بتثليث الجيم، قاله ابن مالك، قال ابن فارس: الجعل، والجعالة، والجعيلة: ما يُعطاه الإنسان على أمر يفعله (وهى) اصطلاحًا: (أن يجعل) جائز التصرف (شيئًا) متمولًا (معلومًا لمن يعمل له عملًا معلومًا) كرد عبد من محل كذا، أو بناء حائط كذا (أو) عملًا (مجهولًا مدَّة معلومة) كشهر كذا (أو) مدَّة (مجهولة) فلا يُشترط العلم بالعمل ولا المدة، ويجوز الجمع بينهما هنا، بخلاف الإجارة، ولا تعيين العامل للحاجة (^١)،
باب الجعالة، أو الوعد بالجائزة
وفيه عشرون مسألة:
(^١) مسألة: الجعالة لغة: تسمية مال يُعطى إياه بسبب عمل يعمله، وشارطه عليه، واصطلاحًا: "أن يجعل شخص جائز التصرُّف مالًا معلوم المقدار لمن يعمل له عملًا معلومًا، أو عملًا مجهولًا في مدَّة معلومة أو مجهولة" وأتي بعبارة: "جائز التصرف" لإخراج جعل غير المكلف، فهذا لا يُعتبر، وأتي بعبارة: "مالًا معلوم المقدار" لبيان اشتراط: كون الجُعْل معلوم المقدار لمن سيُعطى إياه كألف ونحوه، بالوصف أو بالرؤية، وأتي بعبارة "لمن يعمل له عملًا معلومًا أو عملًا مجهولًا" لبيان أنه لا يُشترط في العمل الذي سيعمله المجعول له: أن يكون معلومًا، بل يجوز في المعلوم والمجهول فيجوز أن يقول: "إن رددت عبدي فلانًا فلك كذا" ويجوز أن يقول: "إن خطت ثوبًا فلك كذا"، ولبيان أنه لا يُشترط تعيين المجعول له؛ فيجوز أن يقول: "إن بنيت حائطًا في هذا المكان فلك كذا"، ويجوز أن يقول: "من بنى لي حائطًا في هذا المكان فله كذا"، وأتي بعبارة: "في مدَّة معلومة أو مجهولة" لبيان أنه لا يُشترط في مدَّة العمل: أن تكون معلومة البداية والنهاية: فيجوز أن يقول: "إن رددت عبدي في شهر كذا فلك كذا" ويجوز أن يقول: "من=
[ ٣ / ٦٠٨ ]
ويقوم العمل مقام القبول؛ لأنه يدلّ عليه كالوكالة (^٢)، ودليلها: قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير) وحديث اللَّديغ (^٣)، والعمل الذي يؤخذ الجعل عليه (كرد عبد
= بني لي حائطًا فله كذا"، وبهذا يُعلم الفرق بين الجعالة والإجارة؛ حيث إن الجعالة لا يُشترط فيها العلم بالعمل، ولا بالمدة، بخلاف الإجارة كما سبق بيانه فيُشترط ذلك، وكذا: عقد الجعالة يجوز ولو لم يعلم العاقد والعامل، بخلاف الإجارة، ومنها: أن الجعالة عقد جائز، والإجارة لازم.
(^٢) مسألة: إذا بدأ شخص بالعمل بما طُلِب في الجعالة: فهذا يدل على قبوله لهذا العمل، فمثلًا: إذا قال زيد: "من بنى جدارًا لي فله ألف" ثم بدأ عمرو بالبناء: فإنه يكون قابلًا لذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو قال لعمرو: "قد وكَّلتك في كذا" فبدأ عمرو بالعمل بذلك: فإن هذا يدل على قبوله لتلك الوكالة، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن العمل فيما طُلب يدلّ على قبوله، وهذا من باب التيسير على الأمة، وهو المقصد منه.
(^٣) مسألة: الجعالة جائزة عند الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿قالوا نفقد صواع الملك، ولمن جاء به حمل بعير، وأنا به زعيم﴾ - وذلك في قصة يوسف وإخوته - فهنا جعل لمن جاء بالمكيال حمل بعير يأخذه مجانًا، فدلَّ على جواز ذلك؛ لأن شرع مَنْ قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا نسخه، وهنا لم يرد شيء ينسخه فلزم جوازه، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث إن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ أتوا حيًا من أحيا العرب، فلم يقروهم - أي: يضيفوهم - فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك، فقالوا: هل فيكم راق؟ فقالوا: لم تقرونا، فلا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلًا، فجعلوا لهم قطيع شياه، فجعل رجل يقرأ بأم القرآن، ويجمع بزاقه، ويتفل، فبرأ الرجل - وهو سيدهم - فأتوا بالشاء، فقالوا: لا نأخذها حتى نسأل رسول الله ﷺ، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فضحك، وقال: "وما أدراك أنها رقية؟ خذوها، واضربوا لي فيها بسهم"، فإن=
[ ٣ / ٦٠٩ ]
ولقطة) فإن كانت في يده فجعل مالكها جعلًا؛ ليردَّها: لم يُبح له أخذه (^٤) (و) كـ
= قلت: لِمَ حازت؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الحاجة تدعو إلى الجعالة؛ حيث إن بعض الناس يُخرج بعض الجوائز والمكافآت التي يقدر عليها لأجل أن يقوم أيُّ شخص لعمل شيء له من رد عبد هارب، أو بناء جدار، أو نحو ذلك كشركة المضاربة، والإجارة: إلا أنها أوسع منهما من حيث عدم تقدير مدَّة، وعدم لزومها وعدم تعيين العامل ونحو ذلك؛ تيسيرًا على الناس، فإن قلت: لا تجوز الجعالة إلّا في ردِّ عبد هارب فقط، وهو قول الحنفية؛ للمصلحة حيث إن الجعالة - كما سبق بيانها - فيها غرر وجهالة؛ حيث إنه يُجهل العمل، والمدة، فقد يكون العمل شاقًا، والأجرة قليلة وقد يكون العكس، وفي ذلك غرر وضرر على العاقدين، فدفعًا لذلك لا تجوز، وإنما صحَّت الجعالة على رد عبد هارب؛ للاستحسان؛ حيث إنه يُستحسن دفع جعل أو جائزة لمن يرد العبد الهارب من سيده. قلتُ: إنه إذا جازت الجعالة في رد العبد فإنها تجوز في غير ذلك من الأعمال بجامع: أن كلًّا منها فيه مصلحة، وما هربتم منه من عدم العلم بالعمل، أو المدَّة فقد وقعتم فيه في الجعالة على ردِّ العبد الهارب؛ إذ يوجد في رد العبد جهالة وغرر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع الكتاب، والسنة التقريرية" فيقدمان عندنا عليها، وأيضًا: "تعارض مع المصلحتين" فعندنا: تقدم المصلحة العامة؛ وهي قضاء قضاء حاجات المسلمين في جواز الجعالة، وهي أعظم منفعة مما قالوا من المصالح.
(^٤) مسألة: الجعالة مشروعة في شيء لم يكن في يد العامل - أو المعطى للجعل - فمثلًا: لو قال زيد - وهو المالك للعبد - لعمرو - وهو القابض لذلك العبد -: "من ردَّ عبدي فله جُعلا وجائزة": فردَّه عمرو إلى زيد: لم يجز لعمرو أن يأخذ الجعل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من حصول العبد تحت يده بدون جهد أو عقد: عدم جواز أخذه للجعل؛ لكونه أخذه بدون جهد ولانه حاصل قبل العقد، وهو المقصد منه.
[ ٣ / ٦١٠ ]
(خياطة وبناء حائط) وسائر ما يستأجر عليه من الأعمال (فمن فعله بعد علمه بقوله) أي: بقول صاحب العمل: "من فعل كذا فله كذا": (استحقه)؛ لأن العقد استقرّ بتمام العمل (^٥) (والجماعة) إذا عملوه (يقتسمونه) بالسوية؛ لأنهم اشتركوا في العمل الذي يستحق به العِوَض فاشتركوا فيه (^٦) (و) إن بلغه الجعل (في أثنائه) أي: أثناء العمل (يأخذ قسط تمامه)؛ لأن ما فعله قبل بلوغ الخبر غير مأذون له فيه، فلم يستحق به عوضًا، وإن لم يبلغه إلّا بعد العمل: لم يستحق شيئًا لذلك (^٧) (و) الجعالة
(^٥) مسألة: الجعالة مشروعة في شيء وعمل لم يقع قبل علمه بقول صاحب العمل، فمثلًا: لو قال: "من بنى حائطًا فله ألف" فبناه زيد فإنه يستحق الألف، أما لو بني زيد هذا الحائط قبل علمه بالجعل: فلا يستحق ذلك الجعل - وهو الألف -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الربح في شركة المضاربة يستحقه العامل بعد العقد والاتفاق والاشتغال، ولا يستحقه قبل ذلك فكذلك الحال في الجعالة، والجامع: أن كلًّا من العامل في الجعالة، وشركة المضاربة قد استقر العقد بتمام العمل، فاستحق ما جُعل له، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه بيان أن الجعالة لا يستحقها إلّا من عمل بعد قول صاحب العمل، لا ما عمل قبله.
(^٦) مسألة: إذا قال زيد: "من وجد دراهمي أو من وجد عبدي: فله ألف": فاشترك أربعة وبحثوا عن ذلك فوجد هؤلاء الأربعة كلهم ذلك العبد - مثلًا -: فإنهم يشتركون في الجعل، فكل واحد يأخذ مائتين وخمسين ريالًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراك هؤلاء في العمل اشتراكًا متساويًا: اشتراكهم في العوض - وهو الجعل - اشتراكًا متساويًا؛ لتحقيق العدالة، وهو المقصد الشرعي.
(^٧) مسألة: إذا قال زيد: "من خاط ثوبًا لي فله مائة"، وبلغ عمرًا هذا القول بعد خياطته لنصفه: فإنه يستحق نصف الجعل، أي يستحق خمسين، أما إن بلغه ذلك بعد الانتهاء من خياطته: فلا يستحق شيئًا؛ للتلازم؛ حيث إن فعله في الخياطة قبل بلوغه غير مأذون له فيه فيلزم عدم استحقاقه عليه عوض، وهذه=
[ ٣ / ٦١١ ]
عقد جائز (لكل) منهما (فسخها) كالمضاربة (^٨) (فـ) متى كان الفسخ (من العامل) قبل تمام العمل: فإنه (لا يستحق شيئًا)؛ لأنه أسقط حق نفسه؛ حيث لم يأت بما شُرط عليه (و) إن كان الفسخ (من الجاعل بعد الشروع) في العمل: فـ (للعامل أجرة) مثل عمله؛ لأنه عمله بعوض لم يسلم له، وقبل الشروع في العمل لا شيء للعامل (^٩)، وإن زاد أو نقص قبل الشروع في الجعل: جاز؛ لأنها عقد جائز (^١٠) (ومع الاختلاف
= المسألة داخلة في عموم مسألة (٥).
(^٨) مسألة: عقد الجعالة عقد جائز من صاحب العمل، ومن المجعول له، فيجوز لكل واحد منهما أن يفسخ متى ما شاء؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين؛ إذ لو كانت عقد لازم: للحق كثيرًا من الناس الحرج والضيق، والتخلُّص من قضاء حاجة الآخرين، وهي بذلك كشركة المضاربة.
(^٩) مسألة: إذا قال زيد: "من بنى لي حائطًا فله ألف" فبدأ العامل - وهو عمرو - في البناء، ففسخ عمرو وترك البناء قبل تمام البناء: فلا يستحق عمرو شيئًا من ذلك الألف، أما إذا فسخ صاحب العمل - وهو زيد - في هذه الحالة: فإن للعامل - وهو عمرو - أجرة مثل عمله الذي مضى، أما إن فسخ صاحب العمل - وهو زيد - قبل شروع العامل في العمل: فلا شيء لذلك العامل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إسقاط العامل - وهو عمرو - حق نفسه، وهو عدم إتمام العمل: عدم استحقاقه للعوض كله، ويلزم من عمل العامل - قبل فسخ صاحب العمل -: أن يستحق عوضًا على عمله الذي مضى، وهو أجرة مثل عمله، ويلزم من فسخ صاحب العمل قبل شروع العامل في العمل: عدم استحقاق العامل لشيء؛ إذ لم يقع عمل.
(^١٠) مسألة: يجوز لصاحب العمل أن يزيد وينقص في الجعل، فيجوز أن يقول في أول الأمر: "من فعل كذا فله ألف" ويجوز أن يزيد قائلًا: "فله ألفان" ويجوز أن ينقص قائلًا: "فله خمسمائة" بشرط: أن يكون هذا القول قبل أن يشرع العامل=
[ ٣ / ٦١٢ ]
في أصله) أي: أصل الجعل (أو قدره: يُقبل قول الجاعل)؛ لأنه منكر، والأصل: براءة ذمَّته (^١١) (ومن ردَّ لُقْطَة أو ضالة، أو عمل لغيره عملًا بغير جعل) ولا إذن: (لم يستحق عوضًا)؛ لأنه بذل منفعة من غير عوض، فلم يستحقه، ولئلا يُلزم الإنسان لم يلتزمه (^١٢) (إلا) في تخليص متاع غيره من هلكة: فله أجرة المثل؛ ترغيبًا وإلا
= بالعمل، أما بعد شروعه فلا يجوز النقصان من الجعل، وتجوز الزيادة؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون الجعالة عقد جائز: جواز الزيادة، أو النقصان قبل بدء العامل بالعمل؛ إذ يستطيع ذلك العامل بأن يفسخ ويرفض العمل بلا عوض، الثانية المصلحة؛ حيث إن نقصان صاحب العمل من الجعل بعد شروع العامل في العمل يُلحق به ضررًا ظاهرًا؛ إذ قبل مشقّة العمل نظرًا لكثرة الجعل، فإذا نقص منه: تضرر، بخلاف ما لو زاد صاحب العمل الجعل: فهو زيادة على حق العامل قد تنازل عنه صاحب العمل.
(^١١) مسألة: إذا اختلف صاحب العمل - وهو الجاعل - مع العامل بعد الانتهاء من العمل في أصل الجعل بأن قال العامل: إنك جعلت لمن يخيط لك ثوبًا ألفًا فأنكر صاحب العمل - وهو الجاعل - قائلًا: لم أقم بتسمية الجعل - وهو الألف - ولا بيّنة لأحدهما، أو اختلفا في قدر الجعل بأن قال العامل: "إنك جعلت لمن يخيط ثوبًا ألفًا" فأنكر ذلك صاحب العمل قائلًا: "لم أُحدّده بذلك بل حدَّدته بخمسمائة" ولا بيّنة: فإنه يُقبل قول صاحب العمل - وهو الجاعل مع يمينه؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر" وصاحب العمل منكر، فيقبل قوله مع يمينه؛ إذ لا بيّنة للمدعي هنا وهو: العامل، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ لأن الأصل براءة ذمته من الزيادات، هي: زيادة التسمية، أو زيادة خمسمائة، فنبقى على هذا الأصل ونعمل به حتى يرد ما يُغيِّر الحالة.
(^١٢) مسألة: أيُّ شخص يعمل لغيره عملًا بغير عقد، أو جعل أو إذن كأن يقوم بردِّ=
[ ٣ / ٦١٣ ]
(دينارًا، أو اثني عشر درهمًا عن ردِّ الآبق) من المصر، أو خارجه، روي عن عمر، وعلي، وابن مسعود؛ لقول ابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار: "إن النبي ﷺ جعل في رد الآبق إذا جاء به من خارج الحرم دينارًا) (^١٣) (ويرجع) راد الآبق (بنفقته أيضًا)؛ لأنه مأذون في الإنفاق شرعًا؛ لحرمة النفس ومحله إن لم ينو التبرع، ولو هرب منه في
= لقطة، أو بهيمة ضالة: فإنه لا يستحق على ذلك أيُّ عوضٍ عن عمله هذا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية للمسلم من يُلزم بأشياء ومعاوضات وقيم هو لم يلتزم بها، وفيه دفع التحايل على أكل أموال الناس بالباطل، فهو كمن خدم آخر من غير مشارطة، فلا يستحق شيئًا.
(^١٣) مسألة: إذا خلص زيد مال غيره أو متاعه من مهلكة، كأن يخرجه من بحر، أو من دار قد احترقت أو خلصه من لصوص أو ردَّ عبدًا هاربًا إلى سيده: بدون عقد، أو جعل، أو إذن أو شرط من صاحبه: فإن زيدًا يستحق أجرة مثل من يقوم بذلك العمل بالإجارة؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حثٌّ وترغيبٌ على حماية أموال الغير من الهلكة، واللصوص، وإحراز لتلك الأموال من الضياع، فإذا عرف كل واحد يقوم بذلك أنه سيُعطى أجرته على ذلك: قاموا بذلك خير قيام، وخُلَّصت أموال الغير مما يهلكها، وبهذا يتكافل ويتعاون المجتمع الإسلامي على حماية بعضهم البعض، فإن قلتَ: إنه يستحق على رد العبد الهارب دينار أو اثنا عشر درهمًا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين الأولى: السنة القولية؛ حيث إن ﷺ قد جعل في رد الآبق إذا جاء به من خارج الحرم دينارًا" الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك روي عن عمر، وعلي، وبن مسعود قلتُ: إن الحديث فيه مقال، فلا يُحتج به، أما قول الصحابي، فقد تكلَّم الناس فيه كما قال الإمام أحمد، يقصد: تكلم أهل الحديث فيه كما جاء في المغني (٨/ ٣٢٩) فإن قلتَ: ما الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في صحة الحديث وقول الصحابي" فعندنا ضعيفان وعندهم: قويان.
[ ٣ / ٦١٤ ]
الطريق، وإن مات السيد: رجع في تركته (^١٤)، وعُلم منه: جواز أخذ الآبق لمن وجده (^١٥)، وهو أمانة بيده (^١٦)، ومن ادَّعاه فصدَّقه العبد أخذه (^١٧). فإن لم يجد
(^١٤) مسألة: إذا ردَّ زيد عبدًا هاربًا إلى سيده: فإن جميع ما أنفقه زيد على ذلك العبد أثناء القبض عليه، والسفر به، وإرجاعه إلى سيده يأخذه من سيده إذا نوى أن يأخذ ذلك منه، أما إن نوى التبرُّع بذلك حين القبض عليه وإرجاعه: فلا يستحق شيئًا، وهذا مطلق أي: يأخذ تلك النفقة سواء أوصل زيد ذلك العبد إلى سيده، أو هرب العبد منه قبل الوصول إلى سيده، وسواء وجد السيد حيًا، أو مات السيد: فإنه يأخذ النفقة من ورثة السيد، للمصلحة: حيث إن النفقة في ذلك فيه حفظ مال أخيه المسلم، وفيه التعاون على حفظ حقوق المسلمين؛ إذ لو كانت نفقته ستضيع: لما حفظ أحد مال أحد، ولضاعت مصالح الناس، وتعطَّلت حقوق كثيرة، وبهذا تفسد أموال عظيمة، فلذا أذِن شرعًا في الإنفاق على الأنفس وتؤخذ تلك النفقات من مال صاحب المنفق عليه وإن لم يأذن صاحبه، وقد أشار ابن القيم إلى ذلك وأطال فيه.
(^١٥) مسألة: يجوز لأي مسلم أن يأخذ العبد الهارب إذا وجده، للمصلحة: حيث إن العبد لا يُؤمن منه أن يلتحق بدار الحرب، وأن يرتد عن الإسلام، أو اشتغاله بالفساد، فدفعًا لذلك: جاز لأي شخص أن يأخذه؛ لمنعه ذلك.
(^١٦) مسألة: إذا أخذ زيد ذلك العبد الهارب: فهو أمانة بيده تطبَّق عليه أحكام الأمانة والوديعة وهي إن تلف من غير تفريط ولا تعد: فلا ضمان عليه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حث على حفظ أموال الآخرين عن الضياع، فلو ضمن آخذه إذا تلف: لما أخذه أحد؛ لئلا يضمنه لو تلف.
(^١٧) مسألة: إذا أخذ زيد ذلك العبد الهارب، ثم ادعاه قائلًا: عمرو: "إنه عبدي، وأنا سيده": فإن زيدًا يجب أن يدفعه إليه بأحد شرطين: أولهما: أن يقيم عمرو بيّنة تدل على أنه عبده ثانيهما: أو أن يعترف العبد بأن عمرًا سيده؛ للتلازم؛ حيث إن=
[ ٣ / ٦١٥ ]
سيده: دفعه إلى الإمام أو نائبه؛ ليحفظه لصاحبه (^١٨)، وله بيعه؛ لمصلحة (^١٩)، ولا يملكه ملتقطه بالتعريف كضوال الإبل، وإن باعه: ففاسد (^٢٠).
= البينة، أو الاعتراف تثبت الحقوق فيلزم دفعه لمن أوجد أحدهما.
(^١٨) مسألة: إذا لم يجد زيد الآخذ للعبد الهارب صاحبه - أي: سيد العبد - فيجب عليه أن يدفعه ويُسلِّمه إلى الإمام، أو نائبه - وهو القاضي -؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تخلُّص منه، والإمام أو نائبه مسؤول عن عموم المسلمين في هذا وفي غيره، ولأن بيده سلطة عليه وعلى سيده.
(^١٩) مسألة إذا رأى زيد - وهو الآخذ للعبد الهارب من سيده - أن المصلحة تقتضي بيع ذلك العبد الذي أخذه كأن يكون فاسدًا، أو لا يصلح بأن يختلط مع حاشيته أو نحو ذلك: فله بيعه؛ ويحتفظ بثمنه لسيده ويكون أمانة بيده حتى يجده، وإن لم يجده: فإنه يتصدَّق به لسيده؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة قد تصدر منه إلى بعض حاشية من وجده.
(^٢٠) مسألة: إذا لم يجد زيد سيد العبد الذي أخذه وعرَّفه، وسأل عن صاحبه فلم يجده: فإنه لا يملكه بعد أن لم يجد صاحبه، ولا يجوز له بيعه لغير مصلحة، فإن باعه في هذه الحالة: فبيعه فاسد؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن الناقة الضالة لا يملكها من وجدها بتعريفها، ولا يجوز له بيعها لغير مصلحة فكذلك: العبد، والجامع: أن كلا منهما يحتفظ بنفسه، ويستطيع حماية نفسه، الثانية: التلازم؛ حيث إن بيعه لغير مصلحة تصرف فضولي، فيلزم بطلانه وفساده.
هذه آخر مسائل باب: "الجعالة، أو الوعد بالجوائز" ويليه باب: "اللُّقطَة".
[ ٣ / ٦١٦ ]