلها، بشرط: أن يكون كل أوقية بدرهم، وهو ما رجَّحه ابن تيمية وابن القيم؛ للقياس؛ بيانه: كما تصح إجارة الدار كل شهر بدرهم، فكذلك يجوز مثل ذلك. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق ووجه الفرق: أن الدار لا تنقص أصولها بالاستعمال =
[ ٣ / ٤١٨ ]
صوفه، أو شعره، أو وبره (إلا في الظئر) فيجوز وتقدَّم (^١٨) (ونقع البئر) أي: ماؤها المستنقع فيها (وماء الأرض يدخلان تبعًا) كحبر ناسخ، وخيوط خياط، وكحل
= بخلاف الشمعة، والطعام، والشراب ونحو ذلك، فإنها تنقص، فلا يُعلم قدر المستهلك الذي انقلب إلى عقد بيع، وقدر المردود إلى المؤجِّر، فيقع الضرر على أحد المتعاقدين، فدفعًا لذلك: اشتُرط ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس" وأيضًا: "تعارض المصلحتين".
(^١٨) مسألة: تصح إجارة حيوان ليأخذ المستأجر لبنه، أو صوفه، أو وبره، وهو مذهب الإمام مالك وكثير من العلماء كابن تيمية، ويصحّ هذا ولو جعل الأجرة نفقتها والقيام عليها؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز للوالد أن يستأجر امرأة لترضع له ولده - وهي الظئر - فكذلك يجوز هنا والجامع: أن كلًّا منهما عقد على منفعة مقصودة مقدور على تسليمها واستيفائها، دون أن يتأثر الأصل، فإن قلتَ: لِمَ صحَّ هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سد حاجة الناس: فقد يكون عند شخص صغار بهائم تحتاج إلى اللبن وليس عنده ولا يقدر على شراء بهائم ترضعها، فيستأجر لها ذلك، فإن قلتَ: إن هذا كله لا يصح تأجيره، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يجوز تأجير الخبز للأكل، فكذلك لا يجوز تأجير لبن الحيوانات، وشعرها، وصوفها، ووبرها والجامع: أن كلًّا منها أعيان لا تؤجر، والإجارة الصحيحة على المنافع فقط قلتُ: هذا فاسد لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الخبز ينقص أصله إذا أكل منه، بخلاف الحيوان: فلا ينقص إذا أخذ لبنه أو صوفه. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن ألحقناها بالظئر؛ لأنه أكثر شبهًا به، وهم ألحقوها بتأجير الخبز بالأكل؛ لأنها أكثر شبهًا به عندهم، وهذا المسمى بقياس "الشبه"، تنبيه: قوله: "إلا الظئر فيجوز وتقدم" قلتُ: قد سبق تفصيل ذلك في الفرع التابع لمسألة (١٠).
[ ٣ / ٤١٩ ]
كحال، ومرهم طبيب ونحوه (^١٩) (و) الشرط الثالث: (القدرة على التسليم) كالبيع (^٢٠)
(^١٩) مسألة: يجوز استئجار البئر ليسقي منه المستأجر شجره، ويكون نقع البئر، وماء الأرض يدخلان في المؤجَّر تبعًا بشرطين: أولهما: أن تكون مدة الإجارة معلومة للمتعاقدين، ثانيهما: أن تكون أعداد الدلاء التي يُؤخذ فيها الماء معلومة في كل يوم؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن هذا فيه منفعة مقصودة مقدور على تسليمها، واستيفائها مع بقاء العين فيلزم من ذلك جواز الإجارة فيه، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنك إذا استأجرت ناسخًا ينسخ لك كتابًا فإن الحبر والأوراق عليه تبعًا، وكذا: خيوط الخيَّاط، وكحل الكحَّال، ومرهم الطبيب، وقرظ الدبَّاع، وصبغ الصَّباغ عليهم فكذلك ماء الأرض، ونقع البئر تابعان لتأجير البئر والجامع: أن كلًّا منها تابع لعين مؤجَّر نفعها، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على المزارعين، فإن قلتَ: لم اشتُرط هذان الشرطان؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمتعاقدين من أن يبغي أحدهما على الآخر، فإن قلتَ: لِمَ صحَّ ذلك، والماء مباح للجميع؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار" قلتُ: إن التأجير وقع على الانتفاع بهواء البئر، وعمقها وذلك بمرور الدلو والحبل فيها، ولم يقع التأجير على الماء نفسه كما قال ابن عقيل.
(^٢٠) مسألة: في الثالث - من الشروط الواجب توفرها في العين المؤجَّرة - وهو: أن يقدر المؤجِّر على تسليم العين المؤجرة للمستأجر؛ للقياس؛ بيانه: كما أن هذا يُشترط في البيع؛ إذ يُشترط لصحته: أن يكون البائع قادرًا على تسليم المباع للمشتري، فكذلك الإجارة مثله، والجامع: أن كلًّا منهما فيه بيع شيء يريد المشتري والمستأجر الانتفاع به بعد العقد مباشرة، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المستأجر.
[ ٣ / ٤٢٠ ]
(فلا تصح إجارة) العبد (الآبق و) الجمل (الشارد) والطير في الهواء، ولا المغصوب ممن لا يقدر على أخذه (^٢١)، ولا إجارة المشاع مفردًا لغير الشريك (^٢٢)، ولا يُؤجِّر مسلم لذمي؛ ليخدمه (^٢٣)،
(^٢١) مسألة: لا يصح أن يُؤجِّر زيد عبدًا له هاربًا، ولا جملًا له شاردًا، ولا طيرًا له في هواء، ولا سمكًا في بحر، ولا دارًا - قد غصبها منه عمرو لا يقدر - أي: زيد - أن يأخذها من الغاصب - الذي هو عمرو -؛ للتلازم؛ حيث إن عدم قدرة المؤجِّر على تسليم العين المؤجَّرة للمستأجر يلزم منه: عدم صحة الإجارة؛ لفقدان شرط من شروط العين المؤجرة، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط.
(^٢٢) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية دار مشاركة مشاعة بينهما، فيصح لزيد أن يُؤجِّر نصيبه وهو مذهب الجمهور؛ للقياس؛ بيانه: كما يصح أن يبيع زيد نصيبه فكذلك يصح أن يُؤجِّره والجامع: أن نصيب زيد في كل منهما معلوم، لا جهالة فيه، فإن قلتَ: لِمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه نفع للمؤجِّر، بحيث لا تتعطَّل مصالحه، أو تُقيَّد بشريكه فيتحكَّم به من غير وجه حق، فإن قلتَ: لا تصح إجارة المشاع لغير الشريك، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الدار المغصوبة لا يصح تأجيرها إلّا لغاصبها دون غيره فكذلك هنا لا يصح تأجير النصيب المشاع إلّا لشريكه والجامع: أن كلًّا منهما لا يقدر على تسليم المؤجَّر إلّا لهذين الشخصين، فلم تصح لغيرهما قلتُ: هذا لا يُسلَّم؛ لأنه إذا جاز تأجير شريكه: فإنه يجوز تأجير غيره والجامع: أنه عقد على ملكه، فإن وقع على شريكه ضرر من هذا التأجير فإنه له حق الشفعة كالبيع؛ لإزالة ذلك الضرر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن ألحقناه بالبيع؛ لأنه أكثر شبهًا به، وهم ألحقوه بالعين المغصوبة؛ لأن ذلك أكثر شبهًا بها، وهذا هو: "قياس الشبه".
(^٢٣) مسألة: لا يصح أن يؤجر المسلم نفسه لكافر من أجل الخدمة الدائمة أو أن =
[ ٣ / ٤٢١ ]
وتصح لغيرها (^٢٤) (و) الشرط الرابع: (اشتمال العين على المنفعة، فلا تصح إجارة بهيمة زمنة للحمل، ولا أرض لا تنبت للزرع)؛ لأن الإجارة عقد على المنفعة، ولا يُمكن استيفاء هذه المنفعة من هذه العين (^٢٥) (و) الشرط الخامس: (أن تكون المنفعة)
= يؤجره عبدًا مسلمًا لذلك، للقياس؛ بيانه: كما لا يصح أن يبيع عبدًا مسلمًا لكافر فكذلك لا يصح أن يؤجره إيّاه، ولا نفسه، والجامع: إن كلًّا منهما فيه إذلال وإهانة للمسلم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي: تكريم الإسلام والمسلمين.
(^٢٤) مسألة: يصح أن يُؤجِّر المسلم نفسه لكافر ليعمل له عملًا معينًا لمدَّة معينة كخياطة ثوب، أو بناء جدار أو نحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث إن عليًا ﵁ قد أجَّر نفسه من يهودي يستقي له كل دلو بتمرة، وأخبر النبي ﷺ بذلك فلم يُنكر ذلك، الثانية: القياس؛ بيانه: كما تصح مبايعته فكذلك يصح إجارة المسلم نفسه عليه مدة معلومة والجامع: أن كلًّا منهما عقد معاوضة، لا يتضمن إذلال ولا إهانة للمسلم، فإن قلتَ: لِمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين؛ إذ قد لا يجد المسلم من يُؤجِّر نفسه عليه إلّا هذا الكافر.
(^٢٥) مسألة: في الرابع - من الشروط الواجب توفرها في العين المؤجَّرة - وهو: أن تكون العين المؤجرة نافعة للمستأجر نفعًا حقيقيًا، ولذا: فلا تصح إجارة دار مُهدَّمة للسكنى، ولا بهيمة مريضة وكبيرة للركوب، أو لحمل متاع، ولا إجارة أرض لا تنبت للزرع، ولا إجارة أعمى لحفظ متاع، أو حراسة؛ للقياس؛ بيانه: كما تشترط القدرة على تسليم العين المؤجرة، فلا تصح إجارة عبد هارب فكذلك يشترط اشتمال العين المؤجرة على المنفعة، فلا تصح إجارة دار مهدَّمة للسكنى، أو بهيمة مريضة للحمل، والجامع: عدم تمكُّن المستأجر من استيفاء المنفعة التي وقع عليها العقد، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية =
[ ٣ / ٤٢٢ ]
مملوكة (للمؤجِّر، أو مأذونًا له فيها) (^٢٦)، فلو تصرَّف فيما لا يملكه بغير إذن مالكه: لم يصح كبيعه (^٢٧) (وتجوز إجارة العين) المؤجَّرة بعد قبضها إذا آجرها المستأجر (لمن يقوم مقامه) في الانتفاع، أو دونه؛ لأن المنفعة لما كانت مملوكة له جاز أن يستوفيها بنفسه ونائبه (لا بأكثر منه ضررًا)؛ لأنه لا يملك أن يستوفيه بنفسه فبنائبه أولى (^٢٨)،
= المستأجر من يؤكل ماله بغير حق.
(^٢٦) مسألة في الخامس والأخير - من الشروط الواجب توفُّرها في العين المؤجَّرة - وهو: أن تكون المنفعة مملوكة للمؤجِّر - إما بملك عين، أو هو قد استأجرها - أو قد أذن له في تأجيرها من المالك الحقيقي، كوكيل، أو وصي، أو ولي، أو ناظر وقف ونحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما يُشترط ذلك في بيع العين، فكذلك يُشترط في تأجير منفعتها والجامع: أن كلًّا منهما يُعتبر بيعًا لا يتصرف فيه إلّا المالك، أو المأذون له فيه، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الناس؛ حيث إنه لو لم يُشترط ذلك لأدى إلى أن يؤجر بعض الناس أملاك غيرهم من غير إذن منهم، فيأكلوا أموالهم بغير حق.
(^٢٧) مسألة: إذا أجَّر زيد دار أو ملك عمرو من غير إذن منه، أو تصرف فيها بأي تصرف: فلا تصح تلك الإجارة؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يصح أن يبيع زيد ملك عمرو من غير إذنه فكذلك لا تصح إجارته والجامع: حفظ أملاك الآخرين من اعتداء الآخرين عليها في كل، وهذا هو المقصد منه.
(^٢٨) مسألة: إذا استأجر عمرو من زيد دارًا مثلًا سنة كاملة بعشرة آلاف، وقبضها: فيجوز لعمرو أن يؤجرها لبكر تلك السنة بأي أجرة: بشرط: أن تكون منفعة بكر بالدار كمنفعة عمرو بها، أما إن كان بكر سينتفع بها نفعًا يضرّ بالدار أكثر من عمرو فلا يجوز لعمرو أن يؤجره إيّاها إلّا إذا أذن المالك - وهو هنا زيد -؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز لعمرو أن ينتفع بالدار فكذلك نائبه مثله إذا كان الانتفاع واحدًا، وكما لا يجوز لعمرو أن ينتفع بالدار بأكثر من المشترط عليه من قبل =
[ ٣ / ٤٢٣ ]
وليس للمستعير أن يُؤجر إلا بإذن مالك، والأجرة له (^٢٩) (وتصح إجارة الوقف)؛
المالك الأول - وهو زيد - فكذلك نائبه من باب أولى أن لا ينتفع بأكثر من المشترط؛ لعدم الفارق بين عمرو ونائبه، وهو: بكر هنا، فإن قلت: لم صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، وفتح باب التوسُّع في المتاجرات وكسب المال الحلال. (فرع): إذا تعذَّر على المستأجر استيفاء المنفعة بنفسه بسبب سفر، أو إضاعة مال، أو حبس أو مرض، أو نحو ذلك: فإن الإجارة تنفسخ، فلا يُطالب بأجرة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو تعذَّر تسليم المؤجِّر منفعة العين المؤجرة: فإنه يثبت فسخ الإجارة فكذلك الحال هنا والجامع: تعذُّر استيفاء المنفعة في كل. فإن قلت: لِمَ شُرّع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة عن المستأجر، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح. (فرع ثان): يجوز لعمرو أن يُؤجِّر الدار - التي استأجرها من زيد - بمثل الأجرة - وهي عشرة آلاف - ويجوز أن يؤجرها بأزيد منه، للقياس؛ بيانه: كما يجوز أن يبيع عمرو العين التي اشتراها من زيد بعد قبضها بمثل السعر الذي اشتراها فيه، وبأزيد منه، فكذلك تأجير منفعة العين مثل ذلك والجامع: أن كلًّا منهما عقد يجوز برأس المال فجاز بزيادة، فإن قلتَ: لَم جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، وفتح باب من أبواب المتاجرة الحلال.
(^٢٩) مسألة: إذا استعار عمرو من زيد جملًا فيجوز لعمرو أن يُؤجِّره على بكر، وتكون الأجرة للمالك - وهو زيد - بشرط: أن يأذن زيد لعمرو بذلك وأن تذكر مدة الإجارة، فإن لم يأذن زيد، أو لم تُبين مدة الإجارة: فلا تصح الإجارة؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه كما يجوز لعمرو أن يبيع الجمل إذا أذن له زيد، فكذلك يجوز له أن يؤجره بعد إذنه، والجامع: أن الحق فيهما للمالك - وهو زيد - الثانية: التلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: أنه يلزم من كون عقد الإجارة عقد لازم - كما سيأتي -: أن يشترط إذن المالك، وأن تذكر مدة الإجارة لعدم صحة =
[ ٣ / ٤٢٤ ]
لأن منافعه مملوكة للموقوف عليه فجاز له إجارتها كالمستأجر (^٣٠) (فإن مات المؤجِّر فانتقل) الوقف (إلى من بعده: لم تنفسخ)؛ لأنه أجر ملكه في زمن ولايته، فلا تبطل بموته كمالك الطلق (وللثاني حصَّته من الأجرة) من حين موت الأول، فإن كان قبضها رجع في تركته بحصته؛ لأنه تبيَّن عدم استحقاقه لها، فإن تعذَّر أخذُها: فظاهر كلامهم أنها تسقط قاله في "المبدع"، وإن لم تُقبض: فمن مستأجر، وقدَّم في "التنقيح": أنها تنفسخ إن كان المؤجِّر الموقوف عليه بأصل الاستحقاق، وكذا: حكم مقطع أجر إقطاعه، ثم أقطع لغيره (^٣١)، وإن أجَّر الناظر العام، أو مَنْ شرط له،
= الإجارة بدونهما، ثانيهما: أنه يلزم من ورود الإجارة على العين المستعارة - وهي: الجمل - انفساخ العارية، واستحقاق المالك -وهو زيد- للأجرة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق أصحاب الأملاك.
(^٣٠) مسألة: الوقف تصح إجارته، ويقوم بذلك الموقوف عليه، وهو الذي يملك الأجرة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المستأجر يصح أن يُؤجِّر ما استأجره من منفعة عين - كما سبق في مسألة (٢٨) - وتكون الأجرة له، فكذلك الموقوف عليه يصح أن يُؤجر الوقف، وتكون الأجرة له، والجامع: أن منافع المؤجَّر مملوكة لكل منهما فصح فيهما، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه منفعة للموقوف عليه، وأجر للواقف.
(^٣١) مسألة: إذا قال زيد: "وقفت هذه الدار على ابني بكر، ثم على ابني عمرو" فأجَّر بكر تلك الدار على محمد، ثم مات بكر: فإن الإجارة لا تنفسخ، بل يستمر محمد في الدار على حاله حتى تنقضي المدة المشترطة أثناء عقد الإجارة، وتحسب للموقوف عليه الثاني - وهو: عمرو - حصَّته ونصيبه من الأجرة من حين موت الموقوف عليه الأول - وهو بكر -، ويأخذ الثاني - وهو عمرو - هذا النصيب من المستأجر - وهو محمد - إن لم يكن بكر قد قبضها كلها، أما إن كان - أي: بكر - =
[ ٣ / ٤٢٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= قد قبضها: فإنه يأخذ نصيبه من تركة بكر؛ القاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما لا تنفسخ إجارة مؤجِّر الملك الطلق الذي لم يُقيَّد بوقف إذا مات، فكذلك لا تنفسخ إجارة مؤجر الوقف إذا مات، والجامع: أن كلًّا منهما أجر ملكه في زمن ولايته واستحقاقه للأجرة؛ الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من عدم استحقاق الموقوف عليه الأول - وهو بكر - بسبب موته أن يأخذ الثاني - وهو عمرو - نصيبه وحصَّته من وقت موت الأول، وهذا من قواعد حصول التمليك. فإن قلتَ: إن الإجارة تنفسخ هنا، وهو ما ذكره كثير من علماء الحنابلة وغيرهم؛ للتلازم؛ حيث إن الطبقة الثانية - وهو عمرو هنا - تستحق العين بمنافعها؛ حقًا لها واردًا من الواقف - وهو زيد هنا -؛ حيث نصَّ على ذلك، فيلزم أن تنفسخ الإجارة هنا حتى تتمكَّن تلك الطبقة من قبض حقهم، قلتُ: هذا لا يصح؛ لأن عقد الإجارة عقد لازم، فالمستأجر قد استأجر من الطبقة الأولى - وهو بكر هنا - مدَّة بأجرة اتفقا عليهما، فلو انفسخت الإجارة بموت بكر للحق المستأجر ضرر ومفسدة فدفعًا لذلك يستمر المستأجر على ما هو عليه حتى نهاية المدة المتفق عليها؛ لكون دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح؛ خاصة وأن الأجرة ستكون للطبقة الثانية - وهو عمرو هنا - بعد موت بكر. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس" وقد سبق بيانه، (فرع): إذا تعذَّر على عمرو أخذ حصته من الأجرة التي قبضها بكر: - في المسألة السابقة - فإنه يُطالب بها ورثة بكر إن جاءتهم عن طريق الإرث، وإن لم يكونوا قد قبضوها: فإنها تسقط؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عدم قبض الورثة لتلك الأجرة: سقوطها عن مطالبة عمرو لهم بها؛ لكونهم غير ملزمين بدفع ما استلمه غيرهم، وهذا من باب حفظ حقوق الآخرين. (فرع ثان): حكم شخص قد أُقطع أرضًا للزراعة إقطاع نفع فقط، دون تمليك ثم أجَّرها، ثم مات مثل حكم الموقوف عليه الذي مات قياسًا =
[ ٣ / ٤٢٦ ]
وكان أجنبيًا: لم تنفسخ الإجارة بموته ولا بعزله (^٣٢)، وإن أجَّر الولي اليتيم، أو ماله، أو السيدُ العبد، ثم بلغ الصبي ورشد، أو عتق العبدُ، أو مات الولي، أو غُزل: لم تنفسخ الإجارة (^٣٣)، إلا أن يُؤجِّره مدة يعلم بلوغه، أو عتقه فيها، فتنفسخ
= عليه - كما سبق في مسألة (٣١) -.
(^٣٢) مسألة: إذا أجَّر الحاكم - وهو الناظر العام - أو نائبه الوقف، أو ولَّى شخصًا على ذلك، أو اشترط الواقف شخصًا أجنبيًا معيّنًا ينظر في الوقف - وذلك لكون الوقف على غيره-: فإن الإجارة لا تنفسخ بموت ذلك الناظر، ولا بعزله، بل يستمر المستأجر في الانتفاع بالعين الموقوفة حتى تنتهي مدة الإجارة المتفق عليها؛ للقياس، وقد سبق بيانه في مسألة (٣١) تنبيه: هذه المسألة مبنية على ما سبق ذكره في مسألة (٣١).
(^٣٣) مسألة: إذا أجَّر الوليُّ - زيد - الصبي اليتيم مُدّة معلومة على عمرو ليعمل عنده، أو أجر الولي مال اليتيم كداره أو حماره على عمرو ليعمل عليه أو أجَّر سيدٌ عبدَه مدَّة معلومة على عمرو ليعمل عنده، ثم بلغ الصبي، أو عتق العبد في أثناء مدة الإجارة، أو مات ولي اليتيم، أو عُزل -لأي سبب-: فإن الإجارة لا تُنفسخ، بل يستمر عمرو على استئجاره واستعماله لليتيم، ولماله، وللعبد، حتى تنتهي مُدَّة الإجارة المتفق عليها بين زيد والسيد وبين عمرو؛ للقياس، وهو من وجوه: أولها: كما أن الولي لو باع دار الصبي -المولَّى عليه- أو زوَّج الصبي: فإن البيع والزواج لا يبطلان إذا بلغ الصبي أو مات الولي أو عُزل، فكذلك الحال في الإجارة والجامع: أن كلًّا من عقد البيع والإجارة عقد لازم من حق الولي أن يفعلهما أثناء ولايته، ثانيها: كما لو أن السيد زوج أمته ثم باعها فإن البيع والزواج لا يبطلان عليه إذا عتقت فيما بعد فكذلك الحال في الإجارة والجامع: أن كلًّا من عقد البيع والإجارة قد صدرا من السيد على ما يملكه، فلا تنفسخ بزوال ملكه بالعتق أو غيره ثالثها: أن الناظر العام للوقف أو الحاكم لو =
[ ٣ / ٤٢٧ ]
من حينهما (^٣٤) (وإن أجَّر الدار ونحوها) كالأرض (مدَّة معلومة ولو طويلة يغلب على الظن بقاء العين فيها: صح) ولو ظُنَّ عدم العاقد فيها، ولا فرق بين الوقف والملك؛ لأن المعتبر: كون المستأجر يُمكنه استيفاء المنفعة منها غالبًا (^٣٥)، وليس لوكيل مطلق
= أجَّر الوقف ثم مات أو عُزل: فإن الإجارة لا تنفسخ - كما سبق في مسألة (٣٢) - فكذلك إذا مات ولي الصبي المؤجِّر له أو عُزل لا تنفسخ الإجارة بموته أو بعزله والجامع: أن كلًّا منهما قد تصرَّف في زمن تصرُّفه شرعًا فإن قلت: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المستأجر.
(^٣٤) مسألة: إذا أجَّر الولي صبيه سنتين مثلًا وهو يعلم أنه سيبلغ بعد سنة، أو أجَّر عبده سنتين وهو يعلم أن عتقه معلَّق بعد سنة: فإنه إذا بلغ الصبي، أو عتق العبد تنفسخ الإجارة؛ للتلازم؛ حيث إن الولي أو السَّيد قد عقد الإجارة في زمن ولايته، وزمن لا يتولّى فيها عليه فيلزم صحة الإجارة في زمن تسلُّطه عليه بالولاية، وعدم صحتها في غير زمنه -وهو الذي بعد بلوغه وعتقه- فإن قلتَ: لِمَ فرِّق بين هذه المسألة وما قبلها في الحكم؟ قلت: لأنه في المسألة السابقة عند تأجيرهما لا يعلم عن وقت بلوغه، أو عتقه، فحصل البلوغ والعتق بغتة، فلم تنفسخ الإجارة؛ لكونه لم يتسلَّط على زمن غيره، أما في هذه المسألة فقد أجَّرهما وهو عند تأجيرهما يعلم وقت بلوغ الصبي، ووقت عتق العبد، فيكون متعد على غيره فانفسخت الإجارة.
(^٣٥) مسألة: يصح للمالك، أو الناظر للوقف تأجير العين التي تحت أيديهما، أو يملكانها من دور أو أراضي مدَّة معلومة ولو كانت طويلة كعشرين سنة أو أربعين أو أكثر بشرط: أن يغلب على الظن بقاء منفعة العين، وهذا يصح ولو غلب على الظن موت المتعاقدين - المؤجِّر والمستأجر - أو أحدهما؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾، حيث إن هذا فيه دلالة على جواز إجارة العين مدة معلومة ولو كانت طويلة؛ لأن شرع من قبلنا شرع لنا ما =
[ ٣ / ٤٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لم يرد ما يخالفه في شرعنا، ويؤخذ من إطلاق الآية في الأحوال والأزمان: أن هذا يصح ولو غلب على الظن موت أحد المتعاقدين أو كليهما؛ نظرًا لعدم ضمان حياة موسى وشعيب المتعاقدين على ذلك الثانية: القياس؛ بيانه: كما تصحّ إجارة العين سنة واحدة - كما أجمع العلماء عليها - فكذلك تصح إجارتها لأكثر ولا فرق، والجامع: أن المستأجر يُمكنه استيفاء المنفعة من العين في السنة وأكثر منها غالبًا، فإن قلتُ: لِمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس؛ إذ بعض الناس لا تتم مصالحهم في تجارة ونحوها إلّا إذا استأجروا الدور والأراضي سنوات طويلة. فإن قلتَ: لا تصح الإجارة أكثر من سنة واحدة، وهو قول للشافعي وكثير من العلماء للمصلحة: حيث إن الإجارة قد شرعت للحاجة، والحاجة لا تدعو إلى أكثر من سنة، فلا تصح فيما هو أكثر؛ لكونه أكثر من الحاجة. قلتُ: هذا لا يُسلَّم، بل إن بعض الناس قد يحتاج إلى استئجار الشيء أكثر من سنة كما قلنا ومن عادة الشارع مراعاة جميع طبقات الناس، فإن قلتَ: لا تصح الإجارة أكثر من ثلاثين سنة، وهو قول بعض الحنابلة؛ للمصلحة حيث إن الغالب أن الأعيان المؤجَّرة لا تبقى أكثر من ثلاثين سنة، وفيها تتغيَّر الأسعار، والأجور، فلو وقع هذا: للحق المستأجر أو المؤجر الضرر في أن الأجرة قد تنزل أو ترتفع على حسب اختلاف الأزمان. قلتُ: هذا لا ضابط له؛ حيث إنها قد تنزل الأسعار، وقد ترتفع، وهما احتمالان متساويان لا يُرجَّح أحدهما على الآخر حتى يُقال قد يلحق الضرر للمتعاقدين أو أحدهما، وهذا شك، والشك لا تبنى عليه أحكام، فيبقى الحكم الأصلي فيُستصحب وهو: إطلاق الأجرة على السنوات وإن كثرت، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض المصالح" فنحن رجَّحنا: أن الإجارة تصح مطلقًا بدون تحديد سنوات؛ لأن مصلحة ذلك عامة وهم رجَّحوا ما ذكروه لمصالح إما =
[ ٣ / ٤٢٩ ]
إجارة مُدَّة طويلة، بل العرف كسنتين ونحوهما، قاله الشيخ تقي الدين (^٣٦)، ولا
= خاصة، أو مشكوك فيها، وهاتان المصلحتان لا تقويان على معارضة ما ذكرناه من المصلحة، (فرع) إذا استأجر زيد من عمرو دارًا عشر سنين فلا يحتاج إلى أن يدفع زيد أجر كل سنة، بل إن هذا يكون على حسب اتفاقهما عند العقد، فإن اتّفقا على أن يدفع أجرة العشر السنوات معًا صح، وإن اتفقا على تقسيط الأجرة، بأن يدفع زيد أجرة كل سنة: صحَ ذلك أيضًا؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز بيع العين بثمن مدفوع كله عند العقد، ويجوز أن يدفع بعضه عند العقد، والباقي على أقساط فكذلك الإجارة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما عقد على بيع شيء، فإن قلتَ: إنه إذا أجَّره سنوات عديدة فإنه لا بدَّ أن يُقسِّط الأجرة: بأن يدفع زيد أجرة كل سنة لوحدها، وهو قول للشافعي؛ للمصلحة: حيث إن المنافع تختلف باختلاف السنين، فلا يُؤمن أن ينفسخ عقد الإجارة لأي سبب فيكون دفع المستأجر أجرة السنوات المتفق عليها مُضرًا به، قلتُ: هذا منقوض بقولكم: "إنه إذا استأجر سنة فلا يحتاج إلى أن يدفع أجرة كل شهر" مع وجود الاحتمال الذي ذكرتموه، فالشهور كالسنوات هنا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع المصلحة".
(^٣٦) مسألة: إذا وكَّل زيد عمرًا على تأجير عقاراته من دور وغيرها وكالة مطلقة: فإنه يجوز للوكيل - وهو عمرو - أن يُؤجِّرها مدَّة طويلة أو قصيرة بدون تحديد إذا رأى المصلحة تقتضي ذلك؛ للقياس؛ بيانه كما يجوز للمالك - وهو هنا زيد - أن يؤجر المدة التي يراها: سواء كانت طويلة أو قصيرة على ما تقتضيه المصلحة فإنه يجوز للوكيل، والجامع: أن كلًّا منهما يُعتبر متصرِّفًا مطلقًا في ذلك دون تقييد، فإن قلتَ لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تقييد الوكيل ببعض السنوات فيه حرج عليه وقد تقتضي المصلحة ضد ذلك. فإن قلتَ: إن الوكيل المطلق ليس له تأجير أملاك مُوكِّله مدة طويلة، بل له أن يُؤجِّرها مدَّة قصيرة كسنتين أو ثلاث =
[ ٣ / ٤٣٠ ]
يُشترط: أن تلي المدَّة العقد، فلو أجَّره سنة خمس في سنة أربع: صح، ولو كانت العين مؤجَّرة، أو مرهونة حال العقد إن قدر على تسليمها عند وجوبه (^٣٧) (وإن استأجرها) أي العين (لعمل كدابة لركوب إلى موضع معين، أو بقر لحرث) أرض معلومة بالمشاهدة؛ لاختلافها بالصلابة والرخاوة (أو دياس زرع) معين، أو موصوف؛ لأنها منفعة مباحة مقصودة (أو) استأجر من يدلُّه على طريق اشترط معرفة ذلك) العمل (وضبطه بما لا يختلف)؛ لأن العمل هو المعقود عليه، فاشتُرط فيه العلم كالمبيع (^٣٨)، (ولا تصح) الإجارة على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل
= ونحوها، وهو ما ذكره المصنف هنا. قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على هذا التحديد، وإذا لم يُوجد دليل على ذلك: فإنّا نبقى على إطلاق الشارع استصحابًا له.
(^٣٧) مسألة: تجوز إجارة العين المؤجَّرة، فلو كان زيد قد أجَّر عمرًا دارًا سنة تبدأ من ١/ ١/ ١٤٢٦ هـ وتنتهي في ١/ ١/ ١٤٢٧ هـ: فإنه يجوز له أن يُؤجِّر بكرًا السنة التي بعدها - وهي التي تبدأ من ١/ ١/ ١٤٢٧ هـ وتنتهي في ١/ ١/ ١٤٢٨ هـ-: سواء كانت تلك العين مؤجَّرة كما قلنا" أو مرهونة عند عقد الإجارة للثاني - وهو بكر هنا - أو كانت غير مشغولة ولكن هذا كله بشرط: أن يكون زيد قادرًا على تسليم العين المؤجرة - وهي الدار - للمستأجر الثاني - وهو بكر -؛ للتلازم؛ حيث إن عقد الإجارة للمستأجر الثاني - وهو: بكر هنا - لا دخل له في عقد الإجارة للأول - وهو هنا عمرو - ويقدر المالك - وهو زيد - على أخذها من الأول، - وهو عمرو - وتسليمها للثاني - وهو بكر - فلزم من ذلك: جواز ذلك.
(^٣٨) مسألة: الإجارة للعمل - وهو: القسم الثاني من أقسام الإجارة - يُشترط فيه: معرفة ذلك العمل وضبطه بما لا يختلف بالمشاهدة والرؤية، أو الوصف، وبيان مدَّة العمل إذا كان العمل يُقيَّد بمدَّة، فمثلًا: لو استأجر زيد من عمرو دابة لدياسة زرع، أو لركوب، أو لحرث أرض، أو استأجر بكرًا ليدله على طريق، أو ليداويه، أو ليعلمه: فلا بدَّ لعمرو وبكر أن يعرفا ذلك العمل، وضبطه، =
[ ٣ / ٤٣١ ]
القربة) أي مسلمًا، كالحج والأذان وتعليم القرآن؛ لأن من شرط هذه الأفعال: كونها قربة إلى الله تعالى، فلم يجز أخذ الأجرة عليها، كما لو استأجر قومًا يصلون خلفه، ويجوز أخذ رزق على ذلك من بيت المال، وجعالة، وأخذ بلا شرط (^٣٩)،
= ومدّته إذا احتاج إلى ذلك معرفة دقيقة، للقياس؛ بيانه: كما تشترط معرفة العين التي يُراد بيعها فكذلك يُشترط ذلك في إجارة نفع تلك العين والعمل الذي يُراد للتأجير عليه والجامع: أن كلًّا من العين، ونفعها، والعمل هو المعقود عليه فاشترط فيه العلم، فإن قلتَ: لِمَ جاز هذا القسم من التأجير؟ قلتُ: للتلازم؛ حيث إن منافع العمل هذا مباحة مقصودة فصدق عليه تعريف الإجارة فيلزم جوازه، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرطت معرفة ذلك العمل الذي يُراد التأجير عليه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن العمل يختلف باختلاف المشقة، واليسر فيه، والقوة والضَّعف فاشتُرط ذلك؛ ليكون المستأجر على بيّنة من أمره (فرع): إذا استأجر زيد المريض طبيبًا يُعالجه حتى يُشفى: أو استأجر أستاذًا يعلمه بابًا من أبواب العلم حتى ينجح فيه إذا اختُبر، أو حتى يبرع فيه بدون تحديد مدة: فإنه يصح ذلك، ولكن يكون جعالة، لا إجارة، بأن يجعل له جُعْلًا، ويأخذ الأجير ما أعطي فقط؛ للمصلحة: حيث إنه يجهل فيه العمل والمدَّة فلا تصح فيه الإجارة، ودفعًا للمضرَّة عن المستأجر، ونفعًا للمؤجِّر نفسه صحَّت فيه الجعالة.
(^٣٩) مسألة: لا تصح الإجارة على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة: كأن يُؤجِّر المسلم نفسه بالحج عن الغير، أو يؤذِّن، أو يقيم، أو يؤم المصلين، أو يُعلِّم القرآن، أو يُعلِّم العلم الشرعي كعلم الفقه، والأصول والتفسير، والحديث، أو أن يقضي، أو يفتي، أو يجاهد، أو نحو ذلك، وإنما يأخذ هؤلاء أرزاقًا يأمر بها السلطان لهم من بيت المال أو غير السلطان من الناس كجُعْل لهم، ويأخذونها إذا أعطوا إياها بلا مشارطة وهي عون لهم على الطاعة؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية، وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ: "اقرأوا القرآن ولا تأكلوا =
[ ٣ / ٤٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= به" والمراد بالأكل به: تأجير نفسه لأجل أن يقرأ القرآن، ثانيًا قوله ﷺ: "اتّخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا" فنهى عن أخذ الأجرة على الآذان، والقرآن، والنهي في النَّصين مطلق، فيقتضي التحريم، وذكره للأجرة في النص الثاني يلزم منه جواز أخذ الجعل والرزق، وهو من باب مفهوم الصفة، وغير القرآن والأذان من القرب مثلهما من باب "مفهوم الموافقة"، ثالثها: قوله ﷺ: "ما أتاك من هذا المال، وأنت غير مشرف، ولا سائل فخذه، وتموَّله: فإنه رزق ساقه الله إليك" وهو: المراد بالجعل والرزق بلا شرط، الثانية: القياس؛ بيانه: كما يجوز للشخص أن يأخذ من السلطان أو غيره بلا شرط ولو لم يعمل شيئًا - كتوزيع ما في بيت المال على الغني والفقير من المسلمين - فكذلك يجوز أخذ المال بغير شرط والجامع: أن كلًّا منهما كان هبة مجرَّدة. الثالثة: التلازم؛ حيث إن من شرط هذه الأفعال الخيرية كونها قربة وطاعة الله تعالى فيلزم عدم جواز أخذ الأجرة عليها؛ لكون الاستئجار والمشارطة يخرجها عن ذلك كما لو استأجر قومًا يصلون خلفه الجمعة أو التراويح فلا أجر له ولا لهم، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه شرع الله وما يختص به من تعلُّم وتعليم وعمل، وكذا القائمين عليه ممن هم ورثة الأنبياء، وهذا كله ينبغي أن يُنزّه، ويكرَّم من امتهان الآخرين لهم والشروط والمشارطة ونحو ذلك مما يحصل عادة عند المتعاقدين فيه امتهان لذلك، فإن قلتَ: لِمَ جازت الجعالة، والرزق بلا شرط في تلك الأعمال؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن الجعالة أوسع من الإجارة فتصح ولو لم يعلم العمل والمدة وليس فيها امتهان للمؤجر نفسه، ولا لمستأجره، ولا للعاملين بالأمور الشرعية، فإن قلتَ: يجوز أخذ الأجرة على كل ما سبق؛ للسنة القولية؛ وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ: "أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" فهذا صريح في جواز أخذ الأجرة على تعليم الكتاب، وغير ذلك مثله من باب =
[ ٣ / ٤٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= " مفهوم الموافقة" ثانيها: أنه ﷺ قال: "زوجتكها بما معك من القرآن" وإذا جاز جعل تعليم القرآن صداقًا في النكاح: فإنه يجوز جعله أجرة من باب "مفهوم الموافقة" ثالثها: أن بعض الصحابة قد رقوا قومًا بآيات فأخبروا النبي ﷺ فقال: "اضربوا لي معكم بسهم" وهو ما أخذوه: أجره؛ لأنهم شارطوا على ذلك، قلتُ: أما الحديث الأول - وهو قوله: "أحق ما أخذتم … " -وحديث الرقية- وهو الثالث -: فهما قد وردا في قصة واحدة، وهي: قصة الرقية وهي مشهورة، وحُمل ما جاء فيها على الجعالة؛ لأن الرقية نوع من المداواة ولا يصح فيها إلا الجعالة؛ لعدم اشتراط أو معرفة العمل والمدة؛ بخلاف الأجرة، وأما الحديث الثاني - وهو حديث الصداق - فليس فيه تصريح بأن تعليم القرآن صداق فيُحتمل أنه زوجه بغير صداق؛ إكرامًا له كما زوّج أبا طلحة أم سليم على إسلامه، والإسلام ليس بأجرة، وإنما فعل ذلك إكرامًا له، ومما يؤيد ذلك: أن المهر لا يصح أن يُسمَّى أجرة، وإنما هو نحلة وصلة وصداق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: ""تعارض النصوص" فنحن رجّحنا النصوص غير المحتملة التي ذكرناها؛ لقلّة تطرّق الاحتمالات إليها ورجَّحوا النصوص التي ذكروها؛ لقوّتها عندهم، فإن قلتَ: ما أثر الخلاف هنا؟ قلتُ: يتبيَّن أثره في الأجر والثواب من الله تعالى، وعدمه، والمطالبة بالأجرة، وعدمها: فمن قال: لا تصح الإجارة على فعل الأعمال الخيرية، فإنه يحكم بأن المؤجر نفسه يحصل على الثواب من الله، وما يأخذه من رزق وجعل؛ للإعانة على الطاعة فقط، ولا يُطالب بهذا الجعل فيما لو منع عنه، أما من قال بأنه تصحّ الإجارة في ذلك: فإنه لا أجر ولا ثواب للمؤجِّر نفسه، ولو مُنعت عنه الأجرة فله الحق بالمطالبة بها، (فرع): ما لا يتعدَّى نفعه فاعله من العبادات المحضّة كالصيام، والصلاة عن نفسه، والحجّ عن نفسه، وأداء زكاة نفسه، فلا يجوز أخذ الأجرة على ذلك مطلقًا ولا يجوز الاستئجار =
[ ٣ / ٤٣٤ ]
ويكره للحر أكل أجرة على حجامة، ويُطعمه الرقيق والبهائم (^٤٠) (و) يجب (على
= عليها؛ للقياس؛ بيانه: كما لا تجوز إجارة ما لا نفع فيه من الأعيان فكذلك لا تجوز إجارة هذه الأمور والجامع: أنه لم يحصل لغيره انتفاع في كل؛ لأن الأجرة عوض للانتفاع.
(^٤٠) مسألة: يجوز أن يستأجر الشخص رجلًا يحجمه، والحاجم - حرًا أو غير حر - يأخذ الأجرة، وهي مباحة له، دون كراهة، وهو قول الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قال ابن عباس: "احتجم النبي ﷺ وأعطى الحجام أجره" فيلزم جواز ذلك، وإباحة الأجرة، فلو كانت الأجرة مكروهة للحر، لبيَّن ذلك النبي ﷺ، ولما أعطاه إياها؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولم يُبيِّن الراوي - وهو ابن عباس - هل الذي حجم النبي ﷺ حر أو عبد؟ وهذا يدل على عموم ذلك، الثانية: القياس، وهو من وجهين: أولهما كما يجوز استئجار الختَّان - وهو من يختن الذكور - وأجرته مباحة فكذلك أجرة الحجام مباحة والجامع: أن كلًّا منهما منفعة مباحة لا يختصّ فاعلها أن يكون من أهل القربة.
ثانيهما: كما يجوز الاستئجار على الرضاع - وهو الظئر كما سبق - وأجرة ذلك مباحة، فكذلك أجرة الحجام مثل ذلك والجامع: أن كلًّا منهما يحتاجه الناس، ولا يجد كل أحد متبرعًا به، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس فلو كان كسب الحجام فيه كراهة للحق بعض الناس بعض الضيق والحرج والمشقة، فإن قلتَ: يجوز الاستئجار على الحجامة، ولكن يكره للحرّ أن يأكل تلك الأجرة، وإنما يُطعمها للرقيق والبهائم، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية: حيث إنه ﷺ قال: "كسب الحجام خبيث" فوصف النبي ﷺ لما يأخذه الحجام بأنه خبيث يدل على كراهته فلما سئل عنه قال: "أطعمه ناضحك ورقيقك" قلتُ: إن تسمية ما يأخذه الحجام بأنه خبيث لا يخرجه عن إباحته، يؤيده: أنه ﷺ سمَّى البصل والثوم بأنهما خبيثان مع إباحتهما، =
[ ٣ / ٤٣٥ ]
المؤجِّر كل ما يتمكَّن به) المستأجر (من النفع كزمام الجمل) وهو الذي يقوده به (ورحله، وحزامه) بكسر الحاء المهملة (والشدِّ عليه) أي: على الرَّحل (وشدّ الأحمال والمحامل والرفع، والحط، ولزوم البعير)؛ لينزل المستأجر لصلاة فرض، وقضاء حاجة إنسان، وطهارة، ويدع البعير واقفًا حتى يقضي ذلك (ومفاتيح الدار) على المؤجِّر؛ لأن عليه التمكين من الانتفاع وبه يحصل وهي أمانة في يد المستأجر (و) على المؤجِّر أيضًا (عمارتها) فلو سقط حائط أو خشبة: فعليه إعادته (^٤١) (فأما تفريغ
= ويؤيده أيضًا: أنه قال: "أطعمه ناضحك ورقيقك" فلو كان مكروهًا لما جاز إطعامه لأحد، فإن قلتَ: لِمَ وصفه بهذا الوصف وهو: الخبث؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث المسلم على أن يحرص على عمل وفعل معالي الصناعات، لا أن يُمتهن بمثل هذه الأعمال والصناعات الدنيئة من حجامة وقمامة ونحو ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الخلاف في تفسير لفظ "خبيث" الوارد في الحديث الأخير وهل بلزم منه الكراهة أو لا؟.
(^٤١) مسألة: يجب على المؤجِّر توفير وتهيئة كل شيء يتمكَّن المستأجر به من انتفاعه بالعين المؤجَّرة على حسب العرف فمثلًا: إذا استأجر زيد من عمرو جملًا بأن ينقل أثاثه من بلد إلى بلد آخر عليها: فإنه يجب على عمرو أن يُوفِّر زمام الجمل، والحبل الذي يُربط فيه، ورحله والحزام الذي يربط فيه الأثاث؛ ليحفظه من السقوط، وعليه أيضًا هذا الربط، وتوفير المحامل التي يوضع عليها ذلك الأثاث، وعليه رفعها عليه وإنزالها منه، وتمكين زيد من النزول ليقضي حاجته، والصلاة لفرض ونحو ذلك من الضروريات ويقف حتى يفرغ زيد من قضاء ذلك ومثل ذلك السيارة والطائرة وكذا: لو أجر عمرو زيدًا دارًا فعلى عمرو توفير مفتاحها، ومفتاح كل غرفة، ولو انهدم شيء يمنع انتفاع زيد بالدار، أو بعض هذا الانتفاع كأن ينهدم حائط، أو سور، أو خشبة، أو حصل التماس في كهرباء، أو انكسار في ماسورة المياه أو نحو ذلك بلا تعدٍّ ولا تفريط من =
[ ٣ / ٤٣٦ ]
البالوعة والكنيف) وما في الدار من زبل، أو قمامة، ومصارف حمام (فيلزم المستأجر إذا تسلَّمها فارغة) من ذلك؛ لأنه حصل بفعله، فكان عليه تنظيفه (^٤٢)، ويصح كراء العقبة: بأن يركب في بعض الطريق، ويمشي في بعض مع العلم به: إما بالفراسخ، أو الزمان (^٤٣)، وإن استأجر اثنان جملًا يتعاقبان عليه: صحَّ، وإن اختلفا في البادئ
= المستأجر: فعلى المؤجِّر - وهو عمرو هنا - إصلاح كل ذلك وتهيئته للاستعمال، وهكذا في كل مؤجَّر؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود من استئجار زيد للعين - وهما: الجمل والدار هنا - هو من أجل الانتفاع بها، وهو الذي تمَّ العقد عليه، ولا يمكن أن يتحقق هذا الانتفاع إلّا بتوفير ذلك من قِبَل المؤجِّر - وهو عمرو هنا - فلزم ووجب؛ لكون الأجرة قد شُرعت لأجل ذلك. فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمستأجر من عدم تمكُّنه من الانتفاع فيُظلم.
(^٤٢) مسألة: إذا استلم المستأجر الدار - بعد عقد الإجارة له - والبالوعة والكنيف والمرحاض والحمام، وموضع القمامة وموضع إيقاد النار فارغة من الأوساخ والأقذار والرماد، ثم امتلأت بفعل المستأجر: فيجب على المستأجر أن يقوم بتنظيفها وتفريغها، وإن انتهت مدة الإجارة، وفي الدار بعض الأوساخ والأقذار، وقمامات، ورماد فيجب على المستأجر نقلها وتفريغها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون تلك الأشياء حصلت بفعل المستأجر: أن يكون تنظيفها عليه؛ فإن قلتَ لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه حماية المؤجِّر من أن يُستغل من قبل المستأجر، فيؤكل ماله بالباطل.
(^٤٣) مسألة: تصح إجارة العَقَبَة: بأن يستأجر زيد جملًا يركبه في بعض الطريق، ويمشي في البعض الآخر، وإذا أطلق هذا العقد: فإنه يركب نصف الطريق، ويمشي الباقي، لكن بشرط: أن يكون هذا الركوب معلوم المقدار: إما أن يركب خمسة أميال، ويمشى خمسة أميال، أو بأن يركب ليلًا، ويمشي نهارًا، أو بالعكس؛ للقياس؛ بيانه كما يجوز استئجار الجمل في جميع الطريق فكذلك يجوز استئجاره =
[ ٣ / ٤٣٧ ]
منهما أقرع بينهما في الأصح، قاله في "المبدع" (^٤٤).
فصل: (وهي) أي: الإجارة (عقد لازم) من الطرفين؛ لأنها نوع من البيع، فليس لأحدهما فسخها لغير عيب أو نحوه (^٤٥) (فإن أجره شيئًا ومنعه) أي: منع المؤجِّر
= في بعض الطريق، والجامع: أن كلًّا منهما منفعة مباحة مقصودة، فإن قلتَ: لِمَ كان إذا أطلق العقد في البعض: يركب نصف الطريق ويمشي الباقي؟ قلتُ: للعرف والعادة في ذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة حال من لم يستطع الاستئجار على جميع الطريق.
(^٤٤) مسألة: إذا استأجر اثنان جملًا، أو أيَّ مركوب لا يحمل إلّا واحدًا فقط: فإن هذا يصح، ويتعاقبان عليه، كل واحد يركبه عددًا من الأميال معلومة، أو أحدهما يركبه نهارًا، والآخر يركبه ليلًا على حسب ما يتّفقان عليه، وإن وقع اختلاف بينهما في أيهما الذي يبدأ في الركوب؟: أقرع بينهما، فأيُّهما خرجت له القرعة كان هو الأول في الركوب؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز أن يشتري اثنان مركوبًا واحدًا يستعملانه فكذلك يجوز في الإجارة، والجامع: أن كلًّا منهم قد شارك آخر في منفعة مباحة مقصودة، فإن قلتَ: لِمَ تستعمل القرعة هنا؟ قلتُ: لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر: فلزمت القرعة؛ نظرًا لمشروعيتها إذا تساوت الحقوق، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة من لم يستطع الاستئجار بمفرده.
(^٤٥) مسألة: عقد الإجارة عقد لازم، لا يجوز للمؤجِّر والمستأجر فسخ ذلك العقد إلّا بسبب قوي كوجود عيب أو تدليس ونحوه - مما سيأتي بيانه -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن عقد البيع عقد لازم لا يجوز للبائع والمشتري فسخ ذلك إلّا بوجود عيب أو تدليس أو نحو ذلك فكذلك الإجارة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما عقد معاوضة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية وحفظ لحقوق المتعاقدين - المؤجِّر والمستأجر -؛ لئلا يفسخ المؤجِّر هذا العقد فجأة بعد =
[ ٣ / ٤٣٨ ]
المستأجر الشيء المؤجَّر (كل المدَّة (^٤٦) أو بعضها) بأن سلَّمه العين، ثم حوَّله قبل تقضِّي المدَّة: (فلا شيء له) من أجرة؛ لأنه لم يُسلِّم له ما تناوله عقد الإجارة، فلم يستحق شيئًا (^٤٧) (وإن بدأ الآخر) أي: المستأجر فتحوَّل (قبل انقضائها) أي: انقضاء مدَّة
= أن تصرَّف المستأجر وبدأ ينتفع بمنافع العين المؤجَّر؛ نظرًا لملكيته لتلك المنافع ملكية تامة مدَّة الإجارة، ولئلا يفسخ المستأجر العقد فجأة بعد أن تصرَّف المؤجِّر بالأجرة؛ نظرًا لملكيته لها ملكية تامة، فيتضرران.
(^٤٦) مسألة: إذا استأجر زيد دارًا من عمرو، فامتنع عمرو ولم يُسلِّم زيدًا مفاتيح الدار كل المدَّة: فلا يستحق عمرو شيئًا من الأجرة كلها وتنفسخ الإجارة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن عمرًا لو باع على زيد دارًا وامتنع عمرو من تسليم الدار لزيد: فإن عمرًا لا يستحق الثمن، وينفسخ البيع فكذلك الإجارة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما لم يُسلِّم ما تناوله العقد، ولم يُمكن المستأجر والمشتري من الانتفاع بما ملكه بالعقد، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المستأجر من أخذ حقه بالباطل.
(^٤٧) مسألة: إذا استأجر زيد دارًا من عمرو، وسلم عمرو مفاتيحها لزيد، وبعد انقضاء بعض مدَّة الإجارة التي تمَّ الاتفاق عليها من قِبلَ المتعاقدين: منع عمرو زيدًا من الانتفاع من الدار، فحوَّله، وأخرجه منها، فإن عمرًا يستحق أجرة المدَّة التي استوفى فيها المستأجر - وهو زيد - منافع الدار فيها بحسبها وهو قول الجمهور؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المشتري إذا استوفى بعض العين المباعة: فإن البائع يستحق ما يُقابله من الثمن بحسبه، فكذلك الإجارة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما قد استوفى ملك غيره على وجه المعاوضة فلزمه عوضه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تعويض للمؤجِّر عن المدَّة التي انتُفع فيه ملكه فيها؛ حماية له، فإن قلتَ: إن عمرًا - وهو المؤجِّر - لا يستحق شيئًا من الأجرة هنا وهو ما ذكره المصنِّف هنا - للقياس؛ بيانه: كما أنه لو امتنع البائع من =
[ ٣ / ٤٣٩ ]
الإجارة: (فعليه) جميع الأجرة؛ لأنها عقد لازم فترتَّب مقتضاها، وهو ملك المؤجِّر الأجر، والمستأجر المنافع (^٤٨) (وتنفسخ) الإجارة (بتلف العين المؤجَّرة) كدابة وعبد
= تسليم بعض العين المباعة للمشتري فلا يستحق البائع الثمن كله فكذلك الإجارة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما لم يُسلِّم ما اتّفق عليه عند العقد قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إنه في بعض البيوع قد اشترى العين كلها، قد لا يتم له مقصوده إلّا بشرائها كلها، بخلاف الإجارة، فقد ينتفع بكُلِّ العين بعض المدَّة المتفق عليها، وهو واقع، فيحصل له النفع، فلا بدَّ أن يُعوِّض المؤجِّر عن هذا الانتفاع؛ لإعطاء كل شخص ما يستحقه، فإن قلتَ: ما الخلاف سبب هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" وهو واضح من المثال السابق.
(^٤٨) مسألة: إذا استأجر زيد من عمرو دارًا مثلًا سنة، وسلَّم عمرو مفاتيحها لزيد، ثم بعد انقضاء بعض تلك المدَّة المتفق عليها: خرج زيد من الدار قبل انقضاء تلك المدَّة المؤجَّرة وتحول عنها: فإنه يجب على المستأجر - وهو زيد هنا -: أن يدفع جميع أجرة المدة - وهي السنة كاملة - ولا تنفسخ الإجارة، ولا يزول ملكه لمنافعها طيلة مدَّة الإجارة وليس للمؤجر - وهو هنا عمرو - التصرُّف في تلك الدار قبل انقضاء مدَّة المستأجر - وهو زيد -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو اشترى من عمرو دارًا أو جملًا وقبضه، ثم تركه فإن ثمن ذلك واجب عليه - أي: على زيد - وليس للبائع التصرف في المباع، فكذلك الإجارة مثله، والجامع: أن كلًّا منهما عقد لازم، فيلزم مقتضى ذلك، وهو ملك المؤجر الأجرة كاملة، وملك المستأجر المنافع كلها طوال مدَّة الإجارة المتفق عليها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن فيه حماية لحق المؤجِّر، والمستأجر (فرع): إن استأجر عمرو زيدًا على عمل موصوف بالذمة كبناء حائط ونحو ذلك، فبدأ زيد العمل بذلك، ثم تركه قبل أن يتمَّه: فإن مستأجره - وهو هنا عمرو - يستأجر من: مال زيد من يُتمَّ بناء ذلك الجدار إن قدر، وإن لم يستطع: فإنه يصبر حتى يقدر =
[ ٣ / ٤٤٠ ]
ماتا؛ لأن المنفعة زالت بالكلية (^٤٩)، وإن كان التلف بعد مضي مدَّة لها أجرة: انفسخت فيما بقي، ووجب للماضي القسط (^٥٠) (و) تنفسخ الإجارة أيضًا (بموت المرتضع)؛ لتعذُّر استيفاء المعقود عليه؛ لأن غيره لا يقوم مقامه؛ لاختلافهم في الرضاع (^٥١) (و) تنفسخ الإجارة أيضًا بموت (الراكب إن لم يخلف بدلًا) أي: من
= عليه، أو يفسخ الإجارة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ثبوت عقد الإجارة في الذمة: أن يتمَّه بنفسه أو من ماله؛ لكون ما في الذمة لا يفوت بتركه للعمل بدون سبب شرعي، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المستأجر - وهو هنا عمرو -.
(^٤٩) مسألة: إذا تلفت العين المؤجَّرة قبل أو بعد قبض المستأجر لها ولم ينتفع بشيء منها كانهدام دار قبل أن يسكنها المستأجر: فإن الإجارة تنفسخ، ولا يدفع المستأجر شيئًا من الأجرة؛ للتلازم؛ حيث إن المعقود عليه في الإجارة هو منفعة العين المؤجَّرة، ولم تتحقَّق تلك المنفعة، فيلزم عدم وجوب العِوَض - وهي الأجرة - على المستأجر فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المستأجر.
(^٥٠) مسألة: إذا تلفت العين المؤجرة بعد قبض المستأجر لها، وبعد انتفاع المستأجر بها بعضًا من مدة الإجارة، أو بعد مضي مدَّة: فإن الإجارة تنفسخ فيما بقي من مدَّة الإجارة، ويجب على المستأجر أن يدفع عِوَض ما انتفع فيه من مدَّة بقسطه، فإن كان الانتفاع ثلث المدة: فعليه ثلث الأجرة، وهكذا؛ للتلازم؛ حيث إن المستأجر انتفع بعض المدة المتفق عليها عند عقد الإجارة فيلزم دفع عوض عن ذلك الانتفاع، ويلزم من عدم انتفاعه باقي المدة: عدم وجوب دفعه؛ لعدم تحقق ما اتّفق عليه عند عقد الإجارة، وهو الانتفاع، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المؤجِّر.
(^٥١) مسألة: إذا استأجر رجل امرأة تُرضع له ولدًا - وهي الظئر - وبعد ذلك: مات =
[ ٣ / ٤٤١ ]
يقوم مقامه في استيفاء المنفعة: بأن لم يكن له وارث أو كان غائبًا كمن يموت بطريق مكة، ويترك جمله، فظاهر كلام أحمد: أنها تنفسخ في الباقي؛ لأنه قد جاء أمر غالب منع المستأجر منفعة العين أشبه ما لو غصبت، هذا كلامه في "المقنع"، والذي في "الإقناع" و"المنتهى" وغيرهما: أنها لا تبطل بموت راكب (^٥٢) (و) تنفسخ أيضًا بـ
= ذلك الولد: فإن الإجارة تنفسخ وتأخذ المرضعة أجرة ما سبق قبل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إقامة غيره مقامه: انفساخ عقد الإجارة؛ نظرًا لتعذُّر استيفاء المعقود عليه، وهو: الرضاع؛ لاختلاف الصبيان في الرضاع: كثرةً وقلَّة، ولا ختلافهم في قبول اللَّبن وعدم ذلك، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ لحق المرضعة، والوالد؛ وفيه منع للتنازع؛ لعدم انضباط ذلك (فرع): إذا ماتت المرضعة: فإن الإجارة تنفسخ؛ للتلازم؛ وقد بيَّناه، مع مقصده.
(^٥٢) مسألة: إذا استأجر زيد أيَّ مركوب من عمرو، كأن يستأجر جملًا يوصله إلى مكّة، فمات زيد قبل وصوله إلى مكة: فإن الإجارة لا تنفسخ، وهو قول الجمهور، وهذا مطلق، أي: سواء وجد من يخلفه من وارث أو لا، وعليه: فللمؤجِّر كامل الأجرة، وتبقى العين المؤجَّرة - وهي هنا الجمل - موقوفة في مكان آمن حتى تنتهي مدَّة الإجارة؛ للتلازم؛ حيث إن عقد الإجارة عقد لازم فيلزم عدم انفساخ الإجارة بموت العاقد مع سلامة المعقود عليه - وهو هنا الجمل -، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لكون المنفعة موجودة - وهي منفعة الدابة - فالمعقود عليه لم يتأثَّر، فإن قلتَ: تنفسخ الإجارة هنا بشرط: عدم وجود وارث يستوفي ما بقي من المنافع، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العين لو غُصبت: فإن إجارتها تنفسخ فكذلك لو مات المستأجر مثل ذلك، والجامع: أنه في كل منهما قد وقع أمر غالب الله تعالى قد من المستأجر منفعة العين قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إنه في حالة الغصب =
[ ٣ / ٤٤٢ ]
(انقلاع ضرس) أكتري لقلعه (أو برئه)؛ لتعذُّر استيفاء المعقود عليه، فإن لم يبرأ وامتنع المستأجر من قلعه: لم يُجبر (ونحوه) أي: تنفسخ الإجارة بنحو ذلك كاستئجار طبيب؛ ليداويه فبرى (^٥٣) و(لا) تنفسخ (بموت المتعاقدين أو أحدهما) مع سلامة المعقود عليه؛ للزومها (^٥٤) و(لا) تنفسخ (بـ) عذر لأحدهما مثل (ضياع نفقة المستأجر)
= قد حصل منع المستأجر من منفعة العين لعدم العين؛ ولكن في حالة موت المستأجر لم يحصل ذلك؛ لأن العين موجودة فهي المعقود عليها، فلم يأت المنع من ناحيتها، وإنما مات المستأجر وتركها، فما ذنب المؤجِّر كما قلنا في "المفوِّضة" - وهي التي فوضت تقدير مهرها لزوجها المعقود عليه ولكنه مات قبل الدخول بها - حيث إنها تستحق المهر وإن لم يستمتع بها - كما ورد في قصة بروع بنت واشق، وكما قضى به ابن مسعود -؛ لأن المنع ليس منها، فلا ذنب لها، ولذا استحقت المهر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم" وقد فصَّلناه فيما سبق.
(^٥٣) مسألة: إذا استأجر زيد طبيبًا على أن يقلع ضرسًا له، أو يداويه من مرض ألمَّ به وتم العقد، ثم انقلع الضَّرس أو شفي من ذلك الألم قبل أن يعمل له الطبيب شيئًا فإن الإجارة تنفسخ، فلا يدفع زيد شيئًا للطبيب؛ للتلازم؛ حيث إن المعقود عليه - وهو قلع الضرس، أو المداواة - قد تعذَّر استيفاؤها فلزم انفساخ الإجارة كأنها لم تكن أصلًا (فرع): إذا استأجر زيد طبيبًا لقلع ضرسه أو مداواته، ثم لما أراد الطبيب فعل ذلك امتنع زيد: فإنه لا يُجبر على ذلك، وتجب عليه - أي: على زيد - أجرة المثل يدفعها للطبيب؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من استعداد المستأجَر - وهو الطبيب - لعمل ما عليه، ولكن مُنع من قبل المؤجِّر: أن تُدفع له أجرة المثل؛ لكوته فعل أو أراد فعل ما تمّ العقد عليه، فالامتناع ليس منه، والمقصد منه: إعطاء كلِّ ذي حق حقه.
(^٥٤) مسألة: إذا استأجر زيد دارًا أو جملًا من عمرو فمات المتعاقدان، وهما: زيد =
[ ٣ / ٤٤٣ ]
للحج (ونحوه) كاحتراق متاع من اكترى دكانًا لبيعه فيه (^٥٥) (وإن اكترى دارًا فانهدمت أو) اكترى (أرضًا لزرع فانقطع ماؤها أو غرقت: انفسخت الإجارة في الباقي) من المدَّة؛ لأن المقصود بالعقد قد فات أشبه ما لو تلف (^٥٦)،
= وعمرو - أو أحدهما، مع وجود وسلامة العين المستأجرة - وهي الدار أو الجمل -: فإن الإجارة لا تنفسخ، بل تستمر ويأخذ الأجرة ورثة المؤجِّر - وهو عمرو -، ويستوفي بقية المنفعة ورثة المستأجر - وهو زيد -؛ للتلازم؛ حيث إن عقد الإجارة عقد لازم فيلزم عدم انفساخ الإجارة بموت العاقدين أو أحدهما مع سلامة المعقود عليه؛ لأنه هو الذي تمَّ العقد عليه لا المنتفع، وقد سبق بيان ذلك مع المقصد منه منه في مسألة (٥٢).
(^٥٥) مسألة: إذا استأجر زيد دكانًا ليبيع فيه، أو جملًا ليحجَّ عليه، وذلك من عمرو، ثم أصاب أحدهما عذر منعه من الوفاء بالمعقود عليه، ومنعه من الانتفاع به كأن تحترق بضاعة زيد التي يُريد أن يبيعها في ذلك الدكان، أو ضاعت نفقة المستأجر للجمل أو نحو ذلك: فإن الإجارة لا تنفسخ؛ للقياس؛ بيانه: أنه لو باع عمرو على زيد دكانًا فاحترقت بضاعة زيد: فإن البيع لا ينفسخ فكذلك الإجارة مثل ذلك والجامع: أن كلًّا منهما عقد لازم لا يؤثِّر عليه ما يحصل بعده، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المؤجِّر من التحايل عليه، فإن قلتَ: إنها تنفسخ، وهو قول أكثر الحنفية؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو استأجر زيد عبدًا فهرب تنفسخ الإجارة فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما قد تعذَّر استيفاء المنفعة المعقود عليها قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس الفارق، لأن هروب العبد عذر في المعقود عليه نفسه، لا في العاقدين، أو أحدهما، بخلاف ما نحن فيه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: "سببه: "تعارض القياسين" - كما بيّناه -.
(^٥٦) مسألة: إذا حدث في العين المؤجَّرة ما يمنع نفعها: كأن يستأجر زيد دارًا من =
[ ٣ / ٤٤٤ ]
وإن أجَّره أرضًا بلا ماء: صحَّ (^٥٧) وكذا: إن أُطلق مع علمه بحالها (^٥٨)، وإن ظنَّ وجوده بالأمطار، وزيادة الأنهار: صحَّ كالعلم (^٥٩)، وإن غُصِبت المؤجَّرة: خُيِّر
= عمرو ليسكنها فانهدمت قبل استكمال مدَّة الإجارة، أو استأجر منه أرضًا ليزرعها فانقطع ماؤها، أو كثر ماؤها حتى غرقت الأرض: فإن الإجارة تنفسخ فيما بقي من المدَّة؛ ويجب على المستأجر - وهو هنا زيد - أن يدفع عوض ما انتفع فيه من مدة بقسطه؛ للتلازم وقد بيَّناه في مسألة: تلف العين المؤجرة - وهو مسألة (٥٠).
(^٥٧) مسألة: إذا استأجر زيد من عمرو أرضًا بلا ماء: فإن الإجارة صحيحة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تمكُّن المستأجر من الانتفاع من تلك الأرض المستأجرة بالنزول فيها: صحَّة الإجارة؛ لوجود منفعة مباحة مقصودة.
(^٥٨) مسألة: إذا استأجر زيد من عمرو أرضًا، ولم يُذكر عند العقد أن لها ماء أو ليس لها ماء، بل أُطلق في ذلك فإن الإجارة صحيحة بشرط: أن يكون المستأجر عالمًا بحالها - وهو: أن لا ماء لها، أما إن كان المستأجر يظن - ظنًا غالبًا - أن لها ماء فبان خلاف ذلك: فلا صحة للإجارة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من علمه بالحال - وهو أنها لا ماء لها -: أن عدم الماء مشترط؛ لأن العلم بالحال يقوم مقام الاشتراط، مثل ما قلنا فيمن علم بالعيب: فإنه يقوم مقام اشتراطه، ويلزم من ظنه أنها لها ماء فبان خلاف ذلك: عدم صحة الإجارة، لعدم وجود المعقود عليه، تنبيه: العلم بذلك وعدم العلم له علامات وأمارات تعرف على حسب العادة والعرف بين المتعاقدين.
(^٥٩) مسألة: إذا استأجر زيد من عمرو أرضًا، وغلب على ظن زيد أن الماء موجود فيها بسبب الأمطار، أو زيادة الأنهار: فإن الإجارة صحيحة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا إذا علم بوجود الماء فيها: فإن الإجارة تصح فكذلك إذا غلب على ظنه ذلك، والجامع: حصول الماء في كل، ولا يُفرق بين العلم والظن في العمل.
[ ٣ / ٤٤٥ ]
المستأجر بين "الفسخ" وعليه أجرة ما مضى، وبين "الإمضاء"، ومطالبة الغاصب بأجرة المثل (^٦٠)، ومن استُؤجر لعمل شيء فمرض: أقيم مقامه من ماله من يعمله ما لم تُشترط مباشرته، أو يختلف فيه القصد كالنفخ: فيُخيَّر المستأجر بين الصبر والفسخ (^٦١) (وإن
(^٦٠) مسألة: إذا استأجر زيد من عمر ودارًا مثلًا، فجاء بكر فأخذها من زيد غصبًا: فإن زيدًا يُخبر بين أمرين: أولهما: أن يفسخ الإجارة، ويدفع للمؤجِّر - وهو عمرو - أجرة المدَّة التي قضاها في الدار قبل غصب بكر لها ثانيهما: أو يمضي في العقد، بلا فسخ، ويُطالب الغاصب - وهو بكر هنا - بأجرة المثل؛ للتلازم؛ حيث إن المعقود عليه - وهي الدار - لم يتحقَّق نفعه للمستأجر؛ نظرًا لغصبه، ولم يفت مطلقًا بل إلى بدل فلزم تخيير المستأجر بين هذين الأمرين؛ حفاظًا لحقه، وهو المقصد منه.
(^٦١) مسألة: إذا استأجر زيد عمرًا ليبني له حائطًا أو ينسخ له كتابًا مثلًا، ثم مرض عمرو قبل أن يتمَّ ما استؤجر عليه: فلمستأجر - وهو زيد - أن يستأجر آخر ليكمل ذلك البناء من مال المؤجَّر الأول - وهو عمرو - بشرطين: أحدهما: أن لا يشترط المستأجر - وهو زيد - على المؤجَّر - وهو عمرو - مباشرة العمل بنفسه، ثانيهما: أن يكون الغرض - من البناء أو نسخ الكتب - المؤجَّر لأجله لا يحصل إلّا إذا عمله عمرو بنفسه، فإن اشترط المستأجر - وهو زيد - على المؤجِّر نفسه - وهو عمرو - أن يعمل البناء بنفسه، أو الغرض من البناء أو النسخ لا يحصل إلّا إذا باشره عمرو بنفسه: فإن المستأجر - وهو زيد - له الخيار: فإن شاء يصبر حتى يُشفى المؤجِّر نفسه - وهو عمرو -، وإن شاء فسخ الإجارة، ويستحق المؤجِّر نفسه أجرة ما سبق أن عمله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب العمل في ذمّة عمرو بسبب عقد الإجارة: استئجار من يُتمِّم عمله من ماله لتبرأ ذمته، ويلزم من إطلاق العقد: تعجيل استئجار آخر فليس على المستأجر - وهو زيد - الانتظار، ويلزم من اشتراط المستأجر - وهو زيد - قيام المؤجِّر نفسه - وهو عمرو - بأن يقوم =
[ ٣ / ٤٤٦ ]
وجد المستأجر (العين معيبة، أو حدث بها) عنده (عيب) وهو ما يظهر به تفاوت الأجر: (فله الفسخ) إن لم يزل بلا ضرر يلحقه (وعليه أجرة ما مضى)؛ لاستيفائه المنفعة فيه، وله الإمضاء مجانًا، والخيار على التراخي (^٦٢)، ويجوز بيع العين المؤجَّرة،
= بالعمل بنفسه، أو أن الغرض من العمل لا يتم إلّا إذا فعله المؤجِّر نفسه؛ نظرًا لحذاقته: أن يُخيِّر المستأجر - وهو زيد - بين الصبر حتى يشفى عمرو، أو يفسخ الإجارة؛ لكونه ليس له إلا ذلك؛ لاختلاف العاملين في ذلك، ويلزم من قيام عمرو ببعض العمل: استحقاقه لعوض عنه بقسطه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعطاء كُلِّ ذي حق حقه.
(^٦٢) مسألة: إذا استأجر زيد دارًا أو جملًا من عمرو، فوجد زيد في هذه الدار عيبًا، كأن يكون جاره جار سوء، أو وجد الجمل لا يصلح للركوب أو نحو ذلك: فللمستأجر الخيار: فإن شاء فسخ الإجارة، ويجب عليه دفع أجرة ما مضى من مدة العقد قبل حدوث العيب، أو إطلاعه عليه، وإن شاء أن يمضي في المدَّة حتي تنتهي بلا أرش للعيب فله ذلك، وهذا الخيار يكون على التراخي، هذا بشرط: أن يكون هذا العيب قد استمر بحيث ألحق ضررًا على المستأجر، أما إن أزال المؤجِّر - وهو عمرو - ذلك الضرر بسرعة كأن بنى جدارًا قد انهدم بسرعة أو نحو ذلك: فليس للمستأجر - وهو زيد - الخيار، بل يلزمه المضي في الإجارة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو اشترى سلعة من عمرو فوجد زيد عيبًا في تلك السلعة تؤثر في الثمن: فله الخيار، إلا إن أزاله البائع بسرعة: فلا خيار له، فكذلك الإجارة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما عقد على عين مباحة مقصود الانتفاع بها: فائدة: العيب الذي يثبت الخيار في الإجارة والبيع هو: الذي يظهر بسببه تفاوت في ثمن السلعة عند البيع، والأجرة عند إجارتها، فإن قلتَ: لِمَ وجب على المؤجِّر - وهو زيد - أن يدفع أجرة ما مضى قبل حدوث العيب؟ قلتُ: نظرًا لانتفاعه بالعين المؤجَّرة قبل علمه بالعيب، وهذا يُلزمه دفع عوض عنه؛ لإبراء ذمته، فإن قلت: لِمَ =
[ ٣ / ٤٤٧ ]
ولا تنفسخ الإجارة به (^٦٣)،
= شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المستأجر؛ لئلا يؤجَّر عينًا معيبة.
(^٦٣) مسألة: إذا أجَّر زيد دارًا لعمرو، ثم باع زيد تلك الدار على بكر، وهو يعلم بذلك قبل انقضاء مدَّة الإجارة: فإن البيع صحيح، ويستمر المستأجر- وهو عمرو - في هذه الدار إلى نهاية مدَّة الإجارة المعقود عليها، ثم يتسلَّمها المشتري - وهو بكر -؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز للسيد أن يبيع الأمة التي زوَّجها، فكذلك يجوز بيع العين التي أجَّرها، والجامع: أن كلًّا منهما وقع عليه عقد على منافع فلا يوجد مانع من الصحة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: إنه يصح بيعها على المستأجر فقط، دون غيره؛ وهو قول للشافعي وكثير من العلماء للقياس؛ بيانه كما أنه لا يجوز بيع العين المغصوبة إلا للغاصب فقط فكذلك لا يجوز بيع العين المؤجَّرة إلا للمستأجر فقط، والجامع: أن كلًّا من يد المستأجر، ويد الغاصب تمنع تسليم العين للمشتري، فلم يصح، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن يد الغاصب عادية تمنع تسليم العين للمشتري فعلًا؛ لأن الغاصب لا يهمه من هو مالك العين، بخلاف بيع العين المؤجَّرة؛ لأن الإجارة على منافع العين، والبيع على العين نفسها، فلا يمنع ثبوت اليد على أحدهما تسليم الآخر؛ لانفصالهما، وكذا: إنَّ الإجارة منعت التسليم في الحال فلا يلزم منعها من التسليم عند انقضاء مدَّة الإجارة، وهذا مقدور على تسليمه، وهذا بلا شك يختلف عن العين المغصوبة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين": فألحقناه ببيع الأمة التي زوجها سيدها، لكون ذلك أكثر شبهًا به، وهم ألحقوه ببيع العين المغصوبة؛ لأن ذلك أكثر شبهًا به عندهم، فإن قلتَ: لِمَ لا تنفسخ الإجارة عند بيع العين المؤجرة سواء باعها لمستأجرها، أو غيره؟ قلتُ للتلازم؛ حيث إن المستأجر =
[ ٣ / ٤٤٨ ]
وللمشتري الفسخ إن لم يعلم (^٦٤) (ولا يضمن أجير خاص) وهو: من استؤجر مدَّة معلومة يستحق المستأجر نفعه في جميعها، سوى فعل الخمس بسننها في أوقاتها، وصلاة جمعة وعيد، وسُمِّي خاصًا؛ لاختصاص المستأجر بنفعه في تلك المدَّة، ولا يستنيب (ما جنت يده خطأ)؛ لأنه نائب المالك في صرف منافعه فيما أمر به، فلم يضمن كالوكيل وإن تعدَّى أو فرَّط ضمن (^٦٥) (ولا) يضمن أيضًا (حجَّام،
= قد ملك منفعة العين بعقد الإجارة فيلزم استمراره في هذا الانتفاع إلى انقضاء مدتها. (فرع): إذا أجَّر زيد عمرًا دارًا، ثم وهب زيد تلك الدار لبكر، أو وقفها، أو انتقلت إلى بكر بسبب إرث فالكلام فيه كالكلام فيما لو باع عينًا مؤجَّرة - كما فصَّلناه في مسألة (٦٣) -.
(^٦٤) مسألة: إذا أجَّر زيد دارًا لعمرو، ثم باع زيد تلك الدار على بكر، وهو - أي: بكر - لا يعلم أن الدار مؤجَّرة: فللمشتري الخيار: إن شاء فسخ البيع، وأخذ ما دفع، وإن شاء أمضى البيع وقبله، وتكون الأجرة له من وقت عقد البيع؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المشتري لو وجد عيبًا في العين المباعة فله الخيار، فكذلك الحال هنا؛ لأن تأجير العين المباعة يعتبر عيبًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المشتري من استغلال المحتالين عليه.
(^٦٥) مسألة: إذا استأجر رجل أجيرًا خاصًا به: كأن يستأجر زيد عمرًا بأن يخدم عنده، أو يرعى البهائم، أو نحو ذلك سنة أو شهرًا، ولا يعمل عند غيره في هذه المدَّة - أي: لا يُشاركه في نفعه غيره في هذه المدَّة، وأخطأ هذا الأجير فأتلف شيئًا كأن يكسر الآلة التي يحرث بها، أو ضرب بهيمة فماتت أو نحو ذلك: فإنه لا يضمن ذلك إذا لم يحصل منه تفريط أو تعدٍّ، أما إذا فرَّط أو تعدَّى: فإنه يضمن؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الوكيل والشريك في شركة المضاربة لا يضمنان إذا أتلفا شيئًا خطأ ويضمنان إذا أتلفاه بتعد وخطأ فكذلك الأجير الخاص مثلهما في ذلك، والجامع أن كلًّا منهم نائب عن المالك في صرف منافعه إلى ما أمره به، =
[ ٣ / ٤٤٩ ]
وطبيب، وبيطار) وختَّان (لم تجن أيديهم إن عرف حذقهم) أي: معرفتهم صنعتهم؛ لأنه فعل فعلًا مباحًا فلم يضمن سرايته، ولا فرق بين خاصهم ومشتركهم، فإن لم يكن لهم حذق في الصنعة ضمنوا؛ لأنه لا يحل لهم مباشرة القطع إذًا، وكذا: لو كان حاذقًا، وجنت يده بأن تجاوز بالختان إلى بعض الحشفة، أو بآلة كالَّة، أو تجاوز بقطع
= فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المستأجر، والمؤجِّر نفسه، وفيه حثٌّ على أن يقوم بعض الناس بخدمة الآخرين؛ إذ لو ضمن كل أحد ما أتلفه مطلقًا: لامتنع كلُّ أحدٍ من تأجير نفسه، فإن قلتَ: إن جميع الأجراء يضمنون ما أتلفوه مطلقًا وهو قول للشافعي؛ لقول وفعل الصحابي؛ حيث إن عليًا كان يُضمِّن الأجراء مطلقًا، ويقول: "ما يصلح للناس إلا هذا، يقصد: أن تضمنيهم لما أتلفوه مطلقًا يمنعهم من الاتلاف قلتُ: إن ما رُوي عن علي ضعيف؛ حيث إنه روي عنه مرسلًا، ثم إنه على فرض قوته: فإنه معارض بالقياس وما ذكرناه من المصلحة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس والمصلحة مع قول وفعل الصحابي". (فرع): جميع نفع وقت الأجير الخاص يصرفه المستأجره دون غيره إلا أنه يصلي الصلوات الخمس المفروضة، وصلاة الجمعة؛ للتلازم؛ حيث إن هذه الصلوات واجبة عليه بأصل الشرع فيلزم استثناؤها من أصل العقد. (فرع ثان): لا يصلي الأجير الخاص السنن، ولا العيدين إلا إذا أذن له مستأجره؛ للتلازم؛ حيث إن قيامه بعمله في وقته الذي أجَّره واجب، وهذه سنن ومستحبات فيلزم تقديم الواجب على المستحب، ويلزم من كون الوقت وقتًا للمستأجر أن يربط بإذنه فيها، وكذا: الموظفون في الدولة والمؤسسات مثل ذلك. تنبيه: ما ذكره المصنف لا دليل قوي عليه. (فرع ثالث): لا يجوز للأجير الخاص أن يستنيب عنه غيره يقوم بعمله؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من وقوع العقد على عينه: عدم جواز الاستنابة عنه؛ لكونه مقصودًا في عمله.
[ ٣ / ٤٥٠ ]
السلعة موضعها: ضمن؛ لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ (^٦٦) (ولا)
(^٦٦) مسألة: إذا استأجر زيد حجامًا، أو طبيبًا، أو ختَّانًا ونحوهم، فعمل أحدهم ما استؤجر عليه، وأخطأ، فتلف العضو، أو مُرض المستأجر أو أصابه جناية بسببهم: فإنه لا يضمن ذلك سواء كان خاصًا أو مشتركًا بشرطين: أحدهما: أن يكون الواحد منهم حاذقًا وعارفًا لمهنته معرفة دقيقة، ثانيهما: أن لا تجني يده، فتتجاوز ما ينبغي أن يُعمل أو يقطع، فإذا توفر هذان الشرطان: فلا يضمن الواحد منهم ما حصل من مضاعفات المرض بسبب فعلهم، أما إن كان الواحد ليس بحاذق في صنعته ومهنته، أو كان حاذقًا ولكنه تجاوز ما ينبغي أن يُعمل: كأن يتجاوز في الختان قطع الحشفة، أو يقطع في غير محل القطع، أو قطع في غير وقت قطع، أو قطع بآلة فاسدة، أو تجاوز بقطع القماش عن المشترى منه، أو نحو ذلك مما يدلّ على إهماله وعدم اهتمامه: فإنه يضمن، وعليه الدية، أو الأرش؛ القاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من تطبَّب بغير علم فهو ضامن" فقد أوجب على غير الحاذق في الطب ضمان الضرر الذي لحق المريض، ويدل بمفهوم الشرط والصفة على أن الحاذق لا يضمن ما لحق المريض من ضرر، وغير صنعة الطب مثلها؛ لعدم الفارق في هذا من باب "مفهوم الموافقة" الثانية: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن الإمام إذا قطع يد السارق لا يضمن إذا فسدت اليد كلها بسبب ذلك فكذلك الطبيب الحاذق، أو الختان ونحوهما لا يضمنان إذا فسد المحل والجامع: أن كلًّا منهم قد فعل فعلًا مباحًا شرعًا فلم يضمن سرايته، ثانيهما: كما أن متلف المال يضمنه سواء كان ذلك عملًا أو خطأ فكذلك الطبيب الحاذق أو الختان ونحوهما يضمنان إذا تجاوزا ما ينبغي أن يُقطع أو يُعالج، والجامع: أن كلًّا من ذلك إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الناس، وفيه حثٌّ على التعاون في المجتمع؛ إذ لو ضُمِّن هؤلاء: لما وُجد - =
[ ٣ / ٤٥١ ]
يضمن أيضًا (راع لم يتعدَّ)؛ لأنه مؤتمن على الحفظ كالمودَع فإن تعدَّى أو فرَّط: ضمن (^٦٧) (ويضمن) الأجير (المشترك) وهو: من قُدِّر نفعه بالعمل كخياطة ثوب،
= أحد يمتهن تلك الصنائع، ولتضرَّر المجتمع، ولو لم يُضمَّن هؤلاء: لتضرَّر المجتمع كله بسبب جنايات وتعدّيات من لا يخاف الله تعالى فشُرع ذلك بما قلناه من الشرطين.
(^٦٧) مسألة: إذا استأجر رجل راعيًا لبهائمه: فإن هذا الراعي لا يضمن ما تلف أو مرض أو مات من تلك البهائم بشرط: أن لا يكون هذا الراعي متعديًا، أو مفرطًا، فإن كان متعديًا أو مفرطًا كان ينام عن الماشية، أو يغفل عنها، أو يتركها تتباعد عن مكانه، أو تغيب عن نظره، أو يسرف في ضربها، أو يضربها بدون إسراف ولكن في موضعٍ غير موضع ضرب، أو يضربها من غير حاجة، أو يسلك بها طريقًا مخوفًا في العادة، فتلفت بسبب ذلك كله: فإنه يضمن؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المودَع لا يضمن الوديعة إذا تلفت بدون تعدٍّ ولا تفريط، ويضمنها إذا كان ذلك بتعدٍّ وتفريط فكذلك الراعي مثله والجامع: أن كلًّا منهما قد اؤتمن على حفظها. (فرع): إذا اختلف المالك والراعي فقال: المالك: "أنت متعدٍّ ومفرط لذلك تضمن" وقال الراعي: "أنا لم أتعد ولم أفرِّط فلا أضمن"، ولم تكن لأحدهما حجّة: فإنه يُقبل قول الراعي مع يمينه؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر" ولا بينة هنا للمالك، فيبقى قول المنكر - وهو الراعي هنا - مع يمينه؛ احتياطًا من احتمال صدق صاحب الملك. (فرع ثان): إذا فعل الراعي ببهيمة فعلًا وادَّعى المالك: "أن هذا تعدٍّ"، وأنكر الراعي ذلك: فإنه يُرجع إلى أهل الخبرة المتوسطين في عقولهم فما يقولونه فيغلب على الظن صوابه؛ للعادة والعرف؛ حيث إن ذلك هو المثبت لحق أحدهما وقد جرت العادة بذلك من غير نكير. (فرع ثالث): إذا ادَّعى الراعي أن شاة قد ماتت: فإنه يُقبل قوله: سواء أتى بجلدها أو لا؛ للقياس؛ على المودَع وديعة =
[ ٣ / ٤٥٢ ]
وبناء حائط، سُمِّي مشتركًا؛ لأنه يتقبَّل أعمالًا لجماعة في وقت واحد يعمل لهم فيشتركون في نفعه: كالحائك، والقصَّار، والصَّبَّاغ، والحمَّال، فكل منهم ضامن (ما تلف بفعله) كتخريق الثوب، وغلطه في تفصيله؛ روي عن عمر، وعلي، وشريح، والحسن ﵃؛ لأن عمله مضمون عليه؛ لكونه لا يستحق العوض إلّا بالعمل، وأن الثوب لو تلف في حرزه بعد عمله لم يكن له أجرة فيما عمل به، بخلاف الخاص والمتولِّد من المضمون مضمون، وسواء عمل في بيته، أو بيت المستأجر، أو كان المستأجر على المتاع أو لا (^٦٨) (ولا يضمن) المشترك (ما تلف من
= بجامع: أن كلًّا من الراعي والمودَع من الأمناء الذين يقبل قولهم.
(^٦٨) مسألة: إذا استأجر رجل أجيرًا مشتركًا ليخيط له ثوبًا - وهو: الذي يعمل أعمالًا الجماعة في وقت واحد فيشتركون في نفعه كالخياط الذي يحيط لك ويخيط لغيرك - وتلف هذا الثوب أو بعضه: فإن هذا الأجير يضمن، فلا يُعطى أجرة، وهذا مطلق أي سواء عمل هذا الخياط ذلك الثوب في بيته، أو في بيت مستأجره، أو كان مستأجره حاضرًا عنده، قائمًا على المتاع أو كان غائبًا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أن الشخص إذا اعتدى على شخص آخر وقطع عضوًا منه فإنه يضمنه ويدفع ديته فكذلك الأجير المشترك مثله والجامع: أن عمل كل منهما مضمون عليه فما تولَّد منه يجب أن يكون مضمونًا، ثانيهما: أن الثوب لو عمله الخياط ثم تلف في حرزه: فإنه يضمنه، ولا يستحق الأجرة، فكذلك إذا عمله في بيت مستأجره يضمنه، ولا أجرة عليه، والجامع: أنه في كل منهما لم يستلم مستأجره ثوبه الذي وقع عليه عقد الإجارة. الثانية: قول وفعل الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن عمرو وعلي أنهما كانا يُضمنان الأجير المشترك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المستأجر، فإن قلتَ: إن الأجير المشترك يضمن في هذه الحالة إذا عمل في ملك نفسه كالخياط الذي يخيط لك ثوبًا في دكانه، ثم يغلط فيه فيمزقه، فيضمنه، أما =
[ ٣ / ٤٥٣ ]
حرزه، أو بغير فعله)؛ لأن العين في يده أمانة كالمودَع (ولا أجرة له) فيما عمل فيه؛ لأنه لم يُسلِّم عمله إلى المستأجر، فلم يستحق عوضه: سواء كان في بيت المستأجر أو غيره، بناء كان أو غيره (^٦٩)، وإن حبس الثوب على أجرته فتلف: ضمنه؛ لأنه لم
= الأجير المشترك الذي خاط لك ثوبًا في بيتك، ثم تلف هذا الثوب: فلا يضمنه إذا لم يُفرط، وهو قول مالك والشافعي، وأبي يعلى؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الأجير الخاص لا يضمن ما أتلفه إذا لم يُفرِّط - كما سبق في مسألة (٦٥) - فكذلك الأجير المشترك إذا صنع لك ثوبًا في بيتك لا يضمن والجامع: أن كلًّا منهما قد سلَّم نفسه إلى المستأجر، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس الفارق؛ حيث إن الأجير الخاص يستحق العوض بمضي المدَّة وإن لم يعمل، وما عمل فيه من شيء فتلف من حرزه: لم يسقط أجره بتلفه مطلقًا، بخلاف الأجير المشترك، ولا يختلف الأمر بحضور المستأجر أو لا؛ ويؤيده: أن الختان يضمن ما جنت يده وإن كان مستأجره حاضرًا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" وقد سبق بيان ذلك.
(^٦٩) مسألة: إذا استأجر رجل خيَّاطًا، أو بنَّاء مشتركًا، وأعطى الخياط قماشًا، ثم خاطه ثوبًا، ثم وضعه في حرز، ثم تلف هذا الثوب بغير تعدٍّ، ولا تفريط، أو أتلفه غيره: فلا يضمنه، ولا يستحق أجرة على خياطته: سواء خاط ذلك الثوب في دكانه أو في بيت مستأجره، وسواء كان ذلك العمل خياطة أو بناء، أو قصارة أو نحو ذلك؛ للقياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أن الشريك المضارب إذا استلم المبلغ الذي يُريد أن يضارب به فاشترى به بضاعة ليتاجر بها فتلفت بلا تعد ولا تفريط فلا يضمن ذلك، فكذلك الأجير المشترك مثله، والجامع: أن كلًّا منهما قد قبض ذلك بإذن من مالكه لنفع يعود إليهما معًا، وهو كوكيله في ذلك ثانيهما: كما أن زيدًا لو باع طعامًا على عمرو، فتلف هذا الطعام قبل أن يقبضه عمرو فإن البائع لا يستحق ثمنه فكذلك الحال هنا لا يستحق الأجير المشترك =
[ ٣ / ٤٥٤ ]
يرهنه عنده، ولا أذن له في إمساكه، فلزمه الضمان كالغاصب (^٧٠)، وإن ضرب الدابة
= أجرة ما عمله في الثوب قبل أن يُسلِّمه لمستأجره والجامع: أن كلًّا منهما لم يُسلِّم المعقود عليه لمن استأجره، أو اشتراه، فلم يستحق العوض، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الأجير المشترك؛ لئلا يُضمَّن أشياء لم يتلفها قصدًا، وفيه حماية لمستأجره؛ لئلا يدفع أجرة عمل لم يستوفه ولم يستلمه، فإن قلتَ: إن الأجير المشترك هنا يضمن، وهو قول لمالك وبعض الحنفية؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇ "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه" حيث إن هذا عام فيشمل الأجير المشترك وغيره، فهو ضامن لكل ما استلمه إذا تلف قلتُ: إن القياس الذي ذكرناه والمصلحة مخصصان لعموم السنة بما ذكرناه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض عموم السنة مع القياس والمصلحة" وقد سبق ذكره.
(^٧٠) مسألة: إذا استأجر رجل خياطًا على أن يخيط له ثوبًا، وأعطاه القماش لأجل ذلك، فخاطه الخياط ذلك، ولكن حبس ذلك الثوب عنده على الأجرة قائلًا: "إذا أعطيتني أجرة خياطتي له أعطيتك ثوبك لذي خطته" فتلف ذلك الثوب من غير تعدٍّ منه ولا تفريط: فلا يضمنه؛ وهو قول بعض العلماء، منهم ابن القيم، للتلازم؛ والمصلحة؛ حيث إن للخياط الحق شرعًا في الامتناع من تسليم الثوب حتى تُسلَّم له الأجرة فيلزم: أن لا يضمنه إذا تلف؛ لكونه مأذونًا له شرعًا في حبسه حتى تُسلَّم له الأجرة؛ حفظًا لحقه؛ إذ لو قلنا بضمانه إذا تلف: للحقه الضرر في ذلك؛ حيث إنه قد يُسلِّمه لمستأجره؛ تخلُّصًا ذلك، وقد لا يُسلِّمه مستأجره الأجرة، فدفعًا لذلك شرع ما ذكر، فإن قلتَ: إنه يضمن هنا، وهو ما ذكره المصنف هنا؟ للقياس؛ بيانه: كما أن الغاصب للثوب يضمنه إذا تلف فكذلك هذا الأجير المشترك مثله والجامع: أن مالك الثوب لم يرهنه عندهما، ولم يأذن لهما في إمساكه قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الغاصب لم يؤذن له في =
[ ٣ / ٤٥٥ ]
بقدر العادة: لم يضمن (^٧١) (وتجب الأجرة بالعقد) كثمن، وصداق وتكون حالَّة (إن لم تؤجَّل) بأجل معلوم، فلا تجب حتى يحل (^٧٢) (وتستحق) أي: يملك الطلب بها (بتسليم العمل الذي في الذمة) ولا يجب تسليمها قبله، وإن وجبت بالعقد؛ لأنها
= إمساكه، بخلاف الأجير المشترك فإن الشارع قد أذن له في إمساكه، لدفع الضَّرر عنه كما فصَّلنا ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع المصلحة" كما بيَّنا ذلك.
(^٧١) مسألة: إذا ضرب الأجير الدابة التي استؤجر على رعيها أو الحمل عليها ضربًا لا يُتلف عادة وعرفًا: فلا يضمن فيما إذا تلفت، أو ماتت، فإن زاد عن العادة، أو ضربها في غير موضع ضرب: فإنه يضمنها إذا تلفت؛ للتلازم؛ حيث إن الضرب العادي مأذون فيه شرعًا فيلزم عدم ضمانه لها عند تلفها بسببه، ويلزم من عدم إذن الشارع بالضرب غير العادي: أنه يضمنها إذا تلفت بسببه، وقد سبق ذكر ذلك، والمقصد منه: حماية كل من الأجير، ومستأجره تنبيه: يُعرف الضرب العادي من غيره عن طريق أهل الخبرة من متوسطي العقول.
(فرع): إذا ضرب الولي صبيه، أو معلِّم الصبيان للتأديب ضربًا لا يتلف عادة وعرفًا فتلف أو مات: فالقول فيه كالقول في ضرب الدابة؛ لعدم الفارق.
(^٧٢) مسألة: تجب الأجرة بنفس عقد الإجارة إذا أُطلق العقد فتكون حالَّة، أما إن اشتُرط تأجيل الأجرة وتسليمها إلى أجل معلوم: فإنها لا تجب إلّا عند انتهاء ذلك الأجل؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ثمن المبيع يجب عند عقد البيع إذا أطلق العقد إلّا إذا اشترط تأخيره، والمهر يجب عند عقد النكاح إذا أطلق العقد إلا إذا اشترط تأخيره فكذلك الإجارة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منها فيه عوض أطلق ذكره في عقد معاوضة فيستحق بمطلق العقد، واشتراط التأخير لا خلاف فيه؛ لأن المسلمين عند شروطهم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن عقد الإجارة سبب لوجوب الأجرة، والسبب يكون بعد المسبب مباشرة.
[ ٣ / ٤٥٦ ]
عوض، فلا يستحق تسليمه إلا مع تسليم المعوض كالصداق (^٧٣)، وتستقرّ كاملة باستيفاء المنفعة، وبتسليم العين، ومضي المدَّة مع عدم المانع، أو فراغ عمل ما بيد مستأجره، ودفعه إليه وإن كانت لعمل: فببذل تسليم العين، ومضي مدَّة يمكن الاستيفاء فيها (^٧٤) (ومن تسلَّم عينًا بإجارة فاسدة، وفرغت المدَّة: لزمه أجرة المثل).
(^٧٣) مسألة: يملك المؤجِّر الطلب بالأجرة ويستحقها إذا سلَّم العين المؤجَّرة للمستأجر، والمستأجر لعمل شيء يملك الطلب بأجرته إذا سلَّم العمل المؤجَّر عليه الذي في الذمّة، ولا يجب أن يُسلَّم الأجرة على العمل حتى يستلمه مستأجره كاملًا بشروطه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المرأة لا تستحق الصداق والمهر إلّا إذا مكَّنته من نفسها، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما لا يستحق تسليمه إلّا مع تسليم المعوض، فإن قلتَ: لِمَ لا يجب تسليم الأجرة قبل العمل؟ قلتُ: حتى تقع في موقعها، وهو بعد استكماله للعمل، وهو موافق؛ لقوله ﷺ: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفَّ عرقه" حيث إن هذا يلزم منه أنه لا يستحقها إلّا بعد العمل المؤجَّر عليه.
(^٧٤) مسألة: تستقر الأجرة كاملة بأحد أمور ثلاثة: أولها: إذا استوفى المستأجر المنفعة كاملة كأن يستأجر زيد عمرًا ليحمل له متاعًا، فحملها له وفرغ من ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المشتري إذا قبض العين المباعة: فإن البائع يستحق الثمن فكذلك الإجارة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما قبض المعقود عليه، فاستقرَّ عليه البدل، ثانيها: إذا سلَّم المؤجِّر العين المؤجَّرة للمستأجر، ومضت مدَّة يُمكن للمستأجر استيفاء منفعة تلك العين، ولا مانع له من ذلك معتبر: كأن يستأجر زيد من عمرو دارًا سنة فيُسلِّمها عمرو لزيد، وانقضت السنة، فإن الأجرة تستقر على زيد وكذلك: لو استأجر زيد من عمرو دابة وسلمها إليه عمرو، ليُسافر عليها من بلده إلى بلد آخر ويرجع ومضت مدَّة يُمكنه فيها ذهابه إلى تلك البلد ورجوعه فيها على حسب العرف والعادة، ولم يفعل: فإن الأجرة تستقر على =
[ ٣ / ٤٥٧ ]
لمدَّة بقائها في يده: سكن أو لم يسكن؛ لأن المنفعة تلفت تحت يده بعوض لم يسلَّم للمؤجِّر، فرجع إلى قيمتها (^٧٥).
= زيد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن عمرًا لو باع دارًا على زيد، ثم سلَّمها عمرو لزيد، وتركها: فإن عمرًا يستحق ثمنها كاملًا، فكذلك الإجارة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما قد سلَّم المعقود عليه كاملًا، فيستحق البدل كاملًا، ثالثها: إذا فرغ الأجير من عمله، وسلَّمه لمستأجره كأن يستأجر زيد خياطًا ليخيط له ثوبًا، فخاطه وسلَّمه لزيد، فإن الأجرة تستقر على زيد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من فراغ الأجير من عمله، وتسليمه لمستأجره كاملًا: استقرار الأجرة على مستأجره، لكون الأجير قد سلَّم ما عليه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه بيان متى تستقر الأجرة للمستأَجَر؛ حتى لا يستعجل المؤجر على المستأجر، فإن قلتَ: إن المستأجر لعين موصوف كمن استأجر جملًا يوصله إلى بلد آخر، ولكنه لم يفعل: لا أجرة عليه، وهو قول جمهور الحنفية وبعض الحنابلة كابن قدامة؛ للتلازم؛ حيث إن هذا عقد على منفعة غير مؤقتة بزمن: فيلزم عدم استقرار عوضها بمجرَّد تسليمها أو بذلها قلتُ: لا يُسلَّم أنه لم يؤقت بزمن، بل ثبت توقيت زمن ذهابه وإيابه على حسب العرف والعادة، فإن قلتَ ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل العرف والعادة من المقيدات للمطلق في الأزمان أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(^٧٥) مسألة: إذا تسلَّم زيد عينًا استأجرها من عمرو بإجارة فاسدة كأن يكون قد استأجر دارًا وهو لم يرها ولم توصف له، وانتهت مدَّة الإجارة المتفق عليها، وهي تحت يد المستأجر - وهو زيد -: فإن عليه -: أي على زيد - أجرة المثل عن مدَّة بقائها تحت يده: وهذا مطلق، أي: سواء انتفع زيد بتلك العين المؤجَّرة أو لم ينتفع بها، أي: سواء سكن تلك الدار أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو استوفى المنفعة بعقد إجارة فاسدة فعليه أجرة المثل عن تلك المدَّة، فكذلك الحال =
[ ٣ / ٤٥٨ ]
* * *
= فيما لو لم يستوفها، والجامع: أنه في كل منهما منفعة تلفت تحت يده بعوض لم يُسلِّم للمؤجر - وهو هنا عمرو -، فإن قلتَ: لِمَ وجبت أجرة المثل ولم تجب الأجرة نفسها؟ قلتُ: لأن عقد الإجارة عقد فاسد، ولا يترتَّب على العقد الفاسد أجرة شرعية. (فرع): إذا لم يتسلَّم المستأجر العين المؤجرة بذلك العقد الفاسد: فلا تجب عليه أجرة ولو بذل المؤجِّر - تلك العين؛ للتلازم؛ حيث إن المنافع لم تتلف تحت يده فيلزم عدم استحقاق الأجرة، ولا يُنظر إلى العقد الفاسد شرعًا ولا عرفًا.
هذه آخر مسائل باب "الإجارة" ويليه باب "السَّبق والمسابقة والمصارعة والمراهنة والمغالبة".
[ ٣ / ٤٥٩ ]