"الربا" مقصور، وهو: لغة: الزيادة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ أي: علت، وشرعًا: زيادة في شيء مخصوص، والإجماع على تحريمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^١) و"الصَّرف": بيع نقد بنقد، قيل: سُمِّي به لصريفهما،
باب الرِّبا والصَّرف
وفيه ثلاث وأربعون مسألة:
(^١) مسألة: "الربا" لغة: الزيادة من قولهم: "ربى الشيء يربو" أي: زاد وعلا وهو في الاصطلاح: الزيادة في أشياء مخصوصة يُحرَّم بينها التفاضل في البيع، فإن قلت: لِمَ قُيِّد التعريف بـ "الأشياء المخصوصة"؟ قلتُ: لأن الربا والزيادة يحرم في أشياء مخصوصة وهي: الأموال الربوية وهي: ستة: "بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح" ويُقاس عليها كل شيء موزون مثل الذهب، والفضة، وكل شيء مكيل مثل البر، والتمر، والشعير والملح كالأرز والذرة، وكل ما يُعطي الطعام شهية كالتوابل وهي مكيلة، فكل تلك الأمور لا يجوز الترابي فيها إجماعًا: سواء كان ربا فضل - وهو الزيادة الحالية: كبيع صاع بُرٍّ جيد بصاعين بُرٍّ رديء - أو كان ربا نسيئة - وهو التأجيل بزيادة، كأن يبيعه سيارة بعشرة آلاف إلى سنة، فإذا انتهت السنة قال البائع للمشتري: "أُمهلك إلى سنة أخرى ويكون السعر عشرين ألفًا"، لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وهو عام لربا الفضل، ولربا النسيئة؛ لأن لفظ "الرِّبا" اسم جنس معرَّف بأل، وهو من صيغ العموم، الثانية: السنة القولية وهي من وجوه: أولها: قوله ﵇: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير والملح بالملح مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" فاشترط في بيع المثل =
[ ٣ / ١٢٦ ]
وهو: تصويتهما في الميزان، وقيل: لانصرافهما عن مقتضى البياعات: من عدم جواز التفرّق قبل القبض ونحوه، والربا: نوعان: ربا فضل، وربا نسيئة (^٢) و(يُحرَّم ربا الفضل في) كل (مكيل) بيع بجنسه مطعومًا كان كالبر، أو غيره كالأشنان (و) في كل (موزون بيع بجنسه) مطعومًا كان كالسكَّر، أو لا كالكتَّان؛ لحديث عبادة بن الصامت
بالمثل: أن يكون كل واحد من المباع مثل الآخر بدون زيادة أو نقصان، وأن يكون يدًا بيد، أما إن لم يكن كذلك: فهذا هو بيع الربا المحرم. ثانيها: قوله: "اجتنبوا السبع الموبقات" ثم قال: "وأكل الربا" ثالثها: قوله: "لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه" والإهلاك بسبب الربا واللعن عقاب، ولا يُعاقب الشارع إلّا على فعل محرم، فيكون الربا حرامًا. الثالثة: المصلحة؛ حيث إن ربا الفضل قصد الشارع تحريمه كما ورد في الحديث؛ لما فيه من الزيادة على الفقير، أو المحتاج، فيستمر في مُعاناة فقره، وحُرِّم ربا النسيئة؛ لكونه يؤدِّي إلى ربا الفضل، ووسيلة إلى الوقوع فيه، وكل ذلك من أجل حماية المجتمع من ظلم بعض الناس لبعض، وأكل أموال بعضهم بالباطل، فيُفضي إلى التباغض والتناحر، والتنازع.
(^٢) مسألة: "الصَّرف" لغة: النقل والرَّد، ومنه قولهم: "صرفتُ الدابة" أي: رددتها، و"صرفتُ كلامي" أي: نقلته من معنى إلى معنى، وهو في الاصطلاح: بيع نقد بنقد: سواء اتَّحد الجنس كصرف دنانير عراقية بدنانير أردنية أو اختلف كصرف دنانير بدراهم، وهو جائز بشرطه كما سيأتي في مسألة (٣٤) فإن قلت: لِم سُمِّي بذلك؟ قلتُ: نظرًا لانصراف حكمها عن مُقتضى البياعات في بعض الصور، وقيل: لظهور صوت الدراهم والدنانير في الميزان، والصوت يُسمَّى عند العرب: صريفًا، والأول أولى؛ لعلاقته بما نحن فيه، تنبيه: قوله: "والربا نوعان .. إلخ" قد سبق بيانه في مسألة (١)، فإن قلت: لِمَ جاز الصرف في الشريعة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن بعض النقود أفضل من بعض من حيث القيمة والانتشار، فلذلك جاز؛ للتوسعة على الناس في ذلك.
[ ٣ / ١٢٧ ]
مرفوعًا: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلًا بمثل، يدًا بيد" رواه أحمد ومسلم، ولا ربا في ماء، ولا فيما لا يوزن عرفًا لصناعته كفلوس غير ذهب وفضة، ولا في مطعوم لا يُكال، ولا يُوزن كبيض وجوز (ويجب فيه) أي: يُشترط في بيع مكيل أو موزون بجنسه مع التماثل (الحلول والقبض) من الجانبين بالمجلس؛ لقوله ﵇ فيما سبق: "يدًا بيد" (^٣)
(^٣) مسألة: يحرم ربا الفضل في كل شيء مكيل - من التمر، والبر، والشعير والملح - بيع بجنسه: سواء كان مطعومًا مثل ما سبق وما يُقاس عليها كالأرز والعدس، أو كان غير مطعوم كحب القطن، والأشنان، وفي كل شيء موزون بيع بجنسه كالذهب والفضة، أو ما قيس عليهما كالسكَّر، والكتان، فلا يباع ما سبق إلّا بشرطين: أولهما: التساوي والتماثل، وهذا لا يُعرف إلا بمعيار شرعي وهو: الكيل والوزن؛ للسنة القولية: وهو قوله: "مثلًا بمثل سواء بسوا" وقد سبق هذا الحديث في مسألة (١). فاشترط التماثل والتساوي، ثانيهما: أن يقبض المشتري المبيع، ويقبض البائع الثمن في الحال قبل التفرق؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "يدًا بيد" في الحديث السابق؛ حيث اشترط الحلول، والتقابض، فيحرم - على هذا - بيع بر ببر إلّا بهذين الشرطين، فإن باع صاعًا من البر الجيد بصاعين من بر رديء: فلا يجوز؛ للزيادة، لكن لو باع صاعًا من بر بعشرة أصواعٍ من شعير أو تمر، أو ملح: لجاز ذلك؛ لكونه ليس من جنسه، ولو باع صاعًا من بر حالًا، بصاع من بر إلى سنة: فيحرم؛ لعدم التقابض في الحال، والحاصل: أنه لا ربا فيما لا يُكال، ولا يُوزن عرفًا، لصناعته - كفلوس غير الذهب والفضة، ومعمول الصفر، والنحاس، والرصاص، والماء، والبيض، وجوز الهند، والتفاح، والبرتقال، والبطيخ، والرمان -؛ إذ لم تكن هذه الأشياء تُكال ولا توزن - فيجوز بيع إناء بإناءين، وبيع تفاحة بتفاحتين، وبيضة ببيضتين، وماء قليل بماء كثير، وبالعكس، وبيع دار بدارين، وسيارة بسيارتين، =
[ ٣ / ١٢٨ ]
(ولا يُباع مكيل بجنسه إلا كيلًا) فلا يُباع بجنسه وزنًا، ولو تمرة بتمرة (ولا) يُباع (موزون بجنسه إلا وزنًا) فلا يصح كيلًا؛ لقوله ﵇: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن، والفضة بالفضة وزنًا بوزن، والبر بالبر كيلًا بكيل، والشعير بالشعير كيلًا بكيل" رواه الأثرم من حديث عبادة بن الصامت، ولأن ما خُولف معياره الشرعي لا يتحقق فيه التماثل، والجهل به كالعلم بالتفاضل، ولو كيْل المكيل، أو وُزن الموزون فكانا سواء: صح (ولا) يُباع (بعضه) أي: بعض المكيل أو الموزون (ببعض) من جنسه (جزافًا)؛ لما تقدم ما لم يعلما تساويهما في المعيار الشرعي، فلو باعه صبرة بأخرى وعلما كيلهما وتساويهما، أو تبايعاهما مثلًا بمثل، وكيلتا فكانتا سواء: صح، وكذا: زُبرة حديد بأخرى من جنسها (^٤) (فإن اختلف الجنس) كبر بشعير،
وثوب بثوبين، وعبد بعبدين، وكتاب بكتابين وهكذا؛ لكون هذه الأشياء ليست ربوية؛ لانعدام إما الكيل أو الوزن فيها.
(^٤) مسألة: تكون المساواة والقبض المشروطين: ببيع كل مكيل بجنسه كيلًا - وهو: تقدير الشيء بالحجم - وببيع كل موزون بجنسه وزنًا - وهو: تقدير الشيء بالثقل والخفَّة - وبناء على ذلك: فلا بدَّ أن يُباع البر، والتمر، والشعير، والملح، والأرز، والذرة بما يُساويه عن طريق المكيال، ولا بدَّ أن يُباع الذهب، والفضة بما يساويه وزنًا، فلو بيع برٌّ بجنسه وزنًا: فلا يصح، ولو بيع ذهب بجنسه كيلًا: فلا يصح، وكذلك لا يجوز بيع بعض المكيل ببعض من جنسه جُزافًا - وهو بيع الشيء بالشيء بلا كيل ولا وزن -؛ لعدم معرفة التساوي، ولو بيع مجموعة من البر بمجموعة من البر، وعلم البائع والمشتري كيلهما وتساويهما: لصح البيع، ولو بيعت زبرة وكومة من الحديد بأخرى من جنسه: وعلما تساويهما بالمعيار الشرعي لصح أيضًا، أما إذا لم يعلما ذلك: فلا يصح؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة وزنًا بوزن، والبر بالبر كيلًا بكيل"، الثانية: التلازم؛ حيث إن جعل الشارع معيارًا شرعيًا =
[ ٣ / ١٢٩ ]
وحديد بنحاس: (جازت الثلاثة) أي: الكيل، والوزن، والجزاف؛ لقوله ﵇: "إذا اختلفت هذه الأشياء: فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد" رواه مسلم وأبو داود (^٥) (والجنس: ماله اسم خاص يشمل أنواعًا) فالجنس هو: الشامل لأشياء
تُعرف فيه مقادير الأشياء - وهو: الكيل لما يُكال، والوزن لما يُوزن -: يلزم منه عدم صحة بيع شيء بشيء من جنسه إلّا بهذا التماثل، فإن خُولف: لزم منه عدم تحقق ذلك، مما يؤدِّي إلى عدم صحته الشرعية.
(^٥) مسألة: إذا باع زيد شيئًا ربويًا بربوي من جنسه - وهي الأشياء الستة: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح - فلا يصح إلا بشرطين: أولهما: التقابض في المجلس قبل التفرُّق، ثانيهما: التساوي دون زيادة، وهذا يُعرف بالمعيار الشرعي - وهو: الكيل لما يُكال، والوزن لما يُوزن - وقد سبق هذا في مسألة (٣)، أما إذا باع ربويًا بربوي من غير جنسه كبيع البر بالشعير: فإنه يُشترط الشرط الأول فقط - وهو التقابض في المجلس - دون الشرط الثاني: فيجوز على هذا: أن يُباع عن طريق الكيل، أو الوزن ويُباع جزافًا - بدون علم بقدره -: فيُباع صاع بر بصاعين من شعير ونحو ذلك، ويُباع بر بتمر وزنًا، ويُباع بعض البر ببعض التمر جزافًا، وإن لم يعلم التقدير؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اختلاف الجنس: جواز هذا البيع، أما إذا اختلفت الثلاثة - وهو: الكيل، والوزن، والجزاف: فلا يُشترط شيء، أي: يجوز البيع مُطلقًا: فلو بيع ربوي بغير ربوي، فيجوز التفاضل، ويجوز التفرّق قبل القبض مثل: أن يبيع برًا بثوب، أو أرز بسيارة أو تمر بعبد ونحو ذلك؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "فإذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" والمراد: يجوز بيع المكيل بالموزون، والموزون بالمكيل، والجزاف بالمكيل والموزون؛ وبيع بيع بعضه ببعض كيلًا، ووزنًا، وجزافًا، ولكن بشرط: أن يكون يدًا بيد.
[ ٣ / ١٣٠ ]
مختلفة بأنواعها، والنوع: هو الشامل لأشياء مختلفة بأشخاصها، وقد يكون النوع جنسًا، وبالعكس، والمراد هنا: الجنس الأخص والنوع الأخص، فكل نوعين اجتمعا في اسم خاص فهو جنس، وقد مثَّله بقوله: (كبر ونحوه) من شعير وتمر، وملح (وفروع الأجناس كالأدقة والأخباز، والأدهان) أجناس؛ لأن الفرع يتبع الأصل، فلما كانت أصول هذه أجناسًا: وجب أن تكون هذه أجناسًا، فدقيق الحنطة جنس، ودقيق الذرة جنس، وكذا البواقي (^٦) (واللحم أجناس باختلاف أصوله)؛ لأنه فرع أصول هي أجناس، فكان أجناسًا كالأخباز (^٧)، والضأن، والمعز جنس واحد، ولحم البقر والجواميس جنس، ولحم الإبل جنس وهكذا (^٨) (وكذا
(^٦) مسألة: الجنس: هو الذي تحته عدد من أنواع مختلفة: فالحيوان جنس تحته نوعان: "حيوان ناطق" و"حيوان غير ناطق"، والنوع - وهو الحيوان الناطق -: تحته عدد من الأشخاص، وهو زيد وبكر ومحمد وهكذا، وكذلك: "البر" جنس تحته أنواع هي: "القمح" و"اللقيمي" و"الحنطة"، وكل نوع يتميز بشيء لا يتميز به الآخر، و"النوع" وهو "القمح" تحته أشخاص وهي: "القمح الأحمر، والقمح الأسود" وهكذا، وكذلك يقال في "الشعير" و"التمر" و"الملح"، وما تفرَّع عن الأجناس: أجناس لكنها تابعة لأصولها في جريان الربا: فدقيق الحنطة جنس يتبع الحنطة ودقيق الشعير جنس يتبع الشعير وهكذا.
(^٧) مسألة: يُعتبر لحم كل حيوان بعينه جنس، لا يُباع بعضه ببعض إلا بالشرطين السابقين في مسألة (٥) وكل جنس تابع لأصله؛ للقياس، بيانه: كما أن خبز البر من جنس أصله البر، فلا يجوز بيع البر بخبزه، فكذلك اللحم من جنس الحيوان الذي أُخذ منه فلا يجوز بيع الناقة بلحم ناقة أخرى.
(^٨) مسألة: الضأن والمعز من جنس واحد، فلا يجوز بيع لحم الضأن بالمعز، أو العكس إلّا بالشرطين السابقين في مسألة (٥)؛ لاتحاد الجنس، ولذلك يقال في البقرة والجاموسة هما من جنس واحد.
[ ٣ / ١٣١ ]
اللَّبن) أجناس باختلاف أصوله؛ لما تقدَّم (^٩) (واللحم، والشحم، والكبد) والقلب، والإلية، والطحال، والرئة، والأكارع (أجناس)؛ لأنها مختلفة في الاسم والخلقة، فيجوز بيع جنس منها بآخر متفاضلًا (^١٠)، (ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه)؛ لما روى مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب: أن النبي ﷺ: "نهى عن بيع اللحم بالحيوان" (ويصح) بيع اللحم (بـ) حيوان من (غير جنسه) كلحم ضأن ببقرة؛ لأنه ليس أصله، ولا جنسه: فجاز، كما لو بيع بغير مأكول (^١١) (ولا يجوز بيع حب) كبر (بدقيقه ولا سويقه)؛ لتعذُّر التساوي؛ لأن أجزاء الحب تنتشر بالطحن، والنار قد أخذت من السويق، وإن بيع الحب بدقيق أو سويق من غير جنسه: صحَّ؛ لعدم
(^٩) مسألة: اللَّبن من جنس الحيوان الذي حُلب منه، ولذا: فلا يجوز بيع صاع من لبن البقر بصاع أو أكثر من لبن بقر آخر؛ لاتحاد الجنس، لكن يجوز بيع صاع من لبن بقر بصاع أو أكثر من لبن غنم، للتلازم؛ حيث يلزم من اختلاف الجنس: جوازه.
(^١٠) مسألة: ما يوجد داخل الحيوان من لحم وشحم وكبد، وقلب، ورئة، ومصران، ونحوها أجناس مختلطة بعضها عن البعض الآخر، فيجوز أن يشتري كيلو من اللحم بأكثر منه من الشحم، أو يشتري قلبًا ورئة بكيلو من اللحم؛ إذا كان يدًا بيد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اختلاف ذلك في جنسه: جوازه.
(^١١) مسألة: لا يصح بيع لحم بحيوان من جنس ذلك الحيوان الذي أخذ منه ذلك اللحم كبيع لحم ضأن بضأن حي، أما إن بيع ذلك اللحم بغير جنسه: فيصح مثل أن يبيع لحم ضأن ببقرة حية؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "نهى ﵇ عن بيع اللحم بالحيوان" والتلازم هو الذي خصَّصه وحمله على جنسه؛ لكونه أصله وجنسه الذي لا يفترق عنه، الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز بيع اللحم بثوب، فكذلك يجوز بيع لحم الضأن بغير جنسه كبقرة والجامع: أن كلاًّ منهما ليس بأصله، ولا جنسه.
[ ٣ / ١٣٢ ]
اعتبار التساوي إذًا (^١٢) (و) لا بيع (نيئة بمطبوخه) كالحنطة بالهريسة، أو الخبز بالنشأ؛ لأن النار تعقد أجزاء المطبوخ، فلا يحصل التساوي (^١٣) (و) لا بيع (أصله بعصير) كزيتون بزيت، وسمسم بشيرج، وعنب بعصيره (^١٤) (و) لا بيع (خالصه بمشوبه) كحنطة فيها شعير بخالصه، ولبن مشوب بخالص؛ لانتفاء التساوي المشترط، إلا أن يكون الخلط يسيرًا، وكذا: بيع اللَّبن بالكشك، ولا بيع الهريسة، والحريرة، والفالوذج، والسنبوسك بعضه ببعض، ولا بيع نوع منها بنوع آخر (^١٥) (و) لا بيع
(^١٢) مسألة: إذا باع برًا بدقيق البر - وهو طحينه - أو باع برًا بسويقه - وهو: الحب المحمَّص بالنار -: فلا يصح؛ أما إن باع البر بدقيق الشعير، أو باع الشعير بسويق البر: فيصح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون دقيق البر من جنس البر وسويق البر من جنس البر، وتعذُّر تساويهما: عدم صحّة ذلك، ويلزم من عدم اعتبار التساوي إذا اختلفت الأجناس: صحة بيع دقيق البر بالشعير، وبيع سويق البر، بالتمر، فإن قلت: لِمَ شرع الحكم في الحالة الأولى؟ قلتُ: لأن البر إذا طُحن يزيد كيله، وإذا حُمِّص الحب لأجل السويق ينقص كيله، فلم يستويا.
(^١٣) مسألة: لا يصح بيع نيء بر وشعير ونحوهما بمطبوخهما؛ لكن يجوز بيع نيء البر بمطبوخ الشعير أو التمر؛ للتلازم، وقد بيّناه في المسألة (١٢)، فإن قلت: لِمَ شرع الحكم هنا؟ قلت: لأن المطبوخ يكون فيه ماء عادة، وهذا يزيد من كيله فلم يجز.
(^١٤) مسألة: لا يصح بيع أصل شيء بعصيره كبيع الزيتون بعصيره - وهو زيت الزيتون - وبيع العنب: بعصيره - ونحو ذلك ويصح بيع الشيء بعصير غيره كبيع الزيتون بعصير العنب، وبيع العنب بزيت الزيتون وهكذا؛ للتلازم، وقد بيّناه في مسألة (١٢).
(^١٥) مسألة: لا يصح بيع شيء خالص بشيء مشوب من الأنواع الربوية كبيع اللَّبن الخالص الصافي بلبن قد وُضع فيه تمر أو طحين ونحو ذلك، أو بيع بر خالص ببر قد وضع فيه شعير، ولحم ونحو ذلك، ولا بيع نوع منها بنوع آخر مشوب كبيع =
[ ٣ / ١٣٣ ]
(رطبه بيابسه) كبيع الرطب بالتمر، والعنب بالزبيب؛ لما روى مالك وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص: أن النبي ﷺ سئل عن بيع الرطب بالتمر قال: "أينقص الرطب إذا يبس؟ " قالوا: نعم، فنهى عن ذلك (^١٦) (ويجوز بيع دقيقه) أي: دقيق الرِّبوي (بدقيقه إذا استويا في النعومة)؛ لأنهما تساويا حال العقد على وجه لا ينفرد أحدهما بالنقصان (و) يجوز بيع (مطبوخه بمطبوخه) كسمن بقري بسمن بقري مثلًا بمثل (و) يجوز بيع (خبزه بخبزه إذا استويا في النشاف)، فإن كان أحدهما أكثر رطوبة من الآخر: لم يحصل التساوي المشترط، ويُعتبر التماثل في الخبز بالوزن كالنشأ؛ لأنه يقدر به عادة، ولا يمكن كيله، لكن إن يبس ودُقَّ، وصار فتيتًا: بيع بمثله كيلًا (و) يباع (عصيره بعصيره) كماء عنب بماء عنب (ورطبه برطبه) كالرُّطب والعنب بمثله؛ لتساويهما (^١٧)، ولا يصح بيع المحاقلة وهي: بيع الحبِّ المشتدِّ في سنبله بجنسه، ويصح
خبز بهريسة، لكن يصح بيع بر خالص بشعير ليس بخالص؛ للتلازم وقد بيّناه في مسألة (١٢).
(^١٦) مسألة: لا يصح بيع رطب شيء من الربوي بشيء من يابسه كبيع الرطب بالتمر، وبيع العنب بالزبيب؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﵇: "نهى عن بيع الرطب بالتمر اليابس" والنهي مطلق فيقتضي التحريم والفساد، الثانية: التلازم؛ حيث إن عدم تساويهما؛ إذ أحدهما أنقص من الآخر: يلزم منه: عدم الصحة، فيكون من باب الربا. تنبيه: ما ذكره المصنف هي أنواع من الأطعمة في عصره، ويُمكن أن يُمثَّل لذلك بالأطعمة المعاصرة.
(^١٧) مسألة: إذا تساوت الأشياء الربوية مع بعضها في الكيل والصفة: فيجوز بيعها ببعضها؛ ولذا: يجوز بيع الدقيق بالدقيق من جنسه، ويجوز بيع مطبوخ الأرز بمطبوخ الأرز، والسمن بالسمن، ويجوز بيع يابسه بيابسه كبيع الخبز، بالخبز ويجوز بيع عصيره بعصيره كبيع عصير العنب بعصير العنب، ويجوز بيع رطبه برطبه كبيع رُطب التمر برطب تمر آخر، والعنب بالعنب وهذا كله بشرط: =
[ ٣ / ١٣٤ ]
بغير جنسه (^١٨)، ولا بيع المزابنة وهي: بيع الرُّطب على النخل بالتمر (^١٩)؛ إلا في
التساوي والمثلية والتقابض في الحال بين السلعتين؛ أما إن اختلف الدقيق عن الدقيق الآخر بثقل، أو بكثرة ماء، أو اختلف الخبز عن الخبز الآخر بأي اختلاف يؤثر في الثمن والمصلحة: فلا يجوز البيع؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح مثلًا بمثل، سواء بسواء يدًا بيد" فاشتراط في بيع الطعام بالطعام التماثل، والتساوي، والتقابض، ودلّ بمفهوم الصفة: على أنه إذا اختلف أحدهما عن الآخر: فلا يصح البيع، تنبيه: قد يكون فيما سبق من المسائل بعض تكرار الأمثلة وهذا يفعله كثير من العلماء، للمصلحة: حيث إن الناس بحاجة لأن يُصوَّر لهم ما يجري فيه الربا من الأطعمة وما لا يجري.
(^١٨) مسألة: يحرم بيع المحاقلة وهو: أن يبيع المزارع حبَّ الزرع المشتد وهو ما زال في سُنبله بحبٍّ من جنسه. كأن يبيع حبَّ بُرٍّ وهو في سنبله ببرٍّ ليس في سُنبله وإذا وقع فهو فاسد. ويصح بيع حب بُرٍّ مشتد في سنبله بحب من غير جنسه كبيعه بحب الشعير، أو بالتمر ونحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "نهى ﵇ عن بيع المحاقلة" والنهي مُطلق فيقتضي التحريم، والفساد، الثانية: التلازم، حيث يلزم من الجهل بالتساوي بين الحبِّ في سُنبله، وبين الحبِّ في غير سُنبله: عدم صحّة البيع، ويلزم من اشتراط التساوي بين الحب في سُنبله والحب من الشعير، أو التمر: صحة البيع إذا وُجد التقابض، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المسلمين من الظلم؛ لعدم التساوي بين المبيعين، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي ذلك بالمحاقلة؟ قلتُ: أخذًا من الحقل، وهو المكان الذي فيه زرع تشعَّب ورقه - كما في المصباح (١٤٤) -.
(^١٩) مسألة: يُحرم بيع المزابنة وهو: أن يبيع المزارع الرُّطب على رؤوس النخل بالتمر يابسًا كيلًا، وإذا وقع البيع: فهو فاسد؛ للسنة القولية: حيث نهى ﵇ =
[ ٣ / ١٣٥ ]
العرايا: بأن يبيعه خرصًا بمثل ما يؤول إليه إذا جفَّ كيلًا فيما دون خمسة أوسق لمحتاجٍ لرطبٍ، ولا ثمن معه بشرط الحلول والتقابض قبل التفرُّق، ففي نخل بتخليته، وفي تمر بكيل (^٢٠)،
عن بيع التمر بالتمر إلّا أصحاب العرايا" والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التمر والرطب على رؤوس النخل يختلف كيله ووزنه عن التمر اليابس، فلا يحصل تساو بينهما، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي ذلك بالمزابنة؟ قلتُ: أخذًا من زبن، يزبن والمراد: الدافع، ومنه قيل للمشتري "زبون"؛ لأنه يدفع غيره عن أخذ المبيع - كما في المصباح (٢٥١) - فائدة: لا يصح بيع كل رطب بيابس كبيع العنب بالزبيب؛ قياسًا على ما سبق.
(^٢٠) مسألة: - تصح العرايا - وهي: بيع الرطب على النخلة بمثله تمرًا كيلًا - وهي: مستثناة من "بيع المزابنة" بشروط: أولها: أن يكون هذا عن طريق الخرص وهو تخمين العارف بأن هذا الرطب إذا جف يساوي ذلك التمر كيلًا: بأن يقول: "هذا الرُّطب إذا جف يُساوي عشرين كيلوجرام تمرًا، فيُعطيه المشتري هذه العشرين، ويأخذ النخلة التي فيها الرُّطب، ثانيها: أن لا يزيد من التمر عن أربعة أوسق، ثالثها: أن يكون المشتري بحاجة إلى ذلك. رابعها: أن لا يُوجد مع المشتري نقد يشتري به رُطبًا، خامسها: أن يكون الرطب لا زال موجودًا على رؤوس النخل، سادسها: أن يوجد تقابض وحلول في مجلس العقد، وتُقبض النخلة بأن يُخلِّي البائع بينها وبين المشتري، ويُقبض التمر بمجرَّد الكيل؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما أنه ﵇ "نهى عن بيع المزابنة ورخَّص في العرايا بأن تشترى بخرصها يأكلها أهلها رُطبًا" وفي رواية: "فيما دون خمسة أوسق" وهي زيادة ثقة مقبولة، ثانيهما: أنه شكى إلى رسول الله ﵇ أناس لا نقد معهم يبتاعون به رُطبًا، ويأكلون مع الناس، وعندهم فضول قوتهم من التمر، فرخَّص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر، وهذان النصان قد أثبتا الشروط الأربعة =
[ ٣ / ١٣٦ ]
ولا تصح في بقية الثمار (^٢١) (ولا يُباع ربوي بجنسه، ومعه) أي: مع أحد العوضين
الأولى، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط الخامس؟ قلتُ: للمصلحة؛ إذ لو جُذَّ الرطب من النخل لفسد، وفاتت الفائدة منه، فإن قلتَ: لِمَ اشترط السادس؟ قلتُ: لأنه بيع مكيل بمكيل من جنسه فالرطب من جنس التمر، فاعتبر فيه التقابض والحلول، فإن قلتَ: لِمَ أُبيحت العرايا؟ قلتُ: للمصلحة، وهي مراعاة هذا الفقير الذي لا يقدر على شراء رُطب، فأباح الشارع له هذه الطريقة للتخلُّص من الحرج وكذا: لمراعاة المزارع الذي باع نخلًا على شخص فتأذى المزارع من ذلك الشخص فيشتريها منه بتمر كيلًا، فإن قلتَ: لِمَ سمي ذلك بالعرايا؟ قلتُ: لأن مفرده: العرية وهي: التخلية والعزل، وأطلقت على النخلة التي تعزل عن المساومة عند بيع النخل، فيُعريها صاحبها رجلًا محتاجًا، - كما ورد في اللسان (١٥/ ٥٠) وقد أطال ابن منظور الكلام فيها على غير عادته، فإن قلتَ: لِمَ حُدِّد ما يحصل فيه العرايا بما دون خمسة أوسق؟ قلتُ: لئلا يصل إلى الحدّ الذي يوجب الزكاة.
(^٢١) مسألة: تصح العرايا في كل الثمار مما يُشابه الرُّطب مع التمر، مثل: بيع العنب بالزبيب بالشروط السابقة - في مسألة (٢٠) - وهو مذهب أكثر العلماء، للقياس؛ بيانه: كما يجوز بيع الرطب بالتمر، فكذلك يجوز بيع العنب بالزبيب والجامع: سدِّ حاجة الفقير، ومراعاة حاله، فإن قلتَ: لا تصح العرايا في بقية الثمار، وهو ما ذكره المصنف هنا للسنة القولية: حيث إنه ﵇: "قد نهى عن بيع المزابنة ورخَّص في العرايا" وقرن الترخيص ببيع العرايا يلزم منه: عدم جوازها في غير الرطب مع التمر، قلتُ: إن المقصود هو: سدُّ حاجة الفقير الذي لا يستطيع أكل ثمر في وقته، وهذا يصدق على الرطب مع التمر وغيره من الثمار، من باب: جواز جريان القياس في الرخص - وقد بينته في كتابي: "الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس" فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "الخلاف في جريان القياس في الرخص" فعندنا: يجوز، وعندهم: لا يجوز.
[ ٣ / ١٣٧ ]
(أو معهما من غير جنسهما) كمدِّ عجوة ودرهم بدرهمين، أو بمدَّي عجوة، أو بمد ودرهم؛ لما روى أبو داود عن فضالة بن عبيد قال: أتي النبي ﷺ بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير، أو سبعة دنانير فقال النبي ﷺ: "لا، حتى تميّز بينهما" قال: فردَّه حتى ميَّز بينهما (^٢٢)، فإن كان ما مع الرِّبوي يسيرًا لا يُقصد كخبز فيه ملح بمثله، فوجوده كعدمه (^٢٣) (ولا) يُباع (تمر بلا نوى بما) أي: بتمر (فيه
(^٢٢) مسألة: لا يصح بيع شيء ربوي - وهي الأشياء الستة الذهب والفضة، والتمر، والبر، والشعير، والملح - بشيء ربوي آخر مع وجود شيء من غير جنسهما في العوضين، أو في أحدهما، وهي مسألة تسمَّى بـ "مسألة: بيع مد عجوة ودرهم" كأن يبيع صاعًا من تمر، بصاع تمر آخر ودرهم، أو يبيع درهمين بدرهم وصاع من بر وهكذا، ولو مع فرض التساوي في الأثمان؛ للسنة القولية: حيث إن رجلًا قد اشترى قلادة فيها ذهب وخرز بتسعة دنانير فقال ﵇: "لا حتى تميز بينهما" وفي رواية: أنه أمر بالذهب الذي في القلادة فنزع واحدة، ثم قال: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن"، وهذا يدلّ على إعطاء كل شيء ما يُساويه من الثمن، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن هذا يؤدِّي إلى الربا؛ لوجود زيادة بدون مقابل، أو جهل في ذلك؛ لقيام ذلك على التخمين، وهذا طريق إلى أكل أموال الناس بالباطل، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي ذلك بـ "مُدِّ عجوة؟ قلتُ: لأن العجوة تمر معروف بالمدينة، فيقول: المشتري مثلًا: "أعطني مُدًَّا من تمر العجوة ودرهم وأعطيك درهمين ومد عجوة" أو نحو ذلك، ومعروف: أن "المدَّ" ربع صاع بمكيل المدينة.
(^٢٣) مسألة: إذا اختلط بالشيء الربوي شيء قليل من الربوي أو غيره، فيجوز بيعه بالربوي كبيع تمر لا دبس فيه، بمثله، وبيع خبز فيه ملح بمثله، وبيع الدار الذي في سقفها بعض الذهب اليسير، بالذهب؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك غير مقصود عادة: جواز بيعه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك =
[ ٣ / ١٣٨ ]
نوى)؛ لاشتمال أحدهما على ما ليس من جنسه، وكذا: لو نزع النوى، ثم باع التمر والنوى بتمر ونوى (^٢٤) (ويُباع النوى بتمر فيه نوى و) يُباع (لبن و) يُباع (صوف بشاة ذات لبن وصوف)؛ لأن النوى في التمر، واللبن والصوف في الشاة غير مقصود كدار مموَّه سقفها بذهب: بذهب صح، وكذا: درهم فيه نحاس بمثله، أو بنحاس، ونخلة عليها ثمرة بمثلها، أو بثمر (^٢٥)، ويصح بيع نوعي جنس بنوعيه أو نوعه كحنطة حمراء وسوداء ببيضاء، وتمر معقلي وبرنى بإبراهيمي وصيحاني (^٢٦) (ومردُّ) أي: مرجع (الكيل لعرف المدينة) على عهد رسول الله ﷺ (و) مرجع (الوزن لعرف مكة زمن النبي ﷺ)؛ لما روى عبد الملك بن عمير عن النبي ﷺ: "المكيال مكيال المدينة والميزان ميزان مكة" (وما لا عرف له هناك) أي: بالمدينة ومكة: (اعتُبر عرفه في موضعه)؛
فيه رفع الحرج.
(^٢٤) مسألة: لا يصح بيع تمر بلا نوى بتمر فيه نوى، ولا بيع التمر بلا نوى واشترى به تمرًا، ونوى؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يصح بيع "مدِّ عجوة ودرهم" كما في مسألة (٢٢) - فكذلك لا يصح البيع هنا؛ والجامع: الجهل بالتساوي في كل، وهذا يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل.
(^٢٥) مسألة: يصح بيع النوى بتمر فيه نوى، وبيع لبن بشاة ذات لبن، وبيع صوف بشاة ذات صوف ونحوها من الصور: سواء وجد التفاضل أو لا، وسواء كانت الشاة حية أو مذكاة؛ للقياس؛ بيانه: كما يصح بيع دار قد جعل في سقفها الذهب القليل جدًا بذهب فكذلك يجوز البيع في تلك الصور الثلاث والجامع: عدم قصد تلك الزيادة في البيع، وهذا مثل ما قيل في مسألة (٢٣).
(^٢٦) مسألة: يصح بيع نوعين من جنس واحد بنوع واحد منه كبيع حنطة سوداء وحمراء بحنطة بيضاء، وتمر سكَّري، وتمر نبتة بتمر إخلاص بشرط: التساوي في الكيل، والمثلية والتقابض؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم اعتبار الجودة: صحة ذلك.
[ ٣ / ١٣٩ ]
لأن ما لا عرف له في الشرع يُرجع فيه إلى العرف كالقبض، والحرز، فإن اختلفت البلاد: اعتبر الغالب، فإن لم يكن: رُدَّ إلى أقرب ما يُشبهه بالحجاز (^٢٧)، وكل مائع مكيل (^٢٨)،
(^٢٧) مسألة: مرجع كون الشيء مكيلًا إلى ما تعارف عليه أهل المدينة، ومرجع كون الشيء موزونًا إلى ما تعارف عليه أهل مكة وذلك في عهده ﵇، أما مرجع غير أهل مكة والمدينة فهو ما تعارفوا عليه: فإن كان أهل البلد يتبايعونه بالكيل فهو مكيل، وإن كانوا يتبايعونه بالوزن: فهو موزون، وإن كانوا يتبايعونه بالعد: فهو معدود، فإن وُجد الأمران في بلد واحد: عمل بالأغلب كيلًا أو وزنًا، فإن لم يوجد عُرف عندهم: فعل به كما يفعل بأقربها إلى الحجاز لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، حيث قال ﵇: "المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان مكة" ويُحمل كلامه ﵇ على بيان الأحكام، فما كان مكيلًا بالمدينة في زمنه ﵇: فإنه ينصرف إليه التحريم بتفاضل الكيل، وهكذا يُقال في الموزون في مكة، فلا يجوز أن يتغيَّر بعد ذلك، الثانية: العرف والعادة؛ حيث إن ما لم يُحدَّد من الشارع: فإنه يُرجع في تحديده إلى عرف الناس في غالب أفعالهم كالقبض، والحرز، والتفرُّق، والأقل والأكثر من الدَّم الذي يُفسد الوضوء، والأقل والأكثر من الحركة، التي تُبطل الصلاة، ونحو ذلك، فإن قلت: إن الحبوب كالبر والأرز نحوهما يُباع الآن بالوزن، لا بالكيل، وهذه مخالفة للنَّص؟ قلتُ: يُباع هذا بالدراهم والريالات وما سواها من الأثمان، لكن إذا أردنا بيع صاع من بر بصاع مثله: فلا بدَّ من اعتبار الكيل هنا، ثم إنه لو وقع ذلك: فإنه وقع بالقياس؛ حيث إن قد قيس الصاع بالكيلو، فقُدِّر بأنه ثلاثة كيلوجرام، فكأن ذلك قد كيل بالصاع.
(^٢٨) مسألة: جميع المائعات والسوائل إذا أريد بيعها فإنها تباع بالكيل كالألبان، والعصيرات، والأدهان، ونحو ذلك، وجميع الجامدات يُباع بالوزن كالذهب =
[ ٣ / ١٤٠ ]
ويجوز التعامل بكيل لم يُعهد (^٢٩).
فصل (ويحرم ربا النسيئة) من النسأ بالمدِّ، وهو: التأخير (في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل) وهي: الكيل والوزن (ليس أحدهما) أي: أحد الجنسين (نقدًا)، فإن كان أحدهما نقدًا كحديد بذهب أو فضة: جاز النسأ، وإلا لانسدَّ باب "السَّلَم" في الموزونات غالبًا إلّا صرف فلوس نافقة بنقد، فيشترط فيه الحلول والقبض، واختار ابن عقيل وغيره: لا، وتبعه في "الإقناع" (كالمكيلين والموزونين) ولو من جنسين، فإذا بيع برٌّ بشعير، أو حديد بنحاس: اعتبر الحلول والتقابض قبل التفرّق (وإن تفرّقا قبل القبض: بطل) العقد؛ لقوله ﵇: "إذا اختلفت هذه الأصناف: فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد" والمراد به: القبض (^٣٠) (وإن باع مكيلًا
والفضة، والحديد، والحرير، واللحوم، والصوف ونحو ذلك، وما لا يختلف فيه الكيل والوزن كالأدهان يُباع بعضه كيلًا، ويُباع بعضه الآخر وزنًا، فيجوز هذا وهذا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إن ﵇ قد توضأ بالمد، وهذا يلزم منه أن السوائل جميعًا تُكال، الثانية: المصلحة؛ حيث إن المناسب للسوائل الكيل، والمناسب لغيرها الوزن؛ لحفظ أموال الناس.
(^٢٩) مسألة: إذا تعارف أهل بلد على كيل يتبايعون به، أو وزن: فإنه يجوز أن يُتعامل بذلك عند البيع والشراء وإن لم يكن ذلك معهودًا فيما سبق من الأزمنة؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تيسير على المسلمين، لا سيما عند عدم وجود ما يمنع ذلك.
(^٣٠) مسألة: يحرم ربا النسيئة، وهو: "تأخير القبض في بيع كل جنسين اتّفقا في علَّة ربا الفضل، وهي: الكيل والوزن، ليس أحدهما نقدًا"، فإذا بيع مكيل بمكيل، أو موزون بموزون، وافترق البائع والمشتري قبل القبض: بطل العقد فمثلًا: لو باع صاعًا من بر بصاع من شعير: فلا يجوز النسأ في ذلك؛ لاتفاقهما في الكيل الذي هو علة ربا الفضل، أو باع رصاصًا بحديد: فلا يجوز النسأ في ذلك؛ =
[ ٣ / ١٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لاتفاقهما في الوزن، وهو علَّة رب الفضل، فلا بدَّ في ذلك من التقابض والحلول قبل التفرق، فإن تفرقا قبل القبض: بطل البيع، أما لو باع حديدًا بدنانير أو باع صاعًا من بر بريالات: فيصح النسأ والتأخير للمبيع، أو الثمن؛ لكون أحدهما ليس نقدًا، فلم تُوجد علَّة الرِّبا فيهما؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية وهي من وجوه: أولها: قوله ﵇: "إنما الربا في النسيئة" فبيَّن: أن الربا في مثل ما قلناه، ثانيهما: قوله: "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد" فاشترط لصحة بيع أحد الجنسين بمثله: التقابض في المجلس، فلا يجوز مؤخَّرًا ومؤجَّلًا، ثالثها: قوله ﵇: "من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم" حيث دلَّ هذا على صحة النسأ والتأخير إذا كان أحد العوضين نقدًا؛ لكونه لو لم يصح النسأ والتأخير في ذلك لسدّ باب السَّلَم في الموزونات والمكيلات، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن بيع الذهب بالفضة يحرم التفرّق قبل القبض فيه، وإن تفرّقا: بطل البيع، فكذلك هنا، والجامع: أنهما مالان من الأموال التي يجري فيهما الربا وعلّتهما واحدة، وهي الوزن، والكيل، فإن قلتَ: ما سبب حصر النبي ﵇ الربا في النسيئة مع تقسيمه إلى ربا الفضل، والنسيئة؟ قلتُ: خُصَّ ربا النسيئة بهذا الذكر؛ لكونه أعظم وأخطر من ربا الفضل، وأقربهما إلى أكل أموال الناس بالباطل، وهذا مثل قوله ﵇: "الحج عرفة": أي: أن أعظم ركن من أركان الحج هو: عرفة، وهذا واقع في ربا النسيئة، فلو باع زيد على بكر ثوبًا بمائة ريال يدفعها بكر بعد سنة، ثم مضت السنة ولم يدفعها بكر، فقال له زيد: نؤخر عليك ونزيدها إلى مائتين إلى العام الذي بعده وهكذا: لكان ذلك أعظم الخطر على المجتمع (فرع) إذا صرف فلوسًا نافقة بنقد: فلا يجوز فيه نسأ وتأخير أحد العِوضين، أي: يُشترط الحلول والتقابض في ذلك، وهو قول أكثر العلماء؛ =
[ ٣ / ١٤٢ ]
بموزون) أو عكسه: (جاز التفرُّق قبل القبض و) جاز (النسأ): لأنهما لم يجتمعا في أحد وصفي علَّة ربا الفضل، أشبه الثياب بالحيوان (^٣١) (وما لا كيل فيه ولا وزن كالثياب والحيوان يجوز فيه النسأ)؛ لأمر النبي ﷺ عبد الله بن عمرو: أن يأخذ على قلائص الصدقة فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة" رواه أحمد والدارقطني وصحَّحه، وإذا جاز في الجنس الواحد: ففي الجنسين أولى (^٣٢) (ولا يجوز بيع الدَّين
للتلازم؛ حيث يلزم من كون الفلوس النافقة مشبهة للنقد: إلحاقها به، وقيل: غير ذلك، بدون استدلال.
(^٣١) مسألة: إذا باع مكيلًا بموزون، أو باع موزونًا بمكيل: جاز البيع مطلقًا: أي: سواء تفرَّق البائع والمشتري قبل القبض أو لا، وسواء أُخِّر أحد العوضين أو لا، فيجوز بيع البر باللحم، ويجوز بيع التمر بالفضة، ونحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز بيع الثياب بالحيوان، وبالعكس مُطلقًا فكذلك يجوز البيع هنا والجامع: أنه في كل منهما لم يتفق المبيع والثمن في علة ربا الفضل - وهي: الوزن والكيل -.
(^٣٢) مسألة: الأشياء التي لا تُوجد فيها كيل ولا وزن - وهي: غير الرِّبوية - يجوز فيها النسأ مطلقًا أي: سواء بيع بجنسه أو لا، وسواء كان متفاضلًا أو لا، فيجوز - على هذا - بيع البعير بالبعير، وبالبعيرين وأكثر، ويجوز بيع بعير بمائة ثوب حاضرة أو غائبة إلى سنة، أو إلى أكثر، وكذا: في جميع الأقمشة، والعقارات، والسيارات، والحيوانات؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﵇: "قد أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يأخذ البعير بالبعيرين والثلاثة إلى إبل الصدقة" وذلك في الاستعداد للغزو، وهذا صريح في جواز النسأ والتفاضل كما قال ابن القيم، الثانية: فعل الصحابي وهو من وجهين: أولهما: أن ابن عمر اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة عليه، ثانيهما: أن رافع بن خديج اشترى بعيرًا ببعيرين، وأعطاه أحدهما وقال: "آتيك بالآخر غدًا"، فإن قلت: لِمَ =
[ ٣ / ١٤٣ ]
بالدَّين) حكاه ابن المنذر إجماعًا؛ لحديث: "نهى النبي ﷺ عن بيع الكاليء بالكاليء" وهو: بيع ما في الذمة بثمن مُؤجَّل لمن هو عليه، وكذا: بحالٍّ لم يُقبض قبل التفرُّق، وجعله رأس مال سَلَم (^٣٣).
فصل: (ومتى افترق المتصارفان) بأبدانهما كما تقدَّم في خيار المجلس (قبل قبض الكل) أي: كل العِوض المعقود عليه في الجانبين (أو) قبل قبض (البعض) منه: (بطل العقد فيما لم يُقبض): سواء كان الكل أو البعض؛ لأن القبض شرط لصحة العقد؛ لقوله ﵇: "وبيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدًا بيد" ولا يضرُّ طول المجلس
جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه الأشياء ليست بربوية، ولا تخص ما يستطعمونه الناس في يومهم وليلتهم، فإن قلتَ: لِمَ ذكر هنا جواز بيع النسأ ولم يذكر جواز الفضل؟ قلتُ: لأن النسأ إذا جاز فمن باب أولى: جواز الفضل، ولكن لا يجوز العكس: فقد يجوز الفضل كبيع صاع بر بصاعين شعير ولكن لا يجوز في ذلك النسأ؛ لأنه لا بدَّ من التقابض فيه والحلول كما سبق.
(^٣٣) مسألة: يحرم بيع الدَّين بالدَّين وإذا وقع فهو فاسد كأن يبيع زيد على بكر ثوبين بعشرين صاعًا من البر يدفعها بكر بعد سنة، فيقول زيد بعد مُضي شهر أو أكثر: "اشتر مني تلك الأصواع العشرين بمائة ريال في الذمة" فيشتريها بكر بمائة في الذمة تحل بعد سنة أو أكثر، وهذا بيع النسيئة بالنسيئة، أو يقول زيد: "جعلتُ ما في ذمتك وهي العشرون صاعًا رأس مال سَلَم على أن تعطيني بدلها كذا" أو يقول زيد: "بعتك تلك العشرين صاعًا التي في ذمتك بمائة" ولكن لم يقبض زيد تلك المائة وتفرقا، وهذه صور بيع الدين بالدين؛ للسنة القولية: حيث نهى ﵇: "عن بيع الكالئ بالكالئ" والنهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم والفساد؛ فإن قلتَ: لِمَ يحرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه ضرر على المعسر، الذي هو المشتري وهو بكر هنا - حيث يُزاد عليه الثمن حيلة، وهذا فيه أكل أموال الناس بالباطل.
[ ٣ / ١٤٤ ]
مع تلازمهما، ولو مشيا إلى منزل أحدهما مصطحبين؛ صح، وقبض الوكيل قبل مفارقة مُوكِّله المجلس كقبض مُوكِّله ولو مات أحدهما قبل القبض فسد العقد (^٣٤) (والدراهم والدنانير تتعيَّن بالتَّعيين في العقد)؛ لأنها عوض مشار إليه في العقد، فوجب أن تتعيَّن كسائر الأعواض (فلا تُبدَّل) بل يلزم تسليمها إذا طُولب بها؛ لوقوع العقد على عينها (^٣٥)
(^٣٤) مسألة: يُشترط في صحة الصَّرف - وهو: بيع نقد بنقد - أن يقبض المشتري المبيع ويقبض البائع الثمن في مجلس العقد، وعدم تفرقهما بأبدانهما، أو وكيلهما قبل ذلك، فإن تفرَّقا أو مات أحدهما: فإن البيع يفسد، ولو تقابضا البعض دون البعض الآخر: فيصح فيما قُبض وبطل العقد فيما لم يُقبض، فمثلًا: لو اشترى زيد ألف درهم بمائة دينار، أو اشترى أربعمائة ريال بمائة دولار: فإنه يصح إذا تقابض البائع والمشتري الثمن والمثمن في نفس المجلس، ولا يصح بدون ذلك؛ للسنة القولية: وهي من وجوه: أولها: قوله ﵇: "وبيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدًا بيد" حيث أوجب: التقابض في المجلس؛ لأن ذلك هو اللازم من قوله: "يدًا بيد" ولأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ثانيها: أنه ﵇ "قد نهى عن بيع الذهب بالورق دينًا" ثالثها: أنه نهى "أن يُباع غائب بناجز منها" والنهي في النَّصَّين مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد، وعليه: فيفسد البيع والصرف إذا تفرّقا قبل التقابض بموت أو غيره، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التأخير في مثل ذلك يؤدي عادة إلى الاختلاف والتنازع، فيفضي إلى أكل أموال الناس بالباطل.
(^٣٥) مسألة: النقود والأثمان كالدراهم والدنانير، والريالات التي يُباع بها ويُشترى تتعيَّن إذا عيّنها البائع والمشتري عند العقد، ويحصل التعيين بالرؤية، وبالقول، وبالإشارة: سواء ضُمَّ إليها اسم النقد أو لا كقوله: "بعتك هذا الثوب بهذه الدراهم" أو "بعتك هذا بهذه" أو "بعتك هذه الدنانير بهذه الدراهم"، ولذا: لا =
[ ٣ / ١٤٥ ]
(وإن وجدها مغصوبة: بطل) العقد كالمبيع إذا ظهر مُستحقًا (^٣٦) وإن تلفت قبل القبض فمن مال بائع إن لم تحتج لوزن أو عدٍّ (^٣٧) (و) إن وجدها (معيبة من جنسها) كالوضوح في الذهب، والسواد في الفضة: (أمسك) بلا أرش إن تعاقدا على مثلين كدرهم فضة بمثله، وإلا: فله أخذه في المجلس، وكذا: بعده من غير الجنس (أو ردَّ)
يجوز للبائع أو للمشتري أن يُبدل ذلك بغير ما عُيِّن عند العقد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن سائر الأعواض تتعيَّن عند العقد، ولا يجوز إبدالها كبيع هذا البعير بهذه الثياب فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلاًّ منها عوض في عقد، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنهما قد يُعيِّنان النقدين، أو أحدهما؛ لغرض قصداه، فإذا أُبدل: فات عليهما أو على أحدهما هذا الغرض والمقصد، فتلحقه مفسدة، فدفعًا لذلك شرع هذا.
(^٣٦) مسألة: إذا ظهر أن الدراهم أو الدنانير المعينة مغصوبة أو مسروقة: فالعقد يبطل، فمثلًا: لو اشترى زيد من بكر ثوبًا بعشرة دراهم، فتبيَّن أن تلك العشرة قد سرقها زيد: فالعقد يبطل؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو اشترى زيد من بكر ثوبًا بعشرة فتبين أن الثوب مغصوب أو مسروق؛ فإنه يبطل العقد، فكذلك العكس، والجامع: أن كلاًّ منهما قد أجرى العقد على ما لا يملكه، ولا يجوز بيع ما لا يُملك، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية أموال الناس وحقوقهم من السرقة.
(^٣٧) مسألة: إذا تلفت الدراهم أو الدنانير المعيَّنة بعقد قبل القبض: فإنه يحسب من مال البائع، إن لم تحتج الدراهم والدنانير لوزن أو عد، أما إن احتاجت لهما أو لأحدهما: فإنه يُحسب من مال المشتري؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المبيع المعين لو تلف: فإنه يُحسب من مال البائع، فكذلك الحال هنا، والجامع: التعيين في كل، فإن قلتَ: لِمَ كان يُحسب من مال المشتري - وهو الباذل - إذا احتيج إلى وزن أو عد؟ قلتُ: لتأخيره القبض على البائع.
[ ٣ / ١٤٦ ]
العقد للعيب (^٣٨)، وإن وجدها معيبة من غير جنسها كما لو وجد الدراهم نحاسا: بطل العقد؛ لأنه باعه غير ما سمَّى له (^٣٩). (ويحرم الربا بين المسلم والحربي) بأن يأخذ المسلم زيادة من الحربي؛ لعموم ما تقدَّم من الأدلة (و) يحرم الربا (بين المسلمين مطلقًا بدار إسلام أو حرب)؛ لما تقدَّم (^٤٠)،
(^٣٨) مسألة: إذا وجد المشتري الدراهم أو الدنانير معيبة بعيب من جنسها كوجود البياض في الذهب، والسواد في الفضة، والشقوق فيهما ونحو ذلك: فهو بالخيار: إن شاء أمسك بلا إرش، إذا تعاقدا على مثلين كبيع درهم بدرهم، أو بيع دينار بدينار، أما إن كان العقد على غير المثلين: كبيع درهم بدينار: فله أخذ الأرش في المجلس، أو بعده من غير جنسه فيأخذ بعض البر كأرش لذلك، وإن شاء: ردَّ المبيع بسبب ذلك العيب، ولا يأخذ بدله؛ للتلازم؛ حيث إن العقد قد تمَّ على عوضين سليمين، ويلزم من وجود العيب: عدم السلامة، فيلزم الردُّ، فإن أسقط حقه: فإنه يُمسكه بلا أرش - أي: لا يأخذ بدل هذا العيب -، فإن قلتَ: لِمَ لا يأخذ الأرش؟ قلتُ: لأنه لو أخذ الأرش: للزم من ذلك زيادة في بيع الجنس بجنسه، وهذا ربا.
(^٣٩) مسألة: إذا وجد المشتري الدراهم أو الدنانير معيبة بعيب من غير جنسها: بطل عقد البيع: سواء كان العيب كثيرًا أو قليلًا كما لو وجد الدراهم نحاسًا أو رصاصًا، للقياس؛ بيانه: كما لو باعه فرسًا بألف ريال فبان للمشتري: أنه ليس بفرس بل بغل: فإنه يبطل البيع، فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما قد باعه غير ما سُمِّي له.
(^٤٠) مسألة: ربا الفضل، وربا النسيئة يحرمان بين المسلمين الموجودين في ديار الإسلام أو في ديار الحرب، ويحرمان بين المسلم والكافر مطلقًا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وهذا عام فيشمل أفراد المسلمين، وعام في الأماكن؛ لأن "الربا" اسم جنس قد =
[ ٣ / ١٤٧ ]
إلّا بين سيد ورقيقه (^٤١)، وإذا كان له على آخر دنانير فقضاه دراهم شيئًا فشيئًا، فإن كان يعطيه كل درهم بحسابه من الدينار: صحّ، وإن لم يفعل ذلك، ثم تحاسبا بعد فصارفه بها وقت المحاسبة: لم يجز؛ لأنه بيع دين بدين (^٤٢)، وإن قبض أحدهما من
عُرِّف بأل وهو من صيغ العموم، ثانيهما: قوله: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ وهو عام مطلقًا - كما سبق - ولفظ "ذروا" فيه "واو الجمع" وهي من صيغ العموم أيضًا ولفظ "ذروا" أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وترك الواجب حرام، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "إنما الربا في النسيئة" وهو عام كما سبق، ثانيهما: قوله: "فمن زاد أو استزاد فقد أربى" وهو عام لأن "من" الشرطية من صيغ العموم، الثالثة: القياس بيانه: كما أن الربا محرَّم بين المسلمين في ديارهم، فكذلك محرم بين المسلمين وغيرهم من الكفار في ديار المسلمين، أو في ديار الكفار، والجامع: دفع الضرَّر في كل، وهو المقصد من ذلك الحكم.
(^٤١) مسألة: ربا الفضل، أو النسيئة يجوزان بين السيد ورقيقه: سواء كان ذلك الرقيق مُدبَّرًا - وهو المعتق بعد وفاة السيد - أو كانت أم ولد - وهي: التي أتت بولد من سيدها - أو مكاتبًا إذا قال له: "سأعطيك تسعة عن عشرة وهو آخر قسط الأقساط التي عليّ لك"؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون المال والعبد ملكًا للسيد: جواز ذلك؛ إذ لا ضرر على أحد فيه وهو المقصد منه.
(^٤٢) مسألة: إذا كان زيد يُطالب بكرًا عشرة دنانير: فبدأ بكر يقضي ما عليه بالدراهم شيئًا فشيئًا ويقول له: "هذه الأربعة دراهم عن دينارين، كل شيء بما يُقابله": فإن هذا يصح هذا الصَّرف، أما إن أعطاه الدراهم ويسكت، ثم حاسبه بعد ذلك فصارفه بها وقت المحاسبة: فلا تصح المصارفة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ذلك أن يكون بيع دين بدين؛ لكونهما تبايعا في الذمَّة، وهذا لا يصح ويلزم من قوله =
[ ٣ / ١٤٨ ]
الآخر ما له عليه، ثم صارفه بعين وذمَّة: صحَّ (^٤٣).
له: "إن هذه الأربعة دراهم عن دينارين": صحة ذلك؛ لعدم وجود المانع منه شرعًا.
(^٤٣) مسألة: إذا كان زيد يُطالب بكرًا عشرة دنانير، فقضى بكر ذلك بدراهم شيئًا فشيئًا، ولم يحسب عليه كل درهم بحسابه من العشرة دنانير، فلما تمت مقابلة كل دينار من الدرهم: أخذ بكر من زيد الدراهم ثم مدَّها إلى زيد قائلًا: "هذه عمّا في ذمّتي من الدنانير، فيكون مصارفًا له بعين وذمّة: فإن هذا يصح؛ للتلازم؛ حيث إن وجود عين وذمّة في هذا يلزم منه: صحة ذلك، فلا محذور فيه.
هذه آخر مسائل باب "الربا والصرف" ويليه باب "بيع الأصول والثمار".
[ ٣ / ١٤٩ ]