مشتقة من التحوُّل؛ لأنها تُحوِّل الحقَّ من ذمة إلى ذمة أخرى (^١)، وتنعقد بأحلتك، وأتبعتك بدينك على فلان ونحوه (^٢) و(لا تصح) الحوالة (إلا على دين
باب الحوالة
وفيه ثنتان وعشرون مسألة:
(^١) مسألة: الحوالة لغة: مشتقة من التحوُّل وهو: الانتقال من شيء إلى شيء آخر ومنه قولهم: "تحوَّل فلان من داره إلى دار أخرى" أي: انتقل، وهي في الاصطلاح: نقل دين من ذمة شخص إلى ذمة شخص آخر يطالبه المحيل بدين، فمثلًا: زيد يُطالب بكرًا بعشرة آلاف فأحال بكر زيدًا إلى محمد؛ ليُطالبه بدينه: فإن زيدًا المحال يتحوَّل بالمطالبة بدينه إلى محمد - المحال عليه - ويترك بكرًا - المحيل - وهذا يكون بشروط سيأتي بيانها. (فرع): الحوالة جائزة؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على جوازها، ومستند ذلك السنة القولية: حيث قال ﵇: "من أحيل بحقه على مليء فليحتل" وصرفت المصلحة هذا الأمر من الوجوب إلى الإباحة والجواز؛ حيث إن المحافظة على حق المحال واجبة؛ لئلا يُحال إلى ذمة شخص بغير رضاه، فإن قلتَ: لِمَ جازت الحوالة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن نقل الدَّين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه فيه توسعة وتنفيس عن المحيل، وفيه إبقاء ومحافظة على حقّ المحال.
(^٢) مسألة: تنعقد الحوالة بلفظ "أحلتك بحقك على محمد" أو "اتبعتك بدينك على محمد"؛ للسنة القولية: حيث ورد هذان اللفظان عنه ﵇ فقال: "من أحيل بحقه على مليء فليحتل" وقال: "مطل الغني ظلم، وإذا اتبع أحدكم على مليء فليُتبع"، وتنعقد بأي لفظ يُفهم منه الحوالة كقول المحيل: "أطلب حقك من محمد" أو "خذ حقك منه"؛ للتلازم؛ حيث إن تلك الألفاظ يحصل منها مقصود =
[ ٣ / ٢٥١ ]
مستقر)؛ إذ مقتضاها إلزام المحال عليه بالدَّين مطلقًا، وما ليس بمستقر عرضة للسقوط، فلا تصح على مال كتابة، أو سَلَم، أو صداق قبل دخول، أو ثمن مدة خيار، ونحوها (^٣)، وإن أحاله على من لا دين عليه: فهي وكالة (^٤) والحوالة على ما له
الحوالة: فلزم انعقادها بها تنبيه: اشترط لصحة الحوالة ستة شروط سيأتي بيانها.
(^٣) مسألة: في الأول - من شروط صحة الحوالة - وهو: أن يُحيل بكر زيدًا على محمد - المحال عليه - الذي يُطالبه بكر بدين مستقر كأن يكون لبكر ثمن مبيع عند محمد أو قرض ونحو ذلك، أما إن كان الدَّين الذي على المحال عليه - وهو محمد - غير مستقر: كأن يكون محمد عبدًا لبكر فاشترى محمد نفسه منه على مبلغ يُقسِّطه عليه على فترات - وهي المكاتبة -، أو كان محمد قد أخذ نقودًا من بكر في مجلس العقد؛ ليُسلِّمه سلعة يُسلم فيها، أو أخذت امرأة صداقًا من بكر ولم يدخل بها بكر، أو باع بكر على محمد سلعة بثمن وهما في مدة خيار المجلس أو الشرط، أو نحو ذلك: فإن الحوالة لا تصح؛ للمصلحة: حيث إن بكرًا إذا أحال زيدًا على محمد الذي له عليه دين مستقر: فإن زيدًا يستطيع استيفاء حقه من محمد؛ لاستقرار الدَّين عليه، وعدم قدرة محمد على إبطاله، أما لو أحاله على محمد الذي له عليه دين غير مستقر كدين مكاتبة، أو سَلَم، أو صداق لامرأة لم يدخل بها، أو كان محمد في مدة الخيار: فإن زيدًا قد لا يستطيع أخذ حقه من محمد؛ لاحتمال أن يقوم محمد بإسقاط ذلك الدَّين: فقد يُعجز نفسه عن المكاتبة، وقد ينقض السلم، وقد لا يشتري السلعة من كان مدة الخيار، وقد لا يدخل بكر بالمرأة التي دفع إليها الصداق فيفوت بذلك حق المحال - وهو زيد - وهذا يؤدِّي إلى التنازع.
(^٤) مسألة: إذا أحال بكر زيدًا على محمد، وبكر لا يُطالب محمدًا بأي دين: فإن ذلك لا تكون حوالة، بل هي وكالة؛ حيث إن بكرًا يقوم بتوكيل محمد بتسديد ما عليه من الدين لزيد؛ للتلازم؛ حيث إن كون الحوالة نقل دين من ذمة شخص إلى ذمة =
[ ٣ / ٢٥٢ ]
في الديوان، أو الوقف إذن في الاستيفاء (^٥) (ولا يُعتبر استقرار المحال به) فإن أحال المكاتب سيده، أو الزوج زوجته: صح؛ لأن له تسليمه، وحوالته تقوم مقام تسليمه (^٦) (ويُشترط) أيضًا للحوالة: (اتفاق الدَّينين) أى: تماثلهما (جنسًا) كدنانير بدنانير، أو دراهم بدراهم، فإن أحال من عليه ذهب بفضة أو عكسه: لم يصح (ووصفًا) كصحاح بصحاح، أو مضروبة بمثلها، فإن اختلفا: لم يصح (ووقتًا) أي: حلولًا، أو تأجيلًا أجلًا واحدًا، فلو كان أحدهما حالًا، والآخر مؤجَّلًا، أو أحدهما يحل بعد شهر، والآخر بعد شهرين: لم يصح (وقدرًا)، فلا يصح بخمسة على ستة؛ لأنها إرفاق كالقرض، فلو جُوِّزت مع الاختلاف: لصار المطلوب منها الفضل فتخرج عن موضوعها (^٧) (ولا يُؤثِّر الفاضل) في بطلان الحوالة، فلو أحال بخمسة من
شخص آخر يُطالبه المحيل بدين فيلزم من الحوالة على شخص آخر لا يُطالبه بشيء: أن تكون وكالة، وهذا هو الفرق بين الحوالة والوكالة.
(^٥) مسألة: إذا أحال بكر - الذى هو ناظر وقف - زيدًا - الذي هو من المستحقين من مال ذلك الوقف - إلى محمد - الذي عنده شيء من ربع ذلك الوقف كأجرة مثلًا -: فإن هذا لا يُسمَّى حوالة، وإنما ذلك وكالة؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك يُعتبر إذنًا لزيد بالاستيفاء، وهذا يلزم منه: أن يكون ذلك وكالة؛ لتوفّر حقيقة الوكالة عليه.
(^٦) مسألة: لا يُشترط في صحة الحوالة: استقرار المحال به من دين ونحوه: فلو أحال المكاتب - وهو العبد الذي اشترى نفسه - سيده إلى شخص آخر أو أحال الزوج زوجته بصداقها إلى آخر قبل الدخول: فإن الحوالة تصح بمال المكاتب، وتبرأ ذمة المكاتب، والزوج بمجرَّد الحوالة، ويكون عقد الحوالة بمنزلة القبض؛ للتلازم؛ حيث إن الواجب على المحيل - وهما المكاتب والزوج هنا - هو تسليم المحال - وهما: السيد، والزوجة هنا - ثمن المكاتبة، والصداق، ويلزم من قبول المحال ذلك: صحة الحوالة؛ لكون تلك الحوالة تُنزَّل منزلة تسليمه ذلك.
(^٧) مسألة: في الثاني - من شروط صحة الحوالة - وهو: أن يتماثل الدَّين الذي على =
[ ٣ / ٢٥٣ ]
عشرة على خمسة، أو بخمسة على خمسة من عشرة: صحَّت؛ لاتفاق ما وقعت فيه الحوالة، والفاضل باق بحاله لربِّه (^٨) (وإذا صحَّت) الحوالة: بأن اجتمعت شروطها:
المحيل مع الدَّين الذي على المحال عليه في أمور أولها: تماثلهما في جنس الدَّين، فإذا كان زيد يُطالب بكرًا ذهبًا، وأراد بكر أن يُحيله إلى شخص آخر فلا بدَّ أن يُحيله على شخص يطالبه بكر بذهب، ولا يُحيله إلى شخص يُطالبه بكر بفضة، فإن فعل: فلا تصحّ الحوالة، ثانيها: تماثلهما في صفة الدَّين فإذا كان زيد يُطالب ذهبًا صحاح: فإن بكرًا يُحيله إلى شخص يُطالبه بكر بذهب صحاح، ولا يُحيله إلى شخص يُطالبه بذهب فاسد فإن فعل: فلا تصحّ الحوالة، ثالثها: تماثلهما في وقت حلول الدَّين، فلا بدَّ أن يكون وقت حلول الدَّين عند المحيل هو نفس وقت حلول الدَّين عند المحال عليه، دون تأخير أو تقديم، فلو كان الدين الذي عند المحيل حالًا، والذي عند المحال عليه مؤجَّلًا أو العكس، أو كان أحدهما مؤجلًا إلى شهر، والآخر مؤجلًا إلى شهرين: لم تصح الحوالة، رابعها: تماثلهما في قدر الدَّين، فلا تصحّ الحوالة بخمسة على ستة ونحو ذلك، أو بخمسة على ثمانية؛ للمصلحة؛ حيث إنه لو اختلف دين المحيل عن المحال عليه في جنس، أو صفة، أو وقت حلول، أو قدر لأدَّى إلى تفاضل، واختلاف وزيادة أو نقصان أو نحو ذلك، مما يُفضي إلى تفويت بعض الحق عن مستحقه، فتكون بذلك خارجة عن موضوعها وهو: الإرفاق بالناس وقضاء حاجتهم، فدفعًا لذلك شرع هذا.
(^٨) مسألة: الفاضل من المال المحال به أو المحال عليه لا يُؤثِّر في بطلان الحوالة، فلو كان زيد يُطالب بكرًا بدين قدره عشرة آلاف، وكان بكر يُطالب محمدًا بدين قدره خمسة آلاف، وأحال بكر زيدًا على محمد بخمسة من تلك العشرة ليأخذها من محمد: لصحَّت الحوالة، وإن فضل شيء من دين زيد على بكر، وكذلك: لو كان زيد يُطالب بكرًا بخمسة آلاف، وبكر يُطالب محمدًا بدين قدره عشرة آلاف، وأحال بكر زيدًا على محمد بأن يأخذ منه خمسة من العشرة التي عنده له: لصحَّت =
[ ٣ / ٢٥٤ ]
(نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل) بمجرَّد الحوالة، فلا يملك المحتال الرجوع على المحيل بحال: سواء أمكن استيفاء الحق أو تعذَّر لمطل أو فلس أو موت، أو غيرها (^٩)، وإن تراضى المحتال والمحال عليه على خير من الحق، أو دونه في الصفة أو القدر، أو تعجيله، أو تأجيله، أو عوضه: جاز (^١٠) (ويُعتبر) لصحّة الحوالة (رضاه) أي: رضى المحيل؛ لأن الحق عليه، فلا يلزمه أداؤه من جهة الدَّين على المحال
الحوالة، وإن فضل شيء من دين بكر على محمد، للتلازم؛ حيث يلزم من اتفاق ما وقعت فيه الحوالة: صحتها، والفاضل في الصورتين يكون لربِّ الدَّين الأصلي.
(^٩) مسألة: إذا اجتمعت شروط الحوالة الستة - كما سبق في مسألتي (٣ و٧) وكما سيأتي في مسائل (١١ و١٢ و١٣ و١٥): فإنه بمجرَّد ذلك تنقل الحق - وهو المال المحال به - من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وبذلك تبرأ ذمة المحيل، ولا يملك المحال حينئذٍ الرجوع إلى المحيل مطلقًا: أي: سواء أمكن استيفاء الحق، أو تعذَّر بسبب مطل المحال عليه، أو إفلاسه، أو موته؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المحال لو أبرأ المحيل من دينه: فإن ذمَّة المحيل تبرأ، فكذلك ذمة المحيل تبرأ إذا أحال المحال على المحال عليه، ورضي المحال والجامع: أنه في كل منهما تحوَّل الحق عن المحيل برضى المحال، فلا حق عليه لأحد، وهذا هو المقصود من مشروعية الحوالة.
(^١٠) مسألة: إذا تمَّت الحوالة بشروطها، ووقع اتفاق بين المحال، والمحال عليه على شيء أكثر من الحق - وهو المال المدين -، أو أقل في صفته، أو قدره، أو تعجيل المؤجَّل منه، أو تأجيل المعجَّل، أو أن يأخذ المحال عوضًا عن الدَّين، وتراضيا على ذلك: فإن هذا يصح؛ للتلازم؛ حيث إنه لما تمَّت الحوالة بشروطها: أصبح الحق لهما يستطيع أحدهما إسقاطه عن الآخر برضاه، فيلزم جواز ذلك؛ لكون الحق لا يتعدَّاهما، (فرع): إن أخذ المحال عوضًا عن الدين من المحال عليه فلا بدَّ أن يكون هذا العوض من جنسه، فإن كان من غير جنسه فيشترط فيه التقابض في مجلس العقد - كما قلنا في ربا النسيئة -.
[ ٣ / ٢٥٥ ]
عليه (^١١)، ويُعتبر أيضًا علم المال (^١٢)، وأن يكون مما يثبت مثله في الذمّة بالإتلاف من الأثمان، والحبوب ونحوها (^١٣) و(لا) يُعتبر (رضى المحال عليه)؛ لأن للمحيل أن يستوفي الحق بنفسه وبوكيله، وقد أقام المحتال مقام نفسه في القبض فلزم المحال عليه الدفع إليه (^١٤) (ولا رضى المحتال) إن أُحيل (على ملئ) ويُجبر على اتباعه؛ لحديث أبي
(^١١) مسألة: في الثالث - من شروط صحة الحوالة -: وهو: أن يكون المحيل راضيًا بهذه الإحالة؛ للتلازم؛ حيث إن الحق - وهو الدَّين - عليه، فلا يلزمه أداؤه. على جهة الدَّين الذي على المحال عليه فيلزم من ذلك رضى المحيل لسداد هذا الدَّين من غريمه - وهو المحال عليه -، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إنه لو أكره المحيل على الإحالة فقد يشقُّ عليه، فدفعًا لذلك شرع هذا.
(^١٢) مسألة: في الرابع - من شروط صحة الحوالة - وهو: أن يكون المال - وهو الحق وهو الدَّين - المحال به وعليه - معلومًا للعاقدين بحيث يكون كل من الدينين مما يصحّ السَّلَم فيه: مثليًا كان أو لا؛ للمصلحة: حيث إن هذا العلم يمنع الجهالة عند التسليم، فدفعًا للغرر والجهالة والاختلاف: اشترط ذلك.
(^١٣) مسألة: في الخامس - من شروط صحة الحوالة - وهو: أن يكون المحال به - وهو الدَّين وهو الحق والمال - مما يثبت مثله في الذِّمَّة إذا تلف بأي سبب كأثمان الأشياء والثمار والحبوب، مما يُكال، أو يوزن، أما ما لا يثبت مثله كالمتقوِّمات: فلا تجوز الإحالة في شيء منها، وكذا ما لا يوزن، أو لا يُكال لا تصح الحوالة فيه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن السَّلَم يُشترط فيه ذلك فكذلك الحوالة مثله، والجامع: قطع الخلاف والتنازع في كل.
(^١٤) مسألة: لا يُشترط في صحة الحوالة: أن يكون المحال عليه راضيًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يجوز للمحيل أن يُقيم وكيلًا للمطالبة بحقه من المحال عليه ولو لم يرض المحال عليه، فكذلك يجوز أن يُحيل المحيل على المحال عليه شخصًا يطالبه بدين - وهو: المحال - بدون رضى المحال عليه، والجامع: أن كلًّا من الوكيل والمحال قد أقامه المحيل مقام =
[ ٣ / ٢٥٦ ]
هريرة يرفعه: "مطل الغني ظلم وإن أتبع أحدكم على مليء فليتبع" متفق عليه، وفي لفظ: "من أحيل بحقه على مليء فليحتل" والمليء: القادر بماله، وقوله، وبدنه: فماله: القدرة على الوفاء، وقوله: أن لا يكون مماطلًا وبدنه: إمكان حضوره إلى مجلس الحاكم، قاله الزركشي (^١٥) (وإن كان) المحال عليه (مُفلسًا ولم يكن) المحتال (رضي)
نفسه في القبض والاستيفاء من المحيل عليه، فلزم المحال عليه الدفع إلى من أتاه من قِبَل المحيل، فإن قلتَ: لِمَ لا يُشترط رضى المحال عليه؟ قلتُ: لأن المحال عليه يجب عليه الدفع: سواء كان هذا الدفع للمحيل، أو للمحال، أو للوكيل.
(^١٥) مسألة: في السادس - من شروط صحّة الحوالة -: وهو أن يكون المحال راضيًا بأن يأخذ دينه من المحال عليه سواء كان المحال عليه مليئًا أو لا - وهو قول جمهور العلماء -؛ للمصلحة: حيث إن حق المحال في ذمة المحيل برضاه، فلا يجوز نقله إلى المحال عليه بغير رضاه؛ إذ قد يكون المحال عليه كثير المماطلة، أو قد توجد بين المحال والمحال عليه عداوة، فيلحق الضرر بالمحال، فدفعًا لذلك: اشتُرط رضى المحال، فإن قلتَ: لا يُشترط رضى المحال، فإذا أحيل شخص إلى مليء وقادر: فإنه يُجبر على قبول ذلك، ويجب عليه طلب حقه من المحال عليه؛ - وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو قول كثير من الحنابلة؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من أحيل على مليء فليحتل" فأوجب على المحال قبول الإحالة إذا أُحيل على مليء؟ لأن الأمر في قوله: "فليحتل" مطلق، وهو يقتضي الوجوب - قلتُ: إن المصلحة التي ذكرناها فيما سبق قد صرفت الأمر - الوارد في قوله: "فليحتل" - من الوجوب إلى الاستحباب؛ حماية وحفظًا لحقوق المسلمين. فائدة: اشترط أكثر الحنابلة في وجوب قبول الحوالة على المحال وإن لم يرضَ: أن يكون المحال عليه قادرًا على الوفاء من ماله، وأن لا يكون مماطلًا، وأن يُمكن إحضاره في مجلس الحكم والقضاء؛ احترازًا من الوالد، ومن الغائب عن البلد، وعن السلطان الذي لا يمكن إحضاره؛ فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف هل تصلح المصلحة أن تكون صارفة للأمر الوارد في =
[ ٣ / ٢٥٧ ]
بالحوالة عليه: (رجع به) أي: بدينه على المحيل؛ لأن الفلس عيب، ولم يرض به: فاستحقّ الرجوع كالمبيع المعيب، فإن رضي بالحوالة: فلا رجوع له إن لم يشترط الملاءة؛ لتفريطه (^١٦) (ومن أحيل بثمن مبيع) بأن أحال المشتري البائع به على من له عليه دين فبان البيع باطلًا: فلا حوالة (أو أُحيل به) أي: بالثمن، (عليه) بأن أحال البائع على المشتري مدينه بالثمن، (فبان البيع باطلًا) بأن بان المبيع مستحقًا، أو حرًا، أو خمرًا: (فلا حوالة)؛ لظهور: أن لا ثمن على المشتري؛ لبطلان البيع، والحوالة فرع على لزوم الثمن، ويبقى الحق على ما كان عليه أولًا (^١٧) (وإذا فسخ البيع) بتقايل، أو
الحديث من الوجوب إلى الندب أو لا؟ " فعندنا: تصلح، وعندهم: لا تصلح.
(^١٦) مسألة: يحق للمحال الرجوع إلى المحيل ويأخذ حقه منه بدلًا من المحال عليه إذا توفَّر أمران: أولهما: أن يكون المحال عليه مُفلسًا ثانيهما: أن يكون المحال لم يرض بتلك الحوالة، بل أُكرِه عليها، أما إن كان مليئًا وقد رضي المحال بالحوالة ولم يشترط كونه مليئًا: فلا يستحق الرجوع - وإن لم يأخذ حقه من المحال عليه كما سبق في مسألة (٩) - لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أنه إذا بان للمشتري وجود عيب في السلعة التي اشتراها: فإنه يرجع إلى البائع إذا لم يرضَ به، فكذلك المحال الذي أُحيل إلى المحال عليه المفلس ولم يرضَ به يرجع إلى المحيل، والجامع: وجود عيب يستحق بسببه الرجوع، وهو العيب في السلعة، والإفلاس في المحال عليه. الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من رضى المحال بالإحالة على مفلس: عدم رجوعه إلى المحيل؛ نظرًا لزوال شغل ذمة المحيل بسبب رضى المحال، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المحال.
(^١٧) مسألة: تبطل الحوالة في صورتين: الصورة الأولى: إذا اشترى زيد من بكر سلعة بعشرة آلاف ريال، وكان زيد يُطالب محمدًا بدين قدره عشرة آلاف ريال، فأحال زيد بكرًا على محمد ليأخذ منه ثمن تلك السلعة - وهي العشرة الآلاف - لكن بان بطلان البيع الواقع بين زيد وبكر بأي شيء تسبَّب في بطلانه: فلا صحّة للحوالة =
[ ٣ / ٢٥٨ ]
خيار عيب أو نحوه: (لم تبطل) الحوالة، لأن عقد البيع لم يرتفع، فلم يسقط الثمن، فلم تبطل الحوالة، وللمشتري الرجوع على البائع؛ لأنه لما ردَّ المعوَّض: استحقّ الرجوع بالعوض (ولهما أن يُحيلا) أي: للبائع أن يحيل (المشتري على من أحاله المشتري عليه في الصورة الأولى، وللمشتري أن يُحيل المحتال عليه على البائع في الثانية (^١٨)، وإذا اختلفا فقال: "أحلتك" قال: "بل وكَّلتني" أو بالعكس: فقول مدّعي الوكالة (^١٩)، وإن اتفقا
فيرجع المشتري - وهو زيد - على محمد - وهو من كان عليه دينه وكأن الحوالة لم تكن، الصورة الثانية: إذا أحال البائع - وهو بكر - مدينه - وهو محمد - على المشتري - وهو زيد - بالثمن بأن يأخذ منه ثمن السلعة التي اشتراها؛ لأنه يُطالب البائع - وهو بكر - بقدر هذا الثمن فبان أن البيع باطل بأن كانت السلعة التي يعتقد أنها عبد بان أنه حر، أو كانت السلعة خمرًا لا يصح بيعهما: فلا تصح الحوالة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من بطلان البيع عدم لزوم الثمن، وإذا لم يلزم الثمن: فلا حوالة؛ لكون الحوالة فرعًا على لزوم الثمن فتبطل الحوالة؛ نظرًا لبطلان أصلها.
(^١٨) مسألة: إذا فسخ البيع بسبب خيار عيب، أو إقالة أحدهما للآخر بعد قبض الحق - وهو مال المحال به -: فإن الحوالة لا تبطل؛ للتلازم؛ حيث إن عقد البيع لم يرتفع، ويلزم من ذلك: عدم سقوط الثمن، والحوالة مرتبطة بالثمن؛ حيث يلزم من وجود الثمن وجود الحوالة، فيكون المحيل قد نقل المحال نقلًا صحيحًا وبرأ من الثمن، ويبرأ المحال عليه من دين المشتري، ويرجع المشتري إلى البائع ليأخذ حقه منه - بعد فسخ البيع - ويحق للبائع أن يُحيل المشتري على من أحاله المشتري عليه في الصورة الأولى - في مسألة (١٧) - وهي ما إذا أحال المشتري البائع على من له عليه دين -؛ نظرًا لثبوت دينه على من أحاله المشتري عليه؛ قياسًا على سائر الديون المستقرة، وكذلك: يحق للمشتري أن يُحيل المحال عليه على البائع في الصورة الثانية - التي في مسألة (١٧) - وهي: ما إذا أحال البائع على المشتري مدينه؛ نظرًا لثبوته عليه؛ قياسًا على الدَّين.
(^١٩) مسألة: إذا اختلف زيد مع بكر: فقال بكر لزيد: "أحلتك على محمد لتأخذ ما =
[ ٣ / ٢٥٩ ]
على "أحلتك" أو "أحلتك بدَيني"، وادَّعى أحدهما إرادة الوكالة: صُدِّق (^٢٠)، وإن اتفقا على: "أحلتك بدينك": فقول مدعي الحوالة (^٢١) وإذا طالب الدائن المدين فقال: "أحلت علي فلانًا الغائب" وأنكر رب المال: قبل قوله مع يمينه، ويُعمل بالبيّنة (^٢٢).
علي لك منه" فقال زيد: "بل وكَّلتني أن آخذ ذلك منه"، أو قال بكر: "وكَّلتك" فقال زيد: "بل أحلتني": فإنه يُقبل قول مدَّعي الوكالة في القبض؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قول مدَّعي الوكالة: أن الحق باق، وهو الأصل: فيلزم قبول قوله؛ استصحابًا لبقائه؛ ولكون التغيير يحتاج إلى دليل.
(^٢٠) مسألة: إذا اتفق رب الدَّين - وهو زيد - والمدين - وهو بكر - على قول المدين - وهو بكر - لرب الدين - وهو زيد -: "أحلتك على محمد" أو قوله: "أحلتك بديني على محمد" وادَّعى زيد إرادة الوكالة من ذلك، وادَّعى بكر إرادة الحوالة: فإنه يُقبل قول من ادَّعى إرادة الوكالة مع يمينه؛ للتلازم؛ حيث إن الأصل بقاء الدَّين على كل من المحيل - وهو بكر - والمحال عليه - وهو محمد - في حين أن مدّعي الحوالة يدّعي نقله فلزم صدق ما قاله مدَّعى الوكالة؛ لكونه مبقيًا على الأصل، وهو بقاء الدين.
(^٢١) مسألة: إذا اتفق زيد - وهو رب الدين - على قول مدين له - وهو بكر: "أحلتك بدينك" وادعى أحدهما إرادة الحوالة والأخر ادعى إرادة الوكالة ولا بينة، فإنه يقبل قول مدعي الحوالة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من الحوالة بدينه: عدم احتمال الوكالة.
(^٢٢) مسألة إذا طالب محمد بكرًا قائلًا: "إنّك قد أحلتَ علي زيدًا الغائب" فأنكر بكر -: فإنه يُقبل قول بكر مع يمينه إن لم توجد بيّنة، وإن وُجدت بيّنة على ما ادّعاه محمد: عمل بها، وكذلك إذا قال زيد لمحمد: "إن بكرًا الغائب قد أحالني عليك" فأنكر محمد: فإنه يُقبل قول محمد مع يمينه إلا إذا أقام زيد بينة على ما قاله: فإنه يُعمل بها؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "البينة على المدَّعي واليمين على من أنكر" وهو واضح الدلالة، وهو عام لما نحن فيه.
هذه آخر مسائل باب "الحوالة" ويليه باب "الصلح".
[ ٣ / ٢٦٠ ]