في اللغة: القصد، وشرعًا: مسح الوجه واليدين بصعيد على وجه مخصوص، وهو من خصائص هذه الأمة، لم يجعله الله طهورًا لغيرها؛ توسعة عليها، وإحسانًا إليها فقال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الآية (^١) (وهو) أي: التيمم (بدل طهارة
باب التيمُّم - وهو: بدل الوضوء والغُسْل
وفيه ثنتان وخمسون مسألة:
(^١) مسألة: التيمم لغة مأخوذ من "الأمِّ" وهو: القصد، يقال: "أمَّه" أي: قصده، ثم نقل في الشرع للفعل المخصوص الذي هو المراد به في الاصطلاح: وهو: مسح الوجه والكفين بشيء من الصعيد من تراب ونحوه، على وجه التَّعبد، بطرق وشرائط مخصوصة - سيأتي بيانها -، فإن قلتَ: لِمَ ذكر التيمم بعد باب "الغسل"؟ قلتُ: لأنه بدل عن الماء إذا فقد، أو عُجِز عن استعماله، ويذكر البدل بعد المبدل عادة، فإن قلتَ: لِمَ كان التيمم من خصائص هذه الأمة؛ حيث قال ﷺ: "أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهن أحد قبلي .. " وذكر منها: "وجُعِلَت لي الأرض مسجدًا وطهورا"؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التيمم فيه توسعة وتيسير لهذه الأمة وإحسان إليها؛ إذ أراد الله تعالى لهم تحصيل مصالح الصلاة في وقتها قبل زواله، فلولا ذلك لأمر عادم الماء بتأخير الصلاة حتى يجد الماء وهذا يفوت عليهم الصلاة في وقتها، وهذا يدل على أن الشارع قد اهتم بمصالح فعل الطاعة في وقتها المحدَّد شرعًا أعظم من اهتمامه بمصالح الطهارة والتنظيف، فإن قلتَ: لِمَ اهتم الشارع بإيقاع العبادة في وقتها دون تقديم أو تأخير؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يُقطع بأن الشارع لا يأمر بشيء إلا وفيه جلب مصلحة للعباد، ولا ينهى عن شيء إلا وفيه مفسدة، فالمحافظة على إيقاع العبادة في وقتها المحدد فيه مصالح؛ لكون الله قد حصرها في هذا الوقت دون =
[ ١ / ٢١٩ ]
الماء) لكل ما يفعل بها عند العجز عنه شرعًا: كصلاة، وطواف، ومس مصحف، وقراءة قرآن، ووطء حائض طهرت، (^٢) ويُشترط له شرطان: أحدهما: دخول الوقت، وقد ذكره بقوله: (إذا دخل وقت فريضة) أو منذورة بوقت معيَّن، أو عيد،
غيره، قال ابن عباس: "إذا سمعت نداء الله فارفع رأسك فتجده إما يدعوك لخير، أو يصرفك عن شر".
(^٢) مسألة: التيمم قد جعله الله تعالى بدلًا عن الطهارة بالماء - فيما لا يفعل إلا بالطهارة كالصلاة، والطواف، ومس المصحف، وقراءة القرآن ونحو ذلك -؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ حيث أوجب الشارع التيمم عند عدم الماء؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ودل مفهوم التقسيم هنا على أنه لا يتطهر بغيرهما على الترتيب المذكور، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ قد أقرَّ عمَّارًا على استعماله للتراب لما فقد الماء، ولكنه علَّمه طريقة ذلك قائلًا: "إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه" وكذا: أقرَّ ﷺ عمرو بن العاص لما تيمم؛ نظرًا لخوفه على نفسه من استعمال الماء، وصفة التيمم في الحديث الأكبر والأصغر واحدة، فإن قلتَ: لِمَ جعل التيمم بالتراب بدلًا عن الماء مع وجود الفرق بينهما؛ حيث إن الماء يُطهر وينظف، والتراب يشوِّه ويُقذِّر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الماء والتراب يشتركان في كثرة وجودهما، وتكوين المخلوقات من بشر وحيوان ونبات، فهذه لا يمكن أن تكوَّن بتراب بلا ماء، ولا بماء بلا تراب، فلذا: جمع بينهما، وهذا كله للتيسير على العباد، وقد فصَّلتُ القول في ذلك في الرَّد على النظام القائل: إن الشريعة قد جمعت بين مختلفات كجعل التراب بدلًا عن الماء، لذا لا يجوز فيها القياس وذلك في كتابي "المهذب" (٤/ ١٩٠٩).
[ ١ / ٢٢٠ ]
أو وُجد كسوف، أو اجتمع الناس لاستسقاء، أو غسل الميت، أو يُمِّم؛ لعذر، أو ذكر فائتة وأراد فعلها (أو أبيحت نافلة): بأن لا يكون وقت نهي عن فعلها، الشرط الثاني: تعذُّر الماء، وهو ما أشار إليه بقوله: (وعُدم الماء) حضرًا كان أو سفرًا، قصيرًا كان أو طويلًا، مباحًا كان أو غيره: فمن خرج لحرثٍ، أو احتطابٍ ونحوهما، ولا يمكنه حمل الماء معه ولا الرجوع للوضوء إلا بتفويت حاجته: فله التيمُّم، ولا إعادة عليه (^٣) (أو زاد) الماء (على ثمنه) أي: ثمن مثله في مكانه: بأن لم
(^٣) مسألة: يُشترط للتيمُّم شرطان: أولهما: أن يدخل وقت صلاة أراد فعلها - في وقت لا يحرم فعلها فيه كأوقات النهي -، وهذا شامل لجميع الصلوات الفرائض والنوافل، ثانيهما: أن لا يجد الماء بعد البحث عنه: سواء كان مسافرًا أو لا، أو كان مسافرًا سفرًا طويلًا أو لا، مباحًا أو لا، وهو يصعب عليه حمل الماء، أو الرجوع للوضوء بالماء بدون تفويت حاجته والضرر به، فإذا توفر هذان الشرطان: أبيح له التيمُّم، ويصلي ولا إعادة عليه ولو وجد الماء بعد فراغه من الصلاة، لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ حيث إن ذلك تضمَّن الشرط الثاني؛ فالذي لا يجد الماء يتيمم، وهذا عام، فيشمل جميع الأحوال، والمواضع والصفات، والأزمان، لأن "ماء" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، الثانية: القياس، بيانه: كما أن طهارة المستحاضة لا تصح إلا بعد دخول الوقت وإرادتها للصلاة، فكذلك التيمُّم لا يصح إلا بعد دخول الوقت وإرادة الشخص الصلاة، والجامع: أن كلًا منهما طهارة ضرورة لاستباحة ما لا يُباح إلا بطهارة، وهذا القياس قد خصَّص عموم الآية السابقة من حيث الأزمان وهو الشرط الأول، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط هذان الشرطان؟ قلتُ: لأن الماء هو الأصل في الطهارة، فإذا لم يجده - بعد البحث عنه - فالتراب ينوب عنه؛ تيسيرًا على الناس - كما سبق - ولا =
[ ١ / ٢٢١ ]
يبذل إلا بزائد (كثيرًا) عادة (أو) بـ (ثمن يُعجزه) أو يحتاج له، أو لمن نفقته عليه (أو خاف باستعماله) أي: باستعمال الماء ضررًا (أو) خاف بـ (طلبه ضرر بدنه أو) ضرر (رفيقه أو) ضرر (حرمته) أي: زوجته، أو امرأة من أقاربه (أو) ضرر (ماله بعطش أو مرض أو هلاك ونحوه) كخوفه باستعماله تأخر البرء، أو بقاء أثر شين في جسده: (شرع التيمُّم) أي: وجب لما يجب الوضوء أو الغسل له، وسُنَّ لما يُسنُّ له ذلك، وهو: جواب "إذا" من قوله: "إذا دخل وقت فريضة"، (^٤) ويلزم شراء ماء وحبل
يصدق عليه أنه عادم للماء إلا بعد دخول الوقت؛ لاحتياجه إلى الصلاة، فلو تيمم قبل دخول الوقت لفعل شيئًا لم يحتج إليه؛ لاحتمال وجود الماء بعد دخول الوقت، فإن قلتَ: لا يشترط الأول، فيجوز التيمُّم قبل دخول الوقت وهو قول أبي حنيفة، وكثير من العلماء؛ للقياس: بيانه: كما يجوز التطهر بالماء قبل دخول الوقت فكذلك يجوز التيمُّم قبل دخول الوقت والجامع: أن كلًا منهما طهارة مشروطة للصلاة فيُباح تقديمها، قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن التيمُّم شرع ضرورة عدم وجود الماء، أو عدم القدرة على استعماله يُؤيده: أنه عند وجود الماء يبطل التيمُّم، والضرورة تقدَّر بقدرها، فلا يُتيمَّم إلا بعد دخول الوقت، لاحتمال وجود ماء فيما لو تيمم قبل دخول الوقت، بخلاف التطهر بالماء، فليس بضرورة، وليس هو بدل عن شيء، حيث إنه هو الأصل، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن ألحقناه بتطهر المستحاضة حيث إن المتيمم أكثر شبهًا بها لذلك، اشترطنا دخول الوقت، وهم ألحقوه بالمتطهر بالماء؛ لكونه أكثر شبهًا به عندهم وهذا يسمى: "قياس الشبه".
(^٤) مسألة: يباح التيمُّم إذا خاف من استعماله على نفسه الهلاك، أو خاف على جسده الضرر، أو خاف على ماله من نقصان - فيما لو لم يجد الماء إلا بثمن =
[ ١ / ٢٢٢ ]
ودلو، بثمن مثل، أو زائد يسيرًا فاضل عن حاجته، واستعارة الحبل والدلو، وقبول الماء قرضًا وهبة، وقبول ثمنه قرضًا إذا كان له وفاء، (^٥) ويجب بذله لعطشان ولو
زائد - أو خاف الضرر بسبب البحث عنه على نفسه أو نسائه أو أولاده أو ماله، أو رفقائه، أو جيرانه، لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ حيث إن هذا مطلق في أي آلة يُقتل بها، فيحرم على المسلم استعمال ماء يغلب على ظنه الهلاك بسببه، أو هلاك غيره، وقد استدل بهذه الآية عمرو بن العاص لما تيمم عن الغسل، وترك الماء مع وجوده في ليلة باردة، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وهذا عام، يشمل كل ما يضر المسلم أو غيره ممن يطلع عليه بأي ضرر؛ لأن "ضرر وضرار" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمسلم من أي ضرر يرجع إليه بسبب استعمال الماء: سواء كان هذا الضرر في بدنه، أو في بدن غيره، أو في ماله، أو مال غيره ممن حوله ويعلمهم، فشرع الله العبادات ليرحم بها عباده، لا ليعذبهم بها بأي ضرر، فإن قلتَ: لِمَ لم يجعل ذلك من شروط التيمُّم؟ قلتُ: لندرة وقوع ذلك.
(^٥) مسألة: يجب على المسلم أن يوفر كل ما يجلب له الماء، ويتسبب في إيجاده كحفر بئر، وحبل ودلو وإناء أو استعارها أو وهبت له، أو شراء الماء لنفسه إذا كان ذلك بثمن المثل دون زيادة، أو اقترض ثمنه، أو وجدت زيادة قليلة لا تضر بماله، ويقدر على الوفاء بسهولة؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ حيث دل منطوق ذلك على أن العادم للماء، ينتقل إلى التيمُّم، والقادر - دون ضرر - على إيجاد ما يجلب له الماء بأي شيء مما ذكر: يسمى واجدًا للماء، فلا يحل له أن يتيمم، فإن قلتَ: لِمَ وجب ذلك؟ قلتُ: لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
[ ١ / ٢٢٣ ]
نجسًا (^٦) (ومن وجد ماء يكفي بعض طُهره) من حدث أكبر أو أصغر: (تيمم بعد استعماله) ولا يتيمم قبله (^٧) ولو كان على بدنه نجاسة، وهو محدث: غسل النجاسة،
(^٦) مسألة: إذا كان معه ماء يكفي لتطهره، ووجد آدميًا عطشانًا - مسلمًا أو كافرًا - فإنه يجب إعطاؤه لهذا الشخص، ويتيمم؛ للقياس، بيانه: كما أنه يجب إنقاذ الغريق أو الحريق ولو خرج الوقت، فكذلك يجب ترك التطهر بالماء لإنقاذ ذلك العطشان والجامع: أن كلًا منهما فيه ترك شرط من شروط الصلاة من أجل إنقاذ هلكى، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة، ودفع المفسدة مقدَّم على جلب مصلحة التطهر بالماء، ولو كان المبذول له الماء نجسًا كالكافر؛ للقياس الأولى: بيانه: أن امرأة بغيًَّا قد جلبت ماء لكلب قد عطش فشكر الله لها فغفر الله لها، فإذا كان ذلك في الكلب وهو نجس فإنه يكون في الآدمي العطشان أولى.
(^٧) مسألة: إذا كان معه ماء يكفي غسل بعض أعضاء الوضوء في الحدث الأصغر، أو يكفي غسل بعض بدنه في الحدث الأكبر: فيجب عليه أن يستعمله في هذا البعض، ثم يتيمم للباقي الذي لم يغسله ولا يتيمم قبل استعمال هذا الماء؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا عام؛ لأن "ما" الموصولة من صيغ العموم فيشمل ما نحن فيه؛ حيث إن الواجد لبعض الماء يستطيع أن يستعمله، فيجب عليه هذا الاستعمال؛ لأن الأمر مطلق وهو للوجوب، فإذا انتهى الماء يتيمم للباقي، لكون ذلك غاية استطاعته، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة امتثال أوامر الشارع، ومراعاة حال المسلم، فإن قلتَ: لِمَ لا يجوز التيمُّم قبل استعمال الماء هنا؟ قلتُ: لأن التيمُّم لا يصح إلا إذا تحقق شرط: عدم الماء - كما سبق في مسألة (٣) - وباستعماله للماء أولًا يتحقق هذا الشرط.
[ ١ / ٢٢٤ ]
وتيمم للحدث بعد غسلها، وكذلك: لو كانت النجاسة في ثوبه (^٨) (ومن جُرح) وتضرر بغسل الجرح أو مسحه بالماء: (تيمَّم له) ولما يتضرر بغسله مما قرب منه (وغسل الباقي) فإن لم يتضرر بمسحه: وجب وأجزأ، وإن كان جرحه ببعض أعضاء وضوئه: لزمه إذا توضأ مراعاة الترتيب فيتيمم له عند غسله لو كان صحيحًا، ومراعاة الموالاة فيُعيد غسل الصحيح عند كل تيمم بخلاف غسل الجنابة فلا ترتيب فيه، ولا موالاة (^٩) (ويجب) على من عدم الماء إذا دخل وقت الصلاة: (طلب الماء في
(^٨) مسألة: إذا وُجدت نجاسة على بدنه أو ثوبه، وكان عليه حَدَث، ومعه ماء يكفي أحدهما فقط: فإنه يجب أن يغسل به النجاسة، ويتيمم لحدثه؛ للمصلحة؛ حيث إن النجاسة تنتشر في سائر البدن، بخلاف الحدث فهو حاصل دون انتشار، فتُغسل النجاسة دفعًا لمفسدة انتشارها ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
(^٩) مسألة: إذا وُجد جرح أو كسر بأيَّ عضو من أعضاء الوضوء، أو بأي بقعة من البدن، وغلب على ظنه أنه سيتضرر إذا غسل الجرح أو الكسر بالماء - في الحدث الأصغر أو الأكبر -: فإنه لا يغسله، بل يمسحه مسحًا خفيفًا بكفٍّ مبلل بالماء، ويغسل الباقي ولا يتيمم - كما قلنا في المسح على الجبيرة - فإن غلب على ظنه أنه سيتضرر بالمسح عليه: فإنه يتركه بلا غسل ولا مسح، ويتيمم له، ويغسل الباقي: سواء تيمم له قبل أو بعد استعمال الماء، وسواء رتب التيمُّم مع الغسل أو لا، وسواء راعى شرط الموالاة بين الأعضاء: بأن غسل الصحيح عند كل تيمم أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: - في حديث صاحب الشجة - "إنما يكفيه أن يتيمَّم ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليه ثم يغسل سائر جسده" والحدث الأصغر كالحدث الأكبر؛ لعدم الفارق في هذا من باب "مفهوم الموافقة"، ولم يُشترط شيء في ذلك، بل أُطلق الأمر هنا، وهذا يشمل كل ما ذكرناه، وهذا فيه دفع الضرر عن العباد، وهذا مقصد من مقاصد =
[ ١ / ٢٢٥ ]
رحله): بأن يُفتش في رَحْلِه ما يمكن أن يكون فيه (و) في (قربه) بأن ينظر خلفه، وأمامه، وعن يمينه، وعن شماله، فإن رأى ما يشك معه في الماء: قصده فاستبرأه، ويطلبه من رفيقه: فإن تيمم قبل طلبه: لم يصح ما لم يتحقق عدمه (و) يلزمه أيضا طلبه (بدلالة) ثقةً إذا كان قريبًا عرفًا، ولم يخف فوت وقت ولو المختار، أو رفقة، أو على نفسه أو ماله (^١٠) ولا يتيمم لخوف فوت
الشريعة فإن قلتَ: يشترط الترتيب والموالاة بين التيمم وغسل الأعضاء في الوضوء، - وهو ما ذكره المصنف - قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، بل الدليل على خلافه - وهو حديث صاحب الشجة، والمصلحة؛ حيث إن في هذا الشرط مشقة على العباد ولا يأمر الشارع بما فيه مشقة، قال ابن تيمية: "إن الفصل بين أعضاء الوضوء بالتيمم بدعة".
(^١٠) مسألة: يتحقق عدم وجود الماء؛ ليتيمم بطرق: أولها: أن يبحث عن الماء في الأواني التي يُحفظ فيها الماء عادةً في بيته أو رحله، ثانيها: أن يبحث عنه فيما يقرب منه: عن يمينه، وشماله، وأمامه وخلفه، ثالثها: أن يطلبه ممن تلزمه نفقته، أو رفيقه في الطريق، رابعها: أن يسأل ثقة يستطيع أن يدله عليه، فإذا لم يجد ماء بعد فعله لهذه الطرق: فإنه يتيمم، ولكن يشترط في ذلك: أن لا يخاف فوات وقت الصلاة الاختياري أو الاضطراري - في وقت العصر كما سيأتي بيانه - فإن خاف هذا، أو خاف فوات رفقته، أو خاف على نفسه، أو ماله، أو أهله بسبب فعله لهذه الطرق، أو بعضها: فإنه يتيمم ويصحُّ ذلك بدون فعل أي شيء من تلك الطرق؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وإذا فعل تلك الطرق ولم يجده بعدها: فهو عادم للماء، فيصح تيممه، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا =
[ ١ / ٢٢٦ ]
جنازة، (^١١) ولا وقت فرض، إلا إذا وصل مسافر إلى الماء وقد ضاق الوقت، أو علم أن النوبة لا تصل إليه إلا بعده، أو علمه قريبًا وخاف فوت الوقت إن قصده، (^١٢) ومن باع الماء أو وهبه بعد دخول الوقت، ولم يترك ما يتطهر به: حرم، ولم
منه ما استطعتم" وهذه الطرق الأربعة هي غاية ما يستطيعه، فإذا لم يجد الماء بعد فعلها: صدق عليه أنه عادم للماء، ومعلوم: أنه لا يستطيع طلب الماء مع أنه يتسبب في أي ضرر من الأضرار عليه؛ تحقيقًا لقوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" - وقد سبق ذلك في مسألة (٤) - فإن قلتَ: لِمَا اشترط: عدم خوفه من فوات الوقت، أو خوفه على شيء مما عنده؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحث على الصلاة في وقتها، ودفع الضرر عنه.
(^١١) مسألة: يباح التيمم لصلاة الجنازة لمن خاف فواتها بالتشاغل بطلب الماء، أو الوضوء؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر قد تيمم وصلى على الجنازة، فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحصيل للثواب، ونفع الميت، فإن قلتَ: لا يباح التيمم هنا - وهو ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، بل هو مخالف لفعل الصحابي والمصلحة.
(^١٢) مسألة: يُباح التيمُّم إذا خشي خروج وقت صلاة الفرض بسبب تشاغله بالتطهر بالماء الذي عنده، أو وصل إلى الماء بعد أن ضاق وقتها، وخشي إن تشاغل بالتطهر، أو بسحب الماء من البئر أن يخرج الوقت، أو علم أن حصته من الماء لن تصل إليه في الوقت، أو رأى الماء بعيدًا أو قريبًا وخشي إن طلبه يخرج الوقت؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهذا الشخص في تلك الصور لم يستطع التطهر بالماء في وقت الصلاة، فيصدق عليه: أنه غير واجد للماء في وقت الصلاة، فيلزم منه: وجود شرطي التيمُّم وهما: "دخول وقت الصلاة" و"عدم الماء، أو العجز عن استعماله" - كما =
[ ١ / ٢٢٧ ]
يصح العقد، ثم إن تيمم وصلى: لم يُعد إن عجز عن رَدِّه (^١٣) (فإن) كان قادرًا على
سبق في مسألة (٣ و٤) - وإذا وُجد شرطا التيمم: أبيح، فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يجعله يصلي في الوقت؛ لأن الشارع قد اهتم بإيقاع الصلاة بوقتها أكثر من اهتمامه بالتطهر، - كما سبق ذلك في مسألة (١) - فإن قلتَ: لا تسلم الصورة الأولى؛ حيث إنه إذا خاف فوات وقت فرض وعنده ماء، وخشي إن تشاغل بالتطهر به أن يخرج هذا الوقت: فإنه يجب عليه التطهر به وإن خرج وقت الفريضة، ولا يتيمم؛ حرصًا على الصلاة في الوقت - هذا ما ذكره بعض العلماء منهم المصنف هنا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهذا واجد للماء فلا يجوز له التيمُّم؛ لفقدان شرطه، قلتُ: إن الواجد للماء مع عدم قدرته على استعماله والصلاة في وقتها هذا يُسمى واجدًا للماء لكنه عاجز عن استعماله قبل خروج وقت الصلاة فهو كالمريض العاجز عن استعمال الماء أنه يمكن أن يُشفى بعد خروج الوقت، وكالشخص الذي وصل إلى الماء لكن خشي إن اشتغل بسحبه أن يخرج الوقت، فلا فرق بين الصور، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الواجد للماء مع عدم قدرته على استعماله والصلاة في وقتها هل يُسمى واجدًا للماء حقيقة أو لا؟ " فعندنا: لا يسمى واجدًا حقيقة، وعندهم: يسمى واجدًا حقيقة، وهو خلاف في المراد من الوجدان الوارد في الآية.
(^١٣) مسألة: إذا باع زيد ما عنده من الماء بعد دخول وقت الصلاة لبكر أو وهبه له - لا للشرب -: فإن ذلك حرام، والعقد غير صحيح، فلا يحل لبكر أن يتطهر به إذا علم الحال؛ لكونه مقبوضًا بعقد فاسد، وعلى زيد أن يردَّ ذلك الماء الذي باعه ويتطهر به، فإن عجز عن ذلك: فإنه يتيمم ويصلي ولا يُعيد وإن ردَّه بعد الصلاة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من استطاعته لردِّ الماء الذي باعه: عدم صحة =
[ ١ / ٢٢٨ ]
الماء لكن (نسي قدرته عليه) أو جهله بموضع يمكن استعماله (وتيمم) وصلى: (أعاد)؛ لأن النسيان لا يُخرجه عن كونه واجدًا، وأما من ضل عن رحله وبه الماء وقد طلبه، أو ضل عن موضع بئر كان يعرفها وتيمم وصلى: فلا إعادة عليه؛ لأنه حال تيممه لم يكن واجدًا للماء (^١٤) (وإن نوى بتيممه أحداثًا) متنوعة توجب وضوءًا أو غُسْلًا: أجزأه عن الجميع، وكذا: لو نوى أحدها، أو نوى بتيممه
تيممه؛ لوجود الماء، ويلزم من عدم استطاعته لردِّه: صحة تيممه؛ لتوفر شرطيه وهما: "دخول الوقت" و"عدم الماء أو العجز عن استعماله".
(^١٤) مسألة: إذا كان عنده ماء، ولكنه ضلَّ عنه، أو نسي أنه يقدر على توفيره، أو نسي أو جهل موضعه وحضرت الصلاة: فإنه يتيمم ويصلي، فإن استطاع على توفير ذلك الماء بعد فراغه من الصلاة: فلا يعيدها ولو كان الوقت لم يخرج؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وهو حال تيممه وصلاته: لم يكن واجدًا للماء، فيصح تيممه وصلاته بذلك التيمُّم؛ لتوفر شرطي التيمُّم، فإن قلتَ: لِمَ لا يعيد صلاته هنا؟ قلتُ: لكونه فعل ما شُرع له فعله، ولدفع المشقة، فإن قلتَ: إذا نسي قدرته على الماء، أو جهله ثم تيمم وصلى، ثم قدر عليه ووجده: فإنه يتوضأ ويعيد الصلاة - وهو قول بعض العلماء، وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث إن هذا يُعتبر واجدًا للماء فلم يتوفر شرط التيمُّم، فيلزم عدم صحة تيممه، وصلاته به، قلتُ: بل توفر شرط التيمُّم حال تيممه - وهو عدم وجود الماء لنسيانه له أو جهله بمكانه - فصح التيمم لذلك، فإن قلتَ: ما سبب هذا الخلاف؟ قلتُ: سببه: "النسيان والجهل بموضع الماء أو القدرة عليه هل يُخرجه عن كونه واجدًا أو لا؟ " فعندنا: يُخرجه حقيقة عن كونه واجدًا حال تيممه، وعندهم: لا يُخرجه حقيقة، وهذا أيضًا خلاف في المراد من الوجدان الوارد في الآية.
[ ١ / ٢٢٩ ]
الحدثين، (^١٥) ولا يكفي أحدهما عن الآخر (^١٦) (أو) نوى بتيممه (نجاسة على بدنه تضرُّه إزالتها، أو عُدِم ما يُزيلها) به (أو خاف بردًا) ولو حضرًا مع عدم ما يُسخِّن به الماء بعد تخفيفها ما أمكن وجوبًا: أجزاء التيمُّم لها؛ لعموم: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (^١٧) (أو حُبسَ في مصر) فلم يصل الماء، أو حُبسَ عنه الماء:
(^١٥) مسألة: إذا كان عليه عدة أحداث توجب وضوءًا - كبول وغائط -، أو عليه عدة أحداث توجب غسلًا - كجنابة وحيض - ولم يجد ماء: فإنه يتيمم عنها جميعًا تيممًا واحدًا، وتصح صلاته بذلك، ولا يعيد ذلك بشرط: أن ينوي به كل تلك الأحداث ويقصدها، وكذلك مثله: لو نوى بهذا التيمُّم إباحة الصلاة دون تعيين، أو نوى الحدثين - الأكبر والأصغر - معًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى" والنية هنا كالنية في الوضوء والغسل كما سبق في مسألة (١٩) من باب "فروض الوضوء" ومسألة (٢٣) من باب "الغُسل".
(^١٦) مسألة: إذا كان عنده حدث أصغر، وحدث أكبر فنوى بتيممه: الحدث الأكبر فقط، أو نوى به الحدث الأصغر فقط: فإن نيته عن الأكبر لا تكفي عن الأصغر، ونيته عن الأصغر لا تكفي عن الأكبر، فلا بد من إحضارهما في الذهن معًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" فالعمل لا يصح إلا إذا نُوي وقُصد، وهنا نوى أحدهما دون الآخر، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن التيمُّم لا يرفع الحدث حقيقة، لكنه يُبيح الصلاة، ويُبيح ما لا يُباح إلا بطهارة كالطواف، ومس المصحف، فلا بد من قصده بالنية.
(^١٧) مسألة: يشرع التيمم للنجاسة، فلو سقطت نجاسة من بول أو غائط - على جُرح وخشي من إزالتها: الضَّرر، أو سقطت على بدنه ولم يجد ماء يزيلها به: فعليه تخفيف تلك النجاسة على حسب قدرته، ثم يتيمم لها، =
[ ١ / ٢٣٠ ]
(فتيمم): أجزأه (^١٨) (أو عدم الماء والتراب) كمن حبس بمحل لا ماء فيه
= ويصلي ولا يعيد، وينوي أن هذا التيمم عن تلك النجاسة؛ للسنة القولية؛ قال ﷺ: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، وقوله: "الصعيد الطيب طهور المسلم" وغيرهما من النصوص الواردة في التيمم؛ حيث إنها عامة للتيمم عن الحدث وعن النجس ولم يوجد مخصص يخصها بالحدث، والأصل: إعمال العموم حتى يرد ما يخصصه؛ استصحابًا، فإن قلتَ: إنه لا يُتيمم للنجاسة - وهو قول كثير من العلماء -؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود من غسلها: إزالة النجاسة فيلزم عدم صحة التيمم لها؛ لأن التيمم لا تحصل به إزالتها قلتُ: التيمم شُرع - في الأصل - لاستباحة الصلاة فقط، ولا يُزيل الحدث حقيقة بدليل: أنه لو وجد الماء بعد التيمم بطل التيمم، وهو كذلك لا يزيل النجس فاستوى الحدث والنجس في ذلك. [فرع]: لا يشرع التيمم عن النجاسة الساقطة على الثوب، أو على الأرض إذا أراد أن يصلي بذلك الثوب، أو على تلك الأرض، بل يصلي على حسب حاله، ولا يعيد؛ للإجماع على ذلك، فإن قلتَ: لِمَ لا يشرع هنا؟ قلتُ: لدفع المشقة عن الناس. [فرع ثاني]: إذا لم يستطع استعمال الماء لبرودته، أو حرارته، أو خاف الضرر من استعمالهما، ولم يكن عنده ما يسخن به البارد، ولا ما يبرد به الحار: فإنه يتركهما ويتيمم، ويصلي ولو كان مقيمًا، ولا يعيد صلاته ولو وجد الماء المناسب بعد ذلك؛ وهو داخل ضمن مسألة (٤).
(^١٨) مسألة: إذا حبس في مكان فلم يستطع الوصول إلى الماء، أو منع عنه الماء: فإنه يتيمم ويصلي، ولا يعيد، ولو وجده بعد الفراغ منها؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ حيث إن شرط التيمم قد وجد، وهو هنا: عدم وجود الماء حال تيممه فيلزم صحة التيمم.
[ ١ / ٢٣١ ]
ولا تراب، وكذا: من به قروح لا يستطيع معها لمس البشرة بماء ولا تراب: (صلى) الفرض فقط على حسب حاله (ولم يُعِدْ)؛ لأنه أتى بما أمر به فخرج عن عهدته، (^١٩) ولا يزيد على ما يجزيء في الصلاة: فلا يقرأ زائدًا على الفاتحة، ولا يسبح غير مرة، ولا يزيد في طمأنينة ركوع أو سجود، وجلوس بين السجدتين، ولا على ما يجزيء في التشهدين، (^٢٠) وتبطل صلاته بحدث ونحوه
(^١٩) مسألة: إذا لم يجد ماء ولا ما يتيمم به، أو وجدهما ولكن لا يستطيع استعمالهما بسبب قروح أو جروح: فإنه لا يستعمل أي واحد منهما، ويصلي على حسب حاله ولا يعيدها، ولو وجد أحدهما بعد فراغه منها؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ حيث دل مفهوم التقسيم من هذه الآية على أنه إذا فقد الماء والتراب لا يستعمل غيرهما في الطهارة، بل يصلي على حسب حاله، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الفاقد لستر العورة يصلي عريانًا على حسب حاله، فكذلك الفاقد لأحد الطهورين يصلي على حسب حاله والجامع: أنه في كل منهما قد عجز عن توفير شرط الصلاة فيسقط بذلك، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن هذا منتهى ما يستطيع فعله مما أمر به فخرج عن العهدة، أصله قوله تعالى:؟ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقوله ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
(^٢٠) مسألة: صفة صلاة من صلى بلا تطهر بماء ولا تيمم: هي: أن يقتصر على أركان الصلاة وواجباتها فقط: بأن يعتدل قائمًا، ويكبر تكبيرة الإحرام، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يكبر تكبيرة الركوع، ثم يقول: "سبحان ربي العظيم" مرة واحدة، ثم يرفع منه قائلًا: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد"، ثم يكبر تكبيرة السجود، ثم يسجد على الأعضاء السبعة، ويقول: "سبحان ربي الأعلى" مرة واحدة، ثم يرفع منه، ويجلس بين السجدتين قائلًا: "ربي اغفر =
[ ١ / ٢٣٢ ]
فيها، (^٢١) ولا يؤم متطهرًا بأحدهما (^٢٢) (ويجب التيمم بترابط): فلا يجوز التيمم برمل، وجصًّ، ونحيت الحجارة ونحوها (^٢٣)
= لي" مرة واحدة، ثم يسجد السجدة الثانية، ثم يقوم من تلك السجدة ويعتدل قائمًا، ثم يفعل ذلك في كل صلاته، ويطمئن في الكل، ثم يجلس للتشهد الأول، ثم يجلس للتشهد الثاني والأخير وهو الذي قبل التسليم - ثم يُسلِّم؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المصلي عريانًا يقتصر على أركان الصلاة وواجباتها فقط، فكذلك فاقد الطهورين يصلي مثله، والجامع: أن كلا منهما قد فقد شرطًا من شروط الصلاة فيقتصر على المجزيء منها. فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن هذا هو المناسب لحاله؛ حيث لا يليق أن يطيل المناجاة وهو على غير طهارة.
(^٢١) مسألة: يُبطل صلاة من صلى بلا ماء ولا تيمم: كلُّ ما يبطل صلاة من صلى بأحدهما، من حَدَث، أو أكل، أو شرب، أو كلام؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الصلاة بالطهارة بأحدهما تبطل بذلك فكذلك الصلاة بدونهما والجامع: أن كلا منهما يُسمَّى صلاة، فلا يناسبها مبطلاتها، وهذا هو المقصد من ذلك.
(^٢٢) مسألة: إذا لم يجد ماء، ولا ما يتيمم به: فلا يصح أن يكون هذا إمامًا لمن وجد أحدهما واستعمله، ولو أمَّه غير الواجد: لما صحت الصلاة؛ للقياس؛ بيانه: كما لا تصح إمامة العريان لمن وجد سترة فكذلك لا تصح إمامة فاقد الطهورين لمن وجد أحدهما والجامع: أن كلًا من العريان والفاقد للطهورين أنقص من واجد السترة وأحد الطهورين، والناقص لا يكون إمامًا للأكمل منه، وهذا هو المقصد منه.
(^٢٣) مسألة: يباح التيمم بكل ما كان من جنس الأرض سواء كان ترابًا وهو: تراب الحرث - أو رملًا، أو سباخًا، أو نحيت حجارة أو نحو ذلك؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾؛ حيث إن هذا مطلق، فلم يقيد بتراب ولا غيره - كما قال الزجاج -؛ لأن لفظ "صعيد" نكرة في سياق =
[ ١ / ٢٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الإثبات، وهو من صيغ المطلق، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" وهو عام لكل ما فوق الأرض من تراب وغيره؛ لأن لفظ "الأرض" اسم جنس معرف بأل، وهذا من صيغ العموم، ثانيهما: قوله ﷺ "الصعيد الطيب طهور المسلم"، وهذا عام، فيشمل كل ما صعد وعلا على الأرض من تراب وغيره، لأن لفظ "الصعيد" اسم جنس معرف بأل، وهو من صيغ العموم، الثالثة: الإجماع؛ حيث كان الصحابة إذا أدركتهم الصلاة ولم يجدوا ماء: فإنهم يتيممون بالأرض التي كانوا يصلون عليها سواء كانت ترابًا أو لا، ولم ينقل عن واحد منهم أنه نقل التراب معه مع ما يغلب على الظن كثرة الرمال ونحيت الأحجار في طرق سفرهم، فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس؛ لأن تخصيص التراب فقط لإباحة التيمم به فقط فيه ضيق ومشقة على أكثر الناس، فإن قلتَ: إنه يشترط التيمم بالتراب فقط؛ فلا يجوز التيمم بغيره من رمل أو جص ونحوهما - وهذا قول بعض العلماء وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا" حيث إن مفهوم الصفة قد دل على أن غير التراب - مما يوجد فوق الأرض - لا يتيمم به، وهذا قد خصص عموم حديث: "جعلت لي الأرض مسجدا" حيث إن هذا من باب: "تخصيص العام بذكر بعض أفراده"؛ لكون التراب يعتبر بعضا من الأرض، قلتُ: لا يُسلم لكم جواز تخصيص العام بذكر بعض أفراده؛ لأن المخصِّص يجب أن يكون منافيًا للعام، وذكر بعضه بحكم العام غير منافٍ له فحكمهما واحد فامتنع التخصيص؛ لعدم وجود ما يقتضيه، وقد فصلت الكلام عن هذا في كتابي: "المهذب" وهذا مذهب الجمهور، فإن قلتَ: لِمَ خص "التراب" بالذكر في الحديث مع جواز التيمم بكل ما كان على الأرض؟ قلتُ: لبيان فضل التراب على غيره إذا أمكن الحصول عليه وعلى غيره، فذكره الشارع؛ للاهتمام به، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل يُخصَّص العام بذكر بعض أفراده؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
[ ١ / ٢٣٤ ]
(طهور): فلا يجوز بتراب تُيمم به؛ لزوال طهوريته باستعماله، (^٢٤) وإن تيمم جماعة من مكان واحد: جاز كما لو توضأوا من حوض واحد يغترفون منه (^٢٥) ويُعتبر أيضًا: أن يكون مباحًا، فلا يصح بتراب مغصوب، (^٢٦) وأن يكون (غير
(^٢٤) مسألة: يُشترط فيما يُتيمم به: أن يكون طهورًا، وهو: الطاهر في نفسه المطهر لغيره - وعليه: فلا يجوز التيمُّم بشيء نجس كالشيء الذي وقع فيه بول أو غائط ونحو ذلك ولا بشيء قد تيمم به رجل ناويًا إباحة الصلاة بذلك؛ لارتفاع طهوريته بسبب استعماله؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ والمراد من الطيب هنا هو: الطهور، ودل مفهوم الصفة منه على: أن غير الطهور لا يتيمم به، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "الصعيد الطيب طهور المسلم" ويقال فيه كما قيل في الآية، الثالثة: القياس، بيانه: كما أنه يُشترط في الماء الذي يُتطهر به: أن يكون طهورًا فكذلك ما يُتيمم به يُشترط فيه ذلك، والجامع: أن كلًا منهما يُسمى طهارة تُشترط للصلاة، فلا تصح إلا بما وُصف بطهوريته، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: لأن "الطهور" من ماء أو تراب أو غيره هو المناسب للعبادة، لكونه أشرف ما على الأرض، أما غيره من نجس وغيره: فتستقذره النفوس السليمة، وما كان كذلك: لا يُتعبد به.
(^٢٥) مسألة: يُباح أن يتيمم جماعة من موضع واحد كبير؛ للقياس، بيانه: كما يُباح وضوء جماعة من حوض كبير؛ فكذلك التيمُّم مثله، والجامع: الطهورية في كل، فإن قلتَ: لِمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير.
(^٢٦) مسألة: لا يصح التيمُّم بشيء غير مباح كمغصوب أو مسروق إذا كان واجدًا غيره، للقياس، بيانه: كما لا يصح التطهر بالماء المغصوب والمسروق إذا كان واجدًا غيره فكذلك التيمُّم مثله، والجامع: أنه في كل منهما قد عصي بفعله =
[ ١ / ٢٣٥ ]
محترق) فلا يصح بما دُقَّ من خزفٍ ونحوه، (^٢٧) وأن يكون (له غبار)؛ لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ فلو تيمم على لُبَد، أو ثوب، أو بساط، أو حصير، أو حائط، أو صخرة أو حيوان، أو برذعته، أو شجر، أو خشب، أو عدل شعير ونحوه مما عليه غبار: صح، وإن اختلط التراب بذي غبار غيره كالنَّورة فكماء خالطه طاهر (^٢٨)
= والمعصية لا يتقرب بها إلى الله، فلا تكون طاعة فإن قلتَ: لِمَ لا يصح التيمم هنا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع من الاعتداء على حقوق الآخرين وحمايتهم من الظلم، وقد بينت ذلك في مسألة "الصلاة في الدار المغصوبة وهي (٤٩) " من باب "شروط صحة الصلاة" الآتي.
(^٢٧) مسألة: يُباح التيمُّم بكل ما كان فوق الأرض، أو من جنسها، سواء كان قد احترق فَدُقَّ أو لا، لقواعد من الكتاب، والسنة والإجماع وقد سبق ذكرها في مسألة (٢٣)، فإن قلتَ: يُشترط أن يكون المتيمَّم به غير محترق فَدُقَّ، فلا يصح التيمُّم بالخزف، أو النورة، أو الآجر، أو الطين، أو أي شيء طبخ ثم دقَّ - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وترابها طهورًا"، فخصَّص التيمم بالتراب فقط، وهذا قد خصَّص عموم قوله ﷺ: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" من باب تخصيص العام بذكر بعض أفراده، قلتُ: قد سبق بيان "أن العام لا يخصص بذكر بعض أفراده" في مسألة (٢٣)، فلا داعي لتكراره.
(^٢٨) مسألة: يُباح التيمُّم بكل ما كان فوق أو صعد على الأرض سواء كان له غبار أو لا، فلا يشترط أن يكون المتيمَّم به له غبار؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ حيث إن "منه" لابتداء الغاية والمراد: أن مبدأ ذلك المسح كائن من الصعيد الطَّيِّب، وهذه الآية عامة، لم تُقيِّد الممسوح به بأن يكون له غبار، ويكون اشتراط التيمُّم بما له غبار فيه حرج، وهذا مخالف للآية؛ لأن =
[ ١ / ٢٣٦ ]
(وفروضه) أي: فروض التيمُّم: (مسح وجهه) سوى ما تحت شعره ولو خفيفًا وداخل
= الآية نفت عموم الحرج عن الأمة؛ لأن لفظ "حرج" نكرة في سياق نفي، وهذا من صيغ العموم القطعية؛ لأن النكرة مسبوقة بـ "مِنْ" الجارَّة؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل" فهنا قد أوجب الصلاة بالتيمم - إن لم يجد الماء -؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وهو مطلق في الأمكنة والصفات؛ إذ لم يُقيد بما له غبار أو لا، الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ لما ضرب بيديه الأرض نفخ فيهما" ويلزم من النفخ إزالة الغبار، وهذا يدل على عدم اشتراط الغبار هنا، فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذلك مطلقًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو اشترط وجود الغبار فيما يُتيمم به: للحق كثيرًا من الناس حرج وضيق ومشقة؛ لقلة ما له غبار، فإن قلتَ: يُشترط أن يكون المتيمَّم به له غبار يعلق بباطن الكفين - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ فيلزم من لفظ "منه" أن يكون الممسوح به له غبار قد عَلُق باليد؛ لأن حرف مِنْ هنا للتبعيض، قلتُ: لا يُسلَّم أن "مِنْ" للتبعيض، بل هو لابتداء الغاية، وقد سبق بيانه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: حرف "مِنْ" الواردة في الآية هل هي للتبعيض فيُقيد ذلك السنة القولية والفعلية، أو هو لابتداء الغاية فلا يُقيد شيئًا، فعندنا: حرف لابتداء الغاية، وعندهم: حرف تبعيض، تنبيه: قوله: "وإن اختلط التراب بذي غبار غيره" هذا قد بناه المصنف على مذهبه وهو: اشتراط كون المتيمَّم به ترابًا له غبار، فلو اختلط به غيره مما لا يُتيمم به في نظره: فلا يُتيمم به؛ قياسًا على ماء طهور اختلط به ماء طاهر، وهذا الشرط غير صحيح - كما سبق - وقياسه هذا فاسد؛ لأنه مع الفارق؛ حيث إن الماء الطاهر قد ثبتت أدلة بعدم جواز التطهر به، أما غير التراب: سواء له غبار أو لا فقد ثبتت أدلة بجواز التيمُّم به كما سبق في هذه المسألة، ومسألة (٢٣).
[ ١ / ٢٣٧ ]
فم وأنف فيُكره (و) مسح (يديه إلى كوعيه)؛ لقوله ﷺ لعمَّار: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه" متفق عليه (و) كذا (الترتيب) بين مسح الوجه واليدين (والموالاة) بينهما: بأن لا يؤخر مسح اليدين بحيث يجف الوجه لو كان مغسولًا، فهما فرضان (في) التيمُّم عن (حدث أصغر) لا عن حدث أكبر، أو نجاسة ببدن؛ لأن التيمُّم مبني على طهارة الماء (^٢٩) (وتشترط النية لما يُتيمم له) كصلاة، أو طواف أو غيرهما (من
(^٢٩) مسألة: فروض التيمُّم عن الحدث الأكبر - كجنابة - وعن نجاسة لاصقة ببدن اثنان: أولهما: مسح الوجه مسحًا خفيفًا، دون أن يمسح ما تحت الشعر، أو داخل الأنف أو الفم، وإن مسح ذلك: جاز مع الكراهة، ثانيهما: مسح اليدين إلى الكوعين ظاهرهما وباطنهما، وهذا بدون "ترتيب" ولا "موالاة" وفروض التيمُّم عن الحدث الأصغر - من بول ونحوه - أربعة: أولها: مسح الوجه - كما سبق - ثانيها: مسح اليدين - كما سبق، ثالثها: الترتيب بأن يمسح الوجه ثم اليدين، رابعها: الموالاة: بأن يمسح اليدين بعد مسح الوجه مباشرة بدون تأخير بحيث لا يجف الوجه فيما لو غسل بالماء؛ لقواعد الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ حيث أوجب الشارع مسح الوجه واليدين؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ولفظ "الواو" التي في قوله: "وأيديكم" عاطفة أفادت الترتيب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ: لما علَّم عمَّارًا التيمُّم: "ضرب بيديه الأرض مرة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه" فيلزم من ذلك وجوب مسح ظاهر الكفين وباطنهما، الثالثة: القياس، بيانه: كما كان الترتيب والموالاة فرضين من فروض الوضوء فكذلك يكونا كذلك في التيمُّم عن الحدث الأصغر، والجامع: أن كلا منهما طهارة عن الحدث الأصغر، فإن قلتَ: لِمَ كان مسح الوجه واليدين من فروض التيمُّم في الحدثين؟ قلتُ: لأن الوجه =
[ ١ / ٢٣٨ ]
حدث أو غيره) كنجاسة على بدن، فينوي استباحة الصلاة من الجنابة والحدث إن كانا أو أحدهما، أو عن غسل بعض بدنه الجريح ونحوه؛ لأنها طهارة ضرورية فلم ترفع الحدث، فلا بد من التعيين؛ تقوية لضعفه، ولو نوى رفع الحدث: لم يصح (فإن نوى أحدها) أي: الحدث الأصغر أو الأكبر أو النجاسة على البدن: (لم يُجزئه عن الآخر)؛ لأنها أسباب مختلفة، ولحديث: "وإنما لكل امريء ما نوى"، وإن نوى جميعها: جاز؛ للخبر، وكل واحد يدخل في العموم فيكون منويًا (^٣٠) (وإن
= أشرف ما في الإنسان، فهو أقرب ما يكون إلى الله عند المناجاة، واليدان يليانه في الشرف؛ لتقدمهما، والتكبير بهما ونحو ذلك، فإن قلتَ: لِمَ كان الترتيب والموالاة فرضين للتيمم عن الحدث الأصغر دون الأكبر والنجاسة؟ قلتُ: قياسًا على التطهر بالوضوء عن الحدث الأصغر فيشترطان فيه، والتطهر بالغسل عن الحدث الأكبر، فلا يشترطان في الغسل وتطهير النجاسة؛ لذلك لا يشترطان في التيمُّم عنهما فإن قلتَ: لِمَ كره مسح ما تحت الشعر، وداخل الأنف والفم؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع الأذى والضرر عن المسلم.
(^٣٠) مسألة: تشترط النية في التيمُّم، بأن ينوي بهذا التيمُّم استباحة الصلاة، أو الطواف، أو مس المصحف، أو قراءة القرآن، وأن يعين الصلاة التي يريد أن يتيمم لها كالظهر مثلًا، أو نافلة، ولا ينوي رفع الحدث بهذا التيمُّم، وأن ينوي أنه تيمم عن حدث أصغر، أو أكبر، أو عن نجاسة في بدن، أو ينويها جميعًا، فلا بد من تلك النيات، فإن نوى بتيممه أنه عن حدث أصغر، فلا يجزيء عن أكبر، وإن نوى أنه عن حدث أكبر فلا يجزيء عن أصغر، وإن نوى انه عن نجاسة فلا يجزيء عن الحدثين وهكذا؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امريء ما نوى" فلا عمل صحيح شرعًا بلا نية، وهذا عام لجميع الطهارات: الوضوء، والغسل، والبدل عنهما وهو: التيمُّم، وجميع العبادات، فالنية: سرّ العبودية إما فرادى أو جميعا، ثانيهما: قوله ﷺ لعمرو بن =
[ ١ / ٢٣٩ ]
نوى) بتيممه (نفلًا): لم يصل به فرضًا؛ لأنه ليس بمنوي، وخالف طهارة الماء؛ لأنها
= العاص لما صلى بأصحابه بالتيمم عن جنابة -: "أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ " وهذا يدل على أن التيمُّم لا يرفع الحدث ولو نواه المتيمم، لأنه وصفه بأنه جنب، فلو كان التيمُّم رافعًا للحدث: لما وصفه بالجنب، لذلك لا بدّ من نية تقوي ذلك، فإن قلتَ: لِمَ اشترطت النية للتيمم؟ قلتُ: لأن التيمُّم لا يرفع الحدث، فالنية تقوي أن يكون مبيحًا لما لا يباح إلا بالتطهر كالصلاة ونحوها؛ لكون التراب لا صلة له برفع الحدث، وإنما شرع لتدرك الصلاة في وقتها، فلو كان التيمُّم رافعًا للحدث لاستوى الماء والتراب، وهذا لم يقله أحد كما ذكره ابن عبد البر وقد سبق بيان ذلك في مسألة: (١٥ و١٦ و١٧)، فإن قلتَ: ينوي رفع الحدث بذلك التيمُّم، وهو قول أبي حنيفة، وبعض الحنابلة، كابن تيمية وصحَّحه ابن عثيمين؛ للقياس، بيانه: كما ينوى في التطهر بالماء رفع الحدث فكذلك التيمُّم مثله، والجامع: تسمية كل منهما بالطهور؛ قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الطهارة بالتيمم طهارة ضرورة، كأكل الميتة للمضطر، وكطهارة المستحاضة، قد شرعه الله بدلًا من الماء، يؤيده: أن المتيمم لو وجد الماء: لبطل تيممه، أما الطهارة بالماء فهي طهارة حقيقية اجتمع فيها المعنى اللغوي والشرعي والواقعي للطهارة، ولو دقّق أيُّ عاقل فيما يتيمم به من تراب وغيره لوجده يُقذر ولا يُطهر، ولكن سمي مطهرًا مجازًا لا حقيقة، ولكن الشارع شرعه؛ تلطفًا منه، تيسيرًا للناس؛ لكثرته كالماء، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة وهي حديث عمرو بن العاص مع القياس" فعندنا: أن الحديث يدل باللازم على أن التيمُّم لا يرفع الحدث، وعندهم: لا يدل على ذلك، لذلك ذهبوا إلى قياسه على الماء، فإن قلتَ: لِمَ لا يجزيء تيمم واحد عن جميع الأحداث والأنجاس إذا لم ينوها؟ قلتُ: لأنها أسباب مختلفة، فلكل سبب نيته؛ لعموم حديث: "إنما الأعمال بالنيات"، وإذا جمعها بنية واحدة: أجزأه؛ لأن كل واحد منها سيناله نصيبه من تلك النية.
[ ١ / ٢٤٠ ]
ترفع الحدث (^٣١) (أو) نوى استباحة الصلاة و(أطلق) فلم يعين فرضًا ولا نفلًا: (لم يصل به فرضًا) ولو على الكفاية، ولا نذرًا؛ لأنه لم ينوه، وكذا: الطواف (^٣٢) (وإن نواه) أي: استباحة فرض: (صلى كل وقته فروضا ونوافل): فمن نوى شيئًا: استباحه ومثله ودونه، فأعلاه: فرض عين، فنذر، ففرض كفاية، فصلاة نافلة، فطواف نفل، فمس مصحف، فقراءة قرآن فلُبْث بمسجد (^٣٣) (وببطل التيمُّم)
(^٣١) مسألة: إذا نوى بتيمم استباحة صلاة نفل: فلا يصلي به فرضًا، ولا أي شيء واجب كطواف الإفاضة، أو صلاة منذورة، ولو كان فرض كفاية، للتلازم؛ حيث إنه حال تيممه لم ينو الفرض والواجب، وليس هو تابع للنفل: فيلزم من ذلك: عدم صحة إيقاع الفرض والواجب منه، فإن قلتَ: بل يصلي بذلك التيمُّم الواجبات وإن كان ناويًا النفل فقط، وهو قول لبعض العلماء؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المتطهر بالماء لصلاة نفل يصلي به الواجبات وغيرها فكذلك المتيمم مثله، والجامع: أن كلًا منهما يسمى طهارة،؟ قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الطهارة بالماء يرفع الحدث، والطهارة بالتيمم لا يرفع الحدث كما سبق تفصيله في مسألة (٣٠).
(^٣٢) مسألة: إذا أطلق نيته: فنوى بتيممه استباحة صلاة فقط، ولم يُعين هل هي صلاة فرض أو نفل؟: فإنه لا يصلي إلا صلاة نفل فقط، فلا يصلي به فرضًا ولا أي واجب كما سبق في مسألة (٣١) -؛ للتلازم؛ حيث إنه لم ينو فرضًا حال تيممه، وأقل ما يحمل عليه إطلاق اسم الصلاة هي: صلاة النفل فيلزم صحة النفل دون الفرض والواجب.
(^٣٣) مسألة: إذا نوى بتيممه استباحة صلاة فرض: فإنه يفعل بهذا التيمُّم كل أنواع الطاعات التي لا تُفعل إلا بالطهارة: في وقت ذلك الفرض كالصلوات المفروضة، والنوافل، والطواف المفروض والنوافل، والنذور منهما، وفروض الكفايات، ومس =
[ ١ / ٢٤١ ]
مطلقا (بخروج الوقت) أو دخوله، ولو كان التيمُّم لغير صلاة (^٣٤) ما لم يكن في صلاة
= المصحف، وقراءة القرآن، واللبث في المساجد؛ للتلازم؛ حيث إنه قد نوى به الفرض فيلزم من ذلك دخول ما ماثله في الفرضية، وما دونه من النوافل؛ نظرًا لتساوي المتماثلات في الحكم، ولكون نية الأعلى تُعتبر نية للأدنى من جنسه.
(^٣٤) مسألة: يُبطل التيمُّم عن الحدثين: خروج وقت الصلاة التي تيمم لها، فلو تيمم لصلاة العصر مثلًا: فإنه يصلي به العصر، وأي فرض فاتت في نفس الوقت، فإذا خرج وقت العصر - بغياب الشمس -: فإن تيممه يبطل وإن لم يحدث، ولابد من تيمم جديد لصلاة المغرب إن استمر العذر، وكذلك لو تيمم لقراءة القرآن، ثم دخل وقت صلاة الظهر - مثلًا -: فإنه يبطل تيممه، وإن لم يحدث، ولابد من تيمم جديد لصلاة الظهر - إن استمر العذر -؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن المستحاضة تتظهر لكل صلاة، ويبطل تطهرها بخروج الوقت، فكذلك المتيمم مثلها، والجامع: الطهارة الضرورية في كل، الثانية: قول الصحابي، حيث إنه قد ثبت التيمُّم لكل صلاة عن علي وابن عباس وابن عمر، وهذا يلزم منه: بطلان التيمُّم بخروج الوقت، وبدخوله، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك مبطلًا للتيمم؟ قلتُ: لأن التيمُّم شرع ضرورة عدم وجدان الماء أو العجز عن استعماله، والضرورة تقدر بقدرها، والمقصد منه: طلب الماء لكل صلاة، فإن قلتَ: لا يُبطل خروج الوقت التيمُّم، وهو قول أكثر الحنفية، وهو اختيار ابن عثيمين من الحنابلة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن التطهر بالماء لا يبطل بخروج الوقت فكذلك التيمُّم مثله، والجامع: تسمية كل منهما بالطهور قلتُ: هذا قياس فاسد، لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن التيمُّم قد شُرع ضرورة كما سبق بخلاف مشروعية التطهر بالماء؛ لكونه يطهر لغة، وشرعًا، وحقيقة، فإن قلتَ: ما سبب هذا الخلاف؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" =
[ ١ / ٢٤٢ ]
جمعة، (^٣٥) أو نوى الجمع في وقت ثانية من يباح له، فلا يبطل تيممه بخروج وقت الأولى؛ لأن الوقتين صارا كالوقت الواحد في حقه (^٣٦) (و) يبطل التيمُّم عن حدث أصغر (بمبطلات الوضوء)، (^٣٧) وعن حدث أكبر بموجباته؛ لأن البدل له حكم
= فعندنا: قد ألحقناه بالمستحاضة لأنه أكثر شبهًا بها، وعندهم الحقوه بالمتطهر بالماء وهذا قياس الشبه. [فرع]: إذا تيمم ثم دخل في الصلاة، ثم خرج وقت تلك الصلاة وهو فيها: فإن تيممه يبطل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من خروج وقت الصلاة: بطلان التيمُّم، وإذا بطل التيمُّم: بطلت الصلاة التي صُليت به، وعليه: أن يتيمم من جديد، ثم يستأنف الصلاة.
(^٣٥) مسألة: إذا تيمم لصلاة الجمعة فلا يبطل تيممه بخروج وقتها، للتلازم؛ حيث إنه إذا خرج وقت الجمعة: فإنها تقضى ظهرًا فيلزم من ذلك: أن يتيمم لصلاة الظهر، لا للجمعة، والظهر غير الجمعة.
(^٣٦) مسألة: إذا نوى الشخص الجمع بين صلاتي الظهر والعصر - كالمسافر مثلا - ونوى جمع التأخير بأن يصلي الظهر والعصر في وقت العصر، وتيمم في وقت الأولى - وهي: الظهر - فإن تيممه هذا لا يبطل بخروج وقت الظهر، بل يبطل إذا سلَّم من صلاة العصر، للتلازم؛ حيث إن نيته جمع الصلاتين جمع تأخير: لزم منه كون الوقتين وقتا واحدا في حق هذا النَّاوي، وإذا كان الأمر كذلك: فإنه يبطل التيمُّم بعد فراغه من الثانية.
(^٣٧) مسألة: يُبطل التيمُّم عن الحدث الأصغر: مُبطلات الوضوء - من بول وغائط وريح ونوم، ومذي ونحوها مما سبق -؛ للقياس، بيانه: كما أن الوضوء يبطل بتلك المبطلات والنواقض، فكذلك التيمُّم مثله، والجامع: تسمية كل منهما بالطهور عن حدث أصغر، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن البدل يأخذ حكم المبدل.
[ ١ / ٢٤٣ ]
المبدل، (^٣٨) وإن كان لحيض أو نفاس: لم يبطل بحدث غيرهما (^٣٩) (و) يبطل التيمُّم أيضًا (بوجود الماء) المقدور على استعماله بلا ضرر إن كان تيمم لعدمه، وإلا: فيزوال مبيح من مرض ونحوه (ولو في الصلاة) فيتطهر ويستأنفها (لا) إن وجد ذلك (بعدها) فلا تجب إعادتها، وكذا: الطواف، (^٤٠)
(^٣٨) مسألة: يُبطل التيمُّم عن الحدث الأكبر: كل موجب للغسل - كالجنابة والحيض والنفاس - فلو كان عليه جنابة فتيمم لاستباحة الصلاة فلا يُبطله إلا حدث أكبر مثله كجنابة أخرى، أو حيض ونحوهما، لكن لو أحدث حدثًا أصغر - كبول - فإذا أراد الصلاة - ولم يجد ماء -: فإنه يتيمم وينوي به الحدث الأصغر، دون الأكبر؛ للتلازم؛ حيث إن كل بدل يأخذ حكم المبدل فيلزم أن الحدث الأصغر ينقض الأصغر، والأكبر ينقض الأكبر، والأصغر لا ينقض الأكبر وهكذا، والتفريق يكون بالنية.
(^٣٩) مسألة: إذا طهرت المرأة من حيض أو نفاس، ولم تجد ماء للاغتسال به: فإنها تتيمم ولا يبطله إلا خروج دم حيض أو نفاس مرة ثانية؛ للقياس، بيانه: كما أن المرأة إذا اغتسلت بسبب انقطاع الدم: فإنه يُفسد هذا الاغتسال ظهور الدم مرة أخرى، فكذلك في التيمُّم، والجامع: أن كلًا منهما يُعتبر فعلًا لاستباحة الصلاة فالبدل يأخذ حكم المبدل.
(^٤٠) مسألة: إذا وجد الماء فاقده أو شفي العاجز عن استعماله بعد تيممه وقبل الفراغ من الصلاة، أو الطواف: فإن ذلك التيمُّم يَبْطُل، ويجب عليه أن يتطهر بالماء، ويُعيد الصلاة، أما إن وجد الماء، أو شفي العاجز عن استعماله بعد الفراغ من الصلاة أو الطواف: فصلاته التي صلاها بالتيمُّم صحيحة سواء خرج وقتها أو لا؛ لقواعد: الأولى: الكتاب: حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ حيث إنه حال تيممه لم يجد ماء، أو كان واجدًا له ولكنه لم يستطع =
[ ١ / ٢٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= استعماله؛ فيلزم من ذلك صحة تيممه؛ لتوفر شرطه، واستمر هذا حتى الفراغ من صلاته فلا يُعيدها وإن وجد الماء؛ لكونه فعل ما له فعله شرعًا، أما إن وجد ماء قبل الشروع في صلاة أو طواف، أو في أثنائهما: فلم يتوفر شرط التيمُّم لذا: بطل التيمُّم، وبطلت صلاته البطلانه؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث إن رجلين قد سافرا فلما حضرت الصلاة: تيمما - لعدم وجود الماء - فصليا، ثم وجداه بعد فراغهما منها: فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يُعِد الآخر، فأتيا النبي ﷺ فأخبراه فقال للذي لم يُعِد: "أصبت السنة وأجزأتك صلاتك" وقال للذي أعاد: "لك الأجر مرتين" فيلزم من ذلك أن المصلي بتيمم لا يعيد تلك الصلاة إذا وجد الماء أو شفي بعد فراغه منها؛ لأنه يلزم من لفظ "أجزأتك": أنها صحيحة، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك مبطلًا للتيمم قبل الصلاة وفي أثنائها فقط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لا مشقة في التطهر بالماء قبل الدخول في الصلاة أو في أثنائها، بخلاف ما إذا صلى بالتيمم ثم بعد فراغه منها وجد الماء، أو قدر على استعماله: فتوجد مشقة في التطهر بالماء وإعادة الصلاة، لكونه فعل ما له فعله، وانتهى من الفعل الذي تيمم له كمن قصر الصلاة، ثم تجدَّدت له نية الإقامة بعد فراغه منها: فإنه لا يُعيدها، وكالماسح على الجبيرة ثم صلى، ثم شفي ونزعها فلا يعيد تلك الصلاة وهكذا، [فرع]: مبطلات التيمُّم عن الحدث الأصغر ثلاثة: أولها: خروج الوقت - كما سبق في مسألة (٣٤) - ثانيها: مبطلات الوضوء - كما سبق في مسألة (٣٧) - ثالثها: وجود الماء أو القدرة على استعماله - كما سبق في مسألة (٤٠) أما مبطلات التيمُّم عن الحدث الأكبر: فهي ثلاثة أيضًا: أولها: خروج الوقت كما سبق في مسألة (٣٤) - ثانيها: موجبات الغسل - كما سبق في مسألة (٣٨) - ثالثها: وجود الماء أو القدرة على استعماله كما سبق في مسألة (٤٠).
[ ١ / ٢٤٥ ]
ويُغسل ميت، ولو صُلي عليه وتُعاد (^٤١) (والتيمُّم آخر الوقت) المختار (لراجي الماء) أو العالم وجوده، ولمن استوى عنده الأمران (أولى)، لقول علي ﵁ في الجنب: "يَتلوَّم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء وإلا تيمم" (^٤٢) (وصفته) أي: كيفية التيمُّم: (أن ينوي) كما تقدم (^٤٣) (ثم
(^٤١) مسألة: إذا يُمِّم ميت - لعدم الماء - أو أنه يتضرر بالغسل به وصُلِّي عليه ثم وجد ماء قبل دفنه: فإنه يُغسل به، وتعاد الصلاة عليه، أما إذا وُجد بعد دفنه: فإنه لا يجوز نبشه وتغسيله؛ للمصلحة؛ حيث إن غسله بالماء قبل دفنه لا يشقُّ عادة، أما بعد دفنه فيشق عادة.
(^٤٢) مسألة: إذا غلب على ظنه أنه سيجد الماء أو سيقدر على استعماله أو شك في ذلك في آخر وقت الصلاة المختار - لصلاة العصر - أو آخر أيِّ صلاة: فإن المستحب أن يؤخر تلك الصلاة إلى آخر وقتها؛ ليتطهر بذلك الماء، وإن لم يجده: تيمم وصلى، وإن لم يغلب على ظنه شيء أو لم يشك بشيء: فإن المستحب أن يتيمم في أول الوقت ويصلي ولا يعيد صلاته ولو وجد الماء في وقتها؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إن الصلاة بالتطهر بالماء ولو في آخر الوقت أفضل من الصلاة التي تصلى بالتيمم في أول الوقت؛ نظرًا لارتفاع الحدث حقيقة بالماء، دون التيمُّم، أما إن لم يغلب عليه شيء أو يشك: فإنه يتيمم في أول الوقت ويصلي؛ تحصيلًا لأجر الصلاة في أول وقتها، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إنه ورد عن علي: أن عادم الماء يُستحب له أن ينتظر إلى آخر الوقت إذا غلب على ظنه أو شك بوجوده، تنبيه: صفة التيمُّم سيأتي بيانها في المسائل الآتية.
(^٤٣) مسألة: أول ما يبدأ به في التيمُّم: أن ينوي أن هذا التيمُّم عن حدث أكبر، أو أصغر، أو نجاسة في بدن، أو عنها جميعًا، وينوي أنه لاستباحة صلاة فرض أو نافلة، أو أيِّ شيء لا يُستباح إلا بالطهارة - وقد سبق ذلك في مسألة (٣٠).
[ ١ / ٢٤٦ ]
يُسمِّي) فيقول: "بسم الله" وهي هنا كوضوء (^٤٤) (ويضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع)؛ ليصل التراب إلى ما بينها بعد نزع نحو خاتم ضربة واحدة، (^٤٥) ولو كان
(^٤٤) مسألة: بعد فراغه من النية: يسمي قائلًا: "بسم الله"؛ للقياس، بيانه: كما تستحب البسملة عند التطهر بالماء فكذلك التيمُّم مثله والجامع: التبرك بها في كل؛ حيث إن ذلك فيه بركة وحماية عن شياطين الإنس والجن - كما سبق في سنن الوضوء -، وهو المقصد منه.
(^٤٥) مسألة: بعد فراغه من البسملة: يضرب بباطن كفيه الأرض ضربة واحدة، بشرط: أن تكون أصابع الكفين متباعدة، وينزع خاتمه أو يحركه، للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ "ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه" وقال لعمَّار: "إنما يكفيك فعل ذلك"، فإن قلتَ: لِمَ اشترط افتراق الأصابع ونزع أو تحريك الخاتم؟ قلتُ: ليصل بعض التراب إلى ما بين تلك الأصابع، وإلى ما تحت الخاتم، فإن قلتَ: لا يشترط التفريق بين الأصابع وهو قول بعض العلماء، وتبعهم ابن عثيمين؛ للسنة الفعلية؛ حيث لم يثبت عنه ﷺ أنه فرق بين أصابعه في الحديث السابق، قلتُ: بل إن عموم حديث عمَّار قد ثبت فيه ذلك؛ لأن لفظ الراوي "بيديه" مثنى منكر مضاف إلى معرفة - وهو الضمير - وهذا من صيغ العموم، فيشمل ذلك أجزاء اليدين، ويدخل في ذلك ما بين الأصابع، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا إذا كانت اليد الواحدة منفرجتي الأصابع، وتحريك أو نزع الخاتم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل لفظ (يديه) الوارد في حديث عمار يشمل ما بين الأصابع أو لا؟ " وهو حكاية الصحابي، فعندنا: يشمل ما بينها، وحكاية الصحابي بلفظه تعم، وعندهم: لا.
[ ١ / ٢٤٧ ]
التراب ناعمًا فوضع يديه عليه وعلُق بهما: أجزاء (^٤٦) (ويمسح وجهه بباطنهما) أي: بباطن أصابعه (^٤٧) (ويمسح كفيه براحتيه) استحبابًا، (^٤٨) فلو مسح وجهه بيمينه، ويمينه بيساره أو عكس: صحَّ، (^٤٩)
(^٤٦) مسألة: إذا كان ما فوق الأرض ناعمًا يعلق بالكفين بدون ضرب: فيكفيه أن يضع كفيه عليه فقط ويُجزئه ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود من الضرب هو: أن يعلق بعض ما على الأرض في الكفين، فيلزم من تعلُّق بعض التراب بدون ضرب؛ إجزاء التيمُّم بحصول مقصوده.
(^٤٧) مسألة: بعد فراغه من ضرب الكفين على الأرض: يمسح وجهه بباطن أصابع كفيه في حال كونها منفرجة، وهذا المسح يكون إجمالًا؛ للسنة الفعلية والقولية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك لما وصف ﷺ التيمُّم لعمار كما سبق في مسألة (٤٥) - فإن قلتَ: لِمَ يمسح وجهه بباطن الأصابع؟ قلتُ: لئلا يمسح وجهه براحتيه؛ لأنه سيمسح بالراحتين الكفين، فلو مسح بهما الوجه: لصار التراب مستعملًا، فلا يجوز أن يمسح بالراحتين الكفين بعد ذلك؛ لأنه صار مستعملًا؛ قياسًا على الماء المستعمل لإزالة حدث.
(^٤٨) مسألة: بعد فراغه من مسح الوجه: يمسح ظاهر كفيه براحتيه بحيث يغلب على ظنه أن بعض الممسوح به قد وصل إلى ما بين الأصابع؛ للسنة الفعلية والقولية، وهو ما ورد في حديث عمَّار - وقد سبق بيانه في مسألة (٤٥).
(^٤٩) مسألة: إذا مسح وجهه بأصابع كفه الأيمن ومسح كفه الأيمن بيساره أو عكس الأمر: فإن ذلك يُجزئ؛ للتلازم؛ حيث إنه حصل المقصود من التيمُّم بذلك فيلزم: الإجزاء.
[ ١ / ٢٤٨ ]
واستيعاب الوجه والكفين واجب سوى ما يشق وصول التراب إليه (ويُخلل أصابعه)؛ ليصل التراب إلى ما بينها، (^٥٠) ولو تيمَّم بخرقة أو غيرها: جاز، (^٥١) ولو نوي وصمد للريح حتى عمَّت محل الفرض بالتراب، أو أمرَّه عليه ومسحه به: صح لا إن سفته الرِّيح بلا تصميد فمسحه به. (^٥٢)
(^٥٠) مسألة: يجب على المتيمم أن يستوعب وجهه إجمالًا بالمسح، وكذلك الكفين، ويجب أن يُخلل أصابعه أثناء مسح ظاهر كفيه؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ وهذا مطلق، فلم يرد ما يقيد ذلك بطريقة معينة، وذلك للتيسير على الخلق، الثانية: القياس، بيانه: كما وجب تخليل أصابع اليدين في التطهر بالماء ليصل الماء إلى ما بينها، فكذلك التيمُّم مثله والجامع: التطهر في كل.
(^٥١) مسألة: إذا تيمم بخرقة ونحوها بأن يحمل التراب ونحوه بها ويجعل بعضًا منه على وجهه وكفيه: أجزأ ذلك؛ للتلازم؛ حيث إنه بذلك يحصل مقصود التيمُّم فيلزم: إجزاؤه وصحته.
(^٥٢) مسألة: إذا دخل وقت الصلاة، وهو غير واجد للماء، أو عاجز عن استعماله فهبَّت ريح حاملة لشيء من فوق الأرض، وصمد أمام تلك الريِّح ناويًا التيمُّم، وغلب على ظنه أن تلك الريح قد مرت على الوجه والكفين، أو مسحه هو بمحل الفرض: فإن هذا يصح، أما إن هبت الريح ولكنه لم يصمد لها وقد عمَّت محل الفرض بدون نية من قبل: فلا يصح هذا؛ للتلازم؛ حيث إن شروط التيمُّم وفروضه قد كملت في الأول: فيلزم: صحة ذلك، ويلزم من عدم صموده، وعدم نيته: عدم صحة التيمُّم؛ لاختلال شرط التيمُّم، فوجود النية قبل أن يصمد للريح هو الذي صحح ذلك، وعدم وجودها: هو الذي أبطله، فعلى النية مدار الصحة وعدمها.
هذه آخر مسائل باب "التيمُّم" ويليه باب "إزالة النجاسة"
[ ١ / ٢٤٩ ]