والشرط هنا: إلزام أحد المتعاقدين الآخر بسبب العقد ما له فيه منفعة، ومحل المعتبر منها: صلب العقد، وهي ضربان (^١)، ذكر الأول منهما بقوله (منها صحيح) وهو: ما وافق مقتضى العقد، وهو ثلاثة أنواع (^٢): أحدها: شرط مقتضى البيع كالتقابض، وحلول الثمن، فلا يُؤثِّر فيه؛ لأنه بيان وتأكيد لمقتضى العقد،
باب بيان الصحيح والفاسد من الشروط التي يشترطها أحد المتبايعين
وفيه سبع عشرة مسألة:
(^١) مسألة: المراد به: أن يشترط المتعاقدان، أو أحدهما شرطًا، أو شروطًا فيها مصلحة للمشترط، ويلتزم بذلك الآخر، ويقارن هذا الاشتراط العقد، وإن تقدَّم على العقد قليلًا: فلا بأس، وإن تأخر في وقت خيار المجلس وخيار الشرط: فلا بأس، وبعض تلك الشروط صحيح، والبعض الآخر فاسد، وإليك بيانها.
(^٢) مسألة: الشروط الصحيحة هي: كلُّ شرط وافق مقتضى العقد الشرعي، وترتَّب عليه ولم ينه عنه الشارع، ولم يُبطله، للاستصحاب: حيث إن الأصل في العقود والشروط: الصحة إلّا إذا ورد دليل من الشارع ينهى عنه فيكون المنهي عنه فاسدًا بحكم الشارع، أما ما لم يرد من الشارع نهي عنه: فنستصحب الأصل فيه وهو: الصحة، فإن قلتَ: لِمَ كان الأصل في العقود والشروط الصحة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن البيوع والمعاملات كلها لا يستغني عنها أحد، فجَعْل الأصل فيها الصحة هو المناسب لمراعاة أحوال الناس، وهو من باب التيسير والتوسعة على الناس؛ فيُحكم على كل شرط بالصحة إذا لم نعلم دليلًا شرعيًا ينهى عنه.
تنبيه: الشروط الصحيحة ثلاثة أنواع، سيأتي بيانها.
[ ٣ / ٥٦ ]
فلذلك أسقطه المصنف (^٣)، الثاني: شرط ما كان من مصلحة العقد (كالرهن) المعيَّن أو الضامن المعيَّن (و) كـ (تأجيل الثمن) أو بعضه إلى مدة معلومة (و) كشرط صفة في المبيع كـ (كون العبد كاتبًا، أو خصيًا، أو مسلمًا) أو خياطًا مثلًا (والأمة بكرًا) أو تحيض، والدابة هملاجة، والفهد - أو نحوه - صيودًا فيصح، فإن وفى بالشرط، وإلا فلصاحبه الفسخ، أو أرش فقد الصفة، وإن تعذَّر ردٌّ: تعيَّن أرش (^٤)، وإن شرط
(^٣) مسألة: في الأول - من أنواع الشروط الصحيحة التي يشترطها المتبايعان - وهو: أن يشترطا أو أحدهما شروطًا هي أصلًا ثابتة؛ لاقتضاء عقد البيع لها، ولحكم الشرع فيها: كأن يشترط المتبايعان أو أحدهما قبض السلعة، وقبض الثمن، وردَّ المبيع عند وجود عيب مُعتبر شرعًا، فهذا يُعتبر تأكيدًا لذلك لا تأصيل؛ لذلك لم يذكر ذلك أكثر الفقهاء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود العقد: اشتراط ذلك بدون أن يُصرِّح بها أحد المتبايعين.
(^٤) مسألة: في الثاني - من أنواع الشروط الصحيحة التي يشترطها المتبايعان - وهو: أن يشترطا أو أحدهما شروطًا فيها مصلحة العقد تعود للمشترط له: كأن يقول البائع: "بعتك هذه السيارة بخمسين ألف ريال تحلّ بعد سنة مثلًا، لكن بشرط: أن أرهن دارك هذه، فإن لم تعطني تلك الخمسين بعد مضي السنة: أبيع دارك، وآخذ الخمسين ألف من ثمنها" أو يقول: "بعتك تلك السيارة بخمسين ألف بشرط: أن يضمنك أو يكفلك فلان ويُعيِّنه"، أو يقول المشتري: "اشتريت تلك السيارة بخمسين ألف بشرط: أن تكون مؤجَّلة إلى سنة، أو بعضها مؤجَّل وهو: عشرون ألف منها لمدّة سنة" أو يقول المشتري: "اشتريتُ هذا العبد بشرط: أن يكون كاتبًا، أو مقطوع الخصيتين، أو مسلمًا، أو خياطًا، أو غوَّاصًا، أو راميًا" أو يقول: "اشتريت هذه الأمة بكذا بشرط: أن تكون بكرًا أو أنها تحيض" أو يقول: "اشتريت هذه الدابة بكذا بشرط: أن تكون سريعة المشي" ونحو ذلك من الشروط: فإن هذا البيع صحيح والشرط صحيح، فإن تحقَّق الشرط الذي =
[ ٣ / ٥٧ ]
صفة فبان أعلى منها: فلا خيار (^٥) (و) الثالث: شرط بائع نفعًا معلومًا في مبيع غير
اشترطه أحدهما: فإنه يُمضي البيع، وإن لم يتحقق: فللمشترط الخيار بين أمرين: أولهما: إما أن يفسخ العقد، ويردّ السلعة ويأخذ البائع سلعته، والمشتري ثمنه الذي دفعه، ثانيهما: أن يأخذ أرش وثمن فقد الصفة التي اشترطها في السلعة المباعة وطريقة ذلك: أن يقوَّم العبد الخياط بعشرة آلاف مثلًا، ويقوم غير الخياط بثمانية، فيرد البائع على المشتري ألفين أرشًا لفقد الصفة التي اشترطها ولم يجدها، وهذا الأرش يتعيَّن إن تعذر رد السلعة بأن مات البائع - مثلًا -؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا" فأثبت صحّة أيِّ شرطٍ لا يوجد فيه إحلال حرام، أو تحريم حلال، وتحقق ذلك فيما ذكرناه من الشروط السابقة، حيث لا مانع منها شرعًا؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، الثانية: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل في الشروط، الصحة إلا ما ورد في الشرع النهي عنه، وهذه الشروط لم يرد في الشرع النهي عنها، فتكون صحيحة على الأصل.
(^٥) مسألة: إذا اشترط المشتري شرطًا بالسلعة بأن يُريدها على صفة فبانت بصفة أحسن وأعلى مما اشترطه كأن يشترط في العبد أن يكون كاتبًا، فبان عالمًا - بعد شرائه له: فله الفسخ، ورد العبد، وأخذ ما دفعه ثمنًا من البائع؛ للمصلحة؛ حيث إن اشتراط ذلك فيه مصلحة للمشتري؛ لكون العبد العالم قد يشتغل بعلمه عن خدمة من اشتراه أو أن من اشتراه سيراعيه؛ نظرًا لعلمه، وبذلك يخسر خدمته، وتقلّ قيمته إذا أراد بيعه، فإن قلتَ: ليس له الفسخ في هذه الحالة، ولا الإرش وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث يلزم من وجود ما اشترطه وزيادة: إلزامه بالبيع؛ لأن في ذلك مصلحته وزيادة، قلتُ: إن اشتراط أي مُشتر لأي شرط له مقصد عنده ومصلحة قد لا تكون مصلحة عند غيره، فقد تكون صفة العلم في العبد من أعظم المصالح عند زيد، ولكنها ليست مصلحة عند =
[ ٣ / ٥٨ ]
وطء ودواعيه (نحو: أن يشترط البائع سكنى الدار) أو نحوها (شهرًا، وحملان البعير) أو نحوه المبيع (إلى موضع مُعيَّن)؛ لما روى جابر: "أنه باع النبي ﷺ جملًا، واشترط ظهره إلى المدينة" متفق عليه، واحتجّ في "التعليق" و"الانتصار" وغيرهما "بشراء عثمان من صهيب أرضًا، واشترط وقفها عليه وعلى عقبه" ذكره في "المبدع" ومقتضاه: صحة الشرط المذكور، ولبائع إجارة، وإعارة ما استثنى، وإن تعذَّر انتفاعه بسبب مشتر: فعليه أجرة المثل له (أو شرط المشتري على البائع) نفعًا معلومًا في مبيع كـ (حمل الحطب) المبيع إلى موضع معلوم (أو تكسيره، أو خياطة الثوب) المبيع (أو تفصيله) إذا بيَّن نوع الخياطة أو التفصيل، واحتج أحمد لذلك بما روى أن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي جرزة حطب، وشارطه على حملها، ولأنه بيع وإجارة: فالبائع كالأجير، وإن تراضيا على أخذ أجرته ولو بلا عذر: جاز (^٦) (وإن جمع بين شرطين) من غير
عمرو؛ لكون العبد يُشترى للخدمة، لا للفتوى ونحو ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين".
(^٦) مسألة: في الثالث - من أنواع الشروط الصحيحة التي يشترطها المتبايعان - وهو: أن يشترطا، أو أحدهما شروطًا فيها نفع معلوم يكون في مبيع - غير وطء ومقدِّماته - كأن يقول البائع: بعتك هذه الدار بمائة ألف بشرط: أن أسكنها سنة أو شهرًا" أو يقول: "بعتك هذا البعير بألف بشرط: أن أركبه إلى البلدة الفلانية، فيوفي المشتري بهذا: فإن لم يمكّن المشتري البائع من ذلك: فعليه أن يستأجر للبائع دارًا يسكنها سنة أو شهرًا على حسب الشرط، وعليه أن يستأجر للبائع بعيرًا أو سيارة توصله إلى البلدة المذكورة، وإن أعطاه مقابل ذلك الشرط نقودًا برضى بينهما جاز، وأيضًا، من الشروط الصحيحة في ذلك، أن يقول المشتري للبائع: "اشتريت هذا الحطب، أو هذا التمر بشرط: أن توصله إلى منزلي، أو يقول: "اشتريت هذا الثوب بشرط: أن تفصِّله عليّ أو تخيطه بطريقة معيّنة وإن أعطى البائع المشتري نقودًا عِوَضًا عن هذا الشرط جاز، والإجارة هنا كالبيع تمامًا؛ لقاعدتين: =
[ ٣ / ٥٩ ]
النوعين الأولين كحمل حطب، وتكسيره، وخياطة ثوب وتفصيله: (بطل البيع)؛ لما روى أبو داود، والترمذي عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحلُّ سلف، وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك" قال الترمذي: حديث حسن صحيح (^٧)، والضرب الثاني من الشروط أشار إليه بقوله (ومنها فاسد) وهو: ما يُنافي
الأولى: السنة التقريرية؛ حيث إنه ﵇ قد اشترى جملًا من جابر بن عبد الله، واشترط جابر أن يركب عليه إلى المدينة، فوافقه النبي ﷺ على ذلك، فلو لم يصحّ البيع مع الشرط: لما وافق ﵇ على ذلك؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، الثانية: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل في الشروط الصحة - كما سبق بيانه - فتكون هذه الشروط صحيحة؛ لعدم ورود ما يُبطلها من الشارع؛ استصحابًا للأصل. فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منافع، ودفع مفاسد عن المسلمين، فإن قلتَ: لا يصح بيع وشرط؛ للسنة القولية: حيث نهى ﵇: "عن بيع وشرط" والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد قلتُ: هذا الحديث لم يصح إسناده، كما قال ابن القيم، وهو مخالف للسنة التقريرية والاستصحاب السابق ذكرهما، فإن قلتَ: ما الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في صحّة حديث النهي عن بيع وشرط" فعندنا: لم يصحّ، وعندهم: يصح.
(^٧) مسألة: يصح أن يشترط البائع أو المشتري شرطين فأكثر في عقد واحد: إذا اتّفقا على ذلك، وكان في مصلحة العقد، وكان الشرطان غير منهي عنهما شرعًا: فيصحّ أن يشترط البائع رهنًا، وضمانًا معًا، ويصحّ أن يشترط المشتري: "أن يكون العبد - مثلًا - كاتبًا، وأن يؤجَّل ثمنه إلى سنة" ويصح: أن يشترط البائع: أن يسكن الدار التي باعها سنة وأن يسكن قريبه في دار المشتري الثانية سنة" ويصح أن يشترط المشتري: "أن يقوم البائع بخياطة الثوب الذي اشتراه منه، وتفصيله، وإيصاله إلى منزله" ذهب إلى ذلك كثير من العلماء المحققين منهم ابن =
[ ٣ / ٦٠ ]
مُقتضى العقد، وهو ثلاثة أنواع (^٨) أحدها: (يبطل العقد) من أصله (كاشتراط أحدهما على الآخر عقدًا آخر كَسَلف) أي: سَلَم (وقرض، وبيع، وإجارة، وصرف) للثمن أو غيره، وشركة، وهو: "بيعتان في بيعة" المنهي عنه، قاله أحمد (^٩)، الثاني: ما يصح معه البيع، وقد ذكره بقوله: (وإن شرط:
تيمية؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل في الشروط الصحّة إلّا ما نهى عنها الشارع، وجمع الشروط المتّفق عليها من المتبايعين مع عدم النهي عنها: لم يرد من الشارع النهي عنها فنستصحب ذلك، ونعمل به، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الشرطين في مصلحة المتعاقدين أو العقد: صحتهما؛ إذ لا مانع من ذلك، فإن قلتَ: لا يصح ذلك وإذا وجد: فإن البيع يبطل وهو ما ذكره المصنف هنا، للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك" ولفظ "لا يحل" من صيغ الحرام الصريحة قلتُ: المقصود بالشرطين المنهي عنهما: الشرطان اللذان ليسا في مصلحة العقد كما فسّره الإمام أحمد، واللذان فيهما أو في أحدهما محذور شرعي كأن يشترط البائع على المشتري: "أن لا يطأ الأمة التي باعها عليه وأن لا يبيعها على أحد غيره" قال ابن القيم: "كل شرط خالف حكم الله وكتابه: فهو باطل، وما لم يخالف حكمه: فهو لازم" قلتُ: وهذا عام كشرط الواحد والأكثر منه فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في المقصود من الشرطين في الحديث".
(^٨) مسألة: الشروط الفاسدة في البيع هي: كل شرط خالف مقتضى العقد الشرعي، وتنافى مع ما يقتضيه، وورد من الشارع ما يُبطله ويُفسده، تنبيه: الشروط الفاسدة ثلاثة أنواع، وسيأتي بيانها.
(^٩) مسألة: في الأول - من أنواع الشروط الفاسدة التي يشترطها المتبايعان - وهو: أن يشترطا أو أحدهما شرطًا يفسد ويُبطل العقد كله بسبب اشتراط عقد في عقد، وهو المسمَّى "بالبيعتين في بيعة" وهو: اشتراط أحد المتبايعين على الآخر عقدًا =
[ ٣ / ٦١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
آخر يضاف إلى عقد البيع مثل: أن يقول البائع للمشتري: "بعتك هذه الدار بمائة ألف بشرط: أن تبيعني سيارتك بعشرين ألف" أو يقول المشتري: "اشتريتُ منك تلك الدار بمائة ألف بشرط: أن تسلفني أو تسلمني الآن ألف ريال وأعطيك عنها مائة صاع من الأرز بعد سنة" أو يقول البائع: "بعتك هذه الدار بمائة ألف بشرط: أن تؤجرني دارك الأخرى بعشرين ألف لمدّة سنة" أو يقول: "اشتريتُ هذه الدار بعشرة آلاف دينار ذهبًا بشرط أن تصرفها بكذا دراهم" أو يقول: "بعتك هذه الدار بكذا بشرط: أن تشاركني في المصنع الفلاني" فكل ذلك يُبطل أصل البيع؟ لقواعد: الأولى: السنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "لا يحلُّ بيع وسَلَف" فنهى عن الجمع بين عقد البيع، وعقد السلف - أو السَّلَم - والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، وثانيهما: أنه ﵇ "نهى عن بيعتين في بيعة" وشرط السلف، والقرض، والإجارة، والصرف، والشركة مع البيع يُعتبر بيعتان في بيعة واحدة، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، وهو فساد العقد كله. الثانية: القياس، بيانه: كما أنه لا يجوز نكاح الشغار - وهو: قول الأب: "أزوجك ابنتي بشرط أن تزوجني ابنتك" ونحوه - فكذلك لا يجوز اشتراط أحد المتعاقدين عقدًا آخر، والجامع: إدخال عقد في عقد في كل. الثالثة: قول الصحابي؛ حيث قال ابن مسعود: "صفقتان في صفقة ربا"، والصفقة: هي البيع، وهذا يلزم منه: التحريم؛ لكونه يُؤدِّي إلى محرم، فإن قلتَ: لِمَ كان هذا الشرط يُبطل البيع كله؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك وسيلة إلى الربا، وأكل مال الناس بالباطل؛ لوجود استغلال المشترط للآخر؛ فإن قلتَ: تصحّ تلك الشروط، ويصحّ البيع، وهو قول الإمام مالك، وتبعه بعض العلماء كابن عثيمين؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في المعاملات والشروط الصحة والحلّ، ولم يُوجد ما يمنع تلك الشروط. قلتُ: إن السنة =
[ ٣ / ٦٢ ]
أن لا خسارة عليه، أو متى نفق المبيع، وإلا: ردُّه أو) شرط أن (لا يبيع) المبيع (ولا يهبـ) ـه (ولا يعتقـ) ـه (أو) شرط (إن أعتق فالولاء له) أي: للبائع (أو) شرط البائع على المشتري: (أن يفعل ذلك) أي: أن يبيع المبيع، أو يهبه ونحوه: (بطل الشرط وحده)؛ لقوله ﵇: "من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله: فهو باطل وإن كان مائة شرط" متفق عليه، والبيع صحيح؛ لأنه ﷺ في حديث بريرة أبطل الشرط، ولم يُبطل العقد (^١٠) (إلا إذا شرط) البائع (العتق) على المشتري، فيصح الشرط أيضًا،
القولية، والقياس، وقول الصحابي، والمصلحة التي ذكرناها قد غيَّرت ذلك الأصل من الحل إلى الحرمة، ثم إن تساهل الناس في تلك الشروط يؤدِّي غالبًا إلى استغلال الناس بشروط يشترطونها في بيوعهم. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في تلك الأدلة هل غيرت ما استصحب من الأصل أم لا" فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(^١٠) مسألة: في الثاني - من أنواع الشروط الفاسدة التي يشترطها المتبايعان - وهو: أن يشترطا أو أحدهما شرطًا فاسدًا؛ لمنافاته لمقتضى البيع شرعًا، ولكنه لا يُفسد عقد البيع، أي: يصحّ البيع دون الشرط مثل: أن يقول المشتري: "اشتريتُ منك هذه الثياب بألف بشرط: أن لا أخسر في السوق إذا بعتها" أو يقول: "اشتريتها بألف بشرط: أن أبيعها في السوق وإن لم أبعها فسأردَّها إليك وآخذ ثمنها" أو يقول البائع: "أبيعك هذه الدار بكذا بشرط: أن لا تبيعها على أحد، ولا تهبها لأحد، أو لا تتصدَّق بها على أحد" أو يقول: "أبيعك هذا العبد بكذا بشرط: أنك إذا أعتقته "فالولاء لي" - أي: يكون كأنه من أقاربي - أو يقول: "بعتك هذا العبد بكذا بشرط: أن تبيعه على فلان، أو تهبه له" ونحو ذلك، فهذه الشروط باطلة" ويصح البيع: سواء رضي المتبايعان أو لا، وسواء كان في ذلك الشرط مصلحة لهما أو لا؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط" والمراد: أن =
[ ٣ / ٦٣ ]
ويُجبر المشتري على العتق إن أباه، والولاء له، فإن أصرَّ: أعتقه حاكم (^١١)، وكذا: شرط رهن فاسد كخمر، ومجهول، وخيار أو أجل مجهولين، ونحو ذلك، فيصح البيع، ويفسد الشرط (^١٢) (و) إن قال البائع: (بعتك) كذا بكذا (على أن تنقدني الثمن
أي شرط في المعاملات لم ترد الموافقة عليه من الشارع: فهو باطل لوحده؛ ثانيهما: أن عائشة أرادت شراء بريرة فأبى مالكوها إلا بشرط: أن يكون لهم الولاء، فذكرت ذلك للنبي ﵇ فقال: "خذيها واشترطي لهم الولاء" ثم قال: "إنما الولاء لمن أعتق" حيث لزم من ذلك إبطال الشرط فقط، ولم يُبطل العقد بدليل قوله: "خذيها" أي: بالبيع، فإن قلتَ: لِمَ بطل الشرط وصحَّ البيع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الشرط يُعتبر تصرُّف في حقوق الآخرين وأملاكهم، وهذا يؤدِّي إلى إذلالهم والنيل من كرامتهم، ولم يُوجد ما يمنع من صحة البيع؛ للتوسعة.
(^١١) مسألة: إذا اشترط البائع العتق على مشتري عبده قائلًا: "بعتك هذا العبد بكذا بشرط: أن تعتقه بعد مُدَّة"، فقال المشتري: "قبلتُ": فإن الشرط يصح وكذا: البيع، ويُجبره الحاكم على إعتاقه، فإن أبى المشتري: أعتقه الحاكم للسنة القولية: حيث إن عائشة لما أرادت شراء بريرة اشترط عليها أسيادها عتقها وولاءها، فأنكر النبي ﵇ شرط الولاء بقوله: "الولاء لمن أعتق- وأقرَّ العتق، وهذا من لوازم إنكاره، للولاء، فإن قلتَ: لِمَ صحَّ الشرط هنا مع البيع؟ قلتُ: لأن الشارع يتشوَّف إلى العنق، ويحثُّ عليه.
(^١٢) مسألة: إذا اشترط أحد المتبايعين شرطًا لا يُتعامل به في الإسلام، أو اشترط شرطًا غير معين في الزمن: فلا يصح هذا الشرط، ويصحّ البيع كأن يقول البائع: "بعتك هذا الثوب بمائة تعطيني إيّاها بعد شهرين بشرط أن أرهن عندي هذا الإناء من الخمر، أو هذا الخنزير" أو "بشرط: أن يضمنك أحد أقربائك بدون تعيين" أو قال له: "بعتك هذه الدار بكذا بشرط: أن يكون لي الخيار" بدون تعيين مُدَّة هذا الخيار؛ للتلازم؛ حيث يلزم من فساد التعامل =
[ ٣ / ٦٤ ]
إلى ثلاث) ليال مثلًا، أو على أن ترهنيه بثمنه (وإلا) تفعل ذلك: (فلا بيع بيننا) وقبل المشتري: (صح) البيع والتعليق كما لو شرط الخيار، وينفسخ إن لم يفعل (^١٣) (و) الثالث: ما لا ينعقد معه بيع نحو: (بعتك إن جئتني بكذا أو) إن (رضي زيد) بكذا، وكذا: تعليق القبول (أو يقول) الراهن (للمرتهن: إن جئتك بحقك) في محله (وإلا: فالرهن لك: لا يصح البيع)؛ لقوله ﵇: "لا يغلق الرهن من صاحبه" رواه الأثرم، وفسَّره أحمد بذلك، وكذا: كل بيع عُلِّق على شرط مستقبل غير إن شاء الله (^١٤) وغير "بيع العربون": بأن يدفع بعد العقد شيئًا، ويقول: "إن أخذت المبيع:
بالمحرمات بيعًا وشراء كالخمر والخنزير، وعدم تحديد الضامن، ووقت الخيار: عدم صحة الشرط ويلزم من استكمال عقد البيع لشروطه: صحة البيع.
(^١٣) مسألة: إذا اشترط البائع تعليق البيع بمدة: فإن هذا الشرط صحيح؛ كأن يقول: بعتك هذه الدار بمائة ألف بشرط: أن تُسلِّمني هذا المبلغ قبل ثلاثة أيام، فإن لم تفعل فلا بيع بيننا" فقبل المشتري ذلك، فإن أعطاه الثمن قبل ثلاثة أيام: تمّ البيع، وإن لم يفعل المشتري ذلك: فالبائع له الحق بفسخ البيع، وكأن يقول: "بعتك هذا الحمار بشرط أن ترهنيه بثمنه" وكأن يقول المشتري: "اشتريتُ منك هذه الدار بشرط: أن أقبضها بعد شهر" فهذا كله صحيح؛ للقياس؛ بيانه: كما أن أحد المتبايعين لو اشترط الخيار لمدة معيّنة: فإنه يصحّ فكذلك يصح البيع إذا شرط له مدة لقبض الثمن والمثمن، والجامع: أن كلًّا منهما فيه مهلة بمدة معلومة، ولا غرر ولا جهالة في ذلك، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلتُ: لكونه تعليقًا للفسخ، لا للعقد.
(^١٤) مسألة: في الثالث - من أنواع الشروط الفاسدة التي يشترطها المتبايعان - وهو: أن يشترطا أو أحدهما شرطًا فيه تعليق عقد بالشروط - غير لفظ - إن شاء الله - وإن لم يتحقق: لا يتم البيع مثل: أن يقول البائع: "بعتك هذه الدار بمائة ألف إن جئتني بسيارة كذا، أو يقول: بعتك كذا بكذا إن رضي زيد" أو يقول المشتري: "قبلتُ هذا البيع إن رضي عمرو" أو يقول: "اشتريتُ منك هذه =
[ ٣ / ٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السيارة بعشرة آلاف، وليست معي الآن، وخذ هذا الحصان رهينة عندك، فإن أتيت بالعشرة الآلاف بعد ثلاثة أيام وإلّا فالحصان لك" فلم يأت المشتري بذلك فالحصان للبائع، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا يُغلق الرهن من صاحبه" ومعناه ما ذكرناه، وفسد؛ لأنه مغلق بالمستقبل، الثانية: التلازم؛ حيث إن مقتضى العقد في البيع الجزم في العقد، ولعل الملك من البائع للمشتري بعد تمام العقد مباشرة، وشرط التعليق يمنع ذلك: فيلزم بطلانه، فإن جاء المشتري بالسيارة، أو رضي زيد، أو عمرو، أو أتاه بالثمن في مسألة الرهن ورضي البائع والمشتري: فإن البيع ينعقد من حين ذلك، ولا يُنظر إلى ما سبق، وعلى ذلك يكون نماء المبيع الواقع بين العقد الأول والثاني للبائع دون المشتري، فإن قلتَ: لِمَ بطل البيع هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يقع عادة اختلاف بين البائع والمشتري بسبب مثل تلك الشروط، مما يؤدِّي إلى الإضرار بأحد المتعاقدين، فدفعًا لذلك: أبطل الشارع الشرط والبيع، فإن قلتَ: إن البيع المعلَّق على شرط صحيح، وهو رواية عن أحمد، وقال به ابن تيمية، وتبعه ابن القيم، وابن عثيمين؛ للتلازم؛ حيث إن استكمال شروط البيع، وانتفاء موانعه، وعدم الغرر في ذلك: يلزم منه صحّة البيع، قلتُ: لم تتم شروط البيع؛ حيث إن مقتضى عقد البيع: التنجيز وهو: انتقال ملك المبيع إلى المشتري بعد العقد مباشرة، والتعليق لا يُحقِّق ذلك، بل يكون عقد غير مجزوم به، ثم إن مثل تلك الشروط تؤدِّي إلى المنازعات، فبطل الشرط والبيع هنا؛ حماية للمجتمع من التنازع، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في التنجيز في العقد هل يُعتبر شرطًا أو لا؟ " فعندنا: شرط، وعندهم: ليس بشرط، وكذا: "هل تؤدي تلك الشروط إلى التنازع أو لا"؟ فعندنا: تؤدي، وعندهم: لا، وكذا: "الاختلاف في تفسير حديث: "لا يغلق الرهن من صاحبه" فإن قلتَ: لِمَ جاز شرط مشيئة الله فيقول =
[ ٣ / ٦٦ ]
أتممتُ الثمن وإلا: فهو لك" فيصح؛ لفعل عمر ﵁، والمدفوع للبائع إن لم يتم البيع، والإجارة مثله (^١٥) (وإن باعه) شيئًا (وشرط) في البيع (البراءة من كل عيب
البائع: "بعتك إن شاء الله" ويقول المشتري: "قبلتُ إن شاء الله؟ قلتُ: لأنه لم يقصد بذلك التردُّد في البيع ومنع الجزم فيه، بل قصد التبرك بذكر الله تعالى.
(^١٥) مسألة: بيع العربون يصح، وهو: أن يقول المشتري: "اشتريتُ هذه الدار منك بمائة ألف، وخذ هذه الخمسة الآلاف عربونًا لئلا تبيع على غيري، فإن أتيت لك بالخمسة والتسعين الباقية فقد تمّ بيع الدار لي، وإن لم آت لك بذلك فالعربون لك" ويتّفقان على مدة إتيانه بكامل المبلغ، وكذا يقول: "قد استأجرت منك هذه الدار بعشرة آلاف بالسنة، وخذ هذه الألف عربونًا لئلا تؤجرها على غيري، فإن أتيت لك بالتسعة الباقية: فقد تمّ عقد الإجار، وإن لم آت بها: فالألف لك" ويتّفقان على مدة إتيانه بكامل المبلغ؛ لقول وفعل الصحابي: حيث إن عمر قد فعله لما اشترى دار السجن من صفوان بن أمية، وأجازه ابن عمر، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن البائع سيمنع بيع تلك السلعة - وهي: الدار - أو تأجيرها مُدَّة من الزمن بسبب أن ذلك المشتري قد حجزها، فإذا لم يأت بالباقي من الثمن: فإن البائع يستحق العربون مُقابل لذلك التوقّف في البيع والتأجير، وأيضًا: إن المشتري لو ترك تلك السلعة: فإن أي مشتر آخر سيقول: ما تركها فلان إلّا لعيب قد اكتشفه فيها، فينتشر هذا الاعتقاد، فيُقلل من قيمتها، فاستحق البائع هذا العربون في مقابل هذا الاعتقاد بالعيب، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّي بالعربون؟ قلتُ: لأن المشتري يُعرب فيه ويُبيِّن أنه جازم على الشراء أو الاستئجار، لئلا يملكه غيره، فإن قلتَ: لا يصح بيع العربون وهو: قول مالك والشافعي، وأكثر الحنفية وكثير من الحنابلة ولا يستحق البائع ما أعطاه إياه المشتري عربونًا إذا لم يُتم البيع؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﵇: "نهى عن بيع العربون" والنهي مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، الثانية: =
[ ٣ / ٦٧ ]
مجهول) أو من عيب كذا إن كان: (لم يبرأ) البائع: فإن وجد المشتري بالمبيع عيبًا: فله الخيار؛ لأنه إنما يثبت بعد البيع، فلا يسقط بإسقاطه قبله، وإن سمَّى العيب، أو أبرأه المشتري بعد العقد: برئ (^١٦) (وإن باعه دارًا) أو نحوها مما يُذرع (على أنها عشرة
قول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس منعه الثالثة: التلازم؛ حيث إن لكل شيء عوض، والبائع إن أخذ العربون: فإنه يأخذه بلا عوض فيلزم بطلانه، قلتُ: أما الحديث فقد ضعَّفه كثير من أئمة الحديث، أما قول الصحابي وهو ابن عباس: فهو معارض بقول صحابي آخر - وهما: عمر وابنه - فلا يكون حجة، أما التلازم: فهو باطل؛ لأن البائع يستحق العربون عوضًا عن انتظاره، ومنع بيع وتأجير الدار مُدة، وانتشار وجود عيب؛ فيه فدفعًا للضرر على البائع استحق العربون، أما لو اشتراه المشتري: فإنه يُحسب من الثمن الكلي؛ لكون البائع راضيًا بذلك، ولم ينتشر وجود عيب فانتفى الضرر عن البائع فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: الإختلاف في حديث "النهي عن بيع العربون".
(^١٦) مسألة: إذا اشترط البائع البراءة من كل عيب مجهول في المبيع قبل العقد كأن يقول: "بعتك هذه الدار بمائة ألف بشرط: أن تُبرأني من كل عيب أجهله فيها" فقال المشتري: "قبلتُ البيع وأنت بريء من كل عيب": فإن هذا الشرط لا يصحّ، ولا يبرأ البائع بذلك، فإذا وجد المشتري عيبًا في الدار بعد العقد: فله الخيار: فإن شاء ردَّ المبيع، وأخذ الثمن من البائع، وإن شاء أمضى البيع: سواء كان العيب ظاهرًا أو باطنًا، أما إن سمَّى العيب بأن قال البائع: "هذا الجدار - الذي في الدار المباعة - سيسقط؛ لكونه مبني من مواد غير قوية" أو أبرأه المشتري بعد تمام عقد البيع من كل عيب معلوم ومجهول: فإن البائع يبرأ، ولا خيار للمشتري؛ للتلازم؛ حيث إن الإبراء لا يثبت للمشتري إلا بعد ثبوت المبيع في ذمَّته: فإذا أبرأه المشتري بعد تمام عقد البيع: فإنه يبرأ؛ لكونه يملك ذلك، ويلزم من ذلك: أن الإبراء لا يتمّ إذا أبرأه المشتري قبل أو مع العقد فيثبت الخيار للمشتري، ويلزم من تسمية العيب =
[ ٣ / ٦٨ ]
أذرع فبانت أكثر) من عشرة (أو أقل) منها: (صح) البيع، والزيادة للبائع، والنقص عليه (ولمن جهله) أي: الحال من زيادة أو نقص (وفات غرضه الخيار) فلكل منهما الفسخ ما لم يعط البائع الزيادة للمشتري مجانًا في المسألة الأولى، أو يرضى المشتري بأخذه بكل الثمن في الثانية؛ لعدم فوات الغرض، وإن تراضيا على المعاوضة عن الزيادة أو النقص: جاز، ولا يُجبر أحدهما على ذلك، وإن كان المبيع نحو صبرة على أنها عشرة أقفزة فبانت أقلّ أو أكثر: صح البيع، ولا خيار، والزيادة للبائع والنقص عليه (^١٧).
وتعيينه: إبراء البائع؛ نظرًا لدخول المشتري على بصيرة ورضى به، فإن قلتَ: لِمَ لا يبرأ البائع في الحالة الأولى؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حقوق الناس من أن تضيع بتحايل الظلمة عليها بمثل تلك الشروط.
(^١٧) مسألة: إذا باع زيد على عمرو أرضًا على أنها عشرة أمتار، فبانت أكثر من عشرة - كأن كانت أحد عشر مترًا - وكانا يجهلان ذلك قبل البيع: فإن البيع صحيح، والزيادة - وهي المتر - للبائع: إن شاء المشتري فسخ البيع لذلك، إلا أن يُعطي البائع ذلك المتر للمشتري مجانًا فلا يصح الفسخ، وكذا: إن باع زيد على عمرو أرضًا على أنها عشرة أمتار، فبانت تسعة وكانا يجهلان ذلك قبل البيع: فإن البيع يصح والنقص يحسب على البائع: فإن شاء المشتري فسخ البيع بسبب ذلك، إلا أن يرضى بتلك التسعة بكامل الثمن، ويُسقط حقه، وإن حصل التراضي بينهما على المعاوضة عن الزيادة والنقصان: بأن أعطى البائع المشتري ثمن المتر الناقص، أو أعطى المشتري البائع ثمن المتر الزائد، وحصل التراضي بذلك؛ فهذا جائز لكن لا يُجبر أحدهما عليه؛ للتلازم؛ حيث إنه لما التزم كل من البائع والمشتري بالعقد على عشرة أمتار: لزم كل واحد منهما ما يقتضيه، وبناء على ذلك: يردُّ المشتري الزائد على البائع، ويرد البائع ثمن ما نقص على المشتري بحسبه، ويلزم من عدم الالتزام بالعقد: الخيار، ويلزم من إسقاط كل واحد حقه: =
[ ٣ / ٦٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عدم الخيار، (فرع): يثبت الخيار للمغبون بشرطين: أولهما: الجهل بمقدار المبيع كما سبق، فإن كان عالمًا بهذا المقدار: فلا خيار له، ثانيهما: فوات غرض المشتري بأن اشترى هذه الأرض على أنها عشرة أمتار لغرض بنائها حانوتًا فبانت أقل من ذلك ونحو ذلك مما يمنع تحقيق غرضه: فله الخيار في إمضاء البيع، أو ردِّه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه دفع مضرة عن المتعاقدين (فرع ثان): إذا باع بُرًّا على أنه عشرة أصواع فبان تسعة، أو بان أحد عشر صاعًا: فالبيع صحيح، والزيادة تُردُّ إلى البائع، والنقص يحسب عليه، فيرد ثمنه للمشتري - كما سبق بيانه، ولكن لا خيار لأحد المتبايعين هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه لا ضرر في رد الزائد إن زاد ولا ضرر في أخذ الناقص بقسطه، بخلاف ما قلناه في عشرة الأمتار من الأرض: فإنه يوجد ضرر على المشتري إن نقصت، ويوجد ضرر على البائع إن زادت، فيلزم من ذلك: الخيار؛ لدفع هذا الضرر.
هذه آخر مسائل باب "بيان الصحيح والفاسد من الشروط التي يشترطها أحد المتبايعين" ويليه باب "الخيار".
[ ٣ / ٧٠ ]