وهو في اللغة: التضييق والمنع، ومنه سمي الحرام والعقل حجرًا، وشرعًا: منع إنسان من تصرُّفه في ماله وهو ضربان حجر لحق الغير كعلى "مفلس"، وحجر لحق نفسه كعلى نحو "صغير" (^١) (ومن لِمَ يقدر على وفاء شيء من دينه: لِمَ يُطالب به، وحُرِّم
باب الحَجْر
وفيه أربع وخمسون مسألة:
(^١) مسألة: الحجر لغة: المنع، والتضييق، ومنه قول القائل: "حجرت عليه" أي: منعته، وضيقتُ عليه بذلك، وسُمِّي "الحرام" حجرًا؛ لأن الشارع منع من فعله، وسُمِّي "العقل" حجرًا؛ لأنه يمنع صاحبه من فعل المعاصي وما لا يليق، وهو في الاصطلاح: أن يُمنع المسلم من التصرُّف في ماله (فرع): الحجر من حيث سببه ينقسم إلى قسمين: أولهما حجر بسبب المحافظة على حق المحجور عليه كالحجر على الصبي، والمجنون، والسفيه، ثانيهما: حجر بسبب المحافظة على حق غير المحجور عليه كالحجر على المفلس للمحافظة على حقوق الغرماء والحجر على المريض بما زاد على الوصية بالثلث والحجر على المكاتب إلى أن يقضي حقَّ سيده، والحجر على المشتري من التصرُّف في ماله حتى يقضي حق الثمن الحال، والحجر على الراهن فيما رهنه ونحو ذلك ممن عليه دين حال يعجز عنه ماله الموجود مدة الحجر، (فرع ثان) الحجر من حيث مصدره ينقسم إلى قسمين: أولهما: حجر يكون من الشارع كالحجر على الصبي، والمجنون، والسفيه، فهؤلاء يُحجر عليهم: سواء أذن حاكم أو لا، ثانيهما: حجر يكون من الحاكم كالحجر على المشتري من التصرف في ماله حتى يقضي ثمن السلعة التي اشتراها والحجر على الراهن فيما رهنه، والحجر على المريض فيما زاد على الوصية بالثلث، والحجر على المكاتب، فهؤلاء يُحجر عليهم وإن كانوا مكلَّفين، (فرع ثالث) الحجر جائز؛ بأقسامه =
[ ٣ / ٢٨٦ ]
حبسه) وملازمته؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (^٢) فإن ادَّعى العسرة ودينه عن عوض كثمن وقرض أولا، وعرف له مال سابق الغالب بقاؤه، أو كان أقرَّ بالملاءة: حُبس إن لِمَ يقم بينة تخبر باطن حاله وتسمع قبل حبسه وبعده،
= السابقة لقاعدتين: الأولى: الكتاب، حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ حيث حرم الشارع من تمكين السفيه ماله؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم، وهومنع كما سبق، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ حيث دلَّ مفهوم الشرط على أن الصبي لا يُدفع له ماله، والمجنون مثله؛ لعدم الفارق في ضعف العقل عن الإدراك، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ حيث إن الشارع قد أمر بإنظار والصبر على المعسر - وهو المفلس -، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد حجر على معاذ على معاذ بسبب المحافظة على حق غرمائه، فإن قلت: لِمَ شرع الحجر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في الحجر حماية لحقوق الشخص نفسه من أن يُبذِّرها أو يأكلها الظلمة من الناس كالحجر على المجنون والصبي، والسفيه، وحماية لحقوق الغرماء كالحجر على المفلس ونحوه - كما سبق -.
(^٢) مسألة: إذا كان الشخص عليه دين، ولم يقدر على وفائه، وكان صادقًا في ذلك: فلا يجوز لغريمه أن يُطالبه، ولا يحجر عليه، ويحرم سجنه، أو معاقبته، أو ملازمته؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ حيث إن الشارع أمر الغريم بأن يصبر على هذا المعسر الصادق إلى حين يساره وسعته، والأمر بالشيء نهي عن ضدِّه، فيلزم من ذلك: تحريم معاقبته بالحبس أو الملازمة، فإن قلتَ: لَم شُرّع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن معاقبته بأي شيء لا فائدة من ورائها؛ لكونه لا مال له، ولقد ورد في فضل الإنظار والتوسعة على الآخرين أخبار كثيرة، كقوله ﵇: "من نفَّس عن غريمه، أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة".
[ ٣ / ٢٨٧ ]
وإلا حلف، وخُلِّي سبيله (^٣) (ومن له قدرة على وفاء دينه: لِمَ يُحجر عليه)؛ لعدم الحاجة إلى الحجر عليه (وأُمر) أي: وجب على الحاكم أمره (بوفائه) بطلب غريمه؛ لحديث: "مطل الغني ظلم" (^٤)،
(^٣) مسألة: إذا ادَّعى الشخص الإعسار وعليه دين عن عوض كثمن سلعة اشتراها، أو لم يكن عوضًا عن سلعة كقيمة متلف، أو أرش جناية، وعُلِم أن له مالًا سابقًا باقيًا غالبًا، أو أن ذلك الشخص قد أقرَّ بأنه مليء: فإنه يُعاقب بالحبس إن لم يثبت بينة على أنَّه مُعسر، لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل بقاء المال الذي عُلم أنَّه يملكه، أو أقرَّ به فعُوقب بالحبس؛ لأجل أن يفي بما عليه بما ثبت عنده عملًا بالأصل؛ الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من إقامة البيِّنة على إعساره المخبرة عن حاله: عدم معاقبته بالحبس، لعدم الفائدة من ذلك (فرع): يكفي أن يشهد معه اثنان بأنه مُعسر، ولا يُحتاج إلى اليمين؛ للقياس؛ بيانه: كما يكفي في إثبات كثير من الأمور اثنان، فكذلك الحال هنا والجامع: حصول الثقة فيما شهد، به، (فرع ثان) إذا لم يُعرف له مال، ولم يقر بشيء وادَّعى الإعسار: فإنه يحلف، ولا يُطلب منه بيّنة ولا يُحبس. للتلازم؛ حيث إن عدم العلم بمال عنده مع يمينه يلزم منه صدقه بما يقول غالبًا، فإن قلتَ: لم وجبت اليمين؟ قلتُ: احتياطًا؛ حيث إنها تُغلِّب الظن بصدقه؛ لكونه في مرتبة المنكر، (فرع ثالث): البيِّنة التي تثبت بها إعساره تسمع قبل الحبس وبعده؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز سماع البيّنة منه قبل الحبس: فإنها تسمع منه بعده، والجامع: الحرص على مصلحته ورفع الحبس عنه.
(^٤) مسألة: إذا كان الشخص قادرًا على وفاء دينه: فإنه لا يُحجر عليه، بل إن غريمه إذا طلب حقه منه: فإنه يجب على الحاكم أن يُرغم ذلك الشخص بأن يوفي ما عليه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "مطل الغني ظلم" =
[ ٣ / ٢٨٨ ]
ولا يترخَّص من سافر قبله (^٥)، ولغريم من أراد، سفرًا منعه من غير جهاد مُتعيِّن حتى يُوثق برهنٍ محرز، أو كفيل مليء (^٦) (فإن أبى) القادر وفاء الدَّين الحال: (حُبس بطلب
= وهذا غني؛ لقدرته على وفاء ما عليه، فامتناعه عن الوفاء مع قدرته عليه يُعتبر ظلمًا ومماطلة لا يقوى على رفعه إلّا الحاكم، فيُرغمه عليه، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من قدرته على الوفاء: عدم الحاجة إلى الحجر عليه؛ إذ يُمكن للغريم مطالبته في الحال، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع لأكل أموال الناس بالباطل.
(^٥) مسألة: إذا سافر زيد المدين قبل وفاء دينه مع قدرته، وبعد مطالبة غريمه له بعد حلول أجله: فلا يجوز لزيد أن يأخذ برخص السفر كقصر الصلاة، أو الإفطار في رمضان، أو التنفُّل على الراحلة؛ للتلازم؛ حيث إنه ماطل وهو غني، فيكون بذلك ظالمًا، والظلم فسق ومعصية، فيلزم عدم جواز الترخُّص بسفره هذا؛ لأنه سفر معصية، فإن قلت: لِمَ شُرّع هذا؟ قلت للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه حماية لحقوق الآخرين.
(^٦) مسألة: إذا أراد زيد المدين لبكر دينًا قد حلَّ: فإنه يجب عليه أن يستأذن بكرًا فإن أذن له: سافر، وإن لِمَ يأذن له لا يجوز لزيد أن يسافر، ولبكر منعه من السفر بالقوة إلّا إذا رهن زيد عند، بكر رهنًا محرزًا للدَّين، أو كفله وضمنه شخص آخر مليء يستطيع أن يُوفي بدينه إن لِمَ يرجع وهذا السفر مطلق، أي: سواء كان ذلك السفر قصيرًا، أو طويلًا، وسواء كان سفر طاعة أو معصية، وسواء كان سفرًا مخوفًا أو آمنًا؛ للمصلحة: حيث إن سفره يتسبَّب في تأخير حق الغريم، ورجوعه لا يغلب على الظن فلزم من ذلك أن له حق المنع، ولأنه قد يُوسر في البلد الذي سافر إليه فلا يتمكّن غريمه من إحضاره كما قال ذلك ابن تيمية.
(فرع): إذا سافر زيد المدين يُريد الجهاد في سبيل الله وهو مُتعيِّن عليه: بأن نادى به إمام المسلمين، أو دخل الكفار بلاد المسلمين؛ ليصرفوهم عن دينهم: فإن =
[ ٣ / ٢٨٩ ]
ربِّه) ذلك؛ لحديث: "لي الواجد ظلم يحلُّ عرضه وعقوبته" رواه أحمد، وأبو داود وغيرهما، قال الإمام: قال وكيع: عرضه شكواه، وعقوبته: حبسه" فإن أبى: عزّره مرَّة بعد أخرى (^٧) (فإن أصرَّ) على عدم قضاء الدَّين (ولم يبع ماله: باعه الحاكم وقضاه)؛ لقيامه مقامه، ودفعًا لضرر رب الدَّين بالتأخير (^٨) (ولا يُطالب) مدين (بـ) دين (مؤجَّل)؛ لأنه لا يلزمه أداؤه قبل حلوله، ولا يُحجر عليه من أجله (^٩) (ومن
= زيدًا يُسافر بدون إذن غريمه - وهو بكر - ولا يملك منعه؛ للمصلحة: حيث إن مصلحة الدفاع عن الإسلام والمسلمين أعظم من مصلحة وفاء دينه لغريمه؛ لعظم نفعه؛ حيث إنه إذا تعارضت مصلحتان: قدمت أعمهما نفعًا.
(^٧) مسألة: إذا أبى المدين - وهو زيد - وامتنع عن وفاء دينه وهو قادر عن الوفاء: فإنه يُجبر على الوفاء بالتعزير بأي شيء يراه الحاكم مناسبًا له: فإن كان الحبس يُناسبه حبس، وإن كان الضرب يُناسبه: ضُرب، ونحو ذلك، هذا إذا طالبه غريمه فامتنع؛ للسنة القولية حيث قال ﵇: "ليُّ الواجد ظلم يحلُّ عرضه وعقوبته" والمراد بالعرض: شكواه إلى الحاكم والتشهير به، والمراد بالعقوبة: تعزيره بحبس ونحوه، كما ورد عن كثير من العلماء، فالقادر إذا ماطل: فإنه يكون ظالمًا، والظالم يُعاقب بأيِّ عقاب يردعه، فإن قلت: لِمَ شُرّع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حقوق الآخرين.
(^٨) مسألة: إذا أصرَّ المدين القادر على عدم قضاء دينه، وصبر على الحبس والتعزير: فإن الحاكم يبيع ماله أملاك ويقضي دينه؛ للمصلحة: حيث إن عدم قضاء المدين لدينه قدرته يُعتبر ظلمًا لرب الدَّين - وهو الدائن - فإن أخَّر عنه حقَّه وهو ضرر عليه، والمسؤول لرفع الظلم والضرر بين الناس هو الحاكم؛ لقيامه مقامهم في ذلك، قال ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام".
(^٩) مسألة: الدَّين الذي على هذا القادر لا يجوز أن يُطالب به قبل وقت حلوله ولا يُحجر عليه بسببه؛ للتلازم؛ حيث إن هذا الدَّين لا يجب على المدين أداؤه قبل =
[ ٣ / ٢٩٠ ]
ماله لا يفي بما عليه) من الدَّين (حالًا: وجب) على الحاكم (الحجر عليه بسؤال غرمائه) كلهم (أو بعضهم)؛ لحديث كعب بن مالك: "أن رسول الله ﷺ حجر على معاذ، وباع ماله" رواه الخَلَّال بإسناده (^١٠) (ويُستحب إظهاره) أي: إظهار حجر المفلس، وكذا: السفيه؛ ليعلم الناس بحاله، فلا يُعاملوه إلا على بصيرة (^١١) (ولا ينفذ تصرُّفه أي المحجور عليه لفلس (في ماله) الموجود، والحادث بإرث أو غيره (بعد الحجر) (^١٢)
= وقت حلوله فيلزم عدم جواز المطالبة به قبل ذلك الوقت، ويلزم من عدم حق المطالبة: عدم جواز الحجر عليه، فإن قلت: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حق المدين من الغرماء.
(^١٠) مسألة إذا كان عند المدين مال لا يكفي بسداد الدَّين الذي عليه كله حالًّا: فيجب على الحاكم أن يحجر عليه إذا طلب كل غرمائه أو بعضهم ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إن ﵇ قد حجر على معاذ، وباع ماله وأعطاه غرماءه، الثانية: فعل الصحابي، حيث إن عمر قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وهي الدفاع عن حقوق الآخرين.
(^١١) مسألة: إذا حُجر على شخص لإفلاسه، أو لسفهه: فإنه يُستحب إظهار ذلك بين الناسَ وإعلامهم، به ونشره بينهم؛ للمصلحة حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة عنهم: فلا يُعاملوه بأي معاملة؛ لئلا تضيع حقوقهم.
(^١٢) مسألة: إذا حُجر على شخص لإفلاسه: فلا يجوز له أن يتصرَّف في ماله الموجود عنده، أو ماله الذي حدث بسبب إرث أو جناية أرش، أو هدية أو وصية، أو صدقة وذلك بعد الحجر، فلا يتبرَّع لأحد منه، ولا يبيع شيئًا، ولا يوقفه؛ ولو تصرَّف فيه: لم ينفذ؛ للقياس؛ بيانه كما أن الراهن لا يتصرَّف بالعين المرهونة عند المرتهن بأي تصرُّف فكذلك المحجور عليه مثله، والجامع: أن مال المحجور عليه، والعين المرهونة ليست للمحجور عليه ولا للراهن، ولا يجوز التصرُّف في =
[ ٣ / ٢٩١ ]
بغير وصية أو تدبير (^١٣) (ولا إقراره عليه) أي: على ماله؛ لأنه محجور عليه (^١٤)، وأما تصرُّفه في ماله قبل الحجر عليه فصحيح؛ لأنه رشيد غير محجور عليه (^١٥)، لكن يحرم عليه الإضرار بغريمه (^١٦) (ومن باعه أو أقرضه شيئًا) قبل الحجر، ووجده باقيًا بحاله،
= مال الغير، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه المحافظة على مال الغرماء.
(^١٣) مسألة: يجوز للمحجور عليه أن يُوصي بالثلث وما دونه من ماله أو أن يُعتق مدبّرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الوصية والمدبّر لا تنفَّذ إلا بعد الوفاء بالدَّين بعد موت الموصي: جوازه للمحجور عليه؛ لكون الحجر انفكّ بالوفاء.
(^١٤) مسألة: لا يجوز للمحجور عليه قراره على ماله؛ للتلازم؛ حيث إن حقوق الغرماء متعلِّقة بأعيان ماله فلزم: عدم جواز إقراره عليه؛ لعدم جواز إقراره على مال غيره.
(^١٥) مسألة: إذا كان زيد عليه دين لبكر، ولم يطلب بكر الحجر عليه، وتصرَّف زيد، في ماله ببيع وهبة وصدقة وإقرار ونحو ذلك فإن هذا التصرُّف يصح وينفذ؛ للقياس؛ بيانه: كما أن غير المدين يتصرَّف بماله وينفذ تصرُّفه فكذلك المدين غير المحجور عليه مثله والجامع: إن كلًّا منهما رشيد غير ممنوع من تصرفه بسبب حجر ولا غيره، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.
(^١٦) مسألة: إذا كان زيد عليه دين لبكر، ولم يطلب بكر الحجر عليه: فإنه يحرم على زيد أن يتصرَّف بشيء من ماله تصرُّفًا يضرُّ بغريمه - وهو بكر -؛ للقياس؛ بيانه: كما يحرم على المريض مرض الموت أن يتصرَّف بشيء من ماله يضرُّ ببعض الورثة أو كلهم، فكذلك المدين - وهو زيد هنا - غير المحجور عليه مثله، والجامع: أن مال كل منهما حقٌّ لغيره: فمال المريض هنا حق للورثة، ومال المدين حق للغرماء، فإن قلتَ: لَم شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حقوق =
[ ٣ / ٢٩٢ ]
ولم يأخذ شيئًا من ثمنه: فهو أحقُّ به؛ لقوله ﵇: "من أدرك متاعه عند إنسان أفلس فهو أحق به" متفق عليه من حديث أبي هريرة وكذا: لو أقرضه أو باعه شيئًا (بعده) أي: بعد الحجر عليه (رجع فيه) إذا وجده بعينه (إن جهل حجره)، لأنه معذور بجهل حاله (^١٧) (وإلا) يجهل الحجر عليه: (فلا) رجوع له في عينه؛ لأنه دخل على بصيرة، ويرجع بثمن المبيع، وبدل القرض إذا انفكَّ حجره (^١٨) (وإن تصرَّف)
= أرباب الحقوق بكل طريق، وسدٌّ لأي طريق يُفضي إلى إضاعتها كما قال ابن القيم (فرع): لا يصحُّ أن يتصدَّق أو يتبرَّع المدين حتى يوفي دينه، ولا يصح أن يتصدق أو يتبرع من وجبت عليه نفقة أولاده أو أهل بيته بحيث يضربهم؛ للمصلحة: حيث إن الوفاء بالدَّين، والنفقة الواجبة مصلحتهما مقدمة على مصلحة النوافل؛ حيث إنه إذا تعارضت مصلحتان: قُدمت أعظمهما نفعًا.
(^١٧) مسألة: إذا كان زيد عليه دين لغرماء، فباع محمد على زيد ثيابًا، أو أقرضه مائة ريال مثلًا قبل الحجر على زيد أو بعد الحجر عليه وهو جاهل لهذا الحجر: فوجد محمد تلك الثياب على حالها، والألف على حاله ولم يأخذ محمد من ثمن ذلك، ولم يبرأه منه: فإن محمدًا يكون أحقُّ بتلك الثياب، والقرض من بقية الغرماء عند ثبوت إفلاس زيد والحجر عليه؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من أدرك متاعه عند إنسان أفلس فهو أحقُّ به حيث إن ذلك يعمُّ المفلس المحجور عليه وغير المحجور عليه فإن قلتَ: إنه يكون كغيره من الغرماء في ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تفريط محمَّد من عدم السؤال عن زيد: أن لا يُقدَّم على غيره قلتُ: إن هذا لا يلزم؛ وهو لم يُقصَّر بعدم السؤال ولم يُفرِّط؛ لأن الغالب على الناس عدم الحجر، فهو معذور بجهل حاله فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض التلازم مع السنة".
(^١٨) مسألة: إذا باع محمد على زيد المدين أو أقرضه بعد الحجر عليه ومحمد يعلم أنه محجور عليه: فإنه لا يستحق الرجوع بعين ما باعه عليه، بل يرجع بثمن المبيع، =
[ ٣ / ٢٩٣ ]
المفلس (في ذمَّته) بشراء، أو ضمان، أو نحوهما (أو أقرَّ) المفلس (بدين أو) أقرَّ بـ (جناية توجب قودًا، أو مالًا: صح) تصرُّفه في ذمَّته، وإقراره بذلك؛ لأنه أهل للتصرُّف، والحجر متعلِّق بماله، لا بذمَّته (ويُطالب به) أي: بما لزمه من ثمن مبيع ونحوه، وما أقرَّ به (بعد فكَّ الحجر عنه)؛ لأنه حق عليه، وإنما منعنا تعلُّقه بماله؛ لحق الغرماء، فإذا استوفي: فقد زال العارض (^١٩) (ويبيع الحاكم ماله) أي: مال المفلس الذي ليس من جنس الدَّين بثمن مثله، أو أكثر (ويُقسِّم ثمنه) فورًا (بقدر ديون غرمائه الحالَّة؛ لأن هذا هو جلُّ المقصود من الحجر عليه، وفي تأخيره مطل، وهو
= وبدل القرض بعد فكِّ الحجر عن زيد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن محمدًا لو اشترى سلعة معيبة وهو يعلم عيبها فإنه يصبر على ذلك العيب وليس له حق لردّها بهذا العيب، فكذلك إذا باع سلعة على شخص محجور عليه أو قرضه فإنه يصبر عليه حتى يُفكُّ هذا الحجر والجامع: أن كلًّا منهما قد أتلف ماله بنفسه بسبب ذلك؛ لكونه قد دخل في تلك المعاملة وهو على بصيرة وعلم بذلك، فإن قلت: لِمَ لا يستحق عين ما باعه عليه، بخلاف مسألة (١٧)؟ قلتُ: لأنه دخل في هذه المسألة المعاملة على بصيرة وعلم بأنه محجور عليه فيتحمَّل ما يصيبه، أما في مسألة (١٧): فقد دخل في المعاملة وهو جاهل أنَّه محجور عليه فيعذر.
(^١٩) مسألة: إذا تصرَّف المفلس بعد الحجر عليه في ذمَّته، لا بماله: بأن اشترى دارًا على أجل، أو أقرَّ بجناية تُوجب مالًا كقوله: "أقرُّ بأني أنا الذي جرحتُ فلانًا" أو توجب قَوَدًا، أو ضمن أحدًا ونحو ذلك: فإن هذا يصح، ويُطالب بما تصرَّف به والتزم به في ذمَّته بعد أن يُفكَّ الحجر عنه: سواء طال الزمن أو قصر، للتلازم؛ حيث يلزم من تعلُّق الحجر بماله لا بذمَّته: صحَّة تصرفه بذمَّته، ويلزم من فكِّ الحجر عنه: زوال العارض من الوفاء بما التزم به في ذمته لأنه حق عليه، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه محافظة على حقوق الغرماء؛ لكون حقهم متعلقًا بماله.
[ ٣ / ٢٩٤ ]
ظلم لهم (^٢٠) (ولا يحلُّ) دين (مؤجَّل بفلس) مدين؛ لأن الأجل حق للمفلس، فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه (^٢١) (ولا) يحلُّ مؤجّل أيضًا (بموت) مدين (إن وثَّق ورثته
(^٢٠) مسألة: إذا تمَّ الحجر على المفلس: فللحاكم - وهو القاضي - أن يبيع ماله الذي ليس من جنس الدَّين بثمن يكون نقدًا للبلد، أو أكثره رواجًا أو الأصلح، أو ببيعه بشيء من جنس الدين الذي عليه، وإذا باعه فيجب عليه - أي أعلى القاضي -: أن يُقسِّم هذا الثمن مباشرة على غرماء هذا المفلس بقدر ديونهم الحالَّة، أما المؤجَّلة: فلا تدخل في هذا التقسيم؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه رد لحقوق الغرماء، وإبراء لذمَّة المفلس، وقطعًا للتنازع والخلافات؛ لأن تأخير التقسيم فيه مطل وظلم للآخرين، وهذا هو المقصود من مشروعية الحجر، فإن قلتَ لِمَ شُرع بيع ماله الذي ليس من جنس الدَّين فقط؟ قلتُ: لأن ماله الذي هو من جنس الدَّين لا حاجة إلى بيعه، وإنما يلزم الحاكم تقسيمه، (فرع): يُستحب إحضار المفلس المحجور عليه عند تقسيم ماله على غرمائه؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد أحضر الرجل الذي ابتاع ثمارًا، فكثُر دينه، فقال النبي ﵇: "تصدقوا عليه" فلم يبلغ وفاء دينه، فقال لغرمائه: "خذوا ما وجدتم فليس لكم إلّا ذلك" (فرع ثان) عند تقسيم مال المفلس على الغرماء يُبدأ بما عليه من أرش جناية، ثم يُثنَّى بمن عليه رهن لازم، ثم يأخذ الغريم الذي وجد متاعه بعينه عنده إن كان جاهلًا بالحجر عليه عند، بيعه - كما سبق - ثم يُقسَّم باقيه بين الغرماء على قدر ديونهم؛ لقاعدتين الأولى: السنة الفعلية وقد، سبقت، الثانية: التلازم؛ حيث إن الشارع قد اهتمَّ بالجنايات وكل خاص فلزم تقديم ذلك على العام؛ تقديمًا للأهم على المهم.
(^٢١) مسألة: إذا كان زيد عليه دين لبكر، وهو مؤجَّل لا يحلُّ دفعه إلّا بعد سنة، فأفلس زيد بعد ستة أشهر مثلًا: فلا يحلُّ لبكر أن يُطالب زيدًا بدينه بسبب هذا الفلس، بل يبقى الدَّين على حاله، لا يجب الوفاء به إلّا بعد، سنة؛ للتلازم؛ حيث =
[ ٣ / ٢٩٥ ]
برهن) يحرز (أو كفيل مليء) بأقل الأمرين من قيمة التركة، أو الدَّين؛ لأن الأجل حق للميت، فورث عنه كسائر، حقوقه، فإن لِمَ يُوثقوا: حلَّ: لغلبة الضرر (^٢٢) (وإن ظهر غريم) للمفلس (بعد القسمة) لما له: لِمَ تُنقض و(رجع على الغرماء بقسطه)؛ لأنه لو كان حاضرًا شاركهم فكذا: إذا ظهر (^٢٣)، وإن بقي على المفلس بقية وله صنعة:
= يلزم من كون الأجل حقًّا من حقوق المفلس: عدم سقوطه - وهو الأجل - بسبب فَلَسه؛ لأنه لا دخل للأجل في الفَلَس، ولا دخل للفلس بالأجل، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المفلس.
(^٢٢) مسألة إذا كان على زيد دين لبكر، وهو مؤجَّل، لا يحل دفعه إلّا بعد سنة، فمات زيد قبل نهاية السنة تلك مثلًا: فلا يحلُّ لبكر أن يُطالب ورثة زيد بدينه بشرط: أن يُوثّق الورثة أو غيرهم رب الدَّين - وهو بكر - بأن يرهنوا عنده عينًا تساوي ذلك الدين الذي على زيد أو تساوي التركة، أو أن يكفل مليء الأقل من الدَّين، أو التركة، أما إن لِمَ يكن هناك رهن أو كقيل: فإنه يحلُّ لبكر أن يُطالب الورثة بدينه بسبب موت المدين - وهو زيد -، ولو لم تنقض السنة؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من أن الورثة يرثون سائر حقوق مُورِّثهم: أن يرثوا الأجل الذي يحل فيه دين بكر؛ لكونه حقًّا من حقوق الميت - وهو زيد -؛ الثانية: المصلحة؛ حيث إن الغالب وجود الضرر على صاحب الدَّين إذا مات المستدين، فلا يقوم الورثة أو بعضهم بسداد ما على مُورِّثهم، فاشتُرط ذلك الشرط عليهم من رهن أو كفيل احتياطًا لحق صاحب الدين، وهو الغريم - وهو بكر هنا -؛ لرفع الضرر عنه، ولحمايته.
(^٢٣) مسألة: إذا قسَّم القاضي مال المفلس على غرمائه، ثم بعد ذلك: ظهر غريم له قد حلَّ دينه على ذلك المفلس: فلا تُنقض تلك القسمة، بل يُشارك الغرماء الذين قُسِّم عليهم المال سابقًا بقسطه وحصَّته، ويُؤخذ من كل غريم شيء ليكمل نصيب ذلك الغريم الذي ظهر أخيرًا، ويكونوا سواء على حسب نسبة دينهم: وهذا =
[ ٣ / ٢٩٦ ]
أجبر على التكسُّب لوفائها كوقف، وأُمِّ ولدٍ يستغني عنهما (^٢٤) (ولا يفكُّ حجره إلّا
= مطلق، أي: سواء تصرَّف أولئك الغرماء السابقين فيما قُسِّم عليهم من قبل أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنَّه لو قُسِّمت تركة شخص على ورثته، ثم بعد ذلك ظهر وارث آخر، فإنه يشارك الورثة السابقين بقسطه وحصَّته فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا من الوارث الجديد والغريم الجديد له حقٌّ ثابت، لا يسقط بالقسمة، فإن قلتَ: لَم شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إيصال الحقوق لمستحقيها.
(^٢٤) مسألة: إذا قُسِّم مال المفلس، وبقي عليه بعض الدَّين، وله صنعة: فإنه لا يُجبر على التكسُّب لأجل أن يقوم بوفاء هذا الباقي، بل يكتفي الغرماء بما قُسِّم عليهم من مال المفلس؛ للسنة القولية حيث قال ﵇: للغرماء الذين قسَّم عليهم مال رجل قد أفلس: "خذوا ما وجدتم، فليس لكم إلّا ذلك" فنفى أن يكون للغرماء شيء غير ما قُسِّم، وهذا عام فيشمل من بقي عليه من الدَّين شيء، ويشمل غيره، وأثبت أن ما أخذوه هو حقهم ولا يُطالبون المفلس بما نقص؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه قطع للتنازع في الباقي ووقته، فإن قلت: بل يُجبر على التكسُّب لوفاء ما نقص، أو يُؤجِّر وقفًا وقف عليه أو يُؤجِّر أم ولد يستغني عنهما حتى يفي ما بقي عليه - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث إنه بذلك يقدر على وفاء ما بقي فيلزم أن يُجبر عليه قلتُ هذا لا يلزم أن يُجبر عليه كما لا يُجبر على قبول صدقة أو هدية، أو قرض أو نحو ذلك لأجل وفاء ما بقي؛ للمصلحة؛ حيث إن إجباره على ذلك سيُلحق به ضرر المنَّة وضرر طول الانتظار، فإن قلتَ ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "الخلاف هل يُوجد ضرر على المفلس إن أُجبر على التكسُّب لوفاء ما بقي من دينه أولا؟ " فعندنا: يُوجد ضرر فدفعًا له: لا يُجبر، وعندهم: لا.
[ ٣ / ٢٩٧ ]
حاكم)؛ لأنه ثبت بحكمه، فلا يزول إلّا به، وإن وفَّى ما عليه: انفكَّ الحجر بلا حاكم؛ لزوال موجبه (^٢٥).
فصل: في المحجور عليه لحظِّه (ويُحجر على السفيه، والصغير، والمجنون لحظِّهم)؛ إذ المصلحة تعود عليهم، بخلاف المفلس والحجر عليهم عام في ذممهم ومالهم، ولا يحتاج لحاكم، فلا يصح تصرفهم قبل الإذن (^٢٦) (ومن أعطاهم ماله بيعًا أو قرضًا) أو
(^٢٥) مسألة: ينفك الحجر عن المفلس في حالتين: الحالة الأولى: إذا وفَّى وقضى كل ما عليه، ولم يبق عليه شيء من الدَّين عليه: فإن هذا ينفكّ عنه الحجر بنفسه بدون حكم حاكم؛ للتلازم؛ حيث إن سبب الحجر هو: الإفلاس، وطلب الغرماء لحقهم، فزال هذا السبب بوفاء المفلس جميع ما عليه: فيلزم منه زوال الحجر بنفسه، بدون الحاجة إلى حكم حاكم. الحالة الثانية: إن قضى المفلس بعض ما عليه بعد تقسيمه على الغرماء كل بحسب حصته ولم يستطع وفاء ما بقي: فإن الحجر لا يفكه إلا الحاكم، لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن السفيه يُحجر عليه بعد اختباره من قبل الحاكم، ولا يفك الحجر عنه إلا حاكم بعد اختبار رشده فكذلك المفلس مثله والجامع: أن الحاكم هو المستطيع لذلك الثانية: التلازم؛ حيث إن ثبوت إفلاس إنسان لا يكون إلا بعد دقة في البحث واستقصاء تام، ولا يقوى على ذلك إلّا الحاكم، وكذا: لا يقوى على إيقاف الغرماء إن أرادوا مطالبة المفلس بما بقي إلا الحاكم فلزم من ذلك: أنَّه هو الذي يفكُّ الحجر عنه، ويحميه من الآخرين، وهو المقصد منه تنبيه: ما سبق كله هو الكلام عن قسم: من حُجر عليه من أجل المحافظة على حقوق الآخرين، وما سيأتي هو: الكلام عن قسم من حُجر عليه من أجل المحافظة على حقوقه.
(^٢٦) مسألة: يجب أن يُحجر على السفيه - إذا ظهر منه تبذير ماله -، والصغير، والمجنون بدون إذن حاكم، وهذا الحجر يكون في مالهم وفي ذممهم، وإذا أراد =
[ ٣ / ٢٩٨ ]
وديعة ونحوها: (رجع بعينه) إن بقي؛ لأنه ماله (وإن) تلف في أيديهم، أو (أتلفوه: لم يضمنوا)؛ لأنه سلَّطهم عليه برضاه: علم بالحجر أو لا؛ لتفريطه (^٢٧) (ويلزمهم أرش الجناية) إن جنوا؛ لأنه لا تفريط من المجنى عليه، والإتلاف يستوي فيه الأهل وغيره (و) يلزمهم أيضًا (ضمان مال من لم يدفعه إليهم)؛ لأنه لا تفريط من المالك، والإتلاف يستوي فيه الأهل وغيره (^٢٨) (وإن تمَّ لصغير خمس عشرة سنة): حُكم
= واحد منهم أن يتصرَّف ببيع أو شراء، أو إجارة فيجب أن يستأذن وليه للمصلحة: حيث إن هؤلاء قد ثبت ضعف عقولهم، فيغلب على الظن غشُّ الظلمة لهم في المعاملات، فيُحجر عليهم ويُمنعون من التصرُّف بأموالهم؛ حفظًا لها من الضياع، فإن قلت: لِمَ يُحجر على هؤلاء في أموالهم وذممهم والمفلس يُحجر في ماله فقط؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن حقَّ الغرماء قد تعلَّق في مال المفلس فقط دون ذمته؛ نظرًا لتحمُّل ذمته، أما هؤلاء فلا ذمَّة لهم، ولا أثر لخطاباتهم وتعهُّداتهم، فإن قلت: لِمَ لا يُحتاج إلى حكم حاكم في الحجر على هؤلاء؟ قلتُ: لأن عجزهم عن حسن التصرف وسهولة خداعهم معروف منتشر بين الناس، فلا يحتاج إلى حاكم يثبته.
(^٢٧) مسألة: إذا أعطى شخص سفيهًا، أو صغيرًا، أو مجنونًا ماله على سبيل البيع، أو القرض، أو الإجارة، أو الوديعة، أو العارية أو نحو ذلك مما عليه عوض: ذلك فإنه يرجع بعينه إن بقي بدون تلف، أما إن تلف ما أعطاهم إيّاه بموت حيوان، أو عبد، أو انهدام دار: فإن هؤلاء لا يضمنون ذلك له: سواء تلف بتعدٍّ منهم، أو لا، وسواء كان عالمًا بالحجر عليهم أو لا، للتلازم: حيث إن ما أعطاهم إيّاه ماله وحقه، وتصرفهم فاسد فيلزم من ذلك: أن عين ما أعطاهم إيّاه باق على ملكه فيأخذه بعينه، ويلزم من تسليطهم على تلك العين برضاه: أنهم لا يضمنون تلك العين، نظرًا لتفريطه؛ لكون الحجر عليهم مشتهر لا يجهله أحد.
(^٢٨) مسألة: إذا جنى سفيه، أو صغير، أو مجنون جناية على نفس، أو طرف، أو =
[ ٣ / ٢٩٩ ]
ببلوغه؛ لما روى ابن عمر قال: "عرضتُ على النبي ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجزني، وعُرِضت عليه يوم الخندَق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني" متفق عليه (أو نبت حول قبله شعر خشن) حكم ببلوغه؛ لأن سعد بن معاذ لما حكم في بني قريضة بقتلهم، وسبي ذراريهم: أمر أن يكشف عن مؤتزرهم، فمن أنبت: فهو من المقاتلة، ومن لم يُنبت فهو من الذرية، وبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة" متفق عليه (أو أنزل) حكم ببلوغه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (^٢٩)
= جرح؛ أو أتلف مالًا لغيره لم يدفع إليه كأن يحرق زرعًا، أو سيارة لغيره: فإنه يجب عليه أرش الجناية، ويضمن ما أتلفه، فيدفع وليه من ماله الأرش، والقيمة؛ لقاعدتين: الأولى التلازم؛ حيث إنه لا يُوجد تفريط من المجنى عليه، ولا من المالك للمال المتلف فيلزم من الجناية والإتلاف: دفع الأرش وقيمة المتلف من باب الحكم الوضعي، دون الحكم التكليفي؛ لأنه لما وجد السبب وهو الجناية والإتلاف - لزم وجود الحكم - وهو دفع الأرش وقيمة المتلف فلا تُشترط الأهلية، الثانية: المصلحة؛ حيث إنه لو لم تجب الدية، أو الأرش بسبب جناياتهم، ولم تجب قيمة المتلف بسبب إتلافاتهم: لأدَّى ذلك: أن يقوم بعض الظلمة بتسليط بعض السفهاء أو الصبيان، أو المجانين إلى أن يجنوا على آخرين، أو يتلفوا أموال آخرين، فيعم الضرر، فدفعًا لذلك: أوجب الشارع أن يدفعوا الأرش أو الدية بسبب جناياتهم، وأن يدفعوا قيمة ما أتلفوه، قال ابن القيم: "وهذا من الشرائع العامة التي لا تتم مصالح الأمة إلّا بها".
(^٢٩) مسألة: ينفكُّ الحجر عن الصبي، ويُحكم ببلوغه بواحد من ثلاثة أمور: أولها: إذا بلغ من العمر خمس عشرة سنة مع وجود الرشد؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد أجاز القتال لابن عمر يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، في حين أنه لَم يجزه يوم أحد وهو له أربع عشرة سنة، وهذا يلزم منه: أن سن البلوغ =
[ ٣ / ٣٠٠ ]
(أو عقل مجنون، ورشدا) أي: من بلغ وعقل (^٣٠) (أو رشد سفيه: زال حجرهم)؛ لزوال علَّته، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (^٣١) (بلا
= خمس عشرة سنة ثانيها: إذا نبت حول قُبُلُه شعر خشن - وهو شعر العانة - مع وجود الرشد؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن سعد بن معاذ لما جُعل له الحكم على بني قريظة: قد حكم أن يُقتل مقاتلتهم، وتُسبى ذراريهم فكان ﵁ يكشف عن عانة الذكر منهم فإن كان قد نبت شعره: فيؤمر بقتله؛ لبلوغه، ومن لم ينبت له شيء: فهو من السبايا - فيكون صغيرًا - فأقرَّه ﵇ على ذلك، ثالثها: إذا نزل المني من الشخص يقظة أو منامًا باحتلام أو عن طريق الجماع، مع وجود الرشد؛ فإنه يحكم ببلوغه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾؛ والمراد بالحلم هو: رؤية الطفل المني يخرج منه، لذلك أوجب الشارع أن يستأذنوا عند دخولهم على أهلهم؛ لئلا يطَّلعوا على عوراتهم؛ لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، فإن قلت: لِمَ جُعلت هذه الأمور هي حدُّ البلوغ وانفكاك الحجر عنهم؟ قلتُ: لأن الصبي إذا وصل إلى هذا الحد من العمر، وثبت رشده: فإنه يُدرك حقائق الأمور، ولا يُغش في أكثر من المعاملات عادة وعرفًا.
(^٣٠) مسألة: ينفكُّ الحجر عن المجنون البالغ إذا عقل وميَّز بين الخير والشر، والنافع والضار، والحق والباطل، مع وجود رشده وإدراكه لحقائق الأمور؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﵇: "رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يُفيق، والنائم حتى يستيقظ" والإفاقة هي: العقل والتمييز، فدلَّ مفهوم الغاية على أن المجنون إذا عقل، وميَّز بين الأمور: فإنه يُحكم بحسن تصرُّفه بماله، فيلزم فكُّ الحجر عنه، وهو المقصد منه، تنبيه: قوله: "ورشدا" يقصد رشد الصبي والمجنون، وقد سبق.
(^٣١) مسألة: ينفكُّ الحجر عن السفيه إذا رشد في عقله، وحفظ ماله، وتصرّف فيه =
[ ٣ / ٣٠١ ]
قضاء) حاكم؛ لأنه ثبت بغير حكمه فزال لزوال موجبه بغير حكمه (^٣٢) (وتزيد الجارية) على الذكر (في البلوغ بالحيض)؛ لقوله ﵇: "لا يقبل الله صلاة حائض إلّا بخمار" رواه الترمذي وحسَّنه (وإن حملت) الجارية: (حكم ببلوغها) عند الحمل؛ لأنه دليل إنزالها؛ لأن الله تعالى أجرى العادة بخلق الولد من مائهما، فإذا ولدت: حكم ببلوغها من ستة أشهر؛ لأنه اليقين (^٣٣) (ولا ينفكُّ) الحجر عنهم (قبل
= تصرُّف العقلاء؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ فأوجب الشارع دفع المال لصاحبه إذا رشد وزال السفه مع بلوغ وعقل؛ لزوال المانع من دفعه إليهم؛ لأن الأمر في قوله "فادفعوا" مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ويلزم منه: انفكاك الحجر عنهم، ويعم هذا السفيه والمجنون، والصبي.
(^٣٢) مسألة: ينفكُّ الحجر عن الصبي، والمجنون، والسفيه إذا بلغوا، وعقلوا، ورشدوا بغير حكم حاكم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ثبوت الحجر عليهم بغير حكم حاكم: أن يزول بدون حكمه؛ نظرًا لزوال سببه وهو: الصبا، والجنون، والسفه.
(^٣٣) مسألة: ينفكُّ الحجر عن الصبية والأنثى، ويُحكم ببلوغها بواحد من خمسة أمور: أولها: إذا بلغت خمس عشرة سنة مع الرشد، ثانيها: إذا نبت حول قبلها شعر خشن - وهو شعر العانة - مع الرشد ثالثها: إذا أنزلت المني يقظة أو منامًا مع الرشد - وقد سبق ذكر قواعد ذلك في مسألة (٢٩) - رابعها: إذا حاضت، مع رشدها فتبلغ بذلك ويفك عنها الحجر، ولو لم تبلغ خمسة عشر عامًا، ولو لم تُنبت شعرًا، ولو لم تُنزل المني؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا يقبل الله صلاة حائض إلّا بخمار" فبيَّن أن الحائض تُقبل صلاتها الواجبة بشرط: وضع الخمار عليها، ولا تقبل صلاة إلّا من بلغ قبول واجب، خامسها: إذا حملت الأنثى مع رشدها: فيحكم ببلوغها ويُفكُّ عنها الحجر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من =
[ ٣ / ٣٠٢ ]
شروطه) السابقة بحال، ولو صار شيخًا (^٣٤) (والرشد: الصلاح في المال)؛ لقول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ أي: صلاحًا في أموالهم، فعلى هذا: يُدفع إليه ماله وإن كان مفسدًا لدينه ويُؤنس رُشده (بأن يتصرَّف مرارًا فلا يُغبن) غبنًا فاحشًا (غالبًا، ولا يبذل ماله في حرام) كخمر، وآلات لهو، (أو في غير فائدة) كغناء ونفط؛ لأن مَنْ صرف ماله في ذلك: عُدَّ سفيهًا (^٣٥) (ولا يُدفع إليه) أي: الصغير
= حملها: ثبوت إنزالها للمني؛ لكونها لا تحمل إلا إذا أنزلت مع الزوج قال تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾، والإنزال يثبت البلوغ (فرع): إذا ولدت: فإنه يُحكم ببلوغها قبل ولادتها بستة أشهر، للتلازم؛ حيث إن أقل مدة الحمل ستة أشهر، فيلزم منه ثبوت بلوغها حين حدوث الحمل: لأنه لم يحدث إلّا بالإنزال، والإنزال من علامات البلوغ.
(^٣٤) مسألة لا يُفكُّ الحجر عن الصبي، والمجنون، والسفيه قبل البلوغ، والعقل، والرشد وزوال السفه - كما سبق في مسائل (٢٩ إلى ٣٣) - فإن لم يعقل، أو يرشد فلا يُفكُّ عنه الحجر ولو كان شيخًا كبيرًا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ فعلَّق دفع المال على الرشد والعقل، ودلَّ مفهوم الشرط على أنه إذا لم يتبيَّن رشدهم وحسن تصرُّفهم في دينهم وأموالهم: فلا يدفع إليهم شيء من أموالهم، مهما كانت أعمارهم، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ وحماية لأموالهم من أن تضيع.
(^٣٥) مسألة: المقصود من الرشد: أن يكون صالحًا في إدارة أمواله فيُعطى ماله وإن كان فاسقًا وهذا له علامات: أولها: عدم وقوع الغبن عليه غبنًا فاحشًا، أو في غالب معاملاته: فإن وقع ذلك بأن اشترى سلعة بعشرة، وهي لا تساوي ستة: فليس براشد، ثانيها: أن لا يبذل ماله في أمور محرَّمة كأن يشتري الخمور ونحوها ثالثها: أن لا يبذل ماله في أمور لا فائدة منها في الآخرة، ولا في الدنيا كشرائه =
[ ٣ / ٣٠٣ ]
(حتى يختبر)؛ ليُعلم رشده (قبل بلوغه بما يليق به)؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الآية، والاختبار يختص بالمراهق الذي يعرف المعاملة والمصلحة (^٣٦) (ووليهم) أي:
= الحيوانات ليلعب بها أو شراء شيء ليحرقه، فمن فعل هذه الأمور الثلاثة، أو أحدها: فليس براشد، ويُعتبر سفيهًا، فيستمر الحجر عليه؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس قد فسَّر الرشد الوارد في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ بالصلاح في المال فقط، وتفسير الصحابي حجة الثانية: التلازم؛ حيث إن توفر تلك الأمور الثلاثة يلزم منها الحكم غالبًا برشد وصلاح المتوفَّرة فيه في العادة والعرف، فإن قلتَ: إن المقصود من الرشد الصلاح في المال والدِّين، وهو قول الشافعي وابن عقيل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إفساده في دينه: عدم الثقة في حفظ ماله قلتُ: هذا لا يلزم فقد يكون الفاسد أصلح من الصالح في دينه في حفظ ماله، وقد يكون العكس، وقد يتساويان، ومع هذا الاحتمال لا يلزم ما ذكرتموه فإن قلتَ ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الفاسق في دينه هل يلزم منه: عدم حفظ ماله أولا؟ " فعندنا: لا يلزم، وعندهم: يلزم، فائدة: بعضهم يُسمِّي إحراق ماله للتفرج "نفطًا" بكسر النون، وهو من السفه لذلك يحجر على فعل من مثل ذلك.
(^٣٦) مسألة: الصبي المميز الذي يعرف بعض المعاملات، وما تقتضيه مصلحته فيها: يجب على وليه أن يُجري عليه بعض الاختبارات التي تليق به وتناسبه في بيع وشراء ونحو ذلك، فإن ثبت صلاحه ورشده في ذلك بعلامات قد سبق ذكرها - في مسألة (٣٥) -: فإنه يُدفع إليه ماله ويُفك حجره عند بلوغه مباشرة بعلاماته - المذكورة في مسألتي (٢٩ و٣٣) - وإن لم يثبت صلاحه ورشده: فلا يُدفع إليه شيء من ماله للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ فأوجب الشارع على الولي أن يختبر الصبي والصبية قبل سن البلوغ؛ لأن الأمر في قوله: "وابتلوا" مطلق فيقتضي =
[ ٣ / ٣٠٤ ]
ولي السفيه الذي بلغ سفيهًا واستمر، والصغير والمجنون (حال الحجر: الأب) الرشيد، العدل ولو ظاهرًا؛ لكمال شفقته (ثم وصيُّه)؛ لأنه نائبه ولو بُجعْل، وثمَّ متبرِّع (ثم الحاكم)؛ لأن الولاية انقطعت من جهة الأب: فتعيّنت للحاكم (^٣٧)، ومن
= الوجوب، ولأن لفظ "اليتامى" يلزم منه: أن وجوب الابتلاء والامتحان يكون قبل البلوغ؛ لكون البالغ لا يُسمَّى يتيمًا، ودلَّت الآية - أيضًا - على أن الولي إذا ثبت لديه رشد ذلك الصبي - أو الصبية -: فإنه يدفع له ماله، ودلّ مفهوم الشرط على عدم دفع الولي للصبي ماله إن لم يثبت رشده وصلاحه، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن تأخير الاختبار إلى ما بعد بلوغه يؤدِّي إلى استمرار الحجر عليه مُدَّة أطول، فتضيع عليه بعض مصالحه، فدفعًا لذلك شرع هذا الحكم. (فرع): الولي لا يدفع للبالغ الرشيد ماله إلّا بعد أن يُشهد على ذلك شهود معتبرين ويكتب الرشيد قرارًا بذلك؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية للولي من أن يُطالبه ذلك البالغ الرشيد بعد ذلك بشيء من ماله، أو يدَّعي عليه بأي دعوى.
(^٣٧) مسألة: الأب العادل الرشيد هو الذي يتولَّى مال السفيه والصبي والمجنون حال الحجر، فإن لم يُوجد أب، فإن الذي يتولَّى ذلك وصيُّه ولو ببدل وجُعْل، فإن لم يُوجد وصي، فإن الذي يتولّى ذلك أيُّ شخص تبرَّع بالولاية وهو صالح لها، فإن لم يُوجد متبرِّع: فإن الذي يتولى ذلك: الحاكم العادل - وهو القاضي - وللقاضي أن يُولِّي من شاء ممن يراه صالحًا لذلك؛ للمصلحة: حيث إن الأب العادل الرشيد أشفق على أولاده عادة فقُدِّم؛ فيكون أحفظ للمال، ثم وصيه؛ إذ لا يُوصي الأب عادة إلّا من كان مثله في الشفقة على أولاده، فقُدِّم، ثم متبرِّع بالولاية؛ لكون المتبرِّع في العادة أخلص من غيره، فقُدِّم، ثم الحاكم العادل القوي لكونه ولي من لا ولي له: (فرع): الولاية على هؤلاء لا تحتاج إلى حكم حاكم إلا إذا امتنع بعضهم من طاعة الولي، فيُرجع إلى الحاكم ليُقرِّر ذلك. (فرع =
[ ٣ / ٣٠٥ ]
فُكَّ عنه الحجر فسفه: أعيد عليه، ولا ينظر في ماله إلّا الحاكم كمن جُنَّ بعد بلوغ ورُشْد (^٣٨) (ولا يُتصرَّف لأحدهم وليُّه إلا بالأحظ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ والسفيه والمجنون في معناه (^٣٩)، (ويتَّجر) ولي المحجور عليه (له مجَّانًا) أي: إذا اتَّجر ولي اليتيم في ماله كان الربح كله لليتيم؛ لأنه نماء ماله فلا يستحقه غيره إلّا بعقد، ولا يعقد الولي لنفسه (^٤٠)
= ثان) تشترط العدالة في كل ولي؛ إذ لا ولاية بلا عدالة للمصلحة، وهي واضحة.
(^٣٨) مسألة: إذا فُكَّ الحجر عن شخص، ودُفع إليه ماله ثم صار سفيهًا بعد ذلك: فإنه يُعاد إليه الحجر، ويُمنع من التصرُّف بماله، والذي يفعل ذلك هو الحاكم فقط، دون الأب ونحوه؛ للقياس؛ بيانه كما أن الشخص البالغ العاقل الراشد لو جُنَّ فإنه يحجر عليه الحاكم، ويمنعه من التصرُّف في ماله فكذلك الشخص إذا سفه مثله والجامع: وجود سبب الحجر فيلزم وجود حكمه وهو: الحجر، فإن قلتَ لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لمال المحجور عليه، فإن قلتَ: لِمَ لا يحجر عليه إلّا الحاكم دون غيره؟ قلتُ: لأن هذا السفه والجنون حدث بعد رشده، ولا مدخل للأب فيه بعد رشده، وما لا مدخل للأب فيه: فإنه يُرجع فيه إلى الحاكم.
(^٣٩) مسألة: إذا تولّى شخص على صبي ومجنون وسفيه: فلا يجوز له أن يتصرَّف في أموالهم إلا بالأحظ، والأحوط والمصلحة لهؤلاء؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ والمراد: تصرَّفوا في مال اليتيم والصبي بشرط: أن يكون هذا التصرُّف في مصلحة هذا المال لأن الاستثناء من النفي إثبات، ومال السفيه، والمجنون مثل مال الصبي في ذلك؛ لعدم الفارق فيكون من باب "مفهوم الموافقة المساوي" بجامع: تنمية أموالهم في كل وهو المقصد.
(^٤٠) مسألة: ولي السفيه والمجنون والصبي، يُستحب له أن يُتاجر بمال هؤلاء، بدون مقابل؛ للتلازم؛ حيث إن هذه المتاجرة وقعت بمال ذلك المحجور عليه: فيلزم أن =
[ ٣ / ٣٠٦ ]
(وله دفع ماله) لمن يتَّجر فيه (مضاربة بجزء) معلوم (من الربح) للعامل؛ لأن عائشة أبضعت مال محمد بن أبي بكر ﵃، ولأن الولي نائب عنه فيما فيه مصلحته، وله البيع نساء، والقرض برهن، وإيداعه، وشراء العقار، وبناؤه لمصلحة (^٤١)، وشراء الأضحية لموسر (^٤٢)،
= يكون الربح لصاحب المال، ولا يستحقه الولي إلّا بعقد، ولا يجوز للولي أن يعقد لنفسه؛ لكونه سيأخذ الأحظ له، وهذا لا يجوز، فإن قلت: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن ذلك فيه تنمية لأموالهم، وأشار إلى ذلك عمر بقوله: "اتجروا بأموال اليتامى؛ كيلا تأكلها الصدقة".
(^٤١) مسألة: يُستحب لولي صبي، ومجنون وسفيه: أن يدفع مال هؤلاء إلى عامل يتَّجر فيه عن طريق شركة المضاربة بجزء معلوم يكون للعامل، وإذا اقتضت المصلحة أن يُقرض عقار هؤلاء برهن، أو أن يُودِعه، أو أن يشتري عقارًا له، أو أن يبني شيئًا لمصلحته: فإنه يفعل ذلك، ولو تلف هنا المال الذي تصرَّف فيه الولي من غير تفريط: فلا يضمنه؛ لقاعدتين: الأولى: فعل الصحابي؛ حيث إن عائشة اتّجرت بمال أخيها محمد بن أبي بكر، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الولي نائب عن المحجور عليه من هؤلاء فيفعل كما يفعل أيُّ شخص غير محجور عليه فيما تقتضيه المصلحة ودفع المفسدة، ولا يضمن؛ لكونه لم يُفرِّط.
(^٤٢) مسألة: يُستحب لولي صبي موسر أن يشتري له أضحية من مال ذلك الصبي؛ للقياس؛ بيانه: كما يُستحب أن يشتري له ثيابًا حسنة في يوم العيد، فكذلك يُستحب شراء الأضحية من ماله والجامع: تحصيل جبران قلبه، وإدخال السرور إليه إذا كان يعقل التضحية (فرع): يجوز أن يتصدَّق ولي الصبي ببعض لحم الأضحية عنه؛ للقياس؛ بيانه كما يتصدَّق البالغون فكذلك الصبي مثلهم والجامع إظهار اليُسر، والمواساة في كل. (فرع ثان) يُستحب للولي أن يشتري للصبي أو الصبية بعض الألعاب المباحة التي يلهو بها من مالهما؛ للقياس؛ بيانه: =
[ ٣ / ٣٠٧ ]
وتركه في المكتب بأجرة (^٤٣)، ولا يبيع عقاره إلا لضرورة، أو غبطة (^٤٤) (ويأكل الولي الفقير من مال موليه)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (الأقلَّ من كفايته أو أجرته) أي: أجرة عمله؛ لأنه يستحق بالعمل، والحاجة جميعًا، فلم يجز أن يأخذ إلا ما وُجدا فيه (مجانًا) فلا يلزمه عوضه إذا أيسر؛ لأنه عوض عن عمله، فهو فيه كالأجير والمضارب (^٤٥) (ويُقبل قول الولي) بيمينه (والحاكم) بغير يمين (بعد فكِّ
= كما أن الصبيان الذين لهم آباء يُشترى لهم ذلك: فكذلك اليتيم مثلهم والجامع: إدخال السرور وجبر القلوب في كل.
(^٤٣) مسألة: يُستحب لولي اليتيم - وهو الصبي الموسر أن يُعلِّمه القراءة والكتابة، وأن يُعلِّمه صنعة ينتفع من ورائها، وأن يُعلِّمه السباحة والرماية، والأدب، وأن يغرس في نفسه حبَّ العلم، وهذا يفعله بأجرة من مال الصبي؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة له، ودفع مفسدة عنه، ومعلوم: أن العز في أدب وعلم، وأن في الجهل الذل والمهانة.
(^٤٤) مسألة: يجوز أن يبيع الولي عقار صبي، أو مجنون، أو سفيه إذا اقتضت المصلحة ذلك: سواء كانت ضرورية أو حاجية أو تحسينية للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تنمية ماله، أو إنقاذه من الضياع، فإن قلتَ: لا يجوز بيع العقار إلّا للضرورة كاحتياجه إلى كسوة أو أكل أو سكن فقط، أو أن يُدفع في ذلك العقار ثمن فيه زيادة كثيرة على ثمن مثله وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إن بيع عقار هؤلاء بدون ضرورة تفويت لبعض حقهم، قلتُ: لا يُوجد تفويت لبعض حقهم إذا رأى الولي العدل الراشد أن بيعه في مصلحتهم وإن لم تكن ضرورية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" فعندنا: يُكتفى بأي مصلحة يراها الولي، وعندهم: لا يُكتفى إلّا بالمصلحة الضرورية.
(^٤٥) مسألة: إذا كان ولي الصبي والمجنون والسفيه فقيرًا: فإنه يأكل من مال هؤلاء أكلًا أقل ما يكون كفايته أو أجرة لعمله مجانًا، فلو كانت أجرة مثله عشرة =
[ ٣ / ٣٠٨ ]
الحجر في النفقة) وقدرها ما لم يخالف عادة وعرفًا (^٤٦)، ولو قال: "أنفقتُ عليك منذ
= ريالات، وقدر كفايته خمسة عشر: فيأخذ عشرة فقط، ولو أيسر هذا الولي فلا يجب عليه أن يدفع ما أخذه إلى مال الصبي والمجنون والسفيه؛ لقواعد، الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ والمعروف: هو قدر المثل وهو ما تعارف عليه عقلاء الناس؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث جاء رجل إلى النبي ﵇ فقال له إني فقير ولي يتيم له مال، فقال له النبي ﵇: "كل من مال يتيمك غير مسرفٍ، ولا مُبذِّرٍ ولا متأثِّل" والذي صرف الأمر في الآية والحديث من الوجوب إلى الإباحة أن الأمر جاء بعد حظر؛ حيث يُحظر ويحرم الأكل من مال الغير بغير إذنه، فجاء هذا الأمر ليبيح ذلك بالمعروف؛ الثالثة: القياس؛ بيانه كما أن الأجير والمضارب يأخذان أجرة لعملهما، فكذلك ولي الصبي والمجنون والسفيه له الأخذ من مالهم والجامع: أن كلًّا منهم يأخذ بدل عمل يؤدِّيه، فإن قلتَ لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سدُّ حاجة هذا لولي الفقير ليتفرَّغ لإدارة مال الصبي أو المجنون أو السفيه كما يُعطى إمام المسجد ومؤذِّنه، والناظر على الوقف ليتفرَّغوا لذلك.
(^٤٦) مسألة: إذا اختلف ولي مع موليه - وهو الصبي، أو المجنون أو السفيه - بعد بلوغه وعقله ورشده - في قدر النفقة التي أنفقها الولي فقال هؤلاء: "إنك أيها الولي قد تعدَّيت بالنفقة وأكثرت منها فزال أكثر ما نملك" فقال الولى: لم أتعدَّ: فإنه يُقبل قول الولي مع يمينه بشرط: أن لا يُخالف قوله فيما أنفقه عادة وعرف عقلاء الناس في نفقاتهم؛ للقياس؛ بيانه: كما يُقبل قول المودَع مع يمينه فيما أنفقه على الوديعة فكذلك يُقبل قول الولي هنا، والجامع: أن كلًّا من الوديعة ومال المحجور عليه يعتبران وديعة عند أمين عدل، فإن قلت: لِمَ شُرِّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو لم يُقبل قول الولي في ذلك: لما تولَّى أحد على أحد؛ نظرًا لخوف التهمة والتشهير ببعض من يعمل خيرًا، فدفعًا لذلك: شرع هنا، واشترط ذلك الشرط؛ لأن العادة محكَّمة.
[ ٣ / ٣٠٩ ]
سنتين" فقال: "من سنة": قدم قول الصبي؛ لأن الأصل: موافقته، قاله في "المبدع" (^٤٧) (و) يُقبل قول الولي أيضًا في وجود (الضرورة والغبطة) إذا باع عقاره وادَّعاهما، ثم أنكره (و) يُقبل قول الولي أيضًا في (التلف) وعدم التفريط؛ لأنه أمين، والأصل براءته (و) يُقبل قوله أيضًا في (دفع المال) إليه بعد رشده؛ لأنه أمين (^٤٨)،
(^٤٧) مسألة: إذا اختلف الولي مع موليه - وهو الصبي والمجنون والسفيه بعد بلوغه وعقله ورشده - في مُدَّة النفقة فقال الولي: "أنفقتُ عليك من مالك سنتين" وقال الواحد من هؤلاء: "بل أنفقت عليّ سنة واحدة ولا بيّنة: فإنه يُقبل قول الصبي والمجنون والسفيه بعد البلوغ والعقل والرشد مع يمينه؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل حياة والد الصبي وعقل المجنون، ورشد السفيه، فيُستصحب ما وافق الأصل، وهو الأقل مُدَّة ويُعمل به.
(^٤٨) مسألة: إذا اختلف الولي مع موليه - وهو الصبي، والمجنون والسفيه بعد البلوغ والعقل والرشد - في بيع العقار للضرورة أو عدمها وفي التلف، وفي دفع المال فقال الولي: "إني بعتُ عقارك لاقتضاء المصلحة لذلك" أو قال: "إن مالك تلف من غير تفريط مني" أو قال: "إني دفعت لك مالك بعد رشدك مباشرة" فأنكر الصبي أو المجنون، أو السفيه بعد البلوغ والعقل، والرشد ما قاله الولي في تلك الصور الثلاث: فإنه يُقبل قول الولي مع يمينه؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يُقبل قول المودَع في أي تصرُّف تصرَّفها في مصلحة الوديعة، وفي تلفها من غير تفريط، وفي دفعها للمودِع مع يمينه فكذلك يقبل قول الولي فيما يخص تلك الأمور الثلاثة والجامع: أن كلًّا منهما أمين، والأصل براءته، فإن قلت: لِمَ شُرِّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وقد بيَّناها في مسألة (٤٦) - (فرع): يُقبل قول الولي في تلك الصور - التي في مسألتي (٤٦ و٤٨) - مع يمينه إذا لم يكن الولي هو الحاكم أو الأب أما هما فيُقبل قولهما بدون يمين؛ للتلازم: حيث إن احتمال صدق الصبي، والمجنون، والسفيه بعد البلوغ والعقل والرشد قريب فلزم مشروعية اليمين احتياطًا، ويلزم =
[ ٣ / ٣١٠ ]
وإن كان بجُعْل: لم يُقبل قوله في دفع المال؛ لأنه قبضه لنفعه كالمرتهن (^٤٩)، ولولي مميِّز وسيده أن يأذن له في التجارة فينفكُّ عنه الحجر بقدر ما أذن له فيه (^٥٠) (وما استدان
= من كون الحاكم هو الوالي العام، واستبعاد تهمته، وكون الأب لا يُخاصمه ولده وبعد تهمته في ذلك: قبول قولهما بدون يمين تنبيه: قوله: "في الضرورة والغبطة" قلتُ: هذا على رأي المصنف المرجوح كما سبق في مسألة (٤٤).
(^٤٩) مسألة: إذا تولَّى شخص على صبي، أو مجنون، أو سفيه بجُعْل وأُجرة ونسبة يأخذها نظير هذه الولاية، وادَّعى أنه دفع المال إلى الصبي لما بلغ، وإلى المجنون لما عقل، والسفيه لما رشد وكذَّبه هؤلاء: فإنه يقبل قولهم؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المرتهن لو ادَّعى ردَّ العين المرهونة، وأنكر ذلك الراهن: فإنه يقبل قول الراهن فكذلك الحال هنا، والجامع: أن إطالة قبض المرتهن والولي فيه منفعة لهما فتكون التهمة متوجهة إليهما أكثر، فلذا تُرك قولهما، وقبل قول الراهن وهؤلاء - أعني الصبي والمجنون والسفيه لما بلغوا، وعقلوا، ورشدوا -.
(^٥٠) مسألة: يُباح لولي حر مميِّز، ويُباح لسيد عبد مميز أن يأذنا لهذا الصبي المميز، وهذا العبد المميز في مزاولة التجارة، وبناء على هذا: ينفكُّ الحجر عنهما في قدر ونوع ما أُذن لهما فيه فقط، فإذا أذنا لهما في التجارة بألف مثلًا: لم يصح تصرُّفهما في أكثر منه، وإذا أذنا لهما في التجارة في ثياب مثلًا: لم يصح أن يتصرَّفا في تجارة طعام ونحو ذلك؟ لقاعدتين الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ والذي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الإباحة أنه أمرٌ ورد بعد حظر؛ حيث إنه يُحظر ويُحرم جعل اليتيم - وهو الصبي - يتصرَّف في ماله، فورود هذا الأمر مر بعد هذا الحظر: أفاد الإباحة، وهذا الابتلاء والامتحان يكون في مرحلة حلة الصبا؛ لأن هذا هو اللازم من لفظ "اليتامى"؛ لأن اليتيم هو الذي لم يبلغ؛ الثانية: القياس؛ بيانه كما أن العبد الكبير يُؤذن له بالتصرُّف بالتجارة فترة مُعيَّنة في شيء مُعيَّن فكذلك الصبي المميز، والعبد الصغير المميز مثله والجامع: أن =
[ ٣ / ٣١١ ]
العبد: لزم سيده) أداؤه (إن أذن له) في استدانته ببيع أو قرض؛ لأنه غرّ الناس بمعاملته (وإلا) يكن استدان بإذن سيده (فـ) ما استدانه (في رقبته): يُخيَّر سيده بين بيعه وفدائه بالأقل من قيمته أو دينه ولو أعتقه، وإن كانت العين باقية: رُدَّت لربها (كاستيداعه) أي: أخذه وديعة فيتلفها (وأرش جنايته، وقيمة متلفه) فيتعلَّق ذلك كله برقبته، ويُخيَّر سيده كما تقدَّم (^٥١) ولا يتبرَّع المأذون له بدراهم، ولا كسوة، بل
= كلًّا منهما محجور عليه، والمقصد من ذلك: تعليم هؤلاء على التصرُّف الحسن قبل أن يستلم ماله.
(^٥١) مسألة: إذا استدان العبد، أو اقترض أو باع، أو اشترى أو أخذ وديعة، أو جنى: ففيه حالات. الحالة الأولى: إن كان ما استدانه أو اقترضه باقيًا على حاله: فإن الدائن، والمقرض يأخذه بعينه؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من فساد العقد: بقاء ملكه عليه؛ لأن العقد العبد فاسد الحالة الثانية: إن كان ما استدانه أو اقترضه بإذن من سيده: فيجب على هذا السيد وفاء وأداء ما تحمَّله عبده؛ للمصلحة: حيث إن السيد غرَّ الناس بمعاملته لما أذن له بالاستدانة والقرض، أو البيع، فيجب أن يتحمَّل السيد ذلك؛ دفعًا للضرر عمَّن تعامل مع عبده، الحالة الثالثة: إن كان ما استدانه العبد، أو باعه أو اشتراه، أو اقترضه، أو أخذه كوديعة وأتلفها أو جنايته، أو إتلافه شيئًا وقع ذلك كله بدون إذن سيده: فإن العبد هو الذي يُطالب بذلك وتتعلَّق برقبته، دون سيده، وفي هذه الحالة يُخيَّر سيده بين بيعه، وتسديد ما تعلَّق برقبته من تلك المعاملات من قيمته؛ بحيث لا يزيد هذا الدين عن القيمة التي باعه بها، أو أن يفديه سيده، ويُسدِّد عن عبده بأقل من قيمته: فمثلًا: لو كانت قيمة العبد ألف ريال، وما تعلَّق برقبته ألفين: لم يلزم السيد إلا ألف فقط، وكذلك: لو أعتقه سيده ألزم بدفع ما تعلَّق برقبته، والأقل من قيمته أو الدَّين؛ للتلازم: حيث إن العبد هو الجاني، وهو المتصرِّف بغير إذن سيده فيلزم أن يتحمَّل تبعات هذا التصرف، فلا يجب على غيره شيء، =
[ ٣ / ٣١٢ ]
بإهداء مأكول، وإعارة دابة، وعمل دعوة بلا إسراف (^٥٢)، ولغير المأذون له الصدقة من قوته بنحو رغيف إذا لم يضرُّه (^٥٣)، وللمرأة الصدقة من بيت زوجها بذلك ما لم تضطرب العادة، أو يكن بخيلًا، أو تشكُّ في رضاه (^٥٤).
= ولذلك يُخيَّر السيد بما ذكرناه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا التفصيل؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الناس.
(^٥٢) مسألة: المأذون له في التجارة من العبيد لا يحقُّ له أن يتبرَّع بدراهم، ولا كسوة: وإن قلَّ، وله أن يُعير دابة، وأن يدعو بعض أصحابه إلى دعوة يُقيمها بلا إسراف؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﵇ "يُجيب دعوة المملوك" وهذا يدلّ على أن لهم الدعوة إلى وليمة من غير إسراف، وإعارة دابة ونحوهما مثل ذلك؛ لعدم الفارق، الثانية: التلازم؛ حيث إن التبرُّع بالدراهم أو الكسوة ليس من التجارة في شيء فيلزم عدم جوازهما له، والمقصد: الحفاظ على مال سيده.
(^٥٣) مسألة: غير المأذون له في التجارة من العبيد يباح له أن يتصدَّق من قوته بما يستطيعه بشرط: عدم إلحاق الضرر على نفسه، وعدم إرهاقه بحيث يؤثر على عمله عند سيده؛ للعرف والعادة؛ حيث جرت العادة بمسامحة الأسياد لعبيدهم في ذلك.
(^٥٤) مسألة: يُباح للمرأة أن تتصدَّق من بيت زوجها برغيفٍ ونحوه وكذا الخازن بشروط ثلاثة: أولها: إذا كانت العادة في المجتمع الذين يعيشون فيه قد جرت بذلك، دون نكير، فإن اضطربت واختلفت العادة فبعضهم يمنع، والآخرون يجيزون: فلا يُباح ذلك، ثانيها: أن لا يكون زوجها بخيلًا: بحيث يحاسبها على دقائق الأمور، فإن كان كذلك: فلا يُباح لها ذلك، ثالثها: أن يغلب على ظنها رضى زوجها بهذه الصدقة، أما إن كانت تشكُّ في ذلك: فلا يُباح لها ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة: كان لها أجرها بما أنفقت وله مثله بما كسب، وللخازن =
[ ٣ / ٣١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
* * *
= مثل ذلك من غير أن ينقص من أجورهم شيء" ويلزم منه جواز ذلك بدون إذن الزوج؛ لكونه لم يذكر الإذن هنا، الثانية: العرف والعادة؛ حيث إنه اعتاد الناس على التسامح في مثل هذه الأمور إلا إن كان الزوج غير معتاد لذلك، أو كان بخيلًا، أو غلب على الظن عدم رضاه؛ لكونه لا يحلّ مال امرئ إلّا بطيب نفس منه.
هذه آخر مسائل باب "الحجر"، ويليه باب "الوكالة".
[ ٣ / ٣١٤ ]