مأخوذ من الضمن، فذمَّة الضامن في ذمَّة المضمون عنه، ومعناه شرعًا: التزام ما وجب على غيره مع بقائه وما قد يجب (^١)، ويصح بلفظ ضمين وكفيل، وقبيل،
باب الضَّمان والكفالة
وفيه ثلاث وثلاثون مسألة:
(^١) مسألة: الضَّمان لغة: الالتزام ومنه قول الشخص: "أنا ضامن وضمين المال" أي: التزمته، وقوله: "ضمَّنته المال": أي: ألزمته إيّاه، وهو مشتق من "الضمن" وهو في الاصطلاح: "أن يلتزم عدل يصح تبرُّعه ما وجب وما سيجب على غيره مع بقاء ذلك على المضمون عنه" مثال ضمان ما وجب: أن يشتري زيد سيارة بعشرة آلاف مؤجَّلة إلى سنة من بكر، وضمن محمد زيدًا قائلًا لبكر: "أنا أضمنه: فإن لم يأت لك زيد بالعشرة في الوقت المحدَّد فإني أدفعها لك" ومثال ضمان ما سيجب: أن يستأجر زيد بكرًا على بناء حائط بعشرة آلاف فيقول محمد لبكر: "أنا أضمن زيدًا إن أنت أكملت البناء وإن لم يدفع لك العشرة فأنا أدفعها" وذلك لأن العشرة الآلاف لا يتقرَّر وجوبها إلّا بعد البناء، وقوله: "مع بقاء ذلك على المضمون عنه" يُشير به: أن ضمان محمد لزيد - وهو المضمون عنه - لا يسقط هذا الواجب - وهي العشرة آلاف - عن زيد، بل يكون هذا المال واجبًا على الضامن - وهو محمد - وعلى المضمون عنه - وهو زيد - أيُّهما دفع أولًا سقط عن الآخر؛ للتلازم؛ حيث إن الحق واحد للمضمون له، فإذا استوفى المضمون له حقَّه: لزم من ذلك زوال تعلُّقه بهما معًا، فائدة: أركان الضمان أربعة: ١ - مضمون - وهو الحق وهو العشرة آلاف هنا. ٢ - مضمون له وهو صاحب الحق - وهو بكر هنا. ٣ - مضمون عنه وهو الآخذ لهذا الحق - وهو زيد هنا. ٤ - وضامن وهو الذي التزم بدفع الحق عن غيره - وهو هنا محمد.
[ ٣ / ٢٣٥ ]
وحميل، وزعيم، "وتحملتُ دينك" أو "ضمنته" أو "هو عندي" ونحو ذلك (^٢) وبإشارة مفهومة من أخرس (^٣) و(لا يصح) الضمان (إلا من جائز التصرُّف)؛ لأنه إيجاب
(^٢) مسألة: يصح الضمان بكل لفظ فهُم منه الضمان على حسب العرف والعادة كأن يقول الضامن لغيره: "أنا ضامن" أو "كفيل" أو "قبيل" أو "ضمين" أو "حميل" أو "زعيم" أو "صبير" أو قوله: "بعه عليه وأنا أعطيك الثمن" أو "اتركه ولا تطالبه وأنا أعطيك ما عليه" أو "حقُّك عندي" أو "أتحمَّل ما عليه" ونحو ذلك من العبارات المفهمة للضمان؛ للقياس؛ كما أن الحرز الذي تحفظ فيه الأموال، والقبض، وكثرة الدم الذي ينتقض الوضوء بها، أو كثرة الحركة التي تُبطل الصلاة يُرجع فيها إلى عرف وعادة أوساط الناس فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منها لم يرد من الشارع تحديده بشيء، وما لم يرد تحديده يُرجع فيه إلى العرف، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.
(^٣) مسألة: يصح الضمان من الأخرس بواسطة إشارة تُظهر أنه التزم ما على غيره من مال؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المتلفظ بأي لفظ يُفهم الضمان يصح ضمانه فكذلك إشارة الأخرس المفهمة للضمان تصح والجامع: إفهام الضمان في كل. فإن قلتَ: لِمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير معاملة الآخرين والتوسعة عليهم. (فرع): الضمان جائز؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ و"الزعيم" هو: الكفيل كما فسَّره به ابن عباس، وتفسير الصحابي مقبول؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "الزَّعيم غارم" ومعلوم: أن الغارم هو الضامن، الثالثة: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على جواز الضمان فإن قلتَ: لِمَ جاز الضمان؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس، بل تدعو الحاجة والضرورة إلى الضمان لمن لم يجد من يُعطيه نقودًا إلّا به كما قال ابن القيم.
[ ٣ / ٢٣٦ ]
مال، فلا يصح من صغير، ولا سفيه (^٤)، ويصح من مفلس؛ لأنه تصرُّف في ذمته (^٥)، ومن قنٍّ ومكاتب بإذن سيدهما، ويُؤخذ مما بيد مكاتب، وما ضمنه قنٌّ من سيده (^٦)، (ولرب الحق مطالبة من شاء منهما) أي: من المضمون والضامن (في الحياة
(^٤) مسألة: يُشترط في الضامن: أن يكون جائز التصرُّف - وهو: الحر المكلَّف، سواء كان رجلًا أو امرأة - وعليه: فلا يصح ضمان الصبي والمجنون والسفيه، والعبد والمكاتب بغير إذن سيدهما؛ للقياس؛ بيانه: كما أن البائع والمشتري يُشترط فيهما أن يكونا جائزي التصرُّف فكذلك الضامن، والجامع: أن كلًّا منهما يُوجب على نفسه مالًا بعقد، وهذا لا يلتزم به إلّا جائز التصرُّف، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الضمان وثيقة تكون عند المضمون له، إن لم يدفع المضمون عنه: يُطالب الضامن بالدفع، وجائز التصرُّف ومن له حق التبرُّع هو الذي يستطيع أن يفي بما ضمنه، بخلاف الصبي والمجنون والسفيه؛ حيث إنهم لا يملكون شيئًا بالفعل، وبخلاف العبد والمكاتب؛ حيث إنهم لا يملكون شيئًا بالفعل ولا بالقوة.
(^٥) مسألة: يصح الضمان من المفلس - وهو: الذي لا مال عنده -، ولو كان محجورًا عليه؛ للتلازم؛ حيث إن ضمانه تصرُّف منه في ذمته، وهو مُكلَّف حرٌّ له حقُّ التبرُّع والتصرف فيلزم منه: صحة ضمانه؛ إذ لا مانع منه شرعًا، فإن قلتَ: لِمَ صح ضمانه مع الحجر عليه؟ قلتُ: لأن الحجر عليه كان لأجل ماله؛ لوفاء الغرماء، ولم يُحجر عليه في ذمته (فرع): يُطالب المفلس المحجور عليه بما ضمنه بعد فكِّ الحجر عنه؛ للتلازم؛ حيث إن تقدُّم حق الغرماء يلزم تأخير المطالبة بما ضمنه إلى أن يُفكُّ الحجر.
(^٦) مسألة: يصح ضمان العبد إذا أذن سيده بذلك، ويأخذ المضمون له الحق - وهو المال المضمون - من سيده الذي أذن له بذلك، ويصح ضمان المكاتب - وهو الذي اشترى نفسه من سيده بمال يقضيه له على فترات - إذا أذن هذا السيد =
[ ٣ / ٢٣٧ ]
والموت)؛ لأن الحق ثابت في ذمتهما، فملك مطالبة من شاء منهما؛ لحديث "الزعيم غارم" رواه أبو داود، والترمذي، وحسَّنه (^٧) (فإن برئت ذمَّة المضمون عنه) من الدَّين
الذي باعه على نفسه، ويأخذ المضمون له الحق - وهو المال المضمون - من يد ذلك المكاتب، للقياس؛ بيانه: كما أن السيد لو أذن لعبده ولمكاتبه بالتصرُّف في بعض البيوع التي تخصهما فإن ذلك يصح، ويتحمَّل السيد ما وجب عليهما من الحقوق فكذلك ضمانهما إذا أذن سيدهما، ويتحمَّل السيد ما وجب عليهما، أو تأخير سداد ثمن المكاتب، والجامع: أن الحجر في كل منهما لحماية حق السيد فإذا أذن انفكَّ ذلك الحجر، فإن قلتَ: لِمَ يأخذ المضمون له المال من سيد العبد مع أن العبد هو الذي ضمن؟ قلتُ: لأن السيد لما أذن للعبد بالضمان: تعلَّق الحق بذمته كما لو أذن له بالاستدانة.
(^٧) مسألة: صاحب الحق - وهو المضمون له - لا يُطالب الضامن إلا إذا تعذَّرت مطالبة المضمون عنه - وهو قول مالك في إحدى الروايتين عنه وكثير من العلماء -؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن المرتهن لا يبيع العين المرهونة إلّا بعد تعذُّر الاستيفاء من الراهن فكذلك المضمون له لا يُطالب الضامن إلّا بعد تعذُّر أخذ حقه من المضمون عنه، والجامع: أن كلًّا من العين المرهونة والضامن وثيقة يُقصد منها حفظ الحق؛ لئلا يضيع حق المضمون له والمرتهن، الثانية: العرف والعادة؛ حيث إنه قد اعتاد الناس على مطالبة الأصل - وهو المضمون عنه الذي أخذ المال - أولًا، فإن تعذَّرت تلك المطالبة بسبب غيابه أو إفلاسه، أو مماطلته: فإنهم يطالبون الضامن، ومن طالب الضامن مع قدرته على مطالبة المضمون عنه فهو مستقبح غير طارق للطريق السوي في المطالبة، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: لأن المضمون عنه هو الذي أخذ المال من المضمون له واستفاد منه، دون الضامن، فيكون المضمون عنه هو أصل في المطالبة، والضامن بديلًا عنه، ولا يمكن أن يُذهب إلى البدل أن المبدل موجود كالتراب مع الماء، فإن =
[ ٣ / ٢٣٨ ]
المضمون بإبراء، أو قضاء، أو حوالة ونحوها: (برئت ذمة الضامن)؛ لأنه تبع له (^٨)،
قلتَ: إن المضمون له يُطالب من شاء منهما في الحياة أو بعد الممات؛ ولو كان المضمون عنه مليًا باذلًا - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المضمون له حق مطالبة المضمون عنه - وهو الأصل - فكذلك له حق مطالبة الضامن، والجامع: ثبوت الحق في ذمة كل منهما، فلا فرق بينهما، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن المضمون عنه هو الأصل والمبدل، والضامن هو التبع والبدل، فلا يُمكن تساويهما في المطالبة؛ نظرًا لتقدُّم الأصل على التبع، وتقدُّم المبدل على البدل في الأحكام كلها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن قسنا الضامن على العين المرهونة؛ لأنه أكثر شبهًا بها، وهم قاسوا الضامن على المضمون عنه؛ لكثرة شبهه به عندهم، وهذا يُسمَّى بـ "قياس غلبة الأشباه" تنبيه: قوله ﵇: "الزعيم غارم" لا يصح للاستدلال به على أن المضمون له يُطالب من شاء منهما لأنه يُحتمل أن يكون الزعيم - وهو الضامن - غارمًا للمال الذي قد يفوت بسبب عدم دفع المضمون عنه له للمضمون له بعد مطالبته إيَّاه، وهذا هو الذي يتبادر إلى الذهن منه، ويؤيد ما ذكرناه.
(^٨) مسألة: إذا برئت ذمة المضمون عنه بسبب قضائه للدَّين الذي عليه، أو بسبب أن المضمون له قد أبرأه، أو بسبب أن المضمون عنه قد أحال المضمون له على مليء ورضي المضمون له بذلك: فإن ذمة الضامن تبرأ، ولا يُطالب بشيء؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العين المرهونة تنفكّ إذا قضى الراهن ما عليه من الدَّين، أو أبرأه المرتهن، أو أحال الراهن المرتهن إلى مليء ورضي المرتهن فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا من الضامن والعين المرهونة وثيقة للاحتياط من أن المال سيعود لمستحقه، - وهو المضمون له، والمرتهن - فإذا عاد: فلا فائدة من التمسّك بالضامن، أو العين المرهونة، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: لأن الضامن تبع =
[ ٣ / ٢٣٩ ]
(لا عكسه)، فلا يبرأ المضمون عنه ببراءة الضامن؛ لأن الأصل لا يبرأ ببراءة التبع (^٩)، وإذا تعدَّد الضامن: لم يبرأ أحدهم ببراءة الآخر، ويبرؤون بإبراء المضمون عنه (^١٠) (ولا يُعتبر معرفة الضامن للمضمون عنه ولا) معرفته للمضمون (له)؛ لأنه لا يُعتبر رضاهما، فكذا معرفتهما (^١١) (بل) يُعتبر (رضى الضامن): لأن الضمان تبرُّع
للمضمون عنه، فإذا برئت ذمة الأصل فقد برئت ذمة الفرع والتبع.
(^٩) مسألة إذا برئت ذمَّة الضامن - بأن أقرَّ المضمون له أن الضامن قد برئت ذمته -: فإن ذمة المضمون عنه لا تبرأ، ويحق للمضمون له أن يُطالبه بالدَّين؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العين المرهونة لو انفسخت من غير استيفاء المرتهن حقه من الراهن: فلا يسقط الحق عن الراهن، وتبقى ذمته مشغولة به، فكذلك الضامن لو برئت ذمته: فإن المضمون عنه لا تبرأ ذمته، والجامع: أن كلًّا من العين المرهونة والضامن وثيقة انحلَّت من غير استيفاء الدَّين والحق، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: لأن الأصل لا يبرأ بسبب براءة التبع؛ حيث إن الضامن تبع.
(^١٠) مسألة: إذا ضمن شخصان أو أكثر شخصًا واحدًا والتزموا بدفع ما عليه إن عجز عن ذلك وأبرأ المضمون له أحد الضامنين: فإن ذمة الضامن الآخر لا تبرأ، أما إذا برئت ذمة المضمون عنه بسبب قضائه للدين ونحوه: فإن جميع الضامنين تبرأ ذممهم؛ للتلازم؛ حيث إن إن إبراء أحد الضامنين لا تعلُّق له بالضامن الآخر؛ لكونه غير فرع له فيلزم عدم إبراء ذمَّة الآخر، ويلزم من إبراء المضمون عنه: إبراء جميع الضامنين؛ لأنهم يتعلَّقون به، وهم فروع له، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المضمون له.
(^١١) مسألة: لا يُشترط في صحة الضمان: أن يكون الضامن عارفًا للمضمون عنه، فيصح أن يقول زيد لبكر: "من استدان منك شيئًا فأنا أضمنه"، ولا يُشترط أيضًا: أن يكون الضامن عارفًا للمضمون له، فيصح أن يقول زيد: "من باع بكرًا شيئًا أو أقرضه فأنا أضمنه"؛ للتلازم؛ حيث إن الضمان هو التزام حقٍّ - =
[ ٣ / ٢٤٠ ]
بالتزام الحق، فاعتبر له الرضى كالتبرُّع بالأعيان (^١٢) (ويصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم)؛ لقوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنابه زعيم﴾ وهو غير معلوم؛ لأنه يختلف (^١٣) (و) يصح أيضًا ضمان ما يؤول إلى الوجوب كـ (العواري والمغصوب والمقبوض بسوم) إن ساومه وقطع ثمنه، أو ساومه فقط؛ ليريه أهله: إن رضوه وإلا ردَّ، وإن أخذه ليريه أهله بلا مساومة، ولا قطع ثمن: فغير مضمون (^١٤) (و) يصح
كما سبق تعريفه في مسألة (١) - والتزام ذلك يكون ولو جُهل المضمون عنه، أو المضمون له فيلزم: عدم اشتراط معرفتهما، فإن قلتَ: لِمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: لأن المقصود والغرض هو دفع الحق والمال للمضمون له، فإذا حصل ذلك المقصود، فاشتراط معرفة ذلك زيادة لا يُحتاج إليها.
(^١٢) مسألة: يُشترط في صحة الضمان: أن يكون الضامن راضيًا، فلا صحَّة لضمان مُكره عليه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن التبرُّع بالأعيان لا يصحّ إلّا برضى المتبرِّع، فكذلك الضمان لا يصح إلا برضى الضامن والجامع: أن كلًّا منهما قد تبرَّع بالتزام حق، فلا يُعتبر: لا بالرضى منه، فإن قلتَ: لِمَ يُشترط ذلك؟ قلتُ: لكونه لا دفع إلّا برضى والضامن هو الذي سيدفع الحق إن لم يدفع المضمون عنه ذلك الحق.
(^١٣) مسألة: لا يُشترط في صحة الضمان: أن يكون الشيء المضمون معلومًا، فيصح ضمان المجهول كأن يقول زيد لبكر: "أنا ضامن لك ما على محمد، أو ما يُقرُّ لك به محمد من مال" وهذا يُشترط فيه: أن يكون مآله إلى العلم، ومعرفة مقداره؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير، وأنا به زعيم﴾ ومعلوم: أن حمل البعير غير معلوم؛ لاختلاف كثرة الحمل وقلَّته باختلاف الإبل، وقوة تحمُّل بعضها دون بعض للحمل، فإن قلتَ: لِمَ لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: لكونه التزام حق في الذمة من غير معاوضة حالية.
(^١٤) مسألة: يصح ضمان ما يؤول إلى الوجوب - كما سبق بيانه في تعريف الضمان في مسألة (١) - كالعارية - أو المغصوب، وما يُجعل من جُعْل لمن بنى شيئًا، أو =
[ ٣ / ٢٤١ ]
ضمان (عهدة مبيع): بأن يضمن الثمن إذا استحقّ المبيع، أو رد بعيب، أو الأرش إن خرج معيبًا، أو يضمن الثمن للبائع قبل تسليمه، أو إن ظهر به عيب أو استحق فيصح؛ لدعاء الحاجة إليه، وألفاظ ضمان العهدة: "ضمنت عهدته" أو "دركه" ونحوهما (^١٥)، ويصح أيضًا ضمان ما يجب: بأن يضمن ما يلزمه من دين، أو ما
نفقة مستقبلة، ونحو ذلك، والمراد من ضمانها: ضمان استنقاذها، أو ردها، أو قيمتها عند تلفها، وكذلك يصح ضمان المقبوض بسوم وقطع للثمن بأن يساوم زيد بكرًا على سلعة ويقطع بثمنها، ثم يأخذها زيد ليريها أهل بيته: فإن رضوا بها أخذها، وإن لم يرضوا بها: ردَّها على بكر: فإنه يصح أن يضمن محمد ما أخذها زيد، أما إن لم يقطع بالثمن، ولم يساوم: فلا صحة للضمان؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "الزعيم غارم" وهو عام للواجب المستقر، ولغيره، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الحقوق الثابتة في الذمة يصحّ ضمانها فكذلك العواري والغصوب، والجامع: أن كلًّا منها مضمونة على من هي في يده، فإن قلتَ: لِمَ لا يُضمن ما لم يُساوم عليه، ولم يقطع بالثمن؟ قلتُ: لعدم قبضه على وجه العوض.
(^١٥) مسألة: يصح ضمان عهدة مبيع: بأن يضمن محمد الثمن عن بائع لمشتر، وهو الواجب بالبيع قبل تسليمه إن ظهر المبيع مستحقًا لغير بائع، أو رد المبيع على بائع بعيب، أو دفع أرش جناية إن ظهر به عيب؛ للمصلحة: حيث إن الحاجة داعية إلى ذلك، فلو مُنع الضمان في مثل ذلك: لتضرَّر كثير من الناس؛ حيث قد يؤدي إلى امتناع المعاملات مع كثير من الناس غير المعروفين، فصحّ الضمان في ذلك؛ دفعًا لذلك (فرع): صيغ الضمان بالعهدة هي أن يقول الضامن هنا: "ضمنتُ عهدته" أو يقول لمشتر: "ضمنت خلاصك منه" أو يقول: "متى خرج المبيع مستحقًا: فقد ضمنتُ لك الثمن" ونحو ذلك مما يدل على المراد من غير تقييد بصيغة معينة.
[ ٣ / ٢٤٢ ]
يُداينه زيد لعمرو ونحوه (^١٦) وللضامن إبطاله قبل وجوبه (^١٧) (لا ضمان الأمانات) كوديعة، ومال شركة، وعين مؤجَّرة؛ لأنها غير مضمونة على صاحب اليد فكذا ضامنه (^١٨) (بل) يصح ضمان (التعدِّي فيها) أي: في الأمانات؛ لأنها حينئذٍ تكون مضمونة على من هي بيده كالمغصوب (^١٩)، وإن قضى الضامن الدَّين بنية الرجوع: رجع، وإلا: فلا، وكذا كفيل، وكل مؤدٍ عن غيره دينًا واجبًا (^٢٠)
(^١٦) مسألة: يصح ضمان ما وجب كأن يقول محمد الضامن: "أضمن ما يُقضى به على زيد" أو "أضمن ما يدل الدليل على أنه مطالب به" أو "أضمن كل ما يُقرُّ به" ويصحّ ضمان ما لا يجب ولكنه يؤول إلى الوجوب بقول محمد الضامن "أضمن ما سيجب من الأجرة على زيد" وكذا في مهر قبل الدخول وهكذا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون هذه الحقوق لازمة وجواز إسقاطها: جواز ضمانها.
(^١٧) مسألة: يجوز للضامن إبطال ضمان ما يجب قبل وجوبه على المضمون عنه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم اشتغال ذمته به: جواز إبطاله؛ لأن الأمور منوطة بانشغال الذمة بها أو عدم ذلك.
(^١٨) مسألة: لا يصح ضمان الأمانات كالوديعة، والعين المؤجَّرة، ومال شركة، وعين مدفوعة إلى خياط وقصَّار؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الوديعة لا يضمنها من هي بيده إذا تلفت وبلا تفريط منه، فكذلك الضامن لا يضمنها من باب أولى؛ لأنه فرع عنه.
(^١٩) مسألة: يصح ضمان التعدِّي في الأمانات كأن يقول محمد لبكر: "ادفع لزيد الخياط وأنا أضمن عدم تعديه" أي: ضامن لما دفعته إليه إذا تعدَّى أو تلف بفعله، فيكون إن تلف بغير فعله، أو بلا تفريط: فلا شيء على الضامن؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المغصوب والمعار يصح ضمانهما فكذلك هنا والجامع: أن كلًّا منها يضمنها من هي بيده، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الناس.
(^٢٠) مسألة: إذا قضى الضامن دين المضمون عنه وأعطاه المضمون له بنية الرجوع إلى =
[ ٣ / ٢٤٣ ]
غير نحو زكاة (^٢١).
فصل: في الكفالة، وهي: التزام رشيد إحضار من عليه حق ما لي لربِّه، وتنعقد بما ينعقد به ضمان (^٢٢)،
المضمون عنه وأخذ ما دفعه الضامن منه، أو قضى الكفيل دين المكفول به بنيّة الرجوع إليه وأخذه منه، أو أدَّى شخص عن غيره شيئًا واجبًا كمن أنفق على زوجة غيره بنيّة الرجوع إلى زوجها، أو أنفق شخص على أولاد غيره بنية الرجوع إلى وليهم: فإن الضامن، أو الكفيل، والمنفق الناوي الرجوع: يرجع إلى المضمون عنه، أو المكفول به، أو الزوج أو ولي الأولاد، أما إن لم ينوِ واحد ممن سبق الرجوع إلى من عليه الحق: فلا يرجع إليه، وليس له حق المطالبة بما دفعه؛ للقياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما أن القاضي إذا قضى دينًا عن شخص عند امتناعه وهو ناوي أن يرجع إليه به: فإنه يُطالب ذلك الشخص بما عليه، فكذلك هؤلاء - أعني الضامن، والكفيل، والمنفق - يطالبون المضمون عنه، والمكفول به والذي يجب عليه الإنفاق والجامع: أن كلًّا منهم مبرئ من دين واجب، فكان من ضمان والتزام من هو عليه ثانيهما: كما أن المتصدِّق عن غيره لا يرجع إلى المتصدَّق عنه فيه فكذلك من الضامن أو الكفيل أو المنفق الذي يدفع عن غيره ولا ينوي الرجوع إلى المضمون عنه، أو المكفول به، أو من وجب عليه الإنفاق: لا يُرجع إليهم، والجامع: أن كلًّا منهم متبرِّع متطوع بما فعله.
(^٢١) مسألة: إذا دفع زيد عن بكر مالًا واجبًا على بكر يفتقر إلى النية: كأن تجب على بكر زكاة، أو كفارة، أو نذر فدفعه عنه زيد: فلا يرجع زيد إلى بكر ليأخذ ما دفعه منه، ولا تبرأ ذمة بكر؛ للتلازم؛ حيث إن صحة براءة الذمة عند دفع ذلك شروط بوجود النية عند من وجب عليه الحق، فيلزم من عدم النية: عدم صحة براءة الذمة، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: لأن تلك الأعمال فيها قربة إلى الله، ولا تصح هذا إلّا بنية وقصد.
(^٢٢) مسألة: الكفالة لغة: الالتزام، وهي في الاصطلاح: التزام شخص رشيد بإحضار =
[ ٣ / ٢٤٤ ]
وإن ضمن معرفته: أخذ به (^٢٣) (وتصح الكفالة بـ) بدن (كل) إنسان عنده (عين
من تعلَّق به حق مالي من دين أو عاريَّة أو نحوهما لرب الحقِّ، فإن قلتَ: ما الفرق بين الكفالة والضمان؟ قلتُ: الفرق هو: أن الكفالة عقد واقع على بدن المكفول به، فالكفيل ملتزم بإحضار بدن المكفول به، أما الضمان فهو عقد واقع على الحق الذي على المضمون عنه، فيضمنه الضامن ويرجعه إلى المضمون له إن امتنع المضمون عنه عن الدفع: سواء أحضر بدن المضمون عنه أو لا. (فرع): الكفالة جائزة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقًا من الله لتأتنني به إلا أن يُحاط بكم﴾ فمنع يعقوب أن يخرج يوسف مع إخوته إلّا إذا تكفَّلوا بأن يُرجعوه معهم، الثانية: السنة القولية؛ حيث إن رجلًا لزم غريمًا له حتى يقضي أو يأتي بجميل فقال ﵇: "أنا أحمل" فإن قلتَ: لِمَ جازت الكفالة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الحاجة تدعو إلى الاستيثاق بضمان المال أو البدن، وضمان المال - وقد سبق بيانه فيما قبل هذه المسألة - قد يمتنع منه بعض الناس فلو لم تجز الكفالة، بالنفس لأدّى إلى منع بعض المعاملات المحتاج إليها فيحصل بعض الضيق والحرج فدفعًا لذلك: جازت الكفالة (فرع ثان): تنعقد الكفالة بالصيغ التي ينعقد بها الضمان كما سبق في مسألة (٢) كقول الكفيل: "أنا ضمين ببدنه" و"زعيم به"؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الكفالة، نوعًا من الضمان: أن تكون صيغه تصلح صيغًا لها.
(^٢٣) مسألة: إذا ضمن شخص معرفة المستدين: صحَّ ذلك، كما لو جاء زيد ليستدين من بكر، فقال بكر: "أنا لا أعرفك وأنا لا أعطي من لا أعرفه" فقال محمد لبكر: "أنا ضمنتُ لك معرفته، أعرِّفك من هو، وأين سكنه": فإن هذا يُقبل، ويُؤخذ بإحضاره، فإن لم يحضر المستدين - وهو زيد - أو هرب: فإن بكرًا يُطالب محمدًا بإحضاره، فإن عجز محمد عن إحضاره: فإنه يضمن ما عليه ويُسلِّمه لبكر؛ للقياس؛ بيانه: كما لو قال محمد لبكر تكفَّلتُ بإحضار زيد: فإنه يصح، =
[ ٣ / ٢٤٥ ]
مضمونة) كعارية ليردَّها، أو بدلها (و) تصحّ أيضًا (ببدن من عليه دين) ولو جهله الكفيل؛ لأن كلًّا منهما حق مالي، فصحَّت الكفالة به كالضمان (^٢٤) و(لا) تصح ببدن من عليه (حد) لله تعالى كالزنا أو لآدمي كالقذف؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "لا كفالة في حدٍّ" (ولا) ببدن من عليه (قصاص)؛ لأنه لا يمكن استيفاؤه من غير الجاني، ولا بزوجة وشاهد (^٢٥)،
فكذلك لو قال له "أنا ضمنت لك معرفته" والجامع: أن كلًّا منهما توثقة لمن له المال وهو هنا بكر.
(^٢٤) مسألة: يصح أن يُكفل بدن كل من يلزمه الحضور لمجلس الحكم بسبب دين لازم، أو يؤول إلى اللزوم، أو بسبب عين مضمونة كعارية، ومغصوبة؛ ليردَّها إن كانت باقية، أو يرد بدلها: ويصحّ هذا مطلقًا، أي: سواء كان الكفيل عالمًا بالمال وبقدر العارية أو المغصوب أو جاهلًا به إذا كان مما يؤول إلى العلم؛ للقياس؛ بيانه: كما يصح ضمان الدَّين اللازم، والعين ولو كان مجهولًا فكذلك تصح الكفالة به والجامع: أن كلًّا من الدَّين والعين حق مالي، وهو قياس أولى؛ حيث إن الدَّين يصح ضمانه ولو كان مجهولًا إذا آل إلى العلم مع أنه التزام بالمال ابتداء فتكون الكفالة التي لا تتعلَّق بالمال ابتداء أولى بالصحة، وهذا لحفظ الحقوق، وهو المقصد منه.
(^٢٥) مسألة: لا يصح أن يُكفل بدن من عليه حدٌّ سواء كان هذا الحد حقًا من حقوق الله تعالى كحد الزنا، والسرقة، أو شرب الخمر، أو كان حقًا من حقوق الآدميين كحد القذف، ولا يصح أن يُكفل بدن من عليه قصاص، ولا يصح أن يكفل شخص زوجة لزوجها في حق الزوجية، ولايصح أن يُكفل شاهد؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من الكفالة: استيفاء الحق من الكفيل إن لم يُحضر المكفول، وهذا لا يمكن في الحدود والقصاص، والزوجة لزوجها، والشاهد؛ لكون الحق عليهم يستحيل استيفاؤه من الكفيل فلزم عدم صحة الكفالة في مثل =
[ ٣ / ٢٤٦ ]
ولا بمجهول (^٢٦)، أو إلى أجل مجهول (^٢٧)، وتصح: "إذا قدم الحاج: فأنا كفيل بزيد شهرًا" (^٢٨) (ويُعتبر رضى الكفيل)؛ لأنه لا يلزمه الحق ابتداء إلا برضاه (لا) رضى
تلك الأمور، فإن قلتَ: يصح أن يُكفل بدن من عليه حد لآدمي، وهو قول مالك، ورواية لأحمد، ورجَّحه ابن تيمية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه حقًا لآدمي: أن تصح الكفالة به كسائر حقوق الآدميين قلتُ: هذا بعيد؛ لأن الحدود عقوبات وزواجر بدنية، ولا يُعاقب ولا يُزجر بدنيًا إلا نفس فاعل ذلك؛ لعموم قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين" فعندنا يُرجَّع الأول؛ لتقوية المصلحة له، وعندهم: يُرجع الثاني. تنبيه: حديث: "لا كفالة في حد" لايصح الاستدلال به؛ لأنه ضعيف، والضعيف لا يحتج به في إثبات الأحكام.
(^٢٦) مسألة: لا يصح أن يُكفل بدن شخص مجهول؛ للتلازم؛ حيث إن هذا لا يمكن تسليمه لصاحب الحق عند طلبه فلزم عدم صحة ذلك.
(^٢٧) مسألة: لا يصح أن يكفل بدن شخص إلى أجل مجهول كأن يقول زيد لبكر: "إذا هبَّت الرياح فأنا كفيل بإحضار محمد" ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث لا يُمكن أن يُطالب هذا بإحضاره إلا إذا هبَّت الرياح، وهذا أمره مجهول فلا يصح كالبيع المؤجَّل إلى وقت مجهول.
(^٢٨) مسألة: يصح أن يكفل بدن شخص إلى وقت معلوم عادة وعرفًا كقوله: "إذا قدم الحاج فأنا كفيل بإحضار محمد" أو يقول: "إذا حصد الزرع، أو جُزَّ النخل فأنا كفيل بإحضار محمد" ونحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما يصح البيع المؤجّل ثمنه بذلك التوقيت فكذلك تصح الكفالة والجامع: أنه في كل منهما قد جُهل له أجل لا يمنع من حصول المقصود منه ولا غرر ولا جهالة فيه، فلا يقع تنازع وهذا هو المقصد منه.
[ ٣ / ٢٤٧ ]
(مكفول به) أوله كالضمان (^٢٩) (فإن مات) المكفول: برئ الكفيل؛ لأن الحضور سقط عنه (أو تلفت العين بفعل الله تعالى) قبل المطالبة: برئ الكفيل؛ لأن تلفها بمنزلة موت المكفول به، فإن تلفت بفعل آدمي: فعلى المتلف بدلها ولم يبرأ الكفيل (أو سلَّم) المكفول (نفسه: برئ الكفيل)؛ لأن الأصل: أداء ما على الكفيل، أشبه ما لو قضى المضمون عنه الدَّين، وكذا يبرأ الكفيل إذا سلَّم المكفول بمحل العقد وقد حلَّ الأجل أو لا، بلا ضرر في قبضه، وليس ثمَّ يد حائلة ظالمة (^٣٠)، وإن تعذر إحضار
(^٢٩) مسألة: يشترط في صحة الكفالة: أن يرضى الكفيل، ولا يُشترط في ذلك رضى مكفول به، ولا رضى مكفول له، بل يصح أن يكفل زيد بكرًا لمحمد وإن لم يرضَ بكر ولا محمد؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أنه يُشترط رضى الضامن - كما سبق - ولا يُشترط رضى المضمون عنه، فكذلك هنا يُشترط رضى الكفيل، ولا يُشترط رضى المكفول به، والجامع: أن كلًّا من الضامن والكفيل قد التزم حقًا ابتداء، فلا يلزمه هذا الحق إلّا برضاه، وأن كلًّا من المضمون عنه والمكفول قد حمَّل غيره قضاء ما عليه فيكون ذلك من صالحه، فلا يُشترط رضاه. ثانيهما: كما أن المشهود له لا يُشترط رضاه في صحة الشهادة فكذلك المكفول له والجامع: أن كلًّا من الشهادة والكفالة وثيقة له لا قبض فيها فتصحّ بدون رضى، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حقوق الآخرين.
(^٣٠) مسألة: تبرأ ذمة الكفيل في أربع حالات: الحالة الأولى: إذا مات المكفول: فإن ذمة الكفيل تبرأ؛ للتلازم؛ حيث إن سقوط إحضاره نظرًا لموته يلزم منه: براءة ذمة الكفيل؛ لعدم وجود شيء يُحضره، الحالة الثانية: إذا تلفت العين المكفول بها بسبب فعل الله تعالى قبل المطالبة: فإن ذمة الكفيل تبرأ، أما إن تلفت العين بفعل آدمي: فإن ذمة الكفيل لا تبرأ، ويُطالب هذا الآدمي الذي أتلفها ببدل عنها؛ للتلازم؛ لأن تلف العين المكفول بها يتسبَّب في هدم ركن من أركان الكفالة فيلزم =
[ ٣ / ٢٤٨ ]
المكفول مع حياته، أو غاب ومضى زمن يمكن إحضاره فيه: ضمن ما عليه إن لم يشترط البراءة منه (^٣١)،
منه: براءة ذمة الكفيل؛ لعدم وجود شيء يُطالب بسببه بخلاف تلفها بسبب آدمي: فلا تبرأ ذمة الكفيل بذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود متلف العين: انشغال الذمة بذلك فيُطالب متلفها ببدلها، الحالة الثالثة: إذا سلَّم المكفول نفسه للمكفول له: فإن ذمة الكفيل تبرأ؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ذمة الضامن تبرأ إذا قضى المضمون عنه الدَّين الذي عليه وأعطاه للمضمون له، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما قد حصل ما لزمه من أجله ففي الضمان: دفع المضمون عنه الدين الذي عليه، وفي الكفالة قد سلَّم المكفول نفسه للمكفول له. الحالة الرابعة: إذا سلَّم الكفيل المكفول للمكفول له بمحل العقد: سواء بعد حلول الأجل أو قبله بدون إضرار يلحق بالمكفول له عند قبضه: فإن ذمة الكفيل تبرأ، ما إن حصل ضرر بتسليم المكفول المكفول له قبل حلول أجله: فإن ذمَّة الكفيل لا تبرأ؛ للتلازم؛ حيث إن الكفيل قام بما عليه - وهو: تسليم المكفول للمكفول له - فيلزم منه: براءة ذمته، ويلزم من تسليمه له مع حصول بعض الضرر على المكفول له قبل الحلول: عدم براءة ذمة الكفيل؛ دفعًا لذلك الضرر؛ حيث إن هذا يُفوِّت عليه بعض حقوقه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا التفصيل هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للكفيل، وللمكفول له كما هو واضح من تلك الحالات الأربع.
(^٣١) مسألة: إذا تعذَّر إحضار المكفول مع حياته، أو امتنع الكفيل من إحضاره، أو غاب المكفول زمنًا يمكن إحضاره فيه: فإن الكفيل يضمن ما على المكفول من الدَّين هذا إذا لم يشترط الكفيل البراءة من الدَّين عند تعذُّر إحضار المكفول، أما إن اشترط ذلك قائلًا: "أنا أكفله، ولكني لا أضمن ما عليه من الدَّين إن لم أحضره": فإنه لا يضمن ما عليه إن لم يُحضره؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ =
[ ٣ / ٢٤٩ ]
ومن كفله اثنان فسلَّمه أحدهما: لم يبرأ الآخر (^٣٢) وإن سلَّم نفسه: برئا (^٣٣).
حيث قال ﵇: "الزعيم غارم"، وهذا عام للضمان والكفالة، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من استثناء ضمان ما عليه: عدم ضمان ما عليه إن لم يُحضره؛ عملًا بشرطه، وهو هذا الاستثناء.
(^٣٢) مسألة: إذا كفل زيد وبكر محمدًا معًا، أو منفردين، فسلَّم زيد محمدًا للمكفول له - وهو خالد -: فإن ذمة زيد تبرأ، ولا تبرأ ذمة بكر؛ للتلازم؛ حيث إن انحلال إحدى الوثيقتين بتسليم المكفول لا يلزم منه انحلال الوثيقة الأخرى؛ قياسًا على ما لو أُبرأ أحدهما دون الآخر.
(^٣٣) مسألة: إذا كفل زيد وبكر محمدًا: فسلَّم محمد نفسه للمكفول له - وهو خالد -: فإن ذمة زيد وبكر تبرأ؛ للتلازم؛ حيث إن أداء الأصل - وهو المكفول - ما وجب على زيد وبكر - وهو: إحضار نفسه للمكفول له - يلزم منه إبراء ذمة الكفيلين - وهما زيد وبكر - لزوال ما في ذمتهما من إحضاره.
هذه آخر مسائل باب "الضمان والكفالة" ويليه باب "الحوالة"
[ ٣ / ٢٥٠ ]