أصله لغة: السَّيلان من قولهم: "حاض الوادي": إذا سال، وهو شرعًا: دم طبيعة وجِبلَّة - يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة، خلقه الله لحكمة غذاء الولد وتربيته (^١) (لا حيض قبل تسع سنين) فإن رأت دمًا لدون ذلك: فليس بحيض؛ لأنه
باب الحيض والاستحاضة والنُّفاس
وفيه ثنتان وخمسون مسألة:
(^١) مسألة: الحيض لغة: السيلان والفيضان ومنه قولهم: "حاض الوادي وفاض" إذا سال بحيض وفيض كما في اللسان (٧/ ١٤٢)، والمراد بالحيض شرعًا: دم طبيعة يجتمع في رحم المرأة عند بلوغها، ثم يُرخيه ويُخرجه - ذلك الرحم - في أوقات معتادة عند عدم الحمل والرضاع، ويطلق عليه "الدَّورة" أو "العادة الشهرية" كناية عنه، وهو إطلاق مجازي، فإن قلتَ: لِمَ سمي بهذا الاسم؟ قلتُ: لاجتماع الدم في مكان معين وهو: "الرحم"، لذلك يُسمّى الموضع الذي يجتمع فيه الماء حوضًا، فإن قلتَ: لِمَ جعله الله في المرأة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن فيه غذاء للولد وهو داخل الرحم - ولذا: لا تحيض الحامل - وهو غذاء للولد بعد ولادته بعد أن يقلبه الله لبنًا له، لذلك: لا تحيض المرضع سنتين غالبًا، فإذا لم تكن المرأة حاملًا ولا مرضعًا: فإنه يخرج كل سبعة أيام أو ستة من كل شهر غالبًا - كما سيأتي - ولو بقي في الرحم: للحق المرأة ضرر - كما يقول الأطباء - فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي بباب "الحيض مع أنه قد بحث فيه الاستحاضة والنفاس وسلس البول"؟ قلتُ: لأن أكثر ما يبحث في هذا الباب هي: أحكام الحيض؛ نظرًا لكثرة وقوعه بين نساء المسلمين بخلاف الاستحاضة والنفاس وسلس البول فهي نادرة، والنادر تابع للأكثر، فإن قلتَ: لِمَ يذكر باب الحيض في آخر كتاب الطهارة عند الفقهاء؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهو تقديم العام على الخاص؛ =
[ ١ / ٢٧٣ ]
لم يثبت في الوجود، وبعدها: إن صلح: فحيض، قال الشافعي: "رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة" (ولا) حيض (بعد خمسين) سنة؛ لقول عائشة: "إذا بلغت المرأة خمسين سنة: خرجت من حد الحيض" ذكره أحمد، ولا فرق بين نساء العرب وغيرهن (^٢)
= حيث إن جميع الأبواب السابقة عامة للذكور والإناث، بخلاف الحيض والاستحاضة والنفاس فهي خاصة بالإناث فقط، ولا شك أن العام أهم من الخاص من حيث فائدته هنا.
(^٢) مسألة: إذا خرج دم من أنثى قبل بلوغها التاسعة، أو بعد بلوغها الخمسين: فإن هذا الدم لا يكون حيضًا شرعًا: فلا تثبت من أجله أحكام الحيض كترك الصلاة والصوم ونحوهما - كما سيأتي - أما إن خرج بعد بلوغها التاسعة أو قبل بلوغها الخمسين وصلح لأن يكون حيضًا - كأن يكون منتنًا غليظًا لونه يميل إلى السواد، وخرج يوم وليلة، ولم يتعدَّ خروجه خمسة عشر يومًا - كما سيأتي -: فهو حيض شرعًا؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث قالت عائشة: "إذا بلغت المرأة تسع سنين فهي امرأة، وإذا بلغت خمسين سنة: خرجت من حدِّ الحيض" والمراد: أنها في التاسعة يكون حكمها حكم المرأة البالغة في الحيض وغيره، وأنه إذا بلغت الخمسين فإنه لا يأتيها الحيض، ودل مفهوم العدد من هذا على أنها إذا لم تبلغ التاسعة: فلا يُحكم عليها بأحكام المرأة البالغة ومنها الحيض وأحكامه: فلا تحيض، وإذا لم تبلغ الخمسين فما يأتيها من دماء فهو حيض، والظاهر: أن هذا ثبت لعائشة من خلال ما لاحظته من نساء عصرها، الثانية: العرف والعادة؛ حيث ثبت من استقراء عادات النساء في المجتمعات المختلفة: أن الأنثى لا تحيض غالبًا قبل سن التاسعة وأنهن لا يحضن بعد الخمسين غالبًا وإن وجدت من تحيض قبل التاسعة، أو بعد الخمسين فهي نادرة، والنادر يتبع الغالب، وكأن أكثر الفقهاء =
[ ١ / ٢٧٤ ]
(ولا) حيض (مع حمل) قال أحمد: "إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدم" فإن رأت دمًا: فهو دم فساد لا تترك له العبادة، ولا يُمنع زوجها من
= يأخذون تلك الأحكام من عادات النساء؛ لأن العادة محكَّمة، فإن قلتَ: لِمَ حدِّد الحيض بذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الحيض إذا وجد في الرحم يدل على أنها مستعدة للحمل وتربية الأطفال، ومن كان عمرها لم يبلغ التاسعة، أو تعدَّى الخمسين لا تصلح لأن تحمل أو تربي أطفالًا؛ لمشقة ذلك عليها؛ لكون من لم تبلغ التاسعة لا تتحمَّل مسؤولية حمل وتربية أطفال لأنها طفلة، ومن بلغت الخمسين لا تتحمل مشاق الحمل والولادة، ومتاعب التربية؛ نظرًا لكبر سنها وضعفها، وقلَّة صبرها غالبًا، لذلك تجد الأطباء ينصحون دائمًا بأن لا تحمل المرأة بعد تمامها الأربعين سنة: لأنه ضرر عليها وعلى مولودها، فإن قلتَ: إذا خرج دم من الصغيرة صالح لأن يكون حيضًا: فإنه يكون حيضًا شرعًا وإن لم تبلغ التاسعة، وإذا خرج دم من الكبيرة صالح لأن يكون حيضًا: فهو حيض وإن تعدَّت الخمسين، وهو قول كثير من العلماء ومنهم بعض الحنفية، وتبعهم ابن تيمية؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ حيث إن ذلك عام فيشمل كل حائض: سواء تعدت الخمسين أو لا، وسواء بلغت التاسعة أو لا؛ لأن لفظ "اللائي" في الموضعين - اسم موصول، وهو من صيغ العموم، قلتُ: إن قول الصحابي، والعرف والعادة - السابق ذكرهما - قد خصَّصا عموم هذه الآية، فعُلم من ذلك: أن المطلَّقة التي لم تبلغ التاسعة، أو المطلَّقة التي تعدَّت الخمسين تعتدان ثلاثة أشهر؛ لعدم ثبوت الحيض لهما، فإن قلَت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض عموم الآية مع قول الصحابي، والعرف والعادة" فعندنا: قد خصَّصا عموم الآية، وعندهم لم يقويا على تخصيص عمومها.
[ ١ / ٢٧٥ ]
وطئها، (^٣) ويُستحب: أن تغتسل بعد انقطاعه، إلا أن تراه قبل ولادتها بيومين أو
(^٣) مسألة: الحامل لا تحيض، وعليه: فكل ما تراه يخرج من دماء: فهو دم استحاضة وفساد ولا يؤثر في الأحكام: فلا تترك لأجله العبادة: من صلاة أو صوم، أو طواف، أو قراءة قرآن، ويحل لزوجها جماعها، ولا يحرم طلاقها فيه، لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ثم قال: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فالآية الثانية قد خصَّصت الأولى، والمراد: أن كل مطلقة تعتدُّ ثلاث حيض إلا المطلقة إن كانت حاملًا: فعدتها تستمر حتى تضع حملها وتلد، فيلزم من ذلك: أن الحامل لا تحيض؛ إذ لو كانت تحيض لُحدِّدت عدتها بالحيض كغيرها، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة" حيث لزم من ذلك: أن الحامل لا تحيض؛ لأنه حدَّد براءة رحمها: بوضع حملها، ولم يحدده بالحيض كغير الحامل، الثالثة: العرف والعادة؛ حيث إن أغلب النساء يعرفن أنهن حوامل بانقطاع دم الحيض، فيلزم منه: أن الحامل لا تحيض؛ حيث إن العادة محكَّمة - وهو ما أشار إليه أحمد -، فإن قلتَ: لِمَ لا تحيض الحامل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الدم قد أوجده الله لتغذية الجنين، فلو خرج هذا: لتعرض هذا الجنين إما للهلاك، أو للضرر، فإن قلتَ: إن الحامل تحيض، وهو قول مالك والشافعي وبعض الحنابلة كابن تيمية؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن الحائل تحيض فكذلك الحامل مثلها، والجامع: خروج الدم في وقت الحيض في كل، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قالت عائشة - في المرأة الحامل ترى الدم -: "إنها تدع الصلاة"، فيلزم من تركها للصلاة: أن يكون ما خرج منها دم حيض؛ لأنه سببه، قلتُ: أما القياس فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن هذا الدم تحتاجه الحامل لتغذية جنينها، وخروجه مضر به، أم الحائل فلا تحتاجه، فوجوده مضر بها، ثم إن هذا قياس في العادات، ولا =
[ ١ / ٢٧٦ ]
ثلاثة مع أمارة: فنُفاس، ولا تنقص به مدته (^٤) (وأقلُّه) أي: أقل الحيض (يوم وليلة)؛
= يجوز القياس في العادات - كما فصَّلتُ ذلك في كتابي: "المهذَّب" - أما قول عائشة فيُحتمل أنها تقصد: أن المرأة الحامل التي ترى الدم عند قربها من الولادة فهذا تترك له الصلاة والصوم؛ لأنه دم نفاس، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل يجري القياس في العادات أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم، وأيضًا "تعارض القياس وقول الصحابي مع الكتاب والسنة القولية" فعندنا: يقدم العمل بالكتاب والسنة دون قول الصحابي والقياس لضعفهما هنا، وعندهم: يقدم العمل بالقياس وقول الصحابي؛ لقوتهما عندهم ..
(^٤) مسألة: إذا رأت الحامل دمًا يخرج منها فليس هو دم حيض -كما سبق-، ويُستحب لها إذا انقطع: أن تغتسل، وإذا رأته قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة أيام فلا يُشرع لها الاغتسال بعد انقطاعه بشرط: ظهور علامة وأمارة على قرب الولادة، لكونه دم نفاس، وهذان اليومان أو الثلاثة غير محسوبة من مدَّة النفاس الأربعين - كما سيأتي -؛ للمصلحة؛ حيث إن الدم الخارج منها سينتشر في باقي البدن، فاستحب الاغتسال له لإزالة ذلك: من باب الاحتياط، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك الشرط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لا داعي لهذا الاغتسال أنه سيتبعه كثير من دماء النفاس، وهذا معلوم عند أغلب النساء، فإن قلتَ: لِمَ لا تحسب تلك الأيام من مدة النفاس؟ قلتُ: لأن مدة النفاس تحسب من وقت خروج الولد - كما سيأتي - فإن قلتَ: إذا تركت الصلاة في هذين اليومين أو الثلاثة التي ظنَّت قربها من الولادة، ثم بان خطأوها فما الحكم؟ قلتُ: تقضي تلك الصلوات؛ لأنه لا عبرة بالظن الذي بان خطأوه.
[ ١ / ٢٧٧ ]
لقول علي ﵁ (وأكثره) أي: أكثر الحيض: (خمسة عشر يومًا) بلياليها؛ لقول عطاء: "رأيتُ من تحيض خمسة عشر يومًا" (^٥) (وغالبه) أي: غالب الحيض (ست) ليالٍ بأيامها (أو سبع) ليالٍ بأيامها (^٦) (وأقل طهر بين حيضتين: ثلاثة عشر يومًا) احتجَّ
(^٥) مسألة: أقل الحيض: يوم وليلة وأكثره: خمسة عشر يومًا، وعليه: فلو رأت دمًا خرج منها أقل من يوم وليلة: فليس بدم حيض، وكذا: لو رأت دمًا خرج منها أكثر من خمسة عشر يومًا فليس بدم حيض بل إن الدم الخارج في اليوم السادس عشر: يكون دم استحاضة؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث قال علي: "ما زاد عن خمسة عشر: استحاضة، وأقل الحيض يوم وليلة" حيث دل مفهوم العدد منه على: أن الدم الخارج مدة خمسة عشر يومًا فأقل: دم حيض، وعلى أن الدم الخارج أقل من يوم وليلة: ليس بدم حيض، الثانية: العرف والعادة؛ حيث ثبت بعد استقراء عادات غالب النساء: وجود حيض معتاد مدته يوم وليلة، ووجود من تحيض خمسة عشر يومًا وهو الذي أشار إليه عطاء، والعادة محكَّمة، فإن قلتَ: لِمَ حُدِّد أقله وأكثره بذلك؟ قلتُ: لأن مدة أقل من يوم وليلة لا يُمكن الحكم على الدم الخارج فيها بأنه حيض أو غيره؛ لعدم كفايتها، ولأنه يلزم من خروج الحيض أكثر من خمسة عشر: أن تكون مدة الحيض أكثر من مدة الطهر، وهذا لا يمكن إجماعًا؛ لمخالفته لقوله ﷺ: "تمكث إحداكن شطر عمرها لا تُصلي"، فإذا كانت تحيض أكثر من خمسة عشر: فإنها تمكث أكثر من الشطر، وهو النصف، وسيأتي.
(^٦) مسألة: يستمر خروج دم الحيض عند غالب النساء: ستة أيام أو سبعة بلياليها، فإن زاد على ذلك: فهو حيض حتى يبلغ خمسة عشر، وبعدها: يكون استحاضة - كما سبق -؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ لحمنة بنت جحش وكانت تُستحاض -: "تحيضين في علم الله ستة أو سبعة =
[ ١ / ٢٧٨ ]
أحمد بما رُوي عن علي: أن امرأة جاءته - وقد طلقها زوجها - فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض فقال علي لشُريح: "قل فيها" فقال شُريح: "إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يُرضى دينه وأمانته فشهدت بذلك وإلا: فهي كاذبة" فقال علي: "قالون" أي: جيد بالرومية (ولا حدَّ لأكثره) أي: أكثر الطهر بين الحيضتين؛ لأنه قد وُجد من لا تحيض أصلًا، لكن غالبه: بقية الشهر، (^٧) والطهر زمن حيض:
= أيام، ثم اغتسلي وصلي أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين يومًا كما تحيض النساء، وكما يطهرن لميقات حيضهنَّ وطهرنَّ"؛ حيث أوجب أن تحسب مدة حيضها شهرًا ست أيام، وشهرًا سبعة أيام؛ لأن "أو" للتنويع، ولأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وهذا يُعتبر من أقيسة النبي ﷺ؛ حيث قاس حمنة على غالب النساء، الثانية: العرف والعادة؛ حيث ثبت بعد استقراء غالب النساء أن الحيض يستمر خروجه هذه المدة، والعادة محكَّمة، فإن قلتَ: لِمَ جُعل غالب عادة النساء هذه المدة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه المدة هي المناسبة لطبيعتهن؛ حيث إن قصر عن هذه المدة لا يمكنه خروجه كله فيضرها وجود بعضه في رحمها، وإن زاد عن هذه المدة زادت مدة منعها عن عبادة الله تعالى.
(^٧) مسألة: أقل الطهر بين الحيضتين: ثلاثة عشر يومًا، وغالب الطهر بينهما: أربعة وعشرون أو ثلاثة وعشرون يومًا، وأكثر الطهر بينهما: لا حدَّ له؛ لقواعد: الأولى: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أنه لا حد لأكثر الطهر، ومستنده: استقراء حالات النساء: فقد وجدت من لا تحيض أصلًا، ووجدت من تحيض بالسنة يوم وليلة، وقالت لي امرأة: أنا لا أحيض إلا كل أربعة أشهر، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن امرأة جاءت إلى علي فقالت: إنها حاضت في شهر واحد ثلاث حيض، فوافقها علي بعد أن امتدح شُريحًا لما قضى في حقها -، وهذا لا يمكن إلا إذا كانت تحيض يوم وليلة فقط؛ حيث إنها حاضت في أول يوم من الشهر فيكون قد مضى لها أربعة عشر يومًا، ثم =
[ ١ / ٢٧٩ ]
خلوص النقاء: بأن لا تتغير معه قطنة احتشَّت بها، ولا يُكره وطؤها زمنه إن اغتسلت (^٨) (وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة)؛ إجماعًا (ولا يصحَّان) أي: الصوم والصلاة (منها) أي: من الحائض (بل يحرمان) عليها كالطواف وقراءة القرآن واللبث في المسجد، (^٩) لا المرور به إن أمنت
= يوم من الشهر فيكون قد مضى لها أربعة عشر يومًا، ثم حاضت يوم وليلة، فيكون قد مضى لها من الشهر خمسة عشر يومًا، ثم طهرت ثلاثة عشر يومًا فيكون قد مضى لها من الشهر ثمان وعشرون يومًا، ثم حاضت يوم وليلة ثم طهرت، فانتهت عدتها بتلك الحيض الثلاث، وهذا يلزم منه: أن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا، الثالثة: التلازم؛ حيث إن كون النساء يحضن ستة أو سبعة أيام غالبًا: يلزم منه: أن يكون غالب الطهر بين الحيضتين: أربعة وعشرون أو ثلاثة وعشرون يومًا، وهو غالب بقية الشهر.
(^٨) مسألة: إذا كانت عادة المرأة سبعة أيام، لكن انقطع عنها الدم بعد أربعة أيام - مثلا - وتأكدت من هذا الانقطاع بأن أدخلت في فرجها قطنة فخرجت كما هي دون دم: فإنها تكون بذلك نقية طاهرة تفعل ما تفعله الطاهرات؛ من اغتسال وصلاة وصوم ووطء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من انقطاع دم الحيض: طهارتها تمامًا، وإن كانت في مدة الحيض، ويلزم من طهارتها: أن تفعل ما تفعله الطاهرات: لزوال العذر المانع من عبادتها وجماعها.
(^٩) مسألة: يحرم على المرأة الحائض الصوم والصلاة وفعل جميع ما تشترط له الطهارة كالطواف وقراءة القرآن والجلوس في المسجد، ولو صلَّت أو صامت أو فعلت ما سبق: فإنه لا يصح منها ذلك، بل تأثم بفعله، ولكن بعد طهورها من الحيض يجب أن تقضي الصوم فقط، دون الصلاة وغيرها؛ للسنة القولية؛ =
[ ١ / ٢٨٠ ]
تلويثه (^١٠) (ويحرم وطؤها في الفرج) إلا لمن به شَبَق بشرطه، قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (فإن فعل): بأن أولج قبل انقطاعه - من يجامع مثله - حشفته، ولو بحائل أو مكرها أو ناسيا أو جاهلا: (فعليه دينار أو نصفه) على التخيير (كفارة)؛ لحديث ابن عباس: "يتصدق بدينار أو نصفه كفارة" رواه أحمد
= وهي من وجهين: أولهما: قول عائشة: "كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة" حيث أوجب الشارع قضاء الصوم الذي وجب تركه أثناء الحيض؛ لأن قول الصحابي هذا له حكم المرفوع، والأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ثانيهما: اقول ﷺ لبنت أبي حبيش: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة" حيث أوجب ترك الصلاة مدة الحيض، لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، وترك الواجب حرام، فإن قلتَ: لِمَ لا تصح الصلاة والصوم من الحائض ويحرم فعلهما؟ قلتُ: لأن الصلاة والصوم ونحوهما: عبادات يناجي العبد بهما ربه فلا يليق أن تفعل ذلك المرأة وهي ملطخة بالدماء النتنة، فإن قلتَ: لِمَ يقضي الصوم دون الصلاة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الصلاة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات فلو وجب عليها أن تقضيها: لشق عليها ذلك، بخلاف الصوم فإنه لا يأتي إلا بالسنة مرة واحدة، فلا يشق قضاء الأيام التي تركتها، فإن قلتَ: لِمَ حرم عليها الطواف والجلوس في المسجد؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع لتلويث المسجد.
(^١٠) مسألة: يباح للحائض أن تمر بمسجد: بأن تدخل من باب وتخرج من الباب الآخر بشرط: أن يغلب على ظنها عدم خروج دم منها يلوث المسجد؛ للتلازم؛ حيث إن هذا لا يلوث المسجد فلزم إباحته، فإن قلتَ: لِمَ أبيح هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على المسلمين.
[ ١ / ٢٨١ ]
والترمذي، وأبو داود، وقال: هكذا الرواية الصحيحة، والمراد بالدينار: مثقال من الذهب مضروبًا كان أو غيره، أو قيمته من الفضة فقط، ويجزيء لواحد، وتسقط بعجزه، وامرأة مطاوعة كرجل (^١١) (و) يجوز أن (يستمتع منها) أي: من الحائض
(^١١) مسألة: يحرم على الرجل وطء زوجته وهي حائض إلا إذا كان به شبق - وهو: شدة الشهوة - وخاف على نفسه الضرر أو الوقوع في الزنا: فلا يحرم عليه ذلك، أما إن لم يكن به هذا العذر: فإنه يأثم بالوطء، وعليه الاستغفار، والمرأة مثله في هذا الحكم إن كانت مطاوعة له؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ فأوجب الشارع ترك وطء النساء في حال الحيض والأمر هنا مطلق، فيقتضي الوجوب، وترك الواجب حرام، وهذا مطلق، فلم يقيد بكفارة تجب على من أوقع الوطء، ولم يُفصِّل في كون الواطيء عامدًا أو ساهيًا أو عالمًا أو جاهلًا، والمرأة كالرجل في ذلك؛ لعدم الفارق، الثانية: المصلحة؛ حيث إنه يباح الوطء لزوج به شبق لدفع الضرر عنه، فإن قلتَ: لِمَ حرم الوطء في حال الحيض؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه دفع الأذى الموجود في ذلك الدم من أمراض ورائحة منتنة وقد يؤدي إلى كره الرجل امرأته، أو العكس، فإن قلتَ: إنه إذا وطأ زوجته الحائض بدون عذر فعليه كفارة وهي: التصدق بدينار أو نصفه وهو قول بعض العلماء وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية؛ حيث روي عنه ﷺ أنه قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض: "يتصدق بدينار أو نصفه كفارة" كما رواه ابن عباس ويسقط ذلك عند العجز عنه - قلتُ: هذا الحديث ضعيف؛ حيث إن من رواته: "عبد الحميد" وقد ضعَّفه أكثر أئمة الحديث كما أورده القرطبي في تفسيره (٣/ ٨٨)، وهو مضطرب في متنه؛ حيث إنه ورد بإخراج دينار أو نصفه، وهذا خلاف قاعدة التخيير وهي: "أن يكون المخير بينها متساوية" وقد بينت ذلك في كتاب (المهذب" (١/ ١٧٤)، فإن قلتَ: ما هذا الخلاف سبب الخلاف =
[ ١ / ٢٨٢ ]
(بما دونه) أي: دون الفرج: من القبلة، واللمس، والوطء دون الفرج؛ لأن "المحيض": اسم لمكان الحيض، قال ابن عباس: "فاعتزلوا نكاح فروجهن" ويُسَنُّ ستر فرجها عند مباشرة غيره، (^١٢) وإذا أراد وطئها فادَّعت حيضًا ممكنًا: قبل (^١٣) (وإذا انقطع الدم) أي: دم الحيض
= هنا؟ قلتُ: سببه: "هل حديث ابن عباس صحيح فيكون مقيدًا للآية أو لا؟ " فعندنا: لم يصح، وعندهم: يصح، تنبيه: الدينار يزن مثقال ذهب وهو يزن في كل عصر: إحدى وسبعون حبة من الشعير، فتجعل إحدى وسبعين حبة في كفة، وقطعة من الذهب في كفة أخرى فما يوازنها من الذهب هو قيمة الدينار وهكذا في كل شيء.
(^١٢) مسألة: يباح للرجل أن يستمتع بزوجته أو أمته الحائض، دون أن يدخل ذكره في فرجها، أي: أن له كل شيء يستمتع به إلا الفرج، ويستحب أن يستر فرجها عند مباشرة سائر جسدها؛ لقواعد: الأولى: الكتاب: حيث قال تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ فيلزم من لفظ "المحيض" إباحة الاستمتاع بكل شيء من جسد الحائض إلا موضع خروج الدم - وهو: الفرج -، كما جاء في "أحكام القرآن" لابن العربي (١/ ١٦٣) - الثانية: السنة الفعلية؛ حيث قالت بعض زوجات النبي ﷺ: "إنه كان إذا أراد منها شيئًا وهي حائض ألقى على فرجها ثوبًا" فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن فترة الحيض قد تطول عند بعض النساء، فيشق على بعض الأزواج ذلك، فأبيح له الاستمتاع؛ دفعًا لهذه المشقة وحرصًا على غض بصره، فإن قلتَ: لِمَ استُحب أن يلقي على فرجها ثوبًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع من أن يلامس بعض الدم الموجود في فرجها أو ما حوله فيؤذيها أو يؤذي نفسه، أو يتسبَّب في الكراهية بينهما.
(^١٣) مسألة: إذا أراد الزوج وطء زوجته فادَّعت أنها حائض: فيجب عليه أن يقبل هذا، ويمتنع عن وطئها في الفرج إن كان الحيض ممكن حصوله كان تكون =
[ ١ / ٢٨٣ ]
أو النفاس (ولم تغتسل: لم يبح غير الصيام والطلاق)، (^١٤) فإن عدمت الماء تيمَّمت وحلَّ وطؤها (^١٥) وتغسل المسلمة الممتنعة قهرًا،
= في أيامها المعتادة، وبعد التاسعة، وقبل الخمسين؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من إمكان حصول الحيض عندها: وجوب قبول قولها؛ لأن حيضها وطهرها لا يعلمان إلا عن طريقها، فإن قلتَ: لِمَ وجب قبول قولها؟ قلتُ: لأنها مؤتمنة على ذلك.
(^١٤) مسألة: إذا انقطع دمها ولم تغتسل: فإنه يجوز أن تصوم، وأن تُطلَّق فقط، وكذا: النفساء مثلها، وتحرم الصلاة، والجماع، ومس المصحف، وقراءة القرآن؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المرأة التي أصابتها جنابة يصح صومها وطلاقها - دون الصلاة ونحوها - فكذلك الحائض والنفساء مثلها إذا انقطع الدم، والجامع: انقطاع القذر وهو المني والدم، فإن قلتَ: لِمَ جاز لها ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو لم يصح صومها إلا بعد الاغتسال لاشتغلت من طهرت قبيل الفجر من يوم صوم بالاغتسال وفاتها السحور فيشق عليها، وقد حُرِّم الطلاق في الحيض؛ لكونه يُطيل عدَّة الطلاق ولكن هنا قد زال دم الحيض: فجاز طلاقها؛ منعًا لتلك الإطالة.
(^١٥) مسألة: إذا انقطع دم الحائض، ولم تجد ماء تغتسل به أو لم تقدر على الاغتسال فإنها تتيمم، ويباح بعد ذلك أن يطأها زوجها؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ حيث حرم وطء الحائض؛ لأن النهي في قوله: "ولا تقربوا" مطلق، فيقتضي التحريم، وجعل غاية التحريم إلى أن تتطهر بانقطاع الدم، وبالاغتسال، وأباح وطئهن؛ لأن الأمر في قوله "فأتوهن" ورد بعد حظر ونهي فيقتضي الإباحة، فإن فقدت الماء، أو عجزت عن استعماله: فإنها تتيمم؛ لكونه بدلًا عن الماء - كما سبق في =
[ ١ / ٢٨٤ ]
ولا نية هنا كالكافرة؛ للعذر، ولا تصلي به (^١٦) وينوي عن مجنونة غُسِّلت كميت (^١٧)
= باب التيمُّم - وبعده يجوز وطئها، فإن قلتَ: لِمَ جاز الوطء بعد التيمُّم؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على المسلمين؛ لئلا تطول المدة عليه وعليها.
(^١٦) مسألة: إذا انقطع دم الحائض العاقلة المسلمة، وامتنعت عن الاغتسال: فإن زوجها يغسلها - أو غيره من النساء - ويجامعها، ولا تجب نية الطهارة عن الحدث الأكبر في هذه الحالة؛ لعذر الامتناع، وإذا أرادت صلاة أو طواف أو قراءة قرآن ونحو ذلك: فلا يجوز لها أن تفعل ذلك بذلك الاغتسال، بل لا بد أن تنوي وتغتسل مع النية؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" وهي لما غسلها زوجها أو غيره من النساء لم تنو هي رفع الحدث الأكبر، فلم يوجد شرط الاغتسال، فلا تصلي فيه، إذ النية شرط لكل عبادة، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن اليهودية أو النصرانية إذا انقطع دمها: فإن زوجها المسلم يُجبرها على الاغتسال، أو يقوم هو أو غيره من النساء بغسلها بلا نية منها؛ لعدم النية الصحيحة من الكفار فكذلك المسلمة الممتنعة عن الاغتسال مثلها، والجامع: وجود الامتناع في كل، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه ترك الحرام، وهو: الوطء قبل الاغتسال، وهو يستطيع فعله فوجب إجبارها وإن لم توجد نية منها؛ لأن ذلك من حقِّه، ولا يُشترط في ذلك النية.
(^١٧) مسألة: إذا انقطع دم الحائض المجنونة: فإن زوجها يغسلها، - أو غيره من النساء - وينوي عنها: أن هذا الغسل لرفع الحدث الأكبر، ثم يطأها، وإذا أفاقت: فإنها لا تصلي بذلك الغسل، بل يجب عليها أن تنوي رفع الحدث الأكبر، ثم تغتسل؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهو حديث: "إنما =
[ ١ / ٢٨٥ ]
(والمبتداة) أي: في زمن يمكن أن يكون حيضًا، وهي: التي رأت الدم ولم تكن حاضت (تجلس) أي: تدع الصلاة والصيام ونحوهما بمجرد رؤيته، ولو حمرة أو صفرة، أو كدرة (أقلَّه) أي: أقل الحيض يومًا وليلة (ثم تغتسل)؛ لأنه آخر حيضها حكمًا (وتصلي) وتصوم ولا توطأ (فإن انقطع) دمها (لأكثره) أي: أكثر الحيض: خمسة عشر يومًا (فما دون) بضم النون؛ لقطعه عن الإضافة: (اغتسلت عند انقطاعه) أيضًا وجوبًا؛ لصلاحية أن يكون حيضًا، وتفعل كذلك في الشهر الثاني والثالث (فإن تكرر) الدم (ثلاثًا) أي: في ثلاثة أشهر ولم يختلف (فـ) هو كله (حيض) وثبتت عادتها فتجلسه في الشهر الرابع، ولا تثبت بدون ثلاث (وتقضي ما وجب فيه) أي: ما صامت فيه من واجب، وكذا: ما طافته أو اعتكفته فيه، وإن ارتفع حيضها ولم يعد أو أيست قبل التكرار: لم تقض (^١٨)
= الأعمال بالنيات ٤٣" وقد سبق بيانه في مسألة (١٦)، والثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الميت إذا غسله المغسل ينوي عنه، فكذلك المجنونة مثله، والجامع: عدم الإدراك في كل، والمقصد من ذلك كما ذكرنا في مسألة (١٦).
(^١٨) مسألة: المبتدأة - وهي التي ترى دم الحيض لأول مرة وهي بالغة التاسعة - تجلس جميع الأيام التي ترى فيها ذلك الدم فلا تصلي ولا تصوم وإن طالت تلك الأيام حتى تصل إلى أكثر الحيض وهو: خمسة عشر يومًا، فإن خرج دم في اليوم السادس عشر: فهو دم استحاضة تغتسل وتصوم وتفعل ما تفعله الطاهرات وهذه طريقة الجمهور؛ للاستصحاب؛ حيث إن دم الحيض هو: الأصل؛ لكونه دم طبيعة وعادة يخرج من المرأة الصحيحة إلى آخر يوم الخامس عشر من بداية خروجه، فإذا خرج في اليوم السادس عشر: فإنه يكون دم عِلَّة ومرض - وهو: الاستحاضة -، أما قبل ذلك فهو دم حيض لذلك نستصحب ذلك ونعمل به، ونُرتِّب عليه أحكام الحيض: من ترك صلاة وصوم ونحوهما، =
[ ١ / ٢٨٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن قلتَ: لِمَ حسب كل ما يخرج من المبتدأة دم حيض مع احتمال أنه ليس كذلك؟ قلتُ: نظرًا لخروجه في وقته، ووجود صفته، وهو خارج ممن تحيض مثلها فيغلب على الظن: أنه دم حيض، والعمل بالغالب واجب، وهذا تعرفه النساء الطبيعيات من عادتهن، والعادة محكَّمة، وهذه الطريقة أيسر لعوام المسلمين وهم الأغلب، فإن قلتَ: إن المبتدأة لها طريقة لمعرفة عادة حيضها غير ما ذكره الجمهور وهي: أنها لو أتاها دم حيض في شهر رمضان مثلًا: فإن عادتها تكون يومًا وليلة فقط - وهو أقل الحيض -؛ فإذا انتهى اليوم والليلة: تغتسل، وتصلي وتصوم، وتعتكف، وتقرأ القرآن وإن كان الدم لا يزال يخرج، ولكنها لا توطأ؛ لاحتمال أن يكون ما يخرج منها حيضًا، فيحصل الأذى، فإذا انقطع الدم عنها لأكثر الحيض - وهو: خمسة عشر يومًا فما دونها كثمانية أيام مثلًا: فإنها تغتسل وجوبًا مرة ثانية، أي: بعد انقضاء الأيام الثمانية -، وتستمر في فعلها كفعل الطاهرات، فإن تكرَّر ذلك في شهر شوال: فإنها تعمل كعملها في رمضان، أي: تغتسل مرتين: مرة بعد يوم وليلة، ومرة أخرى بعد انقطاع الدم بعد الثمانية، وتستمر في فعلها كفعل الطاهرات، فإن تكرر ذلك في شهر ذي القعدة: فإنه يُعرف أن عادة تلك المبتدأة ثمانية أيام؛ لكونه تكرر في ثلاثة أشهر، ولم يختلف، وتفعل ذلك في بقية الشهور، أما الأيام التي بين اليوم والليلة إلى اليوم الثامن؛ حيث كانت تصوم وتصلي وتفعل ما تفعله الطاهرات: فإنها لا تقضي الصلاة؛ للمشقة، ولكنها تقضي الصوم وغيره، أما إن اختلفت أيام الحيض عند المبتدأة: فإن عادتها تكون أقل الأيام؛ لكونه هو المتيقن، فمثلًا: لو انقطع دمها في رمضان لما مضى ستة أيام، وانقطع دمها في شوال لما مضى عليها أربعة، وانقطع دمها في ذي القعدة لما مضى عليها ثلاثة أيام: فإن عادتها: تكون ثلاثة أيام؛ لتيقنه، فتجلسها في شهر ذي الحجة وما بعده من الشهور، ولا تقضي ما فعلته بين اليوم والليلة، والثلاثة الأيام؛ لعدم تكرار ذلك، =
[ ١ / ٢٨٧ ]
(فإن عَبَر) أي: جاوز الدم (أكثره) أي: أكثر الحيض: (فـ) هي (مستحاضة) والاستحاضة: سيلان الدم في غير وقته من العرق العاذل من أدنى الرحم دون قعر (^١٩) (فإن كان) لها تمييز: بأن كان (بعض دمها أحمر، وبعضه أسود ولم يَعْبُر) أي: يجاوز الأسود (أكثره) أي: أكثر الحيض (ولم ينقص عن أقله: فهو) أي: الأسود
= وكذلك: لو انقطع دمها ولم يخرج مرة ثانية، وكذلك: الآيسة وهي: التي انقطع دمها لكبر أو مرض لا تقضي ذلك؛ لعدم التكرار، فلا يحكم بشيء عليها؛ لأن الأصل براءة ذمتها، هذا ما قاله أكثر الحنابلة وهو الذي ذكره المصنف هنا، قلتُ: هذه الطريقة فيها نوع مشقة، ولم أجد دليلًا قويًا عليها، فتكون طريقة الجمهور للمبتدأة أيسر مسلكًا، وأبين دليلًا، وأقل مشقة، وأكثر معرفة للناس على اختلاف طبقاتهم، وهو الموافق لقواعد الشريعة.
(^١٩) مسألة: إذا استمر خروج الدم أكثر من خمسة عشر يومًا: بأن خرج عشرين يومًا مثلًا -: فإن الخارج إلى آخر يوم الخامس عشر من بداية خروجه يُحسب على أنه حيض تترتب عليه أحكام الحيض، أما ما زاد عن خمسة عشر يومًا - وهي: خمسة أيام -: فيُحسب على أنه دم استحاضة، وعلى هذا: فإنها تغتسل في اليوم السادس عشر، وتصلي وتصوم وتفعل ما تفعله الطاهرات؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ - لامرأة تُستحاض -: "إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي" فأوجب هنا الاغتسال والصلاة بعد ذهاب قدر أكثر الحيض - وهو: خمسة عشر يومًا كما سبق - وإن كان الدم يخرج؛ لكونه دم استحاضة وليس بحيض، لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، تنبيه: الاستحاضة هو: سيلان دم أحمر فاتح لا رائحة له في غير وقت الحيض وذلك من عرق يوجد في طرف الرحم يُقال له: "العاذل" أو "العاذر" حيث إن ذلك يُسبب عذر الزوج لزوجته في ذلك كما جاء في اللسان (٧/ ١٤٢) -، وقد سبق بيان المقصد منه.
[ ١ / ٢٨٨ ]
(حيضها) وكذا: إذا كان بعضه ثخينًا أو مُنتنًا وصلح حيضًا (تجلسه في الشهر الثاني) ولو لم يتكرر أو يتوالى (والأحمر) والرقيق وغير المنتن (استحاضة) تصوم فيه وتُصلِّي (^٢٠) (وإن لم يكن دمها متميزًا: جلست) عن الصلاة ونحوها أقل الحيض من كل شهر حتى يتكرر ثلاثًا فتجلس (غالب الحيض) ستًا أو سبعًا بتحر (من كل
(^٢٠) مسألة: إذا كان الدم الخارج من المبتدأة متميزًا: بأن كان بعضه يميل إلى السواد، وكان غليظًا، وذا رائحة كريهة، وبعضه الآخر: أحمر فاتح رقيق ولا رائحة له، ولم يجاوز خروج الدم الأسود الغليظ أكثر الحيض - وهو: خمسة عشر يومًا - ولم ينقص خروجه عن أقل الحيض - وهو: يوم وليلة: فإن هذا الدم الأسود والغليظ والمنتن هو: حيضها، فتكون عادتها هي تلك الأيام التي خرج منها ذلك الدم فتجلسها فلا تصلي ولا تصوم فيها، وكذلك تجلس في الشهر الثاني مثل ما جلست في الشهر الأول إذا جاءها ذلك الدم الذي له تلك الصفات، وتفعل في الشهر الثالث كذلك، وإن لم يكن الدم أسود فيكون حيضًا لها عدد الأيام التي في الشهر الأول وإن لم يتكرر، بشرط أن لا يزيد ذلك عن خمسة عشر يومًا كما سبق -، أما الدم الأحمر الرقيق عديم الرائحة غالبًا: فإنه دم استحاضة تصوم وتصلي وتفعل في وقت خروجه كما تفعل الطاهرات؛ للسنة القولية؛ حيث جاءت امرأة إلى النبي ﷺ قائلة: إني أستحاض ولا أطهر أفادع الصلاة؟ فقال: "إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" وفي رواية: "إذا كان دم الحيض: فإنه أسود فامسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي، فإنما هو عرق" فأوجب الشارع الصلاة عند خروج دم الاستحاضة؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا التفريق؟ قلتُ: لبيان أن لكل دم حكمه وهو من باب التيسير على المسلمين.
[ ١ / ٢٨٩ ]
شهر) من أول وقت ابتدائها إن علمته، وإلا: فمن أول كل هلالي (^٢١) (والمستحاضة المعتادة) أي: التي تعرف شهرها ووقت حيضها وطهرها منه (ولو) كانت (مميزة: تجلس عادتها) ثم تغتسل بعدها وتصلي (^٢٢) (وإن نسيتها) أي: نسيت
(^٢١) مسألة: إذا كان الدم الخارج من المبتدأة غير متميز: بأن كان على صفة واحدة: فلم تستطع التفريق بين الأسود والأحمر، وبين الغليظ والرقيق: فإنها تجلس: فلا تصلي ولا تصوم غالب الحيض عند النساء، وهي: ستة أيام أو سبعة من كل شهر وتجتهد في حال الدم وعادة قريباتها فيما يقرب على ظنها أنه أقرب إلى عادتها: فإن كانت تعلم ابتداء خروج الدم منها: جلست من أول خروجه إلى أن تبلغ ستة أو سبعة أيام دون النظر إلى الشهر الهلالي، وإن كانت لا تعلم ذلك: فإنها تجلس من أول كل شهر هلالي ستة أو سبعة أيام بعد تحريها واجتهادها في ذلك -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لحمنة بنت جحش - وكانت تُستحاض -: "تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة، ثم اغتسلي وصلي أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين يومًا كما تحيض النساء، وكما تطهر لميقات حيضهن وطهرن" فردَّها ﷺ إلى غالب الحيض عند النساء بهذا الأمر المطلق المقتضي للوجوب، فوجب عليها أن تجلس ستة أو سبعة أيام، فإن قلتَ: لِمَ شرع لها هذا؟ قلتُ: لتعذر العلم عن عادتها ومدتها؛ لكثرة ما يخرج منها من الدم غير المتميز، فلا طريق إلى ذلك إلا العمل بغالب عادات قريباتها، أو نساء مجتمعها، والعمل بالغالب واجب، تنبيه: قوله: " .. ونحوها أقل الحيض من كل شهر حتى يتكرر ثلاثًا" هذا بناء على مذهب أكثر الحنابلة في طريق معرفة المبتدأة لعادتها وقد بينت أنه مرجوح في مسألة (١٨).
(^٢٢) مسألة: إذا كانت المستحاضة - وهي: التي يخرج منها الدم أكثر الشهر أو كله - معتادة، أي: تعرف أن عادتها: أنها تحيض ستة أيام من ابتداء شهرها وتطهر =
[ ١ / ٢٩٠ ]
عادتها: (عملت بالتمييز الصالح) بأن: لا ينقص الدم الأسود ونحوه عن يوم وليلة ولا يزيد على خمسة عشر يومًا، ولو تنقَّل، أو لم يتكرر (^٢٣) (فإن لم يكن لها تمييز)
= باقيه: فإن هذه تجلس ستة أيام من كل شهر من أول الشهر وتترك الصلاة والصيام إلى آخر اليوم السادس، ثم تغتسل قبل صلاة الفجر من اليوم السابع، وتصلي وتصوم وتفعل ما تفعله الطاهرات، هذا الواجب عليها وإن كانت تميز بين دم الحيض والاستحاضة، حيث لا يلتفت إلى تمييزها هذا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لأم حبيبة - وكانت تستحاض -: "امكثي ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي" فأوجب عليها أن تجلس قدر الأيام التي تأتيها عادتها فيها؛ لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، وهذا عام، فلم يسألها هل أنت تميزين بين دم الحيض والاستحاضة؟ فيشمل التي تميِّز وغيرها؛ لأن ترك الاستفصال عن الحال ينزل منزلة العموم في المقال فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن النظر إلى العادة أضبط؛ لعدم دخل الاحتمال إليه، بخلاف تمييز دم الحيض عن دم الاستحاضة: فإنه لا ينضبط؛ لكونه يختلف باختلاف ضعف البصر وحاسة الشم وقوتهما.
(^٢٣) مسألة: إذا نسيت المستحاضة عادتها: فلا تدري هل كانت عادتها تأتيها من أول الشهر أو وسطه أو آخره؟ وهل كانت ستة أيام أو خمسة؟ ولكنها تميز بين دم الحيض ودم الاستحاضة فإنها تعمل بهذا التمييز الصالح، وهو: صلاحية كون هذا الدم حيضًا بأن كان في وقته: بأن لا يزيد خروجه عن خمسة عشر يومًا - وهو أكثر الحيض - ولا ينقص خروجه عن يوم وليلة - وهو أقل الحيض وعلى ذلك تجعل زمن حيضها هو: زمن خروج الدم الأسود الغليظ المنتن، وتجعل زمن استحاضتها هو: زمن خروج الدم الأحمر الرقيق الذي لا رائحة له فتغتسل في هذا الزمن وتفعل ما تفعله الطاهرات، تفعل ذلك دائمًا سواء تنقَّل: بأن أتاها أحيانًا في أول الشهر، وأحيانًا في آخره، وسواء تكرر في ثلاثة أشهر أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: - لمن تُستحاض -: "إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" وقال: "إذا كان دم =
[ ١ / ٢٩١ ]
صالح، ونسيت عدده ووقته: (فغالب الحيض) تجلسه من أول كل مدَّة عُلِم الحيض فيها وضاع موضعه، وإلا: فمن أول كل هلالي (كالعالمة بموضعه) أي: موضع الحيض (الناسية لعدده) فتجلس غالب الحيض في موضعه (^٢٤) (وإن علمت) المستحاضة (عدده) أي: عدد أيام حيضها (ونسيت موضعه من الشهر ولو) كان موضعه من الشهر (في نصفه: جلستها) أي: جلست أيام عادتها (من أوله) أي: أول الوقت الذي كان الحيض يأتيها فيه (كمن) أي: كمبتدأة (لا عادة لها ولا تمييز) فتجلس من أول وقت ابتدائها على ما تقدَّم (^٢٥) (ومن زادت عادتها) مثل: أن
= الحيض: فإنه دم أسود يعرف فأمسكي عن الصلاة، وإن كان الآخر فتوضئي فإنما هو عرق" حيث أوجب ترك الصلاة عند خروج الدم الأسود، دون خروج غيره من الدماء؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ تعمل هنا بالتمييز الصالح؟ قلتُ: لكونها نسيت عادتها، فتعذَّر العمل بها، فلم يبقى إلا العمل بالتمييز من باب "السبر والتقسيم".
(^٢٤) مسألة: إذا نسيت المستحاضة عادتها، ولا تميز بين دم الحيض ودم الاستحاضة، فإنها تجلس غالب الحيض عند النساء - وهو: ستة أو سبعة أيام - في موضع حيضها من أوله، للقياس، بيانه: كما أن المستحاضة العالمة بموضع حيضها وهي الأيام العشر الوسطى من الشهر - مثلًا - ولكنها نسيت عدد أيامها فلا تدري هل هي ستة أو خمسة؟: فتجلس غالب الحيض في الأيام الوسطى فكذلك المستحاضة التي نسيت عادتها ولا تمييز لها مثلها والجامع: نسيان عدد الأيام التي تحيض بها في كل، فإن قلتَ: لِمَ شرع لها ذلك؟ قلتُ: لأن هذا أقصى ما تستطيع فعله، أصله قوله ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
(^٢٥) مسألة: إذا كانت المستحاضة عالمة بأيام حيضها وكانت خمسة من كل شهر - مثلًا - ولكنها نسيت موضعها فلا تدري هل كانت في أول الشهر أو وسطه أو آخره؟، أو كانت تعلم بأن تلك الخمسة واقعة في نصف الشهر، ولكنها نسيت =
[ ١ / ٢٩٢ ]
يكون حيضها خمسة من كل شهر فيصير ستة (أو تقدَّمت) مثل: أن تكون عادتها من أول الشهر فتراه في آخره (أو تأخرت) عكس التي قبلها (فما تكرر) من ذلك (ثلاثًا): فهو (حيض)، ولا تلتفت إلى ما خرج عن العادة قبل تكرره كدم المبتدأة الزائد على أقل الحيض فتصوم فيه وتصلي قبل التكرار وتغتسل عند انقطاعه ثانيًا، فإذا تكرر ثلاثًا: صار عادة فتُعيد ما صامته ونحوه من فرض (^٢٦) (وما نقص عن
= ابتداءها: فلا تدري هل كانت من أول الخامس عشر من الشهر أو بعده؟: فإنها تجلس خمسة أيام من أول كل شهر، أو خمسة من اليوم الخامس عشر؛ للقياس، بيانه: كما أن المستحاضة المبتدأة - وهي التي لا عادة لها ولا تمييز - تجلس من أول كل شهر على أنها لا عادة لها ولا تمييز فكذلك الناسية مثلها، والجامع: جهل موضع أيام حيضها، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث أن دم الحيض دم صحة، ودم الاستحاضة دم فساد ومرض فغلَّبنا جانب الصحة، وجعلناها كالمبتدأة فيُحسب من أول الشهر؛ تيسيرًا على الناس.
(^٢٦) مسألة: إذا كانت عادتها ستة أيام من كل شهر، فزادت في شهر فصارت سبعة، ثم تكررت هذه الزيادة في الشهرين اللذين بعده: فإن عادتها تكون سبعة، وإن لم تتكرر، بأن جاءها في شهر: ستة، وفي الشهر الذي يليه: سبعة، وفي الشهر الذي بعده: ستة: فإن عادتها الأولى لا تتغير: فتستمر على أنها ستة، وإن كانت عادتها في آخر الشهر، فأتاها الحيض في الشهر الذي يليه في أوله وتكرر ذلك في الشهرين اللذين بعده: فإن عادتها تكون في أول كل شهر، وإن كانت عادتها في أول الشهر، فأتاها الحيض الشهر الذي يليه في آخره وتكرر ذلك في الشهرين اللذين بعده: فإن عادتها تكون في آخره، وهكذا، أما قبل تكرار الزيادة، أو تكرار التقديم أو التأخير: فلا يُلتفت إلى ما خرج من الدم وتصوم وتصلي في تلك الأيام غير المتكررة؛ للتلازم؛ حيث إن تكرُّر تلك =
[ ١ / ٢٩٣ ]
العادة: طهر) فإن كانت عادتها ستًا فانقطع لخمس: اغتسلت عند انقطاعه وصَّلت؛ لأنها طاهرة (^٢٧) (وما عاد فيها) أي: في أيام عادتها: كما لو كانت عشرًا فرأت الدم ستا، ثم انقطع يومين، ثم عاد في التاسع والعاشر: (جلسته) فيهما؛ لأنه صادف زمن العادة كما لو لم ينقطع (^٢٨) (والصفرة والكدرة في زمن العادة: حيض)
= الزيادة، وتكرُّر انتقال موضع العادة من أول الشهر إلى آخره أو بالعكس: يلزم منه تغيير مدة الحيض وتغيير موضعه؛ لأن هذا هو الغالب على الظن، ويلزم من عدم تكرار ذلك: عدم التغيير وتُستصحب عادتها الأولى وتعمل بها؛ لعدم التغيير وهذا أيسر، وهو: المقصد الشرعي، تنبيه: قوله: "كدم المبتدأة الزائد على أقل الحيض" إلى قوله: "ونحوه من فرض" مبني على مذهب كثير من الحنابلة ومنهم المصنف في طريقة معرفة عادة المبتدأة وقد بيَّنا ضعف ذلك، وأن طريقة الجمهور أرجح في مسألة (١٨).
(^٢٧) مسألة: إذا كانت عادتها ستة أيام، ثم نقصت فصارت خمسًا؛ حيث انقطع دمها بعد اليوم الخامس: فإنها تكون طاهرة بعد انقطاعه: تغتسل قبل صلاة الفجر من اليوم السادس وتصلي وتفعل ما تفعله الطاهرات؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ حيث دل مفهوم الصفة على جواز وطء النساء إذا انقطع الحيض الذي وُصف بأنه أذى، ويلزم من جواز وطئها: أن تفعل ما تفعله الطاهرات، أي: أن المرأة إذا انقطع دمها عن الخروج: فإنها تطهر، وإذا طهرت فإنها تفعل ما تفعله الطاهرات وهذا مطلق، وهو المقصد من هذا الحكم.
(^٢٨) مسألة: إذا كانت عادتها عشرة أيام من كُلِّ شهر، فرأت الدم ستة أيام فقط، ثم انقطع السابع والثامن - مثلًا - ثم عاد خروجه في التاسع والعاشر: فإنه يجب عليها أن تغتسل في السابع والثامن وتفعل ما تفعله الطاهرات، وتجلس في =
[ ١ / ٢٩٤ ]
فتجلسهما، لا بعد العادة، ولو تكرّرتا؛ لقول أم عطية: "كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا" رواه أبو داود (^٢٩) (ومن رأت يومًا) أو أقل أو أكثر (دمًا ويومًا) أو
= التاسع والعاشر: فلا تصلي ولا تصوم، وتفعل ذلك كل امرأة ينقطع عنها الدم في وقت عادتها سواء كانت عادتها قليلة أو كثيرة؛ للقياس، بيانه: كما أن المرأة التي لم ينقطع عنها خروج الدم تجلس كل أيامها ولا تصلي ولا تصوم، فكذلك هذه المرأة تجلس الأيام التي رأت فيها الدم في أيام عادتها وإن انقطع فترة ثم عاد، أما الأيام التي لم تر فيها دمًا: فهي طاهرة لانقطاع الدم، والجامع: أن كلًا منهما صادف خروج الدم منها زمن العادة، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن خروج الدم في أيام العادة بعد انقطاعه فيها يغلب على الظن: أنه دم حيض والعمل بالغالب واجب.
(^٢٩) مسألة: إذا رأت المرأة الصفرة - وهي: ماء أصفر - أو رأت الكدرة - وهي: ماء وسخ كدر - في زمن حيضها وعادتها: في أولها أو في آخرها: فإنهما يُعتبران من الحيض تجلس زمن خروجهما، أما إذا رأت ذلك قبل أيام عادتها، أو بعدها: فلا يُعتبران من الحيض، بل من جملة السوائل التي تخرج من فرج المرأة عادة، وتفعل في زمن خروجهما هنا ما تفعله الطاهرات؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن أم عطية قالت: "كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا" حيث دل منطوقه على أن الصفرة والكدرة اللتين تأتيان في الطهر - وهو الذي بعد زمن الحيض - لا يُعتبران من الحيض، وكذلك: إذا خرجا قبل زمن الحيض لا يُعتبران من الحيض من باب مفهوم الموافقة، ودل بمفهوم الزمان: أنهما إذا خرجا في زمن الحيض فإنهما يُعتبران من الحيض، ولم يُنكر ذلك النبي ﷺ مع أنه لا يخفى على أحد؛ لكونه مما تعم به البلوى، ومع ذلك لم يبين خلاف ذلك، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأنهما إذا خرجا في وقت الحيض يغلب على الظن: أنه حيض، بخلاف ما إذا خرجا بعد زمنه ووقته.
[ ١ / ٢٩٥ ]
أقل أو أكثر (نقاء: فالدم: حيض)؛ حيث بلغ مجموعه أقل الحيض (والنقاء: طهر) تغتسل فيه وتصوم وتصلي، ويكره وطؤها فيه (ما لم يعبر) أي: يجاوز مجموعهما (أكثره) أي: أكثر الحيض، فيكون استحاضة (^٣٠) (والمستحاضة ونحوها) ممن به
(^٣٠) مسألة: إذا بدأ زمن عادة المرأة، وتقطعت، بأن خرج الدم يومًا، ثم انقطع في اليوم الذي يليه، ثم عاد وخرج في اليوم الثالث، وهكذا فإنه يحسب هذا كله على أنه حيض؛ ولا يُلتفت إلى اليوم الذي انقطع فيه الدم ما دام أنه في زمن حيضها ولم يتجاوز خمسة عشر يومًا؛ لقول الصحابي؛ حيث إن بعض النساء كنَّ يبعثن إلى عائشة بالدرجة - وهي: القطنة - فيها الصفرة والكدرة بعد إخراجها من فرجها فتقول لهن: "لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء" فقد دل على أن المرأة ينقطع عنها الدم فترة، ولكنها لم تر القصة البيضاء - وهو: الماء الأبيض الذي يُشبه الجص في الصفاء والبياض يخرج في آخر الحيض - فتقول لهن عائشة: "هذا ليس بطهر، بل لا زلتن في مدة الحيض" فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أيسر للمسلمات، وأكثر إنضباطًا، وأقل تكلفة، فإن قلتَ: لِمَ اشترط عدم مجاوزته خمسة عشر يومًا؟ قلتُ: لأنه إذا خرج دم في اليوم السادس عشر: فإنه يكون دم استحاضة، وقد سبق، فإن قلتَ: إنها تجلس في اليوم الذي رأت فيه الدم على أنه حيض، وتطهر في اليوم الذي ينقطع فيه وتفعل فيه ما تفعله الطاهرات وهكذا، وهذا قول كثير من الحنابلة - وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود الدم: وجوب كونه حيضًا، ويلزم من انقطاعه: وجوب كونه طهرًا - كما ورد في الآية؛ حيث قال تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ قلتُ: هذا غير منضبط؛ فقد تتوَّهم المرأة أنها طهرت كما ورد عن عائشة، فما قلناه أضبط، وأقل مشقة، وكلفة؛ إذ يلزم على مذهبكم: أن تغتسل يومًا، وتترك يومًا وهذا فيه مشقة عظيمة غير =
[ ١ / ٢٩٦ ]
سلس البول، أو مذي، أو ريح، أو جرح لا يرقأ دمه، أو رعاف دائم (تغسل جرح) لإزالة ما عليه من الخبث (وتعصبه) عصبًا يمنع الخارج حسب الإمكان، فإن لم يمكن عصبه كالباسور: صلى على حسب حاله، ولا يلزم إعادتهما لكل صلاة ما لم يُفرِّط (وتتوضأ لـ) دخول (وقت كل صلاة) إن خرج شيء (وتصلي) ما دام الوقت (فروضًا ونوافل): فإن لم يخرج شيء: لم يجب الوضوء، (^٣١) وإن أعتيد
= خافية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع قول الصحابي والمصلحة" فعندنا: يرجحان على التلازم؛ لمراعاة أحوال النساء، وعندهم: يُرجح التلازم عليهما، تنبيه: قوله: "ويكره وطؤها فيه" هذا مبني على مذهب أكثر الحنابلة، بل يحرم وطؤها؛ لأنه يحسب على أنه حيض؛ لكونها في زمنه.
(^٣١) مسألة: مَنْ حدثه مستمر - كالمستحاضة ومن به سلس بول، وقروح وجروح سيَّالة، أو ريح مستمر، أو رعاف دائم، أو باسور -: إذا أراد الصلاة: فإنه يغسل فرجه لإزالة النجاسة، ثم يعصب على فرجه بشيء، ثم يتوضأ إذا دخل وقت الصلاة إن خرج شيء من ذلك الخبث، ويصلي بهذا الوضوء ما شاء من الفروض والنوافل داخل وقت تلك الصلاة، وإن لم يستطع عصبه: صلى على حسب حاله - ولو خرج منه شيء -، ولا يعيد تلك الصلاة ولو امتنع هذا الخبث من الخروج بعد الصلاة بشرط: عدم التفريط في أمر الله تعالى؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ للمستحاضة: "إغسلي عنك الدم وصلي" وفي رواية: "وتوضئي لكل صلاة" وهو زيادة ثقة مقبولة، حيث دلَّ ذلك على أن المستحاضة تغسل مكان خروج الدم، وتتوضأ لكل صلاة، وتصلي كل فرض ونافلة في وقت الصلاة؛ لأن "كلَّ" من صيغ العموم، ولأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، ومن به حدث =
[ ١ / ٢٩٧ ]
انقطاعه زمنًا يتسع للوضوء والصلاة: تعيَّن؛ لأنه أمكن الإتيان بها كاملة، (^٣٢) ومن يلحقه السلس قائمًا: صلى قاعدًا أو راكعًا، أو ساجدًا يركع ويسجد (^٣٣) (ولا توطأ)
= دائم غير المستحاضة مثلها؛ لعدم الفارق بجامع: استمرار الحدث من باب مفهوم الموافقة، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن طهارة من به حدث مستمر طهارة ضرورية فلا بد أن تُقيَّد بذلك؛ كما في المتيمم للعجز عن استعمال الماء، والضرورة تُقدَّر بقدرها، أصله قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقوله ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
(^٣٢) مسألة: إذا عرف مَنْ به حدث مستمر - كالمستحاضة وصاحب السلس -: أن هذا الحدث يقل أو ينقطع في وقت معين يتسع للوضوء والصلاة: فإن هذا الوقت يتعين عليه أن يصلي فيه وإن تأخر؛ للمصلحة؛ حيث يلزم من معرفته لذلك أن يأتي بالعبادة كاملة بدون عذر ولا ضرورة، وإذا أمكنه أن يأتي بها كاملة فتلزمه، فإن ترك ذلك: فإنه يأثم، أصله قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وهذا أنفع له من حيث الأجر والثواب.
(^٣٣) مسألة: إذا علم مَنْ به حدث مستمر - كالمستحاضة أو صاحب السلس - حالة يقل فيها خروج حدثه أو ينقطع: فإنه يجب عليه أن يصلي على الحالة التي ينقطع فيها الحدث، أو يقل خروجه بشرط: أن تكون من الحالات التي شرع الله الصلاة فيها: وهي: القيام أو القعود أو الاضطجاع ويركع ويسجد على حسب ذلك، للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه كمال العبادة المطلوب إيقاعها؛ أصله: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
[ ١ / ٢٩٨ ]
المستحاضة (إلا من خوف العنَتَ) منه أو منها ولا كفارة فيه (^٣٤) (ويستحب غسلها)
(^٣٤) مسألة: يباح وطء المستحاضة سواء خافت هي أو زوجها العنت والضرر أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فدل على إباحة وطء الزوج لزوجته، وهذا عام، فيشمل من خاف العنت أو لا، والحامل والحائل والمستحاضة، والحائض والنفساء، فأخرجت الحائض - ومثلها النفساء - بالتخصيص ومُنِع من وطئها بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ فيعمل بالآية الأولى، فيما بقي بعد التخصيص وهو: الحامل والحائل والمستحاضة - من جواز وطئهن، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث إن بعض الصحابيات كانت تُستحاض - كحمنة، وفاطمة، وأم حبيبة - فلم يرد عنه ﷺ - على كثرة أسألتهن له: أنه بين عدم وطء الزوج لزوجته المستحاضة، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فدَّل على إقراره بوطء الزوج لزوجته، فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو منع الزوج من أن يطأ المستحاضة: للحقه ضرر؛ نظرًا لطول مدة ذلك ولعدم انضباطه، فإن قلتَ: لا يجوز وطء المستحاضة إلا إذا خافت أو خاف زوجها العنت والضرر - وهو ما ذكره المصنف هنا، وإذا وطأ بدون عذر: فلا كفارة -؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الحائض لا يجوز وطئها فكذلك المستحاضة مثلها، والجامع: خروج الدم في كل، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قالت عائشة: "المستحاضة لا يغشاها زوجها" قلتُ: أما القياس ففاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن دم الحيض قذر، وله رائحة كريهه، وغليظ، ويمنع المرأة من الصلاة والصوم، ومدته قصيرة، بخلاف دم الاستحاضة فليست فيه تلك الأمور الخمسة، ولا قياس مع هذا الفارق، أما قول الصحابي - وهو قول عائشة -: فليس بحجة؛ لأنه معارض بقول صحابي آخر وهو قول ابن عباس: "المستحاضة يأتيها زوجها إذا صلت"، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: =
[ ١ / ٢٩٩ ]
أي: غسل المستحاضة (لكل صلاة)؛ لأن أم حبيبة استُحيضت فسألت النبي ﷺ عن ذلك" فأمرها أن تغتسل، فكانت تغتسل عند كل صلاة" متفق عليه (^٣٥) (واكثر مدة النفاس) وهو: دم يرخيه الرحم للولادة وبعدها، وهو: بقية الدم الذي احتبس في مدة الحمل لأجله، وأصله لغة: من التنفُّس، وهو: الخروج من الجوف أو من "نفَّس الله كُربته" أي: فرجها (أربعون يومًا) وأول مدَّته: من الوضع، وما رأته قبل الولادة بيومين أو ثلاثة بأمارة: فنُفاس وتقدَّم، (^٣٦)
= سببه: "معارضة القياس وقول الصحابي للكتاب والسنة" فعندنا: يقدم العمل بالكتاب والسنة لقوتهما، وعندهم: يقدم القياس وقول الصحابي، وأيضًا: "هل أقوال الصحابة تتساقط إذا تعارضت أو لا؟ فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(^٣٥) مسألة: يُستحب أن تغتسل المستحاضة قبل كل صلاة؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن أم حبيبة كانت تُستحاض وكانت تغتسل لكل صلاة، فإن قلتَ: إنه ﷺ قد أمرها بالاغتسال، والأمر مطلق فيقتضي الوجوب، قلتُ: هذا الأمر هو أمر بأن تغتسل عند انتهاء أيام حيضها، وهو: واجب بالاتفاق؛ لهذا الأمر المطلق، أما اغتسال أم حبيبة لكل صلاة: فهو اجتهاد منها؛ احتياطًا، فإن قلتَ: لِمَ اسْتُحب ذلك الاغتسال عند كل صلاة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه زيادة في نظافتها وطهارتها، وإبعاد الوسخ عنها، فإن قلتَ: لِمَ لم يجب اغتسالها هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يشق عليها مشقة عظيمة، نظرًا لتكرار الصلوات، وقلة المياه.
(^٣٦) مسألة: أكثر مدة النفاس - وهو: الدم الخارج من الرحم بعد الولادة -: أربعون يومًا، تبدأ من لحظة الولادة والوضع، وفي هذه المدة لا تصلي ولا تصوم، وبعد الانتهاء منها تغتسل وتصلي وتفعل ما تفعله الطاهرات، ولو استمر الدم بالخروج، ولا يُحسب من الأربعين ما خرج من الدم قبل الولادة بيومين أو ثلاثة - كما سبق - لكن يجوز لها ترك الصلاة والصيام؛ لشدة أوجاع الولادة في هذه الأيام الثلاثة، ويجب عليها أن تقضي ما تركته من الصلوات في =
[ ١ / ٣٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= تلك الثلاثة بعد الفراغ من الأربعين؛ لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث قالت أم سلمة: "كانت النفساء تجلس على عهد رسول ﷺ أربعين يومًا وأربعين ليلة" ولم يُنكر ﷺ ذلك مع أنه يغلب على الظن علمه بذلك، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولفظ: "النفساء" يلزم منه: أن الدم الذي يخرج قبل الولادة لا يُحسب من الأربعين - وهو: مدة النفاس -؛ لكون ذلك مشتقًا من كونها تنفَّست بعد خروج ولدها، والدم الذي خرج قبل الولادة قبل هذا التنفَّس فلا يُحسب من النفاس، ودل بمفهوم العدد على أن ما بعد الأربعين لا يُحسب نفاسًا؛ الثانية: قول الصحابي؛ حيث ثبت عن ابن عمر وابن عباس وأنس وأم سلمة أن أكثر مدة النفاس أربعون يومًا، فإن قلتَ: لِمَ كان أكثر مدة النفاس أربعين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو زاد عن ذلك: لشق ذلك على الأزواج في امتناعهم عنهن ويشق عليهن في عدم فعلها للعبادات، فهو مناسب لهم ولهن، فإن قلتَ: لِمَ سُميت بالنفساء؟ قلتُ: لأنه بخروج ولدها نفَّس الله كربها، وفرَّج عنها، وهو مستعار من نفس الهواء الذي يردُّه التنفُّس إلى الجوف فيبرِّد من حرارته ويُعدِّلها - كما جاء في "اللسان" (٦/ ٢٣٦) - وقيل: غير ذلك؛ فإن قلتَ: أكثر مدة النفاس ستون يومًا، وهو رواية عن مالك، والشافعي واختيار ابن عثيمين؛ للوقوع؛ حيث وقع النساء من ترى دم النفاس في هذه المدَّة كما قال عطاء والأوزاعي، قلتُ: إن هذا اجتهاد مستنده وقوع ذلك من نوادر النساء: فلا يقوى على معارضة السنة التقريرية وقول الصحابي، وما مستنده غالب النساء وهو: استمرار النفاس أربعين يومًا، ثم إن ما زاد على الأربعين يُحتمل أنه دم نفاس، ويحتمل أنه دم حيض، ويُحتمل أنه دم استحاضة كما لو زاد عن الستين، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال، تنبيه: قوله: "وما رأته قبل الولادة بيومين أو ثلاثة بأمارة فنفاس"، قلتُ: هذا لا يُحسب مع الأربعين، بل إن الأربعين يومًا يبدأ حسابها من تاريخ الوضع كما سبق بيانه.
[ ١ / ٣٠١ ]
ويثبت حكمه بشيء فيه خلق الإنسان (^٣٧) ولا حدَّ لأقله؛ لأنه لم يرد تحديده (^٣٨) وإن جاوز الدم الأربعين وصادف عادة حيضها ولم يزد، أو زاد وتكرر: فحيض إن لم يجاوز أكثره، ولا يدخل حيض واستحاضة في مدة نفاس (ومتى طهرت قبله) أي:
(^٣٧) مسألة: تجلس المرأة أربعين يومًا إذا ولدت ولدًا قد تبين فيه خلق الإنسان، وهو: المضغة، وهو: ما بلغ واحدًا وثمانين يومًا في الرحم فأكثر، وبناء على ذلك: إذا وضعت المرأة شيئًا له ثمانون يومًا فأقل: فلا تجلس، ولا تكون نفساء، وتفعل ما تفعله الطاهرات: تصوم تصلي؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ "إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعون يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: يُكتب رزقه، وأجله وعمله وشقي أو سعيد"، وعلى هذا: تظهر صورة الجنين وتخطيطه بعد ثمانين يومًا في الغالب، وهذا هو الذي تجلس له المرأة إذا أخرجته وإن لم يكن حيًا؛ إذ يُصاحب ذلك دماء عادة.
(^٣٨) مسألة: لا حدَّ لأقل النفاس، وبناء على ذلك: فلو ولدت امرأة ثم بعد ولادتها بيوم أو يومين، أو لحظة انقطع دمها: فإنها تطهر، فيجب عليها أن تغتسل، وتفعل ما تفعله الطاهرات من صلاة ووطء ونحوهما؛ للقياس، بيانه: كما أن الحائض إذا انقطع دمها قبل تمام عادتها: فإنه يجب عليها التطهر وعمل كل ما تعمله الطاهرات من صوم وصلاة ووطء، فكذلك النفاس مثلها والجامع: توقُّف الدم - المانع من العبادات وغيرها - في كل، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لكون أقل النفاس لم يرد من الشارع تحديده، فقيس على ما يُشابهه، وهذا من التيسير، وهو المقصد الشرعي.
[ ١ / ٣٠٢ ]
قبل انقضاء أكثره: (تطهرت) أي: اغتسلت (وصلَّت) وصامت كسائر الطاهرات، كالحائض إذا انقطع دمها في عادتها (^٣٩) (ويُكره وطؤها قبل الأربعين بعد) انقطاع
(^٣٩) مسألة: إذا استمر خروج دم النفساء أربعين يومًا، وفي هذه المدة ترى دمًا فيه صفة دم الحيض -وقد سبق- وأحيانًا ترى دمًا فيه صفة دم الاستحاضة - وقد سبق -: فإنها لا تنظر إلى ذلك، بل كله يُحسب على أنه دم نفاس ما دامت في مدة الأربعين: فلا حيض ولا استحاضة في مدة النفاس، أما إذا انتهت الأربعون واستمر خروج الدم: ففيه تفصيل هو: أولًا: إن صادف خروج هذا الدم أيام عادتها في الحيض وهي تعرفها: فإن هذا الدم يكون حيضًا بشرط: أن لا يزيد عن خمسة عشر يومًا، فإن زاد: فهو دم استحاضة - كما سبق - ثانيًا: إن لم يُصادف خروج الدم عادتها في الحيض: فإنه يكون دم حيض بشرطين: أولهما: أن يتكرَّر وقوع ذلك؛ حيث إن التكرار دليل على انتقال عادتها من موضع إلى موضع آخر في الشهر، ثانيهما: أن لا يزيد خروج هذا الدم عن الدم عن خمسة عشر يومًا، فإن زاد: فهو دم استحاضة كما سبق -؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل أن الدم الخارج في الأربعين: أنه دم نفاس، فيُستصحب هذا ويُعمل به، ولا يُلتفت إلى غيره وإن كانت أوصافه موجودة، الثانية: التلازم؛ حيث إنه إذا زاد خروج الدم عن الأربعين ووجدت فيه صفات دم الحيض في الوقت والوصف والتكرار فإنه يلزم: أن يكون هذا الدم دم حيض، أما إن لم يصلح هذا الدم أن يكون حيضًا بسبب الوقت والوصف وعدم التكرار: فيلزم عدم حسبانه دم حيض، بل استحاضة، تنبيه: قوله: "ومتى ظهرت قبله .. " إلى قوله: "إذا انقطع دمها في عادتها" قد سبق بيانه في مسألة (٣٨).
[ ١ / ٣٠٣ ]
الدم و(التطهير) أي: الاغتسال، قال أحمد: "ما يُعجبني أن يأتيها زوجها على حديث عثمان بن أبي العاص" (^٤٠) (فإن عاودها الدم) في الأربعين: (فمشكوك فيه) كما لو لم تره، ثم رأته فيها (ولا تصوم وتصلي) أي: تتعبَّد؛ لأنها واجبة في ذمتها بيقين وسقوطها بهذا الدم مشكوك فيه (وتقضي الواجب) من صوم ونحوه، احتياطًا ولوجوبه يقينًا، ولا تقضي الصلاة كما تقدم (^٤١) (وهو) أي: النفاس
(^٤٠) مسألة: يُباح وطء النفساء إذا انقطع عنها الدم واغتسلت ولو كانت لم تستكمل الأربعين بلا كراهة؛ للقياس، بيانه: كما يُباح وطء الحائض إذا انقطع عنها الدم واغتسلت ولو لم تستكمل أيام عادتها فكذلك النفساء مثلها، والجامع: انقطاع الدم في كل، فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذلك بلا كراهة؟ قلتُ: لعدم وجود ما يمنع ذلك، ولو كُره ذلك لربما شق على بعض الأزواج أو عليها، فإن قلتَ: يُكره وطؤها إذا انقطع عنها الدم واغتسلت وهي لم تستكمل الأربعين، وهو قول بعض العلماء، وهو ما ذكره المصنف هنا، لقول الصحابي؛ حيث ثبت أن عثمان بن أبي العاص قال لزوجته: "إذا نفست لا تقربيني أربعين يومًا" قلتُ: هذا القول معارض للقياس الذي ذكرناه، وإذا تعارض القياس مع قول الصحابي: فإن القياس يُقدم؛ لأنه دليل متفق عليه، أما قول الصحابي فمختلف فيه، والمتفق عليه إجمالًا مقدم على المختلف فيه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي مع القياس" فعندنا: يقدم القياس، وعندهم قول الصحابي.
(^٤١) مسألة: إذا انقطع الدم عن النفساء قبل تمام الأربعين: فإنها تغتسل وتفعل ما تفعله الطاهرات، فإن عاودها خروج الدم قبل انقضاء الأربعين: فإن هذا الدم يكون دم نفاس تدع الصلاة والصيام لأجله، وتقضي فيما بعد: الصوم فقط؛ للقياس، بيانه: كما أن الحائض إذا انقطع عنها الدم في أيام عادتها: فإنها =
[ ١ / ٣٠٤ ]
(كالحيض فيما يحل) كالاستمتاع بما دون الفرج (و) فيما (يحرم) به كالوطء في الفرج (^٤٢) والصوم والصلاة (^٤٣) والطلاق بغير سؤالها
= تغتسل وتفعل ما تفعله الطاهرات، فإن عاودها الدم في أيام عادتها: فإنه يكون دم حيض تترك من أجله الصلاة والصوم ونحوهما فكذلك النفساء مثلها، والجامع: أن كلًا منهما قد انقطع عنها الدم في وقت خروجه، ثم عاود الخروج في ذلك الوقت، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأنه خروج في وقت خصَّص للنفاس، وهو قد انقطع لطارئ وقد زال هذا الطارئ فيكون كما هو في الأصل، فإن قلتَ: إن غلب على ظنها أنه دم نفاس: فهو كذلك، وإن شكَّت فيه: فإنه يكون دم فساد - وهو دم استحاضة - تصوم وتصلي وتفعل ما تفعله الطاهرات؛ فإذا انقطع هذا الدم: تقضي الصوم فقط وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للاستصحاب؛ حيث إن سبب وجوب الصلاة والصيام متيقن وسقوطهما بهذا الدم مشكوك فيه: فيجب أن نستصحب ما تيقنا منه - وهو وجوب هذه العبادات - ونترك ما شككنا فيه، فلا يُعمل على أن هذا الدم دم نفاس، للشك فيه قلتُ: إن الاستصحاب يُعمل به حتى يرد دليل يُغير الحالة، وثبت لدينا دليل قد غيَّر حالته وهو: القياس على الحيض الذي ذكرناه، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل القياس على الحائض دليل قد غيَّر الأصل المستصحب أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(^٤٢) مسألة: يُباح للزوج أن يستمتع بزوجته أو أمته النفساء فيما دون الفرج؛ أما الوطء في الفرج فحرام؛ للقياس على الحائض، كما سبق في مسألة (١٢).
(^٤٣) مسألة: يحرم على النفساء: الصوم والصلاة، وأي شيء تُشترط له الطهارة كالطواف وقراءة القرآن ومس المصحف، ولو فعلت ذلك: لم يصح ذلك منها؛ للقياس على الحائض، وقد سبق في مسألة (٩).
[ ١ / ٣٠٥ ]
على عوض (^٤٤) (و) فيما (يجب) به كالغسل (^٤٥) والكفارة بالوطء فيه (^٤٦)
(^٤٤) مسألة: يُباح للزوج أن يطلِّق زوجته النفساء؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل إباحة الطلاق في أيِّ وقتٍ شاء الزوج، ولم يرد دليل يُغير ذلك عن النفساء، فيُستصحب ذلك ويعمل به، فإن قلتَ: يحرم طلاق النفساء، وهو قول كثير من العلماء، وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للقياس، بيانه: كما أنه يحرم طلاق الحائض: لقوله ﷺ لابن عمر لما طلق امرأته وهي حائض: "مره فليُراجعها ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا"، فحرم هنا: طلاق الحائض؛ لكونها غير طاهرة، فكذلك النفساء مثلها، والجامع: عدم الطهارة، قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إنه إذا طلقها وهي حائض: فإن المطلقة تتضرَّر؛ حيث إنه لابد أن تأتي بثلاث حيض غير الحيضة التي طلقها في أثنائها فتطول عليها مدة العدة بهذا فيقع الضرر عليها، فدفعًا لذلك حُرِّم الطلاق في الحيض؛ بخلاف النفاس فلو طلقها زوجها في نفاسها: فإنه لا يُحسب من العدة بل تعتد بثلاث حيض، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل القياس على الحائض دليل قد غيَّر الأصل المستصحب أو لا؟ " فعندنا لا يُغير؛ لضعف القياس، وعندهم نعم. تنبيه: قوله: "والطلاق بغير سؤالها على عوض" يشير به إلى أن الطلاق عنده حرام في النفاس إلا إذا طلبت هي الطلاق بعوض فإنه يجوز؛ لتحقيق طلبها، وهو "الخلع" وقد سبق بيان أن الراجح: جواز طلاقها مطلقًا.
(^٤٥) مسألة: يجب على النفساء أن تغتسل إذا انقطع عنها الدم وأرادت الصلاة وإن لم تجد الماء أو لم تستطع استعماله: فإنها تتيمم، للقياس على الحائض كما سبق في مسألة (١٥).
(^٤٦) مسألة: يحرم وطء النفساء أثناء خروج دم النفاس، وإن فعل الزوج فعليه الاستغفار فقط، دون الكفارة؛ للقياس على الحائض كما سبق في مسألة (١١)، =
[ ١ / ٣٠٦ ]
(و) فيما (يسقط) به كوجوب الصلاة، فلا تقضيها (^٤٧) (غير العدَّة)؛ فإن المفارقة في الحياة تعتدُّ بالحيض دون النفاس (^٤٨) (و) غير (البلوغ) فيثبت بالحيض دون النفاس؛ لحصول البلوغ بالإنزال السابق للحمل، (^٤٩)، ولا يُحتسب بمدة النفاس على المولي، بخلاف مدة الحيض (^٥٠) (وإن ولدت) امرأة (توأمين)
= تنبيه: قوله: "والكفارة بالوطء فيه" يُشير إلى وجوب إخراج دينار أو نصفه عندما يطأ الزوج النفساء؛ قياسًا على الحائض، وهذا مرجوح كما سبق في مسألة (١١).
(^٤٧) مسألة: تسقط الصلاة والصوم عن النفساء، فإذا تطهرت: تقضي الصوم، دون الصلاة؛ للقياس على الحائض، وقد سبق ذلك في مسألة (٩).
(^٤٨) مسألة: إذا طلق الزوج زوجته قبل الولادة ولو بساعة: فإن العدة تنتهي بمجرد الولادة، ولو طلقها بعد الولادة؛ فإنها تعتدُّ بثلاث حيض؛ لعدم الحمل، بخلاف طلاق الحائض وقد سبق ذلك في مسألة (٤٤).
(^٤٩) مسألة: النفاس ليس من علامات البلوغ، بل الحيض الذي قبله هو الذي من علاماته، فإذا حاضت المرأة: علم أنها بالغ فتُكلَّف بالتكاليف الشرعية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود النفاس: وجود الحمل قبله، ويلزم من وجود الحمل: وجود الإنزال - من المرأة والزوج - ويلزم من وجود الإنزال: وجود الحيض، فيكون الحيض هو الدال على البلوغ.
(^٥٠) مسألة: إذا قال الزوج للنفساء: "والله لا أقربك أربعة أشهر" وهو الإيلاء المعروف: فلا تحتسب مدة النفاس من تلك الأشهر، بخلاف الحائض: فإنه إذا قال لها ذلك وهي حائض: فإن مدة الحيض تحتسب من مدة تلك الأشهر؛ للعرف والعادة؛ حيث اعتاد الناس على حسبان مدة الحيض من ذلك، دون مدَّة النفاس، من غير نكير من العلماء، فأشبه الإجماع.
[ ١ / ٣٠٧ ]
أي: ولدين في بطن واحد: (فأول النفاس وآخره من أولهما) كالحمل الواحد، فلو كان بينهما أربعون فأكثر: فلا نفاس للثاني، (^٥١) ومن صارت نفساء بتعديها
(^٥١) مسألة: إذا ولدت امرأة ولدين في حمل واحد - وهما التوأمان - وكانت ولادة الثاني بعد يومين أو ثلاثة أو أكثر من ولادة الأول: فإنه يُحسب أول مدة النفاس من ولادة الأول، وآخره يُحسب من نهاية الأربعين على ولادة الثاني، فمثلًا: لو ولدت المرأة الولد الأول: فإنه يبدأ نفاسها من ولادته؛ فإذا ولدت الثاني بيومين أو ثلاثة فإنها تستأنف وتبدأ نفاسها من لحظة ولادة الثاني حتى ينقطع الدم أو يتم أربعون يومًا من ولادة الثاني، وبناء على ذلك: فإن مدة النفاس لمن ولدت توأمين قد تزيد عن الأربعين، وهو قول أكثر العلماء، وهو رواية عن أحمد؛ للقياس، بيانه: كما أن الرَّجل إذا طلق زوجته، ثم بدأت بعدة الطلاق، ولما ذهبت حيضة عليها: راجعها ووطأها، ثم طلقها بعد ذلك: فإنه يجب عليها استئناف العدة من جديد فكذلك من ولدت توأمين مثلها، والجامع: أن كلًا من الوطء بعد الطلاق، والولد الثاني قد قطع المدة الأولى من الحساب، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه المرأة لو لم تجلس للثاني جلوس نفاس كامل - وهو: أربعون يومًا: للحق ضرر ومشقة بسبب تكليفها بالتكاليف الشرعية من صلاة وصوم مع خروج دم صالح لأن يكون دم نفاس؛ لوجود سببه، فإن قلتَ: إن مدة النفاس - وهو: أربعون يومًا - يُحسب من خروج الولد الأول فقط، ولا يُنظر للثاني، فلو ولدت الثاني بعد الأول بيومين: فإنه يبقى من مدة النفاس للثاني ثمان وثلاثون يومًا، ولو ولدت الثاني بعد الأول بأربعين يومًا: فلا نفاس للثاني، فيكون ما خرج من الدم بعد ولادة الثاني: دم فساد - وهو استحاضة - وتفعل فيه ما تفعله الطاهرات؛ للقياس، بيانه: كما أن من ولدت ولدًا واحدًا يكون لها نفاس واحد - وهو: أربعون يومًا - تبدأ من ولادته، فكذلك من ولدت ولدين في =
[ ١ / ٣٠٨ ]
بضرب بطنها، أو بشرب دواء: لم تقض (^٥٢)
= بطن واحد يكون لها نفاس واحد يبدأ من الأول، والجامع: أن كلًا منهما قد حملت به حملًا واحدًا، فتكون مدته واحدة، ولا تُزاد على ذلك وإن تعدَّد المحمول، وما كان أوله منه: كان آخره منه، قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن من حملت بولد واحد في بطنها ليست مثل من حملت بولدين في بطنها من حيث كثرة الدماء الخارجة، ومن حيث المدة، ومن حيث التعب والإرهاق، ونظرًا لهذه الفروق، فإنه يُفرق بينهما من حيث مدة النفاس؛ للمصلحة، وقد بيناها، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" وهذا يُسمى بقياس الشبه، فنحن قلنا: إن من ولدت بتوأمين أكثر شبهًا في حساب المدة بمن تطلق، ثم تراجع، وهم قالوا: أنها أكثر شبهًا بمن ولدت ولدًا واحدًا.
(^٥٢) مسألة: إذا خرج ما في بطن المرأة من ولد كامل أو غير كامل وخرج دم بسبب تعديها على نفسها بضرب، أو شرب دواء أسقطه: فإنها تترك الصلاة لأجله، ولا تقضي الصلوات التي تركتها؛ للتلازم؛ حيث إن خروج الدم لم يكن من جهتها ولا تعدَّت به فلا يكون معصية، فلا يلزم من خروج هذا الدم: أن تقضي الصلاة، بل تتركها وقت خروجه، وكذا: الحيض مثل ذلك.
هذه آخر مسائل باب "الحيض والاستحاضة والنفاس" وهو آخر أبواب كتاب الطهارة ويليه كتاب "الصلاة".
[ ١ / ٣٠٩ ]