(هو) لغة: لزوم الشيء ومنه: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ واصطلاحًا: (لزوم مسجد) أيَّ: لزوم مسلم عاقل ولو مميزًا لا غُسل عليه مسجدًا ولو ساعة (الطاعة الله تعالى)، (^١) ويُسمَّى
باب الاعتكاف
وفيه إحدى وأربعون مسألة:
(^١) مسألة: الاعتكاف لغة: لزوم الشيء والمداومة عليه، والاحتباس عنده ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ وقوله: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ أيَّ ملازمون لها، وهو اصطلاحًا: "أن يلزم مسلم عاقل مسجدًا وهو غير محدث حدثًا أكبر ولو ساعة لأجل طاعة الله تعالى" وقُيِّد بـ "مسلم" لإخراج الكافر الأصلي والمرتد؛ لعدم صحة النية منه وهو في حال كفره، وقُيِّد بـ "عاقل" لإخراج المجنون والصبي غير المميز؛ لكونهما لا يُدركان النية والقصد، أما المميز من الصبيان فيصح منه الاعتكاف نفلًا؛ لإدراكه ذلك، وقُيِّد بـ "مسجد" لبيان أن الاعتكاف لا يصح إلا بمسجد اشتهر عند الناس بذلك، فلو عمل لنفسه مسجدًا في منزله، أو انقطع عن الناس في بيته يتعبَّد الله، أو لزم رباطًا لطلاب العلم: لا يُسمّى اعتكافًا شرعًا، وقُيِّد بـ "الذي ليس عليه حدث أكبر" لإخراج من عليه حدث أكبر كالجنب، والحائض والنفساء فإنهم لا يصح منهم الاعتكاف؛ لكون الاعتكاف: لبث وجلوس، وهؤلاء لا يصح منهم أن يلبثوا ويجلسوا في المسجد، وأتي بقيد ولو ساعة"؛ لأنه أقل ما يُطلق عليه الزمن، فيصح منه اعتكاف هذا الزمن، بدليل أنه لو نذر أن يعتكف وأطلق: لأجزأته الساعة كما قال المحققون من العلماء، وأتي بعبارة "لأجل طاعة الله" لكون هذا هو المقصد الاعتكاف، فلو لزم مسجدًا بدون =
[ ٢ / ٤٣١ ]
جوارًا، (^٢) ولا يبطل بالإغماء، (^٣) وهو (مسنون) كل وقت إجماعًا؛ لفعله ﷺ، ومداومته عليه، واعتكف أزواجه بعده ومعه، وهو في رمضان آكد؛ لفعله ﷺ،
نية أو نوى ولكنه انشغل عن طاعة الله فلا يُسمَّى ذلك اعتكافًا شرعًا؛ لخروجه عن المقصود، فإن قلتَ: لِمَ ذكر باب "الاعتكاف" في كتاب الصوم مع أنه يصح بدون صوم؟ قلتُ: للغالب؛ حيث إن أغلب اعتكاف النبي ﷺ، وزوجاته وأصحابه ومن جاء بعدهم كان في العشر الأواخر من رمضان، وأكثر الأحكام جارية على الغالب.
(^٢) مسألة: يُسمَّى الاعتكاف جوارًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "جاورت هذه العشر، ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر" فيلزم من هذا التعبير جواز تسميته بذلك، فإن قلتَ: يُسمَّى أيضًا خلوة قلتُ: لم ترد هذه التسمية من الشارع، ولا من الصحابة ولا من التابعين، ولا من العلماء المحققين، فتبقى على النفي الأصلي، فتكون محدثة.
(^٣) مسألة: لا يبطل الاعتكاف بالإغماء: فلو أغمي على المعتكف فترة مؤقتة ثم أفاق لصح اعتكافه: للقياس، بيانه: كما أن النوم لا يُبطل الاعتكاف، فكذلك الإغماء مثله، والجامع: أن كلًّا منهما فترته قليلة عادة، ولا يسلب التكليف، ولا يسلم منه كثير من الناس؛ لأسباب مختلفة، وهذا هو المقصد منه. [فرع]: يبطل الاعتكاف بالارتداد عن الإسلام، والحيض، والنفاس، والجنون، فيجب إخراج هؤلاء من المسجد؛ للمتلازم؛ حيث إن بطلان النية من الكافر والمجنون، وعدم جواز لبث الحائض والنفساء في المسجد: يلزم منها: بطلان الاعتكاف؛ لمخالفة ذلك للعبادة ومُضادتها لها.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وآكده في العشر الأخير (^٤) (ويصح) الاعتكاف (بلا صوم)؛ لقول عمر ﵁: يا رسول الله: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة بالمسجد الحرام فقال النبي ﷺ: "أوف بنذرك" رواه البخاري، ولو كان الصوم شرطًا: لما صحَّ اعتكاف الليل (^٥) (ويلزمان) أيَّ: الاعتكاف والصوم (بالنذر): فمن نذر أن يعتكف صائمًا، أو يصوم معتكفًا: لزمه الجمع، وكذا: لو نذر أن يصلي معتكفًا ونحوه؛ لقوله ﷺ: "من نذر
(^٤) مسألة:: يُستحب الاعتكاف في كل وقت من السنة، ولكن هذا الاستحباب أكد في رمضان، وآكده: أن يكون في العشر الأواخر منه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يعتكف ويداوم عليه، وكان يعتكف في رمضان، قال نافع: "أراني عبد الله بن عمر المكان الذي يعتكف فيه النبي ﷺ" وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله - كما قالت عائشة ﵂، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث كانت زوجات النبي يعتكفن معه، وبعده في رمضان، وكان كثير من أصحابه يفعلون ذلك وهذا يلزم منه الآكدية، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الاعتكاف ينقطع المسلم فيه لأجل فعل أنواع من العبادات: من صلاة وصوم، ودعاء وذكر، وقراءة، واستغفار ونحو ذلك، وإذا وقع ذلك في رمضان فالأجر مضاعف، وإذا وقع في العشر الأواخر فهو أرجى لموافقة ليلة القدر؛ لأنها فيها، فيجتمع له خيري الدنيا والآخرة.
(^٥) مسألة لا يُشترط لصحة الاعتكاف: كون المعتكف صائمًا، بل يصح بلا صوم؛ للسنة القولية، حيث إنه ﷺ قد أمر عمر بأن يوفي بنذره لما نذر أن يعتكف ليلة" فيلزم صحة الاعتكاف بلا صوم؛ لأن الصوم لا يُشرع بالليل، فإن قلتَ: لِمَ يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس أن يفعلوا الخيرات بدون تقييدات؛ لتكثر أجورهم؛ لينالوا الجنة، ومعلوم: أن الصوم والاعتكاف عبادتان كل واحدة منفصلة عن الأخرى.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
أن يُطيع الله فليطعه" رواه البخاري، وكذا لو نذر صلاة بسورة معيَّنة، (^٦) ولا يجوز لزوجة اعتكاف بلا إذن زوجها، ولا لقنِّ بلا إذن سيِّده، (^٧) ولهما تحليلهما من تطوع مُطلقًا ومن نذر بلا إذن (^٨) (ولا يصح) الاعتكاف (إلا) بنية؛ لحديث: "إنما
(^٦) مسألة: إذا نذر أن يعتكف وهو صائم، أو أن يصوم وهو معتكف: فيجب أن يفعل ذلك وهو جامع بينهما؛ فلا يصح هنا اعتكاف بلا صوم، ولا صوم بلا اعتكاف للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "من نذر أن يطيع الله فليُطعه" وهذا عام لكل ما يُنذر؛ لأن "مَنْ" الشرطة من صيغ العموم، والوفاء بما نُذر منفردًا أو مجموعًا مع غيره واجب؛ لأن الأمر هنا مطلق، وهو يقتضي الوجوب، فهو كمن نذر أن يصلي بسورة معيَّنة فلا تصح الصلاة بدون تلك السورة، ولا تصح السورة بلا صلاة.
(^٧) مسألة: لا يجوز للزوجة أن تعتكف إلا بإذن زوجها، ولا يجوز للرقيق أن يعتكف إلا بإذن سيده؛ للمصلحة؛ حيث إن اعتكاف الزوجة والرقيق فيه تفويت حق الزوج والسيد الواجب بأصل الشرع من استمتاع وخدمة، من أجل نافلة، فلا يجوز ذلك، حفاظًا لحقوق الزوج والسيد، ودفع المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة.
(^٨) مسألة: إذا تطوَّعت زوجة، أو تطوع رقيق فصلَّيا، أو صاما، أو اعتكفا تطوعًا فإنه يجوز للزوج أن يُخرج زوجته، وللسيد أن يُخرج عبده من هذا التطوع: سواء أذنا لهما، أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث إنه قد ثبت عنه ﷺ "أنه قد أذن لعائشة وحفصة في الاعتكاف، ثم منعهما بعد أن دخلتا فيه" وإذا كان ذلك فيما أذن فيه، فإنه يكون فيما لم يُؤذن فيه من باب أولى من باب "مفهوم الموافقة الأولى"، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه محافظة على الحقوق الواجبة للزوج والسيد؛ حيث إن حقهما واجب، فيقدَّم على التطوع =
[ ٢ / ٤٣٤ ]
الأعمال بالنيات"، (^٩) ولا يصح إلا (في مسجد)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (يُجمع فيه) أيَّ: تقام فيه الجماعة؛ لأن الاعتكاف في غيره يفضي إما إلى ترك الجماعة، أو تكرار الخروج إليها كثيرًا مع إمكان التَّحرُّز منه، وهو مناف للاعتكاف (^١٠) (إلا) من لا تلزمه الجماعة كـ (المرأة) والمعذور، والعبد (ف) يصح
مطلقًا، [فرع]: إذا نذرت الزوجة الاعتكاف أو نذر الرقيق ذلك، ودخلا فيه دون أن يستأذنا الزوج والسيد: فإنه يجوز للزوج والسيد أن يُخرجاهما منه؛ للمصلحة، وقد بيَّناها في مسألة، (٧)، أما إذا استأذناهما، فأذنا لهما فدخلا فيه: فلا يجوز للزوج والسيد أن يُخرجاهما منه؛ للتلازم؛ حيث إن الزوج والسيد قد أسقطا حقَّهما بالإذن، والوفاء بالنذر واجب فيلزم عدم جواز إخراجهما مما نذراه؛ لأنهما فعلا مالهما فعله دون إضرار بالآخرين.
(^٩) يُشترط لصحة الاعتكاف: أن ينوي قبل دخوله فيه: أنه لطاعة وعبادة الله تعالى فقط؛ للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "إنما الأعمال بالنيات" حيث إن هذا عام، والاعتكاف عمل فيشمله هذا العموم؛ لأن "الأعمال" جمع معرَّف بأل وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: لأن الاعتكاف عبادة، والعبادات لا تصح إلا بنية التقرُّب إلى المعبود به وهو الله تعالى.
(^١٠) مسألة: يُشترط لصحة الاعتكاف أن يعتكف في مسجد تُقام فيه صلاة الجماعة للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يعتكف في مسجده الذي يُصلي بالجماعة فيه، وكان لا يدخل بيته إلا لحاجة الإنسان، وكان يُدخل رأسه فترُجِّله له عائشة ﵂، وهذا بيان للمراد من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ ولفظ "كان" من صيغ العموم في الأزمان؛ حيث يدل على الاستمرار في العمل، وهذه قرينة دلَّت على اشتراط ذلك، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: لأن هذا هو الموافق لحقيقة "الاعتكاف" =
[ ٢ / ٤٣٥ ]
اعتكافهم (في كل مسجد)؛ للآية، (^١١) وكذا من اعتكف من الشروق إلى الزوال
حيث يلزم من اعتكافه في مسجد لا تُقام فيه الجماعة: إما ترك صلاة الجماعة، وهذا يُنقص أجر صلاته وهو يُريد زيادة أجره باعتكافه، أو الإكثار من الخروج من مسجده الذي اعتكف فيه لأجل الصلاة مع الجماعة، وهذا مخالف لحقيقة الاعتكاف -وهو: لزوم مسجد للعبادة-، واعتكافه في مسجد تقام فيه الجماعة لا يقع في أحد هذين الأمرين، فلزم واشترط للمصلحة.
(^١١) مسألة: الذي تسقط عنه صلاة الجماعة كالمرأة، والعبد، والمعذور بمرض أو سفر أو نحوهما: يصح اعتكافه في أيَّ مسجد ولو لم تُقم فيه الجماعة؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فيلزم من تحريم مباشرة المعتكف لزوجته في مكان الاعتكاف: عدم صحة الاعتكاف إلا فيما يُطلق عليه مسجد عرفًا، الثانية: فعل الصحابة؛ حيث كانت زوجات النبي ﷺ يعتكفن في حياته وبعد مماته في أي مسجد، الثالثة: القياس، بيانه كما أن المرأة تعتكف في أيَّ مسجد ولو لم تقم فيه الجماعة فكذلك العبد والمعذور ونحوهما مثلها، والجامع: أن كلًّا منهم لا يخرج لأجل الجماعة، ولا يُحرم من أجرها وهذا هو المقصد الشرعي منه. [فرع]: يُشترط لاعتكاف المرأة: أن لا يخاف وليها عليها من الفتنة، أو الوحشة، أو أيِّ ضرر في المسجد الذي تعتكف فيه، فإن خيف عليها شيء من ذلك: فإنه يُحرَّم اعتكافها فيه؛ للمصلحة؛ حيث إن المرأة عورة، وقليلة عقل ودين فيُخاف عليها أن يفتتن بها أحد، أو هي تفتتن بأحد، ودفعًا لذلك: فإنها تمنع من الاعتكاف، كما مُنعت من زيارة القبور لذلك، والقربات لها كثيرة ومنها حسن التبعُّل لزوجها بأن تطيعه، وتسره، وتحفظه في ماله وعرضها وهذا فيه أجر الجهاد في سبيل الله، وقد ورد: "أن من مات زوجها وهو عنها راضٍ خيِّرها الله من أيَّ باب من أبواب الجنة تدخل" فأي فضل أعظم من هذا؟!
[ ٢ / ٤٣٦ ]
مثلا (^١٢) (سوى مسجد بيتها) وهو: الموضع الذي تتخذه لصلاتها في بيتها؛ لأنه ليس بمسجد حقيقة ولا حكمًا؛ الجواز لبثها فيه حائضًا وجُنُبًا، (^١٣) ومن المسجد: ظهره ورحبته المحوطة، ومنارته التي هي أو بابها فيه، وما زيد فيه، (^١٤) والمسجد
(^١٢) مسألة: إذا اعتكف من شروق الشمس إلى زوالها -وهو قبل صلاة الظهر-: يصح اعتكافه في أي مسجد: سواء كان فيه جماعة أو لا؛ للتلازم؛ حيث إن حقيقة الاعتكاف قد وُجدت، بدون الحاجة إلى خروج لصلاة الجماعة، أو تركها فيلزم صحته.
(^١٣) مسألة: إذا وضعت المرأة مكانًا لتصلي فيه في بيتها وسمَّته مسجدًا: فلا الاعتكاف فيه؛ للسنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ قد أقرَّ بعض زوجاته لما اعتكفن في مسجده ﷺ، ولم يأمرهن بأن يعتكفن في مُصلاهن ومساجدهن التي في بيوتهن مع أنه أستر لهن، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلزم من ذلك: عدم صحة الاعتكاف في ذلك المكان الذي في بيتها فإن قلتَ: لِمَ لا يصح ذلك؟ قلتُ: لأن مسجد بيتها لا يُسمَّى مسجدًا حقيقة؛ لعدم صلاة غيرها فيه، وليس حكمه حكم المسجد، إذ يجوز جلوسها فيه وهي حائض ونفساء، وجنب، بخلاف المساجد الأخرى: فلا يجوز ذلك.
(^١٤) مسألة: المسجد الذي يُعتكف فيه هو داخله، وظهره، وساحته المحيطة فيه، ومنارته الواقعة داخل المسجد، أو كان بابها داخله، وزياداته التي زادها بعض المحسنين في المسجد مهما كانت سعتها؛ للتلازم، حيث إن هذا كله يُطلق عليه مسجد، ويمكن الصلاة فيه فتلزم صحة الاعتكاف فيه فإن قلتَ: ثم شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه سعة.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
الجامع أفضل لرجل تخلَّل اعتكافه جمعة (^١٥) (ومن نذره) أي: الاعتكاف (أو الصلاة في مسجد غير) المساجد (الثلاثة) مسجد مكة، والمدينة، والأقصى (وأفضلها) المسجد (الحرام فمسجد المدينة فالأقصى)؛ لقوله ﷺ: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" رواه الجماعة إلا أبا داود: (لم يلزمه) جواب "مَنْ" أيَّ: لم يلزمه الاعتكاف أو الصلاة (فيه) أيَّ: في المسجد الذي عيَّنه إن لم يكن من الثلاثة؛ لقوله ﷺ: "لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" فلو تعيَّن غيرها بتعيينه: لزمه المضي إليه، واحتاج لشدِّ الرحل إليه، (^١٦) لكن إن نذر الاعتكاف في جامع: لم
(^١٥) مسألة: إذا نوى الاعتكاف أيامًا فيهن يوم جمعة: فالأفضل أن يعتكف في مسجد تصلى فيه الجمعة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يجعله لا يخرج إلى صلاة الجمعة في مسجد آخر فيكون أجر اعتكافه أكمل، لتمام اللزوم.
(^١٦) مسألة إذا نذر أن يعتكف أو يصلي في مسجد مكة، أو المدينة، أو الأقصى: فإنه يلزمه أن يوفي بنذره بنفس المسجد الذي عيَّنه من تلك الثلاثة، أما إن نذر ذلك في مسجد مُعيَّن غير المساجد الثلاثة: فإنه يوفي بنذره في أي مسجد أراد؛ للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" حيث أثبت لزوم الوفاء بنذره إذا كان هذا النذر في أحد المساجد الثلاثة، ويكون هذا الوفاء بما نُذر منها، فيجب عليه أن يُسافر إليه بعينه، ونفى ذلك في غير تلك المساجد، وعليه فيُوفى بنذره في أيَّ مسجد أراد دون ما عيَّنه؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، وقد دل على هذا أيضًا مفهوم العدد هنا؛ حيث إن حكم غير المساجد الثلاثة ليس كحكم المساجد الثلاثة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن المساجد الثلاثة قد تميَّزت عن غيرها بأفضليتها؛ لكونها مساجد الأنبياء، ولأن المسجد الحرام قبلة المسلمين، والمسجد النبوي قد أسس على التقوى، والمسجد الأقصى قبلة الأمم =
[ ٢ / ٤٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السابقة، بخلاف غيرها من المساجد فلا تساويها في ذلك، فلا يُفرَّق بينها في الأجر، فيُوفي نذره بما شاء منها. [فرع]: أفضل المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، وهو خاص في الموضع الذي فيه الكعبة، وما حوله من الزيادات، والساحات إذا اتصلت الصفوف، وهو الذي الصلاة فيه خير من مائة ألف صلاة في غيره، ثم يلي ذلك في الأفضلية: المسجد النبوي، وهو: خاص في نفس المسجد وما زيد عليه من الزيادات المتصلة به، وهو الذي الصلاة فيه خير من ألف صلاة في غيره -سوى المسجد الحرام-، ثم يلي ذلك في الأفضلية: المسجد الأقصى، وهو الذي الصلاة فيه خير من خمسمائة صلاة في غيره -سوى المسجد الحرام ومسجد المدينة- لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال: ﷺ "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه "وقال: "صلاة في المسجد الأقصى خير من خمسمائة صلاة فيما سواه" وقال: "لا تُشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" وهذه النصوص واضحة الدلالة، الثانية: الإجماع؛ حيث إن الصحابة قد صلوا في الزيادات التي زادها عثمان في المسجد النبوي مع أنها خارجة عن المسجد الذي كان على عهد النبي ﷺ، ولم يُنكر واحد منهم ذلك، فكان إجماعًا سكوتيًا، وغير مسجد النبوي مثله في ذلك الحكم؛ لعدم الفارق، فإن قلتَ: لِمَ كان هذا الترتيب؟ قلتُ: لأن المسجد الحرام فيه الكعبة قبلة المسلمين، وموضع حج الناس، ومنهم أكثر الأنبياء كموسى ويونس وغيرهما ﵈، وجعل فيه آيات بينات كمقام إبراهيم، وحجر إسماعيل، وأمَّن كل من قصده لمحض العبادة، وقد أكثر ابن تيمية من ذكر مزاياه، ومسجد المدينة مسجد أسس على التقوى؛ والمسجد الأقصى القبلة الأولى للأمم السابقة، وللمسلمين في أول عهدهم بالإسلام، وهي ديار أنبياء بني إسرائيل.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
يُجزئه في مسجد لا تُقام فيه الجمعة (^١٧) (وإن عيَّن) لاعتكافه أو صلاته (الأفضل) كالمسجد الحرام: (لم يجز) اعتكافه أو صلاته (فيما دونه) كمسجد المدينة، أو الأقصى: (وعكسه بعكسه) فمن نذر اعتكافًا أو صلاة بمسجد المدينة، أو الأقصى أجزاء بالمسجد الحرام؛ لما روى أحمد وأبو داود عن جابر: أن رجلًا قال يوم الفتح: يا رسول الله: إني نذرتُ إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: "صلِّ هاهنا" فسأله فقال: "صلِّ هاهنا" فسأله فقال: "شأنك إذًا" (^١٨) (ومن نذر) اعتكافًا (زمنًا مُعيَّنًا) كعشر ذي الحجة: (دخل مُعتكفه قبل ليلته الأولى) فيدخل قبيل الغروب من اليوم الذي قبله (وخرج) من معتكفه (بعد آخره) أي: بعد
(^١٧) مسألة: إذا نذر أن يعتكف في مسجد تقام فيه صلاة الجمعة: فلا يصح اعتكافه في مسجد لا تُقام فيه الجمعة، ولو لم يكن يوم الجمعة مع الأيام التي نُذِرت؛ للتلازم؛ حيث إن المسجد الجامع فاضل، فيلزم عدم إجزاء الاعتكاف في مسجد مفضول؛ لكونه لم يقم بما أوجبه على نفسه بتمامه.
(^١٨) مسألة إذا نذر أن يعتكف أو يصلي في الفاضل من المساجد: فلا يصح اعتكافه وصلاته في المفضول منها، وإن نذر أن يعتكف أو يُصلي في المفضول من المساجد: صحَّ اعتكافه وصلاته في الفاضل، فمثلًا إن نذر أن يصلي أو يعتكف في المسجد الحرام: فلا يصح فعل ذلك في مسجد المدينة، لكن إن نذر أن يعتكف أو يصلي في مسجد المدينة: فيصح فعل ذلك في المسجد الحرام؛ للسنة القولية؛ حيث "إنه ﷺ قد أمر رجلًا نذر أن يُصلِّي في بيت المقدس بأن يوفي بنذره في المسجد الحرام"؛ وذلك لكونه صلاة في بيت المقدس وزيادة، والاعتكاف مثل الصلاة؛ لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة" ويلزم منه: أنه إذا نذر في المسجد الحرام فلا يوفي بنذر في غيره؛ لأنه أنقص من القيام بالواجب، وهذا هو المقصد منه.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
غروب الشمس آخر يوم منه، (^١٩) وإن نذر يومًا: دخل قبل فجره، وتأخَّر حتى تغرب شمسه (^٢٠) وإن نذر زمنًا مُعينًا: تابعه ولو أطلق، (^٢١) وعددًا: فله تفريقه، (^٢٢)
(^١٩) مسألة: إذا نذر أن يعتكف أيامًا كأن يقول: إني نذرت أن اعتكف العشر الأواخر من رمضان": فيجب أن يدخل مُعتكفه قبل ليلته الأولى: فيدخل قبل غروب شمس اليوم التاسع عشر -وهو ليلة العشرين منه-، ويخرج منه بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان -إذا ثبت أن غدًا هو يوم عيد الفطر-؛ لقاعدة:" ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"؛ حيث لا يمكن إكمال اعتكاف جميع العشرة الأيام إلا بذلك، فوجب فعله ابتداءً وانتهاءً كما قلنا في إمساك جزء من الليل لأجل إتمام صوم اليوم من النهار، وغسل جزء من الرأس لإتمام غسل الوجه، وهذا كله للاحتياط وهو المقصد منه.
(^٢٠) مسألة: إذا نذر أن يعتكف يومًا: فيجب عليه أن يدخل معتكفه قبل طلوع فجر ذلك اليوم الصادق، وأن يخرج منه إذا غربت شمسه؛ للقياس، بيانه: كما لو نذر صوم يوم: فإنه يفعل ذلك، فكذلك الحال إذا نذر اعتكافه، والجامع: أن المنذور هو يوم، واليوم هو المحدود بذلك حقيقة.
(^٢١) مسألة: إذا نذر أن يعتكف زمنًا مُعيَّنًا كأن يقول: "نذرت أن أعتكف العشر الأواخر من رمضان: أو العشر من ذي الحجة": فيجب أن يُتابع الاعتكاف في تلك الأيام، ولا يُفرِّفها: سواء تلفُّظ بـ "التتابع" أو لا، وسواء نوى التتابع أو لا؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو حلف لا يُكلّم زيدًا شهرًا: فيجب عليه التتابع، ولا يُفرِّقها فكذلك الحال في نذر الاعتكاف والجامع: أنَّ اللفظ في كل منهما قد اقتضى التتابع.
(^٢٢) مسألة: إذا نذر أن يعتكف عددًا من الأيام لم يُعينها كأن يقول: "نذرتُ أن أعتكف عشرة أيام" ولم ينو تتابعها: فله أن يتابعها، وله أن يُفرِّقها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم تعيينها، وعدم نية التتابع فيها: أن يُباح له تفرِّقها.
[ ٢ / ٤٤١ ]
ولا تدخل ليلة يوم نَدَرَه كيوم ليلة نَدَرَها (^٢٣) (ولا يخرج المعتكف) من مُعتكفه (إلا لما لا بدَّ) له (منه) كإتيانه بمأكل ومشرب؛ لعدم من يأتيه بهما، وكقيء بغتة، وبول، وغائط، وطهارة واجبة، وغسل متنجِّس يحتاجه، وإلى جمعة وشهادة لزمتاه، (^٢٤) والأولى: أن لا يُبكِّر لجمعة، ولا يُطيل الجلوس بعدها، (^٢٥) وله المشي على
(^٢٣) مسألة: إذا نذر أن يعتكف يوم السبت مثلًا: فلا تدخل ليلة السبت: حيث يبدأ اعتكافه من قبل طلوع فجر يوم السبت إلى بعد غروب شمسه، وإذا نذر أن يعتكف ليلة السبت مثلًا: فلا يدخل يوم السبت، ولا يوم الجمعة؛ حيث يبدأ اعتكافه من بعد غروب الشمس من يوم الجمعة، ويستمر إلى طلوع فجر تلك الليلة، وهو الفجر الصادق من يوم السبت؛ للتلازم؛ حيث إن اليوم والليلةُ يطلقان على ما بيناه: فيلزم ما نذره؛ لاقتضاء ذلك.
(^٢٤) مسألة: إذا دخل مُعتكفه: فلا يخرج منه إلا للضرورة: كأن يقضي حاجته من بول أو غائط، أو الإتيان بأكل أو شرب -إذا لم يوجد أحد يأتيه بهما-، أو يُؤدِّي شهادة لازمة، ولا تُؤخَّر، أو يخرج لصلاة الجمعة إذا كان ممن تجب عليه، أو يخرج لغسل نجاسة أو نحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة ﵂: "السنة للمعتكف: أن لا يخرج إلا لما لا بدَّ له منه، وكان النبي ﷺ لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان" وإذا قال الصحابي: "السنة كذا" فإنه يقصد سنة النبي ﷺ، وهو حديث مرفوع وما ذكر من الحاجات تدخل في عموم هذا الحديث، الثانية: المصلحة؛ حيث إن خروجه للضرورة فيه دفع مفسدة عنه، ودفع المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح، وهذا هو المقصد منه.
(^٢٥) مسألة: إذا أراد المعتكف الخروج لصلاة الجمعة: فالمستحب له: أن لا يُبكِّر في الخروج، ولا يُطيل الجلوس في الجامع بعد انقضائها، بل يذهب إلى مُعتكفه =
[ ٢ / ٤٤٢ ]
عادته، (^٢٦) وقصد بيته لحاجة إن لم يجد مكانًا يليق به، بلا ضرر ولا مِنَّة، (^٢٧) وغسل يده بمسجد في إناء من وسخ ونَحَوه، (^٢٨) لا بول، وفصد، وحجامة بإناء فيه أو في هوائه (^٢٩) (ولا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة) حيث وجب عليه الاعتكاف متتابعًا
مباشرة؛ للمصلحة؛ حيث إنه قد أُذن له في الخروج لصلاة الجمعة؛ لكون ذلك ضرورة، والضرورة تُقدَّر بقدرها، فلا يُبكِّر في الخروج قبل صلاة الجمعة، ولا يُطيل الجلوس بعدها؛ محافظة على وقت الاعتكاف من الضياع فينقص أجره.
(^٢٦) مسألة: إذا أراد المعتكف أن يخرج لصلاة الجمعة، أو لبيته، أو لأي حاجة يقضيها: فإنه يخرج على طريقته وعادته، دون بطء، أو استعجال؛ للمصلحة؛ حيث إن تغيير عادته في المشي لحاجاته قد يكون فيها مشقة عليه، فدفعًا لذلك: شرع المشي العادي.
(^٢٧) مسألة: يُباح للمعتكف: أن يذهب إلى بيته ليقضي أيَّ حاجة أرادها من بول أو غائط، أو اغتسال، أو تطهر ونحو ذلك بشرط: عدم وجود مكان آخر يفعل ذلك فيه بلا ضرر أو مِئَة من آخرين؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام للمعتكف، وهذا فيه جلب مصلحة له، ودفع مفسدة عنه وهو معروف.
(^٢٨) مسالة: يُباح للمعتكف: أن يغسل يده من وسخ أو طعام في إناء داخل المسجد بشرط: أن لا يؤذي أحدًا من الموجودين بالمسجد بذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مشقة الخروج من المسجد لأجل ذلك، ودفع الضرر عن الآخرين إن أذاهم بذلك.
(^٢٩) مسألة لا يجوز للمعتكف: أن يبول أو يتغوَّط، أو يحتجم، أو يفصد عرقه بإخراج بعض الدَّم في إناء داخل المسجد الذي يعتكف فيه أو فوقه؛ للمصلحة؛ حيث إنه يُحتمل أن يتناثر بعض ذلك احتمالًا راجحًا، فيتنجَّس المسجد، فدفعًا لذلك: حُرّم ذلك، فإن قلتَ: لِمَ أذن للمستحاضة أن تعتكف في المسجد مع خروج الدم منها؟ قلتُ: إن الإذن لها بذلك مشروط بأن يغلب على ظنها عدم =
[ ٢ / ٤٤٣ ]
ما لم يتعيَّن عليه ذلك؛ لعدم من يقوم به (^٣٠) (إلا أن يشترطه) أي: يشترط في ابتداء اعتكافه الخروج إلى عيادة مريض، أو شهود جنازة، وكذا: كل قربة لم تتعيَّن عليه، وماله منه بدّ كعشاء، ومبيت في بيته (^٣١) لا الخروج للتجارة، ولا التكسُّب بالصنعة في المسجد، ولا الخروج لما شاء (^٣٢) وإن قال: "متى مرضت أو عرض لي عارض
تلويث المسجد بما يخرج منها، ويصعب عليها أن تحترز منه، بخلاف غيرها فيمكنه الاحتراز بالخروج من المسجد.
(^٣٠) مسألة: إذا كان الاعتكاف مُتتابعًا بأن نذر التتابع، أو نواه: فلا يجوز للمعتكف أن يخرج لأي قربة لا تتعيَّن عليه، فلا يعود مريضًا، ولا يشهد جنازة، ولا يزور قريبًا، ولا يتحمَّل شهادة؛ ولا يغسل ميتًا؛ للسنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ لا يسأل عن مريضٍ إذا كان مُعتكفًا" فيلزم من ذلك: عدم جواز الخروج لأي قربة لا تلزمه؛ لأن ذكر "المريض" هنا يدل على ذلك وغير ذلك مثل المريض؛ لعدم الفارق، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن لزوم الاعتكاف أكثر أجرًا من خروجه لذلك؛ حيث إن غيره يُمكنه فعل ذلك، بخلاف الاعتكاف.
(^٣١) مسألة: إذا نوى أن يعتكف واشترط في نيته لذلك: أن يخرج لكل قربة لم تتعيَّن عليه كأن يشترط أن يعود المرضى، وأن يشهد الجنائز، أو مبيت في بيته أو نحو ذلك من القربات: فله ذلك؛ للقياس، بيانه، كما أن الواقف إذا شرط في وقفه شرطًا فله ذلك، فكذلك المعتكف مثله، والجامع: أن كلًّا منهما وجب بقصده فكان الشرط إليه فيه، وهذا توسعة على المسلمين وهو المقصد منه.
(^٣٢) مسألة: لا يجوز للمعتكف أن يشترط في نيته قبل دخوله الموضع الاعتكاف: أن يخرج للاشتغال بالتجارة، أو يشترط الاشتغال بصنعته داخل المسجد، أو يشترط أن يخرج لما شاء، ولا يشترط أيَّ حال من أحوال الدنيا؛ للتلازم؛ حيث
[ ٢ / ٤٤٤ ]
خرجتُ": فله شرطه، وإذا زال العذر: وجب الرجوع إلى اعتكاف واجب (^٣٣) (وإن وطئ) المعتكف (في فرج) أو أنزل بمباشرة دونه: (فسد اعتكافه) ويُكفِّر كفارة يمين إن كان الاعتكاف منذورًا؛ لإفساد نذره إلا لوطئه (^٣٤) ويبطل أيضًا اعتكافه بخروجه
إن ذلك يُنافي حقيقة الاعتكاف - وهو: لزوم مسجد لطاعة الله - فيلزم عدم جوازه، ويكون كمن اشترط ترك المقام في المسجد.
(^٣٣) مسألة: إذا اشترط من أراد الاعتكاف قائلًا: "إذا عرضت لي حاجة، أو حصل عذر: فإني أخرج": جاز ذلك، وله الخروج لذلك، ويجب عليه أن يعود إن زال ذلك العذر المعارض إن كان اعتكافه واجبًا كالاعتكاف المنذور، وإن لم يكن كذلك فهو بالخيار؛ للقياس، بيانه: كما أن الحاج إذا اشترط في نيته عند الإحرام قائلًا: "فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" جاز له ذلك، فيخرج من حجه إن حصل الحابس، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًا منهما لازم لا يجوز تركه إلا بشرط عند نيته.
(^٣٤) مسألة: إذا وطئ المعتكف فرج زوجته: فإن اعتكافه يفسد: سواء أنزل أو لم يُنزل، وكذا: إن باشر دون الفرج وأنزل: فإنه يفسد اعتكافه، ويجب عليه قضاؤه إن كان ذلك الاعتكاف واجبًا كالاعتكاف المنذور، ولا كفارة عليه ولا يجب قضاؤه إن كان الاعتكاف مستحبًا؛ أما إن باشر بدون إنزال: فلا يفسد اعتكافه؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ والنهي هنا مطلق فيقتضي التحريم والفساد، وعليه: يفسد اعتكافه بذلك، وإذا كان ذلك في المباشرة فإنه يكون في الوطء من باب أولى، وهذا من دلالة مفهوم الموافقة الأولى، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كانت عائشة ﵂ تُرجِّل شعر رأس النبي ﷺ وتُغسِّله وهو مُعتكف، ولو كان مُفسدًا لاعتكافه: لما فعله، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، =
[ ٢ / ٤٤٥ ]
لما له منه بدٌّ، ولو قلِّ (^٣٥) (ويُستحب اشتغاله بالقُرب) من صلاة، وقراءة، وذكر، ونحوها (واجتناب مالا يعنيه) بفتح الياء، أي: يهمه؛ لقوله ﷺ: "من حسن إسلام المرء: تركه مالا يعنيه"، (^٣٦) ولا بأس أن تزوره زوجته في المسجد، وتتحدَّث معه،
فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لمنافاة ذلك مع المقصد الشرعي للاعتكاف، وهو: الانقطاع للعبادة، فإن قلتَ: إن من جامع وباشر فأنزل وهو معتكف: فإنه يفسد اعتكافه وعليه قضاؤه، وعليه كفارة يمين - وهي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام - وهذا لإفساد اعتكافه قلتُ: لم أجد دليلًا على وجوب تلك الكفارة؛ حيث لم يرد ذلك في القاعدتين السابقتين، ولا في غيرهما، فيبقى على النفي الأصلي، فنستصحب عدم مشروعية الكفارة هنا.
(^٣٥) مسألة: إذا خرج المعتكف لغير ضرورة، وهو لم يشترطه: فإنه يفسد اعتكافه: سواء استغرق ذلك الخروج وقتًا طويلًا أو قصيرًا؛ للتلازم؛ حيث إن الخروج لغير ضرورة وحاجة يُنافي حقيقة الاعتكاف - وهو: لزوم مسجد لطاعة - فيلزم من ذلك فساده، لكونه يُفوِّت جُزءًا مستحقًا من لزوم المسجد، بلا عذر.
(^٣٦) مسألة: يُستحب لكل شخص ولا سيما للمعتكف أن يمضي وقته ويُشغله بشتى القُرُبات كقراءة القرآن، والدعاء، والذكر، والصلوات، والصدقات، والصيام، ويُستحب أن يترك كل مالا يعنيه أو يهمه؛ للقياس الأولى، بيانه: كما أن فعل تلك القربات، وترك مالا يعنيه في غير الاعتكاف مُستحب، كما قال ﷺ: "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه" فهو في الاعتكاف أولى بالاستحباب؛ لما هو عليه من انقطاعه للعبادة.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
وتصلح رأسه أو غيره ما لم يتلذَّذ بشيء منها، (^٣٧) وله أن يتحدَّث مع من يأتيه ما لم يُكثر، (^٣٨) ويُكره الصَّمت إلى الليل، وإن نَذَرَه: لا يفِ به، (^٣٩) وينبغي لمن قصد
(^٣٧) مسألة: يُباح أن تزور المرأة زوجها المعتكف، وتتحدَّث معه ولا تُطيل في ذلك، وتصلح رأسه، وغيره مما يحتاج إلى إصلاح أو مداواة بشرط: أن لا يشعر المعتكف بأيِّ لذَّة في ذلك؛ للسنة الفعلية والتقريرية؛ حيث إن عائشة ﵂ كانت تغسل رأس النبي ﷺ وتُرجِّله وهو معتكف في المسجد، وكانت صفية تزوره وتتحدَّث معه وهو كذلك، وكان النبي ﷺ يُحادثهما ولا يُنكر ذلك منهما، فلو لم يجز لما فعله، ولبيَّن إنكاره؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإصلاح غير الرأس كإصلاح الرأس؛ لعدم الفارق في ذلك، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: لعدم منافاته لحقيقة الاعتكاف.
(^٣٨) مسألة: يُباح للمعتكف: أن يتحدَّث مع من يزوره، أو يراه بأحاديث لا تخصُّ الدُّنيا وملذَّاتها، ولا تكون طويلة، ويُباح له: أن يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويشهد على النكاح، ويُصلح بين القوم، ويُؤذِّن، ويُقيم، ويُصلِّي على الجنازة داخل المسجد الذي يعتكف فيه، ويُباح له: أن يتنظف، ويتطيَّب، ويلبس أحسن ثيابه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يتحدَّث مع صفية ﵂ كما سبق ذكره في مسألة (٣٧) -، الثانية: المصلحة؛ حيث إن فعل تلك الأمور لا تنافي حقيقة الاعتكاف وأحكامه، مع ما فيها من جلب المصالح ودفع المفاسد.
(^٣٩) مسألة: يحرم على المعتكف وغيره أن يصمت من الصباح إلى اللَّيل عن الكلام المباح، وإن نذره قائلًا: "لله علي أن لا أتكلَّم اليوم": فلا يفِ بهذا النذر؛ للسنة القولية؛ حيث إن رجلًا قد نذر: أن لا يتكلَّم فقال ﷺ: "مروه فليتكلَّم" ولم يذكر وجوب كفارة عليه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت =
[ ٢ / ٤٤٧ ]
المسجد: أن ينوي الاعتكاف مُدَّة لُبْثِه فيه لا سيَّما إن كان صائمًا، (^٤٠) ولا يجوز البيع ولا الشراء فيه للمعتكف وغيره ولا يصح. (^٤١)
الحاجة، وهذا الأمر للوجوب؛ لأنه مُطلق، وترك الواجب حرام، فالصَّمت يكون حرامًا لغير سبب، فإن قلتَ: إن الصَّمت لغير سبب مكروه قلتُ: لم أجد صارفًا قويًا على صرف هذا الأمر إلى الندب، حتى يكون عكسه مكروهًا.
(^٤٠) مسألة: يُستحبُّ للمسلم إذا قصد مسجدًا للصلاة أو الجلوس فيه: أن ينوي الاعتكاف زمن صلاته أو جلوسه في ذلك المسجد خاصة إن كان صائمًا؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع بين صلاة واعتكاف وصوم وهذا فضل عظيم؛ لكون الاعتكاف يصح ولو ساعة كما سبق في مسألة (١).
(^٤١) مسألة: لا يجوز للمعتكف ولا لغيره: أن يبيع، أو يشتري، أو يؤجَّر، أو يستأجر في المسجد، وإن فعل ذلك فالبيع، والتأجير فاسد؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ "قد نهى عن البيع والشراء في المسجد" والنهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، ثانيهما: قوله ﷺ: "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك" ويلزم من هذا: تحريم البيعُ والشراء في المسجد؛ لأن الدعوة عليه: عقوبة، ولا يُعاقب إلا من فعل محرَّمًا، فإن قلتَ: لمَ لا يجوز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المساجد قد بُنيت لمحض العبادة، فلو أذن في ذلك لاتخذ الناس المساجد أسواقًا يبيعون فيها ويشترون؛ وهذا لا يليق بموضع خُصِّص للعبادة.
هذه آخر مسائل باب "الاعتكاف" الذي هو آخر كتاب "الصوم" ويليه كتاب "المناسك: الحج
والعمرة"
[ ٢ / ٤٤٨ ]