هو لغة: الثبوت والدوام، يُقال: "ماء راهن" أي: راكد، و"نعمة راهنة" أي: دائمة، وشرعًا: توثقة دين بعين يُمكن استيفاؤه منها أو من ثمنها (^١) وهو جائز: بالإجماع (^٢)،
باب الرَّهن
وفيه خمس وستون مسألة:
(^١) مسألة: الرَّهن لغة هو: الحبس الثابت والدائم، يُقال "ماء راهن" أي: راكد محبوس عن الجريان، و"نعمة راهنة" أي: دائمة محبوسة عليك وكل ما احتُبس به شيء: فهو رهينة، ومُرتهنة، وهو في الإصطلاح: "المال الذي جُعل وثيقة عند المرتهن؛ ليستوفي منه أو من ثمنه إن تعذَّر استيفاؤه من غريمه - وهو الراهن" - فمثلًا: لو اشترى زيد من بكر سيارة بمائة ألف ريال على أن يدفع المائة بعد سنة، واشترط بكر أن يرهن زيد داره عنده، فرهن زيد تلك الدار، فإذا مضت تلك السنة ولم يدفع زيد المائة: فإنه يحقُّ لبكر أن يبيع تلك الدار، ويأخذ حقَّه - هو المائة - ويرد الباقي إلى زيد إن بقي شيء، فإن قلت: لِمَ جُعل باب الرهن بعد باب القرض؟ قلتُ: لأن القرض دين، فزيد قد يمتنع أن يُقرض بكرًا إلا إذا أخذ منه شيئًا؛ ليستوثق لنفسه من أن ماله الذي أقرضه لن يؤكل بالباطل.
(^٢) مسألة: الرَّهن جائز في السفر والحضر؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ فأجاز الرهن هنا، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إن عائشة قالت: "اشترى رسول الله ﷺ طعامًا من يهودي ورهنه درعه"، وهذا يدلّ على جوازه في الحضر. الثالثة: الإجماع على جوازه في السفر، فإن قلتَ: لِمَ جاز الرهن؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه المحافظة على مال المرتهن من التحايل على أخذه بالباطل، ودفع التنازع. والاختلاف. فإن قلتَ: =
[ ٣ / ١٩٩ ]
ولا يصح بدون إيجاب وقبول، أو ما يدلَّ عليهما (^٣)، ويُعتبر معرفة قدره، وجنسه، وصفته (^٤)، وكون راهن جائز التصرُّف مالكًا للمرهون أو مأذونًا له فيه (^٥) و(يصح)
لا يصح الرهن إلّا في السفر ومع عدم الكاتب؛ للكتاب؛ حيث إن الآية السابقة قد اشترطت ذلك قلتُ: إن الرَّهن جائز في السفر والحضر: سواء وجد كاتب أو لا، وسواء كان ذلك في السفر أو لا، وما ذكرته الآية قد خرج مخرج الأغلب؛ لأن الأغلب عند الناس عدم وجود كاتب في السفر، وعدم وجود النقد فيه، فبيَّنت الآية ذلك، فيكون لا مفهوم لذلك الشرط - كما بينتُ ذلك في شروط مفهوم المخالفة الاثني عشر في كتابي المهذَّب (٤/ ١٨٠٢) - والسنة الفعلية تؤيد ذلك كما سبق، وكان وجوده في المدينة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الشرط الموجود في الآية هل له مفهوم أو لا؟ فعندنا: لا مفهوم له، وعندهم: له مفهوم.
(^٣) مسألة: يُشترط لصحة الرهن: أن يُوجد إيجاب وقبول من الراهن والمرتهن كقول الراهن: "رهنتك هذا الشيء" فيقول المرتهن: "قبلتُ ذلك الشيء رهنًا عن ديني عليك"، أو ما يدلّ على ذلك ولو لم تكن الصيغة مُصرَّحًا بها، بأن يُعطي الراهن المرتهن شيئًا يساوي الدَّين الذي عليه أو يُقاربه؛ للتلازم؛ حيث إن الرهن فيه استلام وتسليم بين متعاقدين فيلزم الإيجاب والقبول وما يدل على ذلك، وذلك لبيان أنهما قصدا ذلك.
(^٤) مسألة: يُشترط لصحة الرهن: أن يكون الشيء المرهون معروفًا لدى المتعاقدين من حيث العلم بقدره وقيمته، والعلم بجنسه - هل هو من العقارات أو الحيوانات أو الثياب؟ - والعلم بصفته التي يختلف الثمن باختلافها؛ للتلازم؛ حيث إن المرهون وثيقة بحق فيلزم اشتراط العلم بها؛ لكونه لا يحصل التوثيق بدون معرفة ذلك. فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع للجهالة والغرر.
(^٥) مسألة: يُشترط لصحة الرهن: أن يكون الراهن جائز التصرف فيكون مُكلَّفًا، =
[ ٣ / ٢٠٠ ]
الرهن (في كل عين يجوز بيعها)؛ لأن القصد منه الاستيثاق بالدَّين؛ ليتوصَّل إلى استيفائه من ثمن الرهن عند تعذُّره من الراهن، وهذا مُتحقق في كل عين يجوز بيعها (^٦) (حتى المكاتب)؛ لأنه يجوز بيعه، ويُمكَّن من الكسب وما يؤدِّيه من النجوم رهن معه، وإن عجز: ثبت الرهن فيه وفي كسبه، وإن عتق بقي ما أدَّاه رهنًا، ولا يصح شرط منعه من التصرف، والمعلَّق عتقه بصفة إن كانت تُوجد قبل حلول الدَّين: لم يصح رهنه وإلا: صحَّ (^٧)، ويصح الرهن (مع الحق) بأن يقول: "بعتك هذا بعشرة إلى شهر
مالكًا للشيء المرهون، غير محجور عليه، أو يكون قد أذن الشارع له بالتصرُّف فيه كولي على مال صبي ومجنون وسفيه، وأن يكون قد استعار أو استأجر عينًا يصح رهنه مدة استعارته أو استئجاره، للتلازم؛ حيث إن رهن شيء عند آخر هو نوع تصرُّف في ذلك الشيء: فيلزم اشتراط ذلك؛ إذ لا يصح رهنه بدونه، فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لأموال الآخرين أن تُرتهن بدون علم، وفيه منع للتحايل لأكل أموال الناس بالباطل.
(^٦) مسألة: يصح أن يُرهن كلُّ عين يجوز بيعها: سواء كانت نقدًا أو لا، وسواء كانت مؤجَّرة، أو جُعْلًا، أو لا، إلا المنافع: فلا يجوز رهنها مع أنه يصح بيعها؛ للتلازم؛ حيث إن كل ما يجوز بيعه يلزم منه تحقُّق مقصود الرَّهن وهو: الاستيثاق بالدَّين؛ ليتوصَّل المرتهن من ثمن العين المرهونة، ليأخذ حقَّه منه إن تعذَّر استيفاء الدَّين من الغريم الراهن للعين، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: لأن كل ما كان محلًّا للبيع كان محلًّا لحكمة الرهن، وكل شيء محل حكمته.
(^٧) مسألة: المكاتب - وهو: العبد الذي اشترى نفسه من سيده بأقساط ونجوم يُسدِّدها هذا العبد لسيده على مدة - لا يصح للسَّيد أن يرهنه؛ للتلازم؛ حيث إن استدامة القبض شرط في الرهن، والكتابة تقتضي عدم استدامة القبض؛ لأنه سيعتق نفسه بتسديده لثمنه: فيلزم من ذلك عدم صحة رهنه؛ وذلك لحرمان المرتهن منه في هذه الحالة، وبهذا تفوت مصلحته، فإن قلتَ: يصحّ للسيد أن يرهن المكاتب، =
[ ٣ / ٢٠١ ]
ترهنني بها عبدك هذا" فيقول: "اشتريته منك ورهنته"؛ لأن الحاجة داعية إلى جوازه إذًا (^٨) (و) يصح (بعده) أي: بعد الحق بالإجماع (^٩)، ولا يجوز قبله؛ لأنه وثيقة بحق،
وهو ما ذكره المصنف هنا - ويُمكّن هذا المكاتب من الكسب ليفي وليُسدِّد ما عليه لسيده، وهذا المكسب يكون مرهونًا مثله، فإن عجز: فإن الرهن يثبت فيه وفيما اكتسبه وإن عتق بسبب تسديده لثمنه: يكون هذا الثمن مرهونًا، ولا يصح رهنًا له يمنعه من كسبه، ولا يصح رهنه إن عُلِّق عتقه بصفة كأن يقول السَّيد: "هو حرٌّ إذا دخل رمضان وحلول الدَّين عند دخول ذلك الرمضان" حيث لا يمكن بيعه عند حلول الحق؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز بيعه: فإنه يجوز رهنه والجامع: أنه ثمن في كل، يستطيع المرتهن الاستفادة منه قلتُ: إن عقد رهنه مناف لعقد مكاتبته، فلا يجتمعان؛ إذ يفوت مقصود الرهن؛ لأن هذا العبد سيعتق بمجرَّد تسديده لثمنه فيتضرَّر المرتهن، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في مقتضى عقد الرهن هل يُنافي مقتضى عقد المكاتبة أو لا؟ " فعندنا: لا يجتمعان، وعندهم: يجتمعان.
(^٨) مسألة: يصح الرَّهن عقد البيع وفي صلبه ومع الحق كأن يقول زيد: "بعتك هذه السيارة بعشرة آلاف تعطيني إيّاها بعد سنة بشرط: أن ترهن عندي دارك هذه" فيقول المشتري - وهو بكر هنا -: "قبلتُ ذلك، ورهنتُ الدار"! للمصلحة: حيث إن الحاجة داعية إلى ثبوته بذلك؛ ليحفظ المرتهن حقه.
(^٩) مسألة: يصح الرَّهن بعد الحق وبعد العقد كأن يقول زيد: "بعتك هذه السيارة بعشرة آلاف تحلُّ بعد سنة" فيقول بكر: "اشتريت ذلك" ثم بعد ذلك يقول زيد: أريد أن ترهن عندي شيئًا استوثق من ذلك فيقول بكر: "أرهن داري" فيقبل زيد قائلًا: "قبلتُ"؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك ومستنده قاعدتان: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر فلم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾؛ حيث إن الشارع جعل الرهن بدلًا عن الكتابة فيكون الرهن في محل =
[ ٣ / ٢٠٢ ]
فلم يجز قبل ثبوته، ولأنه تابع للحق فلا يسبقه (^١٠)، ويُعتبر: أن يكون (بدين ثابت) أو مآله إليه حتى على عين مضمونة كعارية، ومقبوض بعقد فاسد، ونفع إجارة في ذمَّة (^١١) لا على دين كتابة، أو دية على عاقلة قبل الحلول، ولا بعهدة مبيع، وثمن
الكتابة، فيلزم أن يكون الرهن بعد وجوب الحق؛ لأن محلَّ الكتابة هو بعد وجوب الحق، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الضَّمان يكون بعد وجوب الحق فكذلك الرهن والجامع: أن كلًّا منهما عن دين ثابت تدعو الحاجة إلى الوثيقة به.
(^١٠) مسألة: يصح الرَّهن قبل الحق، بأن يذكر الراهن شيئًا قبل عقد البيع بينهما إذا كان الكلام متصلًا فمثلًا يصح أن يقول زيد - وهو الراهن - "رهنتك هذه الدار بعشرة آلاف تقرضنيها إلى بعد سنة" فيقول المرتهن "قبلتُ"؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز ذلك في الضمان فكذلك يجوز في الرهن والجامع: أن كلًّا منهما عن دين ثابت وأنه وثيقة بالحق، فلا يُفرَّق بين تقديم ذلك أو تأخيره، فإن قلتَ: إنه لا يصح الرَّهن قبل الحق، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشهادة لا تصح قبل ثبوت المشهود لأجله، فكذلك الرهن لا يصح قبل وجوب الحق، والجامع: أن كلًّا منهما تابع للحق فلا يسبقه قلتُ: إن هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه لا بدَّ من بيان المشهود عليه للشاهدين قبل أن يُدليا بشهادتهما، بخلاف الرهن فهو يجري بين المتبايعين، وإذا وقع تقديم الرهن في العبارة فقط: فلا بأس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: تعارض القياسين حيث إنه تنازع الفرع أصلان فنحن ألحقنا الرهن بالضمان؛ لكونه أكثر شبهًا به عندنا، وهم ألحقوه بالشهادة لأنه أكثر شبهًا بها، وهذا يُسمَّى "قياس غلبة الأشباه".
(^١١) مسألة: يُشترط في الرهن: أن يكون بدين ثابت كقرض كأن يقول الراهن: "أقرضني عشرة آلاف أعطيك إياها بعد سنة وأرهن داري" وكشيء يؤول إليه =
[ ٣ / ٢٠٣ ]
وأُجرة معينين، ونفع نحو دار مُعيَّنة (^١٢) (ويلزم) الرهن بالقبض (في حق الراهن فقط)؛ لأن الحظ فيه لغيره، فلزم من جهته كالضمان في حق الضامن (^١٣) (ويصح رهن المشاع) لأنه يجوز بيعه في محل الحق (^١٤)، ثم إن رضي الشريك والمرتهن بكونه في
كثمن شيء في مدة خيار، وكشيء مضمون مثل العارية، ويصحّ أخذ الرهن على شيء مقبوض بعقد فاسد، ويصحّ أخذ الرهن على نفع إجارة في الذمَّة؛ كمن استؤجر لبناء دار، وقيل له: "نرهن دكانك فإن لم تفعل: بعنا دكانك واستأجرنا من يبني تلك الدار" ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن ثبوت الدَّين هو الذي يُقابل ذلك الشيء المرهون فلزم اشتراطه.
(^١٢) مسألة: لا يصحّ الرهن بدين غير ثابت كدين كتابة - وهي إذا اشترى العبد نفسه على أقساط - فلا يأخذ السَّيد عليه رهنًا، وكدية العاقلة قبل حلوله، وكشيء تابع لمبيع، وكثمن وأجرة معينين عند شخص آخر، ومنافع دار معيّنة؛ للتلازم؛ حيث إن الدَّين هنا غير ثابت؛ إذ يُحتمل أن يعجز العبد، أو يُعجز نفسه عن السداد، ويُحتمل أن تموت العاقلة أو تفقد التكليف قبل الحلول، ويُحتمل عدم ثبوت الثمن والأجرة والنفع في الذمة فلزم عدم صحة الرهن فيه.
(^١٣) مسألة: الرهن عقد لازم في حقِّ الراهن بعد القبض، وهو عقد جائز في حق المرتهن، يستطيع أن يفسخه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الضامن عقده لازم يلتزم بما ضمنه ويُلزم به فكذلك الراهن، وكما أن المضمون له عقده جائز يستطيع أن يستمر عليه وأن يفسخه فكذلك المرتهن، والجامع: أن الحظ في الضامن والراهن لغيرهما، وأن الحظ في المضمون له والمرتهن لهما، فكل واحد منهما له الفسخ إن شاء، فيكون إسقاطًا لحقهما، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المرتهن.
(^١٤) مسألة: يصح رهن المشاع: كأن يكون زيد ومحمد شريكين في دار فيصح لزيد أن يقترض من بكر عشرة آلاف مثلًا على أن يدفعه له بعد سنة ويرهن نصيبه من =
[ ٣ / ٢٠٤ ]
يد أحدهما، أو غيرهما: جاز، وإن اختلفا: جعله حاكم بيد أمين أمانة، أو بأجرة (^١٥) (ويجوز رهن المبيع) قبل قبضه (غير المكيل والموزون) والمذروع والمعدود (على ثمنه وغيره) عند بائعه وغيره؛ لأنه يصحُّ بيعه، بخلاف المكيل ونحوه: فإنه لا يصح بيعه قبل قبضه، فكذلك رهنه (^١٦) (وما لا يجوز بيعه) كالوقف، وأم الولد (لا
تلك الدار؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يصح بيع نصيبه من تلك الدار، ويصح أن يوفي منه ديونه فكذلك يصح رهنه والجامع: أن كلًّا منهما يُمكن استيفاء الدَّين من ثمنه في زمن حلول ذلك الدين.
(^١٥) مسألة: إذا رهن زيد نصيبه من الشراكة عند بكر - ففيه ثلاث حالات: الحالة الأولى: إن كان بعض المرهون مما لا يُنقل - كالعقار -: فإن الراهن - وهو زيد - يُخلي بين هذا العقار وبين المرتهن - وهو بكر -: سواء حضر شريكه أو لم يحضر، أذن أو لا؛ للتلازم؛ حيث إن هذه التخلية ليس فيها اعتداء على حصَّة شريكه فيلزم صحة ذلك الحالة الثانية: إن كان بعض المرهون مما يُنقل - كالثياب والدواب - ورضي شريك زيد - الراهن - وبكر - وهو: المرتهن - أن يكون المرهون بيد أحدهما، أو غيرهما: فإنه يجوز؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الملك والحق لا يتعدَّاهما: جواز فعلهما ذلك، الحالة الثالثة: إن كان بعض المرهون مما يُنقل واختلف شريك زيد مع المرتهن - وهو بكر - فيمن يُجعل عنده: فإن الحاكم يستلم الشيء المرهون، ويجعله بيد أمين حتى يفي زيد ما عليه من الدَّين، أو يُباع ذلك المرهون ويقبض المرتهن - وهو بكر - حقَّه، ثم يُرجع الباقي إلى زيد - إن بقي شيء -؛ للتلازم؛ حيث إن شريك زيد لا يلزمه تسليم ما لم يرهنه هو لبكر، وبكر - وهو المرتهن - لا يلزمه ترك الشيء المرهون بيد شريك زيد: فيلزم أن يقوم الحاكم باستلام المرهون وما تعلَّق به ويجعله بيد أمينة ولو بأجرة؛ لأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر: فلزم ما قلناه.
(^١٦) مسألة: يصح رهن أيِّ شيء يصح أن يكون مبيعًا قبل قبضه على ثمنه أو غير =
[ ٣ / ٢٠٥ ]
يصح رهنه)؛ لعدم حصول مقصود الرَّهن منه (^١٧) (إلا الثمرة والزَّرع الأخضر قبل بدو صلاحهما بدون شرط القطع) فيصحّ رهنهما مع أنه لا يصحّ بيعهما بدونه؛ لأن النهي عن البيع؛ لعدم الأمن من العاهة، ولهذا أمر بوضع الجوائح، وبتقدير تلفهما لا يفوت حق المرتهن من الدَّين؛ لتعلُّقه بذمَّة الراهن (^١٨) ويصح رهن الجارية دون
ثمنه، على بائعه أو غيره - أما المكيل، والموزون، والمعدود، والمذروع فلا يصح رهنه قبل قبضه؛ للقياس وهو من وجهين: أولهما: كما يصح بيع المبيع - غير المكيل والموزون - قبل قبضه، فكذلك يصح رهنه قبل قبضه، والجامع: أن كلًّا منهما مستحق للقبض وهو مشابه لرهن الشيء بعد قبضه؛ لكون الثمن في الذمة دين، والمبيع ملك للمشتري فجاز رهن ذلك المبيع ثانيهما: كما لا يصح بيع المكيل، والموزون، والمذروع، والمعدود قبل قبضه فكذلك لا يصح رهن تلك الأشياء قبل قبضها والجامع: أن كلًّا منها لا يصح بربح، ولا برأس ماله، ولا يصح هبته قبل قبضه، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لأموال المتبايعين من التحايل عليها أو أكلها بالباطل.
(^١٧) مسألة: كل ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه مثل: الوقف، وأم الولد، والعبد والحيوان الهاربين، والطير في الهواء، والسمك في الماء، والعين المرهونة سابقًا؛ للمصلحة: حيث إن المقصود من الرهن: أن يستوفي المرتهن دينه من ثمن هذا المرهون عند تعذُّر سداد الراهن للدَّين الذي عليه، وهذا لا يمكن فيما لا يصح بيعه؛ لعدم التمكّن من العين المرهونة والتصرُّف بها بالبيع، ولو جاز ذلك لتضرَّر المرتهن.
(^١٨) مسألة: يصح رهن ثمرة الشجرة قبل بدو صلاحها -كظهور صفاره وحماره في التمر، وحلاوته ومائه في العنب، ويصح رهن الزَّرع الأخضر قبل بدوّ صلاحه - كاشتداد الحب - فيصحّ رهنهما وإن لم يُشترط القطع مباشرة، وإن كان هذا ممّا لا يصح بيعه؛ للسنة القولية: حيث "نهى ﵇ عن بيع الثمر حتى يبدو =
[ ٣ / ٢٠٦ ]
ولدها، وعكسه، ويُباعان، ويختصُّ المرتهن بما قابل الرهن من الثمن (^١٩) (ولا يلزم الرهن) في حقِّ الراهن (إلّا بالقبض) كقبض المبيع؛ لقوله تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ ولا فرق بين المكيل وغيره، وسواء كان القبض من المرتهن، أو مَنْ اتفقا عليه (^٢٠)،
صلاحه حتى تؤمن العاهة" "ونهى عن بيع الحب حتى يشتدّ" فتكون العلَّة من ذلك النهي عن بيع هو: الخوف من أن تصيبه العاهة فيُحرم المشتري منه، فيكون هذا من باب بيع ما فيه غرر وجهالة وهو منهي عنه أيضًا ودلّ مفهوم العلّة منه على أن ما لا غرر فيه ولا جهالة، أو ما كان فيه غرر وجهالة قليلة جائز بيعه، والرهن يقل فيه الغرر؛ لكون الثمرة أو الزرع متى تلفت عاد المرتهن إلى الراهن وأخذ حقه الذي في ذمته، بخلاف البيع فلم يصحّ قبل بدوّ صلاحهما؛ لأن الغرر فيه وخشية التلف وارد غالبًا لذلك أمر ﵇: "بوضع الجوائح" قائلًا: "بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ " أما رهنه: فجائز؛ لقلَّة ذلك، وتوسعة على المسلمين.
(^١٩) مسألة: يصحُّ رهن الأمة دون ولدها، ويصحُّ رهن ولدها دونها، فإن لم يدفع الراهن ما عليه من الدَّين: فإن المرتهن - يبيع الأمة وولدها معها - وإن كانت الأمة هي المرهونة فقط، أو كان ولدها هو المرهون فقط -، ويأخذ المرتهن دينه، والباقي - إن بقي شيء - يُرجعه إلى الراهن؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز البيع في ذلك فكذلك يجوز الرهن فيه والجامع: أن كلًّا منهما يُمكن أن يستوفي المرتهن دينه منه، فإن قلتَ: لِمَ يبيع الأمة وولدها وإن كانت الأمة هي المرهونة، وكذا الحال في الولد؟ قلتُ: لأنه لا يجوز بيع الأمة دون ولدها أو بيع الولد دون أُمِّه الأمة؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تفريق بين دي الرحم.
(^٢٠) مسألة: الرهن لا يلزم الراهن: إلّا بشرط أن يقبض المرتهن العين المرهونة، وذلك بتسليم الراهن العين المرهونة للمرتهن، ورفع يده عنها، أو تسليم مَنْ اتّفق عليه الراهن والمرتهن أن تكون تلك العين المرهونة عنده: سواء كان المرهون =
[ ٣ / ٢٠٧ ]
والرهن قبل القبض صحيح، وليس بلازم فللراهن فسخه، والتصرُّف فيه (^٢١)، فإن تصرَّف فيه بنحو بيع أو عتق: بطل، أو بنحو إجارة، أو تدبير لا يبطل؛ لأنه لا يمنع من البيع (^٢٢) (واستدامته) أي: القبض (شرط) في: اللُّزوم؛ للآية، وكالابتداء (^٢٣)
مكيلًا أو موزونًا أو غيرهما؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ فاشترط للزوم الرَّهن: القبض للمرهون؛ ليكون وثيقة عند المرتهن يبيعه إن لم يفِ الراهن بدينه، أما قبل القبض: فليس بوثيقة يستطيع المرتهن بيعه ليستفيد من ثمنه وهذا هو المقصد الشرعي منه.
(^٢١) مسألة: يصحُّ رهن شيء لم يقبضه المرتهن من الراهن، ولكنه ليس بلازم في حقِّ الراهن: فيجوز للراهن أن يفسخه، وأن يتصرَّف فيه بأي تصرُّف شاء، للتلازم؛ حيث إن عدم وجود شرط الرَّهن - وهو: قبض المرتهن له - يلزم منه: صحة الرهن، وعدم لزومه في حقِّ الراهن، فيتصرَّف فيه كيفما شاء.
(^٢٢) مسألة: إذا تصرَّف الراهن في المرهون قبل أن يقبضه المرتهن: ففيه حالتان: الحالة الأولى: إن كان تصرُّفه هذا مُزيلًا لملكيته له: كأن يبيع الراهن المرهون، أو كان المرهون عبدًا فيعتقه أو يبيعه: فإن الرهن يبطل؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من بيعه أو إعتاقه: عدم استفادة المرتهن من ذلك المرهون للاستيفاء منه لسداد دينه الذي على الراهن، فيكون باطلًا، لفقدان المقصد من مشروعية الرهن، الحالة الثانية: إن كان تصرَّف الراهن في المرهون لا يُزيل ملكيته له كأن يؤجِّر الشيء المرهون، أو يُكاتبه، أو يُزوج الأمة، أو يتدبَّر فيه بهدم بعضه وبناء البعض الآخر ونحو ذلك: فلا يبطل الرهن؛ للتلازم؛ حيث إن التصرُّف الذي لا يخرج المرهون من ملكه لا يمنع من بيع المرتهن له، واستيفاء حقه الذي على الراهن، فوجد المقصد من الرهن.
(^٢٣) مسألة: يشترط في قبض المرتهن للمرهون: أن يستمر ذلك القبض في يد المرتهن حتى يأخذ حقه من الراهن، أو في يد مَنْ اتفقا عليه، وهو شرط لبقاء لزوم =
[ ٣ / ٢٠٨ ]
(فإن أخرجه) المرتهن (إلى الراهن باختياره) ولو كان نيابة عنه: (زال لزومه)؛ لزوال استدامة القبض، وبقي العقد كأنه لم يُوجد فيه قبض (^٢٤)، ولو آجره، أو أعاره لمرتهن أو غيره بإذنه: فلزومه باق (^٢٥) (فإن ردَّه) أي: ردَّ الراهن الرهن (إليه) أي: إلى المرتهن: (عاد لزومه إليه)؛ لأنه أقبضه باختياره فلزم كالابتداء، ولا يحتاج إلى تجديد عقد لبقائه (^٢٦)،
عقده؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فرهان مقبوضة﴾ حيث إنه يلزم من لفظ "مقبوضة" استمرار القبض إلى استيفاء المرتهن لدينه، أو بيع هذا المرهون الثانية: القياس، بيانه: كما أنه يُشترط القبض في لزوم الرهن ابتداء، فكذلك يُشترط استدامة هذا القبض؛ لكون هذه الاستدامة في القبض يُحقِّق للمرتهن الغرض الذي من أجله شُرع الرهن، وهو أن يبيعه المرتهن ويأخذ حقه إن لم يفِ الراهن بدينه، وهذا هو المقصد منه.
(^٢٤) مسألة: إذا أخرج المرتهن العين المرهونة من يده وسلَّمها للراهن باختياره، أو بواسطة نائبه: فإنه يزول استدامة القبض، ويُوجد العقد وكأنه لم يُوجد فيه قبض مرهون؛ للتلازم؛ حيث إن استدامة القبض شرط في لزوم المرهون، فيلزم من إعطاء المرتهن العين المرهونة باختياره للراهن: إزالة هذه الاستدامة، (فرع): يجب على الراهن أن يدفع المرهون إذا طلبه المرتهن؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿اوفوا بالعقود﴾ وهذا عام؛ لأن "العقود" جمع معرَّف بأل، وهو من صيغ العموم، فيشمل الرهن؛ لأنه عقد.
(^٢٥) مسألة: إذا أخرج المرتهن العين المرهونة وسلَّمها للراهن ثم أجَّرها الراهن لمرتهن أو لغيره، أو أعارها لأحدهما بإذن المرتهن: فإن لزوم الرهن باق لم يتغيَّر؛ للتلازم؛ حيث إن هذا التصرف لا يمنع المرتهن أن يبيع العين المرهونة إذا لم يفِ الراهن بدينه، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في مسألة (٢٢).
(^٢٦) مسألة: إذا أخرج المرتهن العين المرهونة وسلَّمها للراهن، ثم ردَّ الراهن هذه =
[ ٣ / ٢٠٩ ]
ولو استعار شيئًا ليرهنه: جاز (^٢٧)، ولربِّه الرجوع قبل إقباضه لا بعده (^٢٨)، لكن له مطالبة الراهن بفكاكه مُطلقًا (^٢٩)، ومتى حلَّ الحقُّ ولم يقضه: فللمرتهن بيعه،
العين المرهونة إلى المرتهن: فإن لزوم الرهن يعود إلى الراهن بحكم العقد الأول ولا يحتاج إلى عقد جديد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن لزوم الرهن يكون بالقبض ابتداء، فكذلك يكون في هذه الحالة والجامع: أن كلًّا منهما إحد حالتي الإلزام فيه، فإن قلتَ: لِمَ لا يحتاج إلى عقد جديد؟ قلتُ: للاستصحاب؛ حيث إنه لم يطرأ عليه ما يُغيُّره أو يُبطله؛ قياسًا على ما لو تأخر قبض المرهون عن العقد.
(^٢٧) مسألة: إذا استعار زيد من بكرٍ إناءً ليرهنه عند محمد؛ لكون محمدًا قد أعطى زيدًا دينًا بقيمة مائة درهم - مثلًا -: فإن ذلك جائز بشرط أن يذكر زيد لبكر: أنه سيرهن ذلك الإناء عند محمد - وهو المرتهن - بسبب دين أخذه منه وقدره كذا والمدة كذا؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز استعمال الشيء المستعار - وهو الإناء هنا - فكذلك يجوز رهنه، والجامع: أنه في كل منهما قابل للتلف؛ فإن قلتَ: لِمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذكر القدر، وجنسه، والمدة يُوجد ضرر بسبب اختلافها.
(^٢٨) مسألة: يجوز للمعير - وهو بكر في مسألة (٢٧) - أن يرجع في إذنه لرهن ذلك الإناء الذي أخذه منه زيد ليرهنه عند محمد وذلك قبل أن يقبض المرتهن - وهو محمد هنا - ذلك الإناء، ولا يجوز لبكر - المعير - أن يرجع في ذلك بعد قبض المرتهن لذلك الإناء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الرجوع حقًا قبل القبض: جواز الرجوع، ويلزم من قبض المرهون - والمستعار وهو الإناء -: أن لا يجوز؛ لأنه لزم الراهن بقبض المرهون منه.
(^٢٩) مسألة: يجوز للمعير - وهو بكر في مسألة (٢٧) - أن يُطالب المستعير - وهو زيد، وهو الراهن - بأن يفكَّ عن إنائه - وهو المرهون عند محمد المرتهن ذلك الرهن، وهذا مطلق، أي: سواء عيَّن زيد مدة الرهن، أو لا، وسواء عيَّن مُدَّة العارية =
[ ٣ / ٢١٠ ]
واستيفاء دينه منه، ويرجع المعير بقيمته أو مثله، وإن تلف ضمنه الراهن وهو المستعير ولو لم يُفرِّط المرتهن (^٣٠) (ولا ينفذ تصرُّف واحد منهما) أي من الراهن، والمرتهن (فيه) أي: في الرهن المقبوض (بغير إذن الآخر)، لأنه يُفوِّت على الآخر حقِّه (^٣١)، فإن لم يتفقا على المنافع: لم يجز الانتفاع، وكانت معطَّلة، وإن اتفقا على الإجارة أو
أو لا، وسواء كان الدَّين حالًا على زيد، أو لا، للتلازم؛ حيث يلزم من كون العارية غير لازمة: جواز المطالبة بها.
(^٣٠) مسألة: إذا لم يفِ زيد بدينه الذي عليه: فإن للمرتهن - وهو محمد في مسألة (٢٧) - أن يبيع ذلك الإناء المستعار - وهو المرهون - وأخذ دينه - وهو المائة درهم - منه، والباقي - إن بقي شيء - يُسلِّمه للراهن - وهو زيد -، والمعير - وهو بكر - يرجع إلى المستعير منه الإناء - وهو زيد - ويُطالبه بمثل الإناء الذي أعاره إياه، أو بقيمته، وإن تلف ذلك الإناء: فإن الراهن - وهو المستعير وهو زيد - يضمنه: سواء فرَّط المرتهن - وهو محمد - أو لم يُفرِّط - للتلازم؛ حيث إن مقتضى الرَّهن يلزم منه: بيع المرهون إن لم يف الراهن بدينه، فإن قلتَ: لِمَ يضمن المستعير العارية مطلقًا؟ قلتُ: لأن العارية مضمونة مطلقًا: أي: سواء أتلفها بنفسه، أو تلفت بآفة سماوية.
(^٣١) مسألة: لا يجوز أن يتصرَّف المرتهن والراهن في العين المرهونة والتي قبضها المرتهن إلّا بإذن أحدهما للآخر، فلو تصرَّف أحدهما بها ببيع أو هبة أو وقف، أو رهن مرة ثانية بدون إذن الآخر: فإن هذا التصرُّف باطل؛ للتلازم؛ حيث إن تلك العين المرهونة لا زالت داخلة في ملك الراهن، فلو تصرَّف فيها المرتهن: للزم أن يكون قد تصرَّف في ملك غيره، وهي أيضًا وثيقة في يد المرتهن؛ ليستوفي منها دينه إن لم يُعطه الراهن حقَّه في الوقت المحدَّد، فلو تصرَّف فيها الراهن: للزم إبطال حق المرتهن من تلك الوثيقة ولأزال المقصود من مشروعية الرَّهن، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن تصرُّف أحدهما بدون إذن الآخر يُفوِّت حقَّ الآخر فيها.
[ ٣ / ٢١١ ]
الإعارة: جاز (^٣٢)، ولا يمنع الراهن من سقي شجر وتلقيح، ومداواة، وفصد،
(^٣٢) مسألة: يجوز للراهن: أن ينتفع من العين المرهونة بإجارتها، أو إعارتها مدة لا يتأخر انقضاؤها عن حلول الدَّين، وهو مذهب مالك والشافعي؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ "حيث "نهى ﵇ عن إضاعة المال" وهذا عام؛ لأن "إضاعة المال" منكَّر مضاف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه لأن تعطيل منفعة العين المرهونة يُعتبر من إضاعة المال، فيكون داخلًا في المنهي عنه، بل يكون تعطيله محرمًا؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم، الثانية: التلازم؛ حيث إن العين المرهونة لا زالت داخلة في ملك الراهن في مُدَّة الدَّين، والمقصود من الرهن هو: الاستيثاق، واستيفاء الدين من ثمن العين المرهونة عند تعذُّر استيفاء ذلك من ذمة الراهن، وهذا يلزم منه: أن الراهن ينتفع منه بما لا يُزيل ملكه عنه، فإن قلتُ: إن اتفق الراهن والمرتهن على إجارة العين المرهونة أو إعارتها والانتفاع بذلك: جاز، وإن لم يتفقا: لم يجز، وتبقى العين المرهونة معطَّلة عن الانتفاع بها حتى يُفكُّ الرهن - وهو ما ما ذكره المصنف هنا -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المبيع الذي لم يُدفع ثمنه لا يتصرَّف فيه البائع والمشتري فكذلك العين المرهونة مثله والجامع: أن كلًّا منهما عين محبوسة ليست حقًا للطَّرفين قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن العين المرهونة قد ثبتت ملكيتها للراهن، وإنما جعلها عند المرتهن وثيقة ليؤكِّد له أنه سيفي بدينه، فله الانتفاع بها بخلاف العين المباعة التي لم يُدفع ثمنها فهي في وقت الخيار أو في وقت مهلة النظر وهو عادة يكون وقتًا قصيرًا جدًا لا يحتمل الانتفاع أو عدمه، أما العين المرهونة فوقتها عادة طويل جدًا يحتمل الانتفاع، ومع الفرق: لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "معارضة القياس الخاص للنص العام"، فعندنا: يعمل بالنص العام، وعندهم يُعمل بالقياس الخاص.
[ ٣ / ٢١٢ ]
وإنزاء فحل على مرهون، بل من قطع سلعة خطرة (^٣٣) (إلا عتق الراهن) المرهون: (فإنه يصحّ مع الإثم)؛ لأنه مبني على السراية والتغليب (وتؤخذ قيمته) حال الإعتاق من الراهن؛ لأنه أبطل حق المرتهن من الوثيقة، وتكون (رهنًا مكانه) لأنها بدل عنه، وكذا: لو قتله، أو أحبل الأمة بلا إذن المرتهن، أو أقرَّ بالعتق وكذَّبه (^٣٤) (ونماء
(^٣٣) مسألة: لا يجوز للمرتهن أن يمنع الراهن من فعل أي شيء ينفع العين المرهونة، أو يدفع عنها فسادًا: كسقي شجر مرهون، أو تلقيح نخل مرهون، أو مداواة وفصد عبد مرهون، أو جلب الفحل من البهائم لإنزائه على الأنثى من البهائم المرهونة ونحو ذلك من أي شيء يُزيل أيَّ أذى عن المرهون؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة للمرهون، ودفع مفسدة عنه، فيكون في ذلك زيادة في حق المرتهن، من غير أن يلحقه ضرر.
(^٣٤) مسألة: إذا كانت العين المرهونة عبدًا: فأعتق الراهن ذلك العبد: فالعبد يعتق، مع أن الراهن يأثم بذلك، ويأخذ المرتهن قيمة ذلك العبد المعتق، لتكون رهنًا مكان العبد، وكذلك: يصح ذلك إذا رهن أمة وأعتقها، وكذلك: يصح إذا قتل العبد أو الأمة، وكذلك: يصح ذلك إذا جامع الراهن الأمة وحملت منه بغير إذن المرتهن؛ للتلازم؛ وهو من وجوه: أولها: أن الراهن يملك العين المرهونة: فإذا كانت عبدًا أو أمة فأعتقهما: فيلزم من ذلك أن يقع العتق؛ لكونه تصرَّف في ملكه في شيء مبني على سراية العتق فيه فيما إذا أعتق نصيبه من عبد فيه شراكة، وفي شيء يتشوَّف الشارع إلى فعله والحثّ عليه. ثانيها: أن العين المرهونة - وهي هنا العبد أو الأمة - وهي: وثيقة من حق المرتهن فيلزم أن يأثم الراهن إذا أعتقه؛ لكونه حرم المرتهن من حقه بهذه الطريقة. ثالثها: أن جعل قيمة العين المرهونة مكان تلك العين من لوازم عقد الرهن؛ لئلا يُبطل المقصود من الرهن، فيكون هذا بدلًا عن تلك العين، فائدة: قتل العين المرهونة، ووطأ الأمة المرهونة ونحو ذلك مثل عتقهما تمامًا فيما سبق. (فرع): إذا أقرَّ الراهن بعتق العبد، وكذبه =
[ ٣ / ٢١٣ ]
الرهن) المتصل والمنفصل كالسمن، وتعلم الصنعة، والولد، والثمرة، والصوف (وكسبه، وأرش الجناية عليه ملحق به) أي: بالرهن، فيكون رهنًا معه، ويُباع معه؛ لوفاء الدَّين إذا بيع (ومؤنته) أي الرهن (على الراهن)؛ لحديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يُغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه" رواه الشافعي والدارقطني، وقال: إسناده حسن صحيح (و) على الراهن أيضًا (كفنه) ومؤنة تجهيزه بالمعروف؛ لأن ذلك تابع لمؤنته (و) عليه أيضًا (أجرة مخزنه) إن كان مخزونًا، وأجرة حفظه (^٣٥) (وهو أمانة في يد المرتهن)؛ للخبر السابق،
المرتهن واختلفا: فيلزم الراهن قيمته تكون رهنًا عند المرتهن (فرع ثان) إن أعتق الراهن ذلك العبد بإذن المرتهن: فإنه ينفذ، ولا تكون قيمته رهنًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إسقاطه حقه: عدم مطالبة الراهن ببدل عن العبد.
(^٣٥) مسألة: جميع ما يُتحصَّل عليه من نماء للعين المرهونة وزيادة فيها: من كسب عبد، أو إرش جناية عليه، أو تعلُّم عبد لصنعة، وإخراج سمن من بهيمة، أو ولد لها، أو ثمر في شجر، أو زرع، أو صوف من بهائم ونحو ذلك: فإنه يلحق بتلك العين المرهونة فيكون مرهونًا معه، فإذا بيعت تلك العين المرهونة؛ ليستوفي المرتهن دينه من ثمنها: فإن تلك الزيادات تُباع معها، فيأخذ المرتهن حقَّه، ويُردُّ الباقي إلى الراهن - إن بقي شيء - ومؤنة العين المرهونة كإطعامها وكسوتها، وأجرة حفظها ونفقات تجهيزها لو ماتت - كموت عبد أو أمة -، وسقيه وسقيها، وجذاذها، ومداواتها، وعلفها ونحو ذلك يكون على الراهن؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه، وعليه غرمه" فلزم من ذلك: أن يكون غنم ومكسب وزيادة هذا المرهون تابع للراهن إذا بيع المرهون ترجع إليه ما زاد عن دينه، وعلى الراهن غرمه وهلاكه ونفقته، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الرهن ملكًا للراهن قبل أن يبيعه المرتهن: أن يكون غنمه ونفقته على الراهن، للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه =
[ ٣ / ٢١٤ ]
ولو قبل عقد الرهن كبعد الوفاء (إن تلف من غير تعدٍّ) ولا تفريط (منه) أي: من المرتهن: (فلا شيء عليه) قاله علي ﵁؛ لأنه أمانة في يده كالوديعة، فإن تعدَّى أو فرَّط: ضمن (^٣٦) (ولا يسقط بهلاكه) أي: الرهن (شيء من دينه)؛ لأنه كان ثابتًا في ذمة الراهن قبل التلف، ولم يُوجد ما يُسقطه فبقي بحاله، وكما لو دفع إليه عبدًا ليبيعه، ويستوفي حقَّه من ثمنه فمات (^٣٧) (وإن تلف بعضه) أي: الرهن (فباقيه
حماية لحق الراهن والمرتهن.
(^٣٦) مسألة: العين المرهونة أمانة في يد المرتهن إذا قبضها ولو قبل عقد الرهن؛ فإن تلفت في يده بسبب تعدٍّ أو تفريط منه كأن يستعملها ونحو ذلك: فإنه يضمنها للراهن - إن سدَّد الراهن دينه في وقت حلوله -، أما إن تلفت بغير تعدٍّ منه أو تفريط: فلا شيء عليه؛ لقواعد، الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه" فالمرتهن قد أُؤتمن على العين المرهونة الثانية: القياس، بيانه: كما أن الوديعة إذا تلفت بتعدٍ وتفريط من المودَع: فإنه يضمنها، وإذا تلفت بآفة سماوية: فلا يضمنها، فكذلك العين المرهونة مثلها، والجامع: أن كلًّا منهما عقد على عين للحفاظ عليها إلى حين. الثالثة: قول الصحابي؛ حيث قد روي عن علي: أنه لا شيء على المرتهن إذا تلفت العين المرهونة في يده، من غير تفريط، ودلَّ مفهوم الصفة على أنه يضمن إذا فرَّط وتلفت، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الراهن.
(^٣٧) مسألة: إذا تلفت العين المرهونة وهلكت بأي سبب كأن تنهدم الدار، بدون تعدٍّ أو تفريط من المرتهن: فإن الدَّين الذي على الراهن يبقى على حاله لا يسقط شيء منه؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن الدَّين لا يسقط إلا بأحد أمرين: إما أن يُسدِّد الراهن الدَّين الذي في ذمته للمرتهن، أو يقوم المرتهن ببيع العين المرهونة، ويأخذ حقَّه من ثمنها، ولا ثالث لهما، وتلف العين المرهونة من غير تعد أو تفريط من المرتهن ليس أحدهما فيلزم ثبوت ذلك الدين كله في ذمة الراهن؛ لعدم =
[ ٣ / ٢١٥ ]
رهن بجميع الدَّين)؛ لأن الدَّين كلَّه مُتعلِّق بجميع أجزاء الرَّهن (^٣٨)، (ولا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدَّين)؛ لما سبق: سواء كان مما تُمكن قسمته أو لا (^٣٩)، ويُقبل قول
وجود ما يُسقطه فيبقى على حاله؛ الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو دفع إلى بكر عبدًا ليبيعه ويستوفي بكر حقه الذي على زيد من ثمنه، ثم مات ذلك العبد: فإن حق بكر الذي يُطالب به زيدًا لا يسقط، فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما تُوجد عين محبوسة في يده بعقد على استيفاء حق له عليه، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المرتهن.
(^٣٨) مسألة: إذا تلف بعض العين المرهونة كأن ينهدم جزء من الدار المرهونة: فإن البعض الآخر يبقى مرهونًا: بجميع الدين الذي يُطالب المرتهن الراهن به؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن العين كلها مرهونة، فلما تلف بعضها بقي البعض الآخر رهنًا؛ لعدم وجود ما يُغيِّره عن ذلك، وتلف بعضه لا يصلح أن يكون مُغيِّرًا، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يأتي دليل يُغيِّر الحالة، ولم يُوجد ذلك الدليل، فيبقى الحكم على الأصل، الثانية: التلازم؛ حيث إن جملة العين مرهونة، فإذا تلف بعضها يلزم أن يبقى البعض الآخر مرهونًا؛ لكونه من الجملة، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الراهن؛ إذ لا يجب عليه تعويض المرتهن عمّا تلف؛ لكونه ليس بسببه.
(^٣٩) مسألة: إذا قضى الراهن بعض دينه وأعطاه للمرتهن: فإن العين المرهونة لا ينفكّ بعضها بسبب قضاء هذا البعض من الدين: سواء كانت تلك العين المرهونة مما يُمكن قسمته كالثياب، أو لا كالدار، وبناء على ذلك: فإن العين المرهونة لا ينفكّ رهنها إلا بعد أن يقضي الراهن جميع دينه؛ للتلازم؛ حيث إن الدَّين متعلق بجميع أجزاء العين المرهونة، فتكون العين المرهونة محبوسة بكل جزء من أجزاء الدَّين، فيلزم من ذلك: أن لا ينفك بعضها بقضاء بعض الدَّين، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المرتهن؛ حيث إنه =
[ ٣ / ٢١٦ ]
المرتهن في التلف (^٤٠)، وإن ادَّعاه بحادث ظاهر: كُلِّف بينة بالحادث وقُبل قوله في التلف، وعدم التفريط، ونحوه (^٤١) (وتجوز الزيادة فيه) أي: في الرهن: بأن رهنه عبدًا بمائة، ثم رهنه عليها ثوبًا؛ لأنه زيادة استيثاق (^٤٢) (دون) الزيادة في (دينه) فإذا رهنه
يُحتمل: أن لا يقضي الراهن باقي الدَّين، فيتضرَّر المرتهن، فدفعًا لذلك شُرّع هذا.
(^٤٠) مسألة: إذا تلفت العين المرهونة عند المرتهن ولم يذكر سببًا للتلف، أو ذكر سببًا لا يُمكنه إظهاره كسرقته مثلًا - بدون تعد من المرتهن -: فإنه يُقبل قوله إذا ادَّعى تلفه مع يمينه، فإن امتنع عن اليمين: فإنه يتحمَّل قيمة العين المرهونة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المودَع إذا ادَّعى تلف الوديعة بآفة سماوية: فإنه يُقبل قوله مع يمينه، وإن امتنع عن اليمين: فإنه يتحمَّل قيمة الوديعة، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما أمانة في يد من أخذها فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المرتهن، واليمين فيه احتياط.
(^٤١) مسألة: إذا تلفت العين المرهونة عند المرتهن، وذكر سببًا ظاهرًا للتلف وهو الحادث الظاهر كأن يقول: "إنها احترقت، أو أصابتها السيول" أو نحو ذلك، فإن الراهن يطلب من المرتهن بيّنة ودليل يشهد بذلك الحادث الظاهر الذي أصاب العين المرهونة حتى تلفت، فإذا أقام البيّنة على ذلك: قبل قوله بدون يمين، وإن لم يُقم بيّنة: فإنه يتحمَّل قيمة العين المرهونة؛ للقياس؛ على الوديعة في ذلك وقد سبق بيانه، فإن قلتَ: لِمَ طُلب من المرتهن البيّنة على ذلك؟ قلتُ: لعدم خفاء ذلك الحادث، ولضمان حق الراهن. (فرع): إذا ادَّعى المرتهن أن العين المرهونة قد تلفت بدون تعدٍّ منه أو تفريط: فإنه يُقبل قوله مع يمينه؛ للقياس على الوديعة، وقد سبق في مسألة (٤٠).
(^٤٢) مسألة: يجوز أن يزيد الراهن في العين المرهونة، فلو رهن زيد عند بكر دارًا - بسبب دين لبكر على زيد -: فإنه يجوز لزيد أن يزيد ذلك حانوتًا ونحوه، فتكون العين المرهونة عند بكر دارًا وحانوتًا معًا بنفس الدَّين الذي على زيد؛ للقياس؛ =
[ ٣ / ٢١٧ ]
عبدًا بمائة: لم يصح جعله رهنًا بخمسين مع المائة، ولو كان يُساوي ذلك؛ لأن الرهن اشتغل بالمائة الأولى، والمشغول لا يُشغل (^٤٣) (وإن رهن) واحد (عند اثنين شيئًا) على دين لهما (فوفَّى أحدهما): انفكَّ في نصيبه؛ لأن عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة عقدين، فكأنه رهن كل واحد منهما النصف منفردًا، ثم إن طلب المقاسمة: أجيب إليها إن كان الرهن مكيلًا أو موزونًا (^٤٤) (أو رهناه شيئًا فاستوفى من أحدهما: انفكَّ
بيانه: كما أن العين المرهونة - وهي: الدار - جائزة، فكذلك تجوز العين الأخرى - وهي: الحانوت - والجامع: أن كلًّا منهما وثيقة تكون عند المرتهن؛ للاستيثاق، قلتُ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه استيثاق وزيادة وهذا يؤكد صدق الرهن.
(^٤٣) مسألة: لا يجوز أن يزيد الراهن في دينه: كأن يرهن زيد دارًا عند بكر بدين لبكر على زيد مقداره عشرة آلاف ريال، فلا يجوز جعل الدار رهنًا بعشرين ألف، ولو كانت الدار تساوي ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون تلك الدار مرهونة: أن لا تُرهن مرة أخرى بدين آخر، فتكون عينًا مرهونة بدينين معًا؛ لكون الدار مشغولة بالرهن الأول فلا تُشغل مرة أخرى، فإن قلتَ: لِمَ لا يجوز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة التنازع عند سداد أحد الدينين.
(^٤٤) مسألة: إذا استدان زيد من بكر عشرة آلاف ريال، واستدان من محمد عشرة آلاف أيضًا، ورهنهما زيد عينًا واحدة: فإن ذلك جائز، ويكون نصف العين المرهونة يخصُّ بكرًا، والنصف الآخر منها يخصُّ محمدًا: فإذا قضى زيد دين بكر وأعطاه العشرة التي أخذها منه: انفك الرهن الذي يخصُّ نصيبه - أي: انفكّ نصف العين المرهونة، فخرجت حصته من الرهن - فإن كانت العين المرهونة لا تنقسم كالدار بقيت كلها بيد مرتهن النصف الآخر - وهو محمد هنا - بعضها رهن وبعضها وديعة، وإن كانت تنقسم كالمكيلات والموزونات: فإن الراهن - وهو زيد - يأخذ نصفه الذي انفكّ ويُبقي النصف الآخر في يد المرتهن الآخر - وهو =
[ ٣ / ٢١٨ ]
في نصيبه)؛ لأن الرَّاهنُ مُتعدِّد: فلو رهن اثنان عبدًا لهما عند اثنين بألفٍ فهذه أربعة عقود، ويصير كل ربع منه رهنًا بمائتين وخمسين (^٤٥)، ومتى قضى بعض دينه، أو
محمد -؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز بيع العين الواحدة على اثنين فكذلك يجوز رهنها عند دائنين، والجامع: أنه لكل واحد منهما عقد يخصه، فكأنه عقدين منفصلين، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ فقد لا يملك الراهن إلّا عينًا واحدة، وهو محتاج لهذين الدينين، ففتح له الشارع هذا الباب. فإن قلتَ: لِمَ فُرِّق بين المنقسم وغيره؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لملك الراهن، والمرتهن الآخر - وهو محمد هنا -.
(^٤٥) مسألة: إذا استدان زيد من بكر عشرة آلاف، واستدان محمد من بكر أيضًا عشرة آلاف، ورهناه - أي: زيد ومحمد عند بكر هذا - دارًا هما شركاء فيها - مثلًا -: فإن هذا جائز، ويكون المرتهن - وهو بكر هنا - قد ارتهن تلك الدار، المشتركان فيها، كل نصف منها بحسبه، فإذا استوفى بكر من زيد العشرة الآلاف التي تخصُّه: فإنه ينفكُّ نصيبه من العين المرهونة - وهو: نصف الدار -؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز للاثنين بيع العين التي يشتركان فيها على شخص واحد، فكذلك يجوز أن يرهناها عنده، والجامع: أن لكلّ واحد منهما عقد، يخصُّه، فيتعلَّق كل منهما بنصيبه؛ فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ فقد لا يملك الراهن إلا جُزءًا من عين، وهو محتاج لذلك الدَّين، ففتح الله له ذلك الباب، (فرع): رهن ما يُشترك فيها جائز عند واحد واثنين فيكون كل واحد مُتعلِّق بنصيبه، ولو كثُر الشركاء فمثلًا: لو أن تلك الدار يشترك فيها زيد ومحمد، وهي تساوي عشرة آلاف ورهناها عند بكر وخالد، فيكون هذه عقد عقدين؛ لكونه رهن نصيبه عند بكر وخالد، ومحمد مثله، فتكون هذه أربعة عقود؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون كل قسط ملك شخصٍ مُعيَّن يستطيع بيعه: جوازه.
[ ٣ / ٢١٩ ]
أبريء منه، وببعضه رهن، أو كفيل: فعمَّا نواه، فإن أطلق: صرفه إلى أيِّهما شاء (^٤٦) (ومتى حلَّ الدَّين): لزم الراهن الإيفاء كالدَّين الذي لا رهن به (^٤٧) (و) إن (امتنع من وفائه: فإن كان الراهن أذن للمرتهن، أو العدل) الذي تحت يده الرهن (في بيعه: باعه)؛ لأنه مأذون له فيه، فلا يحتاج لتجديد إذن من الراهن وإن كان البائع العدل: اعتبر إذن المرتهن أيضًا (ووفَّى الدَّين)؛ لأنه المقصود بالبيع، وإن فضل من ثمنه شيء: فلمالكه، وإن بقي منه شيء فعلى الراهن (وإلا) يأذن في البيع ولم يوف: (أجبره
(^٤٦) مسألة: إذا قضى الراهن بعض دينه، أو أُبرئ من بعض دينه، وبعض ذلك الدَّين فيه عين مرهونة عند المرتهن، أو كفيل قد كفله فيها: فإن ما قضاه يقع عمّا نواه منهما، فلو كان عليه دين قدره ألف ريال، بخمسمائة منها قد رهن عينًا عنها أو كفله أحدهم عنها فقضى خمسمائة ونوى أنه يقضي عن البعض الذي فيه الرهن أو الكفيل: فإنه يقع عنه، وينفكُّ الرهن، أو يبرأ الكفيل، فإن لم ينوِ ذلك البعض: فإن الرهن أو الكفالة يبقيان بحالهما دون تغيير أما إن أطلق: فينصرف إلى أيهما شاء المبرئ؛ للتلازم؛ حيث إن النية لأحدهما: تُعيِّن، وتبرأ الذمة بسببها، وبخلاف ما لم ينوِ ذلك البعض: فيلزم عدم البراءة من الرهن أو الكفيل، ويلزم من إطلاقه: انصرافه إلى أيهما شاء؛ لأن التعيين له.
(^٤٧) مسألة: إذا حان وقت الوفاء بالدَّين: فيجب على الراهن أن يوفي بدينه، ويُسلِّمه لمستحقه وهو المرتهن فورًا بدون مماطلة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الدَّين الذي لا رهن فيه يجب الوفاء به إذا حان وقته فورًا فكذلك الدَّين الذي فيه رهن والجامع: أن الذِّمَّة مُنشغلة في كل منهما بسبب العقد فيهما، فإن قلتَ: لِمَ وجب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الوفاء بالدَّين في وقته يُعتبر بمنزلة الشكر والامتنان للذي أعطاه إياه، وتسبَّب في تنفيس كربته، فكما أن الذي أعطاه الدَّين قد رحمه وقضى حاجته، فكذلك ينبغي أن يفعل هذا المستدين، قال تعالى في ذلك: ﴿فليؤد الذي أئتمن أمانته، وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئًا﴾.
[ ٣ / ٢٢٠ ]
الحاكم على وفائه، أو بيع الرهن)؛ لأن هذا شأن الحاكم، فإن امتنع: حبسه، أو عزَّره حتى يفعل (فإن لم يفعل) أي: أصرَّ على الامتناع، أو كان غائبًا، أو تغيَّب: (باعه الحاكم ووفَّى دينه)؛ لأنه حق تعيَّن عليه فقام الحاكم مقامه فيه، وليس للمرتهن بيعه إلّا بإذن ربِّه أو الحاكم (^٤٨).
(^٤٨) مسألة: إذا حان وقت الوفاء بالدَّين وامتنع الراهن عن الوفاء بذلك الدَّين فله حالتان: الحالة الأولى: إن كان الراهن قد أذن للمرتهن، أو الشخص العدل الذي اتفقا على أن تكون العين المرهونة عنده: أن يبيع تلك العين المرهونة إن لم يقض دينه: فإن المرتهن يبيع تلك العين المرهونة، وكذا: الشخص العدل يبيعها بإذن المرتهن، ويستوفي المرتهن دينه من ثمنها، فإن بقي شيء من ثمنها أرجعه إلى الراهن، وإن لم يوف ثمنها دينه رجع المرتهن وأخذ الباقي من الدَّين من الراهن؛ للاستصحاب؛ حيث إن الراهن قد أذن من أول العقد للمرتهن، أو للشخص العدل في بيع العين المرهونة إن لم يقضِ دينه، فنستصحب هذا الإذن، ونعمل به، ولا يحتاج إلى إذن جديد، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يمنع رجوع الراهن عن هذا الإذن فيُفوِّت على المرتهن حقه، فإن قلتَ: لِمَ يُستأذن المرتهن إن كان بائع العين المرهونة هو: الشخص العدل؟ قلتُ: لكون الحق له، فلا بدَّ من أخذ إذنه في حقوقه، الحالة الثانية: إن كان الراهن لم يأذن ببيع العين المرهونة، ولم يوف دينه: فإن الحاكم - وهو القاضي - يُجبر الراهن على الوفاء بدينه، أو يبيع العين المرهونة ليستوفي المرتهن دينه من ثمنه، فإن لم يفعل أحد الأمرين: فإن الحاكم يُعزِّر الراهن بحبسٍ أو أيِّ شيء يُجعله يخرج الحقَّ ويُعطيه مستحقه وهو: المرتهن: فإن لم يفعل ذلك: أو كان الراهن غائبًا، أو قصد التغيُّب؛ لأجل الامتناع عن الوفاء أو بيع العين المرهونة: فإن الحاكم يبيعه، ويُعطي المرتهن حقه، والباقي يُعطيه الراهن - إن بقي شيء -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن للحاكم أن يستوفي للدائن من جنس دينه من غير رهن إذا امتنع المدين =
[ ٣ / ٢٢١ ]
فصل: (ويكون) الرهن (عند من اتفقا عليه)، فإذا اتفقا أن يكون تحت يد جائز التصرُّف: صح، وقام قبضه مقام قبض المرتهن، ولا يجوز تحت يد صبي، أو عبد بغير إذن سيده، أو مكاتب بغير جُعل إلّا بإذن سيده (^٤٩) وإن شرط جعله بين اثنين: لم ينفرد أحدهما بحفظه (^٥٠)، وليس للراهن ولا للمرتهن إذا لم يتفقا، ولا للحاكم نقله
فكذلك الحال هنا، والجامع: التجانس وإحقاق الحق، ومنع الظلم في كل، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه حماية لحق المرتهن، ومنع من أن تؤكل أمواله بالباطل.
(^٤٩) مسألة: إذا اتفق الراهن والمرتهن على أن تكون العين المرهونة عند شخص آخر جائز التصرُّف عدل - وهو: المكلَّف الحر الذي لم يُحجر عليه -: فإن ذلك جائز، ويكون هذا الشخص كالوكيل عن المرتهن، فينوب عنه في قبض العين المرهونة؛ حيث إن قبضه يقوم مقام قبض المرتهن لها، وبناء عليه: فلا يجوز جعل العين المرهونة تحت يد صبي ولا مجنون ولا سفيه ولا فاسق ولا عبد ولا مكاتب بغير جُعل إلا بعد أن يأذن سيدهما؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز توكيل جائز التصرُّف العدل في كل مُباع يُقبض، فكذلك العين المرهونة يجوز التوكيل في قبضها، والجامع: أن كلًّا منهما قبضٌ في عقد، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه قطع للتنازع والاختلاف؛ فإن قلتَ: لِمَ لا تُجعل العين المرهونة تحت أيدي من ذكروا؟ قلتُ: لأن هؤلاء ليس لهم التبرع بمنافع العين المرهونة، أما المكاتب بجعل فيجوز أن تجعل العين المرهونة بيده ولو لم يأذن سيده؛ لأن له الكسب بغير إذن سيده، فإن قلتَ: لِمَ اشترطت العدالة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يضمن عدم ميله إلى أحدهما.
(^٥٠) مسألة: إذا اشترط كل من الراهن والمرتهن جعل العين المرهونة بينهما او بين عدلين أخرين: فإنه لا يجوز أن ينفرد بحفظها أحدهما، بل أن يحفظاها معًا بأن يجعلاها في مخزن كل واحد يحفظ عنده مفتاحًا لذلك المخزن، وإن تغيَّرت حال =
[ ٣ / ٢٢٢ ]
عن يد العدل إلّا أن تتغيَّر حاله (^٥١)، وللوكيل ردُّه عليهما، لا على أحدهما (^٥٢) (وإن
أحدهما: أُقيم عدل مكانه؛ للقياس؛ بيانه: كما أنَّ الوصيين على مال صبي أو مجنون لا ينفرد بحفظه أحدهما، بل يُجعل في موضعٍ يفتحانه معًا فكذلك العين المرهونة لا ينفرد بها المرتهن أو الراهن، بل تكون معهما معًا، والجامع: أن كلًّا منهما لم يتراضيا إلا بحفظ ذلك معًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الراهن والمرتهن.
(^٥١) مسألة: إذا اتفق المرتهن والراهن على جعل العين المرهونة عند شخص جائز التصرف عدل: فلا يجوز لأحدهما ولا للحاكم نقله من يد هذا العدل إلى غيره إلّا إذا تغيَّر حال هذا العدل إلى فسق، أو ضعف، أو اختلال عقل ونحو ذلك: فيجوز لهما أو لأحدهما أو للحاكم نقله منه، أما إن اتفقا على نقله من ذلك العدل: فيجوز نقله: سواء تغيَّرت حاله أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب حيث إنهما قد رضيا بذلك العدل في الابتداء، فيُستصحب ذلك ويعمل عند عدم وجود دليل يُغيِّر الحالة، ولم يُوجد ذلك فلم يجز، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تغيُّر حال العدل إلى الفسق ونحوه جواز نقله منه إلى عدل آخر، ويلزم من اتفاق الراهن والمرتهن على نقله منه وإن كان عدلًا: جواز نقله؛ لأن الحق لهما فقط (فرع): إذا ادَّعى الراهن أو المرتهن أن حال العدل الذي عنده العين المرهونة قد تغيَّر وأنكر الآخر: فإنه يُرفع الأمر إلى الحاكم - وهو القاضي - فيبحث عن ذلك: فإن بان صدق أحدهما: عمل به؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اختلافهما في ذلك: رفع الأمر إلى الحاكم؛ لأنه هو المرجع لقطع التنازع (فرع ثان) إذا اختلفا في الشخص الذي تُوضع عنده العين المرهونة: فإن الحاكم يضعه عند عدل؛ للتلازم؛ كما سبق فإن قلتَ: لِمَ شرع ذلك التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حق الراهن والمرتهن.
(^٥٢) مسألة: إذا اتفق المرتهن والراهن على أن يجعلا العين المرهونة عند شخص عدل، =
[ ٣ / ٢٢٣ ]
أذنا له في البيع) أي: بيع الرهن: (لم يُبع إلّا بنقد البلد)؛ لأن الحظ فيه لرواجه، فإن تعدَّد: باع بجنس الدَّين، فإن عدم: فبما ظنه أصلح، فإن تساوت: عيَّنه حاكم، وإن عيَّنا نقدًا: تعيَّن، ولم تجز مخالفتهما، فإن اختلفا: لم يُقبل قول واحد منهما، ويُرفع الأمر إلى الحاكم، ويأمر ببيعه بنقد البلد: سواء كان من جنس الحق، أو لم يكن، وافق قول أحدهما أو لا (^٥٣) (وإن) باع بإذنهما و(قبض الثمن فتلف في يده) من غير
ثم أراد هذا العدل - وهو الوكيل عنهما - أن يردّها عليهما: فله ذلك، وعليهما قبولها، ولا يجوز لذلك العدل أن يردَّ العين المرهونة إلى الراهن فقط، أو المرتهن فقط؛ للتلازم؛ حيث إن كون ذلك العدل أمينًا متطوعًا بحفظ العين المرهونة. يلزم منه التخلِّي عنها متى شاء، ويلزم منه: أن يقبل المرتهن والراهن منه ذلك؛ شكرًا له على ما فعل، ويلزم من قبضها منهما: أن يردَّها إليهما معًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حثٌّ على التعاون بين المسلمين (فرع): لا يجوز للعدل الذي عنده العين المرهونة أن يدفعها إلى عدل آخر من غير إذن الراهن والمرتهن، إلّا إذا امتنعا عن قبولها منه بعد إجبار الحاكم لهما فلم يقبلاها: فإنه يجوز أن يجعلها عند عدل آخر؛ للتلازم؛ حيث إنه يكون بذلك معذورًا فيلزم أن لا يضمنها إذا جعلها عند عدل آخر، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ لحقوق المسلمين.
(^٥٣) مسألة: إذا أذن الراهن والمرتهن لذلك العدل الذي عنده العين المرهونة بأن يبيع تلك العين ففي ذلك حالات: الحالة الأولى: أن يبيع تلك العين بنقد البلد إن لم يتعدَّد النقد؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة زيادة ثمنها، نظرًا لرواجها وإنفاقها، الحالة الثانية: إن تعدَّد النقد: فإنه يبيعها بجنس الدَّين الذي على الراهن ولو مع عدم التساوي: فإن كان الدَّين دراهم باعها بدراهم وإن كان الدين دنانير باعها بدنانير؛ للمصلحة: حيث إن ذلك أقرب إلى وفاء الحق لأصحابه، الحالة الثالثة: إذا عدم جنس الدَّين: فإنه يبيعها بما يغلب على ظنه أنه =
[ ٣ / ٢٢٤ ]
تفريط: (فمن ضمان الراهن)؛ لأن الثمن في يد العدل أمانة فهو كالوكيل (^٥٤) (وإن
الأصلح والأحظ للراهن والمرتهن؛ للمصلحة: وهي واضحة، الحالة الرابعة: إن لم يغلب على ظنه أنه أصلح وتساوت النقود عنده: فإنه يُرفع الأمر إلى الحاكم - وهو القاضي -، فيُعيِّن له ما يبيعه به؛ للمصلحة: حيث إن الحاكم لا يفعل شيئًا إلّا إذا كان هو الأصلح عادة، الحالة الخامسة: إذا عيّن الراهن والمرتهن نقدًا معينًا: وجب أن يبيع العدل العين المرهونة بما عيَّناه، ولا تجوز مخالفتهما؛ للتلازم؛ حيث إن العدل وكيل عنهما فتلزمه طاعتهما. الحالة السادسة: إذا اختلف الراهن والمرتهن في النقد الذي تباع به العين المرهونة: فإنه يُرفع الأمر إلى الحاكم فيأمر بأن يُباع بنقد البلد: سواء كان من جنس الدَّين الذي على الراهن، أو لم يكن، وسواء كان ما أمر به الحاكم قد وافق قول أحدهما أو لا؛ للمصلحة: حيث إن الحاكم لا يأمر إلّا بما هو الأصلح والأحظ لهما عادة وعرفًا.
(^٥٤) مسألة: إذا باع العدل العين المرهونة التي تحت يده بإذنهما، وقبض ثمنها، وتلف هذا الثمن في يده من غير تعدٍّ ولا تفريط: فإن هذا الثمن يضمنه الراهن؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه إذا تلف في يد الوكيل شيء من غير تفريط: فإن موكِّله هو الذي يضمنه، وليس الوكيل، فكذلك هنا لا يضمن الشخص العدل الذي تلف في يده ثمن العين المرهونة من غير تفريط بل هو من ضمان الراهن، والجامع: أن كلًّا من الوكيل، والعدل الذي تحت يده العين المرهونة مؤتمن على المال الذي تحت أيديهما، فإن قلتَ: إن ذلك من ضمان المرتهن؛ للتلازم؛ حيث إن العدل وكيل عن المرتهن في قبض العين المرهونة فيلزم من تلف ثمنها أنه من ضمانه. قلتُ: إن العدل وكيل عن الراهن في قبض ثمن العين المرهونة، لأنها لا زالت في ملك الراهن فهو أمين له في قبضه فيلزم: أنه إذا أتلف كان من ضمان موكله - وهو الراهن - فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في العدل هل هو وكيل للمرتهن في قبض العين المرهونة وثمنها أو لا؟ " فعندنا: أنه وكيل عنهما =
[ ٣ / ٢٢٥ ]
ادَّعى) العدل (دفع الثمن إلى المرتهن فأنكره ولا بيِّنة) للعدل بدفعه للمرتهن (ولم يكن) الدفع (بحضور الراهن: ضمن) العدل؛ لأنه فرَّط؛ حيث لم يُشهد، ولأنه إنما أذن له في قضاء مبرئ، ولم يحصل فيرجع المرتهن على راهن، ثم هو على العدل، وإن كان القضاء ببينة: لم يضمن، لعدم تفريطه: سواء كانت البيِّنة قائمة أو معدومة كما لو كان بحضرة الراهن؛ لأنه لا يعدُّ مفرِّطًا (كوكيل) في قضاء الدين فحكمه حكم العدل فيما تقدَّم، لأنه في معناه (^٥٥) (وإن شرط: أن لا يبيعه) المرتهن (إذا حلَّ الدَّين): ففاسد؛ لأنه شرط يُنافي مقتضى العقد، كشرطه: أن لا يستوفي الدَّين من ثمنه، أو لا يُباع ما خيف تلفه (^٥٦) (أو) شرط (إن جاءه بحقه في وقت كذا وإلاّ: فالرهن له) أي: للمرتهن
في قبض العين المرهونة، ووكيل عن الراهن في قبض ثمنها إذا بيعت، وعندهم: أنه وكيل عن المرتهن في قبض العين المرهونة وثمنها.
(^٥٥) مسألة: إذا باع العدل العين المرهونة التي بيده، وقبض ثمنها، وقال: إنه دفع هذا الثمن للمرتهن، وأنكر المرتهن قبض ثمنها من العدل، ولم تُوجد بيّنة عند العدل تثبت صدق دعواه - وهي: أنه دفع ثمنها للمرتهن - ولم يحضر الراهن عند هذا الدفع: فإن العدل يضمن ذلك الثمن، فيجب عليه أن يدفع الثمن للمرتهن من عنده، فإن لم يدفع ذلك العدل شيئًا: فإن المرتهن يُطالب الراهن بدينه كاملًا، والراهن يُطالب العدل بثمن تلك العين المرهونة التي باعها، أما إن أثبت بيّنة على أنه سلَّم ثمن العين المرهونة للمرتهن: فلا يضمن ذلك العدل ثمنها: سواء كانت تلك البيِّنة موجودة أو معدومة؛ للتلازم؛ حيث إن تفريط العدل بسبب عدم إثبات بينة على تسليمه الثمن للمرتهن وعدم القضاء المبرئ للذمّة يلزم منه: أنه يضمن ثمن العين المرهونة، ويلزم من عدم تفريطه - حيث أثبت بينة على تسليم الثمن للمرتهن -: أنه لا يضمن ثمنها، فيكون في ذلك كالوكيل في قضاء الدَّين عن آخر، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الناس.
(^٥٦) مسألة: إذا اشترط الراهن قائلًا للمرتهن "إني أرهن عندك داري هذه لأجل =
[ ٣ / ٢٢٦ ]
بدينه: (لم يصح الشرط وحده)؛ لقوله ﵇: "لا يغلق الرهن" رواه الأثرم، وفسَّره الإمام بذلك، ويصح الرهن؛ للخبر (^٥٧) (ويُقبل قول راهن في قدر الدَّين):
الدَّين الذي عندي لك بشرط: أن لا تبيعها إن لم أقضِ لك دينك": فإن هذا الشرط فاسد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الراهن لو شرط: أن لا يستوفي المرتهن من ثمن العين المرهونة عند عدم الوفاء بدينه أو شرط: أن لا تُباع العين المرهونة إذا خيف من تلفها كالبطيخ ونحوه: فإن هذا الشرط فاسد بالإجماع، فكذلك ما نحن فيه لا يصح، والجامع: أن كلًّا من تلك الشروط منافية لمقتضى عقد الرهن، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تفويت لحق المرتهن.
(^٥٧) مسألة: إذا اشترط الراهن قائلًا للمرتهن: "إن جئتك بدينك في وقت كذا ففكَّ داري المرهونة لديك، وإن لم آتك به فالرهن لك - وهي الدار -": فإن هذا الشرط يصح؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز البيع المعلَّق على شرط فكذلك يجوز الرهن المعلَّق على شرط، والجامع: أن كلًّا منهما قد تدعو الحاجة إليه، ولا يترتَّب على كل منهما أيُّ محذور فإن قلتَ: لا يصح هذا الشرط، ويصح الرهن وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا يُغلق الرهن" وما ذُكر من الشرط هو: إغلاق للرهن كما فسَّره الإمام أحمد وهو منهي عنه، والنهي مطلق فيقتضي التحريم والفساد، فيفسد الشرط، وتسميته رهنًا مع أنه مُغلق يلزم منه: أن الرهن صحيح قلتُ: "إن المراد بغلق الرهن: أن المرتهن يتملَّك الرهن بغير إذن مالكه إذا لم يقضه الراهن حقه، فهذا هو الذي أبطله النبي ﵇ بقوله: "لا يُغلق الرهن" وأما بيعه للمرتهن بما عليه عند الحول: فلم يُبطله الشرع، ذكر ذلك ابن القيم، فإن قلتَ: لِمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن الراهن والمرتهن إذا اتفقا على أن العين المرهونة للمرتهن إذا لم يوفه الراهن: فهو أصلح لهما من رفع الأمر إلى الحاكم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في تفسير إغلاق الرهن الوارد في الحديث".
[ ٣ / ٢٢٧ ]
بأن قال المرتهن: هو رهن بألف وقال الراهن: بل بمائة فقط (و) يُقبل قوله أيضًا في قدر (الرهن) فإذا قال المرتهن: أرهنتني هذا العبد والأمة، وقال الراهن: بل العبد وحده: فقوله؛ لأنه منكر (و) يُقبل قوله أيضًا في (ردِّه) بأن قال المرتهن: رددته إليك، وأنكر الراهن: فقوله؛ لأن الأصل معه، والمرتهن قبض العين لمنفعته: فلم يُقبل قوله في الرَّد كالمستأجر (و) يُقبل قوله أيضًا في (كونه عصيرًا لا خمرًا) في عقد شُرط فيه بأن قال: "بعتك كذا بكذا على أن ترهنني هذا العصير، وقبل على ذلك، وأقبضه له، ثم قال المرتهن: كان خمرًا فلي فسخ البيع، وقال الراهن: بل كان عصيرًا فلا فسخ: فقوله؛ لأن الأصل السلامة (^٥٨) (وإن أقرَّ) الراهن (أنه) أي: أن الرهن (ملك غيره): قبل على نفسه دون المرتهن، فيلزمه ردُّه للمقرِّ له إذا انفكّ الرهن (أو)
(^٥٨) مسألة: إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الدَّين بأن قال المرتهن: "هذه الدار رهن بعشرة آلاف ريال دين عندك" فقال الراهن: "بل إنها رهن بثمانية آلاف عندي لك"، أو اختلفا في قدر العين المرهونة بأن قال المرتهن: "قد جعلت عندي هذه الدار وهذه السيارة رهنًا لما في ذمتك من دين" فقال الراهن: "بل رهنتُ عندك الدار فقط" أو اختلفا في رد العين المرهونة وعدم ذلك بأن قال المرتهن: "إني رددتُ إليك العين المرهونة وهي الدار" فقال الراهن: "ما رددت إليّ شيئًا"، أو اختلفا في منفعة العين المرهونة بأن قال المرتهن: "أنت رهنت عندي خمرًا: فيصحّ لي فسخ البيع" فقال الراهن: "بل رهنتُ عندك عصيرًا: فلا يصح الفسخ": فإنه يُقبل قول الراهن مع يمينه في تلك الصور الأربع، للاستصحاب؛ حيث إن الأصل براءة الذمة من أيِّ زيادة في دين، أو عين مرهونة، أو ردٍّ أو فساد، فيُستصحب هذا الأصل، فيُعمل به، فقُبل قول من ينفيها، فإن قلتَ: لِمَ يُقبل قوله مع يمينه؟ قلتُ: لأنه منكر، والمنكر يُقبل قوله مع يمينه، للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعى عليه" والمدَّعى عليه عادة يكون هو المنكر.
[ ٣ / ٢٢٨ ]
أقرَّ (أنه) أي: الرهن: (جنى: قبل) إقرار الراهن (على نفسه) لا على المرتهن إن كذَّبه؛ لأنه متهم في حقه، وقول الغير على غيره غير مقبول (وحكم بإقراره بعد فكه) أي: فكَّ الرهن بوفاء الدَّين، أو الإبراء منه (إلا أن يُصدِّقه المرتهن) فيبطل الرهن؛ لوجود المقتضي السالم عن المعارض، ويسلم للمقرّ له به (^٥٩).
فصل: (وللمرتهن أن يركب) من الرهن (ما يُركب و) أن (يحلب ما يُحلب بقدر نفقته) متحرِّيًا العدل (بلا إذن) راهن؛ لقوله ﵇: "الظهر يُركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدُّر يُشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب
(^٥٩) مسألة: إذا رهن زيد داره عند بكر، ثم أقرَّ الراهن - وهو زيد - بأن هذه العين المرهونة - وهي الدار - ملك لمحمد، أو أقرَّ الراهن - وهو زيد - بأن عبده المرهون قد جنى جناية فيها أرش: فله حالتان: الحالة الأولى: إن كذَّب المرتهنُ - وهو بكر - فيما أقرَّ به الراهن - وهو زيد -: فإنه يُقبل إقرار الراهن - وهو زيد - على نفسه ولا يُقبل إقراره على المرتهن - وهو بكر -؛ للتلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: إن الإقرار سيِّد الشهود في إثبات الحقوق فيلزم منه: قبول إقراره على نفسه، ويُحكم على ذلك بناء على ذلك، ثانيهما: أن تكذيب المرتهن - وهو بكر - للراهن يلزم منه: عدم قبول إقراره على المرتهن؛ لكونه خصمه، فهو متهم عند المرتهن، وبناء عليه: أنه إذا فكَّ المرتهن العين المرهونة - بسبب وفاء الراهن -: فإنه يُحكم بذلك الإقرار من الراهن، فيلزمه ردُّ العين المرهونة إلى المقرِّ له ودفع إرش الجناية إلى المجني عليه، الحالة الثانية: إن صدَّق المرتهن - وهو بكر - ما أقرَّ به الراهن - وهو زيد -: فإن الرهن يبطل مباشرة، وتُسلَّم العين المرهونة إلى المقرِّ له؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تصديق المرتهن لما قاله الراهن: الإقرار والاعتراف بإبطال الرهن اتفاقًا؛ لوجود المقتضي لذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الناس.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
النفقة" رواه البخاري وتُسترضع بقدر نفقتها (^٦٠)، وما عدا ذلك من الرهن لا ينتفع به إلّا بإذن مالكه (^٦١) (وإن أنفق على) الحيوان (الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه) أي:
(^٦٠) مسألة: إذا كانت العين المرهونة مما يُركب أو تُحلب من البهائم: فيجوز للمرتهن أن يركب ما يُركب، ويحلب ما يُحلب بقدر ما يُنفق عليها من علف وماء وحرز، ويفعل هذا بلا إذن الراهن، ولكن بشرط: أن يعدل ويُنصف في ركوبها وحلبها؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "الظهر يُركب بنفقته إذا كان مرهونًا ولبن الدُّر يُشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة" حيث إن النفقة تكون في مقابل الركوب والشرب، وهذا يكون للمرتهن؛ لكون العين المرهونة تحت يده، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن العين المرهونة تحت يد المرتهن، ويُوجد فيها نفع، فإذا لم يركبها ولم يحلبها ذهب نفعها بدون أن يستفيد منه أحد، وهذا من إضاعة المال التي نهى الشارع عنها، ثم إن عدم ركوبها، وحلبها مُفسد لها فجلبًا لتلك المنافع، ودفعًا لتلك المفاسد: شُرّع ذلك، فيكون في ذلك مصلحة للراهن والمرتهن كما ذكر ذلك ابن القيم، فإن قلت: لِمَ اشتُرط في الركوب الإنصاف؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن عدم الانصاف فيه إضرار بالعين المرهونة، فيُفضي إلى إلحاق الضرر بحقِّ الراهن.
(^٦١) مسألة إذا لم تكن العين المرهونة مما يُركب أو تُحلب: فإنه لا يجوز للمرتهن أن ينتفع بها بأي نفع إلّا بعد إذن الراهن؛ للتلازم؛ حيث إن العين المرهونة ملك للراهن، فيملك كل ما يتّصل به من نماء وزيادة فيلزم: عدم جواز الانتفاع بها إلّا بإذن مالكها، فإن قلتَ: لِمَ لا يجوز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الراهن، فإن قلتَ: لِمَ جاز للمرتهن ركوب المركوب وحلب المحلوب في مسألة (٦٠)؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه أُذن للمرتهن بأن يركب ما يُركب ويحلب ما يُحلب؛ جلبًا لمصلحة العين المرهونة، ودفعًا للمفسدة عنها فاستُثني لذلك.
[ ٣ / ٢٣٠ ]
إمكان استئذانه: (لم يرجع) على الراهن، ولو نوى الرجوع؛ لأنه متبرِّع، أو مُفرِّط؛ حيث لم يستأذن المالك مع قدرته عليه (وإن تعذَّر) استئذانه، وأنفق بنية الرجوع: (رجع) على الراهن (ولو لم يستأذن الحاكم)؛ لاحتياجه لحراسة حقِّه (وكذا وديعة) وعارية (ودواب مستأجرة هرب ربُّها) فله الرجوع إذا أنفق على ذلك بنيّة الرجوع عند تعذُّر إذن مالكها بالأقل مما أنفق، أو نفقة المثل (^٦٢) (ولو خرب الرهن) إن كان دارًا
(^٦٢) مسألة: إذا أنفق المرتهن على العين المرهونة كأن أنفق على حيوان ونحوه بغير إذن الراهن: فله حالتان: الحالة الأولى: إذا أمكن استئذان الراهن؛ نظرًا لتيسُّر ذلك، ومع ذلك لم يستأذنه المرتهن، وأنفق على العين المرهونة: فإنه لا يرجع إلى الراهن ويأخذ منه تلك النفقة، بل يتحمَّلها هو؛ للتلازم؛ حيث إن إنفاق المرتهن على العين المرهونة بدون استئذان الراهن مع إمكان ذلك وتيسُّره، نفهم منه: أنه أخرج ذلك عن طريق التبرُّع والصدقة، فيلزم من ذلك عدم جواز أخذ العِوَض عنه؛ قياسًا على الصدقة العامة؛ حيث لا يجوز أخذ العوض عنها حكمًا وإلزامًا، الحالة الثانية: إذا لم يُمكن استئذان الراهن؛ نظرًا لغيبته، وأنفق المرتهن على العين المرهونة ناويًا الرجوع إلى الراهن وأخذ تلك النفقة أو مثلها منه: فإن له الحق بمطالبته بها، ولو لم يستأذن الحاكم - وهو القاضي - بتلك النفقة؛ للتلازم؛ حيث إن الراهن قام بواجب عن الراهن لم يُمكنه استئذانه فيه، فلزم أن تكون تلك النفقة دينًا على الراهن يُلزم بدفعها للمرتهن - وهو المنفق على العين المرهونة -، فإن قلتَ: إنه يجب على الراهن دفع ما أنفقه المرتهن مُطلقًا: أي: سواء كان المرتهن قد استأذنه أو لا، فيُسوَّى بين الحالتين، وهذا قول كثير من متأخري الحنابلة كابن تيمية وابن القيم؛ للقياس، بيانه: كما أن المرضعة المستأجرة تفعل ما فيه صلاح للمولود سواء أذن والده أو لا، فكذلك المرتهن مثلها والجامع: أن كلًّا منهما قد فعل ما فيه صلاح الأمانة التي عنده قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن المرضعة هي أعلم بمصلحة هذا المولود وما يكفيه من =
[ ٣ / ٢٣١ ]
(فعمره) المرتهن (بلا إذن) الراهن: (رجع بآلته فقط) لأنها ملكه، لا بما يحفظ به مالية الدار، وأجرة المعمرين؛ لأن العمارة ليست واجبة على الراهن، فلم يكن لغيره أن ينوب عنه فيها، بخلاف نفقة الحيوان لحرمته في نفسه (^٦٣)، وإن جنى الرهن ووجب
اللَّبن، ولم تُوجد جد عند والده حيلة لإنقاذ ولده إلّا هذه الطريقة، بخلاف العين المرهونة فقد يكون الراهن قد أخَّر النفقة على العين المرهونة لغرض أراده، فتسرَّع المرتهن فأنفق بدون إذنه مع قدرة الراهن على ذلك، وقد يُنفق المرتهن نفقة غالية الثمن، والراهن لا يُطيق ذلك، فدفعًا لذلك شُرّع عدم مطالبة المرتهن للراهن بدفع نفقته التي أنفقها بدون إذنه - وهو مستطيع على ذلك - دون الحالة الثانية؛ حيث يستويان: فالراهن يجب عليه دفع النفقة التي أنفقها المرتهن؛ لأن المرتهن منع تضرُّر العين المرهونة - في حين عدم استطاعته على استئذانه - فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المرتهن المنفق هل يُشبه المرضعة أو لا؟ فعندنا: لا، وعندهم: نعم. (فرع): إذا أنفق المودَع على الوديعة، والمستعير على العارية، والمستأجر للدواب عليها واحتاجت للنفقة عليها: ففيها الحالتان السابقتان بنفس التفصيل.
(^٦٣) مسألة: إذا خربت العين المرهونة كدارٍ انهدمت فعمرها المرتهن إعمارًا كعمارها الأول: فإنه يرجع إلى الراهن ويأخذ منه جميع تكاليف ذلك الإعمار كما قال القاضي أبو يعلى وكثير من العلماء سواء أذن الراهن أو لا؛ للمصلحة: حيث إن إعادة إعمارها يزيد من قيمتها فيما لو بيعت، وترجع الفائدة إلى الراهن والمرتهن، فإن قلتَ: إنه لا يرجع إلى الراهن، ولا يأخذ منه شيئًا، وإنما يرجع إليه بما يُفوِّت به ماله وهو قول المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن عمارة العين المرهونة لا تجب على الراهن: فيلزم منه: أن لا ينوب عنه فيها غيره قلتُ: إن المرتهن قام بعمل فيه مصلحة الراهن والمرتهن، ولا يُوجد محذور فيه؛ حيث إنه سيزيد ثمنها إذا عُمِّرت بخلاف ما لو لم تُعمَّر. تنبيه: هذه المسألة مخالفة لمسألة (٦٢)؛ حيث =
[ ٣ / ٢٣٢ ]
مال: خُيِّر سيده بين فدائه وبيعه وتسليمه إلى ولي الجناية فيملكه، فإن فداه: فهو رهن بحاله، وإن باعه، أو سلَّمه في الجناية: بطل الرَّهن، وإن لم يستغرق الأرش قيمته: بيع منه بقدره، وباقيه رهن (^٦٤)، وإن جُني عليه: فالخصم سيده، فإن أخذ الأرش: كان رهنًا، وإن اقتصَّ: فعليه قيمة أقلَّ العبدين: الجاني والمجني عليه قيمة تكون رهنًا مكانه (^٦٥).
إن الحيوان محتاج إلى النفقة؛ للمصلحة؛ حيث إنه لا يبقى بلا إنفاق.
(^٦٤) مسألة: إذا كانت العين المرهونة عبدًا فجنى هذا العبد جناية فيها أرش ومال: فإن هذا يتعلَّق برقبة الجاني، ويُقدَّم على حق مرتهنه، وحينئذ يخبر سيده - وهو الراهن - بين أمور ثلاثة: أولها: إما أن يفديه سيده، ويدفع هذا المال المستحق للمجني عليه، ويستمر على حاله - وهو كونه رهنًا عند المرتهن؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قيام حق المرتهن، واستمرار سببه: استمرار رهنيته، ثانيها: وإما أن يبيعه سيده، ويأخذ من ثمنه مالًا ويدفعه للمجني عليه، ثالثها: وإما أن يُسلِّم السيد ذلك العبد إلى المجني عليه فيأخذ مال تلك الجناية، ويُرجع الباقي إلى سيده، وإذا باعه سيده، أو سلَّمه للمجني عليه: فإنه يُبطل الرهن؛ للقياس؛ بيانه: كما لو تلفت العين المرهونة: فإن الرهن يبطل فكذلك إذا باعه الراهن أو سلمه للمجني عليه. والجامع: عدم صلاحيته محلًّا للرهن، فإن قلتَ: لِمَ قُدِّم حقُّ المجني عليه على حق المرتهن؟ قلتُ: لقوة حق الجنايات على غيرها، (فرع): إن كان مال الجناية لا يستغرق ثمن العبد: فإنه يُباع العبد، ويُعطى المجني عليه حقه والباقي يبقى على رهنيته إن رضي المرتهن؛ للتلازم؛ حيث بيع العبد كان للضرورة فيلزم تقدير ذلك بقدرها، ويلزم بقاء الرهن على ما هو عليه عند التراضي؛ لزوال المعارض.
(^٦٥) مسألة: إذا كانت العين المرهونة عبدًا فجُني عليه جناية توجب قصاصًا أو مالًا؛ فالذي يُطالب بالقصاص أو المال هو سيد ذلك العبد - وهو الراهن -: فإن أخذ سيده الأرش والمال مكان العبد: فإن ذلك المال يكون رهنًا عند المرتهن وإن =
[ ٣ / ٢٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اقتصَّ من العبد الذي قتله من غير إذن المرتهن عمدًا: فيجب على ذلك السيد - وهو الراهن -: أن يدفع للمرتهن قيمة تكون أقل قيمتي العبدين: الجاني والمجني عليه، وتكون هذه القيمة عينًا مرهونة مكان العبد؛ للتلازم؛ حيث إن السيد - وهو الراهن - هو المالك للعبد: فيلزم أن يُطالب بملكه، وعوضًا عن الضرر الذي لحقه، ويلزم من تفويت العبد على المرتهن أن يجعل قيمته رهنًا عنده بدلًا عنه، ويلزم من ذلك: جعل أقل القيمتين للعبدين رهنًا؛ لأنه هو اليقين، فيتعلّق حق المرتهن به.
هذه آخر مسائل باب "الرهن" ويليه باب "الضمان والكفالة"
[ ٣ / ٢٣٤ ]