الخيار: اسم مصدر "اختار" أي: طلب خير الأمرين: من الإمضاء والفسخ (وهو) ثمانية (أقسام (^١) الأول: خيار المجلس) بكسر اللام: موضع الجلوس، والمراد هنا: مكان التبايع (يثبت) خيار المجلس (في البيع)؛ لحديث ابن عمر يرفعه: "إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرَّقا، وكانا جميعًا، أو يخير أحدهما الآخر، فإن خيَّر أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك: فقد وجب البيع "متفق عليه" (^٢)،
باب الخيار وقبض المبيع والإقالة
وفيه مائة وخمس مسائل:
(^١) مسألة: الخيار لغة: اسم مصدر من "اختارَ، يختار، اختيارًا"، ضد الإلزام بشيء من الأمور المخيَّر بينها، وهو: اصطلاحًا: أن يطلب أحد البائعين خير الأمرين: إما إمضاء البيع بعد عقده، والالتزام به، أو فسخه وتركه، وهذا يحصل إما بنفس أحد المتبايعين أو عن طريق القاضي، فائدة: ينقسم الخيار إلى ثمانية أقسام؛ للاستقراء: حيث إنها ثبتت بعد الاستقراء والتتبُّع، كما سيأتي بيانها.
(^٢) مسألة: في الأول - من أقسام الخيار - وهو: خيار المجلس، والمراد به: المتبايعان بالخيار ما لم تتفرق أبدانهما عن مكان العقد: سواء كانا جالسين، أو قائمين، أو مستلقيين، وهو ثابت ومشروع ولو لم يشترطه أحد المتعاقدين؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرَّقا، وكانا جميعًا" وقوله: "البيعان بالخيار ما لم يتفرَّقا" والمراد: ما لم يتفرّقا بأبدانهما ويذهب كل واحد عن الآخر، وقد خصَّصه بذلك فعل بعض الصحابة كابن عمر فقد كان إذا وقع تبايع بينه وبين غيره: قام وذهب ثم عاد، فإن قلتَ: لِمَ شُرع خيار المجلس؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمتعاقدين فقد ينخدع الشخص بعقد بيع، فجعل الشارع هذا الخيار طريقًا للتخلُّص منه، دفعًا =
[ ٣ / ٧١ ]
لكن يُستثنى من البيع: الكتابة، وتولي طرفي العقد، وشراء من يعتق عليه، أو اعترف بحريته قبل الشراء (^٣) (و) كالبيع (الصلح بمعناه) كما لو أقرّ بدين أو عين ثم صالحه عنه بعوض، وقسمة التراضي، والهبة على عوض؛ لأنها نوع من البيع (و) كبيع أيضًا (إجارة)؛ لأنها عقد معاوضة، أشبهت البيع (و) كذا (الصَّرف والسَّلَم)؛ لتناول البيع لهما (^٤)
للمفسدة عنه، قال ابن القيم: "وهو من محاسن هذه الشريعة الكاملة" فإن قلتَ: لِمَ سُمَّي بخيار المجلس؟ قلتُ: لأن غالب البيوع تكون بين متعاقدين جالسين.
(^٣) مسألة: خيار المجلس لا يثبت في العقود اللازمة التي لا يُقصد فيها العوض مثل: النكاح، والخلع، والطلاق، والكتابة - وهي: أن يشتري العبد نفسه من سيده على أقساط - وكذا: إذا تولَّى شخص البيع والشراء: بأن يُوكل زيد بكرًا بأن يبيع داره، ويوكل عمرو بكرًا بأن يشتري تلك الدار له من زيد، وكذا: إذا اشترى زيد أباه أو أمه ونحوه ممن يعتق عليه، وكذا: لو أقرّ العبد الذي سيشتريه زيد بأنه حر قبل عقد الشراء؛ للتلازم؛ حيث إن النكاح والطلاق والخلع، والمكاتبة لم يقصد بها حقيقة العوض، بل قُصد فعل خير فلن يفوت أحد المتبايعين الخيار شيء يُغبن فيه أو يندم عليه: فلزم عدم ثبوت الخيار في ذلك، ويلزم من تولّي شخص واحد البيع والشراء: عدم الخيار؛ لعدم وجود تفرّق؛ إذ هو شخص واحد، ويلزم من شراء من يعتق عليه، أو إقراره بحريته: عدم الخيار؛ لعدم قبوله للبيع أصلًا.
(^٤) مسألة: يثبت خيار المجلس في العقود اللازمة التي يُقصد بها العوض مثل "البيع" كما سبق "والصلح" - كأن يُقرُّ زيد بأن عنده لعمرو مائة صاع من تمر، ثم يُصالحه عمرو بأن يعطيه زيد عنها خمسمائة ريال - وكذا: "قسمة التراضي" - كأن يتقاسم زيد وعمرو ما بينهما مما تدخله الشراكة على عوض - وكذا: "الهبة على عِوَض" - كأن يهب زيد عمرًا سيارة بعوض معلوم - وكذا: "الإجارة" - وكذا: "الصرف" - =
[ ٣ / ٧٢ ]
(دون سائر العقود) كالمساقاة، والحوالة، والوقف، والرَّهن، والضَّمان (^٥) (ولكل من المتبايعين) ومن في معناهما ممن تقدَّم (الخيار ما لم يتفرقا عرفًا بأبدانهما) من مكان التبايع، فإن كانا في مكان واسع كصحراء: فبأن يمشي أحدهما مستدبرًا لصاحبه خطوات، وإن كانا في دار كبيرة ذات مجالس وبيوت: فبأن يُفارقه من بيت إلى بيت، أو إلى نحو صُفَّة، وإن كانا في دار صغيرة: فإذا صعد أحدهما السطح، أو خرج منها: فقد افترقا، وإن كانا في سفينة كبيرة: فبصعود أحدهما أعلاها إن كانا أسفل، أو بالعكس، وإن كانت صغيرة: فبخروج أحدهما منها (^٦)، ولو حجز بينهما بحاجز
كأن يبيع زيد على عمرو ذهبًا بفضة أو العكس -، وكذا: "السَّلَم" - كأن يقول زيد: "اشتريتُ منك تمرًا صفته كذا واستلمه بعد سنة بألف نقدًا فهذه العقود يثبت فيها خيار المجلس؛ للقياس، بيانه: كما أن خيار المجلس ثابت بين المتبايعين، فكذلك يثبت بين المتصالحين، والمتقاسمين، والواهب والموهوب على عوض، والمؤجر والمستأجر، والصارفين، والمتعاملين بالسلم بجامع: أن كلًّا من تلك العقود لازمة، ويُقصد منها العوض الذي يُلحق الضرر بأحد المتعاملين فهي كالبيع تمامًا في ذلك فدفعًا للضرر وجد ذلك الخيار، وهو المقصد منه.
(^٥) مسألة: لا يثبت خيار المجلس في العقود الجائزة، وإن قصد فيها العِوض مثل: المساقاة، والمزارعة، والحوالة، والضمان، والوقف، والشركة، والوكالة، والكفالة، والوصية، والعارية، والمسابقة، والهبة بغير عوض، والجعالة، والوديعة، والمضاربة، ونحوها؛ للتلازم؛ حيث إن كون هذه العقود جائزة يلزم منه التمكّن من فسخها بأصل وضعها، فيلزم عدم حاجتها إلى خيار؛ لأن الخيار قد وُضع لحماية أحد المتعاقدين من الضرر، وهنا لا يُوجد ضرر، إذ يستطيع أحد المتعاقدين التخلُّص بموجب العقد فيها، وهو المقصد منه.
(^٦) مسألة: يحصل التفرُّق بين المتعاقدين في البيع والصلح وغيرهما من العقود اللّازمة التي يقصد فيها العوض - كما سبق في مسألة (٤) - ويتمّ العقد بالتفرّق بأبدانهما =
[ ٣ / ٧٣ ]
كحائط، أو ناما: لم يُعدُّ تفرُّقًا؛ لبقائهما بأبدانهما بمحل العقد، ولو طالت المدَّة (^٧)
من مكان التبايع على حسب عرف وعادة الناس فيما يسمُّونه تفرُّقًا: فإن كان المتعاقدان في صحراء فيحصل التفرّق بأن يمشي أحدهما بقدر لا يسمع كلام الآخر، وهذا يكون بخطوات كثيرة، وإن كانا في دار كبيرة: فإن التفرّق يحصل إذا خرج أحدهما من غرفة التبايع تاركًا صاحبه ودخل في غرفة أخرى، وإن كانا في دار صغيرة: فإن التفرق يحصل إذا صعد أحدهما سطحها، تاركًا صاحبه في الأسفل مكان التبايع، أو نزل أحدهما تاركًا السطح مكان التبايع، وإن كانا في سفينة كبيرة: فإن التفرّق يحصل إذا صعد أحدهما أعلاها تاركًا صاحبه أسفلها، وإن كانا في سفينة صغيرة: فإن التفرّق يحصل إذا خرج أحدهما منها، وهكذا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "البيعان بالخيار ما لم يتفرَّقا" حيث دلَّ مفهوم الشرط على أنهما إذا تفرقا: فلا خيار، وخُصِّص التفرق هنا بالتفرّق بالأبدان بقول الصحابي؛ حيث إن ابن عمر كان يفعل ذلك. الثانية: العرف والعادة، حيث إن ما أورده الشارع مُطلقًا بدون تحديد، يُرجع إلى عادة الناس في تحديده، وعقلاء الناس السليمة المتوسطة وورد عنها هذا التحديد الذي مثَّلنا عليه في المسألة وعدُّوه تفرقًا ينفي الخيار.
(^٧) مسألة: لا يحصل التفرّق بين المتعاقدين بوضع حائط يحجز بينهما، أو أن يناما معًا، أو أرخيا بينهما سترًا في نفس مكان التبايع، وكذا: لو قاما معًا ومشيا أو سافرا معًا ولم يتفرّقا: فإن الخيار باق وإن طال الزمن سواء أقاما طوعًا أو كرهًا، وكذا لو تفرقا فزعًا من حيوان، أو عدو ونحو ذلك: لا يُعتبر تفرقًا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" حيث أثبت الخيار إذا لم يفترقا، وهذه الصور التي ذكرناها لا تعتبر تفرقًا في عرف عقلاء الناس المتوسطين في عقولهم، فيبقى الخيار، فإن قلتَ: لِمَ لا يحصل التفرق بذلك؟ قلتُ: لكون تلك الصور وما شابهها يمكن لهما أن يتفاهما من خلالها؛ نظرًا =
[ ٣ / ٧٤ ]
(وإن نفياه) أي: الخيار: بأن تبايعا على أن لا خيار بينهما: لزم بمجرَّد العقد (أو أسقطاه) أي: الخيار بعد العقد: (سقط)؛ لأن الخيار حق للعاقد، فسقط بإسقاطه (وإن أسقطه أحدهما) أي: أحد المتبايعين، أو قال لصاحبه: "اختر": سقط خياره و(بقي خيار الآخر)؛ لأنه لم يحصل منه إسقاط لخياره، بخلاف صاحبه (^٨)، وتحرم الفرقة خشية الفسخ (^٩)،
لوجودهما معًا والمكره وعلى التفرق لا يعتبر تفرقًا.
(^٨) مسألة: إذا اتفق المتعاقدان على أنه لا خيار بينهما: فإن خيار المجلس يسقط، ويلزم العقد بعده مباشرة، وكذا: إن أسقط المتعاقدان الخيار بعد مُضي مدة قصيرة وهما في المجلس، فإنه يسقط، ويلزم البيع من إسقاطهما له، وكذا: إن أسقطه أحدهما: فيسقط خياره فقط بأن قال لصاحبه: "اختر أنت" ويبقى خيار الآخر على حاله؛ للتلازم؛ حيث إن الخيار من حق المتبايعين ما داما في المجلس فيلزم من إسقاطه لحقه: سقوط الخيار كمن أسقط حقه من الشفعة أو الدَّين.
(^٩) مسألة: يحرم أن يُفارق أحد المتبايعين مكان التبايع ومجلسه وهو يقصد إلزام البيع للآخر، ويخشى أن يفسخه الآخر، للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا يحلُّ له أن يُفارقه؛ خشية أن يستقيله"، والمراد: خشية الإقالة، وهي: فسخ النادم، ولفظ "لا يحل" من صيغ التحريم الصريحة، فإن قلتَ: لِمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه اعتداء من بعض الناس على حقوق الآخرين بغير حق؛ لأن الخيار من حق العاقد، فلا بدَّ أن يستوفي كل حقه، فإن قلتَ: إن هذا لا يحرم وهو قول بعض العلماء منهم أبو يعلى، لفعل الصحابي؛ حيث كان ابن عمر يفعل ذلك، قلتُ: يُحتمل أن السنة القولية التي ذكرناها لم تبلغ ابن عمر، وعلى فرض أنها بلغته فلا حجّة لفعل صحابي إذا عارض السنة ويحتمل أنه لم يقصد إلزام البيع، وإذا تطرق الإحتمال إلى الدليل بطل به الإستدلال فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة مع فعل الصحابي". =
[ ٣ / ٧٥ ]
وينقطع الخيار بموت أحدهما (^١٠) لا بجنونه (^١١) (وإذا مضت مدَّته) بأن تفرَّقا كما تقدم: (لزم البيع) بلا خلاف (^١٢). القسم (الثاني) من أقسام الخيار: خيار الشرط بـ (أن يشترطاه) أي: يشترط المتعاقدان الخيار (في) صلب (العقد) أو بعده في مدة خيار المجلس، أو الشرط (مدة معلومة ولو طويلة)؛ لقوله ﵇: "المسلمون على شروطهم" (^١٣)، ولا يصح
(^١٠) مسألة: إذا مات أحد المتبايعين أثناء خيار المجلس: فإن الخيار ينقطع ويبطل ويلزم البيع؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "البيعان بالخيار ما لم يتفرَّقا" وفرقة الموت تسمَّى فرقة إجماعًا، فيقع البيع؛ لانقطاع الخيار.
(^١١) مسألة: إذا جُنَّ أحد المتبايعين في أثناء المجلس: فلا ينقطع الخيار، ولا يبطل؛ ولا يلزم البيع، فلو أفاق: فهو على خياره، ولا يتولى ذلك وليه؛ للتلازم؛ حيث إن الجنون لا يُخرج الملك من مالكه المجنون، بل يكون المال له فيلزم: أن يبقى على خياره إذا أفاق، ويلزم من كون الرغبة لا تُعلم إلا من جهة الراغب: أن لا يتولّى الخيار عن المجنون وليه.
(^١٢) مسألة: إذا تفرَّق كل واحد من المتبايعين بأبدانهما من مكان ومجلس البيع بعد العقد: فإنه يلزمهما البيع، فليس لأحدهما الرد إلّا بعيب؛ للإجماع، حيث أجمع العلماء على ذلك، ومستند هذا الإجماع السنة القولية وهو قوله ﵇: "فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع".
(^١٣) مسألة: في الثاني - من أقسام الخيار - وهو: خيار الشرط: أن يشترط المتبايعان أو أحدهما الخيار في أثناء العقد وصلبه، أو بعده في زمن خيار المجلس، أو خيار الشرط مدَّة معلومة طويلة أو قصيرة كأن يشترطان الخيار قبل التفرق لمدة عشرة أيام، وقبل أن تنتهي العشرة، اشترطا الخيار لمدة ثلاثة أيام أخرى وهكذا، فهذا كله جائز؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "المسلمون على شروطهم" حيث أوجب التزام كل بشرطه التي التزم به. الثانية: القياس بيانه: كما أنه يجوز أن يشترط المشتري: أن يؤجِّل على البائع الثمن مدة معلومة ولو طويلة، =
[ ٣ / ٧٦ ]
اشتراطه بعد لزوم العقد (^١٤)، ولا إلى أجل مجهول (^١٥)، ولا في عقد حيلة؛ ليربح في قرض، فيحرم، ولا يصح البيع (^١٦) (وابتداؤها) أي: ابتداء مدة الخيار (من العقد)
فكذلك يجوز أن يشترط المشتري والبائع الخيار مدة معلومة ولو طويلة، والجامع: أن كلًّا منهما حق للمتبايعين، فيُرجع في تقديره إلى مشترطه، لعلمه بما يُناسبه في حفظ حقوقه، وهو المقصد منه.
(^١٤) مسألة: لا يصحّ اشتراط خيار الشرط بعد أن يلزم العقد المتبايعين، ويُنفَّذ، وبعد انقضاء وقت خيار المجلس، وخيار الشرط، فلو اشترط المشتري وهو في المجلس قائلًا: "لي الخيار ثلاثة أيام" فلما انقضت الثلاثة ولزم البيع: قال: أريد الخيار ثلاثة أيام أُخر: فلا يصح الشرط، ويصح البيع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لزوم العقد: سقوط حق أحد المتبايعين في الخيار، فإن قلتَ: لِمَ لا يصح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إنه لو صحَّ ذلك: لما تمَّ بيع على أحد.
(^١٥) مسألة: لا يصح اشتراط الخيار إلى أجل مجهول، لم يُحدَّد له نهاية، ولا الأبد، ولا أن يشترط الخيار إلى مشيئة فلان، ولا أن يُعلِّقه على شيء يقع أو لا: كنزول مطر أو مجيء زيد من سفر ونحو ذلك فهنا: لا يصح الشرط، ويصح البيع؛ للتلازم؛ لأن خيار الشرط لا بد أن تكون له مُدَّة ينتهي بها الخيار، ليستكمل البيع، أو الفسخ، فيلزم من عدم وضوح المدة المشترطة للخيار: بطلان شرطه؛ فإن قلتَ: لِم لا يصح ذلك؟ قلتُ: لكون ذلك يفوت فائدة العقود.
(^١٦) مسألة: لا يصح اشتراط الخيار في عقد حيلة إلى ربح في قرض، وصورة ذلك: أن يقول زيد لعمرو: "اقرضني مائة ألف ريال، أنتفع بها، وأعطيك هذه الدار تنتفع بها، فإذا رددت إليك المائة تردّ علي داري"، فيقول عمرو: "بعني تلك الدار بمائة ألف ونشترط الخيار مدة معلومة، فإذا انتفعت أنت بالمائة، وانتفعت أنا بالدار في مدة الخيار: نفسخ البيع، وتأخذ أنت الدار، وآخذ أنا المائة" فكأن زيدًا أقرضه المائة التي سمَّياها ثمنًا، وشرط عليه الانتفاع بها زمن الخيار وربح هو الانتفاع من =
[ ٣ / ٧٧ ]
إن شرط في العقد، وإلا: فمن حين اشترط (وإذا مضت مدّته) أي: مدَّة الخيار، ولم يفسخ: لزم البيع (أو قطعاه) أي: قطع المتعاقدان الخيار: (بطل) ولزم البيع كما لو لم يشترطاه (^١٧) (ويثبت) خيار الشرط (في البيع، والصلح) والقسمة والهبة (بمعناه) أي: بمعنى البيع كالصلح بعوّض عن عين، أو دين مُقرِّبه، وقسمة التراضي، وهبة الثواب؛ لأنها أنواع من البيع (و) في (الإجارة في الذمة) كخياطة ثوب (أو) في إجارة (على مدة لا تلي العقد) كسنة ثلاث في سنة اثنتين: إذا شرطه مدة تنقضي قبل دخول سنة ثلاث، فإن وليت المدة العقد كشهر من الآن: لم يصحّ شرط الخيار؛ لئلا يُؤدِّي إلى فوات بعض المنافع المعقود عليها، أو استيفائها في مدة الخيار، وكلاهما غير
الدار زمن فيكون قرضًا جرَّ نفعًا بتلك الحيلة، فيحرم ذلك ولا يصح البيع؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك فيه تعامل بالربا بدون قصد البيع فيلزم منه التحريم، وعدم صحّة العقد؛ لأن عمرًا هنا دفع لزيد مائة ألف، ثم أخذها عمرو كاملة وزيادة عليها منفعة دار زيد، مع أن زيدًا لا يعلم هل ينتفع بالمائة التي أخذها عمرو أو لا؟ فهو محتمل، فإن قلتَ: لِمَ يحرم ولا يصح البيع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جهالة، وغرر، فيفضي غالبًا إلى التنازع والاختلاف، فدفعًا لذلك حُرِّم.
(^١٧) مسألة: تبدأ مُدَّة خيار الشرط: من اشتراطه حال العقد، لا من حين التفرّق، أما إن شرطاه بعد العقد أثناء المجلس، أو في زمن خيار الشرط - كما سبق في مسألة (١٣) -: فإن مدة خيار الشرط تبدأ من حين اشتُرط، وتنتهي مدته: عند انقضاء مدته المشترطة للخيار، فإذا مضت مدته وأحدهما لم يفسخ البيع: فإنه يلزم البيع، وكذا: تنتهي مدة خيار الشرط: إذا قطعاه باختيارهما: فيلزم البيع حينئذٍ؛ للتلازم؛ حيث إن الشروط تقتضي ابتداءً وانتهاء؛ للإلزام بالعقد، فيلزم من انتهاء وقت الشرط المتفق عليه، أو قطعه باتفاقهما: لزوم البيع؛ نظرًا لخلوّه عن المعارض.
[ ٣ / ٧٨ ]
جائز (^١٨)، ولا يثبت خيار الشرط في غير ما ذكر كصرف، وسَلَم، وضمان،
(^١٨) مسألة: يثبت خيار الشرط في البيع والصلح بعوض - بأن يقول "أعطني عن المائة التي عندك لي عشرة أصواع من البر مصالحة عن ذلك الدين بشرط: أن يكون لي الخيار ثلاثًا" وكذا يثبت في قسمة التراضي بأن يقول: "رضيت بأن يكون لي كذا، ولك كذا من الشركة التي بيننا بشرط أن يكون لي الخيار ثلاثًا" وكذلك يثبت في هبة الثواب: بأن يقول: "وهبتك هذا الحذاء على أن تهبني ذلك السيف بشرط: أن يكون الخيار لي خمسة أيام" وكذا: يثبت في الإجارة في الذمة كأن يقول: "أستأجرك على أن تخيط لي ثوبًا مستقبلًا بكذا بشرط: أن يكون لي الخيار يومًا" وكذا: يثبت في إجارة على مدة لا تلي عقد الإجارة كأن يقول: "أجَّرتك هذه الدار لمدة سنة بعشرة آلاف على أن تبدأ المدة من أول شهر صفر من هذه السنة، ونحن الآن في الثامن عشر من محرم، واشترط الخيار بيننا من هذا الوقت إلى التاسع والعشرين من محرم، فهذا الخيار جائز؛ وكذلك يثبت في إجارة تبدأ من حين العقد، أي: تلي العقد كأن يقول: "أجرتك هذه الدار لمدة عام بعشرة آلاف، ويكون ابتداء مدة الإجار من العقد" فقال المستأجر: "قبلتُ لكن لي الخيار لمدة خمسة أيام" وهو قول كثير من العلماء منهم أبو يعلى، وأيَّده ابن عثيمين لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن خيار الشرط يجوز في البيع مطلقًا، فكذلك يجوز فيما سبق ذكره في العقود مطلقًا، والجامع: أن كلًّا منها بيع، والبيع قسمان: بيع أعيان، وبيع منافع، الثانية: المصلحة؛ حيث إنه لا ضرر ولا غرر ولا جهالة في اشتراط الخيار في تلك العقود فإن قلتَ: إذا كانت مدَّة الإجارة تلي العقد: فإن خيار الشرط هنا لا يصحّ - وهو الذي ذكره المصنف هنا - للمصلحة: حيث إن هذا يُؤدِّي إلى فوات بعض المنافع المعقود عليها من أجل الشرط؛ حيث إن الدار ستبقى في مدَّة الخيار بدون استعمال، أو تستعمل في مدَّة الخيار، وكلاهما فيه ضرر على المؤجِّر قلتُ: إن المؤجِّر قد أسقط هذه المنافع برضاه، واتّفقا على ذلك. فإن قلتَ: ما سبب =
[ ٣ / ٧٩ ]
وكفالة (^١٩)، ويصحَّ شرطه للمتعاقدين، ولو وكيلين (^٢٠) (وإن شرطاه لأحدهما دون صاحبه: صحَّ) الشرط، وثبت له الخيار وحده؛ لأن الحق لهما، فكيفما تراضيا به: جاز (^٢١) (و) إن شرطاه (إلى الغد أو الليل): صح و(يسقط بأوله) أي: أول الغد، أو الليل؛ لأن "إلى" لانتهاء الغاية: فلا يدخل ما بعدها فيما قبلها، وإلى صلاة: يسقط بدخول وقتها (^٢٢) (و) يجوز (لمن له الخيار الفسخ ولو مع غيبة) صاحبه (الآخر
الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين".
(^١٩) مسألة: لا يثبت ولا يصح خيار الشرط في السلم، والصَّرف، والضمان، والكفالة ونحوها من العقود؛ للتلازم؛ حيث إن هذه العقود تقتضي شرعًا: أن لا يبقى بين المتعاقدين عِلْقة بعد التفرّق بدليل: اشتراط القبض: فيلزم عدم صحة خيار الشرط فيها؛ لكونه يقتضي وجود علقة بينهما، فيُخالف المقصود من هذه العقود.
(^٢٠) مسألة: يصحّ خيار الشرط بأي طريقة أرادها المتعاقدان: سواء اتّفقا في المدة أو تفاوتا: بأن شرطاه للبائع يومًا، وللمشتري ثلاثة أيام، وسواء كان المتعاقدان أصليين أو وكيلين عنهما؛ للمصلحة: حيث إن خيار الشرط حق لهما، جُوِّز؛ رفقًا بهما، وحفظًا لحقوقهما، فإذا تراضيا على طريقة مشروعة في هذا الخيار كالتفاوت، وتوكيل كل واحد منهما وكيل عنه: فيصحَّ؛ توسعة عليهما.
(^٢١) مسألة: يصح خيار الشرط لواحد من المتعاقدين دون الآخر إذا اتّفقا على ذلك، فيثبت خيار الشرط لمشترطه فقط؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إسقاط أحدهما لحقه في اشتراط الخيار: سقوطه كالدَّائن يسقط الدَّين عن المدين.
(^٢٢) مسألة: إذا قال أحد المتبايعين: "لي الخيار إلى الغد" فإن الخيار ينتهي بأول طلوع الفجر من صباح الغد، وإذا قال: "لي الخيار إلى الليل": فإن الخيار ينتهي بغروب الشمس، وإذا قال: "لي الخيار إلى صلاة العصر" فإن الخيار ينتهي بأول دخول وقت صلاة العصر؛ للتلازم؛ حيث إن طلوع الفجر أول الغد، وغروب =
[ ٣ / ٨٠ ]
و) مع (سخطه) كالطلاق (^٢٣) (والملك) في المبيع (مدة الخيارين) أي: خيار الشرط وخيار المجلس (للمشتري): سواء كان الخيار لهما، أو لأحدهما؛ لقوله ﵇: "من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع" رواه مسلم، فجعل المال للمبتاع باشتراطه، وهو عام في كل بيع، فشمل بيع الخيار (وله) أي: للمشتري (نماؤه) أي: نماء المبيع (المنفصل) كالثمرة (وكسبه) في مدة الخيارين ولو فسخه بعد؛ لأنه نماء ملكه الداخل في ضمانه؛ لحديث "الخراج بالضمان" صحَّحه الترمذي، وأما النماء المتّصل - كالسَّمن -: فإنه يتبع العين مع الفسخ؛ لتعذُّر انفصاله (^٢٤) (ويحرم ولا
الشمس أول الليل، وأول دخول الوقت: أول ما تصلى فيه العصر فيلزم انتهاء وقت الخيار بذلك؛ حيث إن حرف "إلى" لانتهاء الغاية، فلا يدخل ما بعدها فيما قبلها، فلا يدخل الغد، ولا الليل ولا الصلاة.
(^٢٣) مسألة: إذا ثبت الخيار للمتبايعين فيجوز لأحدهما: أن يفسخ البيع مطلقًا: أي: سواء كان ذلك بحضور الآخر، أو بغيابه، وسواء كان برضى الآخر أو سخطه وغضبه؛ للقياس، بيانه: كما أن الطلاق يقع من الزوج لزوجته: سواء كانت حاضرة أو غائبة وسواء كانت راضية أو ساخطة، فكذلك فسخ البيع أثناء الخيار والجامع: أن كلًّا منهما قد رفع عقدًا لا يفتقر إلى رضى صاحبه فلم يفتقر إلى حضوره ورضاه؛ فإن قلتَ: لا يفسخ البيع في زمن الخيار إلا بحضور صاحبه، وهو قول بعض العلماء؛ للقياس، بيانه: كما أنه لا يجوز فسخ المودَع للوديعة إلا بحضور المودِع، فكذلك الحال هنا قلتُ: هذا فاسد! لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه لا حق للمودَع في الوديعة؛ بخلاف المباع فالمشتري له حق فيه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض القياسين" فنحن قسناه على الطلاق؛ لأنه أكثر شبهًا به، وهم قاسوه على الوديعة؛ لأنه أكثر شبهًا بها، وهذا يُسمَّى "قياس غلبة الأشباه".
(^٢٤) مسألة: ملك العين المباعة أثناء خيار المجلس وخيار الشرط يكون للمشتري: =
[ ٣ / ٨١ ]
يصحّ تصرُّف أحدهما في المبيع و) لا في (عِوَضه المعيَّن فيها) أي: في مُدَّة الخيارين (بغير إذن الآخر) فلا يتصرَّف المشتري في المبيع بغير إذن البائع إلّا معه: كأن آجره له، ولا يتصرَّف البائع في الثمن المعيَّن زمن الخيارين إلا بإذن المشتري أو معه كأن استأجر منه به عينًا (^٢٥)، هذا إن كان التصرُّف (بغير تجربة المبيع)، فإن تصرَّف؛ لتجربته كركوب
سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما، فكل ما يكون في هذه العين من نماء منفصل كثمرة نخلة يشتريها، أو كسب عبد، وسيارة اشتراهما: يكون للمشتري في مدة الخيارين حتى لو فسخ هذا المشتري البيع، أما إن كان ذلك النماء مُتَّصلًا لا يُمكن فصله كسمن الشاة المباعة التي فيها الخيار: فإنه يكون للبائع عند فسخ البيع، للسنة القولية: وهو قوله ﵇: "من باع عبدًا، وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع" حيث بيَّن هنا: أن الأصل: أن العبد - وهي سلعة مباعة - يكون للمشتري بمجرَّد العقد، فيلزم من ذلك: أن المبيع دخل في ملك المشتري بمجرَّد العقد، وتدخل مدَّة الخيار في ذلك؛ لكون ما بعد العقد مباشرة عام في الأزمان، فيشمل مدة الخيارين وما بعدها، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك للمشتري أثناء مدة الخيارين؟ قلتُ: لكون العين المباعة يملكها المشتري بعد العقد مباشرة، والنماء والكسب حصلا في وقت ملكه لها فله خراجه كما أن عليه ضمانه كما قال ﵇: "الخراج بالضمان" فإذا كان المشتري يغرم ما يحصل للعين المباعة أثناء مدة الخيار، فكذلك يغنم النماء والكسب الحاصلين من العين المباعة، فإن قلتَ: لِمَ كان النماء المتصل للبائع عند الفسخ؟ قلتُ: نظرًا لتعذُّر انفصاله عن العين المباعة، ولتضرُّر البائع بانفصاله.
(^٢٥) مسألة: يحرم أن يتصرَّف البائع في الثمن المعيَّن في زمن خيار المجلس وخيار الشرط إلا إذا أذن له المشتري، أو كان هذا التصرُّف الواقع من البائع حدث مع المشتري - في غير تجربة - كأن يستأجر البائع عينًا من المشتري بذلك الثمن المعين، فيصح، ويكون ذلك إمضاء، وكذلك يحرم أن يتصرَّف المشتري في العين المباعة =
[ ٣ / ٨٢ ]
دابة؛ لينظر سيرها، وحلب دابة؛ ليعلم قدر لبنها: لم يبطل خياره؛ لأن ذلك هو المقصود من الخيار كاستخدام الرقيق (^٢٦) (إلا عتق المشتري) لمبيع زمن الخيار، فينفذ مع الحرمة، ويسقط خيار البائع حينئذٍ (^٢٧) (وتصرُّف المشتري) في المبيع بشرط الخيار
في مُدَّة الخيارين إلّا إذا أذن له البائع أو كان هذا التصرُّف من المشتري حدث مع البائع كأن يؤجِّر المشتري المبيع للبائع فيصح، ويكون ذلك إمضاء للبيع، وإذا تصرَّف البائع، أو المشتري في الثمن أو المبيع: بهبة، أو وقف، أو بيع، أو شراء: فلا يصح ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن الثمن ليس مُلكًا للبائع، والمبيع ليس مُلكًا للمشتري فعلاقة كُلِّ واحد بما يخصُّه لم تنقطع فيلزم: عدم جواز تصرف أحدهما بما قبضه، ويلزم: عدم صحّة التصرُّف إن وقع؛ لأنه تصرُّف بما لا يملك، ويلزم من إذن أحدهما للآخر بالتصرُّف، أو التصرُّف معه: صحَّة ذلك؛ لأن كل واحد منهما قد أسقط حقه بالإذن.
(^٢٦) مسألة: إذا أراد أن يتحقَّق من صلاحية السلعة المباعة كأن يُجرِّبها؛ ليرى ذلك: فيركب الدابة ليرى طريقة سيرها، ويحلب الشاة ليعلم قدر لبنها، وقيادة السيارة ليعلم سيرها، واستخدام العبد ليرى قوته وسرعته في العمل، ونحو ذلك: فهذا جائز ولا يُبطل الخيار؛ للمصلحة: حيث إن الخيار شُرع ليستوضح المشتري صلاحية المبيع، والتأكد من ذلك، ولا يمكن ذلك إلا بتجربته واستعماله، فلزم، ولا يُبطل الخيار؛ لكونه هو المقصود منه، تنبيه: قوله: "كاستخدام الرقيق" يريد به الاستدلال على المسألة بالقياس على استخدام الرقيق في وقت الخيار قلتُ: هذا لا يصح؛ لأن استخدام الرقيق هو مثال للمسألة.
(^٢٧) مسألة: إذا باع زيد عبدًا على عمرو، واشترط المشتري - وهو عمرو - الخيار، فأعتق ذلك المشتري العبد فيصح ذلك مع التحريم، ويعتق العبد، وإن لم تنته مدة الخيار، للتلازم؛ حيث يلزم من تشوُّف الشرع للعتق، والحثّ عليه: صحّة العتق ووقوعه وإن كان في زمن الخيار، ويلزم من وجود حق البائع في الخيار: حرمة =
[ ٣ / ٨٣ ]
له زمنه بنحو وقف، أو بيع، أو هبة أو لمس لشهوة: (فسخٌ لخياره) وإمضاء للبيع؛ لأنه دليل الرضى به، بخلاف تجربة المبيع واستخدامه، وتصرُّف البائع في المبيع إذا كان الخيار له وحده ليس فسخًا للبيع (^٢٨) ويبطل خيارهما مطلقًا بتلف مبيع بعد قبض، وبإتلاف مشترٍ إياه مُطلقًا (^٢٩) (ومن مات منهما) أي: من البائع والمشتري بشرط: الخيار: (بطل خياره) فلا يُورث إن لم يكن طالب به قبل موته كالشفعة، وحدّ القذف (^٣٠) (الثالث) من أقسام الخيار: "خيار الغبن" (إذا غبن في المبيع غبنًا يخرج عن
تصرُّف المشتري بذلك.
(^٢٨) مسألة: إذا تصرَّف المشتري في السلعة التي اشتراها أثناء مُدَّة الخيار: بأن أوقفها أو باعها، أو وهبها لأحد، أو رهنها أو نحو ذلك أو لمس الأمة بشهوة: فإن هذا يعتبر فسخًا لخياره، وإمضاء للبيع، أما تصرُّف البائع في السلعة التي باعها في وقت خياره لوحده لا يُعتبر فسخًا للبيع؛ للتلازم؛ حيث إن تصرُّف المشتري بالسلعة التي اشتراها بمثل تلك التصرفات دليل على أنه رضي بها مُلكًا، فيلزم من ذلك فسخ خياره، وإمضاءً منه للبيع، ويلزم من انتقال السلعة من ملك البائع: أن تصرفه فيها لا يُعتبر فسخًا للبيع، فلا يكون ذلك التصرُّف لاسترجاع المبيع. تنبيه: قوله: "بخلاف تجربة المبيع واستخدامه" قلتُ: قد سبق: أن التحقق من صلاحية السلعة من قبَل المشتري في وقت الخيار: جائز، ولا يُبطل الخيار في مسألة (٢٦).
(^٢٩) مسألة: إذا تلفت السلعة المباعة في مدة خيار المجلس، أو خيار الشرط بعد القبض: فإنه يبطل خيار البائع والمشتري وينفسخ البيع، وكذلك يبطل الخيار بإتلاف المشتري للسلعة المباعة: سواء قبض أو لا: للتلازم؛ حيث يلزم من تلف السلعة المباعة: زوال الخيار فيها، ويلزم من استقرار الثمن في ذمة المشتري: أنه إذا أتلفها: سقط خياره، ولزمه البيع، فيضمن ذلك.
(^٣٠) مسألة: إذا مات البائع أو المشتري في مُدَّة الخيار: فإن خيار الميت يبطل إذا لم =
[ ٣ / ٨٤ ]
العادة)؛ لأنه لم يرد الشرع بتحديده، فرجع فيه إلى العرف (^٣١)، وله ثلاث صور:
يُطالب به قبل موته، أما إن طالب به قبل موته: فإن الخيار يورث، أما خيار الحي منهما: فهو باق على حاله؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إنه يلزم من لفظ "الخيار" تخيير بين إمضاء وفسخ، وهذه صفة ذاتية تخص الشخص نفسه كعلمه وقدرته، وهذا لا يورث فيلزم من ذلك: أن لا يورث الخيار، الثانية: القياس بيانه: كما أن الشفعة وحد القذف لا تورث عن شخص إلّا إذا طالب بهما قبل موته فكذلك الخيار ليس من حق الورثة إلا إذا كان مُورِّثهم قد طالب به قبل موته، والجامع: أن كلًّا منها حق يُورث إذا علمت مطالبة المورِّث بها، فإن قلتَ: لِمَ لا يُورث حق الخيار كغيره من الحقوق؟ قلتُ: لعدم علمنا بنية الميت هل كان يريد الفسخ، أو يريد الإمضاء، ولاختلاف الورثة عادة في ذلك.
(^٣١) مسألة: في الثالث - من أقسام الخيار - وهو خيار الغبن، وهو: الخدعة في البيع: بأن يبيع سلعته بثمن أقل مما تستحق، أو يشتري سلعة بأكثر مما تستحق: فمثلًا: لو باع زيد ثوبًا بستة ريالات، وهو في الحقيقة يساوي عشرة، أو اشترى ثوبًا بعشرة وهو لا يساوي إلّا خمسة، وقال أهل الخبرة بالثياب: إن البائع أو المشتري مغبون في ذلك غبنًا يخرج عن العادة في ذلك: فإن لهما الخيار وردُّ المبيع، وأخذ الثمن، أو الإمضاء في البيع؛ القاعدتين: الأولى: السنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "لا يحلّ مال امرئ مسلم إلّا بطيب نفس منه" والمغبون والمغلوب في البيعة لم تطب نفسه فيشمله عموم هذا النص؛ لأن "مال" نكرة في سياق نفي وهو من صيغ العموم، فلا يحل، فاستحق الخيار لذلك؛ لأن النفي هنا نهي، وهو مُطلق فيقتضي التحريم والفساد ثانيهما: قوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن "ضرر وضرار" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، وذلك لأن بيع السلعة بثمن أقل مما تستحق ضرر على البائع، وشراءها بثمن أكثر مما تستحق =
[ ٣ / ٨٥ ]
إحداها: تلقِّي الركبان؛ لقوله ﷺ: "لا تلقَّوا الجلب، فمن تلقَّاه فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق: فهو بالخيار" رواه مسلم (و) الثانية المشار إليها بقوله: (بزيادة الناجش) الذي لا يُريد شراء، ولو بلا مواطأة، ومنه: "أعطيتُ كذا" وهو كاذب؛ لتغريره بالمشتري، الثالثة: ذكرها بقوله: (والمسترسل) وهو من جهل القيمة، ولا يحسن يُماكس: من: استرسل: إذا اطمأنَّ، واستأنس، فإذا غُبن: ثبت له الخيار (^٣٢)،
ضرر على المشتري، وهذا منهي عنه، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، الثانية: العرف والعادة؛ حيث إن الشيء الذي لم يرد تحديده من قبل الشارع: فإنه يرجع إلى تحديد أصحاب الخبرة في تلك السلعة من المتوسطين في عقولهم، فإن قلتَ: لِمَ ثبت خيار الغبن؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الناس الذين قد يقعون في مثل ذلك، فيُمكَّنون من ردِّ سلعته، أو ثمنه، أو إمضاء البيع.
(^٣٢) مسألة: يثبت خيار الغبن في ثلاث صور: أولها: إذا جلب شخص سلعة لسوق لا يعرف سعر تلك السلعة" فمثلًا: لو جلب زيد بعيرًا وتلقَّاه عمرو قبل دخوله لذلك السوق، فاشترى عمرو ذلك البعير من زيد، فلما دخل زيد السوق وجد أنه باعه بأقل من ثمنه بكثير: فإن لزيد الخيار: فإن شاء أمضى البيع، وإن شاء ردَّ بعيره، وردَّ الثمن على عمرو، وهذا يُسمَّى بـ "تلقي الركبان"، ثانيها: إذا زاد شخص في ثمن سلعة، وهو لا يُريد شراءها، وإنما يريد نفع البائع أو الإضرار بالمشتري، أو يُريدهما معًا، ولو لم يتفق هذا مع البائع، أو زاد البائع نفسه في ثمن سلعته قائلًا: "إني اشتريتها بكذا" أو قائلًا: "إني قد أُعطيتُ بها كذا" وهو كاذب؛ لأجل أن يغرَّ المشتري بذلك، وهذا يُسمَّى "زيادة النجش" فإن المغبون له حق الخيار. ثالثها: إذا كان الشخص جاهلًا بقيمة السلعة، أو كان يعلم السلع، لكنه لا يحسن المماكسة - وهو المكاسرة والأخذ والرَّد في الثمن - فاشترى سلعة بسبب اطمئنانه للبائع - بعشرة وهي لا تساوي خمسة عند أهل الخبرة - وهذا يُسمَّى بـ "المسترسل" وهو: المطمئن الواثق بالبائع، فهذا له حق الخيار؛ =
[ ٣ / ٨٦ ]
ولا إرش مع إمساك (^٣٣)، والغبن محرم (^٣٤)،
للسنة القولية: وهي من وجوه: أولها: قوله ﵇: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقَّاه فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق: فهو بالخيار" أي: أن الجالب إذا وجد نفسه أنه مغبون فهو بالخيار: إن شاء أمضى البيع، وإن شاء أخذ سلعته من المشتري وردَّ ثمنها، والنهي هنا مطلق فيقتضي التحريم، وفساد البيع، لذلك ثبت له الخيار، ثانيها: أنه ﵇: "نهى عن النجش" أي: لا يزيد أحدكم في ثمن سلعة لا يريد شراءها، أو لا تزيدوا في ثمن سلعتكم كذبًا، والنهي مطلق فيقتضي التحريم وفساد البيع، لذا ثبت الخيار، ثالثها: أنه ﵇ "نهى عن بيع الغرر" ولا شك أن من باع على المسترسل سلعة بأعلى من ثمنها فقد غرَّه، وغلبه، وتحايل على أكل ماله بغير حق والنهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم وفساد البيع، لذلك ثبت الخيار للمسترسل: فإن قلتَ: لِمَ ثبت الخيار في تلك الصور؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق بعض المسلمين الذين قد لا تسمح ظروفهم وأحوالهم من معرفة ما يجري في الأسواق من أسعار ونحوها.
(^٣٣) مسألة: إذا أمضى المغبون البيع، وأمسك العين المباعة في تلك الصور الثلاث - التي في مسألة (٣٢) - ونحوها مما شابهها: فلا يستحق أرش أو عِوَض عن الغبن الذي أصابه، بل الخيار بين أمرين فقط: إمّا ردُّ المبيع وأخذ ثمنه الذي دفعه، أو إمضاء البيع؛ للاستقراء؛ حيث إنه ثبت بعد استقراء النصوص المثبتة لخيار الغبن: أن الشارع لم يجعل له الأرش والعِوَض.
(^٣٤) مسألة: يُحرَّم الغبن في صوره الثلاث السابقة - في مسألة (٣٢) - وما شابهها، ويحرم التسبُّب إليه؛ للسنة القولية؛ وهي من أوجه ثلاثة - وقد سبق ذكرها في مسألة (٣٢) - فإن قلتَ: لِمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه غشٌّ للآخرين، وتغرير بهم مما يؤدِّي إلى أكل أموال الناس بالباطل.
[ ٣ / ٨٧ ]
وخياره على التراخي (^٣٥) (الرابع) من أقسم الخيار: (خيار التَّدليس) من الدلسة وهي الظلمة، فيثبت بما يزيد به الثمن (كتسويد شعر الجارية، وتجعيده) أي: جعله جعدًا وهو ضد السبط (وجمع ماء الرحى) أي: الماء الذي تدور به الرحى (وإرساله عند عرضها) للبيع؛ لأنه إذا أرسله بعد حبسه: اشتدَّ دوران الرحى حين ذلك، فيظنُّ المشتري أن ذلك عادتها فيزيد في الثمن، فإذا تبيَّن له التدليس: ثبت له الخيار، وكذا تصرية اللَّبن في ضرع بهيمة الأنعام؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: "لا تصرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها: فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردَّها، وصاعًا من تمر" متفق عليه (^٣٦)،
(^٣٥) مسألة: خيار الغبن يكون على التراخي، فالمغبون له الخيار بعدما يطَّلع ويعلم أنه غُبن في شرائه للسلعة وإن بَعُد عن زمن البيع، فلا يسقط هذا الخيار إلّا بقرائن تدلّ على رضا المغبون: كتصرُّفه بالسلعة ببيع أو هدية، أو نحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المشتري سلعة ثم اطَّلع على عيب فيها فله الخيار ولو بعد مدة طويلة - كما سيأتي في مسألة (٤٨)، فكذلك من اشترى سلعة ثم علم أنه مغبون فيها فله الخيار ولو بعد مدة طويلة، والجامع: أن كلًّا منهما ثبت لإزالة ضرر أحد المتبايعين، وهذا لا يحدد له وقت.
(^٣٦) مسألة: في الرابع - من أقسام الخيار - وهو: خيار التدليس، والمراد بذلك: أن يقوم البائع بتحسين مظهر سلعته بينما هي قبيحة في الباطن، فيكون المشتري في ظلمة لا يرى القبح الذي أخفي عليه فيرغب فيها، كأن يكتم العيب الذي في تلك السلعة، أو أن يغسل الثوب بمادة تجعله كأنه لم يُستعمل من قبل، ويبيعه على أنه جديد، أو يجعل الطعام الجيد ظاهرًا، والرديء باطنًا، أو أن يصبغ بيتًا أو سيارة فيبيعهما على أنهما جديدان، أو أنه يصبغ شعر الجارية، أو العبد بالسواد، ليُبيِّن أنهما شابان، أو يجمع الماء في الرحى - وهو الذي يرفع الماء من النهر ليُسقى به -، فإذا أراد بيع ذلك: فتح هذا بقوة فتدور الرحى دورانًا =
[ ٣ / ٨٨ ]
وخيار التدليس على التراخي (^٣٧) إلا المصراة، فيُخيَّر ثلاثة أيام منذ علم بين إمساك
سريعًا، فيظن المشتري أن ذلك بسبب قوتها، أو يجمع اللبن في ضرع البهيمة؛ ليظن المشتري أن حليبها كثير فيزيد المشتري بالثمن لأجل ذلك، فإذا تبين المشتري أن ذلك كله تدليس وخداع فيما بعد فله حق الخيار إن شاء ردَّ السلعة، وأخذ الثمن الذي دفعه، وإن شاء أمضى البيع، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، وهو من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "لا تصرُّوا الإبل والغنم فمن ابتاعها: فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن شاء أمسك، وإن شاء ردَّها وصاعًا من تمر" فنهى الشارع عن تصرية اللبن في الضرع، وهو: جمعه فيه؛ ليُبيِّن للمشتري أنها ذات لبن كثير، وهذا النهي مطلق، فيقتضي التحريم، وفساد البيع، لذلك جعل للمشتري المدلَّس عليه هنا الخيار، ثانيهما: أنه ﵇ لما علم أن بائع الطعام قد جعل الرديء أسفل، والجيّد منه أعلى قال: "من غشَّنا فليس منا" وهذا عام؛ لأن "مَنْ" الشرطية من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه؛ حيث إن التدليس على الآخرين من أعظم الغش، الثانية: القياس، بيانه: كما أن التدليس بجمع اللبن في الضرع حرام ومفسد للبيع، وفيه الخيار، فكذلك سائر أنواع التدليس وصوره السابق ذكرها في أول المسألة، والجامع: أن كلًّا منها يزيد في الثمن؛ نظرًا لما أظهره البائع من الحسن، فيكون قد أخذ مالًا بغير حق، وهو المقصد منه.
(^٣٧) مسألة: خيار التدليس يكون على التراخي، فالمدلَّس عليه، والمغشوش، وهو المشتري هنا له الخيار بعدما يعلم أنه قد دُلِّس عليه، وأن البائع قد أظهر له شيئًا لا يُوجد في الحقيقة، وإن كان ذلك بعد مُدَّة طويلة، فلا يسقط الخيار هنا: لا بعد أن تثبت قرائن تدل على رضى المشتري: ببيع السلعة التي اشتراها، أو هبتها ونحو ذلك؛ للقياس على خيار العيب الذي سيأتي في مسألة (٤٨) تنبيه: هذا في غير التدليس بالمصراة.
[ ٣ / ٨٩ ]
بلا أرش، ورد صاع تمر سليم إن حلبها، فإن عدم التمر: فقيمته، ويُقبل ردُّ اللَّبن بحاله (^٣٨) (الخامس) من أقسام الخيار: (خيار العيب) وما بمعناه (وهو) أي: العيب: (ما ينقص قيمة المبيع) عادة، فما عدَّه التجار في عرفهم مُنقصًا: أنيط الحكم به، وما
(^٣٨) مسألة: إذا دلَّس البائع وصرَّ وجمع اللَّبن في ضرع البهيمة، وعلم المشتري بذلك فله الخيار ثلاثة أيام فقط: فإن لم يحلبها: ردَّها إن شاء وأخذ ثمنه الذي دفعه، وإن شاء أمسكها وأمضى البيع، أما إن حلبها: فإن كان اللَّبن بحاله لم يتغيَّر، وأراد ردَّها: فإنه يردها ولبنها إلى البائع، ويأخذ ثمنه الذي دفعه، أما إن تغيَّر اللبن أو استهلكه وأراد ردَّها: فإنه يردَّها إلى البائع وصاعًا من تمر غير مغشوش، فإن لم يجد هذا الصاع من التمر: فإنه يرد قيمته؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فإنه بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن شاء أمسك، وإن شاء ردَّها وصاعًا من تمر" حيث دل مفهوم الزمن على أنه إذا اكتشف التدليس قبل أن يحلبها يردّها لوحدها، ووردت زيادة عند مسلم وهي: "فهو بالخيار ثلاثة أيام" وهي زيادة ثقة مقبولة ويدل مفهوم الزمان أيضًا على أنها إذا مضت بطل خياره، فإن قلتَ: لِمَ كان الخيار في المصراة ثلاثة أيام فقط؟ قلتُ: لأنه يُعرف بتلك الأيام حاصل لبنها عادة، فإن قلتَ: لِمَ يردها مع صاع من تمر بدلًا عن اللَّبن إذا تغيَّر، أو استهلك؟ قلتُ: عِوضًا عن اللبن الموجود أثناء العقد؛ لكونه ملكًا للبائع، أما ما وُجد بعد ذلك فهو ملك للمشتري وإن كان في زمن الخيار، فإن قلتَ: لم تُردُّ البهيمة مع اللبن إذا لم يتغيَّر؟ قلتُ: لأن التمر شرع بدلًا عن اللَّبن، فإذا وجد المبدل بحاله، بطل البدل وهو التمر، فإن قلتَ: لِمَ خصِّص التمر هنا؟ قلتُ: لأنه غالب قوت أهل الحجاز في عهده ﵇، ولأنه يؤكل مع اللَّبن عادة، فإن قلتَ: لِمَ قُدِّر ذلك بالصاع مع أن اللَّبن قد يزيد وقد ينقص؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه قطع للتشاجر والنزاع في مثل هذه الأمور.
[ ٣ / ٩٠ ]
لا: فلا (^٣٩)، والعيب (كمرضه) على جميع حالاته في جميع الحيوانات (وفقد عضو) كإصبع (وسن، أو زيادتهما، وزنا الرقيق) إذا بلغ عشرًا من عبد أو أمة (وسرقته) وشربه مُسكرًا (وإباقه، وبوله في الفراش) وكونه أعسر، لا يعمل بيمينه عملها المعتاد، وعدم ختان ذكر كبير، وعثرة مركوب وحرنه ونحوه، وبُخر، وحَوَل، وخرس، وطرش، وكلف، وقرع، وحمل أمة، وطول مُدَّة نقل ما في دار مبيعة عرفًا، وكونها ينزلها الجند (^٤٠) لا سقوط آيات يسيرة من مصحف ونحوه، ولا حمَّى وصداع
(^٣٩) مسألة: في الخامس - من أقسام الخيار - وهو: خيار العيب، وهو: أن يطَّلع المشتري أن في السلعة التي اشتراها عيبًا ينقص من قيمتها في عرف أهل الخبرة والعقل من التجار، فهذا مخيَّر بين أن يُمسك المبيع، ويأخذ الأرش عن العيب، أو يرد المبيع ويأخذ الثمن للقياس، بيانه: كما أن الخيار يثبت بالتصرية - كما سبق في مسألتي (٣٦ و٣٨) (٣٦)، فكذلك يثبت بالعيب والجامع: إخفاء حقيقة الأمر عن المشتري، فإن قلتَ: لِمَ ثبت خيار العيب؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن فيه حماية لحقوق المسلمين من يستولي عليها الظلمة بسبب التدليس، والغش والخداع، تنبيه: سيأتي بيان طريقة الخيار هنا، والأرش في مسألة (٤٢).
(^٤٠) مسألة: العيوب التي يثبت بسببها الخيار هي: كل شيء يُوجد بالسلعة المباعة يتسبَّب في نقص قيمة السلعة نقصًا يُفوِّت به غرضًا صحيحًا أراده المشتري إذا كان الغالب في جنس السلعة المباعة عدمه، وأمثلة العيوب كثيرة لا يمكن حصرها على مرِّ العصور، ومنها: مرض حيوان أو رقيق، ونقص عضو في حيوان، أو رقيق كإصبع، أو رجل، أو سن من رقيق، أو زيادة ذلك مما يُشوِّه المنظر، أو زنا رقيق، أو لواطه أو ثبوت خبثه، أو خناثته، أو سرقته، أو شربه الخمر؛ أو كان معروفًا بالهرب والإباقة، أو بوله في الفراش، أو كان أعسرًا لا يعمل بيمينه، أو كان غير مختون وهو كبير في السن أو كان أبخرًا أو في إحدى عينيه حول، أو كان أخرسًا لا يتكلَّم، أو كان أطرشًا لا يسمع غالبًا، أو كان فيه =
[ ٣ / ٩١ ]
يسيرين، ولا ثيوبة، أو كفر، أو عدم حيض، ولا معرفة غناء (^٤١) (فإذا علم المشتري العيب بعد) العقد: (أمسكه بأرشه) إن شاء؛ لأن المتبايعين تراضيا على أن العوض في
كَلُفُ - وهو: من تغيَّرت بشرته بلون بين السواد والحمرة -، أو كان أقرعًا وهو الأصلع، أو أجذمًا، أو كان كثير الكذب والحمق، أو لا أدب ولا وقار في موضعهما، أو كانت الأمة حاملًا، لكونه يُضعف نشاطها، أو كانت الدار المباعة فيها أثاث طال نقله عنها في عرف التجار؛ لتأخر تسليمها للمشتري فيتضرَّر، أو وجد المشتري فيها حشرات لا يزول، أو كان الجار لهذه الدار جار سوء أو كان ينزلها جند من الظلمة، أو كان ممن لا يخرج إلّا بمشقة ونحوها مما شابهها، فهذه عيوب معتبرة، للمصلحة: حيث ثبت بعد التتبّع والاستقراء أن هذه العيوب وما شابهها تُنقص من قيمة السلعة المباعة - فيلحق الضرر المشتري، فيكون الثمن لا يُعادل السلعة، فثبت له الخيار بها؛ حماية له تنبيه: جعل المصنف وبعض الفقهاء: كون الجار لتلك الدار المباعة جار سوء، أو كان النازل للدار المباعة من الجنود ونحو ذلك في معنى العيب، وليست عيبًا، قلتُ: هذه تعتبر عيوبًا حقيقية في الدار المباعة يثبت لأجلها الخيار؛ لأنها تضرّ بالمشتري.
(^٤١) مسألة: العيوب التي لا تُثبت الخيار هي: كل شيء يُوجد في السلعة المباعة مما يكثر وجوده في مثلها، ولا يُفوِّت على المشتري غرضًا أراده، ولا يُنقص من ثمنها كثيرًا، ومنها: سقوط آيات قليلة جدًا من مصحف، أو أوراق من كتاب علم، أو وجود مرض عارض كالحمَّى، أو الصداع في الرقيق، أو كون الأمة ليست بكرًا، أو كون الرقيق كافرًا أو كون الأمة لا تحيض، أو كونها تعرف الغناء، أو كون الرقيق لا يعرف الحجامة، أو الطبخ، فهذه ليست عيوبًا مُعتبرة عند أهل الخبرة والعدالة من التجار؛ للتلازم؛ حيث إن كثرة وجودها في السلع المباعة، وعدم اشتراط صفة مُعيَّنة في السلعة وعدم تأثُّر ما اشتُريت لأجله، يلزم من ذلك: أنه يُتسامح بمثل تلك العيوب، ولا يثبت بسببها الخيار للمشتري.
[ ٣ / ٩٢ ]
مقابلة المبيع، فكل جزء منه يُقابله جزء من الثمن، ومع العيب فات جزء من المبيع، فله الرجوع ببدله وهو الأرش (وهو) أي: الأرش (قسط ما بين قيمة الصحة والعيب) فيقوَّم المبيع صحيحًا، ثم معيبًا، ويؤخذ قسط ما بينهما من الثمن، فإن قوم صحيحًا بعشرة ومعيبًا بثمانية: رجع بخمس الثمن قليلًا كان أو كثيرًا، وإن أفضى أخذ الأرش إلى ربا كشراء حلي فضة بزنته دراهم: أمسك مجانًا إن شاء (أو ردَّه وأخذ الثمن) المدفوع للبائع، وكذا: لو أُبرئ المشتري من الثمن، أو وهب له، ثم فسخ البيع لعيب، أو غيره: رجع بالثمن على البائع (^٤٢)، وإن علم المشتري قبل العقد
(^٤٢) مسألة: إذا علم المشتري العيب الذي في السلعة التي باعها بعد العقد فيُخيَّر بين أمرين: أولهما: أن يمسك السلعة التي اشتراها بأرشها - وهو: أن يدفع البائع للمشتري الفارق بين قيمتها صحيحة، وقيمتها معيبة، وهذا يضعه أهل الخبرة والعدالة من التجّار، فمثلًا: إذا كانت قيمة العبد صحيحًا عشرة آلاف، وقيمته معيبًا ثمانية: فإن البائع يدفع للمشتري ألفين عِوَضًا عن ذلك العيب إن تراضيا على ذلك، ثانيهما: أو يردُّ المشتري السلعة التي اشتراها ويأخذ كامل الثمن الذي دفعه، أما إن كان دفع الأرش هذا يؤدِّي إلى ربا فهو بالخيار: أما أن يمسك المبيع ويُمضي البيع مجانًا، أو يرده ويأخذ ثمنه الذي دفعه، ويسقط الأرش كأن يشتري زيد ذهبًا بزنته دنانير ونحو ذلك؛ للتلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: أن المتبايعين قد تراضيا في أن يكون الثمن في مقابلة المبيع الصحيح كله، فيكون كل جزء منه يُقابله جزء من الثمن، فإذا وجد عيب فيه: فإنه يُفوِّت جزءًا من المبيع لم يستوفيه المشتري، فيلزم: أن يأخذ المشتري بدلًا عن ذلك العيب من البائع، وهذا هو الأرش. ثانيهما: أنه يلزم من إفضاء أخذ الأرش إلى التعامل بالربا: بطلان الأرش، فيكون مُخيرًا بين إمضاء البيع، أو الردّ فقط؛ لئلا يقع بالربا المنهي عنه (فرع): إذا أبرئ المشتري من الثمن، أو وُهب له من قبل البائع، ثم فسخ المشتري البيع بسبب العيب أو التدليس أو نحو ذلك: فإنه يرجع بكل الثمن؛ =
[ ٣ / ٩٣ ]
بعيب المبيع، أو حدث العيب بعد العقد: فلا خيار له (^٤٣) إلّا في مكيل ونحوه تعيَّب قبل قبضه (^٤٤) (وإن تلف المبيع) المعيب (أو عتق العبد) أو لم يعلم عيبه حتى صبغ الثوب، أو نسجه، أو وهب المبيع، أو باعه، أو بعضه (تعيَّن الأرش)؛ لتعذُّر الرَّدِّ، وعدم وجود الرضا به ناقصًا (^٤٥)، وإن دلَّس البائع: بأن علم العيب، وكتمه عن
للتلازم؛ حيث يلزم من فسخه للبيع: استحقاقه لجميع الثمن.
(^٤٣) مسألة: يسقط خيار العيب في صورتين: أولهما: إذا كان المشتري عالمًا بعيب السلعة التي اشتراها قبل العقد؛ للتلازم؛ حيث إن علمه بالعيب قبل العقد ومع ذلك اشتراه فهذا يقتضي رضاه بهذا العيب فيلزمه البيع، فلا خيار، ثانيهما: إذا حدث العيب في السلعة بعد العقد؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من خروج السلعة من ملك البائع بسبب العقد سليمة: ملزم للبيع، فلا خيار، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وهي حماية البائع من الظلم.
(^٤٤) مسألة: إذا اشترى شخص مكيلًا، أو موزونًا، أو معدودًا، أو ثمر على شجر أو نحو ذلك وتعيَّب بعد العقد وقبل قبض المشتري له: فإن المشتري له الخيار بين إمضاء البيع مع الأرش، أو ردِّ السلعة المباعة وأخذ ثمنها الذي دفعه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ضمان البائع لهذه الأمور إلى قبض المشتري لها: ثبوت الخيار فيما لو تعيَّبت ولو بعد العقد؛ لكونها ليست تحت يد المشتري فلا يُلزم المشتري بشيء لم يكن من فعله، لأنه ظلم له، وهو المقصود منه.
(^٤٥) مسألة: يتعيَّن أخذ المشتري للأرش، ويسقط الرَّد في ثلاث صور: أولها: إذا تلفت السلعة المباعة بأكل ونحوه، ثم علم المشتري أنها معيبة، ثانيها: إذا عتق العبد عند المشتري ثم علم أنه معيب، ثالثها: إذا صبغ المشتري الثوب أو نسجه، أو غسله، أو وهب المشتري المبيع، أو باعه، أو رهنه أو أوقفه، أو فعل ذلك ببعضه، ثم علم المشتري أنه معيب، ففي هذه الصور وما شابهها: يتعيَّن الأرش؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعذُّر ردِّ المبيع، وفوات رضا المشتري به في حالة كونه معيبًا: تعيُّن =
[ ٣ / ٩٤ ]
المشتري، فمات المبيع، أو أبق: ذهب على البائع؛ لأنه غرَّه، وردَّ للمشتري ما أخذه (^٤٦) (وإن اشترى ما لم يُعلم عيبه بدون كسره كجوز هند، وبيض نعام فكسره، فوجده فاسدًا، فأمسكه: فله أرشه، وإن ردَّه: ردَّ أرش كسره) الذي تبقى له معه قيمة وأخذ ثمنه؛ لأن عقد البيع يقتضي السلامة، ويتعيَّن أرش مع كسر لا تبقى معه قيمة (وإن كان) المبيع (كبيض دجاج) فكسره، فوجده فاسدًا: (رجع بكل الثمن)؛ لأنا تبيَّنا فساد العقد من أصله؛ لكونه وقع على ما لا نفع فيه، وليس عليه رد فاسد ذلك إلى بائعه؛ لعدم الفائدة فيه (^٤٧) (وخيار عيب متراخ)؛ لأنه لدفع ضرر مُتحقق، فلم يبطل
ووجب الأرش فقط على البائع، ويأخذه المشتري؛ لكونه في مقابلة الجزء المعيب في المبيع - كما سبق بيانه - وهو المقصد منه.
(^٤٦) مسألة: إذا علم البائع عيبًا في السلعة، ودلَّسها على مشترٍ، فلم يُبينها له عند العقد فمات أو هرب العبد ونحو ذلك - مما كان البائع يعلم أنه سيكون من عبده أو حيوانه الذي باعه مثلًا -: فإن هذا يُحسب على البائع، ويأخذ المشتري الثمن الذي دفعه كاملًا، وكذلك يدفع البائع للمشتري ما دفعه بسبب تضرُّر من ذلك المبيع فمثلًا: لو كان البائع يعرف أن تلك الأمة لو وطأها أحد لحصل منها عيب كذا، ولكنه أخفاه عن المشتري، فوطأها المشتري بعد شرائها فحصل ذلك العيب: فإنه يردها ويأخذ ثمنه الذي دفعه لها من البائع، للسنة القولية: حيث إنه ﵇ "قد نهى عن بيع الغرر"، والبائع قد دلَّس وغرَّ المشتري، فيحرم ويفسد البيع؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، وهذا فيه حماية للمشتري من غش وتدليس البائعين الظلمة، وهو المقصد الشرعي منه.
(^٤٧) مسألة: إذا اشترى ما لا يمكن أن يُعرف عيبه إلا بعد كسره، وإزالة قشره، فكسره المشتري فظهر عيبه: فله حالتان: الحالة الأولى: إذا كان للمعيب قيمة ونفع ولو كان مكسورًا كبيض النعام، أو جوز الهند، أو البطيخ - حيث يُمكن أن تأكله البهائم -: فالمشتري بالخيار: إما أن يرد المبيع ويأخذ ما دفعه من ثمن، ويرد أرش =
[ ٣ / ٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كسره - بأن يدفع للبائع الفارق بين ثمن البطيخ غير المكسور، والبطيخ المكسور مثلًا أو يقبل تلك السلعة - وهي البطيخ مثلًا - ويدفع له البائع أرش ذلك العيب - كما سبق بيانه -؛ للقياس وهو من وجهين: أولهما: كما أنه لو اشترى عبدًا فبان له أنه معيب: فله الخيار بين ردِّه إلى البائع أو إمضاء البيع مع دفع البائع له أرش هذا العيب فكذلك الحالة هنا، والجامع: أن كلًّا منهما فيه عقد للبيع يقتضي السلامة من كل عيب لم يطلع عليه المشتري، فيثبت الخيار له بعد ذلك، ثانيهما: كما أن مشتري المصراة وحلبها فوجدها غير ما كانت عليه عند البيع: له الخيار: إن شاء ردها ورد مع ذلك صاعًا من تمر، وإن شاء أمضى البيع، فكذلك الحالة هنا: فإنه يردها ويرد أرش كسرها معها، والجامع: أن كلًّا من اللَّبن، والسلعة المكسورة يُنتفع به، وكلًّا منهما فيه نقص لا يمنع الرد، الحالة الثانية: إذا لم يكن للمعيب قيمة بعد كسره كبيض الدجاج الفاسد، والرمان الفاسد، وجوز الهند الذي كسر كسرًا لا يُستفاد منه: فالمشتري يأخذ ثمنه كاملًا من البائع، ولا يلزم المشتري ردُّه إلى البائع، وإن كان بعضه فاسدًا: فإن البائع يُرجع للمشتري ما يُقابل ذلك الفاسد من الثمن بنسبته؛ للتلازم؛ حيث إن من شروط صحة البيع: أن يكون المعقود عليه عين يُنتفع به - كما سبق في مسألة (١٥) من "حقيقة البيع، وحكمه وشروطه .. " والبيض الفاسد لا يُنتفع به قبل كسره أو بعده، فيلزم من ذلك: عدم صحة البيع أصلًا، فيأخذ المشتري ما دفعه كاملًا؛ لأن انتفاء الشرط يلزم منه عدم الحكم، وهو: عدم صحّة البيع. فإن قلتَ: لِمَ شرع ذلك التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه محافظة على حقوق المشتري؛ لئلا يؤخذ ماله بغير حق بهذه الطريقة، وللمحافظة على حقوق البائع؛ لئلا يذهب المبيع المكسور الذي يُنتفع به مع دفعه للأرش فيتضرَّر، فإن قلتَ: لِمَ لا يردّ المشتري المكسور الذي لا يُنتفع به إلى البائع؟ قلتُ: لعدم قيمته الشرعية، =
[ ٣ / ٩٦ ]
بالتأخير (ما لم يُوجد دليل الرضا) كتصرف فيه بإجارة، أو إعارة أو نحوهما عالمًا بعيبه، واستعماله لغير تجربة (^٤٨) (ولا يفتقر) الفسخ للعيب (إلى حكم، ولا رضا ولا حضور صاحبه) أي: البائع كالطلاق (^٤٩)، ولمشتر مع غيره معيبًا، أو بشرط خيار: الفسخ في نصيبه ولو رضي الآخر (^٥٠).
وهو معنى قوله: "ويتعيَّن أرش مع كسر لا تبقى معه قيمة".
(^٤٨) مسألة: خيار العيب يكون على التراخي، أي أن المشتري إذا اكتشف العيب بعد مدة طويلة: فله حق الخيار؛ فلا يسقط خياره إلّا بعد أن تثبت قرائن وأدلة على رضاه بالسلعة المباعة كأن يتصرَّف بها ببيعها، أو إجارتها، أو إعارتها، أو هبتها أو وطئها إن كانت جارية، وهو عالم بعيبها، أو استعملها لغير تجربة كركوب دابة ونحو ذلك.؛ للمصلحة: حيث إن خيار العيب ثبت لدفع الضرر المتحقق عن المشتري، وهذا الدفع يصح ولو تأخر وقته؛ تحقيقًا للعدالة، وقطعًا لوسائل الغش التي يستعملها بعض الظلمة.
(فرع) إن استعمل ذلك وهو جاهل: فلا يؤثر ذلك الاستعمال، وهو على خياره وقد سبق.
(^٤٩) مسألة: إذا أراد المشتري أن يفسخ البيع ويرد المبيع المعيب: فله ذلك مُطلقًا، أي: سواء رضي البائع، أو لا، وسواء كان البائع حاضرًا أو لا، وسواء تولَّى ذلك بنفسه، أو استعان بقاضٍ أو حاكم، لا فرق؛ للقياس؛ بيانه كما أن الطلاق يقع من الزوج على الزوجة مُطلقًا، فكذلك الحالة هنا، والجامع: أن كلًّا منهما رفع عقدًا مستحقًا له، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه رفع الضرر عن المشتري؛ لأنه لو انتظر حضور البائع، أو رضاه، أو حضور حاكم أو نحو ذلك: لزاد ضرر المشتري.
(^٥٠) مسألة: إذا اشترى زيد وعمرو سلعة من بكر، فوجدا تلك السلعة معيبة: فإنه يجوز لزيد أن يفسخ نصيبه من العقد ولو رضي عمرو به، وكذا: لو اشترى بكر =
[ ٣ / ٩٧ ]
والمبيع بعد فسخ أمانة بيد مشتر (^٥١) (وإن اختلفا) أي: البائع والمشتري في معيب (عند مَنْ حدث العيب؟) مع الاحتمال: (فقول مشتر مع يمينه) إن لم يخرج عن يده؛ لأن الأصل: عدم القبض في الجزء الفائت، فكان القول: قول من ينفيه، فيحلف أنه اشتراه وبه العيب أو أنه ما حدث عنده، ويردُّه (وإن لم يحتمل إلا قول أحدهما) كالإصبع الزائد، والجرح الطريء الذي لا يحتمل أن يكون قبل العقد: (قبل) قول المشتري في المثال الأول، والبائع في المثال الثاني (بلا يمين)؛ لعدم الحاجة إليه (^٥٢)،
سلعة من زيد وعمرو فوجدها معيبة: فيجوز لبكر أن يفسخ نصيب زيد وإمساك نصيب عمرو، ويُحسب القسط من الثمن في ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن نصيبه هو جميع ما ملكه في العقد، وقد وقع معيبًا فلزم جواز ردِّه بالخيار؛ لعدم وجود مانع من ذلك.
(^٥١) مسألة: إذا عزم المشتري على فسخ البيع، فإن السلعة المباعة تكون أمانة في يده حتى يُسلِّمها البائع أو وكيله، وإن تلفت بيده بسبب تفريطٍ منه: فيضمنها، وإن كان ذلك بدون تفريط: فلا يضمنها؛ وإن كان البائع غائبًا وخشي على المبيع الفساد فإنه يبيعها ويكون ثمنها دينًا في ذمته متى ما حضر البائع أعطاه إياه أو ورثته، للقياس، بيانه: كما أن الوديعة تكون أمانة بيد المودَع، يضمنها عند تلفها بتفريط، ولا يضمنها بدون ذلك، ويبيعها إن خشي عليها، ويكون ثمنها في ذمته متى ما حضر المودِع سلَّمها له، أو لورثته، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما حاصلة باليد، وأن ذلك في مصلحة البائع.
(^٥٢) مسألة: إذا اختلف البائع والمشتري في زمن حدوث العيب: بأن قال البائع: "إن العيب حدث بعد العقد فلا خيار لك" وقال المشتري: "إن العيب كان موجودًا قبل العقد فلي الخيار" فله حالتان: الحالة الأولى: إن كان العيب، يحتمل حدوثه قبل العقد وبعده مثل كون الثوب مخروقًا، أو جنون عبد، أو كثير التبول في فراشه: فيُقبل قول البائع مع يمينه - وهو قول الجمهور - فيحلف أن هذا العيب لم =
[ ٣ / ٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكن موجودًا قبل العقد، وأنه باعه سليمًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بيّنة فالقول: ما يقول صاحب السلعة أو يترادَّان" وصاحب السلعة هو: البائع، الثانية: الاستصحاب، لأن الأصل: عدم وجود العيب في المبيع، فقول المشتري: "إن العيب كان موجودًا قبل العقد" خلاف الأصل؛ لكونه مشكوكًا فيه، فنستصحب الأصل، وهو: خلوّ السلعة من العيب، ويلزم من ذلك: أنه يُقبل قول البائع، فلا خيار للمشتري، فإن قلتَ: لِمَ وجبت اليمين على البائع؟ قلتُ: لأن البائع ينكر ما ادَّعاه المشتري من وجود العيب قبل العقد؛ "واليمين على من أنكر" كما قال ﵇، فإن قلتَ: إنه يُقبل قول المشتري مع يمينه في هذه الحالة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أنه يُقبل قول المشتري في "كونه قبض المبيع أو لا مع يمينه" فكذلك هذه الحالة مثل ذلك، والجامع: القبض أو عدمه في كل، ففي الأصل: عدم قبض السلعة، وفي الفرع: عدم قبض الجزء الفائت بسبب العيب. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الأصل: وهو: "قبض المشتري للسلعة أولا" أكثر وضوحًا وبيانًا لإثباته، وعدم ذلك من الفرع، وهو: "حدوث العيب المحتمل قبل أو بعد العقد" ومع الفرق: لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة والاستصحاب". الحالة الثانية: إن كان العيب، لا يحتمل إلّا قول أحد المتبايعين فقط بسبب قرينة وُجدت كقول مشتر: "إنه وُجد في العبد إصبع زائد" أو قوله: "إن في رأس العبد شجة مندملة قديمة": فيُقبل قول المشتري هنا بدون يمين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من القرينة الحالية: صدق المشتري، إذ لا يمكن ذلك بعد العقد. أما لو قال مشتر: "إن في العبد - جرح يسيل الدم منه الآن" وأنكره البائع قائلًا: "إن هذا حدث بعد العقد" فيُقبل قول البائع بدون يمين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من القرينة الحالية: =
[ ٣ / ٩٩ ]
ويُقبل قول بائع: إن المبيع المعيب ليس المردود (^٥٣)، إلا في خيار شرط: فقول مشتر (^٥٤)، وقول قابض في ثابت في ذمة: من ثمن، وقرض، وسَلَم، ونحوه إن لم يخرج عن يده. وقول مشتر في عين ثمن مُعيَّن بعقد (^٥٥)، ومن اشترى متاعًا، فوجده
صدق قول البائع؛ إذ لا يمكن أن يكون ذلك قبل العقد، فإن قلتَ: لِمَ يُقبل قول أحدهما هنا بلا يمين؟ قلتُ: لأن اليمين شُرعت تقوية للقول، وكلامهما هنا لا يحتاج إلى تقوية، فإن قلتَ: لِمَ كان هذا التفصيل في هاتين الحالتين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحري لمنع الظلم.
(^٥٣) مسألة: إذا ردَّ المشتري السلعة إلى البائع؛ لعيب فيها، فأنكر البائع كون ما ردَّه المشتري هي سلعته، قائلًا: "ليست هذه السلعة التي بعتها لك": ولا توجد بيّنة: فإنه يقبل قول البائع مع يمينه؛ للتلازم؛ حيث إن البائع منكر، ومنكر استحقاق الفسخ، فيلزم قبول قول المنكر؛ مع يمينه؛ لأن "اليمين على المنكر".
(^٥٤) مسألة: إذا ردَّ المشتري السلعة إلى البائع في خيار الشرط، فأنكر البائع أن تلك السلعة هي سلعته التي باعها: فيُقبل قول المشتري؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اتفاقهما على استحقاق الفسخ والردّ بعد مُضي الوقت المشروط في الخيار: أن يُقبل قول المشتري في عين السلعة؛ أي: كأن البائع معترف بأنها سلعته بذلك.
(^٥٥) مسألة: إذا ثبت في ذمة بكر لزيد صاع ثمن سلعة مباعة، أو هو قرض، أو سَلَم، أو أجرة، فأعطاه بكر لزيد، وبعدما قبضه زيد من بكر: ردَّه زيد بسبب عيب وجده فيه، وأنكر بكر قائلًا: "إن الصاع المردود ليس هو الصاع الذي دفعته إليك": فهنا يُقبل قول القابض - وهو هنا زيد - مع يمينه بشرط: عدم خروج ذلك الصاع من تحت يد القابض المشاهدة وهو زيد، للاستصحاب؛ حيث إن الأصل بقاء شغل ذمة بكر بذلك الصاع، فيُعمل بهذا الأصل، فيلزم بكرًا - على ذلك - قبول الصاع، وعدم ردِّه. (فرع): الثمن يُشابه المثمن - وهي السلعة =
[ ٣ / ١٠٠ ]
خيرًا مما اشترى: فعليه ردُّه إلى بائعه (^٥٦) (السادس) من أقسام الخيار (خيار في البيع بتخيير الثمن متى بان) الثمن (أقل أو أكثر) مما أُخبر به (^٥٧) (ويثبت) في أنواعه الأربعة (في التولية) وهي: بيع برأس المال (و) في (الشركة) وهي: بيع بعضه بقسطه من الثمن و"أشركتك" ينصرف إلى نصفه (و) في (المرابحة) وهي: بيعه بثمنه وربح
المباعة - في الرد بالعيب ونحو ذلك: فيُقبل قول المشتري فيه إلّا في خيار الشرط: فإنه يُقبل قول البائع كما سبق في مسائل (٥٣ و٥٤ و٥٥).
(^٥٦) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر طعامًا على أنه رديء بمائة ريال، فبان بعد شرائه له: أنه طعام جيد يساوي مائتي ريال وكان بكر يجهل ذلك: فيجب على زيد أن يردُّه إلى بكر، أو يُعطي بكرًا الفرق، فيُسلِّمه مائة أخرى؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو اشترى من بكر طعامًا على أنه جيد بمائتي ريال، فبان أنه رديء لا يساوي إلّا مائة: فإنه يردّه إلى بكر، أو يأخذ الفارق - وهو الأرش - وهو مائة ريال، فكذلك العكس والجامع: منع أكل أموال الناس بالباطل، وهو المقصد منه.
(^٥٧) مسألة في السادس - من أقسام الخيار - وهو: خيار في البيع يثبت عند إخبار البائع للمشتري بخلاف الواقع، فللمشتري الخيار: كأن يشتري زيد سيارة بثمانية آلاف، فيقول بكر له: "بعني هذه السيارة برأس مالها" فيقول زيد: "قد بعتها عليك برأس مالها وهو عشرة آلاف ثم تبيّن لبكر أن زيدًا قد كذب عليه، وأن رأس مالها ثمانية فقط: فيثبت لبكر الخيار: إن شاء ردَّ السيارة، وأخذ ثمنها الذي دفعه، وإن شاء أمسكها ويُعطيه زيد ألفين إن رضي - للقياس؛ بيانه كما أن زيدًا لو باع عبدًا على بكر على أنه كاتب، فبان بعد العقد: أنه ليس بكاتب: فإن لبكر الخيار كما سبق، فكذلك الحال هنا: والجامع: التدليس في كل، فإن قلتَ: لِمَ ثبت الخيار هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق المسلمين من الظلمة والكذابين المدلِّسين.
[ ٣ / ١٠١ ]
معلوم، وإن قال: "على أن أربح في كل عشرة درهمًا": كُره (و) في (المواضعة) وهي: بيعه برأس ماله وخسران معلوم (ولا بدَّ في جميعها) أي: الصور الأربع (من معرفة المشتري) والبائع (رأس المال)؛ لأن ذلك شرط لصحة البيع، فإن فات: لم يصحّ، وما ذكره من ثبوت الخيار في الصور الأربع تبع فيه "المقنع" وهو رواية، والمذهب: أنه متى بان رأس المال أقل: حُطَّ الزائد، ويحط قسطه في مرابحة، وينقصه في مواضعه ولا خيار للمشتري (^٥٨)،
(^٥٨) مسألة: يثبت الخيار في البيع في القسم السادس من أقسام الخيار في صور أربع: أولها: التولية، وهي: بيع السلعة برأس مالها، من قولهم: "ولَّيتك المبيع كما توليته أنا" كأن يشتري زيد دارًا بخمسين ألفًا، فيقول لبكر: "بعتها عليك برأس مالها" وهو: خمسون ألفًا، ثانيها: الشركة وهي: بيع زيد لبكر نصف الدار بقسطه من الثمن - وهو خمسة وعشرون ألفًا - أو يقول زيد لبكر: "أشركتك فيها" فيكون لبكر نصفها؛ لأن المشاركة تلزم منها تسوية الشريكين غالبًا، ثالثها: المرابحة، وهي: أن يبيع زيد على بكر الدار برأس مالها وربح مبلغ معلوم: كأن يقول زيد لبكر: "بعتك تلك الدار برأس مالها - خمسون ألفًا - وربح خمسة آلاف"، فقبل بكر بذلك: فيصحّ ذلك، وإن قال: "بعتك إياها برأس مالها - وهو خمسون - وربح عن كل عشرة آلاف مائة ريال": فقد كره أحمد هذه العبارة؛ لكونها مشابهة لعبارة الربا وهي قولهم: "بعتك دراهم بدراهم" رابعها: المواضعة وهي: أن يضع زيد وينقص من رأس مالها فيقول لبكر: "بعتك إياها بخسارة عشرة آلاف من رأس المال الذي اشتريتها به"، فهذه الصور صحيحة ويثبت الخيار فيها: إن أخبر البائع وهو زيد هنا بخلاف ما اشترى الدار به، وهذا بشرط: أن يكون البائع - وهو زيد - والمشتري - وهو بكر - عارفين لرأس المال الذي اشترى زيد به تلك الدار؛ للتلازم؛ حيث إن تلك الصور لا جهالة ولا غرر في المبيع، ولا في الثمن، فلزم: صحتها، ويلزم من عدم معرفة الثمن الحقيقي =
[ ٣ / ١٠٢ ]
ولا تقبل دعوى بائع غلطًا في رأس المال بلا بيِّنة (^٥٩) (وإن اشترى) السلعة (بثمن مؤجَّل أو) اشترى (ممن لا تُقبل شهادته له) كأبيه، وابنه، وزوجته (أو) اشترى شيئًا (بأكثر من ثمنه حيلة) أو محاباة، أو لرغبة تخصّه، أو موسم فات (أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن) الذي اشتراها به (ولم يبين ذلك) للمشتري (في تخبيره بالثمن: فللمشتر الخيار بين الإمساك والرد) كالتدليس والمذهب فيما إذا بان الثمن مُؤجَّلًا أنه يُؤجِّل على المشتري ولا خيار؛ لزوال الضرر كما في "الإقناع"
للدار المشتراة فيه - وهو رأس مالها -: عدم صحة البيع؛ نظرًا لجهالة الثمن وهو شرط في صحّة البيع، ويلزم من انتفائه: انتفاء المشروط، فإن قلتَ: إن الخيار لا يكون في تلك الصور وهو مذهب الحنابلة المعتمد، فإذا باع زيد تلك الدار بستين ألفًا، وكان رأس مالها الذي اشتراها به خمسين: فإن البائع يُعيد للمشتري وهو بكر عشرة آلاف، وكذا إذا شاركه بنصفها وادّعى زيد أن ثمنها ستون: فإنه يُعيد إليه خمسة وكذلك يفعل في المرابحة وهكذا. قلتُ: إن ثبوت الخيار في تلك الصور أولى وأصلح من عدمه؛ لمراعاة مصلحة الطرفين، ودرء المفسدة عنهما.
(^٥٩) مسألة: إذا غلط أو سها البائع في تلك الصور الأربع السابقة في مسألة (٥٨) فأخبر: "أنه اشترى الدار بخمسين ثم قال: غلطتُ أو نسيتُ، بل اشتريتها بستين، فأبيعها عليك بستين": فإنه لا يُقبل قوله هذا إلا بأدلة أو قرائن أو بينات، فإن أثبت بيِّنة على أنه اشتراها بستين: قُبلَ وإن لم يُثبت ذلك: يُعتمد أنه قد اشتراها بخمسين وهو رأس مالها؛ للقياس، بيانه: كما أن المضارب إذا أقرّ بأنه ربح ألفًا مثلًا، ثم قال: غلطتُ، بل ربحت ثمانمائة، فلا يُقبل إلا ببينة، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما قد أقرّ بالثمن، وتعلَّق به حق الغير، والمقصد: حماية أموال الناس.
[ ٣ / ١٠٣ ]
و"المنتهى" (^٦٠) (وما يُزاد في ثمن، أو يُحطُّ منه) أي: من الثمن (في مُدَّة خيار): مجلس
(^٦٠) مسألة: للمشتري الخيار إذا أخبره البائع برأس مال السلعة التي زيد في ثمنها؛ لغرض من الأغراض، ولم يعلم المشتري بذلك الغرض، وهذا يكون في صور سبع: أولها: أن يشتري زيد سيارة بعشرة آلاف مؤجلة إلى سنة، فباعها على بكر برأس مالها ولم يخبر زيد بأنه اشتراها بعشرة مُؤجَّلة، فبان بعد العقد الأمر: فللمشترِ - وهو بكر - الخيار: إن شاء ردَّها إلى زيد وأخذ ما دفعه ثمنًا لها، وإن شاء أمضى البيع، وأخذ الفارق بين بيعها عاجلًا، وبيعها مؤجلًا؛ حيث إن يفرق في الثمن. ثانيها: أن يشتري زيد دارًا من شخص لا تُقبل شهادته له كأن يشتريها من أبيه أو ابنه بعشرة آلاف فباعها على بكر برأس مالها - وهو ثمانية - ولم يخبر زيدًا بكرًا أنه اشتراها أصلًا من أبيه، فعلم ذلك بكر بعد العقد: فلبكر الخيار: إن شاء ردَّها، وأخذ ثمنها، وإن شاء أخذ الفارق بين شرائها من هذا القريب، وبين شرائها من الغريب؛ لأن العادة جرت على أن الشخص إذا اشترى من قريب له: فإنه لا يماكس، فيكون في السعر زيادة قد ظُلم بها بكر، ثالثها: أن يشتري زيد دارًا بعشرة آلاف من صديقه محاباة، فباعها على بكر برأس مالها، ولم يُخبر بكرًا بأنه اشتراها من صديقه: فللمشتري - وهو بكر - الخيار، كما قلنا في الصورة الثانية، رابعها: أن يشتري زيد دارًا من شخص بأكثر من ثمنها حيلة كأن يتخلص من دين له عليه، فباعها على بكر برأس مالها الذي دفعه زيد - وهو عشرة آلاف -، وعلم بكر بعد العقد: أن زيدًا اشتراها من المدين له حيلة: فللمشتري - وهو هنا بكر - الخيار: فإن شاء ردَّها، وأخذ الذي دفعه، وإن شاء أمسكها مع دفع زيد له الفارق بين شرائها بحيلة وبدون حيلة؛ لأن العادة اقتضت أن المشتري بحيلة يختلف عن المشتري بغير حيلة، خامسها: أن يشتري زيد سلعة لحاجة ماسة بأكثر من ثمنها كأن يشتري دارًا بجواره، أو أمة لتربي ولده، فباعها على بكر برأس ثمنها، ولم يخبر زيد بكرًا بذلك فعلم بعد العقد: فللمشتري =
[ ٣ / ١٠٤ ]
أو شرط (أو يُؤخذ أرشًا لعيب أو) لـ (جناية عليه) أي: على المبيع، ولو بعد لزوم البيع: (يلحق برأس ماله و) يجب أن (يُخبر به) كأصله، وكذا: ما يُزاد في مبيع، أو أجل، أو خيار، أو يُنقص منه في مدة خيار، فيُلحق بعقد (^٦١) (وإن كان ذلك) أي:
الخيار - كما قلنا في الصورة الرابعة - سادسها: أن يشتري زيد سيارة قَبل موسم الحج بعشرة آلاف، فيبيعها على بكر برأس مالها بعد الحج، ولم يعلمه أنه اشتراها قبل الموسم، فعلم بكر بذلك: فله الخيار، لأن العادة غلاء ثمن السيارات الصالحة للحج قبل موسمه، وانخفاضه بعده. سابعها: أن يشتري زيد أرضًا بخمسين ألفًا، ثم يبيع نصفها بنصف رأس مالها على بكر - وهو خمسة وعشرون ألفًا - ثم تبيَّن لبكر أن هذه الأرض التي اشتراها بعض تلك الأرض التي اشتراها زيد، وأن زيدًا باع نصفها بقسطه من الثمن: فللمشتري الخيار بين الرد، والإمضاء مع دفع الفارق من البائع وهو زيد؛ لأن العادة اختلاف الثمن باختلاف الاتجاهات، وهذه الصور السبع يثبت فيها الخيار؛ للقياس، بيانه: كما يثبت الخيار بالتدليس والعيب فكذلك يثبت الخيار في هذه الصورة والجامع: أن البائع في هذه الصور قد أخفى عن المشتري شيئًا يتغيَّر الثمن بسببه، فإن قلتَ: إنه في الصورة الأولى: لا خيار للمشتري، بل يُؤجِّل له، كما اشتراه وهو مُؤجَّلًا، وهو قول بعض الحنابلة؛ للمصلحة: حيث يلزم من زوال الضرر بذلك: زوال الخيار قلتُ: إن ثبوت الخيار للمشتري أصلح، وأكثر توسيعًا عليه من الإلزام. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض المصلحتين".
(^٦١) مسألة: إذا أراد المشتري أن يبيع السلعة التي اشتراها برأس مالها: فيجب عليه أن يُخبر المشتري منه بما حصل من زيادة أو نقصان، أو أرش أضيف، أو أنقص من رأس مالها الذي عُقد عليه وذلك في أثناء خيار المجلس والشرط، وهذا في صور أربع: أولها: أن يشتري زيد من بكر ثوبًا بعشرة ريالات، ثم في أثناء الخيار زاده بكر ريالين: فإنهما يُلحقان برأس المال - وهو العشرة - فيكون اثني عشر =
[ ٣ / ١٠٥ ]
ما ذكر من زيادة أو حطٍّ (بعد لزوم البيع) بفوات الخيارين: (لم يُلحق به) أي: بالعقد، فلا يلزم أن يُخبر به (^٦٢)، لا إن جنى المبيع ففداه المشتري؛ لأنه لم يزد به المبيع
ريالًا - فإذا جاء محمد يُريد شراء الثوب من زيد برأس ماله: فإن زيدًا يُخبره بأن رأس ماله اثنا عشر. ثانيها: لو نقَّص بكر من ثمن الثوب ريالين في مُدَّة الخيارين، فاشتراه محمد من زيد برأس ماله: فعلى زيد أن يُخبره بأن رأس ماله ثمانية، ثالثها: لو وجد زيد عيبًا في الثوب الذي اشتراه بعشرة، وقوِّم هذا العيب بأربعة فدفعها بائع الثوب لزيد، فجاء محمد فاشترى الثوب برأس ماله: فعلى زيد أن يُخبره بأن رأس ماله ستة فقط، وتكون هذه الصور قبل لزوم البيع. رابعها: إذا اشترى زيد عبدًا بعشرة آلاف فجُني عليه جناية كان تقدير أرشها ألفين، فعلى زيد أن يُخبر من أراد شراءه - وهو محمد - بذلك، وهذه الصورة تصح ولو بعد لزوم البيع، وهذه الصور الأربع يجب أن يُخبر بها المشتري من زيد، وكذا ما يزاد في أجل ووقت البيع، أو خيار، أو يُنقص منه، فكل ذلك، يجب أن يُحاط به من أراد الشراء من زيد مما يغلب على الظن تأثر ثمنه به؛ للسنة القولية: حيث "نهى ﵇: عن بيع الغرر" وهذا عام؛ لأن "بيع" نكرة في سياق النفي، وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن زيدًا لو لم يُخبر محمدًا بتلك التفصيلات: للحقه غرر وجهالة؛ وهذا منهي عنه، والنهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق المسلمين من أن يتحايل عليها الظلمة فيأكلونها بالباطل.
(^٦٢) مسألة: إذا مضى وقت خيار المجلس والشرط، ولزم البيع، ثم زاد البائع وهو بكر على المشتري - وهو زيد - بعض المال، أو نقص منه، أو زاد، أو نقص زيد ذلك ونحو ذلك: فهذا لا يُلحق برأس المال - ولا يجب أن يُخبر زيد محمدًا - الذي يُريد أن يشتري من زيد السلعة برأس مالها -؛ للتلازم؛ حيث إن تمام البيع ولزومه: يلزم منه تسليم السلعة، واستلام الثمن، دون زيادة أو نقصان، والبائع =
[ ٣ / ١٠٦ ]
ذاتًا ولا قيمة (^٦٣) (وإن أخبر بالحال) بأن يقول: "اشتريته بكذا" أو "زدته" أو "نقصته كذا" ونحوه: (فحسن)؛ لأنه أبلغ في الصدق (^٦٤)، ولا يلزم الإخبار بأخذ نماء، واستخدام ووطء إن لم يُنقصه (^٦٥)، وإن اشترى شيئًا بعشرة مثلًا، وعمل فيه صنعة،
وهو بكر لا دخل له فيما ملكه زيد؛ فيكون رأس المال مُستقرًا على ما كان عليه العقد.
(^٦٣) مسألة: إذا اشترى زيد عبدًا فجنى هذا العبد جناية كأن قتل هذا العبد شخصًا آخر، أو جرحه، وهذا أوجب قودًا، أو مالًا، فدفع المشتري - وهو زيد - خمسة آلاف للمجنى عليه كفدية، أو أرش، فلا تُلحق هذه الخمسة برأس ماله الذي اشتراه به زيد، ولو كان ذلك في مدة خيار الشرط، أو المجلس، وكذا: المؤنة والكسوة، وأجرة الحمل، والأدوية لا تلحق برأس ماله: فلو أتى بكر ليشتري ذلك العبد لا يلزم زيد أن يخبره بذلك كله؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك لا يؤثِّر في زيادة قيمته، أو ذاته، أو يُنقص من ذلك فلزم عدم الحاجة إلى إخباره.
(^٦٤) مسألة: يُستحب: أن يُخبر زيد بجميع ما حصل من الأحوال لهذا العبد الذي أراد بكر شراءه برأس ماله كأن يُخبره بأنه اشتراه بكذا، ثم بعته بكذا، ثم اشتريته بزيادة، أو صرفت عليه كذا، أو اشتريته مع غيره بكذا، فخذه بقسطه ونحو ذلك مما لا يؤثر في الثمن ولا يجب ذلك، للمصلحة: حيث إن الإخبار بحقيقة الحال بالتفاصيل - وإن لم يكن واجبًا - أبلغ في الصدق، وأقرب إلى الحق، وأبعد عن التدليس، وأحوط لدين المسلم.
(^٦٥) مسألة: إذا اشترى زيد شاة، ثم أخذ نماءها كجزه لصوفها؛ أو حلب لبنها اللذين غير موجودين عند العقد، أو اشترى عبدًا فاستخدمه؛ أو اشترى أمة ثيبًا فوطئها، فجاء بكر واشترى من زيد تلك الأشياء برأس مالها: فلا يجب على زيد أن يُخبره بأنه أخذ الصوف واللبن من الشاة، أو استخدم العبد، أو وطأ الأمة الثيب بشرط: أن لا يُنقص ذلك الشاة، أو العبد، أو الأمة، ويُؤثِّر على أثمانها؛ =
[ ٣ / ١٠٧ ]
أو دفع أجرة كيله، أو مخزنه: أخبر بالحال، ولا يجوز أن يجمع ذلك ويقول: "تحصَّل عليَّ بكذا" (^٦٦)، وما باعه اثنان مرابحة: فثمنه بحسب ملكيهما، لا على رأس ماليهما (^٦٧) (السابع) من أقسام الخيار (خيار) يثبت (لاختلاف المتبايعين) في الجملة (^٦٨) (فإذا اختلفا) هما أو ورثتهما، أو أحدهما وورثة الآخر (في قدر الثمن)
للتلازم؛ حيث إن ذلك لا يُؤثِّر في زيادة قيمتها، أو ذاتها، أو نقصان ذلك: فلزم عدم الحاجة إلى إخباره، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك الشرط؟ قلتُ: للاحتراز من الاستعمال الذي يُنقص من ثمن السلعة كأن يشتري أمة بكرًا، فيطأها ففي هذه الحالة يجب أن يُخبر بكرًا إذا أراد شراءها برأس مالها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من نقصان ثمنها بذلك: وجوب إخباره بذلك؛ لئلا يُغرُّ، وهذا هو المقصد منه.
(^٦٦) مسألة: إذا اشترى زيد ثيابًا بمائة مثلًا، ثم صبغها أو استأجر مخزنًا لها، أو استأجر من يحملها بمائة أخرى، وجاء بكر وأراد شراءها برأس مالها: فيجب على زيد أن يُخبره بتفاصيل ذلك على وجهه، ولا يجوز له: أن يجمع ذلك بنفسه ويقول: إن رأس مالها مائتان؛ للتلازم؛ حيث إن جمع ذلك تلبيس، وتغرير على المشتري - وهو بكر هنا - فلزم: إخباره؛ ليشتري بكر، وهو عارف بكل شيء عن المبيع، وهو المقصد هنا.
(^٦٧) مسألة: إذا اشترى زيد نصف الدار بخمسين ألفًا من بكر، واشترى محمد النصف الآخر من تلك الدار بمائة ألف، ثم باع زيد ومحمد تلك الدار يريدان المرابحة فيها بعقد واحد بثمن وقدره مائتا ألف: فإن هذا الثمن يُقسَّم بينهما على حسب مُلكية كلّ واحد منهما من الدار، ولا يُنظر هنا لرأس مال كلّ واحد منهما، فيأخذ زيد مائة ألف، ومحمد مائة ألف كذلك بالتساوي؛ للتلازم؛ حيث إن الثمن عوض عن المبيع - وهو الدار هنا - وكل واحد منهما يملك نصف الدار، فيلزم أن يُقسَّم ثمنها بينهما بالتساوي، ولا مدخل لرأس مالهما هنا.
(^٦٨) مسألة: في السابع - من أقسام الخيار - وهو: خيار يثبت لاختلاف المتبايعين في =
[ ٣ / ١٠٨ ]
بأن قال بائع: "بعتكه بمائة" وقال مشتر "بثمانين" ولا بيِّنة لهما، أو تعارضت بينتاهما: (تحالفا) ولو كانت السلعة تالفة: (فيحلف بائع أولًا: "ما بعته بكذا وإنما بعته بكذا" ثم يحلف المشتري: "ما اشتريته بكذا، وإنما اشتريته بكذا") وإنما بدأ بالنفي؛ لأنه الأصل في اليمين (ولكل) من المتبايعين بعد التحالف (الفسخ إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر) وكذا: إجارة، وإن رضي أحدهما بقول الآخر، أو حلف أحدهما ونكل الآخر: أقرَّ العقد (فإن كانت السلعة) التي فسخ البيع فيها بعد التحالف (تالفة: رجعا إلى قيمة مثلها) ويُقبل قول المشتري فيها؛ لأنه غارم (^٦٩)، وفي
بعض الصور إذا لم توجد بيّنة لأحدهما؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "إذا اختلف المتبايعان، وليس بينهما بيِّنة، فالقول قول البائع، أو يترادَّان" حيث بيَّن هنا: أن البائع والمشتري إذا اختلفا فيما بينهما في قدر الثمن، أو الصفة أو نحو ذلك ولا بيّنة: فهما بالخيار إن أرادا أمضيا البيع، أو ردّ البائع الثمن، ورد المشتري السلعة المباعة، فإن قلتَ: لِمَ ثبت هذا الخيار؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة، ومنع من أكل أموال الناس بالباطل. تنبيه: إذا اختلف البائع والمشتري في شيء يخص المبيع أو الثمن يمكن الاختلاف فيه فإن لكل خلاف حكمه المناسب له، وهذا يكون في مسائل سيأتي فيما يلي (من ٦٩ إلى ٧٧).
(^٦٩) مسألة: إذا اختلف البائع والمشتري، أو ورثتهما، أو أحدهما وورثة الآخر في قدر ثمن السلعة المباعة بأن قال البائع: "بعتك السيارة بعشرة آلاف" وقال المشتري: "اشتريتها بثمانية" ولا توجد بيّنة أو قرينة تدلّ على ترجيح قول أحدهما؛ أو أثبت كلّ واحد منهما بيّنة، ولكنهما متعارضتان تمام التعارض فأسقطت إحداهما الأخرى: ففي هذه الحالة يتحالفان: فيحلف البائع أولًا قائلًا: "والله ما بعتها بثمانية، بل بعتها بعشرة" ثم يحلف المشتري قائلًا: "والله ما اشتريتها بعشرة وإنما اشتريتها بثمانية" فإن امتنع أحدهما عن الحلف: أقرّ العقد على الثمن الذي قاله الحالف، فإن لم يرض أحدهما بقول وحلف الآخر: فهما =
[ ٣ / ١٠٩ ]
قدر المبيع (^٧٠) (فإن اختلفا في صفتها) أي: صفة السلعة التالفة: بأن قال البائع: "كان العبد كاتبًا" وأنكره المشتري: (فقول مشتر)؛ لأنه غارم (^٧١)، وإذا تحالفا في
بالخيار: إن شاء أحدهما فسخ البيع، أو شاء أن يقبل قول الآخر ويُخطِّي نفسه: فإنه يُمضي البيع وهذا عام فيشمل السلعة الموجودة - كأن تكون السيارة المباعة أمامهما - أو تالفة ومفقودة، فإن كانت موجودة: فلا إشكال، وإن كانت تالفة: فإنهما يُقدِّران قيمتها بقيمة مثلها بأن تُوصف هذه السيارة وصفًا دقيقًا عند ذوي الخبرة والعدالة فيقوِّمونها بثمن مثلها، ويُلزم المشتري بذلك الثمن إن لم يفسخ، ويقبل قول المشتري في قيمة المبيع التالف مع يمينه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم البيّنة، أو تعارضهما: أنهما متساويان، ويلزم من كون أحدهما مدّع والآخر منكر: أن يتحالفا، ويلزم من قوة جانب البائع؛ لكون المبيع يُرد إليه: أن يبدأ أولًا بالحلف ولا يُعتد بما بدأ المشتري، ويلزم من كون المشتري غارم، وملزم نفسه ما التزمه بالعقد: أن يُقبل قوله إذا كانت السلعة تالفة فإن قلتَ: لِمَ يُجمع بين النفي والإثبات في اليمين؟ قلتُ: لأن هذا أبلغ وأصرح في الدعوى؛ ليكون دافعًا لما ادّعاه خصمه بالنفي ومثبتًا لما ادّعاه هو بالإثبات، فإن قلتَ: لِمَ يُبدأ بالنفي في الحلف؟ قلتُ: لأن النفي هو الأصل في اليمين، ولا يُعتد فيما إذا قُدِّم الإثبات.
(^٧٠) مسألة: إذا اختلف البائع والمشتري في قدر المبيع كأن يقول البائع: "بعتك ثوبين" فيقول المشتري: "بل بعتني ثوبًا واحدًا" فإنه يُقبل قول المشتري مع يمينه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه غارمًا، وملزم نفسه بما التزمه بالعقد: أن يُقبل قوله مع يمينه؛ لكونه هو الذي سيدفع الثمن، ولزم اليمين؛ للاحتياط وللتأكيد.
(^٧١) مسألة: إذا اختلف البائع والمشتري في صفة السلعة المباعة التالفة كأن تكون السيارة المباعة قد تلفت وفُقدت فقال البائع: "إنها جديدة" وقال المشتري: "إنها قديمة": ولا بيّنة لهما: فإنه يُقبل قول المشتري مع يمينه؛ للتلازم؛ وقد بيناه في مسألة (٧٠).
[ ٣ / ١١٠ ]
الإجارة، وفسخت بعد فراغ المدة: فأجرة المثل، وفي أثنائها بالقسط (^٧٢) (وإذا فسخ العقد) بعد التحالف: (انفسخ ظاهرًا وباطنًا) في حق كل منهما كالرَّدِّ بالعيب (^٧٣)
(^٧٢) مسألة: إذا اختلف المؤجِّر والمستأجر في قدر أجرة الدار فقال المؤجِّر: "والله ما أجَّرته بثمانية وإنما أجَّرته بعشرة" وقال المستأجر: "والله ما استأجرت بعشرة، وإنما استأجرت بثمانية": فلكل منهما الفسخ بعد التحالف إذا لم يرض أحدهما بقول الآخر، وإن كان المستأجر في الدار: فإنه تحسب أجرة المثل، وإن أخرجه المؤجِّر قبل فراغ مدة الأجرة وفي أثنائها: فإنه يُحسب من أجرة المثل بحسبه، للقياس على البيع؛ لأن الأجرة بيع منافع وقد سبق بيانه.
(^٧٣) مسألة: إذا اختلف البائع والمشتري في ثمن المبيع، أو قدره، أو وصفته، ثم تحالفا، فإن العقد ينفسخ في ظاهره، دون باطنه؛ إذ لو تبيَّن لأحدهما بعد الفسخ صدق الآخر: فإنه يلزمه السعي إلى الصادق منهما، والتحلُّل منه - حيث إنه مظلوم - والخروج من تلك المظلمة، وهو قول كثير من العلماء كابن قدامة في "المغني" وأيّده ابن عثيمين؛ للتلازم؛ حيث إن اتّضاح كذب أحدهما، وصدق الآخر: يلزم منه إن الصادق هو صاحب الحق، فيجب أن يُردَّ إليه حقه، وهو من باب رد المظالم إلى أهلها، فإن قلتَ: بل إن الفسخ يكون ظاهرًا فيتصرَّف البائع تصرُّف الملاك في المبيع، وكذلك ينفسخ باطنًا، فلو تبيَّن فيما بعد صدق أحدهما: لم يلزم الكاذب إعلام الصادق، ولا استحلاله، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أن المشتري إذا وجد في المبيع عيبًا، ثم فسخ المشتري بسبب هذا العيب: فإن العقد ينفسخ ظاهرًا وباطنًا ولو اطّلع المشتري أنه لا عيب فيما بعد، لا يلزمه إعلام صاحبه فكذلك هنا والجامع: الاطلاع على خلاف ما اعتقده. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن العيب قد يعتقده المشتري في وقت لا يعتقده في وقت آخر، ولا يعتقده البائع وقد لا يختلفان فيه، بخلاف الاختلاف في الثمن، أو المبيع، أو الصفة فهو واضح لهما، فإن قلتَ: ما سبب =
[ ٣ / ١١١ ]
(وإن اختلفا في أجل): بأن يقول المشتري: "اشتريته بكذا مُؤجَّلًا" وأنكره البائع (أو) اختلفا في (شرط) صحيح، أو فاسد كرهن أو ضمين أو قدرهما: (فقول من ينفيه) بيمينه؛ لأن الأصل: عدمه (^٧٤) (وإن اختلفا في عين المبيع) كبعتني هذا العبد، قال: بل هذه الجارية: (تحالفا وبطل) أي: فسخ (البيع) كما لو اختلفا في الثمن، وعنه: القول قول بائع بيمينه؛ لأنه كالغارم وهي المذهب، وجزم بها في "الإقناع" و"المنتهى" وغيرهما، وكذا لو اختلفا في قدر المبيع (^٧٥) وإن سمَّيا نقدًا، واختلفا في
الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف هل خيار الاختلاف بين المتبايعين كخيار العيب عند الفسخ؟ ".
(^٧٤) مسألة: إذا اختلف البائع والمشتري في أجل بأن قال المشتري: "اشتريت هذا الثوب بعشرة مُؤجَّلة إلى سنة" ونفى ذلك البائع قائلًا: "بعته عليك بعشرة عاجلة"، أو اختلفا في شرط بأن قال البائع: "بعت عليك هذه الدار بألف بشرط أن أسكنها سنة" ونفى ذلك المشتري قائلًا: "اشتريتها بدون ذلك الشرط" أو اختلفا في مقداره بأن قال البائع: "بعتك هذه الدار بشرط: سكناها سنة فنفى ذلك المشتري قائلًا: "بل بشرط سكناها شهرًا" أو اختلفا في رهن بأن قال البائع: "بعتكها مع شرط رهنك دارًا أخرى" فنفى المشتري ذلك قائلًا: "ما رهنتُ عندك شيئًا" ونحو ذلك، ولا تُوجد بيِّنة لأحدهما: فإنه يُقبل قول من ينفي ذلك المدَّعى مع يمينه، وهو هنا المشتري - إلّا الصورة الأولى فهو البائع -؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: النفي، وهو العدم، فيُستصحب هذا الأصل ويُعمل به، إذا لم توجد قرينة تغيّر الحال.
(^٧٥) مسألة: إذا اختلف البائع والمشتري في عين السلعة المباعة كأن يقول البائع: "بعتك هذه الدار" فيقول المشتري: "بل بعتني هذا الحانوت": فإنه يحلف كل واحد منهما على ما زعمه فإذا لم يرضَ أحدهما بقول الآخر: فإنه يُفسخ البيع؛ للقياس، بيانه: كما أنهما إذا اختلفا في قدر الثمن هل هو عشرة أو ثمانية: فإنهما =
[ ٣ / ١١٢ ]
صفته: أخذ نقد البلد، ثم غالبه رواجًا، ثم الوسط إن استوت (^٧٦) (وإن أبى كل منهما تسليم ما بيده) من المبيع والثمن (حتى يقبض العوض) بأن قال البائع: "لا أُسلِّم المبيع حتى أقبض الثمن" وقال المشتري: "لا أُسلِّم الثمن حتى أستلم المبيع" (والثمن عين) أي: معين: (نصب عدل) أي: نصبه الحاكم (يقبض منهما) المبيع والثمن
يتحالفان، فإن لم يرض أحدهما بقول الآخر: فإنه يُفسخ البيع فكذلك هنا والجامع: أن كلًّا منهما يدَّعي شيئًا ينكره الآخر، فإن قلتَ: إنه يُقبل قول البائع مع يمينه هنا، وهو رواية عن أحمد، وقاله بعض الحنابلة؛ للقياس، بيانه: كما أن الغارم للشيء، وهو الملزم نفسه ما التزمه بالعقد هو الذي يُقبل قوله عند المنازعات فكذلك هنا في هذه الحالة يُقبل قول البائع والجامع: أن كلًّا منهما قد التزم ما التزمه بالعقد، والبائع يكون أعلم بالسلعة المباعة عادة. قلتُ: هذا لا يُسلَّم؛ لكون المشتري مثل البائع في هذا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن قسنا الاختلاف في العين المباعة على الخلاف في قدر الثمن؛ لكونه أكثر شبهًا به، وهم قاسوا البائع فقط على الغارم، لكونه أكثر شبهًا به عندهم وهذا هو قياس الشبهة. تنبيه: قوله: "وكذا لو اختلفا في قدر المبيع" يشير به إلى أن المتبايعين لو اختلفا في قدر المبيع كأن يقول البائع: "بعتك ثوبين" فيقول المشتري: "بل بعتني ثلاثة": فإنه يُقبل قول البائع مع يمينه. قلتُ: قد سبق أنه يُقبل قول المشتري هنا وذلك في مسألة (٧٠).
(^٧٦) مسألة: إذا باع زيد على بكر ثوبًا بعشرة دنانير واختلف في صفة تلك الدنانير: فإن بكرًا يعطيه من الدنانير التي يتعامل بها البلد، وإن كان أهل البلد يتعاملون بدنانير مختلفة في الصفة والثمن كدنانير أردنية ودنانير عراقية مثلًا: فإن بكرًا يُعطي زيدًا عشرة دنانير مما يتعامل به أغلب أهل البلد، فإن كانوا يتعاملون بهما على السواء: فإن بكرًا يُعطي زيدًا خمسة من الدنانير الأردنية، وخمسة من الدنانير العراقية؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تحقيق العدالة المطلوبة في ذلك.
[ ٣ / ١١٣ ]
(ويسلِّم المبيع) للمشتري (ثم الثمن) للبائع؛ لجريان عادة الناس بذلك (وإن كان) الثمن (دينًا حالًّا: أُجبر بائع) على تسليم المبيع؛ لتعلُّق حق المشتري بعينه (ثم) أُجبر (مشتر إن كان الثمن في المجلس)؛ لوجوب دفعه عليه فورًا؛ لتمكُّنه منه (وإن كان) دينًا (غائبًا في البلد) أو فيما دون مسافة القصر: (حُجر عليه) أي: على المشتري (في المبيع وبقية ماله حتى يُحضره)؛ خوفًا من أن يتصرَّف في ماله تصرُّفًا يضرّ بالبائع (وإن كان) المال (غائبًا بعيدًا) مسافة القصر، أو غيبه بمسافة القصر (عنها) أي: عن البلد (والمشتري معسر) يعني: أو ظهر: أن المشتري معسر (فلبائع الفسخ)؛ لتعذُّر الثمن عليه كما لو كان المشتري مُفلسًا، وكذا: مُؤجِّر بنقد حال (^٧٧) (ويثبت الخيار للخلف
(^٧٧) مسألة: إذا اختلف البائع والمشتري في تسليم السلعة، والثمن أيهما يُبدأ به أولًا؟ فقال البائع: "لا أُسلِّم السلعة لك حتى أقبض الثمن منك" وقال المشتري: "وأنا لا أسلِّمك الثمن حتى أقبض السلعة: فلذلك حالات أربع الحالة الأولى: إن كان الثمن عينًا من نقد أو عرض: فإن القاضي يجعل رجلًا عدلًا يقبض السلعة والثمن منهما، ثم يُعطي السلعة للمشتري، ويعطي الثمن للبائع؛ للعرف والعادة؛ حيث اعتاد الناس على ذلك، الحالة الثانية: إن كان الثمن غير مُعيَّن في المجلس، وهو دين حالٌّ كأن يقول المشتري: "بعني هذا الثوب بعشرة" فقال البائع: "بعتكه بعشرة" فهنا الثمن غير معيَّن، فيكون دينًا، فهنا يُجبر البائع على تسليم الثوب للمشتري، ثم يُجبر المشتري على تسليم العشرة للبائع؛ للتلازم؛ حيث إن البائع يُجبر أولًا على تسليم المبيع للمشتري؛ نظرًا لتعلّق حقه بعينه، فيكون أولًا، ويُجبر مشتر على دفع الثمن ثانيًا، لكونه لا ثمن إلا لمثمن، فلا يُدفع ثمن قبل أن يُوجد مثمن. الحالة الثالثة: إن كان الثمن دينًا غائبًا دون مسافة قصر - أقل من (٨٢ كم) - بأن قال المشتري "اشتريت منك هذا الثوب بعشرة وهذه العشرة موجودة في منزلي، وهو يبعد من هنا بمسافة دون مسافة قصر" فقال البائع: "بعتكه بذلك" ويأخذه البائع ولكن يُمنع المشتري أن يتصرَّف بذلك =
[ ٣ / ١١٤ ]
في الصفة) إذا باعه شيئًا موصوفًا (ولتغير ما تقدَّمت رؤيته) العقد، وبذلك تمَّت أقسام الخيار ثمانية (^٧٨)، فصل: في التصرُّف في المبيع قبل قبضه، وما يحصل به قبضه (ومن اشترى مكيلًا ونحوه) وهو الموزون، والمعدود، والمذروع: (صح) البيع (ولزم
الثوب، وفي بقية أملاكه حتى يُحضر العشرة؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية للبائع من أن يُتصرَّف بالثوب تصرُّفًا يضرُّ به وبحقوقه، الحالة الرابعة: إن كان الثمن دينًا غائبًا في موضع بينه وبين موضع التبايع مسافة قصر فأكثر - وهي (٨٢ كم) - كأن يقول المشتري: "إن ثمن هذا الثوب الذي اشتريته منك في مكان بعيد مسافة قصر أو أكثر": فللبائع الفسخ، وأخذ سلعته، وهو الثوب؛ للمصلحة: حيث إنه يُحتمل أن يُؤخِّر المشتري الثمن فيتضرَّر بذلك البائع، فدفعًا لذلك: جُعل له الفسخ كمعاملة المفلس، وكذلك يكون الحكم إذا اتّضح أن المشتري معسر لا يستطيع دفع الثمن. (فرع) إذا اختلف مُؤجِّر مع مستأجر في تسليم السلعة المستأجرة، والأجرة أيهما الذي يُقدم أولًا: ففي ذلك تلك الأحوال الأربعة السابقة (فرع ثان): في الحالة الرابعة: البائع له الخيار إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أمضى البيع، وصبر على إعسار المشتري كمعاملة المفلس.
(^٧٨) مسألة: في الثامن - من أقسام الخيار - وهو: خيار الاختلاف في الصفة، أو تغيُّر ما تقدَّمت رؤيته، وصورة الأول: أن يقول المشتري للبائع: "أنت وصفت الدار التي بعتنيها بكذا وكذا" فيقول البائع: "أنا ما وصفتها بما تقول، بل وصفتها بكذا وكذا": وصورة الثاني: أن يقول المشتري للبائع: "هذه ليست الدار التي رأيتها، بل تغيَّرت"، وكان هذا قبل العقد: ففي هاتين الصورتين يثبت الخيار: فإن قبل أحدهما قول الآخر: أمضيا البيع، وإن لم يقبل أحدهما قول الآخر: فلكل واحد الفسخ؛ للمصلحة: حيث إن كل واحد منكر لقول الآخر ولا بيّنة، فيفسخ كل واحد منهما البيع؛ حماية له من ظلم الآخر. تنبيه: قد سبق بيان هاتين الصورتين في أول كتاب البيع.
[ ٣ / ١١٥ ]
بالعقد)؛ حيث لا خيار (ولم يصح تصرُّفه فيه) ببيع، أو هبة، أو إجارة، أو رهن، أو حوالة (حتى يقبضه)؛ لقوله ﵇: "من ابتاع طعامًا: فلا يبعه حتى يستوفيه" متّفق عليه، ويصحّ عتقه، وجعله مهرًا، وعِوَض خلع، ووصية به، وإن اشترى المكيل ونحوه جزافًا: صحّ التصرُّف فيه قبل قبضه؛ لقول ابن عمر ﵁: "مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيًا مجموعًا: فهو من مال المشتري" (^٧٩) (وإن
(^٧٩) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر شيئًا مكيلًا أو موزونًا كالبر والتمر، أو معدودًا كالبطيخ، أو مذروعًا كالأقمشة: فإن هذا صحيح، ويلزم بمجرّد العقد، بلا خيار، ولكن لا يجوز للمشتري - وهو زيد هنا - أن يتصرَّف بما اشتراه تصرُّفًا فيه عوض قبل قبضه كبيعه، أو رهنه، أو إجارته، أو هبته: سواء كان البيع لهذه الأمور جاء جزافًا، أو بغير ذلك، أما إن تصرّف فيه قبل قبضه تصرّفًا لا يُقصد منه العوض كأن يعتق المشتري العبيد الذين اشتراهم قبل عدِّهم، أو أن يجعل الطعام الذي اشتراه مهرًا، أو عوضًا عن خُلع، أو أوصى به: فإنه يجوز ولو لم يقبضه؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من ابتاع طعامًا: فلا يبعه حتى يستوفيه" والنهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، ومفهوم الغاية دلَّ على أنه إذا استوفاه وقبضه: فيُباح له أن يتصرَّف به ومفهوم الموافقة دل على أن أيَّ شيء فيه عِوَض كالإجارة، والرهن، والهبة بعوض، ونحوها، لا يجوز التصرُّف فيه كالبيع، لأن المقصود هو: أن المشتري قد لا يستطيع تسليم السلعة التي اشتراها لمن اشتراها منه قبل قبضها من بكر؛ لكون بكر قد يطمع فيمنع عين السلعة وهو عام لبيع الطعام أي: سواء كان جزافًا أو جملة وغير ذلك؛ لأن "مَنْ" من صيغ العموم ويدل مفهوم الصفة على: أن غير البيع مما لا عِوَض فيه يجوز أن يتصرَّف فيه قبل قبضه كأن يُعتقه، أو يجعله مهرًا ونحو ذلك، فإن قلتَ: لِمَ جاز للمشتري أن يتصرَّف بالمبيع قبل قبضه إن كان في عتق أو مهر، أو عوض خلع، أو وصية؟ قلتُ: لقوة سراية العتق، ولاغتفار الغرر اليسير في المهور وعوض الخلع، =
[ ٣ / ١١٦ ]
تلف) المبيع بكيل ونحوه أو بعضه (قبل) قبضه (فمن ضمان البائع)، وكذا: لو تعيَّب قبل قبضه (وإن تلف) المبيع المذكور (بآفة سماوية) لا صنع لآدمي فيها: (بطل) أي: انفسخ (البيع) وإن بقي البعض: خُيِّر المشتري في أخذه بقسطه من الثمن (وإن أتلفه) أي: المبيع بكيل أو نحوه (آدمي) سواء كان هو البائع، أو أجنبيًا: (خُيِّر مشتر بين فسخ) البيع، ويُرجع على بائع بما أخذ من ثمنه (و) بين (إمضاء ومطالبة مُتلفة ببدله) أي: بمثله إن كان مثليًا، أو قيمته إن كان متقوِّمًا (^٨٠)، وإن تلف بفعل مشتر: فلا
ولأن الوصية ملحقة بالإرث، وتصحّ بالمعدوم، فإن قلتَ: إن ما بيع جُزافًا وجملة من مكيل ونحوه يجوز أن يتصرَّف المشتري فيه قبل قبضه، وهو قول المصنف هنا - للسنة القولية: حيث قال ابن عمر: "مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حيًا مجموعًا فهو من مال المشتري" وإذا قال الصحابي: "من السنة" فإن المقصود: سنة النبي ﵇، وهو دالّ على جواز التصرُّف فيما بيع جملة وجزافًا قبل قبضه. قلتُ: هذا معارض للسنة التي ذكرناها؛ لعمومه، ومعارض لنهي النبي ﵇ عن البيع جُزافًا في أعلى السوق إلى أن ينقلوه، فيقدَّمان على حديثهم؛ لقوتهما فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنتين".
(^٨٠) مسألة: إذا تلف المبيع - من مكيل ونحوه - أو تلف بعضه، أو تعيَّب قبل أن يقبضه المشتري: فإنه يضمنه بائعه، ويفسخ البيع، فيُعطي البائع الثمن للمشتري، أو يُعطيه بدله إن كان له بديل ومثيل، أو يُعطيه قيمته إن كان مُتقوِّمًا، وإن تلف كله، بآفة سماوية كأمطار، واحتراق: انفسخ البيع، ورُدَّ للمشتري ثمنه الذي دفعه فيه، أما إن تلف بعضه، وبقي البعض الآخر: خُيِّر المشتري بين أن يفسخ البيع، ويأخذ الثمن، أو يُمضي البيع ويدفع البائع له ما يُقابل ما تلف من المبيع، وكذلك الحكم: إن أتلفه آدمي؛ للتلازم؛ حيث إن السلعة المباعة يضمنها البائع حتى يقبضها المشتري فيلزم من تلفها قبل قبضها: أن يكون ضمانها على البائع، ويثبت الخيار للمشتري دفعًا للضرر عنه. (فرع) إن أتلفه آدمي: فإن على البائع =
[ ٣ / ١١٧ ]
خيار له؛ لأن إتلافه كقبضه (^٨١) (وما عداه) أي: عدا ما اشتري بكيل أو وزن، أو عدٍّ، أو ذرع كالعبد والدار (يجوز تصرُّف المشتري فيه قبل قبضه)؛ لقول ابن عمر: كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم، فنأخذ عنها الدنانير وبالعكس، فسألنا رسول الله ﷺ فقال: "لا بأس أن تُؤخذ بسعر يومها ما لم يتفرَّقا وبينهما شيء" رواه الخمسة، إلا المبيع بصفة، أو رؤية مُتقدِّمة: فلا يصح التصرُّف فيه قبل قبضه (^٨٢) (وإن تلف ما عدا
مطالبة ذلك المتلف له، وليس ذلك على المشتري؛ لملكية البائع له.
(^٨١) مسألة: إذا أتلف المشتري السلعة التي اشتراها قبل قبضها من البائع: فإنه يلزم البيع ولا خيار للمشتري، بل عليه أن يدفع ثمنه للبائع إن لم يكن قد دفعه: سواء كان هذا الإتلاف وقع عمدًا أو خطأ؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المشتري لو قبض المبيع ثم أتلفه: فإنه يلزمه ثمنه، فكذلك لو أتلفه قبل قبضه يلزمه ذلك والجامع: حرمان البائع منه بفعل المشتري.
(^٨٢) مسألة: إذا اشترى زيد عقارًا، أو عبيدًا، أو ثيابًا ونحو ذلك من بكر - غير مكيل أو موزون أو معدود، أو مذروع -: فلا يجوز للمشتري أن يتصرَّف بها ببيع أو إجارة أو نحو ذلك على محمد قبل قبضها، وهو قول الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما لا يجوز فعل ذلك في المكيل والموزون، والمعدود، والمذروع، كما سبق في مسألة (٧٩)، فكذلك لا يجوز ذلك في غيرها من المبيعات والجامع: دفع الضَّرر عن المشتري - وهو هنا زيد - فقد لا يمكنِّه بكر من تسليم العين المباعة لمحمد، فيقع الضرر. الثانية: قول الصحابي: حيث إنه لما روي قوله ﵇: "من ابتاع طعامًا فلا يبيعه حتى يستوفيه" قال ابن عباس: "ولا أحسب غير ذلك إلا مثله"، فإن قلتَ: يجوز للمشتري للعقارات، والحيوانات ونحوها - غير المكيلات والموزونات والمعدودات والمذروعات - أن يتصرف بها قبل قبضها ببيع ونحوه، وهو قول المصنف هنا؛ للسنة القولية: حيث إن ابن عمر قال: كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم فنأخذ عنها الدنانير =
[ ٣ / ١١٨ ]
المبيع بكيل ونحوه فمن ضمانه) أي ضمان المشتري؛ لقوله ﵇: "الخراج بالضَّمان" وهذا المبيع للمشتري: فضمانه عليه، وهذا (ما لم يمنعه بائع من قبضه)، فإن منعه حتى تلف: ضمنه ضمان غصب (^٨٣)، والثمر على الشجر، والمبيع بصفة، أو رؤية سابقة من ضمان بائع (^٨٤)، ومن تعيَّن مُلكه في موروث أو وصية، أو غنيمة:
وبالعكس، فسألنا النبي ﵇ فقال: لا بأس أن تؤخذ بسعر يومها، ما لم يتفرقا وبينهما شيء" قلتُ: هذا لا يدل على جواز تصرُّف المشتري بالمبيع قبل قبضه، بل يدل على جواز صرف الفضة بالذهب وصرف الذهب بالفضة، وهذا جائز بالشرطين المذكورين في الحديث وهما: أن يكون ذلك بالتقابض بالمجلس، والتراضي، وعدم الزيادة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل يصلح حديث ابن عمر للاستدلال به على جواز بيع المشتري للسلعة التي اشتراها قبل قبضها أو لا؟ " فعندنا: "لا، وعندهم: نعم، تنبيه: قوله: "إلا المبيع بصفة" إلى قوله: "قبل قبضه" هذا يقال فيه كما قلنا في مسألتي (٧٩ و٨٢).
(^٨٣) مسألة: إذا تلف المبيع - غير المكيل والموزون، والمعدود، والمذروع - كالعقارات والثياب ونحوهما: يكون من ضمان المشتري بشرط تمكّنه من قبضه: سواء قبضه فعلًا أو لا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "الخراج بالضمان" فخراج المبيع وغلَّته وفائدته لمن هو في ضمانه، وإذا تمكّن المشتري من قبض المبيع فإنه له وضمانه عليه فيسبب ذلك: أن يكون الخراج له، ولم يكن له ردٌّ على البائع، فإن قلتَ: لِمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: لأنه إذا لم يُمكّن البائع المشتري من قبض المبيع، وتلف: فإن البائع هو الذي يضمنه ضمان، غصب، لكونه غصبه حقَّه بلا عذر، فيجب أن يُسلِّم هذا البائع المبيع ونماءه المتصل والمنفصل للمشتري، ولا يكون ضمان عقد: بأن يضمن أحدهما دون الآخر.
(^٨٤) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر شيئًا، وتلف هذا المبيع: فإن المشتري لا يضمنه، ويكون الضمان على البائع في أحوال ستة: أولها: إذا اشترى مكيلًا، أو موزونًا، =
[ ٣ / ١١٩ ]
فله التصرُّف فيه قبل قبضه (^٨٥) (ويحصل قبض ما بيع بكيل) بالكيل (أو) بيع بـ (وزن) بالوزن (أو) بيع بـ (عَدِّ) بالعدِّ (أو) بيع بـ (ذرع بذلك) الذرع؛ لحديث عثمان يرفعه: "إذا بعتَ فكِلْ، وإذا ابتعتَ فاكتل" رواه الإمام، وشرطه: حضور مستحق، أو نائبه (^٨٦)،
أو معدودًا، أو مذروعًا، ثانيها: إذا اشترى شيئًا موصوفًا له مثلًا، ثالثها: إذا اشترى شيئًا قد رآه قبل العقد بمدة، رابعها: إذا اشترى شيئًا قد منعه البائع من قبضه، خامسها: إذا اشترى ثمرًا على شجرة قبل جَذِّه إلى أن يجذَّه المشتري، سادسها: إذا اشترى حبًّا في زرعه؛ للتلازم؛ حيث إن المبيع مُتعلِّق في هذه الأحوال بالتوفية والتسليم بناء على السلامة: فيلزم من تلفها: أن يضمنها بائع؛ لكون المشتري لم يقبضه قبضًا صحيحًا، وأدخله في حرزه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه حماية لحق المشتري.
(^٨٥) مسألة: إذا ثبت لزيد أنه قد ورث دارًا، أو أوصى له بكر بدار، أو غنمها - مثلًا -: فإن له أن يتصرَّف بها ببيع، أو هدية، أو إجارة أو نحو ذلك من التصرّفات ولو لم يقبض تلك الدار؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم العقد عليها عقد معاوضة؛ لأنه ملكها بإرث، أو وصية، أو غنيمة -: أن ملكه لها ملك تام، فلا يحتمل الغرر، أو الفسخ.
(^٨٦) مسألة: يحصل قبض ما بيع بكيل، أو وزن، أو عدٍّ، أو ذرع بنفس الكيل، وبنفس الوزن، وبنفس العد، وبنفس الذرع؛ بشرط: حضور مستحق المبيع، وهو المشتري والبائع، أو نائبه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﵇: "إذا بعتَ فكِلْ، وإذا ابتعت فاكتل" حيث يلزم من ذلك حضور المشتري، والبائع، أو وكيلهما، ودلّ بمفهوم الموافقة على أن الوزن والعدّ والذرع مثل الكيل، لعدم الفارق. فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لأن إبعاده عن جنسه من المكيلات والموزونات والمعدودات والمذروعات: يُعتبر نقلًا.
[ ٣ / ١٢٠ ]
ويصح استنابة من عليه الحق للمستحق (^٨٧)، ومؤنة كيَّال، ووزَّان، وعدَّاد ونحوه على باذل (^٨٨)، ولا يضمن ناقد حاذق أمين خطأ (^٨٩) (و) يحصل القبض (في صبرة وما يُنقل) كثياب وحيوان (بنقله (^٩٠) و) يحصل القبض في (ما يُتناول) كالجواهر والأثمان
(^٨٧) مسألة: يصحّ أن يقوم المشتري بتوكيل البائع، ويصح العكس في الكيل والوزن والعدِّ والذرع كأن يقول المشتري: "قم بالكيل لي" أو يقول البائع: "اكتل لي من هذا"؛ للقياس، بيانه: كما يجوز لكل واحد منهما أن يُوكِّل عنه شخصًا بعيدًا، فكذلك يجوز أن يُوكِّل كل واحد الآخر والجامع: أن كلًّا منهما قد استوثق من الآخر، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للتوسعة على المسلمين.
(^٨٨) مسألة: أجرة الكيَّال، والوزَّان، والعدَّاد، والقائم بالذرع، وتصفية الثمر، والحب ونحو ذلك على بائع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعلُّق حق التوفية على البائع: أن تكون الأجرة عليه؛ لأن الوفاء للمشتري، وتسليمه ما اشتراه لا تحصل إلّا بذلك.
(^٨٩) مسألة: إذا قام شخص بالكيل أو الوزن أو العد، أو الذرع وأخطأ بأن أتلف بعض المكيل، أو الموزون، أو المعدود، أو المذروع: فلا يضمن ما أتلفه بشرط: أن يكون حاذقًا بالكيل، أو الوزن ونحوهما، وأمينًا عدلًا، أما إن لم يكن حاذقًا في مهنته، أو كان كذلك، ولكنه ليس بأمين وعدل: فإنه يضمن ما أتلفه: سواء كان ذلك الشخص قد فعل ذلك بأجرة أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المودَع لا يضمن الوديعة إذا تلفت تحت يده إذا وضعها في حرزها، وهو أمين عدل، ويضمنها إذا لم يكن كذلك، فكذلك هذا الكيال، والوزَّان، والعداد، والذارع مثله، والجامع: أن كلًّا منهما قد اؤتمن على عمل. فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية أموال الناس من أن تؤخذ بالباطل.
(^٩٠) مسألة: يحصل قبض ما بيع مما يُنقل كالصبرة من الطعام - وهي: المجموعة من الطعام تشترى كلها جميعًا صفقة واحدة -، والثياب، والحيوان، والعبيد، =
[ ٣ / ١٢١ ]
(بتناوله)؛ إذ العرف فيه ذلك (^٩١) (وغيره) أي: غير ما ذكر كالعقار، والثمرة على الشجرة قبضه (بتخليته) بلا حائل: بأن يفتح له باب الدار، أو يُسلِّمه مفتاحها ونحوه وإن كان فيها متاع للبائع، قاله الزركشي (^٩٢)، ويُعتبر بجواز قبض مشاع ينقل إذن شريكه (^٩٣) (والإقالة) مستحبة؛ لما روى ابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعًا: "من أقال
والأثاث ونحو ذلك بنقله من مكانه إلى مكان آخر، وإن كان قريبًا؛ للسنة القولية: حيث ورد: "كانوا يتبايعون الطعام جزافًا بأعلى السوق فنهاهم النبي ﵇ أن يبيعوه حتى ينقلوه"، فثبت أنه يحصل قبض ما بيع بالنقل وغير الطعام مثل الطعام؛ لعدم الفارق، لقبولها للنقل، بل غير الطعام أولى بالنقل من الطعام، فيكون من باب "مفهوم الموافقة الأولى"، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه حماية أموال كل واحد من اختلاطها بغيرها، نبذًا للتنازع (فرع) أجرة النقل لذلك على قابض وهو المشتري، لمصلحته؛ وهي إبعاد ماله عن غيره.
(^٩١) مسألة: يحصل قبض المبيع الذي يمكن تناوله باليد كالجواهر، والأثمان: بنفس قبضه باليد؛ للعرف والعادة؛ حيث تعارف الناس على ذلك بدون نكير.
(^٩٢) مسألة: يحصل قبض غير ما سبق - في مسائل (٨٦ و٩٠ و٩١) - كالعقارات: من دور ودكاكين، وسيارات، وثمار ونحو ذلك: بأن يتخلَّى البائع عنه، ويُسلِّمه للمشتري ولا يحول بينهما كأن يفتح له باب الدار، أو يُسلِّمه مفتاحها: سواء وُجد فيها متاع للبائع أو لا، أو يُعطيه مفتاح السيارة؛ للعرف والعادة؛ حيث تعارف الناس على ذلك.
(^٩٣) مسألة: إذا اشترى زيد سهمًا لبكر في شراكته مع محمد شراكة مشاعة وهو يُنقل فإنه يحصل قبضه: عندما يأذن شريكه محمد؛ للتلازم؛ حيث إن قبضه نقله، ولا يُنقل إلّا إذا نقل حصة شريكه: فيلزم إذن شريكه في هذا، ويُسلِّم البائع - وهو بكر - كل الشركة، فيُسلِّم المشتري وهو زيد نصيبه الذي اشتراه منه، ويُسلِّم =
[ ٣ / ١٢٢ ]
مسلمًا: أقال الله عثرته يوم القيامة" (^٩٤) وهي (فسخ)؛ لأنها عبارة عن الرفع والإزالة يُقال: "أقال الله عثرتك" أي: أزالها، فكانت فسخًا للبيع، لا بيعًا (^٩٥)، فـ (تجوز قبل قبض المبيع) ولو نحو مكيل (^٩٦)، ولا تجوز إلّا (بمثل الثمن) الأول قدرًا ونوعًا؛ لأن العقد إذا ارتفع: رجع كل منهما بما كان له (^٩٧)، وتجوز بعد نداء
شريكه الأول - وهو محمد - السهم الآخر، أما إن كان ما فيه الشركة، مشاعًا لا يُنقل: فيحصل قبض زيد: بتخلية بكر عن نصيبه فقط، ولا يُعتبر إذن الشريك الآخر - وهو محمد - للتلازم؛ حيث إن التخلية هو طريق القبض هنا فيلزم.
(^٩٤) مسألة: الإقالة - وهي أن يُقيل أحد المتبايعين، ولا يلزمه بالعقد، فيردُّ البائع الثمن إلى المشتري، أو يردُّ المشتري إلى البائع سلعته - مستحبة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من أقال مسلمًا ببيعة: أقال الله عثرته يوم القيامة": أي: غفر الله زلَّته وخطيئته، ويلزم من الاشتراط هنا: حكم الاستحباب، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه قد يحصل ندم منهما، أو من أحدهما على البيع أو الشراء، فيُحسُّ بوقوع الضرر عليه، فدفعًا لذلك: استُحبت الاستقالة.
(^٩٥) مسألة: الإقالة فسخ لعقد البيع، أي: رفع له من حين الفسخ، لا من أصله، فيكون ما حصل من نماء وكسب متّصل أو منفصل قبل الإقالة فهو للمشتري؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لفظ "الإقالة": الرفع والإزالة، وهذا معنى الفسخ، فتكون الإقالة فسخ.
(^٩٦) مسألة: تجوز الإقالة مُطلقًا: أي سواء كان قبل القبض أو بعده، وسواء كان المبيع مكيلًا أو موزونًا، أو معدودًا، أو مذروعًا، أو غير ذلك من أنواع السلع؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من أقال مسلمًا ببيعة: أقال الله عثرته" وهذا عام لما ذكرناه؛ لأن "مَنْ" الشرطية من صيغ العموم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الإقالة فسخ والفسخ لا يُعتبر فيه القبض ولا نوع المبيع.
(^٩٧) مسألة: إذا وقعت الإقالة: فيجب أن يردَّ البائع الثمن بجنسه، وقدره ونوعه إلى =
[ ٣ / ١٢٣ ]
الجمعة (^٩٨)، ولا يلزم إعادة كيل أو وزن (^٩٩)، وتصح من مضارب، وشريك (^١٠٠)، وبلفظ صلح وبيع، ومعاطاة (^١٠١)، ولا يحنث بها من حلف: "لا يبيع" (^١٠٢) (ولا
المشتري، ويجب أن يردَّ المشتري السلعة بجنسها وقدرها، ونوعها. دون زيادة كل واحد منهما بحق الآخر في ذلك، ولا نقصانه؛ للتلازم؛ حيث إن الإقالة فسخ، وهو ارتفاع العقد، ويلزم من ذلك: رجوع كل واحد منهما بما كان له قبل العقد، فيحرم أن يأخذ كلُّ واحد أكثر من حقه.
(^٩٨) مسألة: تجوز الإقالة بعد النداء الثاني لصلاة الجمعة؛ للتلازم؛ حيث إن كون الإقالة ليست بيعًا يلزم منه: جوازها بعد النداء الثاني للجمعة؛ لكون النهي قد ورد على ما فيه معاوضة في بيع ونحوه؛ لقوله تعالى: ﴿وذورا البيع﴾ فإن قلت: لِمَ فرِّق بين الإقالة والبيع هنا؟ قلتُ: لأن البيع مشغل لقلب المؤمن عن الصلاة، والإصغاء لما يُقال في الخطبة؛ حيث سيُفكر المشتري بالسلعة التي اشتراها، وسيفكر البائع بالثمن الذي قبضه وهذا قد اعتاد الناس عليه وعلى كل شيء جديد، أما الإقالة: فستُريح قلب المؤمن؛ إذ فيه تخلُّص مما قد يُشغل قلبه.
(^٩٩) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر مبيعًا مكيلًا أو موزونًا أو معدودًا، أو مذروعًا، وأقال أحدهما الآخر وردَّ كل واحد لصاحبه ما أخذه منه: فلا يلزم إعادة كيل المكيل، ولا وزن الموزون، ولا عدَّ المعدود، ولا ذرع المذروع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الإقالة رفعًا للعقد وإزالة له: عدم الاحتياج لإعادة ذلك.
(^١٠٠) مسألة: تصح الإقالة من شريك مضارب ونحوه، سواء أذن شريكه أولا؛ للسنة القولية: وهو حديث: "من أقال مسلمًا ببيعة … " حيث إنه عام لما ذكر.
(^١٠١) مسألة: تصح الإقالة بأيِّ لفظ دلَّ على معنى: الإزالة والفسخ: كلفظ "صلح" أو بيع، أو معاطاة؛ للقياس، بيانه: كما أن البيع يصح في كل لفظ فيه معنى البيع، فكذلك الإقالة، والجامع: حصول المقصود من الكل.
(^١٠٢) مسألة: من حلف قائلًا: "والله لا أبيعنَّ" فإنه لا يحنث إذا أقال أحدًا في =
[ ٣ / ١٢٤ ]
خيار فيها) أي: لا يثبت في الإقالة خيار مجلس، ولا خيار شرط ونحوه (ولا شفعة) فيها؛ لأنها ليست بيعًا (^١٠٣)، ولا تصح مع تلف مثمن، أو موت عاقد، ولا بزيادة على ثمن، أو نقصه، أو غير جنسه (^١٠٤)، ومؤنة ردِّ مبيع تقايلاه على بائع (^١٠٥).
بيعة، أو أُقيل هو؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونها ليست بيعًا: عدم الحنث بها إذا حلف بالبيع.
(^١٠٣) مسألة: لا يثبت في الإقالة أيُّ نوع من أنواع الخيار الثمانية، ولا شفعة فيها؛ للتلازم؛ حيث إن المقتضي للخيار، والشفعة هو البيع، فيلزم عدم ثبوتهما في الإقالة؛ لأنها فسخ، وليست بيعًا.
(^١٠٤) مسألة: لا تصح الإقالة في حالات خمس: أولها: إذا تلفت السلعة المباعة أما إذا تلف الثمن فتصح، ثانيها: إذا مات أحد المتعاقدين، أو غاب، ثالثها: إذا زاد أحد المتبايعين على الثمن، رابعها: إذا نقَّص أحدهما من الثمن، خامسها: إذا ردَّ غير جنس السلعة أو ثمنها؛ للتلازم؛ حيث إن فوات محل الفسخ، وعدم إمكان الإقالة من غير العاقد نفسه، ووجوب ردِّ الأمر على ما كان عليه قبل العقد في الإقالة من قدر الثمن والمثمن وجنسهما يلزم منه: عدم صحتها في تلك الأحوال.
(^١٠٥) مسألة: إذا قبل البائع إقالة المشتري: فأجرة نقل ومؤنة المبيع على ذلك البائع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من رضاه ببقاء المبيع أمانة بيد المشتري: أن مؤونتها عليه بعد التقايل كالوديعة
هذه آخر مسائل باب "الخيار، وقبض المبيع، والإقالة" ويليه باب "الربا والصرف".
[ ٣ / ١٢٥ ]