بإسكان الفاء، من الشفع، وهو: الزوج؛ لأن الشفيع بالشفعة يضم المبيع إلى ملكه الذي كان منفردًا (وهي: استحقاق) الشريك (انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض مالي) كالبيع، والصلح، والهبة بمعناه، فيأخذ الشفيع نصيب البائع (بثمنه الذي استقر عليه العقد) (^١)؛ لما روى أحمد والبخاري عن جابر أن النبي ﷺ: "قضى بالشفعة في كل ما لم يُقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة" (^٢) (فإن
باب الشُّفْعَة
وفيه ثنتان وأربعون مسألة:
(^١) مسألة: الشفعة: بضم الشين مع تشديدها، وتسكين الفاء وفتح العين -لغة: مأخوذة من الشفع، وهو: الزوج، يُقال: "كان وترًا فشفعته" وشفع الوتر من العدد شفعًا: صيَّره زوجًا، مشتقة وهي من الزيادة؛ لأن الشفيع يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به، أي: أنه كان واحدًا فصار زوجًا شفعًا -كما في اللسان (٨/ ١٨٤) -، وهي في الاصطلاح: "استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه من يد من انتقلت إليه -وهو مشتريها- بعِوَض مالي وهو نفس ثمنه الذي باع شريكه حصته به" فمثلًا: إذا كان زيد وعمرو شريكين في دار أو مزرعة، شركة مشاعة بينهما فباع عمرو نصيبه على بكر بعشرة آلاف: فإنه يحق لزيد أن يوقف البيع، وينتزع حصة عمرو من بكر بنفس السعر المتفق عليه بين عمرو وبكر -وهو عشرة آلاف- تنبيه: قوله: "والصلح والهبة بمعناه" سيأتي بيانه.
(^٢) مسألة: الشفعة جائزة، وهي حق للشفيع؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال جابر: "قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يُقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة" وهذا يلزم منه جواز الشفعة فيما لم يُقسم بالحدود -وهي الشركة في الشيء المشاع- الثانية: المصلحة؛ حيث إن مشروعية =
[ ٣ / ٥٤٣ ]
انتقل) نصيب الشريك (بغير عوض) كالإرث، والهبة بغير ثواب، والوصية (أو كان عوضه) غير مالي: بأن جعل (صداقًا أو خلعًا أو صلحًا عن دم عمد: فلا شفعة)؛ لأنه مملوك بغير مال أشبه الإرث، ولأن الخبر ورد في البيع، وهذه ليست في معناه (^٣) (ويحرم التحيل لإسقاطها) قال الإمام: لا يجوز شيء من الحيل في إبطالها،
الشفعة فيها دفع مفاسد عن الشركاء؛ إذ لو اشترك زيد وعمرو وأراد عمرو بيع نصيبه على بكر: فإن زيدًا قد يلحقه الضرر؛ لأنه لم يشارك عمرًا إلّا لأنه ثقة عدل عنده، ويأمنه على أمواله، فإذا باع عمرو نصيبه على بكر فقد لا يأمن زيد بكرًا على ماله فينشغل باله في ذلك، وقد يكون بكر عدوًا لزيد، أراد بشرائه نصيب عمرو أن يكون شريكًا لزيد لإيذائه: فدفعًا لذلك الضرر الذي يمكن أن يلحق زيدًا فتح الشارع هذا الباب -وهو باب الشفعة- للتخلّص من ذلك الشريك الطارئ -وهو بكر- والبائع -وهو عمرو- لن يتضّرر؛ لأن ثمن نصيبه سيصله بالكامل من زيد، والمشتري -وهو بكر- لن يتضرّر؛ لأن الثمن الذي دفعه لعمرو سيرجع إليه بتمامه، فإن قلتَ: إن الشفعة لا تجوز، وهو قول أبي بكر بن الأصم؛ للمصلحة: حيث إن جوازها فيه إلحاق الضرر لأصحاب الأملاك؛ لأن المشتري -الذي هو بكر- إذا علم أنه سيؤخذ منه ما اشتراه -من عمرو- لم يُقدم على شرائه، وقد يتأخر الشريك -وهو زيد هنا- فيتضرّر المالك -وهو عمرو- قلتُ: إن هذا لا يصح؛ لوجهين: أولهما: إن هذا اجتهاد مخالف للنص -وهي السنة القولية- ولا اجتهاد مع النص، ثانيهما: أن الشريك -وهو زيد- إن تأخّر عن الشراء ودفع الثمن: فإن عمرًا يبيعه على غيره وهذا واقع، فلم تمنع الشفعة من الشراء، فإن شقّ ذلك: فإنه يتقاسم مع زيد ما اشتركا فيه وتسقط الشفعة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع السنة القولية" و"تعارض المصلحتين" وقد سبق بيان ذلك.
(^٣) مسألة: الشفعة تثبت في نصيب الشريك الذي انتقل بعوض مالي كالمبيع -وكذلك: =
[ ٣ / ٥٤٤ ]
ولا إبطال حق مسلم، واستدلّ الأصحاب بما روى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" (^٤) (وتثبت) الشفعة
ما جرى مجراه كالصلح عن إقرار بمال والصلح عن الجناية الموجبة للمال، وكذا: الهبة المشروط فيها ثواب معلوم؛ أما إذا انتقل نصيبه بعوض غير المال مثل: أن يموت عمرو، ويرثه بكر، أو أن يجعل عمرو نصيبه صداقًا لامرأة، يريد أن يتزوجها، أو يجعله عِوَضًا عن خلع، أو يوهبه لبكر بلا ثواب، أو يتصدَّق به على بكر، أو يوصي به له، أو يجعله صلحًا عن دم قتل عمد: فإن هذا لا تصح فيه الشفعة؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن الشفعة ثابتة في المبيع؛ نظرًا لورود خبر جابر -السابق فيه- فكذلك تثبت في الصلح عن إقرار بمال، والصلح عن الجناية الموجبة للمال، والهبة التي فيها ثواب ونحو ذلك مما جرى مجرى المبيع والجامع: أن كلًّا منها فيه عوض مالي صالح لأن يدفعه الشفيع. ثانيهما: كما أن الشفعة لا تثبت في النصيب الموروث بالإجماع، فكذلك لا تثبت في النصيب الذي جعل صداقًا أو الذي جُعل صُلحًا عن دم قتل عمد، أو الذي وُهب للغير بدون ثواب، أو المتصدَّق، أو الموصى به، أو الذي جُعل عوضًا عن خلع، والجامع: أنه في كلٌّ منها قد ملك نصيب شريكه بغير مال، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إيضاح أن الشفعة لا تصحّ إلّا بالشيء الواضح الجلي كالمبيع أما ما لم يتّضح: فلا شفعة فيه؛ دفعًا للضرر، والجهالة، واللَّبس.
(^٤) مسألة: تحرم جميع الحيل التي تؤدي إلى إسقاط الشفعة وتحرّم جميع الحيل التي تسقط أيَّ حق لأي مسلم، كأن يشترك عمرو وزيد في ملك دار، ثم يبيع عمرو نصيبه على بكر بعشرة آلاف ثم يبين عمرو وبكر لزيد أن ثمن هذا مائة ألف؛ لينفر زيد ولا يشفع؛ نظرًا لغلاء الثمن ونحو ذلك مما يبطل الشفعة كأن يسقطها بالوقف أو الصدقة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلّوا محارم الله بأدنى الحيل" حيث حرّم الحيل وإن =
[ ٣ / ٥٤٥ ]
(لشريك في أرض تجب قسمتها) فلا شفعة في منقول كسيف ونحوه؛ لأنه لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص (^٥)، ولا فيما لا تجب قسمته كحمام، ودور صغيرة
كانت صغيرة؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم، وهو يقصد: ما روي: أن اليهود كانوا ينصبون شباكهم يوم الجمعة فإذا جاءت الحيتان يوم السبت وقعت في الشباك، فيدعوها إلى ليلة الأحد، فيأخذونها، ويقولون: ما اصطدنا يوم السبت شيئًا فمسخهم الله بسبب تلك الحيلة، ثانيها: قوله ﷺ:"لا تحل الخديعة لمسلم" والخديعة هي: الحيلة، والله تعالى ذم المخادعين، وهم المتحايلون، ثالثها: قوله ﷺ: "لعن الله اليهود، إن الله لمّا حرم عليهم الشحوم: جملوها، ثم باعوها، فأكلوا أثمانها" وهذا من الحيل الظاهرة، الثانية: الاستقراء؛ حيث إنه ثبت بعد استقراء وتتبّع أحوال الصحابة من أقوال وأفعال: أن الحيل بأنواعها محرمة، فإن قلتَ: لِمَ حُرِّمت الحيل التي تُسقط الشفعة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الشفعة قد صحت شرعًا لدفع الضرر عن الشركاء، فإذا سقطت بالتحيل: لعاد الضرر فلم يكن لمشروعية الشفعة فائدة إذن، فإن قلتَ: لِمَ حُرّمت الحيل التي تسقط الحق لأي مسلم؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حق المسلم من أن يؤخذ ويؤكل بالباطل.
(^٥) مسألة: الشفعة ثابتة في أرض أو عقار تجب قسمتها، وعلى ذلك: فلا تجب الشفعة في جميع المنقولات كالجواهر، والنقود، والسيوف، والحيوانات، والسفن، والزروع والثمار ونحو ذلك، للسنة القولية: حيث قال ﵇: "قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة" حيث أثبت الشارع جواز الشفعة في العقار الذي وجبت قسمته، ولكنه لم يُقسم، ونفاها عما فُرِّق بينها كالمنقولات المقسومة في أصلها كما مثَّلنا، فتكون المنقولات لم يُنصَّ عليها، ولم تكن في معنى النص حتى نقيسها عليها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ لأن ما لم يُقسم يدوم ضرره لو لم تُشرع الشفعة، أما ما يُقسم كالمنقولات فلا يبقى على الدوام، فلا يدوم ضرره، فلم تُشرع فيه الشفعة؛ =
[ ٣ / ٥٤٦ ]
ونحوها؛ لقوله ﷺ: "لا شفعة في فناء، ولا طريق، ولا منقبة" رواه أبو عبيدة في "الغريب"، والمنقبة: طريق ضيق بين دارين، لا يمكن أن يسلكه أحد (^٦) (ويتبعها) أي: الأرض (الغراس والبناء) فتثبت الشفعة فيهما تبعًا للأرض إذا بيعا معها، لا إن بيعا مفردين (^٧) (لا الثمرة والزرع) إذا بيعا مع الأرض، فلا يؤخذان بالشفعة؛ لأن
لكونه مقسومًا في أصله.
(^٦) مسألة: تثبت الشفعة فيما لا تمكن قسمته كالدور الصغيرة، والحمام الصغير، والبئر والرحى الصغيرة ونحوها؛ وهو رأي أبي حنيفة، ورواية عن مالك، وهو اختيار ابن تيمية؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "الشفعة فيما لم يُقسم" وهذا عام للكبيرة والصغيرة. الثانية: القياس؛ بيانه: كما تثبت الشفعة في الأشياء الكبيرة مما وجبت قسمتها، فكذلك تثبت في الأشياء الصغيرة التي لا يمكن قسمتها، والجامع: إزالة الضرر في المشاركة، بل إن الضرر في الأشياء الصغيرة أكثر؛ لكونه يتأبَّد ضرره، فيكون قياسًا أولى، وهذا هو المقصد منه، فإن قلتَ: لا تثبت الشفعة فيما لا تجب قسمته كالأشياء الصغيرة جدًا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "لا شفعة في فناء، ولا طريق، ولا منقبة "والمنقبة": طريق ضيق واقع بين دارين، قلتُ: إن الشارع في هذا الحديث قد نفى الشفعة عن الطريق، والمنقبة، والفناء؛ لأنه لا شركة لأحد في ذلك، بل هي عامة للمسلمين، والشفعة ثابتة فيما فيه شركة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنتين" وقد بيَّنا ذلك.
(^٧) مسألة: تثبت الشفعة في الغراس والبناء إذا بيعا تبعًا لأرضهما، أي: تؤخذ بالشفعة؛ أما إن بيع الغراس والبناء منفردين، أي: بدون أرضهما: فلا شفعة في ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "قضى ﷺ بالشفعة في كل شرك لم يُقسم في أرض، أو ربع، أو حائط"، وهذا يعمّ البناء والأشجار؛ حيث أثبت الشفعة في البناء والأشجار؛ لأنها تابعة للأرض. الثانية: المصلحة: حيث إن =
[ ٣ / ٥٤٧ ]
ذلك لا يدخل في البيع، فلا يدخل في الشفعة كقماش الدار (^٨) (فلا شفعة الجار)؛ لحديث جابر السابق (^٩) (وهي) أي: الشفعة (على الفور وقت علمه، فإن لم يطلبها إذًا
الغراس والبناء إذا بيعا مع الأرض: فإنه يدوم ضررهما، فدفعًا لهذا الضرر شُرعت الشفعة فيها، أما إذا بيع الغراس والبناء منفردين فلا يدوم ضررهما ويمكن إزالتهما وقسمتهما بسهولة مع بقاء الأرض المشتركة، ولذا لا تثبت الشفعة فيه؛ لعدم دوام الضرر.
(^٨) مسألة: لا تثبت الشفعة في الزرع والثمرة الظاهرة: سواء بيع مع أصوله وأرضه أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن قماش الدار وأثاثها الذي يسهل حمله وقسمته لا تثبت فيه الشفعة، فكذلك الزرع الثمرة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما لا يدخل في البيع تبعًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك لا يدوم ضرره؛ حيث إنه يُمكن إزالة الشراكة بين الشريكين بسهولة، فلا داعي للشفعة.
(^٩) مسألة: لا تثبت الشفعة للجار إذا لم يشترك الجاران بطريق واحد ضيق، أو ماء ونحو ذلك، أما إن اشترك الجاران بطريق واحد، وماء واحد، أو في حق من حقوق استيفاء ملكيهما: فإن الجار له الحق في الشفعة ومنع جاره من بيع داره المجاورة له، وأخذها بثمنها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة" حيث دلّ منطوقة على أن الجار لا شفعة له إذا صرفت الطرق، ووقعت الحدود؛ وهذا يكون في عدم الشراكة في شيء، ودلّ مفهوم الشرط على أن الجار له الحق في الشفعة إذا لم تصرف الطرق، وكان له شراكة مع جاره في طريق أو ماء ونحوهما، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الشفعة قد شُرعت لدفع الضرر عن الشريك، وإذا اشترك الجاران في طريق، أو مسلك ماء، أو نحو ذلك: فإن الجار يتضرَّر إذا باع جارُه دارَه المجاورة له؛ لكون هذا الأجنبي المشتري دار جاره قد يؤذي الجار -غير البائع- ويضايقه في الطريق، أو لا يأمنه على أهله، أو ماله أو نحو ذلك، =
[ ٣ / ٥٤٨ ]
بلا عذر: بطلت)؛ لقوله ﷺ: "الشفعة لمن واثبها" وفي رواية: "الشفعة كحل العقال" رواه ابن ماجه، فإن لم يعلم بالبيع: فهو على شفعته، ولو مضى سنون، وكذا: لو أخَّر لعذر بأن علم ليلًا فأخره إلى الصباح، أو لحاجة أكل، أو شرب، أو طهارة، أو إغلاق باب، أو خروج من حمام، أو ليأتي بالصلاة وسننها، وإن علم وهو غائب: أشهد على الطلب بها إن قدر (^١٠) (وإن قال) الشفيع (للمشتري: بعني) ما
فدفعًا للضرر شُرعت الشفعة؛ للتخلُّص من ذلك، أما إذا لم يشترك الجاران في شيء فلا تثبت الشفعة؛ لعدم الحاجة إليها؛ حيث لا ضرر.
(^١٠) مسألة: الشفعة تثبت على الفور في وقت علم الشفيع، أي: أن له الحق في الشفعة إن طالب بها ساعة علمه بالبيع، فإن كان حاضرًا: طلبها بنفسه، وإن كان غائبًا: أشهد عدلين بأنه مطالب بها فور علمه بها، ولو لم يعلم إلّا بعد سنوات من بيع شريكه لحصته: فإن الشفعة لا تسقط، وكذا: لو أخَّرها لعذر شرعي كأن يعلم بالبيع ليلًا فأخّر الطلب بها إلى النهار، أو يعلم به وهو محتاج لأكل أو شرب أو طهارة، أو إغلاق باب، أو فتحه، أو محتاج لدخول حمام، أو خروج منه، أو ليأتي بالصلاة المفروضة: فإن تأخير طلبه للشفعة بسبب تلك الصور: غير مؤثر في بطلان الشفعة، أما إن لم يُطالب بها ساعة علمه بالبيع، أو أخَّر المطالبة بدون عذر: فلا حقَّ له بالشفعة؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "الشفعة لمن واثبها "أي: هي حق لمن طلبها على الفور، مأخوذ من الوثب وهو: القيام بسرعة. الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن خيار الرد بالعيب ثابت على الفور ولا يضر ذلك تأخير لعذر، ويبطل الخيار إذا كان لغير عذر، فكذلك الشفعة، والجامع: أن كلًّا منهما شرع لدفع الضرر عن المال، فإن قلتَ: لِمَ كانت على الفور؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنها لو كانت على التراخي: للحق الضرر على مشتري نصيب الشريك، لكون ملكه على ما اشتراه -وهو نصيب الشريك- غير مستقر، وهذا يمنعه من إنشاء تعمير فيه، أو هدمه، أو أي شيء =
[ ٣ / ٥٤٩ ]
اشتريت (إو صالحني): سقطت؛ لفوات الفور (أو كذَّب العدل) المخبر له بالبيع: سقطت؛ لتراخيه عن الأخذ بلا عذر، فإن كذَّب فاسقًا: لم تسقط؛ لأنه لم يعلم الحال على وجهه (أو طلب الشفيع (أخذ البعض) أي: بعض الحصة المبيعة: (سقطت) شفعته؛ لأن فيه إضرارًا بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه، والضرر لا يُزال بمثله (^١١)، ولا تسقط الشفعة إن عمل الشفيع دلَّالًا بينهما، أو توكَّل لأحدهما، أو
فيه؛ نظرًا لخشيته من أن يؤخذ هذا النصيب منه بالشفعة، ولا يندفع عنه الضرر بدفع قيمة ما أنشأه فيه؛ لأن خسارة تلك المنشآت تكون أكثر من قيمة المبيع -وهو نصيب الشريك-مع تعب وهم قلبه ووقته، فدفعًا للضرر عن ذلك المشتري شرعت الشفعة فورًا، وهذا فيه الجواب الكافي والشافي على من قال: إن الشفعة على التراخي وهو رواية عن أحمد وقول للشافعي؛ قياسًا على القصاص، أي: فكما لا يسقط القصاص أبدًا فكذلك الشفعة، وقالوا: إن الجامع: عدم الضرر في التراخي والتأخير، وهذا منهم غير مسلَّم؛ نظرًا لوجود الضرر الصريح على المشتري إذا كانت على التراخي، فلذا قلنا ما قلنا دفعًا للضرر عنه. فإن قلتَ: لم يبقى حق الشفعة ولو مضى على البيع سنوات إذا لم يعلم به؟ قلتُ: قياسًا على الإرث، بيانه: كما أن له حق الميراث لهذا المال ولو لم يعلم بموت مورِّثه إلّا بعد سنوات، فكذلك الشفعة مثله، والجامع: أن كلًّا منهما حق مالي وجد سببه بالنسبة إلى الغائب، فوجب حكمه، فإن قلتَ: لم تثبت الشفعة للغائب إذا أشهد وقت علمه بالبيع؟ قلتُ: لأن إشهاده دليل رغبته بالشفعة.
(^١١) مسألة: تسقط الشفعة في حالات ثلاث: أولها: إذا تصرَّف الشفيع قبل أن يشفع بتصرُّف يدلّ على رضاه ببيع شريكه نصيبه كأن يقول -أي: الشفيع- للمشتري: "بعني، أو أجِّرني ما اشتريت" أو "صالحني": فلا شفعة له؛ للتلازم؛ حيث يلزم من هذا التصرُّف، وهذه العبارات مع المشتري: أنه رضي بترك الشفعة وطلب عوضها. ثانيها: إذا أخبر عدلٌ الشفيع "أن شريكه باع نصيبه" فكذَّب -أي: =
[ ٣ / ٥٥٠ ]
أسقطها قبل البيع (^١٢) (والشفعة لـ) ـشريكين (اثنين بقدر حقيهما)؛ لأنها حق يُستفاد
الشفيع -ذلك العدل: فلا شفعة له؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تكذيبه للعدل: أنه تراخى عن الأخذ بالشفعة بلا عذر؛ لأن خبره مقبول شرعًا، ويلزم من تراخيه: سقوطها؛ لكونها تثبت على الفور -كما سبق في مسألة (١٠) - ثالثها: إذا طلب الشفيع أخذ بعض حصة شريكه التي باعها فقط وليس كلها: فليس له حق الشفعة؛ للمصلحة: حيث إن ذلك يُلحق الضرر بالمشتري؛ حيث إنه يُريد الحصة بكاملها؛ لكون الفائدة لا تتمّ له إلّا بكمالها فإذا أخذ بعض المبيع تضرر، والشفعة شرعت لدفع الضرر عن الشريك، فإذا ترتَّب عليها إلحاق الضرر بالمشتري فإن ذلك يكون إزالة ضرر عن الشفيع بضرر يلحق المشتري، وهذا مخالف لقاعدة "الضرر لا يزال بضرر مثله"، فدفعًا لذلك: تسقط الشفعة؛ لما فيها من الضرر الطارئ. (فرع): إذا أخبره فاسق بأن شريكه قد باع نصيبه فكذَّبه -أي: الشفيع-: فلا تسقط الشفعة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يقبل خبر الصبي والمجنون بذلك فكذلك لا يقبل خبر الفاسق بذلك والجامع: أن خبر كل منهم لا يُقبل في الشرع.
(^١٢) مسألة: لا تسقط الشفعة إن علم الشفيع ببيع شريكه نصيبه قبل تمام عقد البيع، فمثلًا: لو كان زيد وعمرو شريكين في دار، فأراد عمرو بيع نصيبه على بكر، وكان زيد دلَّالًا وسفيرًا بين عمرو وبكر في هذه الصفقة، أو كان زيد وكيلًا عن عمرو، أو عن بكر في ذلك، أو أسقط زيد الشفعة قبل تمام عقد البيع: فإن لزيد الحق في الشفعة بعد تمام عقد البيع مباشرة؛ للتلازم؛ حيث إن محل الشفعة هو بعد عقد البيع مباشرة فلا يلزم من كون زيد دلَّالًا، أو وكيلًا أو أسقط الشفعة قبل تمام عقد البيع: سقوط حق الشفعة؛ لكون تلك التصرفات حصلت قبل حلول محل الشفعة، فلم تمنع استحقاقه لها، فإن قلتَ: إن الشفيع إذا أسقط الشفعة قبل عقد البيع: فإنها تسقط، أي: ليس له الحق في المطالبة بها بعد البيع، وهذه رواية عن أحمد، أيَّدها كثير من الحنابلة: منهم ابن القيم وغيره؛ لقاعدتين: الأولى: السنة =
[ ٣ / ٥٥١ ]
بسبب الملك، فكانت على قدر الأملاك فـ"دار" بين ثلاثة: نصف، وثلث، وسدس، فباع رب الثلث: فالمسألة من ستة، والثلث يُقسَّم على أربعة لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب السدس واحد (^١٣) (فإن عفا أحدهما): أي: أحد الشفيعين: (أخذ الآخر
القولية؛ حيث قال ﷺ: "فإن باع ولم يؤذن له فهو أحق به" فأثبت أن له حق الشفعة إذا باع قبل الاستئذان من الشريك، ودلّ مفهوم الشرط على أن شريكه إذا باع نصيبه بإذنه: فلا حقّ له في الشفعة، الثانية: التلازم؛ حيث إن عرضه عليه وامتناعه من أخذه دليل على عدم وجود الضرر في حقه ببيعه حتى ولو كان هناك ضرر فقد أسقطه فيلزم سقوط الشفعة قلتُ: أما الحديث: فيحتمل أن المراد: أنه يُعرض عليه ليشتري ذلك إن أراد؛ لتخف عليه المؤنة، وليس المراد: إسقاط الشفعة، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، أما التلازم: فلا يُسلَّم؛ حيث إن هذا الامتناع من أخذه لا يدل على عدم وجود الضرر، ولا يدل على اسقاطه إن وجد، فلا يلزم منه سقوط الشفعة؛ لكونه إسقاط حق قبل وجوبه فلا يصح مثل: إسقاط المرأة صداقها قبل التزوج لا يصح؛ حيث إن لها الحق بالمطالبة بالصداق بعد عقد النكاح، والشفعة مثل ذلك.
(^١٣) مسألة: إذا اشترك زيد، وعمرو، وبكر في ملكية دار، كل واحد يملك ثلث الدار ملكًا مشاعًا، فباع بكر ثلثه على محمد، وأراد زيد وعمرو أن يشفعا: فإن هذا الشقص والنصيب يُقسَّم على الاثنين، وهما: زيد وعمرو -بقدر ملكيهما وحقيهما وإن اختلفت السهام: فمثلًا لو ملك زيد وعمرو وبكر دارًا، وزيد له نصفها، وعمرو له ثلثها، وبكر له سدسها، فباع أحدهم نصيبه: فإنه ينظر مخرج سهام الشركاء الثلاثة، فيأخذ منهم سهام الشفعاء، فيُقسَّم السهم المشفوع عليها، ويصير العقار بين الشفعاء على تلك العدة، فمثلًا -في هذه المسألة- مخرج سهام الشركاء ستة، فإذا باع صاحب النصف -وهو زيد- نصيبه: فسهام الشفعاء ثلاثة، يكون لصاحب الثلث -وهو عمرو- سهمان، ولصاحب =
[ ٣ / ٥٥٢ ]
الكل أو ترك) الكل؛ لأن في أخذ البعض إضرار بالمشتري (^١٤)، ولو وهبها لشريكه، أو غيره: لم يصح (^١٥) وإن كان أحدهما غائبًا: فليس للحاضر أن يأخذ إلا الكل أو يترك، فإن أخذ الكل ثم حضر الغائب: قاسمه (^١٦) (وإن اشترى اثنان حق واحد)
السدس -وهو بكر-: سهم واحد، فتكون الشفعة بينهم على ثلاثة، ويصير العقار بينهم أثلاثًا، لصاحب الثلث ثلثاه، وللآخر ثلثه، وإذا باع صاحب الثلث -وهو عمرو هنا- نصيبه: كانت بين زيد وبكر أرباعًا: يكون لصاحب النصف -وهو زيد- ثلاثة أرباعها، ويكون لصاحب السدس -وهو بكر- ربعها، وإذا باع صاحب السدس -وهو بكر- نصيبه كانت بين زيد وعمرو أخماسًا: يكون لصاحب النصف -وهو زيد- ثلاثة أخماس، ولصاحب الثلث -وهو عمرو- خمساه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الشفعة حقًا وأستفيد بسبب الملك: أن تكون القسمة والسهام على قدر الأملاك؛ تحقيقًا للعدالة، وهذا هو المقصد منه.
(^١٤) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية دار مثلًا فباع عمرو نصيبه على بكر، فإن زيدًا يأخذ جميع نصيب عمرو المباع بالشفعة، أو يترك الجميع؛ للمصلحة: حيث إنه إذا أخذ بعض النصيب المباع ألحق الضرر بالمشتري، وهذا لا يصح؛ فدفعًا لذلك: شرع هذا وقد بيّنتُ هذا في الحالة الثالثة - من حالات سقوط الشفعة -المذكورة في مسألة (١١) -.
(^١٥) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو وبكر في ملكية دار مثلًا، فباع بكر نصيبه على محمد، فوهب زيد حقه من الشفعة لعمرو، أو وهبه لشخص أجنبي عنهما: فإن الشفعة تسقط؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو عفى واحد من ورثة المقتول: فإن القصاص يسقط، فكذلك لو وهب حقه من الشفعة لآخر: فإن الشفعة تسقط، والجامع: أنه في كل منهما وقع الإعراض عن طلب حقه، فلا يحق لغيره ذلك؛ لكونه خاصًا بالأعيان، وهذا هو المقصد منه.
(^١٦) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو وبكر في ملكية دار مثلًا فباع بكر نصيبه على =
[ ٣ / ٥٥٣ ]
فللشفيع أخذ حق أحدهما؛ لأن العقد مع اثنين بمنزلة عقدين (^١٧) (أو عكسه): بأن اشترى واحد حق اثنين صفقة: فللشفيع أخذ أحدهما؛ لأن تعدُّد البائع كتعدُّد المشتري (^١٨) (أو اشترى واحد شقصين) -بكسر الشين- أي: حصتين (من أرضين
محمد، ولم يكن حاضرًا وقت البيع إلّا زيد: فله أن يشفع ويأخذ كل نصيب بكر المباع من المشتري، أو يتركه كله فتسقط الشفعة إذا ترك مع قدرته، ولا يجوز تأخير أخذ حقه حتى يقدم شريكه عمرو من سفره ولا يجوز له أن يأخذ قدر حقه، فإذا قدم عمرو: فإنه يقاسم زيدًا فيما أخذه -وهو نصيب بكر المباع- إن شاء؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما لا يجوز للمنفرد أخذ بعض النصيب المباع، فكذلك لا يجوز للشريك أن يأخذ بعض ما اشتراه المشتري، والجامع: أنه في كل منهما وُجد تبعيض لصفقة المشتري، وهذا مضربه -كما سبق في مسألتي (١١ و١٤) الثانية: المصلحة؛ حيث إن تأخير الشريك أخذ حقه حتى يقدم شريكه، أو أخذ قدر حقه يُلحق الضرر بالمشتري، فدفعًا لذلك: شرع عدم الجواز، فإن قلتَ: لِمَ يُقاسم الغائب إذا حضر من شفع بحقه وحق شريكه؟ قلتُ: لأن هذا من حقه، ولوجود المطالبة من شريكه كوكيل عنه.
(^١٧) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية دار، فباع عمرو نصيبه على بكر ومحمد: فللشفيع -وهو زيد هنا- أخذ ما اشتراه بكر، أو أخذ ما اشتراه محمد كما يشاء - وكذا: إن كثر المشترون لحق عمرو فإن الشفيع -وهو زيد هنا- يأخذ بالشفعة حق أحدهم، وله أن يأخذ حقهما، أو حقهم معًا بالشفعة؛ للتلازم؛ حيث إن كونهما -أي: بكر ومحمد- مشتريين، لكل واحد منهما عقد لوحده يلزم منه: أن للشفيع -وهو زيد هنا- أخذ نصيب أحدهما؛ لانفكاك أحدهما عن الآخر.
(^١٨) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو وبكر في ملكية دار فباع بكر وعمرو نصيبهما على محمد: فلا يحق للشفيع -وهو زيد هنا- أن يأخذ نصيب أحدهما دون الآخر بالشفعة، وهو قول أبي حنيفة، ومالك، وبعض الحنابلة كأبي يعلى؛ للمصلحة: =
[ ٣ / ٥٥٤ ]
صفقة واحدة: فللشفيع أخذ أحدهما)؛ لأن الضرر قد يلحقه بأرض دون أرض (^١٩)
حيث إن ذلك يُلحق الضرر بالمشتري -الذي هو محمد هنا-؛ حيث إن ذلك يتسبَّب في تبعيض الصفقة عليه، وغالبًا ما يشتري الإنسان نصيبين أو سهمين من مكان واحد، أو من مكانين متجاورين ليحصل غرض أراده بهما معًا، فإذا فُرِّق بينهما: بأن زال أحدهما عن ملكه: لم يحصل ذلك الغرض الذي اشتراه من أجله، وبهذا يتضرر ذلك المشتري إذا أخذ الشفيع نصيب أحد شريكيه من محمد بالشفعة، وقد سبق بيان ذلك -في مسائل (١١ و١٤ و١٦) - فدفعًا لذلك: قلنا لا يحق للشفيع أن يشفع هنا، فإن قلتَ: بل للشفيع -وهو زيد هنا- أن يأخذ نصيب أحد شريكيه دون الآخر من محمد، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز تعدُّد المشترين لنصيب واحد، وللشفيع أخذ حق أحد المشترين، وترك الآخر -كما سبق في مسألة (١٧) - فكذلك يجوز تعدُّد البائعين، ويأخذ الشفيع نصيب أحد شريكيه البائعين من محمد، والجامع: وجود عقدين في كل منهما، فله حق الشفعة في عقد دون الآخر، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه في مسألة (١٧) كان المشتريان اثنين، أو أكثر، فلو أخذ الشفيع -وهو زيد هنا- ما اشتراه بكر، أو ما اشتراه محمد من عمرو: لما وقع ضرر في ذلك؛ لأنهما أصلًا منفصلين، وكل واحد له غرض في شراء سهمه من عمرو، بخلاف مسألتنا، فإن ما اشتراه محمد -وهو نصيب بكر وعمرو- لا يتمّ غرضه إلّا بجمع هذين النصيبين معًا، فإذا أخذ الشفيع من محمد نصيب بكر مثلًا: فإن محمدًا يتضرّر، ومع هذا الاختلاف لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع المصلحة" وقد بيّناه.
(^١٩) مسألة: إذا اشترك زيد وبكر في ملك أرض، واشترك بكر ومحمد في أرض أخرى، فباع بكر شقصيه ونصيبيه من هاتين الأرضين على أحمد صفقة واحدة، أي: بقيمة واحدة، فيجوز لزيد ومحمد أن يأخذا ما باعه بكر على أحمد بالشفعة، =
[ ٣ / ٥٥٥ ]
(وإن باع شقصًا وسيفًا) في عقد واحد: فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن؛ لأنه
ويقسما الثمن على قدر ملكيهما، للمصلحة: حيث إن كلًّا من شريكي بكر -في الأرضين وهما زيد ومحمد- قد تضرّرا في هذا البيع فشُرعت الشفعة وجازت؛ رفعًا لهذا الضرر، (فرع): لا يجوز أن يأخذ زيد نصيب بكر الذي باعه على أحمد -في المسألة السابقة- بالشفعة؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تبعيض الصفقة على المشتري، وهو مضرُّ به -كما سبق بيانه في مسائل (١١ و١٤ و١٦ و١٨) فدفعًا للضرر عنه: لم يجز ذلك. (فرع ثان) لا يجوز أن يأخذ زيد نصيب بكر من الأرض التي يشاركه فيها، ونصيب محمد الذي يشارك بكرًا في الأرض الأخرى بالشفعة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم شراكته له في الأرض الأخرى: عدم جواز الشفعة فيها؛ لكونه لا حقَّ له فيها. (فرع ثالث): إن اشترك زيد وعمرو في ملك أرض، واشتركاهما أيضًا في ملك أرض أخرى، فباع عمرو نصيبه من هاتين الأرضين على بكر: فللشفيع -وهو هنا زيد- أن يأخذ النصيبين بالشفعة، ولكن لا يجوز أخذ أحدهما دون الآخر بالشفعة؛ للمصلحة: حيث يلزم من إمكانه أخذهما معًا وفعل ذلك: ثبوت الشفعة فيه؛ لكونه من حقه الشرعي؛ لدفع الضرر عن نفسه، ويلزم من إمكانه أخذهما معًا، ومع ذلك لم يفعل، فأخذ أحدهما: عدم الجواز؛ لأن في ذلك إضرارًا بالمشتري -وهو هنا بكر-؛ لكون غرضه لا يتم عادة إلّا بكونهما معًا - كما سبق بيانه، فإن قلتَ: للشفيع هنا أن يأخذ أحدهما، دون الآخر بالشفعة، وهو ما ذكره المصنف هنا، للمصلحة: حيث إنه قد يلحقه الضرر بأرض دون الأرض الأخرى، فدفعًا لبعض الضرر عنه: جازت الشفعة هنا قلتُ: إن مصلحة المشتري أولى بالمراعاة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" فنظرنا نحن إلى مصلحة المشتري، وهم نظروا إلى مصلحة الشفيع.
[ ٣ / ٥٥٦ ]
تجب فيه الشفعة إذا منفردًا فكذا إذا بيع مع غيره (^٢٠) (أو تلف بعض المبيع: فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن)؛ لأنه تعذَّر أخذ الكل، فجاز له أخذ الباقي، كما لو أتلفه آدمي، فلو اشترى دارًا بألف تساوي ألفين فباع بابها، أو هدمها،
(^٢٠) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملك أرض مثلًا، فباع عمرو نصيبه من الأرض على بكر، وباع معه شيئًا لا تصح الشفعة فيه كسيف أو ثوب في عقد واحد: فيجوز للشفيع -وهو زيد- أن يأخذ نصيب عمرو من الأرض الذي باعه على بكر بالشفعة، وذلك بحصته من الثمن، دون ما معه من السيف ونحوه، فيقسم الثمن على قدر قيمتهما، فما يخص نصيب عمرو من الأرض، وهو الشقص يأخذ به الشفيع؛ للقياس؛ بيانه: كما أن عمرًا لو باع نصيبه من الأرض على بكر منفردًا: فللشفيع أن يأخذه بالشفعة بثمنه الذي باعه به على بكر، فكذلك الحال فيما لو باعه مع شيء لا تصح الشفعة فيه كالمنقولات مثل السيف ونحوه، والجامع: أنه في كل منهما يصح له أن يشفع، وما قرنه به من السيف أو الثوب لا شفعة فيه، ولا هو تابع لما فيه شفعة، فلا يُنظر إليه، فإن قلتَ: لا تصح الشفعة في النصيب من الأرض المباع والشقص؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يجوز للشفيع أخذ بعض النصيب المباع والشقص فكذلك لا يجوز في هذه الحالة، والجامع: أنه في كل منهما يلحق الضرر بالمشتري؛ لأن ذلك يؤدّي إلى تبعيض الصفقة على المشتري، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الشفيع لو أخذ بعض النصيب المباع والشقص لوقع ضرر واضح على المشتري -كما سبق في مسائل (١١ و١٤ و١٦ و١٨) -؛ لكونه تقسيمًا لشيء واحد لا يكمل الغرض منه إلّا به جميعًا، بخلاف هذه المسألة فهو عقد واحد جمع بين شيئين مختلفين من حيث الحكم -وهما: ما تصحُّ فيه الشفعة وهو: الشقص من الأرض، وما لا تصح فيه الشفعة وهي: المنقولات كسيف وثوب- ومع الفرق، فلا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" وهو واضح مما سبق.
[ ٣ / ٥٥٧ ]
فبقيت بألف: أخذها الشفيع بخمسمائة (^٢١) (ولا شفعة بشركة وقف)؛ لأنه لا يؤخذ بالشفعة، فلا تجب به، ولأن مستحقه غير تام الملك (^٢٢) (ولا) شفعة أيضًا -بـ (ـغير
(^٢١) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملك دكانين مثلًا، فباع عمرو نصيبه من هذين الدكانين على بكر، فكان نصيب بكر واحدًا منهما، فتلف هذا الدكان بأن انهدم، فأراد زيد أخذ بعض هذا الدكان الباقي: فإنه يجوز له أن يأخذ الموجود بالشفعة بحصته من الثمن: سواء كان التلف الذي حصل على الدكان المباع بسبب آفة سماوية كأن انهدم بسبب مطر، أو حريق، أو كان بسبب المشتري كنقضه إيّاه بعد شرائه له، فمثلًا لو كان ثمن الدكانين ألفين، وكان ثمن ما اشتراه بكر ألفًا، وانهدم هذا: وكان الباقي من الدكان يساوي خمسمائة: فإن زيدًا الشفيع يأخذ الباقي بخمسمائة، وهكذا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن عمرًا لو باع نصيبه على بكر ومعه سيف صفقة واحدة بألف، فإن زيدًا يشفع بالنصيب والشقص دون السيف -كما بيّنا ذلك في مسألة (٢٠) - فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما قد تعذّر أخذ الكل، فأخذ الباقي بحصته من الثمن، تنبيه: المثال الذي ذكره المصنف - وهو قوله: "فلو اشترى دارًا" لا يصح إلّا إذا قصد بـ"الدار": الشقص من الدار، وهذا مراد بعيد.
(^٢٢) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملك دار، فأوقف عمرو نصيبه الله تعالى، وباع زيد نصيبه على بكر، فليس لصاحب الوقف -وهو عمرو- أن يأخذ ذلك النصيب من بكر بالشفعة؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الجار -الذي لا يشترك مع جاره بطريق، أو ماء ونحوهما- ليس له الحق بأن يشفع إذا باع جارُه دارَه، فكذلك صاحب الوقف لا يشفع هنا، والجامع: أنه في كل منهما لا صلة لأحدهما بالآخر، الثانية: التلازم؛ حيث إن كان الوقف غير مملوك فيكون الموقوف عليه غير مالك، وإن كان الوقف مملوكًا: فإن ملكه غير تام؛ لكونه لا يصح في الوقف التصرُّف في الموقوف تصرفًا تامًا، فيلزم من ذلك عدم جواز =
[ ٣ / ٥٥٨ ]
ملك) للرقبة (سابق): بأن كان شريكًا في المنفعة كالموصى له بها أو ملك الشريكان دارًا صفقة واحدة: فلا شفعة لأحدهما على الأخر؛ لعدم الضرر (^٢٣) س (ولا) شفعة (لكافر على مسلم)؛ لأن الإسلام يعلو، ولا يُعلى (^٢٤).
الشفعة هنا؛ لكون الشفيع يجب أن يكون صاحب الشقص المشارك مالكًا له ملكًا تامًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية الأوقاف من أن يُزاد فيها أو يُنقص من غير عذر لا سيما وأنه لا ضرر في ذلك على أحد.
(^٢٣) مسألة: يجب أن يكون الشفيع قد ملك نصيبه من الدار المشتركة بينه وبين الآخر قبل بيع الشريك الآخر نصيبه، فإن وجد إثنان قد ملكا دارًا -مثلًا- في وقت واحد صفقة واحدة: فلا شفعة لأحدهما على صاحبه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من استوائهما في المبيع في وقتٍ واحد: عدم مزية أحدهما على الآخر؛ لعدم الضرر على أحدهما دون الآخر، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي: العمل بالإنصاف والعدالة. (فرع): إذا لم يكن الشخص مالكًا ملكًا حقيقيًا: فلا يحق له الشفعة فمثلًا: لو أوصى زيد بأن عمرًا ينتفع بداره، ثم باعها ورثة زيد؛ فلا شفعة للموصى له -وهو عمرو-؛ للقياس؛ بيانه: كما أن صاحب الوقف لا يشفع، فكذلك الموصى له بالمنفعة لا يشفع، والجامع: أن كلًّا منهما ليس مالكًا للعين ملكًا تامًا. تنبيه: هذا الفرع تابع لمسألة (٢٢) وليس تابعًا لمسألة (٢٣) كما ذكر المصنف.
(^٢٤) مسألة: الكافر الذمي له الحق في الشفعة على المسلم فيما سبق من المسائل؛ للتلازم والمصلحة؛ حيث إن عقد الذمّة فيه يلزم منه: عدم ظلم الذمي في حقوقه المالية -كما سبق في كتاب الجهاد- وهذا يلزم منه جواز الشفعة للذمي على المسلم؛ رفعًا للُظلم عن هذا الذمي؛ لكون الشفعة من حقوق الأملاك، لا من حقوق الملَّاك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دعوة إلى الإسلام، وتحبيبه في نفوس =
[ ٣ / ٥٥٩ ]
فصل: (وإن تصرَّف مشتريه) أي: مشتري شقص ثبتت فيه الشفعة (بوقفه، أو هبته، أو رهنه) أو صدقة به (لا بوصية: سقطت الشفعة)؛ لما فيه من الإضرار بالموقوف عليه، والموهوب له ونحوه؛ لأنه ملكه بغير عوض، ولا تسقط الشفعة بمجرَّد الوصية به قبل قبول الموصى له بعد موت الموصي؛ لعدم لزوم الوصية (^٢٥) (و)
الكفار، فإن قلتَ: لا شفعة لكافر على مسلم: سواء كان ذميًا أو لا -وهو ما ذكره المصنف هنا-؛ للتلازم؛ حيث يلزم من جواز الشفعة له: علوّه على المسلم، ونصره عليه، وهذا فيه إعلاء الكفر على الإسلام، والإسلام يعلو، ولا يُعلى فالمصلحة تقتضي عدم جواز الشفعة للكافر، قلتُ: لا نسلِّم أن جواز الشفعة للذمي يلزم منه علوّه على المسلم، والإسلام بل العكس، يلزم منه علوّ الإسلام عليه؛ حيث إن الإسلام قد انتصر له ورفع الظلم عنه مع أنه بين المسلمين، وهذا يدل على قوة الإسلام في ذلك؛ لكون الحاكم يستطيع أن يأخذ جميع أملاكه، وهو من باب العفو عند المقدرة، وبهذا تنتشر عدالة الإسلام ومعاملته الحسنة لغير المسلمين، فيُسلم هذا الكافر وغيره، وبهذا تتحقق المصلحة العامة للإسلام والمسلمين، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين".
(^٢٥) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية دار، ثم باع عمرو نصيبه على بكر، فأوقف بكر هذا النصيب الله تعالى: بأن جعله مسجدًا، أو موقوفًا على فقراء أو نحو ذلك، أو رهن بكر ذلك النصيب أو أوصى به، أو تصدَّق به، أو وهبه لغيره قبل أن يطلب الشفيع -وهو زيد- الشفعة فيه: فإن الشفعة لا تسقط، بل لزيد الحق في طلب الشفعة وأخذ هذا النصيب بقيمته، وهو قول الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أنه لو أوقف المريض أملاكه وعليه دين، أو أعتق عبدًا وعليه دين فللغرماء والورثة ردُّ الوقف والعتق فيما زاد على ثلثه فكذلك الحال هنا: للشفيع -وهو زيد- أن يمنع الوقف من بكر، والتصدُّق، والرهن، والوصية، والهبة بالشفعة، والجامع: إزالة الضرر عن الكل الثانية: التلازم؛ حيث =
[ ٣ / ٥٦٠ ]
إن تصرَّف المشتري فيه (ببيع: فله) أي: للشفيع (أخذه بأحد البيعين)؛ لأن سبب الشفعة الشراء، وقد وجد في كل منهما، ولأنه شفيع في العقدين، فإن أخذ بالأول رجع الثاني على بائعه بما دفع له؛ لأن العوض لم يسلم له، وإن أجَّره: فللشفيع أخذه، وتفسخ به الإجارة هذا كله إن كان التصرُّف قبل الطلب؛ لأنه ملك المشتري، وثبوت حق التملّك للشفيع لا يمنع من تصرفه، وأما تصرفه بعد الطلب: فباطل؛
يلزم من كون حق الشفيع أسبق، وأقوى ممن طرأ: أن لا يملك المشتري تصرُّفًا يبطل حقه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الشفيع من الحيل التي يفعلها بعض الشركاء لإبطال الشفعة، وقد ذكر ابن القيم ﵀: أن من أنواع الحيل المنتشرة: "الحيل لإسقاط الشفعة"، فإن قلتَ: بل تسقط الشفعة فيما سبق من الصور، وهو قول أكثر الحنابلة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إن الشفعة لو صحَّت هنا: للحق الضرر بالموهوب والموقوف عليه، والموصى له، والمتصدَّق عليه؛ لكون ملكه يزول عنه بغير عوض، فدفعًا للضرر عنه شُرع سقوط الشفعة هنا قلتُ: هذا لا يُسلَّم؛ لأن مصلحة الشفيع مقدمة على مصلحة هؤلاء؛ لكونه أسبق وجانبه أقوى، ولدفع الحيل لإسقاط الشفعة، فتكون المصلحة التي قلناها أعمّ وأسبق فتراعي، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" وقد سبق بيان ذلك. (فرع): لو أن بكرًا -في المثال السابق- أوصى بنصيبه لمحمد بأن يكون له: فإن هذا يُسقط الشفعة، فلا يجوز لزيد أن يأخذ ذلك النصيب من محمد بالشفعة، ولكن ذلك مشروط: بقبول الموصى له -وهو محمد- لهذه الوصية؛ فلو لم يقبل الموصى له ذلك: لما أسقطت الوصية الشفعة؛ للتلازم؛ حيث إن من شرط صحة الوصية: قبول الموصى له لها فيلزم من عدم قبولها: سقوطها بالشفعة، نظرًا لسبق حقه على حق الموصى له، هذا على رأي كثير من الحنابلة وهو رأي مرجوح، والراجح: ما قلناه: من أن الشفعة لا تسقط بالوصية مطلقًا -كما سبق في مسألة (٢٥) -.
[ ٣ / ٥٦١ ]
لأنه ملك الشفيع إذًا (^٢٦) (وللمشتري الغلَّة) الحاصلة قبل الأخذ (و) له أيضًا (النماء المنفصل)؛ لأنه من ملكه، والخراج بالضمان (و) له أيضًا (الزرع والثمرة الظاهرة) أي: المؤبَّرة؛ لأنه ملكه، ويبقى إلى الحصاد والجذاذ؛ لأن ضرره لا يبقى، ولا أجرة عليه، وعلم منه: أن النماء المتصل كالشجر إذا كبر، والطلع إذا لم يُؤبَّر يتبع في الأخذ بالشفعة كالرد بالعيب (^٢٧) (فإن بني) المشتري (أو غرس) في حال يُعذر فيه
(^٢٦) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية دار، وباع عمرو نصيبه على بكر، فللمشتري وهو -بكر هنا- حقُّ التصرُّف الشرعي قبل طلب الشفيع الشفعة، أو قبل علمه، فإن باعه المشتري -وهو بكر- على محمد: فللشفيع -وهو زيد- الخيار: فإن شاء فسخ البيع الأول الذي حصل بين عمرو وبكر بثمنه الذي دفعه بكر لعمرو ويأخذه بكر من محمد ويسلمه ثمنه الذي دفعه، وإن شاء فسخ البيع الثاني الذي حصل بين بكر ومحمد بثمنه الذي دفعه محمد لبكر، وكذا: إن كثرت العقود في ذلك تنفسخ بمجرد طلب الشفعة من زيد، وكذا: إن أجَّره بكر: فإن الإجارة تنفسخ بمجرَّد طلب زيد للشفعة، أما إن تصرَّف بكر في النصيب -الذي اشتراه من عمرو- بعد طلب الشفيع -وهو زيد- فجميع تلك التصرفات باطلة، للتلازم؛ حيث يلزم من وجود سبب الشفعة -وهو بيع الشريك نصيبه على أجنبي-: أن يأخذ الشفيع هذا النصيب من أحد البائعين -إما عمرو، أو بكر-؛ لإزالة الضرر عن نفسه، ويلزم من تصرُّف المشتري -وهو بكر- قبل طلب الشفيع: صحة هذا التصرف؛ لكونه ملكه شرعًا، ويلزم من تصرفه -أي: بكر- بعد طلب الشفيع: بطلان هذا التصرُّف؛ لكونه معتديًا في تصرفه؛ إذ تصرَّف في ملك قد انتقل عنه بسبب الشفعة وطلبها فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حقوق كل من الشفيع، والمشتري.
(^٢٧) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية أرض فباع عمرو نصيبه على بكر، وهذا النصيب فيه غلَّة، ونماء منفصل، أو أجرة، أو زرع، أو ثمر قد ظهر، أو طلع قد =
[ ٣ / ٥٦٢ ]
الشريك بالتأخير: بأن قاسم المشتري وكيل الشفيع، أو رفع الأمر للحاكم فقاسمه، أو قاسم الشفيع لإظهاره زيادة في الثمن ونحوه (^٢٨)، ثم غرس أو بنى: (فللشفيع تملُّكه
أُبِّر: فإن جميع هذه الأشياء من حق المشتري -وهو بكر-، فله أن يأخذه قبل مطالبة الشفيع، وليس للشفيع مطالبته بردها، ويجب على الشفيع أن يبقي هذا إلى الحصاد والجذاذ بدون أجرة أما إن كان هذا النماء متصلًا كأشجار كبيرة، والطلع قبل تأبيره: فإن الشفيع يأخذه عند طلبه للشفعة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون هذا النماء المنفصل والغلَّة والزرع الظاهر والمؤبر قد حصلت في ملك المشتري -وهو بكر- أن تكون من حقه، ويلزم من عدم وجود الضرر في إبقاء ذلك إلى الحصاد والجذاذ: أن يلزم الشفيع في إبقاء ذلك في ملكه إلى الحصاد والجذاذ بدون أجرة لذلك مدَّة بقاء هذا الزرع والثمر في ملك الشفيع؛ نظرًا لقرب زواله، ويلزم من كون هذا النماء متصلًا دائمًا، ولم يؤبَّر: أن يتبع الشفيع، كما قلنا في الرد بالعيب؛ نظرًا لبعد زواله، فيكون ضرره أكثر على الشفيع، والمقصد من هذا: إزالة الضرر عن الشفيع والمشتري.
(^٢٨) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية أرض، فباع عمرو نصيبه على بكر، فغرس المشتري -وهو بكر- وبنى في النصيب الذي اشتراه، ويتصوَّر غرسه وبناؤه هنا بأحد طرق: أولها: أن يظهر المشتري -وهو بكر- أنه اشتراه بأكثر من ثمنه، أو نحو ذلك من الأمور التي تمنع الشفيع من الأخذ بها، فيترك الشفعة، فيقاسمه ثم يبني المشتري ويغرس في قسمته، ثانيها: أن يكون الشفيع غائبًا، فيقاسمه وكيله، أو يكون الشفيع صغيرًا أو مجنونًا فيقاسمه وليه أو نحو ذلك فيغرس ويبني المشتري -وهو بكر- في نصيبه وقسمته، ثم يقدم الغائب ويبلغ الصبي، أو يعقل المجنون فيأخذ بالشفعة. ثالثها: أن يطلب المشتري -وهو بكر- من الحاكم أن يقاسمه نصيبه؛ نظرًا لصغر أو جنون أو غياب الشفيع فيغرس المشتري أو يبني، ثم يقدم الغائب، ويعقل المجنون ويبلغ الصبي -وهو الشفيع- فيأخذ هذا النصيب ويقسم المغروس أو =
[ ٣ / ٥٦٣ ]
بقيمته)؛ دفعًا للضرر: فتقوَّم الأرض مغروسة، أو مبنية، ثم تقوَّم خالية منهما، فما بينهما: فهو قيمة الغراس والبناء، (و) للشفيع (قلعه ويغرم نقصه) اي: ما نقص من قيمته بالقلع؛ لزوال الضرر به فإن أبى: فلا شفعة (ولربه) أي: رب الغراس والبناء (أخذه) ولو اختار الشفيع تملُّكه بقيمته (بلا ضرر) يلحق الأرض بأخذه، وكذا: مع ضرر كما في "المنتهى" وغيره؛ لأنه ملكه، والضرر لا يزال بالضرر (^٢٩) (وإن مات الشفيع قبل
المبني، هذه طرق الغرس أو البناء في النصيب الذي باعه الشريك، وسيأتي في المسألة التالية بيان حكم هذا الغرس والبناء.
(^٢٩) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية أرض، ثم باع عمرو نصيبه على بكر، فغرس المشتري -وهو بكر- وبنى في النصيب الذي اشتراه كما سبق في مسألة (٢٨)، وشفع الشفيع -وهو زيد- وطالب في أخذ ذلك النصيب الذي باعه عمرو، فيُخيَّر المشتري -وهو بكر- بين حالتين: الحالة الأولى: أن اختار قلع غرسه، وهدم بنائه ويُعيد النصيب والأرض كما كانت قبل غرسه لها أو بنائه فيها: فعليه ضمان النقص الذي لحق الأرض بسبب هذا القلع، يفعل ذلك ولو اختار الشفيع تملكه بقيمته فلا يقبل؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشخص لو كسر إناء غيره لإخراج ديناره منه: فعليه ضمانه فكذلك من قلع، غرسه وهدم بناءه من أرض غيره عليه ضمان ما نقص منها بسبب ذلك والجامع: أنه في كل منهما نقص دخل على ملك غيره لأجل تخليص ملكه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي حماية حق الشفيع -وهو زيد-، فإن قلتَ: ليس على المشتري تسوية الأرض، وليس عليه ضمان نقص الأرض بسبب القلع والهدم، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن المشتري قد بنى وغرس حين كانت الأرض ملكًا له، وما حدث من النقص إنما حصل في ملكه، وهذا لا يقابله ثمن فيلزم: عدم ضمانه، قلتُ: هذا لا يُسلَّم؛ لأن النقص الحاصل بالقلع والهدم إنما حصل في ملك الشفيع، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الأرض =
[ ٣ / ٥٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
التي غرس فيها المشتري وبنى هل هي ملك للمشتري، أو هي ملك للشفيع؟ " فعندنا: إنها ملك للشفيع، وإن كانت ملك للمشتري ظاهرًا، وعندهم: أنها ملك للمشتري. الحالة الثانية: إن اختار المشتري -وهو بكر- عدم قلع الغرس، وهدم البناء: فإن الشفيع يُخيَّر بين أمور ثلاثة أولها: أن يترك الشفعة، فيستمر المشتري -وهو بكر- على شرائه وغرسه وبنائه، ثانيها: أن يأخذ الغرس والبناء مع الأرض -وهي: النصيب المشترى ويدفع قيمة الغراس والبناء للمشتري- وهو بكر - فيملك ذلك الأرض، وطريقة بيان قيمة الغرس والبناء هي: أن تقوَّم الأرض بلا غرس ولا بناء بألف مثلًا، وتقوم وفيها غرس وبناء بألف وخمسمائة، فتكون قيمة الغرس والبناء خمسمائة فيدفعها الشفيع للمشتري -وهو بكر- مع قيمة الأرض المشفوع فيها، ثالثها: أن يقلع الشفيع الغرس والبناء، ويضمن للمشتري ما نقص من الغرس والبناء بسبب قلعه، فأن أبى: فلا شفعة، للتلازم: حيث يلزم من ترك الشفيع للشفعة: تملك المشتري لما اشتراه تملكًا دائمًا؛ لكونه حقًا له، ويلزم من أخذه الغرس والبناء مع الأرض المشفوعة: أن يدفع للمشتري وهو قيمة غرسه، وبنائه؛ لأن ذلك من حقه وأملاكه فلا يؤخذ إلّا بعوض، ويلزم من قلع الشفيع للغرس والبناء: أن يضمن ما نقص للمشتري وهو ما نقص في غرسه وبنائه بسبب ذلك القلع؛ لأنه لو لم يضمن ذلك لتضرر المشتري، ويلزم من عدم دفع الشفيع غرامة ما نقص بسبب القلع: سقوط الشفعة؛ لأنه يكون فيها قد ضر المشتري ولا يزال الضرر بضرر مثله؛ لعموم قوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"، فإن قلتَ: إنه في هذه الحالة يُكلَّف المشتري القلع، ولا شيء له من عوض أو نحو ذلك وهو قول الحنفية؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الغاصب يُكلف بقلع وهدم ما غرس وبنى في الأرض المغصوبة ولا شيء له فكذلك المشتري هنا والجامع: أن كلًّا منهما قد غرس وبنى في أرض لا =
[ ٣ / ٥٦٥ ]
الطلب: بطلت) الشفعة؛ لأنه نوع خيار للتمليك أشبه خيار القبول (^٣٠) (و) إن مات (بعده) أي: بعد الطلب ثبتت (لوارثه)؛ لأن الحق قد تقرر بالطلب، ولذلك لا تسقط بتأخير الاخذ بعده (^٣١) (ويأخذ) الشفيع الشقص (بكل الثمن) الذي استقرّ عليه العقد؛ لحديث جابر: "فهو أحقّ به بالثمن" رواه أبو إسحاق الجوزجاني في "المترجم"، (فإن عجز عن) الثمن أو (بعضه: سقطت شفعته)؛ لأن في أخذه بدون
يملكها قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، لأن الغاصب قد بني في غير ملكه ابتداء فيكون عرق ظالم، وليس لعرق ظالم حق، أما المشتري هنا فقد بنى في ملكه الذي اشتراه قبل أن تثبت الشفعة، ومع الفرق: فلا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع المصلحة" كما هو واضح فيما سبق.
(^٣٠) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية أرض أو دار، فباع عمرو نصيبه على بكر فمات الشفيع -وهو زيد- قبل أن يطلب الشفعة بدون عذر يمنعه: فإن الشفعة تسقط، وليس لورثة زيد أن يطلبوا الشفعة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو أراد عمرو بيع دار على زيد فلما قال البائع -وهو عمرو-: "بعتك هذه الدار بألف" مات زيد، وهو لم يتلفّظ بالقبول: فإن ورثة زيد لا يقومون مقامه في القبول، فكذلك الحال هنا في الشفعة لا يقومون مقام زيد في طلبها، والجامع: أن كلًّا منهما نوع خيار للتمليك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المشتري من تحايل الورثة لأخذ حقه بدون استحقاق.
(^٣١) مسألة: إذا مات الشفيع -وهو زيد في مسألة (٣٠) - بعد طلبه للشفعة: فإن حق المطالبة بالشفعة ينتقل إلى الورثة على قدر إرثهم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من طلب مورِّثهم -وهو زيد- بالشفعة قبل موته: أن الحق -وهو الشفعة- قد تقرر وثبت؛ يؤيده: أنها لا تسقط بتأخير الأخذ بعد الطلب، وقبله تسقط، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حق الورثة؛ إذ صار النصيب الذي باعه عمرو من أملاك زيد بعد طلبه للشفعة قبل موته.
[ ٣ / ٥٦٦ ]
دفع كل الثمن إضرارًا بالمشتري والضرر لا يزال بالضرر (^٣٢)، وإن أحضر رهنًا، أو كفيلًا: لم يلزم المشتري، قبوله، وكذا: لا يلزمه قبول عوض عن الثمن، وللمشتري حبسه على ثمنه، قاله في "الترغيب" وغيره؛ لأن الشفعة قهر، والبيع عن رضا، ويُمهل إن تعذَّر في الحال ثلاثة أيام (^٣٣)، (و) الثمن (المؤجَّل يأخذ) الشفيع (المليء به)؛ لأن
(^٣٢) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية أرض، فباع عمرو نصيبه على بكر بألف: وأخذ الشفيع -وهو زيد- هذا النصيب من بكر بالشفعة: فيجب على زيد أن يأخذ ذلك النصيب والشقص بجميع الثمن الذي استقرّ عليه العقد بين عمرو وبكر وقت بيعه وهو الألف، فإن عجز الشفيع -وهو زيد- عن ذلك الثمن كله، أو بعضه: فإن الشفعة تسقط؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن المشتري أخذ الشقص من بكر بالثمن فكذلك الشفيع مثله يأخذه به، والجامع: أن كلًّا منهما إنما استحقّ الشقص بالبيع، والبيع لا بد فيه من ثمن، الثانية: المصلحة: حيث إن الشفيع لو أخذ الشقص المباع على بكر بدون دفع كل الثمن، أو بعضه: لتضرر المشتري، فيكون دفع ضرر بإثبات ضرر آخر؛ إذ يدفع الشفيع الضرر عن نفسه بإلحاق الضرر على المشتري؛ لأن المشتري يتضرر بتأخير الثمن أو بعضه عنه، والضرر لا يُزال بضرر مثله كما سبق، فدفعًا لذلك: قلنا بسقوط الشفعة إن لم يدفعه كله.
(^٣٣) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية أرض، فباع عمرو نصيبه على بكر بثمن نقدًا، وأخذ الشفيع -وهو زيد- هذا النصيب من بكر بالشفعة: فيجب عليه أن يأخذه بالثمن الذي دفعه بكر لعمرو نقدًا ولو أحضر الشفيع -هو زيد- عوض عن الثمن -كأن أعطى زيد بكرًا غرسًا عن نصيبه-، أو أحضر رهنًا، أو كفيلًا، أو ضمينًا، أو غير ذلك مما ليس بثمن: فلا يلزم المشتري -وهو بكر- قبول ذلك، بل يحبس ذلك الشقص والنصيب -الذي اشتراه من عمرو- على ثمنه، فإن أتاه بثمنه أسلمه إياه، وإن تعذَّر على الشفيع إحضار ثمنه في الحال: فإنه يُمهل ثلاثة أيام: فإن أحضره بعدها وإلا سقطت الشفعة؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة: =
[ ٣ / ٥٦٧ ]
الشفيع يستحق الأخذ بقدر الثمن، وصفته، والتأجيل من صفته (وضده) أي: ضد المليء، وهو: المعسر يأخذه إذا كان الثمن مؤجلًا (بكفيل ملئ)؛ دفعًا للضرر، وإن لم يعلم الشفيع حتى حلَّ: فهو كالحال (^٣٤) (ويُقبل في الخلف) في قدر الثمن (مع عدم
حيث إن عوض الثمن، أو الرهن، أو الكفيل، أو الضمين فيه ضرر على المشتري بسبب تأخير الثمن عليه، فدفعًا لذلك: تسقط الشفعة إن لم يدفع نفس الثمن للمشتري، الثانية: التلازم؛ حيث إن كون الثلاثة أقل الجمع، وحُدِّد بها كثير من الأحكام كاستتابة المرتد ثلاثًا، وكفارة اليمين بصيام ثلاثة أيام، وصوم المتمتع إذا لم يجد هديًا بثلاثة أيام في الحج ونحو ذلك كما سبق: يلزم منه تحديد المهلة للشفيع بهذه الأيام الثلاثة، فإن قلتَ: لِمَ يُحبس المشتري ذلك الشقص حتى يُحضر الشفيع الثمن نفسه؛ بخلاف البيع؟ قلتُ: لوجود الفرق بين الشفعة، والبيع، حيث إن الشفعة تكون قهرًا، أي: من غير رضى المشتري للشقص -وهو بكر- أما البيع: فإنه يكون عن رضاه.
(^٣٤) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية، أرض، فباع عمرو نصيبه على بكر بثمن مؤجَّل إلى سنة، وأخذ الشفيع -وهو زيد- هذا النصيب بالشفعة: فإنه يأخذه بالأجل إن كان هذا الشفيع مليئًا، أما إن كان هذا الشفيع معسرًا فلا يأخذه إلّا إذا كفله مليء إلى نهاية مدة التأخير، وهي: سنة، أما إن لم يعلم الشفيع ببيع عمرو على بكر إلّا بعد السنة -وهو حلول الثمن-: فلا يأخذه إلّا بنقد الثمن كالحال؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن الشفيع تابع للمشتري في قدر الثمن وصفته، والتأجيل من صفته، فيلزم أن يدخل كما دخل المشتري، أي: لا يلزمه إلّا ما لزم المشتري من قدر الثمن، وجنسه، وصفته، الثانية: المصلحة؛ وهي من وجهين: أولهما: أن الشفيع لو أخذ ما اشتراه بكر بثمن حال: لزاد عليه؛ لكون المشتري أخذه مؤجلًا، والشفيع أخذه حالًا فاختلفا، وهذا مخالف لشرط الشفعة، وهو: أخذ الشفيع الشقص بمثل ما أخذه به المشتري تمامًا، فدفعًا =
[ ٣ / ٥٦٨ ]
البيّنة) لواحد منهما (قول المشتري) مع يمينه؛ لأنه العاقد، فهو أعلم بالثمن، والشفيع ليس بغارم؛ لأنه لا شيء عليه، وإنما يريد تملُّك الشقص بثمنه، بخلاف الغاصب ونحوه (^٣٥) (فإن قال) المشتري: (اشتريته بألف: أخذ الشفيع به) أي: بالألف (ولو أثبت البائع) أن البيع بـ (أكثر) من الألف؛ مؤاخذة للمشتري بإقراره، فإن قال: غلطت؛ أو كذبت؛ أو نسيت لم يقبل؛ لأنه رجوع عن إقراره (^٣٦) ومن
للضرر عن الشفيع: شرع أنه يلزمه ما لزم المشتري، ثانيهما: أنه اشترط أن يكون الكفيل للشفيع مليئًا لدفع الضرر عن المشتري؛ إذ لو كان الكفيل معسرًا كالشفيع: لتأخّر حق المشتري، فدفعًا لذلك، اشترط ذلك.
(^٣٥) مسألة إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية أرض، فباع عمرو نصيبه على بكر، وأخذ الشفيع -وهو زيد- هذا النصيب والشقص الذي اشتراه بكر بالشفعة، ولكن اختلف الشفيع -وهو زيد- مع المشتري -وهو بكر- في قدر الثمن، فقال المشتري -وهو بكر-: "اشتريته بألف"، وقال الشفيع -وهو زيد-: "اشتريته بتسعمائة"، ولا توجد بيّنة لأي واحد منهما: فيُقبل قول المشتري -وهو بكر-؛ للتلازم؛ وهو على وجهين: أولهما: أنه يلزم من كون المشتري هو العاقد مع عمرو: أن يكون هو أعلم بالثمن، لحضوره وغياب الشفيع -وهو زيد- ثانيهما: أنه يلزم من كون الشقص والنصيب ملكًا للمشتري قبل طلب الشفيع للشفعة: أن لا يُنزع عنه بالدعوى بغير دليل إلّا بالثمن الذي أقرّ به، فإن قلتَ: إنه يُقبل هنا قول الشفيع -وهو زيد-؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الغاصب يُقبل قوله في قدر ما غصبه فكذلك الشفيع مثله، والجامع: أن كلًّا منهما غارم ومنكر للزيادة قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الشفيع ليس بغارم؛ لأنه لا شيء عليه، وإنما يريد تملُّك الشقص والنصيب المباع بثمنه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم" فلم نأخذ بالقياس؛ لفساده كما سبق.
(^٣٦) مسألة: إذا أقرّ المشتري -وهو بكر في مسألة (٣٥) - بأنه اشتراه بألف: فإن =
[ ٣ / ٥٦٩ ]
ادّعى على إنسان شفعة في شقص فقال: "ليس لك ملك في شركتي": فعلى الشفيع إقامة البيّنة بالشركة، ولا يكفي مجرَّد وضع اليد (^٣٧) (وإن أقرَّ البائع بالبيع) في
الشفيع -وهو زيد- يأخذ بذلك ويُعطيه الألف فقط: سواء وافقه البائع -وهو عمرو- على هذا القدر، أو أثبت البائع: أن بكرًا قد اشترى منه ذلك النصيب والشقص بأكثر من الألف، وسواء تراجع المشتري -وهو بكر- عن ما أقرَّ به وقال: "غلطتُ" أو "كذبتُ" أو "نسيتُ" بلا بيّنة أو لم يتراجع: فإنه -أي المشتري وهو بكر- لا يستحق إلا ذلك الألف؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من إقرار المشتري بأنه اشترى الشقص بألف: إلزامه به؛ لأن الإقرار سيد الشهود، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن بكرًا لو أقرّ بدين لزيد عنده، ثم رجع عن هذا الإقرار: فإنه لا يُقبل، فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما رجوع عن إقرار تعلق به حق آدمي غيره، متهم في هذا الرجوع. (فرع): إذا أثبت المشتري بيّنة ودليلًا على أنه نسي، أو كذب، أو غلط في الثمن الذي اشترى الشقص به: فإنه يُقبل قوله، وتراجعه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العالم إذا تراجع عن رأيه: فإنه يؤخذ برأيه الأخير، ويترك الأول، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن الغلط والسهو والغفلة والنسيان تعرض لكل إنسان.
(^٣٧) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية دار، فباع عمرو نصيبه وشقصه على بكر، فأراد زيد أن يأخذ ذلك النصيب والشقص بالشفعة، فأنكر عمرو أن زيدًا له معه شراكة قائلًا: "ليس لك ملك في شركتي" أي: لا تملك شيئًا في الدار تلك: فيجب على الشفيع -وهو زيد- أن يثبت بيِّنة ودليلًا على أنه شريك لعمرو في تلك الدار، ولا يكفي مجرّد وضع اليد على بعض الدار، فإن لم يثبت ذلك: فلا شفعة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو ادَّعى أن هذا الولد من تلك الأمة هو ولده، فلا بدَّ من إثبات ذلك بالبيّنة، فكذلك الشفعة لا تثبت إلا بإثبات الشراكة أولًا، والجامع: أن الملك لا يثبت بمجرّد وضع اليد، فإذا لم تثبت الشركة لم تجز =
[ ٣ / ٥٧٠ ]
الشقص المشفوع (وأنكر المشتري) شراءه: وجبت الشفعة؛ لأن البائع أقرَّ بحقين: حق للشفيع وحق للمشتري، فإذا اسقط حق المشتري بإنكاره: ثبت حق الآخر فيقبض الشفيع من البائع، ويسلم إليه الثمن، ويكون درك الشفيع على البائع، وليس له ولا للشفيع محاكمة المشتري (^٣٨) (وعهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع) في غير الصورة الأخيرة، فإذا ظهر الشقص مستحقًا، أو معيبًا: رجع الشفيع على المشتري بالثمن أو بأرش العيب، ثم يرجع المشتري على البائع (^٣٩)،
الشفعة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع الناس من أن يدَّعوا حقوق الآخرين بدون إثبات ذلك.
(^٣٨) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية دار، فباع عمرو نصيبه منها على بكر، فأراد زيد أن يأخذ ذلك النصيب والشقص بالشفعة، وأقرّ البائع -وهو عمرو- بأنه قد باع نصيبه وشقصه على بكر فللشفيع -وهو زيد- أن يشفع، فيقبض الشفيع -وهو زيد- من البائع -وهو عمرو- ذلك النصيب والشقص ويُسلِّمه ثمنه وتكون المعاملة تلك بينه وبين البائع، ولا دخل لبكر بالبائع ولا بالشفيع، ولا يُحاكمانه؛ القاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: لو أقرّ عمرو بأن هذه الدار لزيد وبكر معًا فأنكر بكر أنه يملك دارًا مع زيد، فإنها تكون لزيد وحده فكذلك الحال هنا؛ حيث أقرّ البائع بحقين: "حق للشفيع" و"حق للمشتري" فأنكر المشتري حقه: فيثبت حق الشفيع، والجامع: الإثبات من جهة، والإنكار من جهة أخرى، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من اعتراف البائع بالبيع: أن يُسلِّمه الشفيع الثمن، ويقبض منه نصيبه وشقصه، ويلزم من حصول مقصود البائع، وهو الحصول على الثمن من الشفيع، وحصول مقصود الشفيع، وهو الحصول على الشقص وأخذه بدون محاكمة: عدم الحاجة إلى المشتري المنكر للشراء -وهو بكر-، وهذا هو المقصد منه.
(^٣٩) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية أرض، فباع عمرو نصيبه منها على بكر، =
[ ٣ / ٥٧١ ]
فإن أبى المشتري قبض المبيع: أجبره الحاكم (^٤٠)، ولا شفعة في بيع خيار قبل انقضائه (^٤١)، ولا في أرض السواد ومصر، والشام؛ لأن عمر وقفها إلا أن يحكم
وأخذ الشفيع ذلك النصيب والشقص بالشفعة، فظهر أن ذلك الشقص مستحق لغيره: فإن الشفيع يرجع ويأخذ ما دفعه من الثمن من المشتري -وهو بكر-، ويرجع المشتري -وهو بكر- ويأخذ ما دفعه من ثمن ذلك الشقص من البائع -وهو عمرو-، وكذا: إن وجد الشفيع ذلك الشقص معيبًا: فله ردُّه على المشتري -وهو بكر-، أو يأخذ أرش عيبه منه، والمشتري -وهو بكر- له ردُّه على البائع -وهو عمرو- أو يأخذ أرش عيبه منه؛ للتلازم؛ حيث إن الشفعة تكون مستحقة بعد تمام بيع البائع -وهو عمرو- على المشتري -وهو بكر- وحصول الملك له، ثم يزول الملك من المشتري إلى الشفيع بسبب الشفعة بنفس الثمن، فيلزم من ذلك أن تكون العهدة والتعامل مباشرة بين الشفيع والمشتري، وكذلك لما كانت المعاملة في البيع بين البائع والمشتري -في شراء الشقص- يلزم أن تكون العهدة والتعامل بين المشتري والبائع مباشرة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه بيان أن التعامل إيجابًا وسلبًا مع من تعامل معك في جميع المعاملات.
(^٤٠) مسألة: إذا أبى وامتنع المشتري -وهو بكر في مسألة (٣٩) - قبض المبيع -وهو الشقص الذي اشتراه من البائع وهو عمرو- ليُسلِّمه؛ خوفًا من تلك العهدة -المذكورة في مسألة (٣٩) -: فإن الحاكم والقاضي يجبره على أخذه؛ أي: يُجبر بكرًا على أخذ المبيع وهو الشقص من عمرو؛ ليُسلِّمه للشفيع -وهو زيد-، وليس للشفيع أخذه من البائع -وهو عمرو-؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الشفيع يشتري الشقص من المشتري: أن لا يأخذه إلا منه، فيُلزمه القاضي والحاكم بذلك، لكونه هو صاحب الأمر الإلزامي، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الشفيع من أن يُؤخذ ويؤكل بالحيل.
(^٤١) مسألة: إذا اشترك زيد وعمرو في ملكية دار، وباع عمرو نصيبه وشقصه على بكر =
[ ٣ / ٥٧٢ ]
ببيعها حاكم، أو يفعله الإمام أو نائبه؛ لأنه مختلف فيه، وحكم الحاكم ينفذ فيه (^٤٢)
واشترط عمرو الخيار مدَّة ثلاثة أيام، فلا يحق لزيد أن يطالب بالشفعة في مدة الخيار تلك؛ للمصلحة: حيث إن الشفيع يُسقط بالشفعة حق البائع من الخيار، وقد يلزم المشتري بالعقد بغير رضاه، فدفعًا لتلك المفسدة على الطرفين: لم تجز المطالبة بالشفعة.
(^٤٢) مسألة: تجوز الشفعة في جميع العقارات -من دور وأراضي- سواء كانت مفتوحة عنوة أو صلحًا، قسم على الغانمين أو لا، إذا كانت تباع وتشترى بإذن من الحاكم، أو نائبه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من صحة بيعها وشرائها: صحة الشفعة فيها؛ لأن الشفعة فرع عن الشراء والبيع، فإن قلتَ: لا تصح الشفعة مما لم يقسم بين الغانمين كأرض السواد من العراق، ومصر، والشام إلا أن يحكم الحاكم بيعها، أو يفعل ذلك الحاكم أو نائبه، فتصحّ الشفعة فيه، نظرًا لإذن الحاكم، أو فعله وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: هذا القول يصلح أن يُعمل به في عصر الصحابة أو تابعيهم، أما فيما بعد ذلك من العصور فلا يصلح له ذلك؛ إذ مات الموقوف عليهم -من قبل عمر ﵁، وأذن الحكام بامتلاكها والبيع والشراء فيها، والشفعة مبنية على الشراء فيها والبيع، وهذا قد سبق ذكره في كتاب الجهاد، وإذا كان الأمر كذلك فلا خلاف، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في جواز بيع ما لم يقسم بين الغانمين" فمن قال: يجوز بيعها وهو الصحيح: قال بجواز الشفعة ومن قال: بعدم جواز بيعها قال: بعدم جواز الشفعة فيها.
هذه آخر مسائل باب "الشفعة" ويليه باب "الوديعة"
[ ٣ / ٥٧٣ ]