لغة: نية الدخول في التحريم؛ لأنه يُحرِّم على نفسه بنيته ما كان مباحًا له قبل الإحرام من النكاح والطيب ونحوهما، وشرعًا: (نية النُسك) أي: نية الدخول فيه، لا نية أن يحج أو يعتمر (^١) (سُنَّ لمريده) أي: لمريد الدخول في النسك من ذكر وأنثى (غسل) ولو حائضًا ونفساء؛ لأن النبي ﷺ "أمر أسماء بنت عُميس - وهي نفساء - أن تغتسل" رواه مسلم، و"أمر عائشة أن تغتسل لإهلال الحج وهي حائض" (أو تيمُّم؛ لعدم) أي: عدم الماء، أو تعذُّر استعماله؛ لنحو مرض (^٢) (و) سُنَّ له أيضًا
باب الإحرام وكيفيته وأحكامه وأنواع الأنساك والتلبية
وفيه ثنتان وأربعون مسألة:
(^١) مسألة: الإحرام لغة: نفس نية الدخول في التحريم، أي: نية المسلم أن يُحرِّم على نفسه ما كان مُباحًا قبل تلك النية، والإحرام اصطلاحًا: نية الدخول في الإحرام للنُّسك الذي يُريده من "تمتُّع" أو "قِران" أو "إفراد" أو "عمرة" وهو بهذه النية يُحرِّم على نفسه كل شيء كان حلالًا قبل ذلك كالنكاح والطيب ونحوهما، ولا بدَّ من قول أو عمل يصير به مُحرمًا؛ إذ لا يكون محرمًا بمجرَّد ما في قلبه من نية حج أو عمرة وقصدهما؛ لأن ذلك القصد بالقلب هو كائن منذ سنوات في بلده كما قرَّره ابن تيمية، وهذا الإحرام كتكبيرة الإحرام في الصلاة تمامًا وقد سبق بيانه.
(^٢) مسألة: يُستحب أن يغتسل قبل إحرامه، فإن تعذَّر ذلك فيُستحب أن يتوضأ، فإن تعذَّر ذلك لعدم ماء، أو برد أو مرض: فيُستحب أن يتيمَّم،: سواء كان ذكرًا أو أنثى، طاهرة أو حائضًا أو نفساء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "النفساء والحائض تغتسل وتحرم وتقضي المناسك كلها غير =
[ ٢ / ٤٧٨ ]
(تنظُّف): بأخذ شعر وظفر، وقطع رائحة كريهة؛ لئلا يحتاج إليه في إحرامه فلا يتمكَّن منه (^٣) (و) سُنَّ له أيضًا (تطيُّب) في بدنه بمسك أو بخور، أو ماء ورد ونحوها؛ لقول عائشة ﵂: "كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحلِّة قبل أن يطوف بالبيت" وقالت: "كأني أنظر إلى وبيض المسك في مفارق رسول الله ﷺ وهو محرم" متفق عليه، (^٤) وكُرِه أن يتطيب في ثوبه (^٥) وله استدامة
أنها لا تطوف بالبيت"، وقد أمر ﷺ عائشة وأسماء بنت عميس بأن تغتسلا عند الإحرام، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ يتجرَّد لإحرامه ويغتسل"، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إزالة أيِّ رائحة كريهة قد يتأذى بها الحجاج الآخرون، وقد يتأذى هو بنفسه إذا طال الزمن عليه.
(^٣) مسألة: يُستحب أن يتنظَّف قبل أن يُحرم بأن يأخذ شعر عانته، وإبطيه، ويُقلِّم أظفاره، ونحو ذلك؛ للمصلحة، حيث إن ذلك فيه منع ظهور رائحة كريهة منه فتؤذيه أو تؤذي الآخرين.
(^٤) مسألة: يُستحب أن يتطيَّب قبل أن يُحرم بأي طيب، بأن ضع ذلك على رأسه وإبطيه، وبعض بدنه؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إظهار رائحة طيبة منه، وهو نافع عند كثرة الزحام.
(^٥) مسألة: يحرم أن يضع الطيب على لباس الإحرام؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا تلبسوا ثوبًا مسَّه الزعفران ولا الورس" وهما من أنواع الطيب، فحرَّم ذلك؛ لأن النهي هنا مُطلق، وهو يقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: لأن الطيب يُنافي المقصد من مشروعية الحج، وهو أنه يأتي أشعث أغبر، فإن قلتَ: إن هذا مكروه فقط، وهو ما ذكره المصنف هنا؟ قلتُ: لم أجد دليلًا على هذه الكراهة، ولم أجد قرينة قد صرفت هذا النهي من التحريم إلى الكراهة.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
لبسه ما لم ينزعه، فإن نزعه: فليس له أن يلبسه قبل غسل الطيب منه (^٦) ومتى تعمَّد مسَّ ما على بدنه من الطيب، أو نحَّاه من موضعه ثم ردَّه إليه أو نقله إلى موضع آخر: فدى، (^٧) لا إن سال بعَرَق أو شمس (^٨) (و) يُسنُّ له أيضًا (تجرُّد من مخيط)
(^٦) مسألة: إذا جعل الطيب في لباس الإحرام: فله الاستمرار في لبسه بشرط: أن لا ينزعه، فإن نزعه لاغتسال ونحوه: فلا يلبسه مرة ثانية إلا بعد غسل الطيب منه، وإن لبسه قبل غسله: فعليه فدية؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك فيه قصد التطيُّب، وهذا من محظورات الإحرام فيلزم عدم الجواز، والفدية إن فعل، تنبيه: هذه المسألة مبنية على أن وضع الطبيب في اللباس مكروه - وهو رأي المصنف -، والراجح أنه حرام كما سبق.
(^٧) مسألة: إذا وضع الطيب على بدنه قبل لبس إحرامه، ثم إنه بعد لبسه لإحرامه تعمَّد مسَّ هذا الطيب بأصابعه بتنحيته عن مكانه، أو تحريكه، أو نقله إلى موضع آخر: فإن عليه فدية؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا تمسُّوه طيبًا" - في الرجل الذي وقصته ناقته يوم عرفة فمات وهو محرم - حيث حرم عليه الطيب؛ لأن النهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لتعمُّده مسَّ الطيب الذي هو من محظورات الإحرام؛ لمنافاته للمقصد من مشروعية الإحرام.
(^٨) مسألة: إذا سال الطَّيب الذي وضعه على بدنه إلى لباسه أو إلى أي بقعة في البدن بدون قصدٍ منه ولا تعمُّد: فلا شيء عليه؛ للسنة التقريرية؛ حيث قالت عائشة ﵂: "كنا نضمد جباهنا بالمسك عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا: سال على وجهها فيراه النبي ﷺ فلا ينهاها" فلو كان هذا فيه شيء لبيَّنه النبي ﷺ، فلما ترك بيانه دلَّ على عدم وجوب شيء فيه؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه =
[ ٢ / ٤٨٠ ]
وهو: كل ما يُخاط على قدر الملبوس عليه كالقميص والسراويل؛ "لأنه ﷺ تجرَّد لإهلاله" رواه الترمذي (^٩) (و) سُنَّ له أيضًا: أن (يُحرم في إزار ورداء أبيضين) نظيفين، ونعلين؛ لقوله ﷺ: "وليُحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين" رواه أحمد، والمراد بـ"النعلين": التاسومة، ولا يجوز له لبس "السرموزة" و"الجمجم" قاله في "الفروع" (^١٠) (و) سُنَّ (إحرام عقب ركعتين) نفلًا، أو عقب فريضة، لأنه ﷺ "أهلَّ
يشق منعه من السَّيلان، فدفعًا لذلك: شرع عدم وجوب شيء فيه؛ لأن المشقة تجلب التيسير، فيكون معفوًا عنه.
(^٩) مسألة: يُستحب أن يتجرَّد من ثيابه العادية المخيطة، ثم يغتسل، ثم يلبس لباس الإحرام؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد تجرَّد لإهلاله"، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُسهِّل الاغتسال، ولبس لباس الإحرام، وليتذكَّر قيام الناس يوم القيامة حفاة عراة، وليتذكَّر أنه سيُفعل به كذلك بعد موته وسيُغسَّل، ويُلبس الكفن المشابه للباس الإحرام، وهذا يجعله يترك الدنيا وملذَّاتها، ويُقبل إلى العمل بالشريعة وترك الدنيا؛ لما في ذلك من المصالح الشاملة، فائدة: المراد من "المخيط": كل ما فُصِّل وخيط على هيئة بدن الإنسان بفَتَحات دخول الرأس، واليدين والرجلين كالقمصان، والسراويل، والدروع، والجبَّة والعباءة، ونحو ذلك: سواء كان ذلك قد خيط بخيط أو لا، كأن توضع فتحات من نفس الثوب بدون خياطة. [فرع]: يصح إحرامه بثيابه العادية، ويجب عليه أن يخلعها إذا علم بذلك، ويكون هذا الخلع عاديًا بدون شقِّ، ولا شيء عليه؛ للسنة القولية؛ حيث إن يعلى بن أمية قد أحرم في جُبَّة "فأمره ﷺ بخلعها من رأسه" ولم يرد: أنه أمره بشقِّها أو فدية، فدل على عدم وجوب ذلك؛ تيسيرًا وتوسعة على العباد، وهو المقصد منه.
(^١٠) مسألة: يُستحب أن يُحرم الرجل في إزار ورداء أبيضين، نظيفين، ونعلين؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين أولهما: قوله ﷺ: "وليُحرم أحدكم في إزار =
[ ٢ / ٤٨١ ]
دُبُر الصلاة" رواه النسائي (^١١) (ونيته: شرط) فلا يصير مُحرمًا بمجرَّد التجرُّد، أو التلبية من غير نية الدخول في النُّسك؛ لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (^١٢)
ورداء ونعلين" والذي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب السنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ لم يُنكر على أصحابه ما لبسوا في إحرامهم، ثانيهما: قوله ﷺ: "خير ثيابكم البياض" وهو عام، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن "ثيابكم" جمع منكَّر أضيف إلى معرفة، وهذا من صيغ العموم، ولفظ "خير" يلزم منه: الاستحباب، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تسوية الناس في لباسهم؛ لمنع التفاخر، وتذكُّر يوم القيامة، وعند تكفينهم، وهذا فيه أعظم العِبَر لمن كان له قلب، فائدة: المراد بـ"النِّعلين": هما النعلان ذات السِّيور التي تظهر بشرة القدم من بينها، ولذلك لا يجوز لبس البابوج - وهو: السَّرموزة -، ولا المداس - وهو: الجمجم؛ لكونهما يُغطيان بشرة القدم.
(^١١) مسألة: يُستحب أن تجعل إحرامك بعد صلاة نافلة أو فريضة؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال جابر: "أهلَّ النبي ﷺ دُبُر الصلاة"، وهذا عام لصلاة النفل والفرض؛ لأن لفظ "الصلاة" مفرد محلى بأل، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ استُحب هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أدعى للقبول؛ لأنه يكون طاعة بعد طاعة، ولشكر الله على أنه أوصله إلى هذا الميقات؛ ليقوم بذلك، تنبيه: لا يجوز أن تكون النافلة في وقت نهي كما سبق.
(^١٢) مسألة: تشترط النية للدخول في النُّسك الذي يُريد أن يقوم به من: تمتُعٍ أو قِران، أو إفراد، أو عمرة، فلو تجرَّد ولبس لباس الإحرام، ولبَّى بدون أن ينوي ذلك النُّسك: فلا يصح نسكه - وهذا ركن من أركان الحج والعمرة -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى" وهذا =
[ ٢ / ٤٨٢ ]
(ويُستحب قول: اللهم إني أريد نسك كذا) أي: أن يُعيِّن ما يُحرم به، ويلفظ به وأن يقول: (فيسِّره لي) وتقبَّله مِنِّي، (^١٣) وأن يشترط فيقول: (وإن حبسني حابس فمحلِّي حيث حبستني)؛ لقوله ﷺ لضباعة بنت الزبير - حين قالت له: إني أريد الحج وأجدني وجعة فقال: "حجِّي واشترطي وقولي: "اللهم محلِّي حيث حبستني" متفق عليه زاد النسائي في رواية إسنادها جيد: "فإن لك على ربك ما استثنيت" فمتى حبس بمرض أو عدو، أو ضلَّ عن الطريق: حلَّ ولا شيء عليه، (^١٤) ولو
عام؛ لأن "الأعمال" جمع معرَّف بأل وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه لأن "النُّسك" عمل، فيلزم عدم قبوله إلا بنية.
(^١٣) مسألة: يُستحب أن يدعو عند نيته للنسك الذي يُريد الدخول فيه من تمتعٍ أو قِران، أو إفراد أو عمرة قائلًا: "يسِّره لي وتقبَّله مني"، ولا يتلفظ بالنسك أو ينطق به؛ للاستقراء؛ حيث ثبت بعد استقراء وتتبُّع أحوال النبي ﷺ وأصحابه أنهم كانوا يدعون الله بذلك عند إحرامهم، ولكنهم لا يتلفظون بالنُّسك الذي يريدون الدخول فيه، فإن قلتَ: لمَ لا يتلفَّظ بذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن نيته وقصده تكفي عن ذلك، ولأنه لو نطق كل شخص بما في قلبه من نيات: لتعالت الأصوات من رجال ونساء مما يُسبِّب الاضطراب والفتنة، فدفعًا لذلك: شُرع هذا، فإن قلتَ: إنه يُستحب أن يتلفظ بالنسك الذي يُريد الدخول فيه وهو ما ذكره المصنف هنا؟ قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، بل الدليل على منعه؛ حيث إن التلفُّظ بذلك بدعة وإحداث بالدِّين فيكون مردودًا؛ عملًا بعموم قوله ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ".
(^١٤) مسألة: يُستحب أن يشترط عند إحرامه قائلًا: "وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" هذا إذا كان خائفًا من عدم تمكُّنه من أداء نسكه بسبب ضعف =
[ ٢ / ٤٨٣ ]
شرط: "أن يُحلَّ متى شاء" أو"إن أفسده: لم يقضه": لم يصح الشرط، (١٥) ولا يبطل
يحسُّ به، أو مرض يخشى زيادته، أو عدو يهاجمه، أو عدم معرفته لطريق مكة، أما إن لم يكن خائفًا من شيء عند إحرامه فلا يشترط، ولو اشترط لن ينفعه؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث إن ضباعة بنت الزبير قالت للنبي ﷺ: إني أريد الحج وأجدني وجعة فقال لها: "حجِّي واشترطي وقولي: "وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" فيلزم من لفظ "وجعة": أن الذي يشترط هو الخائف من شيء عند إحرامه، وشرطه ينفعه، أما غير الخائف فلا يشترط ذلك، ولو اشترط لا ينفعه، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان عمر ﵁ يُنكر الاشتراط في الحج ويقول: "أليس حسبكم سنة نبيكم ﷺ أنه لا يشترط" الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إن كثيرًا من الصحابة كانوا لا يشترطون ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب أن يشترط الخائف؟ قلتُ: للمصلحة؛ لأن هذا الشرط - وهو: قوله: "وإن حبسني … " - ينفعه؛ حيث إنه لو وقع ما خاف منه لجاز له أن يحلُّ من إحرامه بدون هدي، وهذا فيه تيسير عليه؛ لمراعاة حاله، فإن قلتَ: لمَ لا يشترط كل أحد؟ قلتُ: لكونه لن ينفعه ذلك الشرط حتى لو اشترطه، فلو طرأ عليه طارئ وتحلَّل: فلا يسقط عنه الهدي وإن اشترط، تنبيه: عبارة المصنف يلزم منها: أن الكل يشترط، وهذا غير صحيح كما سبق بيانه. (١٥) مسألة: إذا شرط عند إحرامه قائلًا: "إنه يُحلُّ متى شاء" أو قائلًا: "إن أفسد حجَّه فلن يقضيه": فلا يصح ذلك، فيجب عليه إن حلَّ إحرامه الهدي، وإن أفسده بشيء يجب عليه قضاؤه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب إتمام الحج والعمرة: أن لا يصح هذا الاشتراط، ويلزم من عدم صحتهما: وجوب الهدي، أو القضاء إن حلَّ، أو أفسده.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
الإحرام بجنون أو إغماء، أو سكر كموت، (^١٦) ولا ينعقد مع وجود أحدها، (^١٧) والأنساك: تمتُّع، وإفراد، وقِران (وأفضل الأنساك: التمتُّع) فالإفراد، فالقِران، قال أحمد: "لا أشكُّ أنه ﷺ كان قارنًا، والمتعة أحب إلي" انتهى، وقال: "لأنه آخر ما أمر به النبي ﷺ: ففي الصحيحين: أنه ﷺ أمر أصحابه لما طافوا وسعوا: "أن يجعلوها عمرة إلا من ساق هديًا" وثبت على إحرامه؛ لسوقه الهدي وتأسَّف بقوله: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت ما سُقتُ الهدي ولأحللتُ معكم" (^١٨) (وصفته) أي: التَّمتُّع: (أن
(^١٦) مسألة: إذا أحرمَ المكلف ثم بعد ذلك جُنَّ، أو أغمي عليه، أو سكر: فلا يبطل إحرامه؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو مات: فإن إحرامه لا يبطل كما في حديث الذي وقصته ناقته وهو محرم فمات؛ حيث قال ﷺ: "يُبعث يوم القيامة مُلبيًا" فكذلك ما نحن فيه مثله والجامع: زوال العقل، وعدم الإدراك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لكونه قد عقد الإحرام وهو بكامل تكليفه ونواه، والطارئ أثناء الإحرام لا يؤثِّر عليه.
(^١٧) مسألة: لا ينعقد الإحرام ممن هو في حالة جنون، أو إغماء، أو سكر؛ للتلازم؛ حيث إن نية الدخول في الإحرام شرط من شروط الإحرام للحج والعمرة، والمجنون أو المغمى عليه أو السكران لا تصح النية منهم وهم في حالتهم تلك، فيلزم: عدم صحة الإحرام؛ لأن عدم الشرط يلزم منه عدم الحكم.
(^١٨) مسألة: الأنساك في الحج ثلاثة: التَّمتُّع، والإفراد، والقِران، وأفضلها: التمتع، ثم الإفراد، ثم القِران - وسيأتي بيانها -؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "من أراد منكم أن يُهلَّ بحج فليفعل، ومن أراد أن يُهلَّ بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يُهلَّ بعمرة فليفعل" قالت عائشة ﵂: "فأهلَّ رسول الله ﷺ بحج" وهذا يدل على مشروعية الأنساك الثلاثة، ثانيهما: أنه ﷺ قد أمر الصحابة لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة إلا من =
[ ٢ / ٤٨٥ ]
يُحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يُحرم بالحج في عامه) من مكة، أو قربها، أو بعيد منها، (^١٩) والإفراد: أن يُحرم بحج، ثم يعتمر بعد فراغه منه، (^٢٠) والقِران: أن يُحرم بهما معًا، أو بها ثم يُدخله عليها قبل شروعه في طوافها، (^٢١) ومن أحرم به، ثم
ساق هديًا، وقال: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سُقتُ الهدي ولأحللتُ معكم" وهذا يلزم منه: أن التمتع هو أفضل الأنساك؛ لكونه تمنَّاه وتأسَّف لكونه قارنًا؛ لسوقه الهدي، وأمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يُحلِّلوا بعمرة، ثم يدخلوا في الحج - وهذا هو حقيقة التَّمتُّع، فإن قلتَ: لمَ كانت الأنساك ثلاثة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على العباد ومراعاة أحوالهم البدنية والمالية، فإن قلتَ: لمَ كان الأفضل التمتع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن فيه جمع عبادات في سفرة واحدة وهي: الحج والعمرة، وذبح الدم، وفيه مراعاة الحاج من أنه يستمتع بما شاء بين إحلاله من العمرة وإحرامه للحج.
(^١٩) مسألة: صفة التمتع: أن يُحرم بالعمرة في أشهر الحج - وهي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة قبل التاسع منه -، فإذا فرغ منها يُحلُّ، ثم يتمتَّع بما شاء، ثم يحرم بالحج من عامه ذلك من مكة أو مكان قريب منها، ويقول عند إحرامه هنا: "لبيك عمرة مُتمتِّعًا بها إلى الحج"، لقول الصحابي: حيث قال ابن عمر ﵃: "إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع".
(^٢٠) مسألة: صفة الإفراد: أن يُحرم بحج فقط، ولا هدي عليه، وعليه طواف واحد وسعي واحد قبل الوقوف بعرفة أو بعده، وإن شاء فليأتي بعمرة بعد هذا، ولكن الأفضل ترك ذلك هنا؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ لم يعتمر بعد حجه.
(^٢١) مسألة: صفة القِران: أن يُحرم بالحج والعمرة جميعًا، ينويهما معًا، ويطوف لهما طوافًا واحدًا، ويسعى لهما سعيًا واحدًا، أو يُحرم بالعمرة، ثم يُدخل الحج =
[ ٢ / ٤٨٦ ]
أدخلها عليه: لم يصح إحرامه بها (^٢٢) (و) يجب (على الأفقي) وهو: من كان مسافة قصر فأكثر من الحرم إن أحرم مُتمتِّعًا أو قارنًا (دم) نسك، لا جبران، بخلاف أهل الحرم، ومن هو منه دون المسافة فلا شيء عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، ويُشترط: أن يُحرم بها من ميقات، أو مسافة قصر فأكثر من مكة، وأن لا يُسافر بينهما، فإن سافر مسافة قصر فأحرم فلا دم عليه، (^٢٣) وسُنَّ
عليها وينويه قبل شروعه في طواف العمرة، إلا من ساق الهدي فيصح منه إدخال الحج عليها، ولو بعد طوافه بالعمرة؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد حج قارنًا فنوى الحج والعمرة جميعًا، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث قالت عائشة ﵂: "أهللنا بالعمرة، ثم أدخلنا عليها الحج" ولم يُنكره ﷺ، وهذا يدل على جوازه؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من سوقه للهدي جواز إدخال الحج على العمرة ولو بعد طوافها؛ لوضوح قصده.
(^٢٢) مسألة: إذا أحرم بالحج فقط، ثم بعد ذلك أحرم بالعمرة وأدخلها على الحج: لم يصح إحرامه بتلك العمرة، ويبقى على إحرامه بالحج؛ للتلازم؛ حيث إن عدم موافقته لصفة التمتع - وهو: الإحرام بالعمرة متمتعًا بها إلى الحج - وعدم موافقته لصفة القِران - وهو: إحرامه بهما معًا -: يلزم منه أن يبطل إحرامه بالعمرة، والبقاء على إحرام الحج فيكون مفردًا؛ لكونه أتى بصفة غير مُتعبَّد بها شرعًا فتكون مردودة، وهذا هو المقصد منه.
(^٢٣) مسألة: الآفاقي - وهو: الذي يبعد مسكنه عن مكة مسافة قصر - وهو: (٨٢) كم -: إذا أحرم مُتمتِّعًا أو قارنًا فيجب عليه هدي وهو دم نسك وهو: ذبح شاة - بشرطين: أولهما: أن يُحرم بذلك من أحد المواقيت الخمسة السابقة الذكر - في مسألة (٢) من باب "المواقيت" -، فإن أحرم من مكان دون تلك =
[ ٢ / ٤٨٧ ]
لمفرد وقارن فسخ نيتهما بحج، وينويان بإحرامهما ذلك عمرة مفردة؛ لحديث الصحيحين السابق، فإذا حلَّا: أحرما به؛ ليصيرا مُتمتِّعين ما لم يسوقا هديًا، أو يقفا بعرفة، (^٢٤) وإن ساقه مُتمتِّع: لم يكن له أن يحلَّ فيُحرم بحج إن طاف وسعى لعمرته قبل
المواقيت من جهة مكة -: فلا هدي عليه، ثانيهما: أن لا يُسافر المتمتع بعد إحلاله من العمرة، فإن سافر مسافة قصر، ثم رجع مُحرمًا للحج: فلا دم عليه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ إلى قوله: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فالذي يبعد عن الحرم مسافة قصر هو: الآفاقي؛ حيث لا يكون أهله من حاضري المسجد الحرام، وهو الذي يُحرم من أحد المواقيت، وهو الذي أدَّى عمرة وحجة في سفرة واحدة ولم يُسافر بينهما مسافة قصر، فلزم الشرطان من الآية، فإن قلتَ: لمَ وجب عليه دم نسك، لا دم جبران؟ قلتُ: لأن دم النسك دم شكر فيؤكل منه، ودم الجبران دم وجب لجبران ما نقص من فعل محظور ونحوه، فهذا لا يؤكل منه.
(^٢٤) مسألة: يُستحب لمن أحرم بإفراد، ولمن أحرم بقِران: أن يفسخا نيتهما، وينويان عمرة مفردة، فإذا أحلَّا منها: أحرما بالحج؛ ليكونا مُتمتِّعين، وذلك بشرطين: أولهما: أن لا يكون القارن قد ساق الهدي، فإن ساقه فلا يصح الفسخ، ثانيهما: أن لا يكونا قد وقفا بعرفة فإن وقفا فيها: لم يصح الفسخ؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر أصحابه لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي، وهذا الأمر وقع قبل الوقوف بعرفة، فلزم الشرطان من ذلك، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط الشرطان؟ قلتُ: لكونه لما ساق الهدي أصبحت نية القِران مؤكدة بالسوق حيث نواها لله، وما هو لله لا يُنقض، ولأنه نوى بالوقوف بعرفة أنه للحج المفرد أو للقِران، فلا تنقلب النية بعد وقوعها خاصة في الركن الأعظم للحج قال ﷺ: "الحج عرفة".
[ ٢ / ٤٨٨ ]
حلق، فإذا ذبحه يوم النحر: حلَّ منهما (^٢٥) (وإن حاضت المرأة) المتمتعة قبل طواف العمرة (فخشيت فوات الحج: أحرمت به) وجوبًا (وصارت قارنة)؛ لما روى مسلم: أن عائشة ﵂ كانت متمتعة فحاضت فقال لها النبي ﷺ: "أهلِّي بالحج"، وكذا: لو خشيه غيرها، (^٢٦) ومن أحرم وأطلق: صحَّ وصرفه لما
(^٢٥) مسألة: من نوى عند إحرامه نسك التمتع، وهو قد ساق الهدي معه: فلا يحلُّ إحرامه بعد انقضاء طواف وسعي عمرته، لكنه قبل حلقه ينوي الحج فإذا ذبح الهدي يوم النحر ورمى: فإنه يتحلَّل منهما التحلُّل الأول؛ للسنة القولية؛ حيث قال ابن عمر: "تمتع الناس بالعمرة إلى الحج فقال النبي ﷺ: "من كان معه هدي: فإنه لا يحلُّ من شيء حرم عليه حتى يقضي حجه" وهذا عام لمن ساق الهدي: سواء كان مُتمتِّعًا أو قارنًا؛ لأن "مَنْ" شرطية، وهي من صيغ العموم.
(^٢٦) مسألة: إذا أحرمت امرأة بالتمتع، ثم بعد ذلك حاضت أو نفست قبل طواف العمرة، أو في أثنائه، وخشيت أن يفوتها الحج - فيما لو بقيت في أيام عادتها أو نفاسها حتى تطهر -: فيجب عليها أن تقلب نيتها وتُحرم بالحج، وتترك العمرة، وتكون بذلك قارنة، أما إذا حاضت أو نفست بعد طواف العمرة: فإنها تُكمل السعي والتقصير، ثم تحل، ثم تحرم بالحج كالعادة، لكون السعي لا تشترط له الطهارة، وكذلك من أحرم بالتمتع، وخشي أن يفوته الوقوف بعرفة إن هو ذهب إلى الحرم ليؤدِّي العمرة: فإنه يترك العمرة، ويحرم بالحج، ويكون قارنًا؛ للسنة القولية؛ حيث إن عائشة ﵂ كانت مُتمتعة، ثم حاضت قبل أن تطوف طواف العمرة فقال لها النبي ﷺ: "أهلِّي بالحج" ويلزم من ذلك أن تكون قارنة؛ وغيرها ممن خشي فوات الحج إذا هو اشتغل بالعمرة مثل عائشة؛ لعدم الفارق =
[ ٢ / ٤٨٩ ]
شاء، (^٢٧) وبمثل ما أحرم فلان: انعقد بمثله، (^٢٨) وإن جهله: جعله عمرة؛ لأنها اليقين، (^٢٩)
فيكون من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من أحرم بالتمتع أراد أن يجمع حجة وعمرة بسفرة واحدة، فأراد الشارع أن لا يحرمه من ذلك عند حصول عذره، ولكون إدخال الحج على العمرة جائز بلا عذر، فلئن يكون إدخاله على العمرة بالعذر أولى.
(^٢٧) مسألة: إذا نوى شخص الحج عند إحرامه وأطلق، فلم ينوِ في إحرامه التمتع، أو القِران أو الإفراد: فيصحُّ ذلك، ويصرفه فيما بعد لما شاء مما يناسبه من تلك الأنساك؛ للمصلحة؛ حيث إن أكثر المسلمين لا يعرفون تلك الأنساك ولا الفروق بينها، ولو كُلِّف كل شخصٍ معرفتها لشق ذلك عليهم، فدفعًا لذلك: صحَّ ما نواه، وللتيسير على الناس.
(^٢٨) مسألة: إذا قال زيد عند إحرامه: "أنا أحرمتُ بمثل ما أحرم به عمرو": فإن إحرام زيد ينعقد بمثل ما أحرم به عمرو: فإن كان عمرًا متمتعًا فزيد كذلك، وإن كان قارنًا فزيد كذلك، وإن كان مفردًا فزيد كذلك؛ للسنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ سأل علي ﵁ قائلًا: "بمَ أحرمت؟ " فقال علي: بما أحرمتَ به يا رسول الله، فلم يُنكر ذلك النبي ﷺ، وهذا يلزم منه إقراره على ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على الخلق.
(^٢٩) مسألة: إذا قال زيد عند إحرامه: "أنا أحرمتُ بمثل ما أحرم به عمرو" ولكنه جهل ما أحرم به عمرو: فإن زيدًا يجعل إحرامه عن عمرة؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز صرف تمتُّع وقِران إلى عمرة مع العلم بهما فمن باب أولى جواز صرف ما يُجهل من الأنساك إلى عمرة، والجامع: أن العمرة مُتيقَّنة في كل.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
ويصحُّ: أحرمتُ يومًا، أو بنصف نسك، (^٣٠) لا "إن أحرم فلان فأنا مُحرم"؛ لعدم جزمه (^٣١) (وإذا استوى على راحلته: قال) قطع به جماعة، والأصح عقب إحرامه: (لبيك اللهم لبيك) أي: أنا مُقيم على طاعتك، وإجابة أمرك (لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك) روي ذلك عن ابن عمر عن النبي ﷺ في حديث متفق عليه، (^٣٢) وسُنَّ أن يذكر نسكه
(^٣٠) مسألة: يصح أن يقول عند إحرامه: "أحرمتُ يومًا" أو يقول: "أحرمتُ بنصف نسك"؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نيته لذلك: أن يحلّ إذا انتهى اليوم، أو انتهى نصف النسك الذي نواهما؛ لأن الأمور بمقاصدها، أما لو قال: "أحرمتُ زمنًا" أو قال: "أحرمتُ نسكًا": فلا يُحل إلا إذا أتمَّ نسكًا كاملًا من تمتع، أو قِران أو إفراد، أو عمرة.
(^٣١) مسألة: إذا قال زيد: "إن أحرم عمرو فأنا مُحرم": فلا يصح ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن الإحرام عبادة يُشترط فيها الجزم والعزم في نيتها فيلزم من تردُّده في ذلك: عدم صحة هذا الإحرام؛ لعدم وجود شرطه؛ لكون المتردَّد فيه والمشكوك كالمعدوم.
(^٣٢) مسألة: إذا فرغ من إحرامه: فإنه يُستحب أن يقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك": سواء بعد ركوبه مركوبه أو قبله؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقول ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا القول مُتضمِّن لإجابة النداء الذي أمر فيه بقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، وهو مُتضمن لتوحيد الله، وامتثال أوامره، وترك نواهيه، وإقرار بالاستمرار على طاعته، وهذه التلبية يُحبُّها الله تعالى، وكلما أكثر العبد منها كلما كان أحبُّ إلى الله وأحظى عنده كما قال ابن القيم، فإن قلتَ: لمَ كُررت التلبية؟ قلتُ: لأنه أراد إقامة بعد إقامة =
[ ٢ / ٤٩١ ]
فيها، (^٣٣) وأن يبدأ القارن بذكر عمرته، (^٣٤) وإكثار التلبية، وتتأكد: إذا علا نشزًا، أو هبط واديًا، أو صلَّى مكتوبة، أو أقبل ليل أو نهار، أو التقت الرفاق، أو سمع مُلبيًَّا، أو فعل محظورًا ناسيًا، أو ركب دابته، أو نزل عنها، أو رأى البيت (^٣٥) (يُصوِّت بها
لتكثير الاستجابة. [فرع]: تُستحب الزيادة على تلك الألفاظ في التلبية فيقول: "لبيك وسعديك والخير كله بين يديك" ونحو ذلك مما قُصد فيه تعظيم الله؛ لفعل الصحابي؛ حيث كان عمر وابنه وأنس ﵃ يزيدون في التلبية مثل ذلك، وهو إظهار للعبودية وهو المقصد منه.
(^٣٣) مسألة: يُستحب أن يُسمِّي في التلبية النسك الذي أحرم به فيقول: "لبيك عمرة متمتعًا بها إلى الحج" أو يقول: "لبيك عمرة وحجًا" أو يقول: "لبيك حجًا" أو يقول: "لبيك عمرة"؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال أنس: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "لبيك عمرة وحجًا"، وهذه التسمية يؤكد ما نواه وقصده من تلك الأنساك، وهو المقصد منه.
(^٣٤) مسألة: يُستحب أن يبدأ القارن بذكر عمرته عند التلبية فيقول: "لبيك عمرة وحجًا"؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك؛ لكونه قارنًا، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لأن أعمال العمرة يُبدأ بها قبل الحج فقُدِّم في الذكر ما قُدِّم في العمل.
(^٣٥) مسألة: يُستحب أن يُكثر المحرم من التلبية، ويتأكد هذا الاستحباب إذا اعتلى شيئًا مرتفعًا، أو هبط منه، أو فرغ من صلاة، أو أقبل ليل أو نهار، أو استوى على راحلته، أو التقى بآخر مُحرم، أو سمعه يُلبِّي، أو فعل محظورًا ناسيًا، أو نزل من دابته، أو اعتلى عليها، أو رأى البيت، أو دخل المسجد الحرام، أو دخل أحد مساجد المشاعر؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يُكثر التلبية، ويُكررها في بعض تلك المواضيع، والأوقات، الثانية: =
[ ٢ / ٤٩٢ ]
الرجل) أي: يجهر بالتلبية؛ لخبر السائب بن خلَّاد مرفوعًا: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية" صحَّحه الترمذي، (^٣٦) وإنما يُسنُّ الجهر بالتلبية في غير مساجد الحلِّ وأمصاره، (^٣٧) وفي غير طواف القدوم والسعي
فعل الصحابي؛ حيث كان بعض الصحابة يفعل ذلك في تلك المواضع والأوقات، الثالثة: القياس، بيانه: كما أنه يأتي بالتكبير في الصلاة عند الانتقال من حال إلى حال، فإذا قام أو ركع، أو سجد كبَّر فكذلك يفعل بالتلبية عند الانتقال من حال إلى حال، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تجديد لتعظيم الله تعالى، وهذا يتسبَّب في كثرة الأجر، ومشاركة الجمادات له في ذلك، قال ﷺ: "ما من مسلم يُلبِّي إلا لبَّى ما عن يمينه وشماله من شجر أو حجر أو مذر حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا".
(^٣٦) مسألة: يُستحب أن يرفع الرجل المحرم صوته بالتلبية، ويجهر بها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال بالتلبية" والذي صرف هذا من الوجوب إلى الندب: السنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ لم يُنكر على من خفض في التلبية، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التلبية شعار الحج، والشعار يرفع عادة ليُقتدى به.
(^٣٧) مسألة: يُكره الجهر بالتلبية داخل مُدن الحل ومساجدها، وقراها؛ لقول الصحابي؛ حيث أنكر ابن عباس على من سمعه يُلبِّي في المدينة المنورة وقال: "إنما التلبية إذا برزت"، فإن قلتَ: لمَ كُره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يقع في ذلك تشويش على الناس، وقد يكون فيه بعض الرياء والسمعة.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
بعده، (^٣٨) وتُشرع بالعربية لقادر، وإلا: فبلغته، (^٣٩) ويُسنُّ بعدها دُعاء وصلاة على النبي ﷺ (^٤٠) (وتخفيها المرأة) بقدر ما تسمع رفيقتها، ويُكره جهرها فوق ذلك؛ مخافة الفتنة (^٤١)،
(^٣٨) مسألة: يُكره الجهر بالتلبية في طواف القدوم، وفي السعي بين الصفا والمروة؛ للمصلحة؛ حيث إن الجهر بها يؤدِّي إلى التشويش على الطائفين والساعين، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
(^٣٩) مسألة: يجب أن تكون التلبية بالعربية من القادر عليها، وأما غير القادر: فيُلبي بلغته؛ للقياس، بيانه: كما أنه يجب أن يذكر الله، ويُكبر في الصلاة بالعربية إن كان قادرًا عليها، وغير القادر يذكر الله ويُكبِّر بلغته فكذلك التلبية مثلهما والجامع: أن كلًا منها ذكر مشروع المقصود منه تعظيم الله، وهذا يكون بالعربية للقادر عليها، ويسقط ذلك عن غير القادر؛ لأن الواجب يسقط بالعجز عنه؛ تيسيرًا وتسهيلًا، وهذا هو المقصد.
(^٤٠) مسألة: يُستحب للمحرم: أن يدعو لنفسه بالفلاح في الدنيا والآخرة، ويصلي على النبي ﷺ بعد فراغه من التلبية؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يدعو بعد فراغه من التلبية، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الصلاة والأذان تُشرع فيهما الصلاة على النبي، فكذلك التلبية، والجامع: أن كلًا منهما موضع يُشرع فيه ذكر الله فتُشرع فيه الصلاة على النبي ﷺ، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مظنة استجابة الدعاء، لكونه ورد بعد ذكر الله، ولاختتام ذلك بالصلاة على النبي ﷺ.
(^٤١) مسألة: يجب على المرأة أن تخفض صوتها في التلبية بقدر ما تُسمع بها رفيقتها التي بجانبها، ولا يجوز أن تجهر بها فوق ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن صوت المرأة عورة، فلو رفعت صوتها بها لأدَّى إلى أن يفتتن بها من في قلبه مرض، فسدًا لذلك حرم جهرها بها، تنبيه: قوله: "ويُكره جهرها" قلتُ: هذا بعيد؛ لأن الغالب وجود أجنبي قريبًا منها في الطريق إلى الحج والعمرة، والحكم للغالب.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
ولا تكره التلبية لحلال. (^٤٢)
(^٤٢) مسألة: تُكره التلبية للحلال - وهو: غير المحرم - وهو قول الإمام مالك؛ لقاعدتين: الأولى: الاستقراء؛ حيث إنه لم يُنقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه أنهم لبُّوا في غير الإحرام، وهذا ثبت بعد استقراء وتتبُّع أحوالهم في ذلك، فلزم عدم مشروعية ذلك، الثانية؛ القياس، بيانه: كما يكره الجهر بالتلبية للمحرم داخل مدن وقرى الحل - كما سبق في مسألة (٣٧) - فكذلك الحال هنا، والجامع: دفع التشويش واللَّبس عن الناس، فإن قلتَ: إن التلبية للحلال لا تكره، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن سائر الأذكار تُشرع للمحرم ولغيره، فكذلك التلبية مثلها، والجامع: أن كلًا منهما يُعتبر ذكرًا، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الذكر مطلوب من المحرم وغيره، وورد فعله عن النبي ﷺ وأصحابه في الإحرام وغيره، بخلاف التلبية فلم تفعل إلا أثناء الإحرام، ثم إن الذكر لا يُلبس ولا يُشوِّش على أحد، أما التلبية من غير المحرم فهي مُلبسة ومشوشة على الآخرين، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين": فنحن ألحقناه بالجهر بالتلبية للمحرم داخل الحل؛ لكونه أكثر شبهًا به عندنا، وهم ألحقوه بالذكر؛ لكونه أكثر شبهًا به عندهم، وهذا يُسمَّى بقياس "غلبة الأشباه". [فرع]: يُستحب أن يُلبَّى عن أخرس، وصغير، ومغمى عليه ومجنون، ومريض؛ للقياس، بيانه: كما أن أفعال الحج تُفعل عن هؤلاء فكذلك يُلبَّى عنهم، والجامع: تكميل نسكهم في كل.
هذه آخر مسائل باب "الإحرام وكيفيته وأحكامه وأنواع الأنساك والتلبية" ويليه باب
"محظورات الإحرام"
[ ٢ / ٤٩٥ ]