"من نجوت الشجرة" أي قطعتها، فكأنه قطع الأذى، و"الاستنجاء": إزالة الخارج من سبيل بماء، أو إزالة حكمه بحجر ونحوه، ويُسمَّى الثاني استجمارًا؛ من الجمار، وهي: الحجارة الصغيرة (^١) (يُستحب عند دخول الخلاء) ونحوه- وهو:
باب الاستنجاء والاستجمار ودخول الحمام، وآداب قضاء الحاجة
وفيه ثلاث وأربعون مسألة:
(^١) مسألة: الاستنجاء لغة: استفعال من النجو، وهو: قطع وإزالة الأذى عنه، واصطلاحًا إزالة الأذى من المخرجين بعد خروج الفضلة المستقذرة -من بول أو غائط- بماء، أو بحجر أو نحوه مما يقوم مقامه -كالتراب والمنديل- حتى يكون في حكم الشرع طاهرًا، وسُمِّي بـ"الاستنجاء"؛ لأنه أزال الشيء عن موضعه من النجو وهو المباعدة،، وهو أرجح الأقوال فيه -كما في "اللسان" (١٥/ ٣٠٤) -وسُمِّي بـ "الاستجمار": لكونه استعمل الحجارة الصغيرة لإزالة أثر الغائط، ومنه "رمي الجمار"، وسُمِّي بـ "الاستطابة"؛ لأن المستنجي يُطيب نفسه بذلك كما يفعل البخور -كما في "الحاوي" (١/ ١٥٠) - وسُمِّي بـ "الاستنقاء" لأنه ينقي نفسه بالأحجار أو بالماء، وسُمِّي بـ "الاستبراء" لأنه يبريء نفسه من الحدث الخارج بالماء أو بالأحجار، وسُمِّي الخارج من الإنسان بـ "الغائط" لأن الناس كانوا يذهبون إلى المكان المنخفض لقضاء حاجتهم؛ لئلا يراهم أحد، وهو اسم مجازي، قد تعارف الناس عليه، ونسوا الحقيقة، فكانت حقيقة عرفية، وسُمِّي بـ "النجو" لأن النجو هو: المكان المرتفع، فيذهب الناس إليه ليستتروا به عند قضاء حاجتهم، وسُمِّي بـ "البراز" لأن البراز هو المتسع من الأرض، فيذهب الناس إليه؛ لئلا يراهم أحد عند قضاء حاجتهم، وسُمِّي بـ "الخلاء" لأن الناس يذهبون لقضاء حاجتهم بالمكان الخالي وسُمِّي المكان =
[ ١ / ٧٧ ]
بالمد-: الموضع المعد لقضاء الحاجة، (قول: بسم الله)؛ لحديث علي: "ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله" رواه ابن ماجه والترمذي وقال: "ليس إسناده بالقوي" (^٢) (أعوذ بالله من الخُبْث) بإسكان الباء، قال القاضي عياض: هو أكثر روايات الشيوخ، وفسَّره بـ "الشَّر" (والخبائث): الشياطين، فكأنه استعاذ من الشَّرِّ وأهله، وقال الخطَّابي: -هو بضم الباء- وهو:
= الذي تُقضى به الحاجة بـ "الكنيف"؛ لأن الكنيف هو الساتر، وسُمِّي بـ "المرحاض" لأن الرحاضة هي: المغسلة، وسُمِّي بـ "المحش" لأن المحش هو الحشيش المجتمع، لذا يقضي بعضهم حاجته بالبساتين، وسُمِّي بـ "الحمام" لأن الحمام هو: المغتسل بماء حار -كما في "اللسان" (٦/ ٨٦) و(٧/ ١٥٢) و(٩/ ٣٠٩) و(١٢/ ١٥٠) -، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي الباب بهذا الاسم مع وجود هذه الأسماء له؟ قلتُ: لأن لفظ الاستنجاء هو الغالب في اللسان، فإن قلتَ: لِمَ جُعل هذا الباب بعد الآنية؟ قلتُ: لمناسبته؛ حيث إنه بعد ذكره للمياه، وما تحفظ فيه: ناسب أن يُذكر هذا الباب هنا؛ نظرًا لاستعمال الماء في الاستنجاء والحمامات، فإن قلتَ: لِمَ شرع الاستجمار؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن حمل الماء في كل مكان يشق، فأباح الشارع -رخصة- الاستجمار بالأحجار كمشروعية التيمم.
(^٢) مسألة: يُستحب عند دخول "الحمام" أو المكان المعد لقضاء الحاجة أن يقول: "بسم الله"؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله" وله طرق قد قوته -كما في "الإرواء" (١/ ٩٠) - فإن قلت: لِمَ اسْتُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن البسملة تفيد قائلها البركة والإعانة على كل عمل، وتتسبَّب في منع نظرات الجن إلى عورة المسلم ومنع أذاهم عنه.
[ ١ / ٧٨ ]
جمع "خبيث"، و"الخبائث": جمع خبيثة: فكأنه استعاذ من ذكرانهم وإناثهم، واقتصر المصنف على ذلك؛ تبعًا لـ "المحور" و"الفروع" وغيرهما؛ لحديث أنس: أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" متفق عليه، وزاد في "الإقناع" و"المنتهى" تبعًا لـ "المقنع" وغيره: "الرِّجس النجس الشيطان الرجيم" لحديث أبي أمامة: "لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الشيطان الرجيم" (^٣) (و) يُستحب أن يقول (عند الخروج منه) أي: من الخلاء ونحوه: (غُفرانك) أي: أسألك غفرانك:
(^٣) مسألة: يُستحب أن يقول -بعد البسملة-: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" وإن زاد فقال: "وأعوذ بك من الرجس النجس الشيطان الرجيم": فهو حسن، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أرشد إلى هذا في حديث أبي أمامة، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ كان يقول ذلك في هذا الموضع -كما في حديث أنس-، ولفظ "كان" تدل على العموم في الأزمان؛ لأنه من صيغ العموم، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في هذا القول حماية للمسلم من ذكور الشياطين وإناثهم؛ لأن "الخُبُث" هم الذكور، و"الخبائث" هي الإناث، أو حمايته من الشر وأهله؛ لأن "الخبث" هو: الشر، و"الخبائث" أهل الشر، وكل طائفة من العلماء اختارت تفسيرًا، ولا مانع من أن يكون المقصود الجميع، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك عند دخول الخلاء، ولا يُشرع عند دخول غيره؟ قلتُ: لمناسبته لهذا الموضع؛ لأن المسلم يكشف عورته فيه، وهو مكان للنفوس الشريرة عادة فشُرِّع هذا الدعاء فيه دون غيره.
[ ١ / ٧٩ ]
من "الغفر" وهو: الستر؛ لحديث أنس: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك" رواه الترمذي وحسَّنه، وسُنَّ له أيضًا أن يقول: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)؛ لما رواه ابن ماجه عن أنس: كان النبي ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" (^٤) (و) يُستحب له (تقديم رجله اليسرى دخولًا) أي: عند دخول الخلاء ونحوه من مواضع الأذى (و) يُستحب له تقديم (يُمنى) رجليه (خروجًا، عكس مسجد) ومنزل (و) لبس (نعل)
(^٤) مسألة: يُستحب أن يقول - عند فراغه من الخلاء وأراد الخروج -: "غُفرانك" وبعد ذلك يقول: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقول بعد خروجه: "غفرانك"، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه شكر لله، وثناء عليه؛ لكونه أطعمه وسقاه، ثم سهل خروجه، فلو امتنع هذا الأذى عن الخروج: للحق المسلم أذى، بل هلاك، فهو في هذه الكلمة يستغفر الله على تقصيره في شكره، ذكر عبد الرزاق في "مصنفه": أن نوحًا ﵇ كان يقول: "الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى لي منفعته، وأذهب عني أذاه" فإن قلتَ: إنه لما دخل ثقيلًا وخرج خفيفًا: تذكَّر ثقل الذنوب يوم القيامة فسأل المغفرة هنا، وهو قول ابن القيم في "الإغاثة" (١/ ٥٨)، قلتُ: إن مناسبة ما ذكرناه للمقام أوجه من هذا، فإن قلتَ: إنه لما ترك الذكر وقت قضاء الحاجة سأل الله المغفرة، قلتُ: إن الذكر لا يشرع أثناء قضاء الحاجة، فلا حاجة للاستغفار بدون ذنب، كما أن الحائض والنفساء تتركان الصلاة: فلا يشرع لهما الاستغفار، فما ذكرناه أنسب. تنبيه: استدلاله بحديث: أنه ﷺ كان يقول: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى … " لا يصح، لأنه حديث ضعيف - كما في "الإرواء" (١/ ٩٢) -.
[ ١ / ٨٠ ]
وخف: فاليُسرى تقدم للأذى، واليمنى لما سواه، وروى الطبراني في "المعجم الصغير" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ: "إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا خلع: فليبدأ باليسرى" وعلى قياسه: القميص ونحوه (^٥) (و) يُستحب له (اعتماده على رجله اليسرى) حال جلوسه لقضاء الحاجة؛ لما روى الطبراني في "المعجم" والبيهقي عن سراقة بن مالك: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نتكيء على اليسرى وأن ننصب اليمني" (^٦)
(^٥) مسألة: يُستحب لمن أراد دخول ما فيه نجاسة وأوساخ وأذى كالخلاء، والمجزرة، والمزبلة ونحو ذلك: أن يُقدم رجله اليسرى، وإذا أراد الخروج منها: أن يقدم اليمنى، أما إن أراد دخول المستحبات - كدخول المساجد، أو لبس نعل، أو خف أو منزل، أو قميص -: فإنه يقدم رجله اليمنى، وإذا أراد الخروج يقدم اليسرى؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا خلع فليبدأ باليسرى" وقال أنس: "من السنة إذا دخلت المسجد: أن تبدأ برجلك اليمنى وإذا خرجت: أن تبدأ برجلك اليسرى" وقول الصحابي: "من السنة" له حكم المرفوع؛ حيث دلّ ذلك بالمنطوق على أن اليمنى تقدم للأمور المحببة والطاهرة، ودلّ بالمفهوم على أن اليسرى تقدم للأمور المستقبحة وهذا من باب: "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لتكريم اليمين؛ حيث ورد الحث عليه.
(^٦) مسألة: يُستحب له في حال قضاء الحاجة: أن يعتمد على رجله اليسرى، ويتكيء عليها، وأن ينصب اليمنى، ويُخفف الاتكاء عليها؛ للسنة القولية؛ حيث أمر النبي ﷺ بذلك كما في حديث سراقة والأمر هنا للاستحباب؛ لأنه أمر إرشاد لمصلحة دنيوية وهذا هو الصارف له، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يساعد على خروج الغائط بيسر، ولتكريم اليمنى.
[ ١ / ٨١ ]
(و) يُستحب (بُعْدُه) إذا كان (في فضاء)؛ حتى لا يراه أحد؛ لفعله ﷺ، رواه أبو داود من حديث جابر (^٧) (و) يستحب (استتاره)؛ لحديث أبي هريرة، قال: "من أتى الغائط فليستتر" رواه أبو داود (^٨) (وارتياده لبوله مكانًا رخوًا) بتثليث الراء، لينًا هشًا؛ لحديث: "إذا بال أحدكم فليرتد لبوله" رواه أحمد وغيره، وفي "التبصرة": ويقصد مكانًا علوًا لينحدر عنه البول، فإن لم يجد مكانًا رخوًا: ألصق ذكَرَه؛ ليأمن بذلك من رشاش البول (^٩) (و) يستحب (مسحه) أي: أن يمسح (بيده اليسرى إذا فرغ من بوله
(^٧) مسألة: يُستحب لمن أراد قضاء الحاجة في الصحراء: أن يبتعد عن البنيان قدر ما يستطيع؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه ستر لعورته، وفيه إكرام للآخرين فلا يروا نجاسته.
(^٨) مسألة: يجب على من أراد قضاء الحاجة: أن يستتر قدر ما يستطيع عن أنظار الناس بأي شيء يستره؛ للسنة القولية؛ حيث أمر ﷺ بالاستتار، والأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ وجب ذلك؟ قلتُ: لأن كشف العورة للآخرين حرام، وما يترك به الحرام: واجب، ولأن فيه هتك لحرمة المسلم، فإن قلتَ: إن هذا مستحب، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن هذا من آداب قضاء الحاجة، فيلزم استحبابه، قلتُ: لا توجد قرينة صرفت أمر النبي ﷺ من الوجوب إلى الاستحباب، وما ذكرتموه لا يقوى على صرفه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الأمر على إطلاقه، وهو اقتضاؤه للوجوب، أم صرف عن ذلك؟ " فعندنا: على إطلاقه، وعندهم: ليس على إطلاقه.
(^٩) مسألة: يستحب: أن يبول في مكان رخو ليِّن، هش، فإن لم يجد: يلصق ذكره على الأرض، وإن وجد مكانًا عاليًا جلس عليه؛ لينحدر البول عنه - إذا أمن من وجود أحد ينحدر عليه -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أراد أحدكم =
[ ١ / ٨٢ ]
من أصل ذكره) أي: من حلقة دُبُره: فيضع إصبعه الوسطى تحت الذكر والإبهام فوقه ويمر بهما (إلى رأسه) أي: رأس الذكر (ثلاثًا)؛ لئلا يبقى من البول فيه شيء (و) يستحب (نتره) بالمثناة (ثلاثًا) أي نتر ذكره ثلاثًا؛ ليستخرج بقية البول منه؛ لحديث: "إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثًا" رواه أحمد وغيره (^١٠)،
أن يبول فليرتد لبوله" والمراد: أن يبول في مكان رخو لين، والذي خصَّصه بذلك: سبب ورود الحديث؛ قال أبو موسى الأشعري: "كنت مع النبي فأراد أن يبول فأتى دَمْثًا في أصل جدار فبال" فقال: ما قال، وهذا يلزم منه ما ذكرناه فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمسلم من أي يُصيب بدنه أو ثيابه قطرات من بوله.
(^١٠) مسألة: يجب أن يتأكد من خروج كل بوله، ويستبريء منه بأي طريقة يراها مناسبة له كمسح ذكره، أو قيام أو قعود، أو أي حركة شاء؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أما أحدهما فكان لا يستبريء من "بوله" - في حديث الرجلين اللذين يعذَّبان في قبرهما - حيث إن منطوقه دل على أن الذي يستحق العذاب هو الذي لا يستبريء من بوله، ودل بمفهوم الصفة على أن الذي يستبريء من بوله: لا يستحق العذاب، ولا يُعاقب المسلم إلا بترك واجب، فكان الاستبراء والتأكد من خروج البول واجبًا، وهذا الاستبراء عام، فيشمل كل طريق يؤدي إليه؛ عملًا بعموم هذا المفهوم، فإذا غلب على ظن المكلف: عدم وجود شيء من البول يمكن خروجه بعد قيامه: تمَّ الاستبراء، وأشار إلى ذلك النووي في "المجموع" (٢/ ٩٠) وابن الملقن في "الإعلام" (١/ ٥٤٦)، فإن قلتَ: لِمَ وجب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يقي المسلم من أن يصيبه بعض البول الخارج بعد قيامه: فيشق عليه التطهر بعد ذلك، تنبيه: "النتر" هو: جذب بقية البول بمسح ذكره باليسرى من يديه، تنبيه آخر: استدلاله بحديث: إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثًا" لا يصح؛ لأن الحديث ضعيف كما =
[ ١ / ٨٣ ]
(و) يستحب (تحوُّله من موضعه؛ ليستنجي) في غيره (إن خاف تلوثًا) باستنجائه في مكانه؛ لئلا يتنجَّس (^١١)، ويبدأ ذكر، وبكر بقُبُل؛ لئلا تتلوث يده إذا بدأ بالدُّبُر، وتُخير ثيِّب (^١٢) (ويكره دخوله) أي دخول الخلاء ونحوه (بشيء فيه ذكر الله تعالى) غير مصحف فيحرم (إلا لحاجة) (^١٣) لا دراهم ونحوها وحرز؛
قال النووي في "المجموع" (٢/ ٩١)، ومنكر كما قال ابن تيمية في "مجموع فتاويه" (٢١/ ١٠)، وسبب ضعفه: أن من رواته: عيسى بن يزداد وهو رجل قد ضعفه أكثر أئمة الحديث، لذلك تبطل الطريقة التي ذكرها المصنف؛ لعدم اعتمادها على مستند قوي.
(^١١) مسألة: يُستحب: أن يتحول من الموضع الذي قضى حاجته فيه إلى موضع آخر ليستنجي فيه بشرط: أن يخاف من أن يتلوث بسبب استنجائه بالموضع الذي قضى حاجته فيه؛ للمصلحة حيث إن ذلك يقيه من احتمال تنجسه بما خرج منه، ويقيه من الوسواس.
(^١٢) مسألة: يستحب في الاستنجاء والاستجمار: أن يبدأ بالقُبُل إذا كان ذكرًا، أو كانت الأنثى بكرًا، أما الثيب: فتبدأ من الدُّبر، أو القبل كما تشاء؛ للمصلحة؛ حيث إن الذكر والبكر لو بدءا بالدُّبر: للزم تلوث أصابعه بالنجاسة التي فيه فينتقل هذا إلى القبُل - والقبل كما هو معلوم أقل نجاسة - فتقع المفسدة، فدفعًا لذلك: شرعت البداءة بالقُبُل، أما الثيب فقبلها ودبرها واحد في قدر النجاسة، فلا يؤثر أحدهما على الآخر: فلذا تبدأ بأي واحد منهما؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر.
(^١٣) مسألة: يُكره أن يدخل الخلاء وهو حامل لشيء فيه ذكر الله كالمصاحف، وأوراق العلم، ونحو ذلك لغير حاجة، أما إذا احتاج إلى حملها معه كأن يخاف عليها من السرقة أو الضياع، فإنه يحملها معه؛ للمصلحة؛ حيث إنه كره؛ لكونها =
[ ١ / ٨٤ ]
للمشقة (^١٤)، ويحمل فصَّ خاتم احتاج للدخول به بباطن كفِّ يُمنى (^١٥) (و) يكره استكمال (رفع ثوبه قبل دنوه) أي: قربه (من الأرض) بلا حاجة: فيرفع شيئًا فشيئًا، ولعله يجب إن كان ثمَّ مَنْ ينظره، قاله في "المبدع" (^١٦)
مكرمة، ولم يكره للحاجة، نظرًا لتلك الحاجة، وتوسيعًا على العباد، وحفاظًا على حقوقهم، تنبيه: قوله: "غير مصحف فيحرم" قلتُ: لم أجد دليلًا على تحريم ذلك.
(^١٤) مسألة: يجوز أن يدخل الخلاء بالدراهم وجميع النقود والأثمان، للمصلحة؛ حيث إن إخراج الدراهم، فيه مشقة، وعرضة للضياع، فدفعًا لذلك: جاز الدخول بها، تنبيه: يحرم تعليق التمائم والأحراز وهي التعاويذ التي فيها آيات قرآنية وأسماء الله تُجعل على العنق، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من علَّق تميمة فقد أشرك" وهو عام لكل ما يُعلق؛ لأن اسم الشرط من صيغ العموم، ويستغنى عن ذلك بتكرار قراءة الفاتحة، وآية الكرسي، والإخلاص، والمعوذتين، والأوراد الشرعية في الصباح والمساء.
(^١٥) مسألة: يُستحب أن يجعل فصَّ خاتمه بباطن كف يده اليمنى أثناء قضاء الحاجة؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا الفعل فيه منع لملاقاة النجاسة لذكر الله المكتوب على فص الخاتم، وهذا فيه تكريم وتعظيم لشعائر الله.
(^١٦) مسألة: يُحرَّم استكمال رفع ثوبه قبل دنوه وقربه من الأرض - لمن أراد قضاء حاجته - إذا قطع أو غلب على ظنه أن حوله أناس بلا حاجة، أما إن غلب على ظنه عدم وجود أحد حوله: فيكره أن يستكمل رفع ثوبه قبل قربه من الأرض بلا حاجة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان إذا أراد قضاء الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، الثانية: المصلحة؛ حيث إن رفع الثوب مع وجود الناس حوله: يلزم منه كشف عورته أمامهم عمدًا، =
[ ١ / ٨٥ ]
(و) يُكره (كلامه فيه) ولو بردِّ السلام (^١٧)، وإن عطس: حَمِدَ بقلبه (^١٨) ويجب عليه تحذير ضرير وغافل عن هَلَكة (^١٩) وجزم صاحب "النَّظم" بتحريم القراءة في المحش وسطحه، وهو متوجِّه على حاجته (^٢٠)
وهذا منهي عنه، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، وإن لم يغلب على ظنه ذلك، فيكره؛ لاحتمال وجود أحد لم يعلم به، وكل ذلك لأجل المحافظة على عورة المسلم من أن يُنظر إليها، أما إن وجدت حاجة فتقدر بقدرها.
(^١٧) مسألة: يكره أن يتكلم في حال قضاء حاجته، سواء كان كلامًا مباحًا، أو كلامًا مستحبًا كردِّ السلام؛ للمصلحة؛ حيث إن الكلام يكون عادة مع آخر، وعادة يكون هذا الآخر قريبًا؛ يُسمع كلامه، وهذا يلزم منه رؤية كل واحد منهما عورة الآخر، ويُحتمل التعرض لذكر الله فسدًا لذلك كره الكلام، وهو من باب "سد الذرائع".
(^١٨) مسألة: إذا عطس أثناء قضاء حاجته: فإنه يحمد الله بقلبه، لا بلسانه، وكذا يجيب المؤذن بقلبه؛ للمصلحة؛ حيث يلزم من ذكر الله بلسانه: ذكره وهو في حال قضاء حاجته، وهذا مكروه، فيلزم أن يذكره بقلبه؛ ليحصل على الأجر، ولا يرتكب المكروه.
(^١٩) مسألة: يجب على المسلم أن يُنبِّه الآخرين من أي ضرر ولو كان في حال قضاء حاجته، كأن يرى أعمى قريب من بئر أو حفرة، أو بقرب غافل دابة أو عقرب أو حية أو سبع أو سيارة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مضرة ومفسدة وهو مقدم على جلب مصلحة كراهة الكلام في حال قضاء الحاجة.
(^٢٠) مسألة: تحرم قراءة القرآن وهو في حال قضاء حاجته؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك فيه إهانة لكلام الله تعالى وما كان كذلك يلزم تحريمه. تنبيه: قول ابن عبد القوي في "نظم الفقه": يحرم ذلك على سطح المحش لم أجد دليلًا عليه.
[ ١ / ٨٦ ]
(و) يُكره (بوله في شَقِّ) - بفتح الشين - (ونحوه) كَسَرَب، وهو: ما يتخذه الوحش والدَّبيب بيتًا في الأرض (^٢١)، ويُكره - أيضًا - بوله في إناء بلا حاجة (^٢٢)، ومستحم غير مُقيَّر أو مُبلَّط (^٢٣) (ومسُّ فرجه) أو فرج زوجته ونحوها (بيمينه و) يُكره (استنجاؤه واستجماره بها) أي: بيمينه؛ لحديث أبي قتادة: "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسَّح من الخلاء بيمينه" متفق عليه (^٢٤)
(^٢١) مسألة: يُكره أن يبول في جحر أو شق أو ثُقب، أو بئر ونحو ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن هذه الجحور والشقوق في الأرض أو الجدران هي: مساكن الجن والدواب، فالبول فيها يؤذيها، وربما تخرج عليه فجأة فيتأثر ويتضرر، وربما أُصيب بالجن، وقد أشار إلى ذلك ابن القيم، تنبيه: "السَّرب" هو: الشق المستطيل في الأرض.
(^٢٢) مسألة: يُكره أن يبول في إناء بلا حاجة، أما إن وجدت حاجة كأن يكون في ليل وخاف من الخروج، أو يكون مريضًا ونحو ذلك: فلا يُكره؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث "كان للنبي ﷺ قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه" وهذا يلزم منه: أنه استعمله للحاجة؛ حيث تكثر هوام الليل، الثانية: المصلحة؛ حيث إن بوله في الإناء بلا حاجة مفسد للإناء من أن يستعمله أحد للطعام، ونظرًا لذلك: كُره.
(^٢٣) مسألة: يُكره أن يبول في مستحم أو مكان لم يوضع على أرضه القار - وهو: الإزفلت - أو البلاط أو الأسمنت، أما إن وضع عليه ذلك: فلا يُكره؛ للمصلحة؛ حيث إن تبوله على الأرض مباشرة فيه احتمال تطاير بعض البول على بدنه أو ثوبه فيتنجس، فدفعًا لذلك كره. بخلاف ما وضع عليه القار أو البلاط أو الأسمنت: فإنه يذهب مباشرة عنه: فلا يوجد ذلك الاحتمال.
(^٢٤) مسألة: يُكره أن يمسَّ فرجه أو فرج زوجته أو أمته باليد اليُمنى، ويُكره أن يستنجي ويستجمر بها إلا إذا لم يقدر على ذلك باليسرى؛ للسنة القولية؛ حيث =
[ ١ / ٨٧ ]
(واستقبال النَّيرين) أي الشمس والقمر؛ لما فيهما من نور الله تعالى (^٢٥) (ويحرم استقبال القبلة واستدبارها) حال قضاء الحاجة (في غير بنيان)؛ لخبر أبي أيوب مرفوعًا: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا" متفق عليه، ويكفي انحرافه عن جهة القبلة (^٢٦)، وحائل ولو كمؤخرة الرَّحل،
قال ﷺ: "لا يُمسكن أحدكم ذكره بيمينه، ولا يتمسَّح من الخلاء بيمينه" والنهي مطلق، وصُرف من التحريم إلى الكراهة بسبب: أن فعله هذا بيمينه غير مُخلٍّ بطهارته، وإنما المراد: تكريم اليمين؛ حيث إنها محل المصافحة للآخرين، والأكل والشرب، والأخذ والعطاء، وهو المقصد من ذلك النهي، فإن قلتَ: يُحرم الاستنجاء باليمني؛ قياسًا على تحريم الاستنجاء بالرَّوثة، قلتُ: إن هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن "الرَّوثة" آلة الاستنجاء المباشرة للمحل، فلم يجز ذلك؛ نظرًا لمباشرتها للنجاسة، أما اليد فليست هي مباشرة للمحل، وإنما تُمسك الحجر الملاقي للمحل، فصار النهي عن استعمالها للكراهة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل اليد اليمنى في مقام الروثة في النهي عن الاستجمار بها؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم مثلها.
(^٢٥) مسألة: يباح استقبال الشمس والقمر أثناء قضاء الحاجة واستدبارهما؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: إباحة استقبال كل شيء وهو في هذه الحالة، إلا إذا ثبت دليل يُغير الحالة، ولم يثبت دليل مُعتبر في ذلك، فنستصحب الأصل، وهو: الإباحة، فإن قلتَ: يُكره استقبالهما؛ لأن فيهما نور الله وهو الذي ذكره المصنف هنا، قلتُ: لم يثبت ذلك بدليل مُعتبر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل وجد دليل غيَّر الأصل وهو الإباحة أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم نعم.
(^٢٦) مسألة: يحرم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة في الصحراء، فينحرف ولو قليلًا عنها؛ للسنة القولية؛ حيث نهى عن ذلك النبي ﷺ في =
[ ١ / ٨٨ ]
ولا يُعتبر القرب من الحائل (^٢٧) ويُكره استقبالها حال الاستنجاء (^٢٨) (و) يحرم (لبثه فوق حاجته)؛ لما فيه من كشف العورة بلا حاجة، وهو مضرُّ عند الأطباء (^٢٩)
حديث أبي أيوب والنهي مطلق، وهو يقتضي التحريم، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه تكريم المصلين إلى القبلة؛ لأن الذي يصلي وهو في الشمال يكون مستقبلًا لمن يقضي حاجته من أهل الجنوب، وكذا العكس، وكذا: الشرق والغرب، ثم إن في فعل ذلك بدون حائل كشف لعورته، فدفعًا لذلك شرع.
(^٢٧) مسألة: يباح استقبال القبلة واستدبارها أثناء قضاء الحاجة في البنيان كالحمامات المبنية والصهاريج؛ أو كان في الصحراء ووضع بينه وبين القبلة حائلًا، كجدار أو دابة، أو مؤخرة الرَّحل - وهو: الخشب الذي يستند إليه الراكب للدابة - وهذا مطلق أي: سواء كان هذا الحائل قريبًا أو بعيدًا بشرط: أن يستره؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال ابن عمر: "رأيت رسول الله في بيت حفصة، وهو مستدبر القبلة مستقبل بيت المقدس" والاستقبال والاستدبار والحائل والبنيان واحد؛ إذ لا فرق من باب مفهوم الموافقة، ولم يحدد في ذلك القرب، وهذه السنة قد خصصت حديث أبي أيوب فيكون المقصود بحديث أبي أيوب: "مَنْ قضى حاجته بالصحراء"، فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، وفيه ستر لعوراتهم.
(^٢٨) مسألة: يُكره استقبال القبلة واستدبارها حال الاستنجاء والاستجمار؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يستلزم كشف العورة أمام القبلة، فكره ذلك؛ تكريمًا للمصلين المتجهين للقبلة من الجهة المقابلة.
(^٢٩) مسألة: يحرم أن يُطيل الجلوس فوق حاجته بلا حاجة؛ للتلازم حيث إن ذلك يستلزم إطالة كشف العورة بلا حاجة، وهو حرام، فإن قلتَ: لِمَ حرم =
[ ١ / ٨٩ ]
(و) يحرم (بوله) وتغوُّطه (في طريق) مسلوك (وظل نافع) ومثله: متشمَّس بزمن الشتاء، ومتحدَّث الناس (وتحت شجرة عليها ثمرة)؛ لأنه يُقذِّرها، وكذا: في موارد الماء، وتغوُّطه بماء مطلقًا (^٣٠)
ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كشف العورة بلا حاجة فيه مفسدة الفتنة وجلوسه يُسبب مرض الباسور، ومرض الكبد كما ثبت ذلك عن الحكماء منهم لقمان الحكيم كما ذكر الشيرازي في "المهذب" (١/ ٩٠)، وفيه تعريضه للشياطين والنفوس الشريرة التي تتخذ من المراحيض مساكن لها، فدفعًا لذلك: حرِّم.
(^٣٠) مسألة: يحرم قضاء الحاجة في كل موضع ينتفع به عامة المسلمين: كالطريق الذي يمشون فيه عادة، والظل النافع لهم في وقت الصيف، وموضع تشمسهم في وقت الشتاء، والمواضع التي يتحدثون فيها عادة، والأسواق، وموارد المياه والمساجد، ومواضع التدريس، وفي المياه القليلة والكثيرة، وما هو تحت شجرة مثمرة أو صالحة لها، ونحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل" حيث إن مراده: ابتعدوا عن هذه الأفعال التي تستحقون اللَّعن من الناس إذا فعلتموها، واللَّعن عقاب، ولا يُعاقب إلا على فعل حرام، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه يحرم قضاء الحاجة في تلك المواضع الثلاثة فكذلك يحرم قضاء الحاجة في كل ما يُنتفع به، والجامع: منع الأذى عن الناس، فإن قلتَ: يحرم قضاء الحاجة في المواضع الثلاث فقط؟ للسنة القولية وهو الحديث السابق، حيث دل مفهوم العدد على أن غيرها لا يحرم قضاء الحاجة فيه، قلتُ: إن القياس هنا أقوى من المفهوم؛ لأن المقصود هو: دفع الأذى والضرر عن عامة المسلمين، كما قلنا في حديث: "خمس يُقتلن في الحل والحرم: الحدأة والحية … " حيث يُقاس عليها كل ما يؤذي فيُقتل، ولا حجة في مفهوم العدد هنا فالقياس أقوى من اللفظ ومفهومه؛ =
[ ١ / ٩٠ ]
(ويستجمر) بحجر أو نحوه (ثم يستنجي بالماء)؛ "لفعله ﷺ" رواه أحمد وغيره من حديث عائشة، وصححه الترمذي، فإن عكس: كره (^٣١) (ويُجزئه الاستجمار) حتى مع وجود الماء، لكن الماء أفضل (إن لم يَعْدُ) أي: يتجاوز (الخارج موضع العادة) مثل: أن ينتشر الخارج على شيء من الصفحة، أو يمتدُّ إلى الحشفة امتدادًا غير معتاد فلا يُجزئ فيه إلا الماء، كقُبُلي الخنثى المشكل، ومخرج غير فرج، وتنجُّس مخرج بغير خارج (^٣٢)،
ذلك لدفع الأذى عن المسلمين، وهو المقصد الشرعي هنا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل يجوز القياس على المحصور بعدد أو لا؟ " فعندنا: يجوز، وعندهم: لا يجوز، وكذلك: "تعارض المفهوم مع المقصد" فعندنا: يقدم المقصد، وعندهم: المفهوم.
(^٣١) مسألة: يُستحب عند تطهير محل خروج الغائط: أن يستجمر بأحجار ثلاثة، أو بما يقوم مقامها كخشب أو مناديل، أو خرقة أو تراب ونحو ذلك، ثم بعد ذلك يستنجي بالماء، فإن عكس: بأن استنجى بالماء، ثم استعمل الحجارة: فإنه يكره له ذلك، للسنة الفعلية، حيث "كان ﷺ يستجمر بالحجارة، ثم يستنجي بالماء"، و"ثم" تدل على الترتيب والتراخي، ومخالفة ذلك: مكروه، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الحجارة تزيل عين النجاسة، فإذا أتبع ذلك الماء: أزال ما بقي، فتكون رائحته طيبة، بخلاف العكس، فلا داعي لاستعمال الحجارة بعد إزالة النجاسة بالماء؛ لذا كُره.
(^٣٢) مسألة: يُجزئ الاستجمار من البول أو الغائط بالأحجار، وإن لم يستعمل الماء، ولو كان موجودًا بشرط: ألا تتعدى النجاسة محل خروجه، أما إن تعدته إلى الفخذين، أو إلى غيرهما من البدن كما يحصل في الخنثى، أو خرجت النجاسة من غير مخرجهما المعتاد، أو تنجس القُبُل أو الدبر بنجاسة لم تخرج =
[ ١ / ٩١ ]
ولا يجب غسل نجاسة وجنابة بداخل فرج ثيب، ولا داخل حشفة أقلف غير مفتوق (^٣٣) (ويُشترط للاستجمار بأحجار ونحوها) كخشبٍ وخِرَق (أن يكون) ما يُستجمر به (طاهرًا) مباحًا (منقِّيًا (^٣٤)
منهما، أو جَفَّ الغائط أو البول قبل أن يستجمر: فإنه في هذه الحالات لا يكتفي بالأحجار، بل يجب غسل ذلك بالماء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أتى أحدكم البراز فليستطب بثلاثة أحجار" حيث دلَّ منطوقه على أنه يُكتفى بالاستجمار بالأحجار إذا خرجت النجاسة من مخرجها المعتاد - وهو رأس الذكر وحلقة الدُّبُر - ودل مفهوم الصفة منه على أنَّ النجاسة في غير ذلك تُغسل بالماء، وهذا عام؛ لما ذكرناه من الحالات لعموم هذا المفهوم، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من وجود النجاسة في غير محل خروجها: أن تُغسل بالماء؛ لأن الاستجمار لم يرد إلا لما خرج من مخرجه المعتاد، فإن قلتَ: لِمَ شرع ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن خروج النجاسة من مخرجه يتكرر، فلو وجب غسله: للحق كثيرًا من الناس الضيق والمشقة لقلة المياه خاصة في الأسفار، لأن المشقة تجلب التيسير بخلاف وجود النجاسة في غير محل خروجه فيندر: فلا يشق غسله.
(^٣٣) مسألة: إذا دخلت نجاسة في فرج امرأة، أو في حشفة رجل لم يُختن - وهو: الأقلف -، أو أصابتهما جنابة: فلا يجب غسل داخل الفرج أو الحشفة، أما إذا كان في الشخص فَتْقٌ - وهو: الشق - ودخلته نجاسة أو أصابته جنابة: فيجب غسله؛ لتطهيره - إن كان لا يضره ذلك -؛ للمصلحة؛ حيث إن غسل داخل الفرج أو الحشفة يشق: نظرًا لتكرار ذلك وكثرته، فدفعًا لذلك سقط غسله؛ لكون "المشقة تجلب التيسير" بخلاف من كان في بدنه فتق أو شقٌ: فيجب غسله - إن كان لا يتضرر - لعدم المشقة في ذلك؛ لندرته.
(^٣٤) مسألة: يُشترط فيما يُستجمر به من أحجار، أو تراب، أو خِرق، أو خشب، أو ورق أو نحوها: أن يكون طاهرًا منقيًا للمحل من النجاسة؛ للسنة الفعلية =
[ ١ / ٩٢ ]
غير عظم وروث) ولو طاهرين (^٣٥) (وطعام) ولو
والقولية؛ حيث قال ابن مسعود لما أتى النبي ﷺ بحجرين وروثة "أخذ الحجرين وألقى الروثة" وعلل ذلك بقوله: "إنها ركس" أي: نجس، فدل ذلك على اشتراط الطهارة فيما يُستجمر به، ويلزم من استعماله للحجرين، وردِّه للروثة اشتراط التنقية؛ لأن هذا لازم الحجرين، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن المراد من الاستجمار هو: إزالة عين النجاسة، ولا يحصل ذلك إلا باشتراط هذين الشرطين. [فرع]: لا يُشترط في كون الشيء المستجمر به مباحًا، فلو استجمر بالمغصوب أو بالمسروق لأجزأ، ولكنه يأثم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من توفر شرطي ما يُستجمر به - وهما: الطهارة والتنقية -: صحة الاستجمار، ويلزم من غصب ذلك أو سرقته: الإثم، فإن قلتَ: لِمَ أثم؟ قلتُ: للمصلحة، وهو منع غصب الناس حقوقهم، فإن قلتَ: يشترط أن يكون ذلك مباحًا؟ وهو ما ذكره المصنف هنا، للتلازم؛ حيث يلزم من كونه محرمًا: تأثيره في الإجزاء، فيشترط، قلتُ: هذا لا يؤثر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل الغصب مؤثر في الإجزاء أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(^٣٥) مسألة: يحرم الاستجمار بالعظم والروث مطلقًا، أي: سواء كانا طاهرين أو نجسين؛ للسنة القولية؛ حيث نهى ﷺ عن الاستجمار بذلك - كما روى ذلك سلمان، وابن مسعود - فحرَّم الشارع ذلك؛ لأن النهي هنا مطلق فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لِمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الضرر يحصل بالاستجمار بهما؛ لأن "الروث" نجس، ومتفتت، فلو استجمر به لزاد من النجاسة، و"العظم" لا يخلو عادة من أطراف حادة فلو استجمر به: لجرح البشرة، ثم إنهما طعام الجن، فلو استجمر بهما لأفسد على إخواننا الجن طعامهم؛ حيث قال ﷺ: "لا تستنجوا بالروث ولا العظام: فإنه زاد إخوانكم الجن" - كما روى ابن مسعود -، فإن قلتَ: يجوز الاستجمار بهما؛ للقياس، بيانه: كما يجوز الاستجمار بالحجر فكذلك يجوز الاستجمار =
[ ١ / ٩٣ ]
لبهيمة (^٣٦) (ومحترم) ككتب علم (^٣٧) (ومتصل بحيوان) كَذَنب البهيمة، وصوفها المتصل بها، ويحرم الاستجمار بهذه الأشياء، وبجلد سمك أو حيوان مذكّى مطلقًا، أو حشيش رطب (^٣٨)
بالروث والعظم، والجامع: الإنقاء في كل، قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع النص، وهو: ما رواه سلمان، وابن مسعود، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع النص؟ " فعندنا: يُعمل بالنص، وعندهم: يُعمل بالقياس.
(^٣٦) مسألة: يحرم الاستجمار بأي طعام سواء كان طعامًا لبني آدم، أو للبهائم وسواء كان رطبًا أو لا، للقياس، بيانه: كما يحرم الاستجمار بطعام الجن - وهما الروث والعظام - فكذلك: يحرم الاستجمار بطعام الإنس وطعام دوابهم بجامع: منع الأذى والضرر في كل، بل إن التحريم هنا من باب أولى؛ لكون الإنس أفضل من الجن، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه محافظة على صحة الإنسان من أن يأكل شيئًا فيه نجاسة أو تأكله البهيمة التي يشرب منها اللبن أو يأكل لحمها.
(^٣٧) مسألة: يحرم الاستجمار بأي شيء محترم مثل كتب العلم جميعًا، سواء كانت بألفاظ عربية أو لا، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ وكتب العلم من شعائر الله، فمن لم يمتهنها بالاستجمار بها: فقد اتصف بالتقوى الواجبة، وترك الواجب حرام، فيكون الاستجمار بها حرام، فإن قلتَ: لِمَ حُرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المسلم من أن يستخف بحرمات وشعائر الله.
(^٣٨) مسألة: يحرم الاستجمار بأي شيء متصل بحيوان كشعره، وصوفه، وذيله، ويده، ورجله ونحو ذلك، سواء كان مما يؤكل كجلد سمك وجراد، أو لا يؤكل =
[ ١ / ٩٤ ]
(ويشترط) للاكتفاء بالاستجمار (ثلاث مَسَحات مُنقية فأكثر) إن لم يحصل بثلاث، ولا يُجزيء أقل منها، ويُعتبر أن تعمَّ كل مسحة المحلَّ (ولو) كانت الثلاث (بحجر ذي شُعَب): أجزأت إن أنقت، وكيفما حصل الإنقاء في الاستجمار: أجزأ، وهو: أن يبقى أثر لا يُزيله إلا الماء، وبالماء عود خشونة المحلِّ كما كان مع السبع الغسلات، ويكفي ظن الإنقاء (^٣٩)
كجلد بهيمة الأنعام قد ذُكِّيت، وسواء كان مدبوغًا أو لا؛ للمصلحة؛ حيث إن فعل ذلك بما يتصل بالحيوان يؤذيه، لكونه يتأذى كما يتأذى بنو آدم، ويؤذي من يركب عليه أو يجلس بجانبه، فدفعًا لذلك: حُرم، تنبيه: قوله: "أو حشيش رطب" هذا قد سبق الكلام عنه في مسألة (٣٦).
(^٣٩) مسألة: إذا أراد أن يكتفي بالاستجمار فله شرطان: أولهما: أن يُكمل العدد، وهو ثلاثة أحجار، يمسح بكل حجر جميع محل خروج النجاسة، ثانيهما: أن يكون المسح منقيًا للمحل بحيث إنه إذا مسح بالثلاثة لا يبقى إلا شيء عجز عن إزالته بالحجر، ويحتاج إلى الماء، وإن كان الاستنجاء بالماء: يفعل ذلك حتى يعود المحل خَشِنًا كما كان قبل قضاء حاجته، ولا يُشترط في ذلك القطع، بل يكفي غلبة ظنه أنه أزاله، أو أنه أعاده إلى خشونته فقط، فإن فعل ذلك بحجر له ثلاثة أطراف: أجزأ، وإن لم تُنق هذه الأحجار زادها؛ حتى ينقي المحل؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال سلمان: "نهانا النبي ﷺ أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار" حيث حَرَّم الاستنجاء بأقل من ثلاثة؛ لأن النهي مطلق، وهو يقتضي التحريم، الثانية: العرف؛ حيث إن أغلب الناس تُنقيه ثلاثة أحجار، الثالثة: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن الأحجار الثلاثة يُستجمر بها، فكذلك يستجمر بحجر له ثلاثة أطراف بارزة، والجامع: حصول العدد؛ ثانيهما: كما أن الإناء يغسل سبع غسلات من ولوغ =
[ ١ / ٩٥ ]
(ويُسنُّ قطعه) أي: قطع ما زاد على الثلاث (على وتر) فإن أنقى برابعة: زاد خامسة، وهكذا (^٤٠) (ويجب الاستنجاء) بماء أو حجر ونحوه (لكل خارج) من سبيل إذا أراد الصلاة ونحوها (إلا الريح) والطاهر، وغير الملوث (^٤١)
الكلب حتى تعود خشونته قبل الولوغ، فكذلك المحل هنا يُظهر بالماء كذلك، والجامع: الإنقاء في كل، فإن قلتَ: لِمَ اشترط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المسلم من ضرر بقاء بعض النجاسات في القُبُل أو الدُّبُر، فإن قلتَ: لِمَ اكتُفي بغلبة ظن زوال عين النجاسة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القطع في ذلك يشق.
(^٤٠) مسألة: إذا زاد على ثلاثة أحجار: فإنه يُستحب أن يقف على وتر، فلو أنقى المحل بأربعة: فيُستحب أن يزيد خامسًا، وهكذا، وإن وقف على شفع: فلا حَرَج؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من استجمر فليوتر، من فعل ذلك فقد أحسن، ومن لا: فلا حرج" فالأمر هنا للاستحباب، لأن قوله: "ومن لا: فلا حرج" هو الذي صرفه من الوجوب إلى الاستحباب، فإن قلتَ: لِمَ اسْتُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الله وتْرٌ يحب الوتر، فيكون ذلك أكثر أجرًا.
(^٤١) مسألة: يجب الاستجمار أو الاستنجاء بما سبق ذكره لكل خارج من السبيلين، فيه عين نجاسة على كل من أراد فعل شيء تُشترط له الطهارة كالصلاة، والطواف، ومس المصحف، أما الخارج وهو ليس فيه عين نجاسة: فلا يجب الاستنجاء أو الاستجمار منه مثل: الريح، أو المني الطاهر، أو الولد الخارج من غير دم، أو الخارج غير الملوث كالحصى، والشَّعر، والبعر، والدود إذا كانت يابسة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "وليستنج بثلاثة أحجار" حيث أوجب الاستنجاء هنا؛ لأن الأمر هنا مطلق، وهو يقتضي الوجوب، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الخارج من السبيلين - وهو عين - إن لم يُزل، وقد أراد شيئًا لا يصح إلا بالطهارة، فإن النجاسة ستنتشر في سائر بدنه =
[ ١ / ٩٦ ]
(ولا يصح قَبْلَه) أي: قبل الاستنجاء بماء أو حجر ونحوه (وضوء ولا تيمم)؛ لحديث المقداد المتفق عليه: "يغسل ذكره ثم يتوضأ" (^٤٢)، ولو كانت النجاسة على غير السبيلين، أو عليهما غير خارجة منهما: صح الوضوء والتيمُّم قبل زوالها (^٤٣).
وثيابه وسيؤذي غيره برائحته، فدفعًا لذلك: وجب الاستنجاء، بخلاف ما لا عين له: فلا يحصل ذلك منه، تنبيه: حكى بعضهم أن الاستنجاء والاستجمار غير واجب عن بعض العلماء، وهذا غريب جدًا مع صراحة السنة القولية بوجوبه.
(^٤٢) مسألة: لا يصح وضوء ولا تيمم قبل الاستنجاء أو الاستجمار وزوال عين النجاسة، أي: إذا أراد الصلاة أو الطواف أو مس المصحف: فإنه يستنجي ويستجمر - إن خرج منه شيء - ثم يتوضأ أو يتيمم؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "يغسل ذكره ثم يتوضأ" فهنا قدم الاستنجاء على الوضوء، والاستجمار مثل الاستنجاء، والتيمم مثل الوضوء؛ إذ لا فرق، من باب: "مفهوم الموافقة"، فيلزم من ذلك: عدم صحة الطهارة قبل الاستنجاء والاستجمار، لأن "ثم" للتراخي والترتيب؛ كما قدم البدء من الصفا عند السعي على المروة؛ نظرًا لتقديم النص له، وهذا مثله، فإن قلتَ: لِمَ شرع ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه إذا تطهر قبل الاستنجاء أو الاستجمار: فإن النجاسة ستنتشر في بدنه أو ثوبه أثناء تطهره، وستفسد عليه تلك الطهارة.
(^٤٣) مسألة: إذا كانت النجاسة موجودة في بقعة من البدن غير السبيلين، وهي يابسة، أو كانت هذه النجاسة على السبيلين ولكنها لم تخرج منهما: فإنه يصح الوضوء أو التيمم قبل زوالها إذا أمن انتشارها؛ للتلازم؛ حيث إن هذه النجاسة غير موجبة للطهارة فلم يلزم زوالها؛ إذ تصح الطهارة بدون زوالها، بخلاف المسألة السابقة.
هذه آخر مسائل: باب "الاستنجاء والاستجمار"، ويليه: باب "السواك وسنن الوضوء وسنن الفطرة"
[ ١ / ٩٧ ]