هو لغة: قطع المنازعة، وشرعًا: معاقدة يُتوصَّل بها إلى إصلاح بين متخاصمين (^١) والصلح في الأموال قسمان: على إقرار، وهو المشار إليه بقوله: (إذا
باب الصلح
وفيه ست وأربعون مسألة:
(^١) مسألة: الصلح لغة: التوفيق بين خصمين، لقطع المنازعة بينهما، وإعلان السلم بينهما فيكون قطع المنازعة والسلم: ثمرة للتوفيق، واصطلاحًا: هو: "معاقدة بين اثنين، أو طائفتين يُتوصَّل بسببها إلى إصلاح بينهما؛ لقطع النزاع الواقع بسبب الأموال" فإن قلتَ: لِمَ خُصِّص ذلك بالأموال؟ قلتُ: لأن العلماء أجمعوا على جواز الصلح في خمسة أنواع: أولها: الصلح بين المسلمين والكفار - وقد سبق في باب الجهاد - ثانيها: الصلح بين أهل عدل وبغي - وسيأتي في باب: قتال أهل البغي -، ثالثها: الصلح بين زوجين خيف انفصالهما - وسيأتي في باب عشرة النساء - رابعها: الصلح بين متخاصمين في غير الأموال وهو متفرق في عدة أبواب ستأتي، خامسها: الصلح بينهما في الأموال، وهو هذا الباب الذي نحن فيه (فرع): الصلح العادل مستحب بالإجماع، ومستنده قواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾ وقال: ﴿والصلح خير﴾ حيث وصف الصلح في الآيتين بأنه خير، وكل خير مأمور به، وقال: ﴿فأصلحوا بينهما﴾ فأوجب الإصلاح بين كل طائفتين؛ لأن الأمر مطلق فيقتضي الوجوب، والوجوب مستلزم للجواز، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "الصلح بين المسلمين جائز إلا صلحًا حرم حلالًا، أو أحلَّ حرامًا" وهو عام، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن "الصلح" اسم جنس عرف بأل =
[ ٣ / ٢٦١ ]
أقرَّ له بدين أو عين فأسقط) عنه من الدين بعضه (أو وهب) من العين (البعض وترك الباقي) أي: لم يُبرئ منه ولم يهبه: (صح)؛ لأن الإنسان لا يُمنع من إسقاط بعض حقه كما لا يُمنع من استيفائه؛ لأنه ﷺ: "كلَّم غرماء جابر؛ ليضعوا عنه" (^٢) ومحل صحة ذلك إن لم يكن بلفظ الصلح، فإن وقع بلفظه: لم يصح؛ لأنه صالح عن بعض
وهو من صيغ العموم، وقد بين اشتراط العدالة في الصلح في قوله: "إلا صلحًا حرَّم حلالًا .. " فهذا ليس بجائز؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث قال عمر: "ردُّوا الخصوم حتى يصطلحوا" فأمر بالصلح بين الخصوم إن كان للصلح وجه فإن قلتَ: لِمَ شُرع الصلح؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يتسبَّب في اجتماع المسلمين، وتآلف قلوبهم، ولذلك حسن الكذب لأجل الصلح، وللمصلح من الأجر أعظم من أجر الصائم القائم تطوعًا.
(^٢) مسألة: إذا كان زيد يُطالب بكرًا بعشرة آلاف ريال، وأقرَّ بكر بذلك، أو كان زيد يُطالب بكرًا بعين كعشرة ثياب، وأقرَّ بكر بهذه العين، فأسقط المقرُّ له - وهو زيد - من الدَّين بعضه كألف، أو أسقط من العين بعضه كثوب مثلًا أو وهب الألف والثوب للمقرِّ - وهو بكر -، وترك التسعة الآلاف، والتسعة ثياب بدون إسقاط، أو هبة، أو إبراء: فإن هذا يصح، ويكون زيد مطالبًا لبكر بتسعة آلاف، وتسعة ثياب؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﵇ "قد كلَّم غرماء جابر بن عبد الله ليضعوا عنه" و"قد أشار ﵇ على غرماء الذي أصيب في حديقته بأن يضعوا عنه النصف، فأخذوه منه" وهذا لأجل الصلح ونبذ التنازع، ودفع المشقة، فلو لم يكن ذلك الإسقاط جائزًا لما أشار به ﵇. الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز للمسلم أن يستوفي حقه كاملًا بدون منع من أحد، فكذلك يجوز له إسقاط بعض حقه والجامع: أن كلًّا منهما له كامل التصرّف فيما يملكه تنبيه: لا يصح الإسقاط إلا بأربعة شروط ستأتي.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
ماله ببعض: فهو هضم للحق (^٣)، ومحلُّه أيضًا (إن لم يكن شرطاه) بأن يقول: "بشرط: أن تعطيني كذا" أو "على أن تعطيني أو تعوضني كذا" ويقبل على ذلك، فلا يصح؛ لأنه يفضي إلى المعاوضة، فكأنه عاوض عن بعض حقه ببعض، واسم "يكن" ضمير الشأن، وفي بعض النسخ: "إن لم يكن شرطًا" أي: بشرط (^٤) ومحلُّه أيضًا: أن
(^٣) مسألة: في الأول - من شروط صحة الإسقاط -: وهو: أن يكون بلفظ الهبة أو الإبراء أو الإسقاط، دون التلفُّظ بلفظ "الصلح"، فإن كان بلفظ "الصلح" فلا يصحّ الإسقاط؛ للتلازم؛ حيث إن لفظ "الإسقاط" أو "الهبة" أو "الإبراء" لا يقتضي معاوضة والصلح يقتضي معاوضة، فلو سمَّاه صلحًا مع أنه تنازل عن بعض ماله بدون معاوضة: لكان هذا ظلم وغصب وهضم لحقه، فيلزم ابتعادًا عن ذلك: أن يتلفظ بالإسقاط، أو الهبة أو الإبراء، فإن قلتَ: إذا لم يتلفظ بلفظ "الصلح" خرج عن كونه من باب الصلح قلتُ: لا يخرج، بل هو صلح في المعنى والمقصود؛ إذ المقصود من ذلك كله هو: قطع المنازعة، وهذا يحصل بغير لفظ الصلح، وسمَّى كثير من العلماء ذلك صلحًا ولا مانع من ذلك؛ لأن الخلاف في اللفظ فقط.
(^٤) مسألة: في الثاني - من شروط صحة الإسقاط - وهو: أن لا يشترط المقرُّ له - وهو زيد - على المقرِّ - وهو بكر - العوض من أجل ذلك الإسقاط كأن يقول زيد لبكر: "سأسقط عنك ألفًا من عشرة آلاف، وتعوضني أو تعطيني هذا الثوب": فإن اشترط ذلك وقبل الآخر: فلا يصح هذا الإسقاط، أو الإبراء، أو الهبة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط العوض التناقض مع مقتضى الإسقاط، أو الإبراء، أو الهبة؛ لأنها تكون بدون عِوَض تنبيه: الصحيح في عبارة المتن: "إن لم يكن شرطًا" وقد ورد في بعض نسخه كذلك؛ لأن المراد: إن لم يكن المسقط، أو الواهب، أو المبرئ قد شرط ذلك الشرط.
[ ٣ / ٢٦٣ ]
لا يمنعه حقه بدونه، وإلا بطل؛ لأنه أكل لمال الغير بالباطل (^٥) (و) محلُّه أيضًا: أن لا يكون (ممن لا يصلح تبرُّعه) كمكاتب، وناظر وقف، وولي صغير ومجنون؛ لأنه تبرُّع، وهؤلاء لا يملكونه (^٦)، إلا إن أنكر من عليه الحق ولا بيّنة؛ لأن استيفاء البعض عند العجز عن استيفاء الكل أولى من تركه (^٧) (وإن وضع) رب الدَّين (بعض)
(^٥) مسألة: في الثالث - من شروط صحة الإسقاط - وهو: أن لا يمنع المقرُّ - وهو بكر - حقَّ المقرِّ له - وهو زيد - بدون هذا الإسقاط، أو الإبراء، أو الهبة، فإن منعه حقَّه بأن قال بكر لزيد: "لن أعطيك حقَّك إلّا بعد أن تسقط عني بعض الدَّين" فأسقط زيد عنه ذلك البعض لذلك: فإنه لا يصح؛ للتلازم؛ حيث إن منع بكر حق زيد بدون الإسقاط يلزم منه أكل لمال الغير بالباطل، وهذا محرَّم.
(^٦) مسألة: في الرابع - من شروط صحة الإسقاط - وهو: أن يكون المسقط، والواهب والمبرئ ممن يصحّ تبرُّعه، وهو الحر المكلَّف صحيح الملك، أما إذا لم يصح تبرُّعه كالعبد، والمكاتب - قبل أن يُسدِّد ما عليه لسيده - وولي الصغير والمجنون، والسفيه وناظر الوقف: فإنه لا يصح أن يسقط أو يُبرئ، أو يُوهب شيئًا للغير؛ للتلازم؛ حيث إن الإسقاط يصح ممّن يملك ما يُسقط منه، تمام الملك، ويستطيع التبرّع منه: فيلزم أن هؤلاء لا يصح منهم الإسقاط أو التبرُّع مما تحت ولا يتّهم من أموال؛ لكونهم لا يملكونه.
(^٧) مسألة: إذا كان زيد وليًا على صبي، وكان بكر عنده لهذا الصبي ألفا ريال مثلًا، وطالبه بهما زيد؛ بناء على أنه ولي على الصبي، وأنكر بكر هذا المبلغ، ولا تُوجد بيّنة عند الصبي ووليه: فيجوز للولي وهو زيد - أن يُسقط بعض هذا المال عن بكر؛ لأجل أن يدفع باقيه لزيد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إنكار بكر لكل المبلغ: جواز إسقاط زيد لبعضه لأجل أن يدفع الباقي؛ لأن أخذ البعض من الحق والمال أولى من تركه كله؛ حيث إن الذي لا يدرك كله لا يُترك كله، وهو من باب "تعارض المفسدتين.
[ ٣ / ٢٦٤ ]
الدَّين (الحال وأجَّل باقيه: صح الإسقاط فقط)؛ لأنه أسقط عن طيب نفسه، ولا مانع من صحته، ولم يصح التأجيل؛ لأن الحالَّ لا يتأجَّل (^٨)، وكذا: لو صالحه عن مائة صحاح بخمسين مكسَّرة: فهو إبراء من الخمسين، ووعد في الأخرى ما لم يقع بلفظ "الصلح" فلا يصح كما تقدم (^٩) (وإن صالح عن المؤجَّل ببعضه حالًا): لم يصح
(^٨) مسألة: إذا أسقط المقرُّ له - وهو زيد - بعض الدّين الذي حلَّ الذي له على المقر - وهو بكر - كأن يكون له على بكر عشرة آلاف، فأسقط عنه ألفين، وأجَّل الباقي - وهو: ثمانية آلاف -: فإنه يصحّ الإسقاط والتأجيل معًا - وهو قول بعض العلماء كابن تيمية وابن القيم وغيرهما -؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز لصاحب الدَّين أن يُسقط دينه كله عن المدين، فكذلك يصح له أن يسقط بعضه وكما يجوز له أن يُؤجِّل قبض القرض والعارية، فكذلك يجوز تأجيل الدَّين بدون زيادة أو فائدة ترجع إلى المؤجِّل والجامع: أن كلًّا منهما أسقط حقه بطيب نفس منه وبدون فائدة أو زيادة، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الإسقاط والتأجيل فيه تنفيس على المؤجَّل له، والمسقَط عنه مع عدم وجود مفسدة فإن قلتَ: إنه يصح الإسقاط، دون التأجيل هنا - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الدَّين حالًّا: عدم تأجيله قلتُ: بل يتأجل الدَّين الحال؛ لكون تعجيله وتأجيله من حق رب الدَّين: فإن أجَّله فقد أسقط حقه برضاه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "الخلاف في تأجيل الدَّين الحال هل هو من حق صاحب الدَّين وربه أو لا؟ " فعندنا: أنه من حقِّه، وعندهم: أنه ليس من حقِّه.
(^٩) مسألة: إذا صالح صاحب الدَّين المدين عن مائة دينار صحيحة بخمسين مكسَّرة ووعد في الخمسين الأخرى: فيصحّ الإبراء في الخمسين، دون أن يجعل الخمسين الأخرى مكسَّرة بشرط: أن لا يقع هذا بلفظ "الصلح"، فإن وقع بلفظه: فلا يصح ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن كونه وقع بطريقة الوعد: لا يلزم الوفاء به ويلزم =
[ ٣ / ٢٦٥ ]
في غير الكتابة؛ لأنه يبذل القدر الذي يحطُّه عوضًا عن تعجيل ما في ذمَّته. وبيع الحلول والتأجيل لا يجوز (أو بالعكس): بأن صالح عن الحال ببعضه مُؤجَّلًا: لم يصح إن كان بلفظ "الصلح" كما تقدَّم، فإن كان بلفظ "الإبراء" ونحوه: صح الإسقاط دون التأجيل وتقدَّم (^١٠)، (أو أقرَّ له ببيت) ادَّعاه (فصالحه على سكناه) ولو
من اقتضاء صيغة الصلح: المعاوضة: عدم جواز وقوع ذلك الإسقاط بلفظ الصلح؛ لكون الإسقاط لا يقتضي المعاوضة، وكونه قبل مكسَّرة عن صحاح هو: إسقاط.
(^١٠) مسألة: إذا كان زيد يُطالب بكرًا بدين قدره ألفا ريال مؤجَّلة إلى سنة، وقبل مضي السنة قال زيد لبكر: "أعطني ألفًا الآن نقدًا، وأسقط عنك الباقي صلحًا" فإن هذا يصح: سواء كان كاتبًا أو لا؛ لقول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس قال في ذلك "لا بأس به" فإن قلتَ: لِمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المسقط وهو زيد ينتفع بذلك المعجَّل، وبكر ينتفع بذلك المسقط، في حين عدم وجود أي نوع من أنواع الربا، تنبيه: يصح عكس المسألة السابقة: بأن صالح عن الدَّين الحال ببعضه مؤجَّلًا كأن يُسقط بعض الحال ويُؤجِّل باقيه بدون عوض وقد سبق بيانه في مسألة (٨) فإن قلتَ: لا يصح ما جاء في المسألة وعكسها، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز إعطاؤه عشرة حالَّة بعشرين مؤجَّلة فكذلك لا يجوز الصلح عن المؤجل ببعضه حالًا، والجامع: أنه في كل منهما يبذل القدر الذي يحطُّه ليكون عوضًا عن تعجيل ما في ذمته وهذا فيه نوع ربا، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث لا توجد صورة الربا؛ بل هذا عكسه؛ حيث إن الربا يتضمَّن الزيادة في أحد العِوَضين في مقابلة الأجل، وهذا يتضمَّن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل، فحصل النفع للطرفين كما بينتُ سابقًا، أما عكس المسألة فتصح، وقد أجبت عن دليل المخالفين وهو التلازم في مسألة (٨) (فرع): يصح الصلح إذا عجَّل المكاتب بعض الثمن، وأسقط عنه سيده =
[ ٣ / ٢٦٦ ]
مدَّة معيّنة كسنة (أو) على أن (يبني له فوقه غرفة) أو صالحه على بعضه: لم يصح الصلح؛ لأنه صالحه عن ملكه على ملكه، أو منفعته، وإن فعل ذلك: كان تبرُّعًا، متى شاء: أخرجه وإن فعله على سبيل المصالحة معتقدًا وجوبه عليه بالصلح: رجع عليه بأجرة ما سكن وأخذ ما كان بيده من الدار؛ لأنه أخذه بعقد فاسد (^١١) (أو صالح مُكلَّفًا؛ ليُقر له بالعبودية): أي: بأنه مملوكه: لم يصح (أو) صالح (امرأة لتقرّ له بالزوجية بعوض: لم يصح) الصلح؛ لأن ذلك صلح يُحلُّ حرامًا؛ لأن إرفاق النفس،
الباقي، هذا عند المخالفين؛ للتلازم؛ حيث إن المسقط هو سيده فتلزم صحته؛ لأنه ليس بين المكاتب وسيده ربا، أما عندنا فيصحّ: سواء كان مكاتبًا أو لا كما تقدَّم.
(^١١) مسألة: إذا أقرَّ زيد بأن هذا البيت لبكر، فصالح المقرُّ له - وهو بكر - على أن يسكنه المقرّ مدة مُعيَّنة كسنة، أو غير معيّنة، أو على أن يبني له فوق البيت غرفة، أو على أن يأخذ بعض البيت برضى كامل: فإن هذا الصلح يصح؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يصح أن يهب صاحب الدار نصف داره لغيره، أو أن يُبرأه من نصف دينه برضاه فكذلك يصح أن يُصالحه على ما ذكرناه، والجامع: الرضى بترك بعض حقه في حين عدم وجود محذور، فإن قلتَ: لا يصح الصلح - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ وإن فعل ذلك: فإنه لا يكون صلحًا، بل تبرع من بكر فيه معنى المصالحة قد اعتقد وجوب ذلك بالصلح، ولبكر الرجوع إلى زيد وأخذ منه أجرة المدة التي سكن البيت فيها، وأخذ الغرفة؛ للتلازم؛ حيث إن كونه قد صالحه عن ملكه على ملكه أو منفعته يلزم منه بأنه أخذه بعقد فاسد والعقد الفاسد يترتّب عليه الصلح الفاسد قلتُ: هذا لا يلزم؛ لأن صاحب الدار وهو المقرّ له وهو بكر - قد صالح المقرَّ - وهو المدَّعى عليه - بتمام رضاه من غير أن يترتَّب على ذلك محذور شرعي، أما إن كان صاحب الدار - وهو بكر - مُكرهًا على ذلك فإنه لا يصح هذا الصلح؛ لكونه قد تمّ بدون رضى، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض التلازم مع القياس".
[ ٣ / ٢٦٧ ]
وبذل المرأة نفسها بعِوَض لا يجوز (^١٢) (وإن بذلاهما) أي: دفع المدَّعى عليه العبودية، والمرأة المدعى عليها الزوجية عوَضًا (له) أي: للمدعي (صلحًا عن دعواه: صح)؛ لأنه يجوز أن يعتق عبده، ويفارق امرأته بعوض، ومن علم بكذب دعواه: لم يبح له أخذ العِوَض؛ لأنه أكل لمال الغير بالباطل (^١٣) (وإن قال: أقرّ لي بديني وأعطيك منه كذا، ففعل) أي: فأقرَّ بالدَّين: (صح الإقرار)؛ لأنه أقر بحق يحرم عليه إنكاره، و
(^١٢) مسألة: لا يجوز الصلح على شيء لا يجوز أخذ العِوَض عنه: كأن يدَّعي زيد أن بكرًا هذا عبده، فينكر بكر ذلك، فيُصالحه زيد على مال ليُقرَّ له بالعبودية، أو يدَّعي زيد أن تلك المرأة زوجته فتنكر ذلك، فيُصالحها زيد على مال لتقرُّ له بالزوجية، فهذا كله لا يصح؛ للتلازم؛ حيث إن إقرار الحرّ بأنه عبد، أو إقرار المرأة بأنها زوجة ببدل مال يُتفق عليه يلزم منه تحليل الحرام؛ لأن إرقاق الحرّ نفسه حرام، وبذل المرأة نفسها ببدل أو غير بدل حرام، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه حماية لحقوق الناس.
(^١٣) مسألة: إذا ادَّعى زيد بأن بكرًا هذا عبد له، أو ادَّعى بأن هذه المرأة زوجته فبذل بكر مالًا ليدفع عن نفسه دعوى زيد عن طريق الصلح ويُكفّ عنه وبذلت تلك المرأة لتدفع عنها دعوى زيد عن طريق الصلح، ويكفّ عنها: فإنه يجوز ذلك؛ للقياس؛ بيانه كما أنه يجوز للرجل أن يُعتق عبده، ويفارق زوجته بعوض، فكذلك يجوز ما نحن فيه، بل هذا أولى، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه دفاع عن النفس (فرع): إذا علم زيد بأنه كاذب في دعواه: أن بكرًا عبد له أو أن دعواه أن فلانة زوجته بعد أخذ العوض منهما لما نفيا ذلك عن نفسيهما: فإن هذا العِوَض يكون حرامًا عليه؛ للتلازم؛ حيث إنه أقرَّ بأنه كاذب في ذلك فيلزم أنه أخذ ذلك العِوَض بدون مقابل، فيكون قد أكل مال الغير بالباطل، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المسلم من نفسه.
[ ٣ / ٢٦٨ ]
(لا) يصح (الصلح)؛ لأنه يجب عليه الإقرار بما عليه من الحق، فلم يحلّ له أخذ العوض عليه، فإن أخذ شيئًا: ردَّه (^١٤)، وإن صالحه عن الحق بغير جنسه كما لو اعترف له بعين أو دين فعوَّضه عنه ما يجوز تعويضه: صح: فإن كان بنقد عن نقد: فصرف، وإن كان بعوض: فبيع، يُعتبر له ما يُعتبر فيه، ويصح بلفظ "صلح" وما يؤدِّي معناه، وإن كان بمنفعة كسكنى دار: فإجارة، وإن صالحت المعترفة بدين أو عين بتزويج نفسها: صح، ويكون صداقًا، وإن صالح عمّا في الذمّة بشيء في الذمّة: لم يجز التفرّق قبل القبض؛ لأنه بيع دين بدين، وإن صالح عن دين بغير جنسه: جاز مطلقًا، وبجنسه: لا يجوز بأقل أو أكثر على وجه المعاوضة (^١٥)، ويصح الصلح عن
(^١٤) مسألة: إذا قال زيد لبكر: "أقر لي بديني الذي عليك وهو ألف ريال وأعطيك منه مائة ريال" فأقرّ بكر بذلك: فإن الإقرار صحيح، ويُعمل به، فيجب على بكر أن يدفع ألف ريال لزيد، ولا يصح الصلح: فلا يُجبر زيد على إعطاء بكر المائة، فإن أخذ بكر شيئًا: فيجب عليه أن يردُّه؛ للتلازم؛ حيث إن بكرًا قد أقرَّ بشيء يحرم عليه إنكاره فيلزمه ما أقرَّ به كله، بدون عوض ويلزم من عدم العِوَض: عدم صحة الصلح؛ إذ لا يصح الصلح إلّا بعوض، ويلزم من إقرار بكر بكامل الألف: وجوب ردِّ ما أخذه؛ لبيان كذبه بسبب إقراره فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لأموال الناس من أن تؤكل بالباطل، (فرع): الصلح على الإقرار نوعان: أولهما: الصلح على إقرار الواقع على جنس الحق المقرر به، وقد سبق في المسائل السابقة، ثانيهما: الصلح على إقرار واقع على غير جنس الحق المقرّ به وسيأتي بيانه في المسألتين الآتيتين.
(^١٥) مسألة: الصلح عن الحق المقرّ به بغير جنسه: كاعترافه له بعين أو دين فعوَّضه عنه بما يجوز التعويض عنه يقع في صور أولها: أن يكون الصلح بنقد عن نقد مثل إذا أقرّ زيد لبكر بألف درهم فصالحه بكر بمائة دينار، أو العكس: فإن هذا يُعتبر معاملة بالصَّرف، يُشترط له شروط الصرف السابقة. ثانيها: أن يكون =
[ ٣ / ٢٦٩ ]
مجهول تعذَّر علمه من دين أو عين بمعلوم، فإن لم يتعذَّر علمه: فكبراءة من مجهول (^١٦). فصل: القسم الثاني: صلح على إنكار، وقد ذكره بقوله: (ومن ادِّعي عليه
الصلح بعِوَض عن ثمن، كعشرة دراهم بثوب أو صلح بعِوَض عن عِوَض كثوب بثوب، فهذا يُعتبر معاملة بالبيع يُشترط له ما يشترط للبيع؛ وهذا يصح بلفظ "صلح" أو بأي لفظ يُؤدِّي إلى معناه كلفظ "هبة" و"بيع" ونحوهما، قياسًا على سائر المعاوضات ثالثها: أن يكون الصلح عن نقد أو عِوَض مقرّ به بمنفعة كسكنى دار، أو عمل عبد عنده، فهذا يُعتبر معاملة بالإجارة يُشترط له ما يُشترط للإجارة. رابعها: إذا أقرَّت امرأة بأن هذا الألف ريال لبكر، أو أن هذا البيت له، فصالحها بكر على أن يكون ذلك صداقًا لها ويتزوجها به: صحَّ الصلح والنكاح، فيُشترط فيه ما يُشترط للنكاح، خامسها: إذا أقرّ زيد: بأن في ذمّته ألف ريال لبكر هي قرض عليه له فصالحه بكر بأن يدفع له عنها مائة صاع من البر: صحَّ ذلك بشرط: أن لا يتفرّقا قبل القبض؛ لكونه بيع دين بدين فيما إذا تفرّقا قبل القبض وهو منهي عنه وقد سبق بيانه في الربا والصرف. سادسها: إذا أقرّ زيد بأن عليه دين لبكر - غير دين سَلَم - فصالحه على أن يأخذ منه شيئًا غير جنس الدَّين كثياب بعشرة ريالات: فإن هذا يجوز: سواء كان المأخوذ أقلّ من الدَّين، أو أكثر، أو مساويًا بشرط: أن يتقابضا قبل التفرّق؛ أما إن أخذ منه شيئًا من جنس الدَّين كبر ببر: فيجوز بشرط: التساوي بين المأخوذ والدَّين، وأن يكون على وجه المعاوضة، وقد سبق بيانه في الربا والصرف.
(^١٦) مسألة: إذا كان لبكر على زيد دين، أو عين، وجهلا مقدار ذلك الدين، وصفة تلك العين، وتعذَّر علم ذلك عليهما: فإنه يصح الصلح عن ذلك بشيء معلوم بأن يتراضيا على أن يدفع زيد لبكر نقودًا عن ما جهلاه، وكل واحد يُسامح الآخر فيما زاد أو نقص وكذلك فيما لم يتعذَّر علمه يصحّ الصلح عنه بشيء معلوم، ويُبرئ كل واحد صاحبه من أي نقص أو زيادة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة =
[ ٣ / ٢٧٠ ]
بعين أو دين فسكت، أو أنكر وهو يجهله) أي: يجهل ما ادُّعي به عليه (ثم صالح) عنه (بمال) حالٍّ أو مؤجَّل: (صح) الصلح؛ لعموم قوله ﵇ "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرَّم حلالًا، أو أحلَّ حرامًا" رواه أبو داود، والترمذي وقال: "حسن صحيح" وصحَّحه الحاكم (^١٧)، ومن ادُّعي عليه بوديعة أو تفريط فيها أو
القولية؛ حيث قال ﵇:- "لرجلين اختصما في مواريث درست بينهما -: "استهما وتوخيا الحق، وليُحلِّل أحدكما صاحبه" الثانية: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه قطع للنزاع، وعدم إشغال الذمة بشيء قد تراضيا على إسقاطه. (فرع): الصلح في الأموال قسمان: أولهما: صلح على إقرار، وقد سبق بيانه في المسائل السابقة، ثانيهما: صلح على إنكار أو سكوت، وسيأتي بيانه في المسائل الآتية.
(^١٧) مسألة: إذا ادَّعى زيد على بكر فقال زيد: "إن لي عندك عينًا كعبد" أو قال: "إن لي عندك دينًا كألف ريال" فأنكر بكر، أو سكت، وهو - في حال السكوت أو الإنكار - يجهل ما ادَّعاه عليه زيد من العين أو الدَّين، ثم صالح - أعني بكر - عن ذلك بمال يدفعه لزيد معجَّل أو مؤجَّل: فإن هذا الصلح صحيح؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "الصلح جائز بين المسلمين" وهو عام فيشمل ما نحن فيه وغيره؛ لأن "الصلح" اسم جنس معرَّف بأل، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لا يصح على الإنكار فلا يشمله عموم الحديث؛ للتلازم؛ حيث إنه مُتضمِّن للمعاوضة عمّا لا تصحّ المعاوضة عليه فيلزم عدم صحته؛ لكون المدَّعى عليه - وهو بكر لم يُقر بشيء فيكون مخالفًا لقواعد الشرع. قلتُ: بل يصحّ الصلح على الإنكار كما قلنا فيشمله الحديث بعمومه، وهو وقع على معاوضة وهي: أن المنكر - وهو بكر - قد افتدى نفسه من الدعوى واليمين وتكليف إقامة البيّنة، ويدفع ما يدفعه لأجل ذلك، والمدعي - وهو زيد - أخذ ما أخذه عوضًا عن حقه الذي يعتقد ثبوته، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "الخلاف في وجود عِوَض في هذا الاتفاق" فعندنا توجد معاوضة حقيقية: فصحّ الصلح، وعندهم: =
[ ٣ / ٢٧١ ]
قراض، فأنكر، وصالح على مال: فهو جائز، ذكره في "الشرح" وغيره (^١٨) (وهو) أي: صلح الإنكار (للمدَّعي بيع)؛ لأنه يعتقده عوضًا عن ماله فلزمه حكم اعتقاده (يُردُّ معيبه) أي: معيب ما أخذه من العِوَض (ويفسخ الصلح) كما لو اشترى شيئًا فوجده معيبًا (ويؤخذ منه) العِوَض إن كان شِقصًا (بشفعة)؛ لأنه بيع (^١٩)، وإن صالحه ببعض عين المدَّعى به: فهو فيه كمنكر (^٢٠) (و) الصلح (للآخر) المنكر (إبراء)؛
لا توجد معاوضة حقيقية فلم يصح.
(^١٨) مسألة: إذا ادَّعى زيد على بكر فقال له: "إن لي عندك وديعة" أو قال له: "إن لي عندك وديعة فتلفت بسبب تفريط منك" أو قال له: "إن لي عندك مالًا قد أقرضتك إيّاه" ونحو ذلك، فأنكر بكر، أو سكت، فصالح بكر عن ذلك بمال يدفعه إلى زيد معجَّل أو مؤجَّل: فإن هذا الصلح جائز؛ للسنة القولية: وهي ما ذكرناها في مسألة (١٧)، والمقصد كما سبق فيها تنبيه: نص ابن قدامة أبو الفرج على ذلك في كتابه: "الشرح الكبير".
(^١٩) مسألة: صلح الإنكار - الذي سبق في مسألتي (١٧ و١٨) - له أحكام البيع للمدَّعي - وهو زيد -: فإن وجد زيد العِوَض الذي دفعه إليه المدَّعى عليه - وهو بكر - معيبًا: فله ردُّه إليه ويفسخ الصلح، وإن وجده شقصًا يشفع فيه: فإنه يأخذ من بكر عوضه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن بكرًا لو اشترى من زيد سلعة: فإن له أحكام البيع، فكذلك يكون ذلك في صلح الإنكار كما قلنا والجامع: أنه في كل منهما يعتقد زيد أن هذا المال الذي دفعه إليه بكر عوض عن سلعته فيكون في الصلح بيعًا باعتبار اعتقاده.
(^٢٠) مسألة: إذا ادَّعى زيد على بكر فقال: "إن نصف الدار التي بيدك لي" فأنكر المدعى عليه - وهو بكر - فصالحه المدَّعي - وهو زيد - ببعض هذه العين التي بيده - وهي الدار - على ربعها: فإنه يصح ذلك، ولكن لا يكون حكم ذلك حكم البيع، بل يكون حكم المدعي في هذا الصلح كحكم المدَّعى عليه - وهو المنكر -: =
[ ٣ / ٢٧٢ ]
لأنه دفع المال افتداء ليمينه، وإزالة للضرر عنه، لا عوضًا عن حق يعتقده (فلا ردَّ) لما صالح عنه بعيب يجده فيه (ولا شفعة) فيه؛ لاعتقاده أنه ليس بِعوَض (^٢١) (وإن كذب أحدهما) في دعواه أو إنكاره، وعلم بكذب نفسه: (لم يصح) الصلح (في حقه باطنًا)؛ لأنه عالم بالحق، قادر على إيصاله لمستحقه، غير معتقد أنه محق (وما أخذه حرام) عليه؛ لأنه أكل للمال بالباطل (^٢٢)،
فلا يرد زيد بعيب ونحوه؛ للتلازم؛ حيث إن المدَّعي - وهو زيد - يعتقد أنه أخذ بعض عين ماله مسترجعًا ممّن هو عنده فيلزم: أن لا يكون لذلك أحكام البيع، وهذا فيه حماية لحق المدّعى عليه.
(^٢١) مسألة: صلح الإنكار - الذي سبق في مسألتي (١٧ و١٨) - له أحكام الإبراء للمدَّعى عليه - وهو بكر - وليس بيعًا؛ فليس له رد ما صالح عليه بعيب ونحوه ولا شفعة فيه إن كان شقصًا من عقار؛ للمصلحة: حيث إن المدَّعى عليه قد سكت أو أنكر ما ادَّعاه عليه زيد، ودفع ذلك المال لا لاعتقاده أن لزيد حقًا له، وإنما دفعه له؛ لإزالة الضرر عن نفسه؛ صيانة لنفسه عن التبذُّل والخصومة التي قد لا تليق به، ولافتداء يمينه - كما سبق بيانه -؛ وهذا لا يُسمَّى عوضًا حقيقة، وهذا فيه حماية لحق المدعي، وهو المقصد منه.
(^٢٢) مسألة: إذا ادَّعى زيد على بكر فقال لبكر: "لي عليك دين" وكذب زيد في ذلك - أي: ادَّعى شيئًا يعلم أنه ليس له -، أو أن بكرًا أنكر ذلك أو سكت وكذب في إنكاره وسكوته - أي: أنكر شيئًا يعلم أنه حق لزيد -، وصالح أحدهما الآخر: فإن هذا الصلح باطل في حق من علم كذب نفسه، وما أخذه أحدهما من الآخر يكون حرامًا، ولو حكم به حاكم؛ للتلازم؛ حيث إن أحدهما قادر على إيصاله الحق لمستحقه معتقد أنه لا يستحق ذلك، ومع ذلك لم يفعل فيلزم من ذلك: أنه أكل مال الآخر بالباطل، وهو محرَّم بالإجماع، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لأموال وحقوق الآخرين.
[ ٣ / ٢٧٣ ]
وإن صالح عن المنكر أجنبي بغير إذنه: صح، ولم يرجع عليه (^٢٣)، ويصح الصلح عن قصاص، وسكنى دار، وعيب بقليل وكثير (^٢٤) (ولا يصح) الصلح (بعوض عن حد
(^٢٣) مسألة: إذا ادَّعى زيد على بكر فقال زيد: "إن لي عندك ألف ريال" فأنكر بكر، فصالح عن المنكر - وهو بكر - محمد، بأن يُسقط عنه مائتي ريال، ويدفع محمد عن بكر ثمانمائة فيصح ذلك، ولا يرجع محمد على المنكر - وهو بكر - ليأخذ منه ما دفعه لزيد - وهي: الثمانمائة - وإن نوى الرجوع إليه عند الصلح هذا إن لم يأذن بكر بالصلح، أما إن أذن بذلك الصلح: فإنه يرجع إلى بكر فيأخذ ما دفعه لزيد - وهي: الثمانمائة إن نوى الرجوع؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما يصح أن يقضي محمد دين بكر إلى زيد فكذلك يصح أن يُصالح عنه بدفع مبلغ من المال عنه لزيد، والجامع: أنه في كل منهما قصد، براءته وقطع الخصومة عنه الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تبرُّع محمد، بالصلح بهذا المبلغ: عدم الرجوع إلى بكر ليأخذ منه المبلغ الذي صالح زيدًا عليه؛ لكون محمد قد أدَّى عن بكر مالًا عن طريق صلح لم يأذن له فيه، ولا في الأداء، ويلزم من إذن بكر لمحمد في الصلح على ذلك: رجوع محمَّد إلى بكر ليأخذ منه ذلك المبلغ إن نوى الرجوع أثناء الصلح فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلت للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه قطع التنازع بين المسلمين.
(^٢٤) مسألة: يصح الصلح عن كل ما يجوز أخذ العِوَض عنه: سواء كان مما يجوز بيعه أو مما لا يجوز بيعه وسواء مع إقرار أو إنكار، فيصح الصلح عن القصاص، والصلح عن سكنى الدار إذا اشترطه البائع بمبلغ والصلح عن عيب المبيع، والصلح عن قيمة المتلف بأكثر أو أقل؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن الحسن والحسين وسعيد بن العاص قد بذلوا للذي وجب له القصاص على هدبة بن خشرم سبع ديات، فأبى أن يقبلها، فلو لم يصح الصلح في ذلك لما فعل هؤلاء الصحابة ذلك، والصلح بأقل، والصور المذكورة مثل ذلك؛ لعدم الفارق.
[ ٣ / ٢٧٤ ]
سرقة وقذف) أو غيرهما؛ لأنه ليس بمال، ولا يؤول إليه (^٢٥) (ولا) عن (حق شفعة) أو خيار؛ لأنهما لِمَ يُشرعا لاستفادة مال، وإنما شُرع الخيار للنظر في الأحظ، والشفعة؛ لإزالة الضَّرر بالشركة (^٢٦) (ولا) عن (ترك شهادة) بحق أو باطل (^٢٧)
(^٢٥) مسألة: لا يصح الصلح عن أي حدّ من الحدود الشرعية، فلو صالح الزاني، أو السارق أو شارب الخمر، أو القاذف شخصًا رآه يفعل ذلك على أن لا يرفعه للسلطان بعوض مالي أو عيني: فلا يصح الصلح، للقياس؛ بيانه: كما أنَّه لا يصح له الصلح وأخذ العوض عن سائر ما لا حق له فيه فكذلك لا يصح الصلح وأخذ العوض عن الحدود، والجامع أن كلًّا منها ليس بحق له ولا ماله، ولا يؤول إليه فلم يجز الاعتياض عنه، فإن قلت: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: لأن هذه الحدود شُرعت للزَّجر، والصلح ليس بزجر، فإن قلتَ: إن حدَّ القذف حق لآدمي فلِمَ لا يصح الصلح عنه بعوض كالقِصاص؟ قلتُ: لأمرين: أولهما: أنَّه حق ليس بمال، ولهذا لا يسقط إلى بدل بخلاف القصاص: فإنه يسقط بعوض، لكونه حافظًا للنفس، ثانيهما: أن حدَّ القذف شُرع لتنزيه العرض، فلا يجوز أن يعتاظ المسلم عن عرضه بمال، فإن قلت: لِمَ سقط حد القذف بدون عوض؟ قلتُ: لكونه حقًّا للمقذوف، فإن أسقط حقَّه فلا بأس، فيكون في ذلك كالقصاص، هذا بناء على أن حق الإسقاط للآدمي.
(^٢٦) مسألة: لا يصح الصلح عن حق الشفعة، ولا عن حق الخيار في البيع؛ للتلازم؛ حيث إنهما لِمَ يُشرعا من أجل استفادة زيادة مال بل شُرعت الشفعة لإزالة الضرر من شراكة المشتري الجديد، وشُرع الخيار لأجل أن يكون عند المشتري والبائع مهلة للنظر في الأصلح لهما أو لأحدهما: فلم يصح الاعتياض عنهما بعوض فلزم من ذلك: عدم صحة الصلح فيهما.
(^٢٧) مسألة: لا يصح الصلح عن ترك شهادة على شخص بحق الله تعالى، أو لأي آدمي أو بباطل: بأن يُصالح زيد بكرًا على عوض بأن لا يشهد عليه بحق تلزمه =
[ ٣ / ٢٧٥ ]
(وتسقط الشفعة) إذا صالح عنها؛ لرضاه بتركها، ويرد العوض (و) كذا حكم (الحد) والخيار (^٢٨)، وإن صالحه على أن يُجري على أرضه أو سطحه ماء معلومًا: صح؛ لدعاء الحاجة إليه، فإن كان بعوض مع بقاء ملكه: فإجارة، وإلا: فبيع، ولا يُشترط في الإجارة هنا: بيان المدَّة؛ للحاجة ويجوز شراء ممر في ملكه، وموضع في حائط يجعله بابًا، وبقعة يحفرها بئرًا، وعلوّ بيت يبني عليه بنيانًا موصوفًا، ويصح فعله صلحًا أبدًا، أو إجارة مدَّة معلومة (^٢٩) (وإن حصل غصن شجرته في هواء غيره)
= الشهادة به كدين ونحوه، أو حق الله تعالى لا يسقط بالشبهة كالزكاة، أو يصالحه على أن لا يشهد عليه بالزور كأن يقول زيد لبكر: "أعطني ألف ريال وإلا شهدتُ عليك بالسرقة أو الزنا" ونحو ذلك؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا" فالصلح الذي يحل الحرام، أو يحرم الحلال لا يجوز؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، وما نحن فيه منه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق المسلمين من أموال وأعراض وهو معلوم.
(^٢٨) مسألة: إذا وقع الصلح عن حق الشفعة والخيار على عوض ووقع الصلح عن الحد، بعوض: فإنه يسقط حق الشفعة وحق الخيار ويرد العوض الذي أخذه بسبب هذا الصلح، ويرد العوض الذي أخذه بسبب الصلح عن الحدود إلى من أُخذ منه؛ للتلازم؛ حيث إن رضاه بترك الشفعة والخيار لزم منه إسقاطهما عنه ويلزم من فساد الصلح ردُّ العوض إلى من أخذ منه.
(^٢٩) مسألة: إذا صالح زيد، بكرًا على أن يُجري على أرضه أو على سطحه ماء، أو يفتح ممرًا في ملكه أو يفتح موضعًا في حائطه يجعله بابًا لداره، أو يحفر في أرضه بئرًا، أو يبني على أرضه، أو بنيانه بنيانًا آخر يستفيد منه: فإن ذلك يصح: سواء فعل ذلك صلحًا أبدًا، أومدة معلومة، وسواء كان ببيع، أو إجارة، وسواء كانت مدة الإجارة مبينة أو لا، ولكن ذلك يُشترط فيه ما يُشترط في البيع أو =
[ ٣ / ٢٧٦ ]
الخاص به، أو المشترك (أو) حصل غصن شجرته في (قراره) أي: قرار غيره الخاص، أو المشترك أي في أرضه، وطالبه بإزالة ذلك: (أزاله) وجوبًا: إما بقطعه، أوليِّه إلى ناحية أخرى فإن أبي مالك الغصن إزالته: (لواه) مالك الهواء (إن أمكن، وإلا) يمكن: (فله قطعه)؛ لأنه إخلاء لملكه الواجب إخلاؤه، ولا يفتقر إلى حكم حاكم (^٣٠)، ولا يجبر المالك على الإزالة؛ لأنه ليس من فعله (^٣١)، وإن أتلفه
= الإجارة: أن يُعلم صفة ما يُباع أو يُؤجَّر صلحًا بأن يكون معلومًا طولًا وعرضًا، وعمقًا، وأن يعلم العِوَض إن وُجد؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز لبكر أن يبيع أي سلعة لزيد فكذلك يجوز أن يُصالحه على عوض بشيء من أملاكه، والجامع: أن كلًّا منهما فيه نفع مقصود، دون وجود محذور فيه، فإن قلت: لِمَ صح ذلك؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن الناس يحتاجون ذلك كثيرًا قديمًا وحديثًا.
(^٣٠) مسألة: إذا كان لزيد شجرة في منزله أو بستانه وامتدّ غصن منها إلى جاره بكر، وأخذ هذا الغصن حيّزًا من هواء بكر الخاص به، أو أخذ حيِّزًا من قرار بكر وملكه فطلب بكر من زيد أن يُزيل عنه ذلك الغصن: فيجب على زيد أن يُزيله، فإن أبي زيد ذلك فيجوز لبكر أن يُنحِّيه عن ملكه وهوائه بأن يلويه إن استطاع، فإن لِمَ يستطع فلبكر قطعه ولا شيء عليه ولا يحتاج ذلك إلى حكم حاكم؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما يجوز قتل الصائل والهاجم عليه إذا لِمَ يندفع إلّا بالقتل فكذلك يجوز لبكر أن يقطع هذا الغصن إذا لِمَ يمكن ليِّه إلّا بالقطع، والجامع: دفع الأذى والضرر في كل. الثانية: التلازم؛ حيث إن الهواء والقرار ملكٌ لبكر، فأزال بكر ما في ملكه دون تعدٍّ على ملك الغير فيلزم جواز إزالته بدون الحاجة إلى حكم حاكم في ذلك، فإن قلت: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المسلمين من تعدِّي الآخرين عليهم.
(^٣١) مسألة: إذا طلب بكر من زيد أن يُزيل ذلك الغصن الذي امتدَّ من شجرته - أعني شجرة زيد كما في مسألة (٣٠) -: فإن زيدًا يُجبر على إزالته، وإذا أتلف =
[ ٣ / ٢٧٧ ]
مالك الهواء مع إمكان ليِّه: ضمنه (^٣٢)، وإن صالحه على بقاء الغصن بعوض: لم يجز (^٣٣)، وإن اتفقا على أن الثمرة بينهما ونحوه: صح جائزًا، وكذا حكم عرق
= ذلك الغصن شيئًا من أملاك بكر: فإن زيدًا يضمن ذلك ويدفع قيمته؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا يجبر على حفظ بهيمته من أن تعتدي على زروع الغير، وإذا أتلفت شيئًا من ذلك فإنه يضمن ما أتلفته، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا من البهيمة والغصن من أملاك زيد، فيكون عليه الغرم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حقوق الجار، فإن قلتَ: إن المالك للغصن - وهو زيد - لا يُجبر على إزالته، وإذا أتلف شيئًا: فلا يضمنه - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للقياس؛ بيانه كما لا يُجبر على إزالة ما في ملك غيره ولا يضمن ما أتلفه، فكذلك لا يُجبر على إزالة غصن شجرته الذي امتد إلى ملك غيره ولا يضمن ما أتلفه والجامع أن كلًّا منهما ليس من فعل المالك - وهو زيد - قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن هذا الغصن قد امتدَّ شجرته التي يقوم بسقيها والاعتناء بها، ويستطيع إزالتها مع أغصانها، بخلاف ملك الغير فلا يستطيع فعل ذلك فيه، ومع الفرق: لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض القياسين" فنحن ألحقنا الغصن الممتد إلى هواء الجار بالبهيمة التي اعتدّت على زرع الغير؛ لأنه أكثر شبهًا بها، وهم ألحقوا الغصن الممتد إلى هواء الجار بملك الغير؛ لأنه أكثر شبهًا به عندهم، وهذا "قياس غلبة الأشباه".
(^٣٢) مسألة: إذا أتلف بكر - وهو مالك الهواء - الغصن وقطعه - كما في مسألة (٣٠) - مع أنَّه يستطيع دفع أذاه بليِّه وتنحيته: فإنه يضمنه، ويجب عليه دفع قيمته لصاحب الشجرة - وهو زيد -؛ للقياس؛ بيانه كما أنَّه لوقتل الصائل مع إمكان دفعه بدون قتله: فإنه يأثم، ويضمنه فكذلك الحال هنا، والجامع: التعدِّي في كل.
(^٣٣) مسألة: إذا صالح مالك الغصن - وهو زيد - بكرًا - وهو جاره مالك الهواء كما =
[ ٣ / ٢٧٨ ]
شجرة حصل على أرض غيره (^٣٤) (ويجوز في الدرب النافذ فتح الأبواب للاستطراق)؛ لأنه لم يتعيَّن له مالك، ولا ضرر فيه على المجتازين (^٣٥) و(لا) يجوز
= في مسألة (٣٠) - على أن يبقيه ممتدًّا في هوائه وملكه بعوض يتّفقان عليه: فإن ذلك يصح؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه منفعة لهما، وإبعاد عن القطع؛ لكونه ضررًا، فإن قلتَ: لا يصح ذلك - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث إن الجهالة بالمصالح عليه؛ لكونه يزيد في الرطب، وينقص في اليابس: يلزم منها: عدم صحّته قلتُ: إن تلك الجهالة لا تمنع الصحة والجواز؛ لكون الزيادة في الرطب أو النقص في اليابس لا تمنع التسليم وهذا معتاد متعارف عليه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "الخلاف هل توجد جهالة في المصالح عليه أولا؟ " فعندنا: لا وعندهم: نعم.
(^٣٤) مسألة: إذا صالح مالك الغصن - وهو زيد - بكرًا - وهو جاره، مالك الهواء كما في مسألة (٣٠) - على أن يبقي الغصن ممتدًّا في هوائه وملكه، وله ثمرة ذلك الغصن أو تكون ثمرته بينهما مناصفة: فإن ذلك يصح صلحًا جائزًا، ولا يلزم، فلو امتنع زيد عن دفع ما صالح به بكرًا من الثمرة بعد مضي مدة: فإنه لا يلزم بذلك، ولكنه يلزم بأجرة المثل؛ للسنة القولية حيث قال ﵇: "الصلح جائز بين المسلمين" وهذا عام فيشمل ما نحن فيه؛ لأن "الصلح" اسم مفرد معرّف بأل وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منفعة زيد، لئلا يقطع غصنه، ومنفعة بكر في الانتفاع في الثمرة، فإن قلتَ: لِمَ صحّ جوازًا، ولا يلزم؟ قلتُ: لجهالة العوض، فالأصل: عدم جوازه، ولكنه استثني؛ للمصلحة ولعدم المانع منه (فرع): الحكم في عرق شجرة زيد إذا امتدَّ إلى أرض جاره بكر كالحكم في غصنه إذا امتدَّ في هوائه وفي ملكه على التفصيل السابق في المسائل (٣٠ إلى ٣٤).
(^٣٥) مسألة: يجوز للشخص: أن يفتح أبوابًا ونوافذ للاستطراق والتهوية في الطرق =
[ ٣ / ٢٧٩ ]
(إخراج روشن) على أطراف خشب أو نحوه مدفونة في الحائط (و) لا إخراج (ساباط) وهو: المستوفي للطريق كله على جدارين (و) لا إخراج (دكَّة) بفتح الدال، وهي: الدكان والمصطبة - بكر الميم (و) لا إخراج (ميزاب) ولو لم يضرُّ بالمارة، إلا أن يأذن إمام أو نائبه ولا ضرر؛ لأنه نائب المسلمين فجرى مجرى إذنهم (^٣٦) (ولا يفعل
= النافذة، أو على الأراضي المفتوحة؛ للمصلحة: حيث إن فيه مصلحة له، ولا مفسدة ولا ضرر على غيره من المجتازين والمارَّة، وهو حقٌّ لجميع المسلمين، وهو منهم.
(^٣٦) مسألة: لا يجوز للشخص أن يُخرج روشنًا، أو أي شيء يخرجه من بيته إلى الشارع، ولا يخرج ساباطًا - وهو: الشيء الذي يصل جدار بجدار آخر في الجهة الأخرى -، ولا يُخرج ميزابًا - وهو الذي يخرج منه الماء غير المرغوب فيه من المنزل إلى الشارع - هذا كله لا يجوز إلّا بشرطين: أولهما: عدم الضرر على الآخرين، ثانيهما: أن يأذن الإمام أو نائبه - وهو ممثَّل الآن بوزارة الشؤون البلدية -، فإن عُدم الضرر، وأذن الإمام أو نائبه: جاز فعل تلك الأمور الثلاثة وما ماثلها؛ للمصلحة حيث إن الناس بحاجة إلى فعل تلك الأمور إن لم يكن بها ضرر على الغير، واعتاد الناس فعلها بدون نكير، أما إن كان فيها ضرر: فلا يجوز فعلها: دفعًا للضرر، (فرع): الدَّكَّة - وهي موضع يُبنى بجانب الباب من الخارج يُجلس عليها - لا يجوز بناؤها سواء أذن الإمام أو نائبه أولا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تضييق طريق المسلمين، ومراقبة المارَّة وهو مضربهم، فدفعًا لذلك لم يجز، فإن قلتَ: يجوز بناء الدَّكة - وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إن بعض الناس يكون بيته ضيِّق فيبني تلك الدَّكة ليجلس عليها هو وضيوفه؛ للحاجة قلت: إن الأصل: عدم جواز وضع الروشن، والساباط، والميزاب ولكن المصلحة الضرورية هي التي جوَّزت وضعها، استثناء؛ مراعاة لظروف وأحوال الناس، أما الدَّكة فلا ضرورة في وضعها، فتبقى على =
[ ٣ / ٢٨٠ ]
ذلك) أي: لا يُخرج روشنًا، ولا ساباطًا، ولا دكة، ولا ميزابًا (في ملك جار ودرب مشترك) غير نافذ (بلا إذن المستحق) أي: الجار، أو أهل الدَّرب؛ لأن المنع لحق المستحق، فإذا رضي بإسقاطه: جاز (^٣٧)، ويجوز نقل باب في درب غير نافذ إلى أوله بلا ضرر (^٣٨)
= الأصل، وهو: عدم جواز وضعها في طريق المسلمين، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" فنتمسَّك نحن بمصلحة الأصل وهو: عدم جواز وضع الدكة؛ لأنها تضيق الطريق بدون ضرورة، وهم يتمسَّكون بالمصلحة الحاجية فيجيزون وضعها. (فرع ثان): إذا تضرَّر أحد الجيران في وضع ساباط، أو ميزاب أو روشن وطالب بإزالته: فإنه يُزال؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه دفع ضرر عن مسلم، ودفع المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة. (فرع ثالث) إذا أذن الإمام بوضع ما سبق ذكره من روشن وساباط فإنه يكفي عن إذن بقية المسلمين؛ للتلازم؛ حيث إن عدم تصوُّر إذن جميع المسلمين يلزم منه: نيابة إمام المسلمين عنهم، تنبيه: قوله: "ولو لم يضرّ بالمارَّة" قلت: هذا لا يُسلَّم؛ حيث إن ذلك إذا لم يضر بالمارَّة: فإنه يجوز وضعه كما سبق بيانه.
(^٣٧) مسألة: لا يجوز للشخص أن يُخرج روشنًا، ولا ساباطًا، ولا ميزابًا ويجعله يمتدُّ إلى ملك جاره، وهوائه، ولا يمتدُّ إلى درب وطريق مشترك بينه وبين شخص آخر، وهو غير نافذ إلا إذا أذن ذلك الجار، أو ذلك الشريك: فيجوز بعد رضاه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه دفع ضرر عن جاره أو شريكه، ودفع المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح، أما إذا رضي ذلك الجار أو الشريك: فيجوز؛ لكونه قد أسقط حقه.
(^٣٨) مسألة: يجوز للشخص أن ينقل بابه الذي في داخل دربٍ غير نافذٍ، ويجعله في أول ذلك الدَّرب بشرط: عدم وجود ضرر على غيره كأن يفتحه أمام باب غيره، أو يصعد إلى هذا الباب الذي فتحه بحيث يطَّلع على بيت غيره، فإن كان ذلك: =
[ ٣ / ٢٨١ ]
لا إلى داخل إن لم يأذن من فوقه، ويكون إعارة (^٣٩)، ويحرم أن يُحدث بملكه ما يضرُّ بجاره كحمام، ورحى، وتنور، وله منعه، كدق، وسقي يتعدَّى، وحرم أن يتصرَّف في جدار جار، أو مشترك بفتح طاق، أو ضرب وتد ونحوه بلا إذنه (^٤٠) (وليس له وضع خشبة على حائط جاره) أو حائط مشترك (إلّا عند الضرورة) فيجوز (إذا لم يُمكنه التسقيف إلّا به) ولا ضرر؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: "لا يمنعنَّ جار جاره أن
= فلا يجوز؛ للمصلحة حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة له، أما إن تضرَّر الآخر بذلك: فلا يجوز دفعًا للضرر، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح.
(^٣٩) مسألة: لا يجوز للشخص أن ينقل بابه الذي في وسط، أو أول درب غير نافذ ويجعله في داخله إن لِمَ يأذن له من هو داخل الدَّرب، فإن أذن جاز، ويكون إعارة من الذي أذن وبناء عليه: إن سدَّه ثم أراد فتحه: فإنه لا بدَّ أن يطلب أذنًا جديدًا؛ للمصلحة: حيث إنه يُقدَّم بابه إلى موضع لا يستعمله طريقًا له فيتضرّر غيره بدون فائدة له، فإن أذن وهو داخل الدرب: فقد أسقط حقه.
(^٤٠) مسألة: يحرم على الشخص: أن يؤذي جاره بفعل شيء في ملكه يتسبَّب في ضرر جاره: كأن يضع حمامًا بجواره يؤذيه برائحته أو رطوبته، أو أن يجعل رحى طاحونة يؤذيه بصوتها، أو يضع تنُّورًا يخبز فيه الخبز يؤذيه برائحته أو رماده، أو يضع قمامته أمام باب جاره، أو يتصرَّف في جدار جاره، أو جدار مشترك بينهما بفتح طاقة، أو ضرب وتد ونحو ذلك بلا إذن ذلك الجار؛ فإن فعل ذلك فلجاره منعه، ورفع الأمر إلى الحاكم إن أبى؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن "ضرر وضرار" نكرة في سياق نفي، وهومن صيغ العموم، والنفي هنا: نهي، وهو مطلق فيقتضي التحريم والفساد الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن للجار منع جاره من دَقٍّ في حدادة، ومنعه من سقي يضر بزرعه أو بجدرانه فكذلك له منعه من فعل تلك الأمور، والجامع: دفع الضرر في كل، وهو المقصد منه.
[ ٣ / ٢٨٢ ]
يضع خشبه على جداره" ثم يقول أبو هريرة: "ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمينَّ بها بين أكتافكم" متفق عليه (وكذلك) حائط (المسجد وغيره) كحائط نحو يتيم، فيجوز لجاره وضع خشبة عليه إذا لم يُمكن تسقيف إلّا به بلا ضرر؛ لما تقدَّم (^٤١) (وإذا انهدم جدارهما) المشترك، أو سقفهما (أو خيف ضرره) بسقوطه (فطلب أحدهما أن يعمر الآخر معه: أُجبر عليه إن امتنع؛ لقوله ﵇: "لا ضرر ولا ضرار"، فإن
(^٤١) مسألة: يحرم على الشخص: أن يضع خشبه على حائط جاره، أو على حائط مسجد أو وقف، أو حائط يتيم، أو مجنون أو صبي، أو مكاتب إلّا إذا اضطر هذا الشخص إلى وضع خشبة على ذلك الحائط فيجوز كأن يسقف بها ونحو ذلك بشرط: عدم الإضرار بجدار الجار أو المسجد أو الوقف، فإن كان فيه ضرر على غيره: فلا يجوز وإن كان مضطرًا إلى ذلك؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﵇: "لا يمنعن جار جاره أن يضع خشبه على جداره" حيث حرّم منع الجار لجاره من وضع خشبه على جداره؛ لأن النهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم وهو عام فيشمل وضعها للضرورة وغيرها؛ لأن "جاره" نكرة أضيف إلى معرفة، وهذا من صيغ العموم، ثانيهما: قوله: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" حيث حرَّم الإضرار بالآخرين، لأن النفي هنا نهي، وهو مطلق فيقتضي التحريم، وهو عام فيشمل الجار وغيره وضع الخشب وغير ذلك؛ لأن "ضرر، وضرار" نكرة في سياق نفي وهو من صيغ العموم، وهذا مخصص للحديث الأول - وهو: لا يمنعن جار جاره .. " - فيكون في حالة عدم الضرورة، فيكون المراد: يحرم على الجار أن يمنع جاره من وضع خشبه على جداره إذا لم يتضرَّر ذلك الجار، أما إن تضرَّر: فيجوز لهذا الجار أن يمنعه عملًا بالحديثين وسيأتي زيادة بيان لذلك في مسألة (١٥) من باب "العارية"؛ فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه قضاء حاجة المضطر، ودفع الضرر عن الآخرين؛ لأن دفع المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة، وفيه حثّ على التعاون.
[ ٣ / ٢٨٣ ]
أبى أخذ حاكم من ماله وأنفق عليه وإن بناه شريك شركة بنية رجوع: رجع (وكذا النهر، والدولاب والقناة) المشتركة، إذا احتاجت لعمارة، ولا يمنع شريك من عمارة، فإن فعل: فالماء على الشركة (^٤٢)، وإن أعطى قوم قناتهم أو نحوها لمن يعمرها، وله منها جزء معلوم: صح (^٤٣)، ومن له علو: لم يلزمه عمارة سفله إذا
(^٤٢) مسألة: إذا انهدم الجدار الذي بين بيت زيد، وبيت بكر، أو انهدم السقف الذي بينهما، أو كانا شريكين في بيت فخيف من سقوط جدار من جدرانه أو سقف من أسقف حُجره، أو كانا شريكين في نهر، أو في دولاب يرفع الماء، أو في قنوات يجري فيها الماء إلى أرض لهما ففسد، بعض ذلك: وأراد زيد أن يعمره ويُصلحه، فأبى بكر فإنه يُجبر على مشاركة زيد في إعمار ذلك وإصلاحه، فإن امتنع: فإن الحاكم يُجبره على ذلك، وإن بناه شريكه أو جاره - وهو زيد - بنية أخذ نصيب جاره أو شريكه منه فيما بعد فله ذلك، فإذا فرغ من عمارة وإصلاح المنهدم أو الفاسد: فإن له الحق بأن يُطالب جاره أو شريكه بدفع نصيبه إما بالتفاهم والصلح بينهما، أو بحكم حاكم، ولا يجوز لهذا الشريك - وهو بكر - أن يمنع شريكه من ذلك الإعمار أو الإصلاح لذلك النهر ونحوه، فإن منعه: فالماء يكون على الشراكة كما كان، ولزيد أن يمنع بكرًا من الانتفاع بتلك القناة والنهر؛ للسنة القولية حيث قال ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" والصور التي ذكرت فيها ضرر على الجارين، أو الشريكين معًا أو على بعض المسلمين الذين ينتفعون بذلك، فنفاه الشارع، وأمر بإزالته وإن لم يرض الجار، أوالشريك، لذلك أجمع العلماء على قاعدة "الضَّرر يُزال" مهما كان، وأن دفع المفاسد مقدَّم على جلب المصالح.
(^٤٣) مسألة: إذا أعطى قوم بكرًا قناة، أو بئرًا أو نهرًا بشرط عمارتها واتفقا صلحًا على أن يكون للعامر - وهو بكر - جزء معلوم من تلك القناة أو النهر أو البئر كأن يكون له ربع ذلك أو خمسه: فإن ذلك يصحّ؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز =
[ ٣ / ٢٨٤ ]
انهدم بل يُجبر عليه مالكه (^٤٤)، فإن ويلزم الأعلى سترة تمنع مشارفة الأسفل (^٤٥)، فإن استويا: اشتركا (^٤٦).
* * *
= إعطاء شخص شعرًا وصوفًا لكي يغزله لهم بسهم منه فكذلك يجوز فيما نحن فيه، والجامع: الانتفاع في كل، بدلًا من ترك ذلك بدون انتفاع، وهذا هو المقصد منه.
(^٤٤) مسألة: إذا كان زيد يملك أسفل البيت، وبكر يملك أعلاه، وانهدم أسفله: فإن زيدًا يُلزم بعمارة ذلك المنهدم الأسفل دون بكر؛ للتلازم؛ حيث إن زيدًا هو المالك للأسفل الذي انهدم فيلزم إجباره على إصلاحه وعمارته.
(^٤٥) مسألة: إذا كان زيد ساكنًا في أسفل البيت، وبكر ساكن في أعلاه، فإنه يُجبر بكر بوضع شيء ساتر يمنع الاطّلاع على أسفل البيت؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" والاطلاع على الجار والإشراف عليه إضرار به فتجب إزالته على المطَّلع؛ لكونه هو الذي سيأثم لو فعل ذلك؛ وهو المقصد منه.
(^٤٦) مسألة: إذا لم يكن أحد الجارين أعلى من الآخر، بل مستويان في العلو؛ وطلب أحداهما وضع سترة بينهما: فإنه يجب على الآخر أن يشارك جاره في تكلفة هذه السترة، فإن امتنع: أجبر على المشاركة؛ للتلازم؛ حيث إنه ليس أحدهما بأولى من الآخر في وضع ذلك؛ لتساويهما في الرغبة في ستر محارمه فيلزم اشتراكهما في التكلفة مثل سائر الحقوق المشتركة والمقصد: دفع الضرر عنهما.
هذه آخر مسائل باب "الصلح" ويليه باب "الحجر".
[ ٣ / ٢٨٥ ]