بوزن "سرقة" و"نعمة" و"تمرة" (^١) (وهي) نوعان: شركة أملاك وهي: (اجتماع في استحقاق) كثبوت الملك في عقار، أو منفعة لاثنين فأكثر (أو) شركة عقود، وهي: اجتماع في (تصرُّف) من بيع ونحوه (^٢) (وهي) أي: شركة العقود - وهي المقصودة هنا -
باب الشركة
وفيه ثمانون مسألة:
(^١) مسألة: الشركة لغة الاختلاط، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ والخلطاء هم: الشركاء، وجاء لفظها لغة بفتح الشين وكسر الراء فقيل: "شَرِكة" مثل "سَرقَة" و"كلمة" وهو المشهور وجاء بكسر الشين وسكون الراء فقيل: "شِرْكة" مثل: "نِعْمَة" وجاء بفتح الشين وسكون الراء فقيل: "شَرْكة" مثل: ""تَمرة" للاستعمال اللغوي؛ حيث ورد ذلك في استعمالات أهل اللغة كما نقله صاحب المحكم والفيومي في "المصباح" (٣١٠)، والشركة اصطلاحًا: ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الاختلاط والشيوع، وهذا شامل النوعي الشركة، وهما: شركة أملاك، وشركة عقود؛ للاستقراء والتتبع للنصوص وكلام الفقهاء؛ حيث ثبت بعد استقراء وتتبع ذلك أن المراد بالشركة ما ذكر.
(^٢) مسألة: الشركة: نوعان: أولهما: شركة أملاك، والمراد بها: أن يجتمع اثنان فأكثر في ملكية مال واستحقاقه بدون قصد منهما كأن يرثان مالًا أو عقارًا معًا من مورِّث واحد، أو يوصي لهما به، أو يوصي بمنفعتهما لهما فقط دون الملك كمن أوصى لاثنين فأكثر بمنفعة عقار أو عبد أو نحو ذلك، وكل واحد من هذين الشريكين لا يتصرَّف إلّا بعد الإذن من الآخر، وإن تصرَّف بدون إذنه: نفذ في حصته من هذا الملك إن كان يحتمل؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ =
[ ٣ / ٣٤٣ ]
(أنواع) خمسة (^٣) (فـ) أحدها (شركة عنان) سُمِّيت بذلك؛ لتساوي الشريكين في المال والتصرف كالفارسين: إذا سويا بين فرسيهما وتساويا في السير، وهي: (أن يشترك بدنان) أي: شخصان فأكثر (^٤) مسلمين، أو أحدهما، ولا تكره مشاركة كتابي لا يلي
= فسمَّى الوارثين شركاء في هذا الثلث، والوصية كالإرث في ذلك؛ لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة" ثانيهما شركة عقود؛ وهي: أن يجتمع إثنان فأكثر في تصرف بسبب عقد قد تم بينهما؛ لأجل تحصيل ربح قد قصداه، وتكون في بيع وإجارة ونحوهما؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ والخلطاء هم الشركاء كما قال ابن فارس وهذا يكون بين الشريكين القاصدين للربح، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "يقول الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما" والمراد أنا معهما بالحفظ والإعانة والبركة، فإذا وقعت الخيانة من أحدهما: رُفعت تلك الإعانة والبركة من مالهما، ولفظ "الخيانة" يلزم منه أن المقصود شركة العقود؛ لكون أحد الشريكين قد استولى على ربح أخيه.
(^٣) مسألة: المقصود بالشركة إذا أطلقت هي: شركة العقود بأنواعها الخمسة - وهي: عنان ومضاربة، ووجوه، وأبدان، ومفاوضة -؛ للمصلحة: حيث إنها وقعت وحدثت بالاختيار بقصد التصرّف، وتحصيل الربح، وتنمية مال الشريكين، وهذا من باب التعاون على البر والتقوى المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
(^٤) مسألة: في الأول - من أنواع شركة العقود - وهو: شركة عنان وهي: أن يشترك اثنان فأكثر بماليهما؛ ليعملا بالتجارة في هذا المال ببدنيهما وربحه لهما معًا على ما شرطاه - وسيأتي بيان ذلك في الشروط والمواصفات الآتية - فإن قلتَ: لِمَ سُمِّيت هذه الشركة بهذا الاسم؟ قلت: نظرًا لاستواء الشريكين في ولاية التصرف في ماله =
[ ٣ / ٣٤٤ ]
التصرُّف (^٥)
= ومال شريكه معًا، ونظرًا لاستوائهما في الفسخ، واستحقاق الربح بقدر المالين؛ أخذًا من عنان الدابة، بيانه: كما أن طرفي عنان الدابتين إذا استويا فإنهما يستويان في السير، فكذلك الشريكان يستويان في ذلك، والجامع: الاستواء في كل، (فرع): يُشترط أن يكون كل واحد من الشريكين جائز التصرف؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز البيع إلا من جائز التصرف فكذلك لا تجوز هذه الشراكة إلّا من جائز التصرف والجامع: العقد على التصرف.
(^٥) مسألة: يجوز أن يشارك المسلم الكافر الكتابي - اليهودي والنصراني - بدون كراهة لكن بشرط: أن لا يلي الكافر التصرّف في الشركة بمفرده، بل لا بدَّ من حضور شريكه المسلم، للمصلحة: حيث إن الكافر يتعامل بالربا، ويبيع ويشتري الخمور، والخنازير، فيخشى من تفرّده: أن يتعامل بذلك بدون علم شريكه المسلم، فاشترط هذا الشرط، دفعًا لهذه المفسدة، حيث إن المسلم سيمنعه من ذلك، فإن قلتَ: يكره أن يشارك المسلم الكافر الكتابي وهو قول الشافعي؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون مال الكفار غير طيب نظرًا لكونهم يتعاملون بالربا ونحو ذلك: عدم جواز مشاركتهم، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس قد كره مشاركتهم قلتُ: أما كون أموالهم غير طيبة فلا يلزم منه كراهيتها؛ لأن النبي ﷺ قد عاملهم: فقد طالب بعضهم بثوبين إلى ميسرة، واستضافه يهودي بخبز وإهالة سنخة، ورهن درعه عند يهودي على شعير أخذه إلى أهله والنبي ﷺ لا يأكل إلّا طيبًا، وأما قول ابن عباس: فيُحمل على ما إذا انفرد الكافر بالتصرف بمفرده وهذا منفي باشتراطنا - وهو: "أن لا يلي التصرف في الشركة بمفرده -، وإذا دخل الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال. فإن قلتَ ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض المصلحة مع قول الصحابي والتلازم" فعملنا بالمصلحة العامة، لضعف التلازم، وقول الصحابي، وعملوا بهما؛ لقوتهما عندهم.
[ ٣ / ٣٤٥ ]
(بماليهما المعلوم) كل منهما (^٦)، الحاضرين (^٧) (ولو) كان مال كل منهما (متفاوتًا): بأن لم يتساو المالان قدرًا (^٨)، أو جنسًا (^٩)،
(^٦) مسألة: يُشترط أن يكون مال كل واحد من الشريكين - في العنان - معلومًا عند العقد؛ للمصلحة: حيث إن عدم علم مقدار المال الذي يريد أن يُشارك أحدهما الآخر به يؤدي إلى الغرر وظلم أحدهما للآخر، فدفعًا لذلك اشترط هذا.
(^٧) مسألة: يُشترط: أن يكون مال كل واحد من الشريكين - في العنان - حاضرًا عند العقد فلا تصح هذه الشركة بمال في الذمّة، أو على مال غائب؛ للمصلحة: حيث إن المال الحاضر يُبعد الغرر والجهالة عنهما في المستقبل؛ إذ فيه تمييز لحق كل واحد منهما، فيكون العقد مبنيًا على شيء ملموس ومحسوس وهذا أحسن العقود.
(^٨) مسألة: لا يُشترط تساوي الشريكين - في العنان - في قدر المال الذي يدفعانه بل تجوز تلك الشركة مع تساوي المالين، ومع كون مال أحدهما أكثر من الآخر - إذا كان معلومًا - كأن يدفع أحدهما ألفًا، والآخر يدفع ألفين، ويُقسَّم الربح على ثلاثة: يكون للأول الثلث ويكون للثاني الثلثان للقياس؛ بيانه: كما تجوز الشركة بالمالين المتساويين، فكذلك تجوز بمالين مختلفين في المقدار، والجامع: أن كلًّا من المالين من جنس الأثمان، ومعلوم مقداره وهو لا يؤدِّي إلى الغرر بكل واحد منهما عادة، وفي ذلك تيسير على الناس، وهو المقصد منه.
(^٩) مسألة: لا يُشترط تساوي الشريكين - في العنان - في جنس المال الذي يدفعانه، بل تصحّ هذه الشركة، وإن اختلف جنس المال كأن: يدفع أحدهما دنانير، والآخر يدفع دراهم، ويُحسب مقدار كل جنس بما يُساويه في السوق؛ للقياس؛ بيانه: كما تجوز الشركة في مالين من جنس واحد فكذلك تجوز من جنسين والجامع: أن كلًّا منهما يُعتبر ثمنًا ولا يفضي إلى التنازع عادة؛ لعدم الغرر فيه، والمقصد منه: التوسعة على المسلمين.
[ ٣ / ٣٤٦ ]
أو صفة (^١٠) (ليعملا فيه ببدنيهما) أو يعمل فيه أحدهما، ويكون له من الربح أكثر من ربح ماله (^١١) فإن كان بدونه: لم يصح، وبقدره إبضاع (^١٢)، وإن اشتركا في مختلط
(^١٠) مسألة: لا يُشترط تساوي الشريكين - في العنان - في صفة المال الذي يدفعانه، فتجوز هذه الشركة وإن اختلفا في صفة المال كأن: يدفع أحدهما ريالات سعودية والآخر يدفع ريالات يمنية أو قطرية أو دولارات، أو جنيهات أو نحو ذلك، ويحسب مقدار كل شيء بحسابه في السوق؛ للقياس؛ بيانه: كما تصح الشركة في مالين - قد اتفقا في الصفة فكذلك تصح في مالين قد اختلفا في الصفة، والجامع: أن كلًّا منهما يُعتبر ثمنًا، ولا يؤدي إلى الغرر والاختلاف عادة، وفيه توسعة على المسلمين، وهو المقصد منه.
(^١١) مسألة: لا يُشترط أن يعمل كل واحد من الشريكين - في العنان - ببدنيهما، بل تصح هذه الشركة سواء عمل كل واحد منهما ببدنه أو عمل أحدهما ببدنه، والآخر لم يعمل ببدنه، ويكون للعامل ببدنه حقَّان من الربح: "حقٌّ مقابل عمله بدنه"، وهذا يتفقان عليه عند العقد، و"حقٌّ مقابل شركته بماله"؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قيام العامل ببدنه بذلك دون الآخر أن يكون له شيء زائد مقابل عمله ببدنه دون الآخر وذلك نظير عمله في مال شريكه، وهذا من التيسير على المسلمين في المعاملات، وهو المقصد منه.
(^١٢) مسألة: إن أخذ العامل ببدنه شيئًا مقابل عمله بدون ربح ماله: فإن شركة العنان لا تصح، ويكون ما أخذه بقدر ماله إبضاع - وهو: أن يُعطي من يبيع له بلا جُعل سابق، أو يدفع مالًا لمن يعمل فيه بلا عوض -؛ للمصلحة: حيث إنه إذا أعطي الشريك العامل ببدنه بدل عمله بدون ربح ماله: فإنه يؤدِّي إلى أن يأخذ جزءًا من ربح مال شريكه الآخر بلا عمل منه، وهو من باب سد الذرائع، فإن قلتَ: إن وقع هذا فكيف يُصحَّح؟ قلت: يُصحَّح بأن لا يأخذ العامل بدل عمله، ويكون له ربح ماله فقط، ويكون مُتبرعًا بعمله.
[ ٣ / ٣٤٧ ]
بينهما شائعًا: صح إن علما قدر ما لكل منهما (^١٣) (فينفذ تصرُّف كل منهما فيهما) أي: في المالين (بحكم الملك في نصيبه و) بحكم (الوكالة في نصيب شريكه) ويغني لفظ "الشركة" عن إذن صريح في التصرُّف (^١٤) (ويشترط) لشركة العنان والمضاربة: (أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين)؛ لأنهما قيم الأموال، وأثمان البياعات (^١٥)،
(^١٣) مسألة: تصح شركة العنان في مال قد اختلط وشاع بين اثنين كأن: يرثان مالًا معًا، أو يوصي أحد بمال لهما: - سواء كان عقارًا أو نقودًا - بشرط: أن يعلم كل واحد منهما قدر ما يملكه من هذا المال كأن يكون لأحدهما نصفه، والآخر له النصف الثاني، أو نحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إنه إذا علم كل واحد منهما قدر نصيب الآخر عند العقد: فإنه ينتفى الغرر والجهالة بحق كل واحد منهما عند الربح فيلزم من ذلك صحة الشركة؛ لتوفر شرطها.
(^١٤) مسألة: يصح تصرُّف كل واحد من الشريكين - في العنان - ببيع أو شراء، أو إجارة، أو أي شيء فيه مصلحة لما اشتركا فيه، وينفذ، ولو لم يستأذن أحدهما الآخر؛ للتلازم؛ حيث إن لفظ "الشركة" يلزم منه الإذن لكل واحد منهما بالتصرُّف في ماله بصفة الملكية والتصرف في مال شريكه بصفة الوكالة، إذ لو كان كل واحد من الشريكين يتصرَّف بماله فقط: لما كان لهذه الشركة من فائدة، فإن قلت: لِمَ شُرّع هذا الحكم؟ قلتُ: للمصلحة حيث إنه بهذا ينمو مالهما، ويكثر ربحهما ويتحقق الغرض الذي من أجله اشتركا؛ لكون التردد في التصرُّف؛ لمشاورة شريكه سببًا في الخسارة غالبًا.
(^١٥) مسألة: يُشترط لصحة شركة العنان: أن يكون رأس المال الذي يدفعه كل واحد منهما من النقدين اللَّذين يُتعامل بهما الناس غالبًا في حين انعقاد الشركة بينهما، وهما المضروبان غير المغشوشين؛ للمصلحة حيث إن المقصود من هذه الشركة: البيع والشراء والإجارة؛ لتنمية ربح تجارتهما ولا يتحقق ذلك إلّا بماله قيمة مالية وثمن عند البيع والشراء وهذا هو المتعامل به وهو المضروب والمتداول بين =
[ ٣ / ٣٤٨ ]
فلا تصح بعروض (^١٦)، ولا فلوس ولو نافقة (^١٧)، وتصح بالنقدين (ولو مغشوشين
= الناس فلزم اشتراطه، فإن قلتَ: لِمَ اشترط هذا؟ قلتُ: لمصلحة الشريكين وهو واضح، تنبيه: هذا الشرط يُشترط أيضًا لشركة "المضاربة" كما سيأتي، تنبيه آخر: العروض التي يُعرف ثمنها تصح الشركة فيها كما سيأتي.
(^١٦) مسألة: تصح شركة العنان بالعروض: كأن يدفع أحد الشريكين ثيابًا ويدفع الآخر بُرًّا، ويجعل رأس المال قيمتها عند عقد الشركة، وهو مذهب أكثر العلماء؛ للقياس؛ بيانه: كما تصح الشركة في الأثمان - كما سبق - فكذلك تصح في العروض والجامع: وجود مقصود الشركة في كل، وهو تحقيق الربح، وجواز تصرفهما في المالين معًا في كل، وكون ربح المالين بينهما في كل، فإن قلتَ: لِمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين. فإن قلتَ: لا تصح الشركة بالعروض، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إن هذا يؤدّي عادة إلى التنازع؛ لأن قيمة هذا العرض - وهو البر مثلًا - ربما زادت قبل بيعه فيُشاركه الآخر في نماء العين الذي شارك غيره به - وهو البر مثلًا - وهي ملك خاص له، ونماؤه له، وربما نقصت قبل بيعه فيشاركه الآخر في هذا النقص فيقع بسبب ذلك تنازع وتخاصم عند الربح، فدفعًا لذلك حكم بعدم صحة ذلك قلتُ: إذا جُعل رأس المال قيمة العروض عند عقد الشركة، وهو الذي اشترطناه، وكل واحد عارف برأس ماله قبل العقد، فيبعد حصول التنازع والتخاصم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض القياس مع المصلحة" أو "تعارض المصلحتين".
(^١٧) مسألة: تصح شركة العنان بالفلوس: سواء كانت نافقة ولها رواج أو لا، ويجعل رأس المال مثلها إن كانت نافقة، ويجعل رأس المال قيمتها إن كانت كاسدة؛ للقياس؛ بيانه: كما تجوز تلك الشركة بالأثمان بذلك الشرط: فكذلك تجوز بالفلوس، والجامع: جواز تصرفهما في المالين معًا، وكون ربح المالين=
[ ٣ / ٣٤٩ ]
يسيرًا) كحبة فضة في دينار، ذكره في "المغني" و"الشرح"؛ لأنه لا يمكن التحرُّز منه، فإن كان الغش كثيرًا: لم يصح؛ لعدم انضباطه (^١٨) (و) يشترط أيضًا (أن يشترطا لكل
= بينهما، وتحقق مقصود الشركة، فإن قلت: لا تصح الشركة بالفلوس، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا يؤدي إلى التنازع حيث إن تلك الفلوس تنفق مرة ويكون لها رواج، وتكسد أحيانًا، فلا يؤمن الضرر والجهالة فيقع التنازع في نصيب كل واحد من الشريكين من الربح، فدفعًا لذلك حكم بعدم الصحة قلتُ: إذا عرف كل واحد من الشريكين مثل ما دفعه، أو قيمة ما دفعه عند عقد الشركة فلا يحصل تنازع، وسبب الخلاف هو نفسه سبب الخلاف الذي ذكر في مسألة (١٦).
(^١٨) مسألة: تصح شركة العنان إذا دفع الشريكان، أو أحدهما نقودًا مغشوشة غشًا يسيرًا: كأن يكون في الدينار حبة صغيرة من الفضة، أما إن كان الغش كثيرًا - كأكثر من الحبة -: فلا تصح الشركة، للمصلحة: حيث إن الاحتراز من الغش اليسير شاق، ولا يمكن التحرز منه غالبًا، ولا تزيد قيمة الدينار ولا تنقص به عادة، فصحَّت الشركة به، بخلاف الغش الكثير فيمكن الاحتراز منه، ويسهل اكتشافه وتزيد القيمة أو تنقص به ولا ينضبط، فدفعًا لذلك لم تصح الشركة به، فإن قلتَ: تصح الشركة بالنقود المغشوشة مطلقًا، أي: سواء كان الغش يسيرًا أو كثيرًا؛ للقياس؛ بيانه: كما تصح الشركة بالعروض، فكذلك تصح بالنقود المغشوشة والجامع: نقصان القيمة أو زيادتها في كل، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن العروض كلها لها قيمة؛ بخلاف النقود المغشوشة، فالمغشوش منها لا قيمة له، فينقص النقد بسبب ما فيه من الغش، ويُعفى شرعًا عن اليسير من الغش؛ لعدم تأثيره عادة، ولصعوبة التحرز منه ولكون الشارع يعفي عن اليسير؛ بخلاف الغش الكثير فلا يُعفى عنه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع القياس" وهو واضح.
[ ٣ / ٣٥٠ ]
منهما جُزءًا من الربح مشاعًا معلومًا) كالثلث والربع؛ لأن الربح مستحق لهما بحسب الاشتراط، فلم يكن بد من اشتراطه كالمضاربة (^١٩)، فإن قالا: والربح بيننا: فهو بينهما نصفين (^٢٠) (فإن لم يذكرا الربح): لم تصح؛ لأنه المقصود من الشركة، فلا يجوز الإخلال به (^٢١) (أو شرطًا لأحدهما جزءًا مجهولًا): لم تصح؛ لأن الجهالة تمنع تسليم
(^١٩) مسألة: يُشترط لصحة شركة العنان: أن يعلم كل واحد من الشريكين نصيبه من الربح مشاعًا: كأن يتفقان على أن لأحدهما الثلث أو الربع، وللآخر الباقي وهكذا، وهذا حين عقد الشركة بينهما؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن شركة المضاربة يُشترط فيها: أن يكون كل واحد من الشريكين عالمًا بنصيبه من الربح حين عقد الشركة فكذلك شركة العنان مثلها، والجامع: أن كلًّا منهما مقصده الربح بحسب شراكتهما فلا بدَّ من اشتراط علم كل واحد من الشريكين بنصيبه منه؛ ليعمل على ذلك ويقصده، الثانية: المصلحة؛ حيث إن المقصود من الشركة هو: تحقيق الربح، فلو لم يعلم كل واحد منهما بقدر نصيبه منه: لأدَّى إلى التنازع والاختلاف، فدفعًا لذلك اشتُرط ذلك.
(^٢٠) مسألة: إذا قال كل واحد من الشريكين عند عقد الشركة: "الربح بيننا": فإنه يكون لكل واحد منهما نصف الربح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لفظ: "بيننا": التسوية في الربح بينهما؛ لكون إضافته إليهما إضافة واحدة من غير ترجيح قياسًا على من قال: "هذه الدار بيني وبينك"، تنبيه: هذا الحكم أيضًا يكون في شركة المضاربة كما سيأتي.
(^٢١) مسألة: إذا عقد الشريكان عقد شركة العنان ولم يذكر الربح: فإن الشركة تصح، ويكون الربح بينهما كل بقدر ماله، وهو قول كثير من العلماء، للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عقد تلك الشركة: وجود الربح لكل منهما، ولا سبيل إليه إلا أن يكون بقدر مال كل منهما من باب: "ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب"، فإن قلتَ: إن الشركة في هذه الحالة لا تصح، وهو ما ذكره المصنف هنا؛=
[ ٣ / ٣٥١ ]
الواجب (^٢٢) (أو) شرطا (دراهم معلومة): لم تصح؛ لاحتمال أن لا يربحها، أو لا يربح غيرها (^٢٣)، (أو) شرطا (ربح أحد الثوبين) أو إحدى السفرتين، أو ربح تجارة
= للمصلحة: حيث إن المقصود من هذه الشركة هو الربح الذي سيعود نفعه إليهما، فترك ذكره والإخلال به: يمنع صحة الشركة؛ نظرًا لعدم النفع، قلتُ: إن مجرَّد اتفاقهما على الشركة، يلزم منه أن لكل واحد منهما ربح ماله الذي شارك الآخر فيه، ولا يلزم منه ذكر ذلك بصراحة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الربح هل هو من لوازم عقد الشركة أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(^٢٢) مسألة: إذا شرط الشريكان - في العنان - لأحدهما جُزءًا من الربح غير معلوم القدر: كأن يقول أحدهما للآخر: "لك حصة أو لك نصيب من الربح" أو يقول: "لك مثل ما شرط لفلان" وهما يجهلانه، أو أحدهما يجهله: فإن الشركة، لا تصح؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الجهالة في ثمن المبيع وأجرة المؤجَّر تمنع من صحة البيع والإجارة فكذلك الجهالة في مقدار الربح في الشركة تمنع صحة الشركة، والجامع: أن كلًّا منهما حق وقع هذا التصرف لأجله فيجب العلم بمقداره، والجهالة فيه تمنع تسليم هذا الحق، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق كلٍّ من الشريكين، وفيه منع من أن يأكل أحدهما مال الآخر بالباطل.
(^٢٣) مسألة: إذا اشترط أحد الشريكين أو كلاهما نصيبه من الربح دراهم معلومة كأن يقول: "أنا أشترط أن يكون ربحي ألف ريال" أو يقول: "ربحي يكون جزءًا ومائة ريال": فلا تصح الشركة؛ للمصلحة: حيث إنه يُحتمل أن لا تربح الشركة إلّا هذا الألف فيأخذه المشترط، دون شريكه، ويُحتمل أن لا يربح هذا الألف أصلًا، فيأخذ ما اشترطه من رأس مال الشركة، فيقع الظلم على الشريك، ويُحتمل أن تربح تلك الشركة ملايين الريالات فلا يأخذ هذا المشترط إلا ذلك=
[ ٣ / ٣٥٢ ]
في شهر، أو عام بعينه: (لم تصح)؛ لأنه قد يربح في ذلك المعيَّن دون غيره أو بالعكس، فيختص أحدهما بالربح، وهو مخالف لموضوع الشركة (^٢٤) (وكذا: مساقاة ومزارعة، ومضاربة) فيُعتبر فيها تعيين جزء مُشاع معلوم للعامل؛ لما تقدَّم (^٢٥)
= الألف الذي اشترطه، فيقع الظلم على المشترط فدفعًا لذلك الظلم عن الطرفين: شُرع عدم صحة تلك الشركة.
(^٢٤) مسألة: إذا شرط أحد الشريكين: أن يكون ربحه شيئًا مُعيَّنًا كأن يقول أحدهما: "ربح الثوب الأسود لي وربح الثوب الأبيض لك"، أو يقول: "ربح السَّفْرة الأولى من مكة إلى بغداد لي، وربح السَّفْرة الثانية من مكة إلى دمشق لك" أو يقول: "ربح تجارة شهر محرم لي، وربح تجارة شهر صفر لك" أو يقول: "ربح هذه السنة لي، وربح السنة القادمة لك" وهكذا: فإن الشركة لا تصح؛ للمصلحة: حيث إن التجارة قد تربح في الثوب الأسود دون الأبيض، أو بالعكس، وقد تربح تجارة السفرة الأولى دون الثانية، أو بالعكس، وقد تربح التجارة في شهر المحرم، دون صفر، أو بالعكس، فيلزم من هذا اختصاص أحد الشريكين بالربح دون الآخر فيتسبَّب هذا في الإضرار بالآخر، وهذا مخالف للمقصد الشرعي من مشروعية الشركة - وهو: أن يُقسَّم الربح بين الشريكين بقدر رأس مال كل واحد منهما - فدفعًا لهذا الضرر لم تصح الشركة أصلًا؛ حماية للشريكين معًا.
(^٢٥) مسألة: يُشترط: أن يعرف كلُّ واحدٍ من الشريكين والمتعاقدين نصيبه من الربح مشاعًا عند العقد في كل من شركة العنان - كما سبق في مسألة: (١٩) - وشركة المضاربة، والمساقاة، والمزارعة: أي: لا بدَّ من معرفة العامل لنصيبه قبل العقد، فلا تصح المساقاة أو المزارعة إن شرط العامل جزءًا مجهولًا، أو اشترط شيئًا معينًا، أو اشترط ثمرة شجرة معينة، أو اشترط ثمرة ناحية من الأرض أو نحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يُشترط ذلك في شركة العنان - كما سبق في مسائل (١٩ و٢٠ و٢١ و٢٢ و٢٣ و٢٤) فكذلك يُشترط في المضاربة والمساقاة والمزارعة =
[ ٣ / ٣٥٣ ]
(والوضيعة) أي: الخسران (على قدر المال) بالحساب: سواء كان لتلف: أو نقصان في الثمن، أو غير ذلك (^٢٦) (ولا يُشترط خلط المالين)؛ لأن القصد: الربح، وهو لا يتوقف على الخلط (ولا) يُشترط أيضًا (كونهما من جنس واحد) فيجوز إن أخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم (^٢٧)، فإذا اقتسما: رجع كل بماله، ثم اقتسما
= والجامع: حماية الشريكين أو أحدهما من الضرر والجهالة، وقطع النزاعات في كل.
(^٢٦) مسألة: إذا خسر زيد وعمرو الشريكان - في العنان - في تجارتهما بأي سبب: فإن كل واحد منهما يتحمَّل نصيبًا من الخسارة على قدر ماله ونسبته في الشركة، فمثلًا: لو خسرا مائة ريال، وكان زيد يملك نصف الشركة: فإنه يتحمّل نصف الخسارة وهي: خمسون، والنصف الآخر يتحمَّله عمرو، ولو كان زيد يملك ربع الشركة: فإنه يتحمَّل ربع الخسارة وهي خمسة وعشرون ريالًا ويتحمَّل عمرو ثلاثة أرباع الخسارة وهي خمسة وسبعون ريالًا وهكذا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ربح كل واحد منهما يكون على قدر نصيبه بالحساب فكذلك الخسارة مثل ذلك والجامع: أن عقد الشركة يلزم منه ذلك فيشتركان بالغرم كما اشتركا بالغنم، وهذا يُحقِّق العدالة التي جاء بها الإسلام.
(^٢٧) مسألة: لا يُشترط لصحة شركة العنان: أن يخلط الشريكان ماليهما، فتصح الشركة وإن جعل كل واحد من الشريكين ماله الذي شارك فيه في موضع غير الموضع الذي يوجد فيه مال شريكه؛ للتلازم؛ حيث إن مقصد الشركة هو: تحقيق الربح، وهو متحقق بالخلط وعدمه، فلا يلزم اشتراط الخلط ما دام أن الربح المقصود حاصل ومتحقق بدون اشتراطه، فإن قلتَ: لِمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتسهيل على المسلمين، تنبيه قوله: "لا يُشترط أيضًا كونهما من جنس واحد .. " قلتُ: قد سبق بيان ذلك بالتفصيل في مسألة: (٩) ولا داعي لتكرار ما قيل هناك.
[ ٣ / ٣٥٤ ]
الفضل (^٢٨)، وما يشتريه كل منهما بعد عقد الشركة: فهو بينهما (^٢٩)، وإن تلف أحد المالين فهو من ضمانهما (^٣٠)، ولكل منهما أن يبيع ويشتري، ويقبض، ويُطالب بالدين، ويخاصم فيه، ويحيل ويحتال، ويرد بالعيب، ويفعل كل ما هو من مصلحة تجارتهما (^٣١)،
(^٢٨) مسألة: إذا فسخ الشريكان الشركة: فإنَّ كلَّ واحدٍ من الشريكين يرجع بمثل ماله الذي دفعه عند عقد تلك الشركة، فإن كان أحدهما دفع دنانير: فإنه يرجع بها، وإن دفع الآخر دراهم: رجع بها وهكذا، وأما الربح الحاصل بعد فسخ تلك الشركة - وهو الفضل -: فإنهما يُقسِّمانه على حسب نسبة كل واحد منهما في الشركة، فإن كان لأحدهما الثلث: فله ثلث الربح والفضل والباقي للشريك الآخر، وهكذا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تحقيق العدالة ودفع الضرر عن كل واحد منهما، وهو المقصد منه.
(^٢٩) مسألة: كل شيء يشتريه أحد الشريكين بعد عقد الشركة بينهما: فإنه يكون لهما معًا، يُقسِّم بينهما على حسب نسبة كل واحد منهما في تلك الشركة، بشرط: أن ينوي أنه اشتراه للشركة، لا لنفسه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عقد الشركة بينهما: تأمين كل واحد صاحبه، وتوكيله في نصيبه، وصحة تصرُّف أحدهما عن الآخر فينتج: أن كل ما اشتراه أحدهما يكون من حقهما معًا؛ لكون هذا هو مقصد الشركة الأصلي.
(^٣٠) مسألة: إذا تشارك زيد وعمرو في شركة العنان، فدفع زيد خمسين ألف، ودفع عمرو مثلها، ثم تلف ما دفعه زيد كله بأي مُتلف، فإنهما يضمنان ذلك معًا، ويتحمَّلانه، فيكون كل واحد منهما كأنه قد دفع خمسًا وعشرين ألفًا، وقد سبق بيان ذلك في مسألة (٢٦)، فإن قلتَ: لِمَ كرَّر المصنف هذا؟ قلتُ: لكونه قد ذكر أن الشراء لشيء يكون بينهما فأراد أن يذكر الضِّد.
(^٣١) مسألة: يجوز لكل واحد من الشريكين أن يفعل أيَّ شيء تقتضيه مصلحة الغرض=
[ ٣ / ٣٥٥ ]
لا أن يُكاتب رقيقًا، أو يُزوِّجه، أو يُعتقه (^٣٢)، أو يحابي، أو يقترض على الشركة إلّا بإذن شريكه (^٣٣)،
= الذي من أجله اشتركا، وهو: تنمية هذه الشركة، والدفاع عنها: فله أن يبيع ما شاء، ويشتري ما شاء، ويقبض الأثمان، ويُسلِّمها لغيره ويقبض المثمن، ويُسلِّمه لغيره، ويُطالب من استدان من الشركة، ويُخاصم من امتنع، ويُحيل إلى مليء، ويقبل الحوالة في ذلك، ويرد السلعة بالعيب، ويُقرُّ في الأمور التي تقبل الإقرار ونحو ذلك، وهذا مطلق، أي: سواء كان تصرفه هذا فيما تولاه بنفسه، أو فيما تولاه شريكه؛ للمصلحة: حيث إن عقد شركة العنان مبنية على الأمانة والوكالة، وهذا يلزم منه: أن يكون الشريك مطلق الحرية فيما تشاركا فيه؛ لكون هذا فيه جلب مصالح لهما، ودفع مفاسد عنهما، فلو اشتُرط أن يستأذن كل شريك صاحبه: لما نمت تجارتهما، ولما ربحا عادة وعرفًا، فدفعًا لذلك: جاز ذلك.
(^٣٢) مسألة: إذا تشارك إثنان أو أكثر في تجارة العبيد: فلا يجوز لأحد الشريكين أن يبيع رقيقًا على نفسه - بأن يشتري رقيق نفسه من أحد الشريكين على أقساط يقوم هذا الرقيق بسداد ذلك على مدَّة وهو المسمَّى بالمكاتبة -، ولا يجوز لأحد الشريكين أن يزوج رقيقًا، ولا يعتقه إلا بعد أن يأذن له شريكه في ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن الشركة انعقدت على مزاولة التجارة وتنمية مال الشريكين معًا، فإذا كاتب أحدهما، عبدًا، أو زوَّجه، أو أعتقه دون إذن شريكه: فإنه يُلحق الضرر بشريكه الآخر، والضرر يُزال، وبناء عليه: لم يجز.
(^٣٣) مسألة: إذا تشارك اثنان فأكثر في شركة "ما": فلا يجوز لأحدهما أن يبيع أحدًا سلعة من الشركة بأنقص من ثمن المثل، ولا أن يشتريها بأكثر من ثمن المثل - وهو: ما يُسمَّى بالمحاباة -، ولا أن يقترض ويجعل ضمانه من الشركة، ولا يقرض أحدًا من الشركة، ولا يُوهب أحدًا إلا بعد أن يأذن له شريكه في ذلك؛ =
[ ٣ / ٣٥٦ ]
وعلى كل منهما أن يتولَّى ما جرت العادة بتولِّيه من نشر ثوب، وطيِّه، وإحرازه، وقبض النقد ونحوه (^٣٤)،
= للتلازم؛ حيث إن الشركة قد عُقدت من أجل المرابحة والتجارة، وليست هذه التصرفات تجارة فيلزم عدم جوازها؛ لمخالفتها الغرض الذي من أجله عُقدت الشركة، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن الشريك إذا فعل تلك التصرفات فسيُلحق الضرر بشريكه، وهذا حرام؛ لأن دفع المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة، أما إذا أذن شريكه له أن يفعل مثل تلك التصرفات: فإنه يجوز؛ لكونه قد أسقط حقه.
(^٣٤) مسألة: يجب على كل واحد من الشريكين أن يحافظ على كل شيء يخصُّ ما اشتركا فيه ويتولى رعايته والعناية به، وأن يحميه بنفسه من أي شيء يعيبه، أو ينقص قيمته: كأن ينشر الثياب والفرش والحطب ونحوها؛ حفظًا لها من الفساد، وأن يطويها، ويحفظها بأمكنة ومستودعات تليق بها؛ لئلا تفسد بسبب الشمس أو الأمطار أو الأتربة؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود من عقد الشركة هو: تنمية المال، والربح، والحرص على عدم الخسارة، ولا يحصل هذا المقصود إلّا بهذه التصرفات فلزمت ووجبت، وهو من باب: "ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب" والمقصد في هذا لا يخفى على أحد، فإن قلتَ: لِمَ لم يُستدل هنا بالعادة كما فعل بعض الفقهاء ومنهم المصنف هنا. قلتُ: إن العرف والعادة لا يصلح للاستدلال به هنا؛ لأنه غير مطرد، فقد يتعارف بعض الناس على أشياء ليست من الشريعة في شيء. (فرع): يجب على كل واحد من الشريكين أن يقبض الثمن النقدي من المشترين والدقة في حسابها وكتابتها، للعرف والعادة؛ حيث إن تولِّي ذلك من قبل أي واحد من الشريكين قد جرت عليه عادة الشركاء؛ لكون الإذن في التصرُّف الذي يلزم من عقد الشركة مطلق، فيُحمل على العرف؛ وهذا معلوم: أن ما ورد من الشارع مطلقًا: فإنه يُحمل على العرف وقد سبق كثير من=
[ ٣ / ٣٥٧ ]
فإن استأجر له: فالأجرة عليه (^٣٥).
فصل: النوع (الثاني: المضاربة) من الضرب في الأرض، وهو السفر للتجارة قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، وتسمَّى "قراضًا" و"معاملة" وهي: دفع مال معلوم (لمتجر) أي: لمن يتجر (به ببعض ربحه) أي: بجزء معلوم مشاع منه كما تقدَّم (^٣٦)، فلو قال: خذ هذا المال مضاربة، ولم يذكر سهم العامل:
= الأمثلة على ذلك، منها: الدم الكثير ينقض الوضوء، والحركة الكثيرة تبطل الصلاة دون القليل من ذلك، ورُجع في تحديد الكثير من القليل إلى العرف، ومن ذلك ما نحن فيه هنا.
(^٣٥) مسألة: إذا لم يفعل أحد الشريكين ما يمكن فعله بنفسه، وإنما استأجر من يفعله عنه: فإن الأجرة تؤخذ من مال الشريك - وهو المستأجر - الخاص، ولا تؤخذ من مال الشركة؛ للمصلحة: حيث إنه يجب على كل واحدٍ من الشريكين أن يقوم بنفسه فيما جرت العادة في ذلك، فلما استأثر أحد الشريكين الراحة، وقدَّمها على المشقة واستأجر من يقوم عنه بذلك، بينما الشريك الآخر قد قام بعمله بنفسه، فلو أخذ الشريك الأول المستأجر الأجرة من مال الشركة لتضرَّر شريكه؛ لكونه قد شقَّ على نفسه بعمله ودفع بعض الأجرة لشريكه المستأجر، فيكون قد تضرر من جهتين، فشرع هذا الدفع هذا الضرر؛ لأن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة (فرع): إذا لزم الاستئجار على بعض الأعمال التي تخص الشركة كحمل البضائع، أو وزن ما يوزن، أو كيل ما يُكال ونحو ذلك فلكل واحدٍ من الشريكين أن يستأجر عليه، ويدفع الأجرة من مال الشركة؛ للتلازم؛ حيث إن تنمية مال الشركة، والحصول على الربح - وهو المقصد من عقد الشركة - يقتضي ذلك فلزم أن يُدفع ذلك من مال الشركة.
(^٣٦) مسألة: في الثاني - من أنواع شركة العقود - وهو: شركة المضاربة، وهي: "أن =
[ ٣ / ٣٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يدفع زيد مالًا معلوم القدر كعشرة آلاف ريال لعمرو لأجل أن يشتغل به بالتجارة بجزء معلوم من الربح يكون مشاعًا" كأن يقول زيد لعمرو: "خذ هذه العشرة واشتغل بها ولك نصف الربح، أو ثلثه ونحو ذلك"، وتسمَّى بالمضاربة، وبالقراض، وبالمعاملة، فإن قلتَ: لم سُمِّيت بالمضاربة؟ قلتُ: لأن العامل - وهو الذي دُفع له المال، وهو هنا عمرو - يضرب في الأرض ويسافر إلى نواحي البلدان ليتِّجر بمال زيد؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ والمراد: السفر للتجارة بقرينة "يبتغون من فضل الله" وهو: رزقه وكسبه كما فسَّره بعض الصحابة بذلك - كما في تفسير القرطبي (١٩/ ٥٥) وهذه تسمية أهل العراق، فإن قلتَ: لِمَ سميت بالقراض؟ قلتُ: لأن صاحب المال - وهو هنا زيد - قد اقتطع من ماله شيئًا وأعطاه لهذا العامل - وهو هنا: عمرو - ليعمل له فيه، فلما ربحا: اقتطع زيد من الربح شيئًا وأعطاه لهذا العامل - وهو عمرو - نظير عمله؛ لكون القرض في اللغة: القطع، وهو متصل بالضرب؛ للاستعمال اللغوي - كما ورد ذلك في المصباح (٤٩٧)، وهذه تسمية أهل الحجاز، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّيت بالمعاملة؟ قلتُ: لأن الآخذ للمال - وهو عمرو - ليتجر به يُسمَّى عاملًا لزيد، فتكون معاملة بينهما؛ لأجل مصلحتهما وهي: الحصول على الربح. (فرع): هذه الشركة جائزة شرعًا لِقواعد: الأولى: الكتاب، وقد سبق بيانه، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث أقرَّ النبي ﷺ كثيرًا من الصحابة الذين كانوا يتعاملون بها، الثالثة: قول وفعل الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة كانوا يتعاملون بها؛ الرابعة: المصلحة: حيث إن الناس بحاجة إليها؛ لكون بعض الناس قد يملك المال ولكنه لا يستطيع الاشتغال به، والبعض الآخر لا يملك مالًا، ولكنه عنده من المعرفة والقوة لأن يشتغل بمال غيره، فكل واحد منهما يُكمِّل الآخر، وبذلك يتحصَّلان على الخير معًا.
[ ٣ / ٣٥٩ ]
فالربح كله لرب المال، والوضيعة عليه، وللعامل أجرة مثله (^٣٧)، وإن شرط جزءًا
(^٣٧) مسألة: يُشترط لصحة شركة المضاربة: أن يُقدَّر نصيب العامل من الربح كنصفه أو ربعه وهكذا، فلو لم يُقدَّر ذلك عند عقد الشركة بأن قال صاحب المال - وهو هنا زيد - "خذ هذا المال مضاربة، ولم يذكر سهم ونصيب العامل - وهو هنا عمرو -، أو قال: "لك جزء من الربح" ولكنه لم يُبيِّن مقدار هذا الجزء: فإن الشركة تفسد، والربح كله يكون لصاحب المال - وهو هنا زيد - ولا يأخذ العامل منه شيئًا، وكذا: الخسارة يتحمَّلها بكاملها صاحب المال - وهو هنا زيد - ويُعطى العامل أجرة عمله، فيُعطى مثل ما يُعطى أيُّ عامل في هذا الشأن وإن لم يحصل ربح؛ للمصلحة: حيث إن عدم معرفة نصيب العامل وقدره حين عقد هذه الشركة، يؤدِّي إلى التنازع والاختلاف بين صاحب المال - وهو زيد - والعامل - وهو عمرو - على حسب العادة والعرف؛ إذ كل واحد سيدَّعي أنه صاحب النصيب الأكثر من الربح؛ لأن أكثر النفوس قد جبلت على حب المال، مما يؤدي إلى أن أحدهما سيأكل قدرًا من مال الآخر وحقه بالباطل، فدفعًا لذلك: اشترط هذا الشرط؛ لكون دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإن قلتَ: لِمَ يُعطى العامل أجرة المثل؟ قلتُ: يُعطى ذلك نظير عمله، وعوض عنه كأي عامل في أي صنعة، فإن قلتَ: إن العامل يُعطى من ربح التجارة ما جرت العادة في مثله وهو لكثير من العلماء ومنهم بعض الحنابلة؛ للمصلحة: حيث إن ربح التجارة يكون أكثر بكثير من أجرة المثل، والعامل لا يترك تأجير نفسه في الأمور العادية ويشتغل بالمضاربة إلّا لكونه يرغب في كثرة الربح، قلتُ: إن هذا غير منضبط، فلا يسلم عادة من التنازع، وما قلناه منضبط فيقدم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" فقدمنا المصلحة الأولى؛ لكونها تدفع مفسدة عن الشريكين، ولانضباطها، ولعمومها في دفع التنازع عن المجتمع وما يدفع المفاسد مقدم على ما يجلب المصالح، وعندهم تقدم المصلحة الثانية؛ لكونها =
[ ٣ / ٣٦٠ ]
من الربح لعبد أحدهما، أو لعبديهما: صح، وكان لسيده (^٣٨) وإن شرطاه للعامل ولأجنبي معًا، ولو ولد أحدهما، أو امرأته، وشرطا عليه عملًا مع العامل: صح وكانا عاملين، وإلا: لم تصح المضاربة (^٣٩) (فإن قال) رب المال للعامل: اتَّجر به
= في مصلحة العامل، ويؤخذ من ظاهر كلامهم: أن ما يجلب المصالح مقدم على ما يدفع المفاسد.
(^٣٨) مسألة: تشارك زيد وعمرو، واشترط زيد عند عقد الشركة: "أن جزءًا معلومًا من الربح لعبده سالم" أو اشترط كل واحد من زيد وعمرو: أن جزءًا من الربح لعبديهما: فإن هذا الشرط يصح، ويأخذ زيد وعمرو نصيب العبدين؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "المسلمون على شروطهم" فيلتزم كل شخص بما التزم به من الشروط إذا لم يُخالف الشرع، وكل واحد يُطالب بحقه بسبب شرطه ورضى الشريك الآخر، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كل شخص ينبغي أن يشترط لنفسه ما يُناسب حاله: من جلب مصلحة له، أو دفع مفسدة عنه، فإن قلتَ: لِمَ يأخذ زيد وعمرو نصيب العبدين؟ قلتُ: لأن العبد لا يملك، بل هو وما يملك لسيده، فيكون كل واحد من الشريكين كأنه اشترط لنفسه ذلك.
(^٣٩) مسألة: إذا تشارك زيد وعمرو في شركة المضاربة، وشرطا: أن يكون جزء من الربح معلوم لعاملين: بكر، ومحمد - غير العبد - وقالا لبكر: "خذ هذا المال فاتّجر به أنت ومحمد، وما ربحتماه فلكما نصفه أو ربعه" ونحو ذلك: فإن هذا يصح، وهذا مطلق، أي: سواء كان العاملان أجنبيين عنهما معًا، أو كان أحدهما قريبًا لأحد الشريكين كأن يكون ولد زيد، أو زوجته، أو عمه أو خاله، وسواء كان هذا العامل صغيرًا أو كبيرًا، لكن بشرط: أن يكون كل عامل مثل الآخر في العمل في التجارة، فإن لم يكن أحدهما عاملًا: فلا تصح شركة المضاربة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، وقد سبق بيانها في مسألة: (٣٨)، الثانية:=
[ ٣ / ٣٦١ ]
(والربح بيننا: فنصفان)؛ لأنه أضافه إليهما إضافة واحدة، ولا مرجِّح، فاقتضى التسوية (^٤٠) (وإن قال): اتَّجر به (ولي) ثلاثة أرباعه، أو ثلثه (أو) قال: اتَّجر به و(لك ثلاثة أرباعه، أو ثلثه: صح)؛ لأنه متى علم نصيب أحدهما أخذه (والباقي للآخر)؛ لأن الربح مستحق لهما، فإذا قُدِّر نصيب أحدهما منه: فالباقي للآخر بمفهوم اللفظ (^٤١) (وإن اختلفا لمن) الجزء (المشروط) له: (فـ) هو (لعامل) قليلًا كان
= القياس، بيانه: كما أن أحد الشريكين لو اشترط دراهم معلومة كألف مثلًا يأخذها من الربح: فإنه لا يصح ذلك - كما سبق في مسألة (٢٣) - فكذلك لو اشترط أحدهما أو كلاهما أن يُعطى شخص من الربح بدون عمل: فإن هذا الشرط لا يصح، والجامع: أن كلًّا منهما شرط فاسد يعود إلى الربح ففسد به العقد، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه المحافظة على مال الشريكين، فلو أن هذا الشخص غير العامل قد أعطي من الربح دون مقابل: للحق الضرر بالشريكين، أو بأحدهما أو بالعامل الآخر، ويتسبَّب هذا بزيادة البطالة بين أفراد المجتمع، وهذا مما يحاربه الإسلام؛ لأن المسلم خلق لعبادة الله، والعمل لإغناء نفسه وعياله من العبادة، فدفعًا لذلك شرع هذا الحكم؛ لأن الضرر يُزال.
(^٤٠) مسألة: إذا قال صاحب المال - وهو زيد مثلًا - للعامل - وهو عمرو -: "خذ هذا المال فاتَّجر به والربح بيننا": فإن هذا يصح، ويكون نصف الربح للعامل - وهو عمرو - والنصف الآخر لصاحب المال - وهو زيد -؛ للتلازم؛ حيث إن لفظة "بيننا" يلزم منها: أن يكون نصيب كل واحد منهما من الربح مثل نصيب الآخر؛ لكون إضافته إلى الشريكين واحدة؛ لتساوي الطرفين، فلا يُرجَّح أحدهما على الآخر، وهو مفهوم التقسيم، فيكون مثل قوله: "لك نصف الربح ولي نصفه الباقي" ولا فرق.
(^٤١) مسألة: إذا بان قدر نصيب أحد الشريكين من الربح: فإنه يأخذه، والباقي يكون=
[ ٣ / ٣٦٢ ]
أو كثيرًا؛ لأنه يستحقه بالعمل، وهو يقل ويكثر، وإنما تقدر حصته بالشرط، بخلاف رب المال: فإنه يستحقه بماله، ويحلف مدَّعيه (^٤٢)، وإن اختلفا في قدر الجزء بعد
= نصيبًا للشريك الآخر، فلو قال صاحب المال - وهو زيد - للعامل - وهو عمرو: "خذ هذا المال واتّجر به ولي ثلاثة أرباع الربح، أو ثلثه": فيصح ذلك، ويكون للعامل - وهو عمرو - الربع، وإن قال: "ولي ثلث الربح": فيصح ويكون للعامل - الثلثان، وإن قال: "ولك ثلاثة أرباع الربح": فيصح ويكون لصاحب المال الربع، وهكذا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ذكره مقدار نصيب أحدهما: معرفة مقدار نصيب الآخر من باب "مفهوم العدد".
(^٤٢) مسألة: إذا أعطى زيد عمرًا مالًا وقال زيد له: "اتَّجر به بثلثي الربح"، فلما اتَّجر عمرو به - وهو العامل - وربح: اختلفا لمن هذا الجزء المشروط - وهو ثلثا الربح -، فقال صاحب المال - وهو زيد - "إن هذا الجزء المشروط لي"، وقال العامل - وهو عمرو -: "إن هذا الجزء المشروط لي" ولا بيّنة عند كل واحد منهما: فإنه في هذه الحالة يقبل قول العامل - وهو عمرو - مع يمينه، ويكون له ثلثا الربح، ويكون لصاحب المال - وهو زيد - ثلثه، وهذا مطلق، أي: سواء كان الربح قليلًا أو كثيرًا؛ للتلازم؛ حيث إن العامل يستحق هذا الجزء بسبب العمل بالمضاربة ولا يتبين حقه وحصّته على عمله إلّا بالشرط المذكور أثناء العقد فيلزم من ذلك صرف الجزء المشروط لهذا العامل، بخلاف صاحب المال - وهو زيد -: فإنه يستحق نصيبه من الربح بسبب كونه صاحب المال فيلزم من ذلك: عدم حاجته إلى شرط، وهذه قاعدة في العقود التي تشبه تلك المسألة، فإن قلتَ: لِمَ طلب من العامل اليمين هنا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه احتياط للدين، وفيه دفع احتمال أن يكون الجزء المشروط لصاحب المال، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق العامل؛ لأن العادة قد جرت على أن أصحاب الأموال يظلمون العمال لديهم؛ نظرًا لقوتهم، وضعف العمال.
[ ٣ / ٣٦٣ ]
الربح: فقول مالك بيمينه (^٤٣) (وكذا مساقاة ومزارعة) إذا اختلفا في الجزء المشروط (^٤٤)، أو قدره؛ لما تقدَّم (^٤٥)
(^٤٣) مسألة: إذا أعطى زيد عمرًا مالًا، وقال زيد له: "اتَّجر به"، فلما اتَّجر عمرو به، وربحت التجارة اختلفا في قدر الجزء، فقال العامل - وهو عمرو -: "شرطتُ أن يكون لي ثلث الربح" وقال صاحب المال - وهو زيد -: "لا، بل لك ربع الربح"، ولا تُوجد بيّنة لواحدٍ منهما: فإنه في هذه الحالة يُقبل قول صاحب المال - وهو زيد - مع يمينه؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "البيِّنة على المدّعي واليمين على من أنكر" وصاحب المال هنا - وهو زيد - منكر، فيُقبل قوله مع يمينه، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق صاحب المال، فإن قلتَ: لِمَ يُطلب من صاحب المال اليمين هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للدِّين، وفيه دفع احتمال أن يكون هذا القدر للعامل.
(^٤٤) مسألة: إذا قال صاحب نخل أو أرض - وهو زيد - لعامل - وهو عمرو -: "اسق لي هذا النخل، أو ازرع هذه الأرض بجزء من نتاجهما وهو: ثلثاه" فاختلفا في هذا الجزء المشروط - وهو الثلثان - هل هو لصاحب النخل والأرض - وهو زيد - أم هو للعامل - وهو عمرو -؟: فإنه يُقبل قول العامل هنا مع يمينه - كما فصَّلناه في مسألة: (٤٢) - للقياس؛ بيانه: كما أنه يُقبل قول العامل في شركة المضاربة، فكذلك يُقبل قول العامل في المساقاة والمزارعة والجامع: أن كلًّا منهما وجد فيه عامل استحق جزءًا من الربح بسبب العمل، ولا يتبين ذلك إلّا بالشرط، والمقصد قد بيّناه في مسألة: (٤٢).
(^٤٥) مسألة: إذا قال صاحب نخل أو أرض - وهو زيد - لعامل - وهو عمرو -: "اسق لي هذا النخل، أو ازرع هذه الأرض" فلما فرغ عمرو من ذلك: اختلفا في قدر الجزء المشروط، فقال عمرو: "اشترطتُ أن لي ثلث النتاج والربح" وقال زيد: "لا، بل لك ربعه": فإنه يُقبل قول زيد، وهو صاحب الزرع والأرض والنخل=
[ ٣ / ٣٦٤ ]
(ومضاربة) كشركة عنان فيما تقدّم (^٤٦)، وإن فسدت: فالربح لرب المال، وللعامل أجرة مثله (^٤٧)،
= مع يمينه؛ للسنة القولية: وقد بيّناها، والمقصد من ذلك في مسألته (٤٣).
(^٤٦) مسألة: شركة المضاربة، والقراض والمعاملة مثل شركة العنان فيما يجوز للشريك العامل أن يفعله، وفيما يجب أن يفعله، وفيما يحرم عليه فعله، وقد سبق تفصيل ذلك في مسائل (٣١ و٣٢، و٣٣ و٣٤)؛ للإجماع، ومستند هذا الإجماع هي: المصلحة؛ حيث إن المصلحة تقتضي تلك الأحكام للشركتين؛ ليتحقق الغرض الذي من أجله اشترك الشريكان فيه، وإن لم يف بذلك: فلا فائدة من عقد الشركة بينهما.
(^٤٧) مسألة: إذا فسد عقد شركة المضاربة بأي سبب مفسد: كأن يترك صاحب المال هذه التجارة، أو يترك العامل ذلك: فإن ما حصل من ربح - إلى فساد تلك الشركة - يكون لصاحب المال - وهو زيد - ولا يُعطى العامل - وهو عمرو - شيئًا منه، بل يُعطى - يعني العامل - أجره مثل أجرة من عمل مثل عمله ويحكم بذلك المتوسطون في عقولهم ممن لهم الخبرة في مثل تلك التجارة؛ للتلازم؛ وهو من وجوه: أولها: أن العامل يستحق جزءًا من الربح إذا تَّمت تلك التجارة، فيلزم من فسادها: فساد كل ما يتعلَّق بها من شروط وغيرها، ومن ذلك: الجزء الذي يُعطى للعامل فهو قد فسد بسبب فساد الأصل، وهو الشركة، ثانيها: أن كون المال مال زيد: يلزم منه: أنه يستحق جميع الربح الناتج عنه؛ لكونه نماء ماله الخاص، فكان من حقه، ثالثها: أنه لا عمل إلّا وله أجرة، فيلزم منه إعطاء هذا العامل عوضًا عنه أجرة تقابل عمله، رابعها: أنه يلزم من تحقيق العدالة ونفي الظلم: أن يُعطى هذا العامل مثل أجرة من عمل مثل عمله يُقدِّرها أهل الخبرة بذلك من أهل العقول المتوسطة في نظراتها للأمور، إذ المشتدِّدين في الدين، أو المتساهلين فيه لا يُقبل قولهم؛ فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن=
[ ٣ / ٣٦٥ ]
وتصح مُؤقتة ومُعلَّقة (^٤٨) (ولا يضارب) العامل (بمال لآخر إن أضرَّ الأول ولم يرض)؛ لأنها تنعقد على الحظ والنماء، فلم يجز له أن يفعل ما يمنعه منه، وإن لم يكن فيها ضرر على الأول، أو أذن: جاز (^٤٩) (فإن فعل) بأن ضارب لآخر مع ضرر
= ذلك فيه تحقيق العدالة، وحماية كل من صاحب المال والعامل.
(^٤٨) مسألة: شركة المضاربة تصح مطلقة غير مقيَّدة بزمن، أو حال، أو شرط: كأن يقول زيد لعمرو: "خذ هذا المال فاتَّجر به بربع الربح مضاربة": فإن عمرًا يجوز له - بسبب هذا الإطلاق - أن يتَّجر به شهورًا أو سنوات، ويجوز أن يتَّجر به في حال إقامة زيد وسفره، ويجوز له أن يتَّجر به في جميع أصناف التجارة كالعقارات، والبهائم، وبيع الأغذية، ونحو ذلك، وتصح هذه الشركة مقيدة بزمن كأن يقول زيد لعمرو: "اتَّجر بهذا المال سنة أو سنتين مضاربة بربع الربح" وتصح مقيّدة بحال كأن يقول زيد: "خذ هذا المال واتَّجر به بربع ربحه إذا سافرتُ" وتصح مقيدة بشرط: كأن يقول زيد: "اتَّجر به بربع ربحه في البهائم" ونحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز للموكل أن يُطلق الوكيل بأن يتصرَّف في تلك الوكالة بدون قيد بزمن، أو حال، أو شرط، ويجوز له أن يقيد الوكالة بزمن أو حال، أو شرط فلذلك شركة المضاربة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما فيه إذن في التصرُّف، وهذا يدخل فيه المطلق، والمؤقت، والمعلق، والمقيد بأي شيء، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة لأحوال المسلم، فأحيانًا تقتضي مصلحته إطلاق هذه الشركة، وتقتضي أحيانًا تقييدها بأي شيء: من زمن، أو حال، أو شرط.
(^٤٩) مسألة: إذا أعطى زيد عمرًا مالًا قائلًا له مثلًا: "خذ يا عمرو هذا المال واتَّجر به مضاربة بربع ربحه" فقبل عمرو وشرع بالمتاجرة: فإنه لا يجوز له - أي: لعمرو - أن يتاجر بمال أعطاه إيّاه بكر بشرط: أن تكون متاجرته بمال بكر مضرّة بمتاجرته بمال زيد، أما إن كانت متاجرته بمال بكر لا تضرّ بمتاجرته بمال =
[ ٣ / ٣٦٦ ]
الأول بغير إذنه: (ردَّ حصته) من ربح الثانية (في الشركة) الأولى؛ لأنه استحق ذلك بالمنفعة التي استحقت بالعقد الأول (^٥٠)،
= زيد، أو كانت تضرُّ به، لكن زيدًا قد أذن له في ذلك ورضي: فإنه يجوز لعمرو أن يتاجر بمال زيد وبكر معًا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية مال زيد من الخسارة - وهو أولى بأن يُراعى؛ لكونه أول من أخذ ماله عمرو -، أما إذا كانت متاجرة عمرو بمال بكر لا تضر بمتاجرته بمال زيد أو كانت تضر ولكن زيد رضي وأذن: فلا مانع؛ لنفع عمرو وبكر، وكل ذلك أصله قوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"، وقاعدة: "الضرر يزال".
(^٥٠) مسألة: إذا وقع وتاجر العامل - وهو: عمرو - بمال الأول - وهو زيد - وهي الشركة الأولى، ثم تاجر بمال الثاني - وهو: بكر - وهي الشركة الثانية وربح العامل في الشركتين: بدون إذن زيد فإن عمرًا في هذه الحالة يُعطي بكرًا نصيبه من ربح الشركة الثانية، أما نصيب عمرو من ربح هذه الشركة - وهي الثانية - فإنه يُضاف إلى ربح الشركة الأولى، ويقتسمه مع صاحب رأس مالها - وهو زيد - على حسب الجزء المشروط من ربحها عند عقد تلك الشركة - وهي الأولى -؛ للمصلحة: حيث إن العامل - وهو عمرو - قد تعدَّى، وعمل مع الثاني - وهو بكر - مع أن الحق: أن يعمل بالشركة الأولى؛ لأن العقد يقتضي ذلك، فلحق الأول - وهو زيد - الضرر، فدفعًا للضرر عن زيد، وحماية له، وزجرًا للعامل من أن يعمل مثل هذا العمل ومنعًا لغيره من أن يعمل كما عمل عمرو: شرع هذا الحكم؛ سدًا للذرائع، وهو في غاية دفع المفاسد؛ نظرًا لتقديم دفع المفاسد على جلب المصالح، فإن قلتَ: إن صاحب المال في الشركة الأولى - وهو زيد - لا يستحق من ربح الشركة الثانية شيئًا وهو قول كثير من العلماء، منهم ابن قدامة وابن تيمية؛ للمصلحة: حيث إن الشخص إنما يستحق الربح بسبب اشتراكه برأس ماله، أو بعمله، وصاحب المال الذي ربحه في الشركة الأولى - وهو زيد - لم يكن=
[ ٣ / ٣٦٧ ]
ولا نفقة لعامل إلا بشرط (^٥١) (ولا يقسم) الربح (مع بقاء العقد) أي: المضاربة (إلا
= له مال في الشركة الثانية، ولم يعمل فيها، فأخذه من مال العامل الذي ربحه في الشركة الثانية يُعتبر أخذًا لشيء لا يستحقه، وهو من باب أكل أموال الناس بالباطل، وهو ملحق للضرر على العامل، فهو أخذ عوض عمله في الشركة الثانية، قلتُ: إن صاحب المال في الشركة الأولى - وهو زيد - مستحق لذلك؛ لأن العامل قد أشغل الوقت والجهد اللذين يجب أن يكونا للشركة الأولى بالمتاجرة في الشركة الثانية؛ لأن هذا الوقت والجهد من حق الشركة الأولى وصاحب رأس مالها - وهو زيد -، فرفعًا للضرر عنه - أي: عن زيد - استحق مشاركة العامل - وهو عمرو - بما ربحه من الشركة الثانية؛ لكونه ربحًا قد حصل في وقت زيد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" فرجَّحنا المصلحة التي ذكرناها؛ نظرًا لعمومها؛ إذ فيها إصلاح العاملين، وإصلاح المجتمع، أما المصلحة التي ذكروها: فهي خاصة لدفع الضرر عن العامل، ولم ينظروا إلى وقت صاحب مال الشركة الأولى.
(^٥١) مسألة: إذا أعطى زيد عمرًا مالًا ليتَّجر به مضاربة واشترط العامل - وهو عمرو - بأن يُنفق على نفسه من مال المضاربة، وقبل صاحب المال - وهو زيد -: فله أن ينفق على نفسه بالمعروف بدون تعدٍّ، أما إذا لم يشترط العامل ذلك: فلا يجوز له أن ينفق على نفسه من مال المضاربة، وهذا مطلق، أي سواء كان هذا العامل - وهو عمرو - يتاجر في السفر أو الحضر، وسواء كانت العادة جارية بأن النفقة تكون للعامل من مال المضاربة أو لم تكن جارية؛ للتلازم؛ حيث إن عقد هذه الشركة قد تضمَّن أن العامل دخل في هذه الشركة بنصيب من الربح، وهذا يُعتبر شرطًا فيلزم منه: أنه لا يستحق غير ما تضمنه هذا الشرط، وهو هذا النصيب؛ إلّا بشرط آخر يذكره عند العقد ويوافق عليه صاحب المال - وهو زيد -، فإن وافقه عليه: فإنه يصح؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "المسلمون على=
[ ٣ / ٣٦٨ ]
باتفاقهما)؛ لأن الحق لا يخرج عنهما، والربح وقاية لرأس المال (^٥٢) (وإن تلف رأس
= شروطهم" فيجب الالتزام بذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية صاحب المال - وهو زيد - من أن يؤكل ماله بغير حق وفيه دفع للتنازع؛ حيث إن النفقة غير منضبطة، فقد يكفي شخصًا ما لا يكفي الآخر، فيؤدِّي إلى التنازع في المتفق فيدَّعي صاحب المال أنه كثير، ويدّعي العامل أنه قليل فدفعًا لذلك لا ينفق على نفسه، أما إذا أذن صاحب المال: فيجوز؛ نظرًا لكون صاحب المال قد أسقط حقه، فإن قلتَ: إذا كانت العادة جارية بأن ينفق العامل على نفسه من مال شركة المضاربة: فإنه ينفق على نفسه منها وإن لم يشترطه، وهو قول كثير من العلماء، ومنهم ابن تيمية وابن القيم؛ للعادة والعرف؛ حيث إن العادة محكَّمة هنا قلتُ: إن العادة لا تحكَّم في مثل هذا؛ نظرًا لكون العاملين يختلفون في قدر النفقة على أنفسهم كما سبق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع العادة" فعندنا: العادة غير محكَّمة هنا؛ لعدم انضباط النفقة، وعندهم: أنها محكمة.
(^٥٢) مسألة: إذا أعطى زيد عمرًا مالًا ليتَّجر به مضاربة، وحصل الربح، ولم ينته وقت العقد بينهما: فلا يجوز لأحدهما أن يُقسَّم الربح ويأخذ نصيبه منه قبل انتهاء عقد الشركة، أما إن اتفقا على تقسيمه كله أو بعضه قبل انتهاء العقد فيجوز؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية الشريكين من الخسران؛ حيث إن صاحب المال قد يخسر وينوي جبران هذه الخسارة من ربح هذه الشركة بعد انتهاء عقدها، فإذا قُسِّم الربح والعقد باق: فلا يقع ما نواه وتقع الخسارة؛ لكون الربح هو الواقي والحامي لرأس المال من النقص وكذلك العامل فقد يأخذ شيئًا من الربح في وقت يلزم بأن يأت به في وقت لا يقدر عليه، فدفعًا للضرر الناتج عن ذلك: شرع عدم الجواز، أما إذا اتفق على قسمة الربح أو بعضه قبل انتهاء العقد: فقد جاز؛ لكون الربح ملكهما معًا، فهو لا يخرج عنهما، فيفعلان فيه ما شاءا إذا اتفقا.
[ ٣ / ٣٦٩ ]
المال أو) تلف (بعضه) قبل التصرف: انفسخت فيه المضاربة كالتالف قبل القبض (^٥٣)، وإن تلف (بعد التصرُّف): جبر من الربح؛ لأنه دار في التجارة، وشرع فيما قصد بالعقد من التصرُّفات المؤدِّية إلى الربح (^٥٤) (أو خسر) في إحدى سلعتين، أو سفرتين: (جُبر) ذلك (من الربح) أي: وجب جبر الخسران من الربح، ولم يستحق العامل شيئًا إلّا بعد كمال رأس المال؛ لأنها مضاربة واحدة (قبل قسمته)
(^٥٣) مسألة: إذا أعطى زيد عمرًا مالًا ليتَّجر به مضاربة، فتلف هذا المال أو بعضه قبل أن يتصرَّف العامل - وهو عمرو - فيه ببيع أو شراء: فإن شركة المضاربة تنفسخ، فلا يجوز للعامل - وهو عمرو - أن يشتري شيئًا أو يبيع؛ بقصد جعله في الشركة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن السلعة إذا تلفت كلها أو تلف بعضها قبل أن يقبضها مشتريها: يبطل البيع فكذلك رأس المال إذا تلف كله، أو بعضه يُبطل شركة المضاربة، والجامع: أن كلًّا منهما مال قد هلك على جهته قبل التصرف فيه، والمقصد من ذلك: حماية الشريكين من الاختلاف فيما لو تصرَّف العامل.
(^٥٤) مسألة: إذا أعطى زيد عمرًا مالًا ليتَّجر به مضاربة، فتلف هذا المال، أو بعضه بعد أن تصرَّف فيه العامل - وهو عمرو - ببيع أو شراء ونحو ذلك: فإن هذا التلف يُجبر من ربح ذلك التصرَّف، وربح باقي رأس المال، فيؤخذ من الربح ويُكمَّل به رأس المال قبل قسمة ذلك الربح، ولا يستحق العامل شيئًا من الربح إلّا بعد استكمال رأس المال؛ للتلازم؛ حيث إن الربح نتج من إدارة هذه التجارة برأس المال، وهو المقصود من إذن التصرُّف برأس المال - الذي يقتضيه عقد الشركة - فيلزم من ذلك أن يُكمَّل بالربح المنتج له أصلًا - وهو رأس المال - لكون الربح هو الفاضل من رأس المال، وما لم يفضل فليس بربح، فلزم: حرمان العامل، فلا يأخذ شيئًا من الربح ما لم يستكمل رأس المال، والمقصد منه: حماية صاحب رأس المال - وهو زيد - من الخسارة.
[ ٣ / ٣٧٠ ]
ناضًّا (أو تنضيضه) مع محاسبته (^٥٥)، فإذا احتسبا وعلما مالهما: لم يجبر الخسران بعد ذلك مما قبله؛ تنزيلًا للتنضيض مع المحاسبة منزلة المقاسمة (^٥٦)، وإذا انفسخ العقد
(^٥٥) مسألة: إذا أعطى زيد عمرًا مالًا ليتَّجر به مضاربة، واتَّجر العامل - وهو عمرو - لكنه خسر في سلعة، وربح في سلعة أخرى، أو خسر في سفرة، وربح في سفرة أخرى: فإن خسارة السلعة الأولى، أو السفرة الأولى تجبر من ربح الثانية منهما إلى أن يكمل المال الذي أعطاه زيد لعمرو، ولا يستحق العامل - وهو عمرو - شيئًا من الربح إلّا إذا كمل رأس مال زيد، فيُسلِّم عمرو الربح لزيد نضًّا - أي: نقدًا - مع محاسبته إياه حسابًا يكون كالقبض، ولا يتحاسبان على الأمتعة المتَّجر فيها، بل يتحاسبان بالنقد المعروف، فإذا أكمل العامل - وهو عمرو - رأس المال، وسلمه صاحبه نقدًا: فإن بقي شيء يكون هو الربح، فيأخذ كل من زيد وعمرو نصيبه من هذا الباقي على حسب الجزء المشروط عند عقد الشركة؛ للتلازم؛ حيث إن الربح هو وقاية لرأس المال من النقص فيلزم منه: أن لا يُقسَّم هذا الربح إلّا بعد استكمال رأس المال؛ لكون صاحب المال - وهو زيد - لا يُمكنه مقاسمة نفسه، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: لمصلحة صاحب المال؛ حيث إن ذلك فيه حماية له من أن يؤخذ بعض حقه بدون مقابل، وهو دفع مفسدة عنه، فإن قلتَ: لِمَ يتحاسبان بالنقد دون المتاع المتاجر به؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه اطراد وانضباط، وبعد عن التنازع، إذ المحاسبة على المتاع يؤدّي إلى التنازع؛ لكون المتاع قد يرتفع سعره، وقد ينخفض، وهذا ينتج عنه التنازع.
(^٥٦) مسألة: إذا أعطى زيد عمرًا مالًا ليتَّجر به مضاربة، وربحت تلك التجارة، فتحاسبا، وعلم كل واحد نصيبه من الربح وأخذه، ثم خسرت الشركة بعد ذلك: فإنه لا يُجبر هذا الخسران من الربح - الذي تقاسماه قبل تلك الخسارة -؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو تقاسم زيد وعمرو مالهما واصطلحا على ذلك، ثم خسر زيد بتجارته بعد ذلك: فإنه لا يجبر عمرو خسارة زيد مما كان بينهما قبل=
[ ٣ / ٣٧١ ]
والمال عرض، أو دين، فطلب رب المال تنضيضه: لزم العامل (^٥٧)، وتبطل بموت أحدهما (^٥٨)، فإن مات عامل، أو مودَع أو وصي، ونحوه، وجهل بقاء ما بيدهم:
= التقسيم، فكذلك هنا: فإنهما إذا تحاسبا نضًّا - أي: نقدًا - وتصفية للشركة، ثم بعد ذلك خسرت لا تجبر تلك الخسارة من ربح ما قبل الحساب، والجامع: أن كلًّا منهما قد وُجد انفصال فيه بين ما قبل، وبين ما بعد؛ حيث إنه بعد تقسيم الربح تبدأ شركة مضاربة ثانية لا صلة بها بالأولى إن شاءا، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الطرفين، وفيه فصل بين مرحلتين.
(^٥٧) مسألة: إذا أعطى زيد عمرًا مالًا ليتَّجر به مضاربة، فاشترى العامل - وهو عمرو - ثيابًا بهذا المال ليتاجر بها، ثم انفسخت الشركة بأي سبب، أو انتهى عقدها في حين أن العامل لم يبع تلك الثياب، أو بعضها، وطلب صاحب المال - وهو زيد - أن ينضُّه وينقده ماله نقدًا كما سلَّمه إياه: فإنه يجب على العامل أن يبيع عروض التجارة - وهي الثياب -، ويعطي ثمنها نضًا ونقدًا لصاحب المال - وهو زيد - نقدًا؛ للمصلحة: حيث إن العامل قد أخذ رأس المال من زيد نقدًا عند عقد الشركة، فيلزمه أن يردُّه إليه نقدًا كما أخذه، فلو ردَّه عرضًا - أي: ثيابًا - أو أحاله على المستدين لها بدون مقاضاة: لأدَّى ذلك إلى ضرر صاحب المال؛ لكون العروض قد تنقص قيمتها عن رأس ماله، ولكون المستدين قد لا يُوفي ما عليه، فدفعًا للضرر عن صاحب المال شرع هذا.
(^٥٨) مسألة: إذا أعطى زيد عمرًا مالًا ليتَّجر به مضاربة، ولكن بعد ذلك مات أحدهما، أو جُنَّ، أو أصابه سفه، أو فسخها: فإن هذه الشركة تبطل؛ للقياس، بيانه: كما أن الوكالة تبطل بهذه الأسباب الأربعة، فكذلك المضاربة مثلها، والجامع: أن كلًّا منهما عقده يقتضي التصرف، وهذه الأسباب تمنع التصرف، وهما من العقود الجائزة التي تنفسخ بمثل تلك الأسباب، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس؛ إذ لو كانت مثل هذه العقود=
[ ٣ / ٣٧٢ ]
فهو دين في التركة؛ لأن الإخفاء وعدم التعيين كالغصب (^٥٩) ويُقبل قول العامل فيما يدَّعيه من هلاك، وخسران، وما يذكر أنه اشتراه لنفسه، أو للمضاربة؛ لأنه من أمين (^٦٠)،
= لازمة مع وجود تلك الأسباب: للحق كثيرًا منهم الحرج والمشقة.
(^٥٩) مسألة: إذا مات العامل في شركة المضاربة، أو مات المودَع لوديعة، أو الوصي، وهو: الموصى والمولى على شيء، أو الوكيل أو الأجير، أو أي شخص قد اؤتمن على شيء: فإن عُلم بقاء هذا الشيء بعينه: فإن صاحب المال - في المضاربة - أو المودِع، أو الموصي، أو الموكِّل، أو المستأجر للأجير يأخذ ذلك الشيء، أما إن جُهل بقاء ما بيدهم: فإن هذا يكون دينًا في تركة هذا الميت، يأخذه صاحب رأس المال، والمودِع، والموصي، والموكِّل من تلك التركة قبل تقسيمها؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الغاصب للشيء إذا مات: فإنا نأخذ المغصوب إن وُجد بعينه، وإن لم نجده: فإنه يكون دينًا في تركة هذا الغاصب فكذلك ما نحن فيه مثله، والجامع: أن كلًّا منها حق لصاحب المال الأصلي يأخذه بعينه، أو من التركة، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة حيث إن ذلك فيه حماية صاحب المال الأصلي من أن يؤكل حقه.
(^٦٠) مسألة: إذا أعطى زيد عمرًا مالًا ليتَّجر به مضاربة، ثم تصرَّف العامل - وهو عمرو - وخسر هذا المال، أو اشترى العامل سلعة شيئًا في وقت الشركة، واختلفا، فقال صاحب المال - وهو زيد - "إن المال هلك وخسر بتفريط من العامل، وأنه اشترى تلك السلعة للشركة" وقال العامل - وهو عمرو -: "لا، بل إن المال قد هلك وخسر بآفة سماوية، ولم أفرط في شيء، وإني اشتريت تلك السلعة لنفسي": فإنه يُقبل قول العامل هنا؛ للقياس، بيانه: كما أنه يُقبل قول الوكيل إذا اختلف مع الموكِّل في مثل هذه الأشياء، فكذلك هنا يقبل قول العامل في شركة المضاربة، والجامع: أن كلًّا منهما أمين فيما وُلِّي عليه وله حق التصرُّف=
[ ٣ / ٣٧٣ ]
والقول قول رب المال في عدم ردِّه إليه (^٦١).
فصل: (الثالث: شركة الوجوه) سُمِّيت بذلك؛ لأنهما يعملان فيها بوجههما، أي: جاههما، والجاه والوجه واحد، وهي: أن يشتركا على (أن يشتريا في ذمتهما) من غير أن يكون لهما مال (بجاههما، فما ربحا) هـ (فـ) هو (بينهما) على ما شرطاه (^٦٢)
= في ملك غيره بإذنه على وجه لا يختص بنفعه فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية العامل العدل من ظلم الآخرين له.
(^٦١) مسألة: إذا أعطى زيد عمرًا مالًا ليتَّجر به مضاربة، فلما اتَّجر به عمرو: قال: إنه ردَّ رأس المال لزيد، وأنكر زيد ذلك، ولا توجد بيّنة عندهما: فإنه يُقبل قول صاحب المال - وهو زيد - هنا مع يمينه؛؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "البيِّنة على المدعي واليمين على من أنكر" فهنا: العامل قد قبض المال من زيد، وادَّعى بأنه سلَّمه إليه بدون بيِّنة، وأنكر ذلك زيد، فكون عمر لم يثبت بيَّنة على ما ادَّعاه، وحلف زيد على الإنكار: يلزم منه قبول قول زيد، وعلى زيد مطالبة عمرو بتسليمه رأس المال، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن هذا فيه حماية لصاحب المال من تحايل بعض العاملين عليه، ويأكلوا ماله أو بعضه بدون وجه حق.
(^٦٢) مسألة: في الثالث - من أنواع شركة العقود - وهو: شركة الوجوه، وهي: أن يشترك زيد وعمرو بشراء سلعة بسبب جاههما وثقة التجار بهما من غير أن يكون لهما رأس مال محسوس، بل يكون ذلك في ذمتيهما، فيُتاجران بذلك، فإذا ربحا شيئًا يُقسَّم بينهما على حسب ما اشترطاه من نصيب كل واحد منهما عند عقد الشركة، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّيت بهذا الاسم؟ قلتُ: لأن الشريكين يعملان معًا بوجاهتهما، وقدرهما، ومنزلتهما في المجتمع؛ لكون كل واحد منهما وجيه ومقبول في المجتمع؛ للاستعمال اللغوي؛ حيث إن ذلك ثابت في اللغة كما جاء في
[ ٣ / ٣٧٤ ]
سواء عيَّن أحدهما لصاحبه ما يشتريه، أو جنسه، أو وقته، أو لا، فلو قال: "ما اشتريت من شيء: فبيننا": صح (^٦٣) (وكل واحد منهما وكيل صاحبه وكفيل عنه بالثمن)؛ لأن مبناها على الوكالة والكفالة (^٦٤) (والملك بينهما على ما شرطاه)؛ لقوله
= مصباح (٦٤٩) تنبيه: فسَّرت شركة الوجوه بتفسيرات أُخر، ولكن ما ذكرناه وأقربها للصواب.
(^٦٣) مسألة: شركة الوجوه تصح مطلقة: أي سواء عيَّن أحد الشريكين لصاحبه ما يشتريه وأشار إليه، أو لم يُعيِّن شيئًا، فلو قال زيد لعمرو: "اشتر هذا وأنا أشتري هذا والربح بيننا" أو لم يعيّن ذلك، أو عين جنسه بأن قال له: "لنتشارك في شراء الثياب والربح يكون بيننا" أو لم يُعيِّن ذلك، وسواء عيَّن أحدهما وقتًا للشركة أو لا، ولذا جاز قول زيد لعمرو: "ما اشتريتَ من شيء فهو بيننا"، للتلازم؛ حيث إن الشريكين هنا قد اشتركا في الابتياع، وأذن كل واحد منهما للآخر فيه فيلزم صحة ذلك مطلقًا، وهذا هو ما يلزم من عقد الشركة، ولا تُقيَّد بشيء إلّا بعد أن يشترطاه، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كثرة القيود يُضيِّق الربح عادة، فيُلحق الضرر على الشريكين أو أحدهما، فإن قلتَ: يُشترط تعيين جنس، ووقت ما سيشتغلان فيه؛ وهو لكثير من علماء المالكية والشافعية؛ للقياس؛ بيانه: كما يُشترط ذلك في الوكالة، فكذلك يُشترط هنا والجامع: أن كل واحد من الشريكين وكيل لصاحبه، ففي ذلك معنى الوكالة، قلتُ: هذا منقوض بشركة العنان، والمضاربة؛ حيث إنه في ضمنهما معنى الوكالة، ولا يُشترط فيهما ما اشترطتموه - كما سبق بيانه -، ثم إن التقييد بشروط يُقلِّل من الربح، وهذا مناف لمقصد الشريكين.
(^٦٤) مسألة: كل واحد من الشريكين - في شركة الوجوه - يُعتبر وكيلًا عن صاحبه في شراء نصف المتاع بنصف الثمن، وكذا: بيعه، فيستحق الربح في مقابلة ذلك، وكل واحد منهما يُعتبر كفيلًا لصاحبه، فيلزمه قضاء نصيب صاحبه من الثمن؛=
[ ٣ / ٣٧٥ ]
﵇: "المؤمنون عند شروطهم" (^٦٥) (والوضيعة على قدر ملكيهما) كشركة العنان؛ لأنها في معناها (والربح على ما شرطاه) كالعنان، وهما في تصرُّف كشريكي عنان (^٦٦) (الرابع: شركة الأبدان) وهي: (أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما) أي:
= للقياس؛ بيانه: كما أن الوكيل يُسلِّم ثمن المبيع للموكَّل، ويستلمه، والكفيل يُسلِّم المكفول فكذلك الشريك - في شركة الوجوه - يفعل ذلك، والجامع: أن كلًّا من هؤلاء يتصرَّف كما يتصرَّف الآذن له، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه ضمان حقوق من يتعامل مع هذين الشريكين.
(^٦٥) مسألة: ما يدخل تحت الشركة - في شركة الوجوه -: من نقود، وعقارات ومنقولات ونحو ذلك هو ملك للشريكين معًا: فما يشتريه أحدهما يكون بينهما بالنية على حسب الشرط الذي اشترطاه في عقد الشركة، فإن كانا متّفقين على أن نصيب زيد ثلثها: فإن نصيب عمرو يكون ثلثي الشركة، وهكذا: للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "المؤمنون عند شروطهم" حيث إن هذا خبر بمعنى الأمر بأن يلتزم كل واحد من الشريكين بما اشترطه ورضي به عند عقد الشركة، والأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ودلّ مفهوم الصفة منه على أن من لم يلتزم بذلك: فهو خائن، والخائن لا إيمان له.
(^٦٦) مسألة: الشريكان في شركة الوجوه مثل الشريكين في شركة العنان فيما إذا خسرا، أو ربحا، فكل واحد يتحمَّل من الخسارة ويأتيه من الربح على حسب الجزء المشروط له عند عقد الشركة وإن تفاوت الربح، فإن اتفقا على أن نصيب زيد ربع الشركة: فإنه يتحمّل ربع الخسارة، ويأتيه ربع الربح، ويتحمّل شريكه - وهو عمرو - ثلاثة أرباع الخسارة، ويأتيه ثلاثة أرباع الربح، فمثلًا لو خسرا مائة ألف: فإن زيدًا يتحمَّل خمسة وعشرين، ويتحمل عمرو خمسة وسبعين، وإذا ربحا: فإن زيدًا يأتيه خمسة وعشرون منها، ويأتي عمرًا منها خمسة وسبعون وهكذا: وكذا: لكل واحد منهما أن يتصرَّف مطلق التصرف فيما يخصّ شركة =
[ ٣ / ٣٧٦ ]
يشتركان في كسبهما من صنائعهما، فما رزق الله: فهو بينهما (^٦٧) (فما تقبَّله أحدهما
= الوجوه وذلك في الإقرار والبيع والشراء، والخصومة ونحو ذلك فيما يجب، ويستحب، ويحرم، ويكره، ويُشترط؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشريكين في شركة العنان مطلق التصرُّف، ويتفاضلان في الربح، والوضيعة والخسارة فكذلك الشريكان في شركة الوجوه مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا من الشريكين في كل من الشركتين قد اشتركا في المال والعمل، فجاز تصرفهما معًا فيها، وتفاضلهما في الربح على حسب ما شرطاه عند عقد كل شركة. فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية لحق كل واحد من الشريكين، فإن قلتَ: لا يجوز التفاضل في الربح بين الشريكين في شركة الوجوه وهو قول أبي يعلى؛ للتلازم؛ حيث إن الربح في هذه الشركة يستحق بالضمان؛ إذ لا مال لهما في هذه الشركة - كما سبق في تعريف شركة الوجوه - فيلزم من ذلك: عدم التفاضل في ذلك الربح؛ لكون الضمان لا تفاضل فيه قلتُ: هذا بعيد؛ لأن لهما مالًا، وهو: ما أخذاه بذمتهما من التجار الذين وثقوا بهما؛ إذ المال في الذمّة كالمال المحسوس، فكما يقع التفاضل في المحسوس - كما في شركة العنان - فكذلك يقع هنا ولا فرق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المال الذي يؤخذ بالذمة هل هو كالمحسوس؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(^٦٧) مسألة: في الرابع - من أنواع شركة العقود - وهو: الشركة بالأبدان، وهي: أن يتفق زيد وعمرو بأن يعملان بأبدانهما في أي صنعة يعرفها كل واحد منهما: كأن يكونا بنَّائين، أو يكون أحدهما خياطًا والآخر سبَّاكًا أو نحو ذلك، فما يكتسبان من رزق الله يكون بينهما على حسب الجزء المشروط لكل واحد منهما عند عقد الشركة كأن يتّفقان على أن لزيد ثلثي ما يكسبانه معًا؛ لكونه أكثر عملًا، أو أقوى، أو أعرف بالتعامل مع الناس، والثلث الباقي لعمرو، أو ينفقان على أن لكلّ واحد منهما نصف ما يكتسبانه؛ نظرًا لتساويهما في كثرة =
[ ٣ / ٣٧٧ ]
من عمل: يلزمهما فعله) ويُطالبان به؛ لأن شركة الأبدان لا تنعقد إلّا على ذلك (^٦٨)، وتصح مع اختلاف الصنائع كقصار مع خياط (^٦٩)، ولكل واحد منهما
= العمل، والقوة، ومعرفة الناس، فإذا أرادا قسمة الربح والمكسب: فإن كل واحد يأخذ حقًّا بناء على تلك النسبة.
(^٦٨) مسألة: إذا قبل أحد الشريكين - في شركة الأبدان - عملًا كبناء دار، أو خياطة ثياب، أو نحو ذلك: فإنه يكون من ضمانهما، ويجب عليهما فعله معًا، إن لم يقم به من قَبِله، ويُطالبان به معًا من غير تفريق بين الذي قَبِله أو شريكه؛ للتلازم؛ حيث إن المقصود من شركة الأبدان: أن يضمن كل واحد منهما عن الآخر ما التزم به، أما إذا كان كل واحد من الشريكين يضمن ما التزم به: فلا فائدة لهذه الشركة إذن، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: وهو: ضمان حقوق الناس الذين يتعاملون مع هذين الشريكين؛ لئلا تضيع (فرع): شركة الأبدان صحيحة؛ للسنة التقريرية؛ حيث قال ابن مسعود: "اشتركنا أنا وسعد وعمار يوم بدر فلم أجيء أنا وعمار بشيء، وجاء سعد بأسيرين فاشتركنا فيهما" ولم يبين النبي ﷺ: أنه فاسد، فيكون هذا صحيحًا، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: إن شركة الأبدان لا تصح، وهو قول كثير من العلماء، وهو رأي الشافعي؛ للتلازم؛ حيث إن الشركة لا تصح إلّا على مال؛ لكونه هو الذي يكسب فيلزم من ذلك: أن لا تصح هذه الشركة؛ لكونها اعتمدت على الأبدان فقد يكسب أحدهما دون الآخر، قلتُ: هذا منقوض بشركة المضاربة فقد قلتم بها مع أن أحد الشريكين يعمل ببدنه، ثم إنه لا فرق بين الشركة بالأموال، والشركة بالأبدان في تقسيم ربح كل منهما بجامع: أن كلًّا منهما قد عمل واجتهد في عمله سواء كان في ماله أو بدنه فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة التقريرية مع التلازم".
(^٦٩) مسألة: لا يُشترط في صحة شركة الأبدان: أن يتّحد الشريكان في الصنعة، بل=
[ ٣ / ٣٧٨ ]
طلب الأجرة، وللمستأجر دفعها إلى أحدهما (^٧٠)، ومن تلفت بيده بغير تفريط: لم
= تصحّ عند اتحاد الصنعة كأن يشترك زيد وعمرو الحدَّادين، أو النجَّارين، وتصح بين اثنين وإن اختلفت صنعتهما كأن يشترك زيد النجار مع عمرو الحدَّاد، أو زيد القصَّار - وهو الذي يقصر الثياب - مع عمرو البنَّاء، وهكذا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يصح أن يشترك اثنان متحدان في الصنعة فكذلك يصح إذا اختلفت صنعتهما، والجامع: الكسب المباح في كل، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: لا تصح شركة الأبدان عند اختلاف الصنعة بين الشريكين، وهو قول مالك، واختاره بعض الحنابلة كأبي الخطاب؛ للتلازم؛ حيث إنه اشترط في شركة الأبدان: أن ما يتقبَّله أحد الشريكين من العمل: فإنه يلزمهما معًا، ويطالبان به معًا - كما سبق في مسألة: (٦٨) - فإذا تقبَّل أحدهما شيئًا مع اختلاف صنائعهما: لم يكن للآخر أن يقوم به، ولا يستطيع القيام بما لا قدرة له عليه فيلزم من ذلك: ألا تصح تلك الشركة بين اثنين قد اختلفا في الصنعة قلتُ: يُمكن للشريك الذي لا يُحسن صنعة شريكه الآخر أن يستأجر من يحسنها فيعملها عن شريكه، فلا يلزم ما ذكرتموه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم".
(^٧٠) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو - في شركة الأبدان -، فاستأجر بكر زيدًا على أن يبني له جدارًا، فإن زيدًا له أن يُطالب بكرًا بالأجرة، وكذلك عمرو له ذلك، وإذا دفع بكر الأجرة لزيد أو لعمرو: فإن ذمة زيد تبرأ؛ للقياس، بيانه: كما أن زيدًا لو وكَّل عمرًا بأخذ الأجرة من بكر: فإن كلًّا منهما له مطالبة بكر بها، وإذا دفعها بكر لأحدهما: فإن ذمّته تبرأ، فكذلك شركة الأبدان مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا من الموكل والوكيل، والشريكين يقوم كل واحد عن الآخر في التصرُّفات مطلقًا؛ وإلّا لما كان للوكالة أو الشركة من فائدة، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حقوق الشريكين، وحقوق الناس=
[ ٣ / ٣٧٩ ]
يضمن (^٧١) (وتصح) شركة الأبدان (في الاحتشاش والاحتطاب، وسائر المباحات) كالثمار المأخوذة من الجبال، والمعادن، والتلصص على دار الحرب؛ لما روى أبو داود بإسناده عن عبد الله قال: "اشتركتُ أنا، وسعد، وعمار يوم بدر، فلم أجيء أنا وعمار بشيء، وجاء سعد بأسيرين" قال أحمد: أشرك بينهم النبي ﷺ (^٧٢)، (وإن
= المتعاملين معهما، وفيه توسعة على المسلمين.
(^٧١) مسألة: إذا تلف شيء من أملاك الشركة وآلاتها بيد أحد الشريكين من غير تفريط منه: فلا يضمنه بل يتحملانه معًا أما إن وقع ذلك بسبب تفريط: فهو يضمنه؛ للقياس بيانه: كما أن الوكيل يضمن ما تلف تحت يده بسبب تفريط منه، ولا يضمنه إذا لم يُفرِّط فكذلك هنا، والجامع: أن كل واحد من الوكيل، وأحد الشريكين أمين عند صاحبه، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لأحد الشريكين من الآخر؛ فيما لو تلفت سلعة تحت يد أحدهما، وفيه حماية المتعاملين مع تلك الشركة؛ لئلا تضيع حقوقهم.
(^٧٢) مسألة: تصح شركة الأبدان في أي عمل مباح يستطيع كل واحد من الشريكين القيام به: كأن يشتركان في عمل حشِّ الحشيش، أو قطع الأخشاب أو الاحتطاب، أو جمع الثمار التي لا يملكها أحد في الصحراء، أو الجبال، كالفقع، والعسل، واستخراج المعادن المنتفع بها، أو الاشتراك في سلب ما يقتلانه من الكفار في دار الحرب، أو نحو ذلك، فإذا باعا ذلك: اقتسما الربح والمكسب على ما شرطاه من النسبة لكل واحد منهما؛ للسنة التقريرية، وهي قصة ابن مسعود، وسعد، وعمار - كما سبق بيانها في مسألة (٦٨) حيث إنهم اشتركوا في مباح، ومع ذلك أقرهم النبي ﷺ على الاشتراك فيه وغير الأسرى كالأسرى في المباحات من باب: "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين. فإن قلتَ: لا تصح شركة الأبدان في المباحات كالاحتشاش والاحتطاب ونحوهما، وهو رأي أبي حنيفة وكثير من =
[ ٣ / ٣٨٠ ]
مُرض أحدهما: فالكسب) الذي عمله أحدهما (بينهما) احتجّ الإمام بحديث سعد (^٧٣)،
= الحنفية؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الوكالة لا تصح في المباحات كالاحتشاش ونحوه، فمن أخذها ملكها بنفسه، فكذلك شركة الوجوه لا تصح فيها والجامع: أن كلًّا منهما في معنى الوكالة، ولا يصح ملك هذه المباحات بالوكالة. قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لوجهين: أولهما: أنه معارض للنص، وهو السنة التقريرية؛ حيث إن ابن مسعود ومن معه قد اشتركوا في مباح، وقد أقرّهم النبي ﷺ ثانيهما: لا نُسلَّم الحكم في الأصل المقاس عليه؛ حيث تجوز الوكالة في المباحات؛ حيث إنه يصح أن يستنيب في تحصيلها بأجرة، وإذا بطل الحكم في الأصل المقاس عليه بطل الحكم في الفرع، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع النص" وأيضًا: "الاختلاف في حكم الأصل المقاس عليه بيننا وبينهم".
(^٧٣) مسألة: إذا تشارك زيد وعمرو في شركة أبدان، ولكن زيدًا قد مرض فلم يستطع العمل أو إصابة أي عذر آخر كخوف ونحوه: فإن الربح والكسب الذي يحققه عمرو من عمله يكون بينهما، يقسَّم بينهما على حسب الجزء المشروط الذي اتفقا عليه عند عقد الشركة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشريكين - زيد المريض، وعمرو الصحيح - يضمنان العمل، ويُطالبان به معًا، فكذلك يكون المكسب والربح يقتسمانه معًا والجامع: أن عقد الشركة ملزم بالغرم والغنم، وعدم عمل زيد ليس بسببه، وإنما بسبب الآفة السماوية، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المريض الذي انقطع عن عمله، تنبيه: احتجاج الإمام أحمد بحديث سعد السابق - وهي قصة ابن مسعود مع سعد وعمار - بعيد؛ لأن ابن مسعود وعمارًا لم يُمرضا، ولكنهما عملا كما عمل سعد، بل قد يكونا قد عملا عملًا أشق من عمل سعد، ولكن سعد قد وُفِّق، دونهما. (فرع): إذا=
[ ٣ / ٣٨١ ]
وكذا لو ترك العمل لغير عذر (^٧٤) (وإن طالبه الصحيح أن يقيم مقامه: لزمه)؛ لأنهما دخلا على أن يعملا، فإذا تعذَّر عليه العمل بنفسه: لزمه أن يقيم مقامه؛ توفية للعقد بما يقتضيه، وللآخر الفسخ (^٧٥)، وإن اشتركا على أن يحملا على دابتيهما والأجرة
= طال مرض أحد الشريكين: فللشريك الآخر أن يفسخ الشركة؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه منع إلحاق الضرر وكثرة العمل على الصحيح.
(^٧٤) مسألة: إذا ترك أحد الشريكين - في شركة الأبدان - العمل لغير عذر: بأن كان صحيحًا معافى آمنًا: فإن الكسب والربح الذي يحققه شريكه الآخر يكون له لوحده، فلا يستحق شريكه التارك للعمل شيئًا منه، وهو قول جمهور العلماء؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عقد شركة الأبدان: أن يعملا معًا ببدنيهما على حسب الطاقة والوسع، فترك أحدهما العمل بدون عذر: يلزم منه: عدم استحقاقه لشيء من الكسب والربح؛ لكونه قد فسخ عقد الشركة بتركه شرطًا من شروطها، فإن قلتَ لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع لأكل أموال الناس بالباطل ومنع للظلم بأشكاله، فإن قلتَ: إن هذا التارك للعمل بدون عذر يستحق حقه من ربح وكسب شريكه الآخر الذي عمل، وهو ما ذكره المصنف هنا. قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، بل مخالف لقواعد الشريعة، وفيه إقرار للظلم، وهذا يُستنكر من مثل المصنف.
(^٧٥) مسألة: إن ترك أحد الشريكين العمل - في شركة الأبدان - لعذر كمرض أو خوف، أو جهله بالعمل، وطالبه الشريك الصحيح أن يُقيم أحدًا يقوم مقامه في عمله: فيجب على ذلك التارك للعمل أن يقيم أحدًا يقوم بعمله عنه، فإن أبى: فللشريك الآخر الذي يعمل فسخ الشركة؛ للتلازم؛ حيث إن مقتضى عقد شركة الأبدان يُلزم كل واحد منهما أن يعمل ببدنه، فيلزم من ترك أحدهما هذا العمل بعذر أو بدونه أن يقيم غيره مقامه ينوب عنه في العمل، وإن لم يفعل، فيلزم فسخ الشركة، إذا طالب بذلك الشريك الآخر؛ لعدم وجود ركن الشركة =
[ ٣ / ٣٨٢ ]
بينهما: صح (^٧٦)، وإن أجَّراهما بأعينهما فلكل أجرة دابته (^٧٧)، ويصح دفع دابة ونحوها لمن يعمل عليها، وما رزقه الله بينهما على ما شرطاه (^٧٨) (الخامس: شركة
= الآخر، وهو العامل، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه إحقاق للحق، ومنع أكل أموال الناس بالباطل.
(^٧٦) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو - في شركة أبدان - واتفقا على أن يحملا على دابتيهما بدون تعيين، واتفقا على أن يكون المكسب والربح الذي يتحصَّلان عليه من هذا التأجير والحمل عليهما بينهما: فيصح ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو كان لكل واحد منهما آلة حراثة وجعلاهما معًا وعملا بهما: فإنه يصح ذلك، فكذلك لو اشتركا بدابتيهما مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما نوع من الاكتساب المباح.
(^٧٧) مسألة: إذا كان لعمرو دابة خاصة به، ولزيد دابته الخاصة به، فجاء بكر واستأجر الدابتين وخصَّص لكل دابة أجرة خاصة، وحمل خاص بالتعيين: فإن عمرًا يستلم أجرة دابته، وزيدًا يستلم أجرة دابته ويضمن ما أتلفته دابته، ولا تصح الشركة هنا؛ للتلازم؛ حيث إن كل واحد منهما - أعني زيدًا وعمرًا - قد خُصِّصت دابته بأجرة خاصة منفصلة عن أجرة دابة الآخر، فيلزم من ذلك: أن لكل واحد أجرة دابته، ويضمن ما أتلفته، ويلزم من هذا: عدم صحة الشركة بينهما في هذا.
(^٧٨) مسألة: إذا دفع زيد دابته، أو سيارته إلى عمرو ليعمل عليها، واتفقا على أن يكون لزيد ثلث ما يتحصَّل عليه عمرو بسبب العمل عليها، وأن يكون الثلثان لعمرو، أو بالعكس - على حسب الجزء المشروط عند عقد الشركة -: فإن هذا يصح؛ للقياس بيانه: كما أنه يجوز ذلك في المساقاة والمزارعة بأن يأذن زيد لعمرو بأن يزرع هذه الأرض بثلث الربح والثمرة فكذلك يجوز هنا والجامع: أن كلًّا منهما نوع من الاكتساب المباح، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن=
[ ٣ / ٣٨٣ ]
المفاوضة) وهي: (أن يُفوِّض كل منهما إلى صاحبه كل تصرُّف مالي وبدني من أنواع الشركة) بيعًا، وشراء، ومضاربة، وتوكيلًا، وابتياعًا في الذمة، ومسافرة بالمال، وارتهانًا، وضمان ما يُرى من الأعمال، أو يشتركا في كل ما يثبت لهما وعليهما فتصح (والربح على ما شرطاه، والوضيعة بقدر المال)؛ لما سبق في العنان (^٧٩) (فإن أدخلا فيها كسبًا أو غرامة نادرين) كوجدان لقطة، أو ركاز، أو ميراث أو أرش جناية (أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو نحوه: فسدت)؛ لكثرة الغرر فيها،
= ذلك فيه تنمية أموال المسلمين بطرق مشروعة، وفيه حث على التكافل الاجتماعي.
(^٧٩) مسألة: في الخامس - من أنواع شركة العقود - وهو: شركة المفاوضة وهي قسمان: فالصحيح منها: أن يشترك اثنان - فأكثر - كزيد وعمرو، فيقوم كل واحد منهما بتفويض الآخر بأن يتصرَّف في هذه الشركة بكل تصرُّف يستطيعه، وهذا مطلق: أي: سواء كان تصرُّفًا في مال، أو بدن، وسواء كان في بيع أو شراء بنفسه، أو يعطي زيد مثلًا مالًا من الشركة لبكر ليتَّجر به مضاربة، أو يوكل في ذلك، أو يشتري شيئًا للشركة في الذمة، أو يسافر بالمال، أو لا، أو يرتهن على مال الشركة أو لا، أو يُحيل أو يحتال، أو يُطالب، أو يقبض، أو يضمن ما يراه، فكل ما فيه مصلحة للشركة، أو يتّصل بها فيجوز لأحد الشريكين أن يفوّض الآخر فيه، سواء كان لها أو عليها، وهذه الشركة جامعة لشركات العقود الأربع السابقة - وهي: شركة العنان، والمضاربة، والوجوه، والأبدان - وما تحصَّل عليه الشريكان أو وكيلهما من الربح والمكسب فهو لهما معًا، وما حصل من خسارة الشركة فهو عليهما معًا، وكل واحد يأخذ من الربح، وعليه من الخسارة بقدر الجزء المشروط له عند عقد الشركة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عقد أيِّ شركة ما قلناه من الربح وتحمل الخسارة، ويلزم من عدم خروج شركة، المفاوضة عن تلك الشركات الأربع: صحتها.
[ ٣ / ٣٨٤ ]
ولأنها تضمَّنت كفالة وغيرها مما لا يقتضيه العقد (^٨٠).
(^٨٠) مسألة: الفاسد من شركة المفاوضة هو: أن يشترك اثنان - فأكثر - ويُشترط كل واحد منهما: أن يُدخل في الشركة كل ما كسبه أحدهما، ولو كان هذا الكسب خاصًّا به: كأن يجد أحدهما لقطة، أو ركازًا - وهو الكنز المدفون في الأرض -، أو ميراثًا، أو أرش جناية على أحدهما، وكذا: إن اشترطا: أن يؤخذ من الشركة عوض كل مصيبة أصابت أحد الشريكين كأن يجني أحدهما جناية فيؤخذ أرش جنايته من الشركة، أو يغصب أحدهما سلعة فيؤخذ ضمانها من الشركة، أو يؤخذ ضمان ما أتلفه أحدهما، أو ضمان عارية أتلفها أحدهما، ونحو ذلك: فهذا كله فاسد، ولا تصح الشركة فيه؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن عقد الشركة يلزم منها الوكالة والكفالة، فإذا أدخل الشريكان المكاسب النادرة أو الخسارة النادرة لكل واحد منهما كانت الشركة كفالة، وغير كفالة فيلزم فسادها؛ لكون هذا لا يدخل تحت عقد الشركة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الشريكين حماية تامة؛ إذ قد تقع هذه المكاسب النادرة لزيد دون عمرو كثيرًا، فيُشاركه عمرو فيها، فيكون عمرو قد أخذ حقًّا لا يستحقه، فيتضرّر زيد، وقد تكون المصائب تقع من زيد كثيرًا دون عمرو، فيدفع عمرو حقًّا لم يلزمه، فيتضرّر عمرو، فدفعًا للضرر عن الجانبين: فسدت هذه الشركة، فإن قلتَ: إن ذلك تصح الشركة فيه، وهو قول محكي عن مالك، وبعض العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة" حيث إنه ﵇ قد أقرَّها هنا الثانية: القياس، بيانه: كما تصح شركة العنان فكذلك تصح شركة المفاوضة والجامع: أن كلًّا منهما فيه نوع اكتساب قلتُ: أما الحديث: فقد ضعَّفه كثير من أهل الحديث، وعلى فرض قوته: فإنه يُحتمل أن المقصود: المفاوضة والمجادلة مع الخصم، يؤيده: قوله ﷺ: "ولا تجادلوا فإن المجادلة من الشيطان" وأما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ ووجه=
[ ٣ / ٣٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= الفرق: أن شركة العنان لا يُوجد ضرر فيها على أحد الشريكين - كما سبق بيانها - بخلاف هذا النوع من شركة المفاوضة: فيوجد فيها ذلك كما بيّناه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الخلاف في ضعف حديث: "إذا تفاوضتم. . ."، فعندنا: ضعيف، وعندهم: قوي، وأيضًا: "تعارض المصلحة، والقياس" فعندنا: يُعمل بالمصلحة التي قلناها؛ حيث إن فيها دفع مفسدة؛ لأن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وعندهم: يعمل بالقياس؛ لوجود جلب بعض المصلحة.
هذه آخر مسائل باب "الشركة" ويليه باب "المساقاة والمغارسة والمزارعة".
[ ٣ / ٣٨٦ ]