بتخفيف الياء، وتشديدها: من العري، وهو التجرُّد، سُمِّيت "عارية"؛ لتجرُّدها عن العوض (وهي: إباحة نفع عين) يحل الانتفاع بها (تبقى بعد استيفائه)؛ ليردها على مالكها (^١)،
باب العارية
وفيه إحدى وثلاثون مسألة:
(^١) مسألة: العارية: لغة: مأخوذة: من عار يعور إذا ذهب وجاء، وهي: اسم من الإعارة يُقال: "أعرته الشيء إعارة، وعارة" على وزن: "أجبته، إجابة، وجابه"، والياء منقلبة عن "واو" تقول العرب: يتعاورون العواري": إذا أعار بعضهم بعضًا، والياء تأتي في لغة العرب مخففة، وتأتي مشدَّدة، ومنه: "استعرت منه الشيء فأعارنيه" - كما جاء في المصباح (٤٣٧)، وهي في الاصطلاح: إباحة الانتفاع بعين يحل الانتفاع بها بدون عوض مع بقاء العين وردِّها إلى مالكها" كأن يستعير زيد من عمرو دارًا، أو عبدًا، أو ثوبًا، أو دابة، أو إناء ينتفع به مدَّة من الزمن ثم يردُّه إليه دون نقص، فإن قلت: لِمَ قيل إن "الياء" في العارية منقلبة عن "واو"؟ قلتُ: لئلا تكون منسوبة إلى العار وعُلِّل ذلك بأن طلب العارية عار وعيب؛ لأن "ألف" "العار" منقلبة عن "ياء" بدليل قولهم: "عيَّرته بكذا"، ولأن النبي ﷺ قد فعلها، واستعار أدراعًا ونحوها، فلو كانت عيبًا لما فعلها، فإن قلتَ: لِمَ جُعل هذا الباب في كتاب المعاملات؟ قلتُ: لأن فيه تعامل بين اثنين: المعير والمستعير، ولأن الإعارة هبة المنافع، ففيها شبه بتأجير المنافع مع بقاء العين. فإن قلتَ: لِمَ سُمِّيت بهذا الاسم؟ قلتُ: لأنها مأخوذة، من العُري، وهو تجرُّدها عن العوض، ولأنها من "عار إذا ذهب ورجع، وهي كذلك تذهب العين إلى المستعير فينتفع بها، ثم يُرجعها إلى المعير.
[ ٣ / ٤٦٩ ]
وتنعقد بكل لفظ أو فعل يدل عليها (^٢)، ويشترط أهلية المعير للتبرّع شرعًا، وأهلية المستعير للتبرّع له (^٣)، وهي مستحبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (^٤)
(^٢) مسألة: تنعقد الإعارة بكل لفظٍ يدل على الانتفاع بالعين بدون عوض وإرجاعها كقول زيد لعمرو: "أعرتك هذه الدابة لتركبها"، أو يقول له: "أبحت لك الانتفاع بها" أو يقول عمرو لزيد: "أعطني هذه الدابة أركبها" فيُسلِّمها زيد له، وتنعقد بكل فعل يدل عليها كأن يقوم زيد بحمل عمرو على دابته، أو تغطيته بردائه أو نحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا يُبيح الطعام لضيفه بالقول والفعل الدالين على هذه الإباحة، فكذلك تنعقد الإعارة بالقول والفعل الدالين عليها والجامع: أن كلًّا منهما إباحة للتصرف.
(^٣) مسألة: يُشترط في صحة الإعارة: أن يكون المعير والمستعير جائزي التصرُّف، بأن يكون المعير أهلًا للتبرّع، شرعًا، فالصغير، والمجنون، والسفيه، والعبد، وناظر الوقف، والمكاتب، وولي اليتيم لا يصح أن يُعيروا أحدًا، ويكون المستعير أهلًا للتبرّع له، فالصغير، والمجنون ونحوهما لا يُعارون شيئًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يُشترط جواز التصرف في البائع والمشتري فكذلك يُشترط ذلك في المعير والمستعير، والجامع: أن كلًّا منهما تصرُّف في مال، فإن قلتَ: لِمَ اشتَرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لأموال وحقوق الآخرين؛ إذ لو جازت الإعارة بدون هذا الشرط لأعار الصبيان والمجانين ونحوهم من أموالهم الآخرين حتى تفنى ولم تُردّ عليهم، ولقبل هؤلاء من غيره الإعارات، ولم يردوها؛ لكونهم لا يعرفون مقاصد المعاملات، وفي ذلك ضرر عليهم وعلى غيرهم، فدفعًا لذلك اشترط هذا.
(^٤) مسألة: الإعارة مستحبَّة، أي: يُستحب أن يُعير شخص عينًا لشخصٍ آخر؛ لينتفع به ثم يردّه، لقواعد: الأولى: الكتاب، وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ حيث أمر الشارع بالتعاون على ما فيه بر وحث =
[ ٣ / ٤٧٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= على التقوى، وكونك تُعير شيئًا عندك لأخيك المسلم لتقضي حاجته من التعاون على ذلك؛ لأن لفظ "البر والتقوى" اسم جنس محلىَّ بأل وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه، وصرف الأمر من اقتضائه للوجوب إلى الاستحباب: السنة القولية؛ وهو حديث الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ عن ماذا فرض الله عليه من الصدقة؟ فقال: "الزكاة" فقال الأعرابي: هل علىَّ غيرها؟ قال النبي ﷺ: "لا إلا تطوع" فنفى وجوب شيء في الأموال غير الزكاة، وأثبت أن غيرها كله تطوع، ومنه الإعارة ثانيهما: قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ وهذا ورد في العارية، وخصَّصها في ذلك قول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس وابن مسعود قالا: المراد بها: العواري، وصرَّح ابن مسعود بأن المراد: القدر، والميزان، والدلو، وصرف من وجوب إعارة الماعون إلى استحبابها، السنة القولية وهو حديث الأعرابي السابق؛ الثانية: السنة الفعلية؛ حيث ﷺ إنه قد استعار درعًا من صفوان بن أمية يوم حنين فقال: أغصب يا محمد؟ فقال ﷺ: "بل عارية مضمونة" الثالثة: القياس بيانه: كما أنه تجوز هبة الأعيان فكذلك تجوز هبة المنافع - وهي الإعارة - فلذلك صحَّت الوصية بالأعيان، والمنافع معًا جميعًا، والجامع: الانتفاع في كل، فإن قلت: لِمَ استُحبت الإعارة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إظهار تعاون وتكافل وتكاتف المجتمع الإسلامي، فقد لا يستطيع بعضهم أن يشتري العين نفسها، ولا يستطيع استئجارها، وهو لا يستغني عنها ففتح الله له أن يستعيرها؛ ليقضي حاجته، ولينال معيره الأجر والثواب، فإن قلتَ: إن الإعارة واجبة؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ فذمهم على منعهم لإعارة الماعون وهو: الإناء - ولا يذم على ترك شيء إلّا إذا كان واجبًا؛ لأن الواجب: ما ذمّ على تركه مطلقًا، فيلزم أن تكون الإعارة واجبة قلتُ: إن السنة القولية - وهو: حديث الأعرابي السابق الذكر - هو الذي صرف الأمر من اقتضائه للوجوب إلى =
[ ٣ / ٤٧١ ]
(وتباح إعارة كل ذي نفع مباح) كالدار، والعبد، والدابة، والثوب، ونحوها (^٥) (إلا البضع)؛ لأن الوطء لا يجوز إلّا في نكاح، أو ملك يمين، وكلاهما منتفٍ (^٦) (و) إلا (عبدًا مسلمًا لكافر)؛ لأنه لا يجوز له استخدامه (^٧) (و) إلا (صيدًا ونحوه) كمخيط (لمحرم)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (^٨) (و) إلا (أمة شابَّة لغير
= الندب كما سبق ذكره، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف هل الآية على إطلاقها أم هي مصروفة إلى الندب؟ " فعندنا: مصروفة، وعندهم: لا.
(^٥) مسألة: تجوز إعارة كل عين يُنتفع بها منفعة مباحة مع بقاء ملكها لصاحبها، مثل إعارة الدار، والعبد، والدابة، والثوب، والدلو، والحلي، والكلب للصيد ونحو ذلك مما يعرف بعينه، فلا يصح إعارة حيوان زمن لا ينتفع به؛ للسنة الفعلية والقولية: حيث إنه ﷺ قد استعار أدراعًا، وذكر إعارة دلوها، وطرق فحلها، وغير ذلك تُلحق بها من باب: "مفهوم الموافقة" فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: لأن ما جاز للمالك استيفاؤه من المنافع ملك إباحته مع عدم وجود مانع.
(^٦) مسألة: لا تجوز إعارة البضع - وهو الفرج - للاستمتاع به؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أنه لا يُستباح بالبذل، ولا بالإباحة، ومستند هذا الإجماع: التلازم؛ حيث إن البضع لا يُباح إلا بالنكاح وملك اليمين، فيلزم عدم إباحته بغيرهما، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو جازت إعارة ذلك: لجاز الزنا، لأن الزانية تبذل بضعها للزاني وتُعيره إياه.
(^٧) مسألة: لا تجوز إعارة العبد المسلم للكافر؛ ليخدمه خدمة خاصة؛ للقياس؛ بيانه: كما لا تجوز إجارته له، - كما تقدم - فلا تجوز إعارته له، والجامع: أنه في كل منهما تمكين للكافر على المسلم لاستخدامه، وهذا لا يجوز، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام للمسلم، وإظهار له على الكفار، فلو أعير عبد مسلم لكافر: الحصل عكس ذلك.
(^٨) مسألة: لا تجوز إعارة صيد، أو مخيط، أو طيب لمحرم في حج أو عمرة، وكذا: لا =
[ ٣ / ٤٧٢ ]
امرأة أو مَحرَم)؛ لأنه لا يُؤمن عليها، ومحلُّ ذلك: إن خشي المحرم، وإلا: كُره فقط، ولا بأس بشوهاء، وكبيرة لا تُشتهى، ولا بإعارتها لامرأة، أو ذي محرم؛ لأنه مأمون عليها (^٩) /
= تجوز إعارة آلات الغناء، والحلي المحرم، والزمر، أو إعارة دار ليصنع فيها خمر أو يشرب فيها أو مجمع للفساد فيها؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ فنهى الشارع عن التعاون على كل شيء فيه إثم ومعصية، والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، فتحرم إعارة هذه الأشياء؛ لدخولها في عموم هذه الآية؛ حيث إن "الإثم" و"العدوان" مفرد محلى بأل، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لم شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعانة على الطاعة، ونبذ الفساد عن المجتمع الإسلامي.
(^٩) مسألة: لا تجوز إعارة امرأة لخدمة رجل أجنبي عنها: سواء كانت شابة أو كبيرة، وسواء كانت شوهاء أو حسناء، وسواء كانت تشتهى أو لا، وسواء خشي عليها أو لا، أما إعارتها لامرأة أخرى لخدمتها، أو إعارتها لمحرمها: فيجوز مطلقًا؛ للمصلحة: حيث إن إعارتها لرجل أجنبي عنها تؤدِّي إلى خلوه بها، فيُحسنها الشيطان في نظره، ويُحسنه في نظرها فتقع الفتنة، ثم تقع فاحشة الزنا - وأعاذنا الله وإيّاكم منها - مصداقًا لقوله ﷺ: "ما خلى رجل بامرأة إلّا وكان ثالثهما الشيطان"، لذا لا يُؤمن أن تقع في ذلك ولا فرق في ذلك بين الشابة والكبيرة، والشوهاء والحسناء والتي تُشتهى وغيرها؛ لأن لكل ساقطة لاقطة، فقد تكون قبيحة عند شخص، ولكنها حسناء عند آخر، وقد لا يشتهيها شخص، ويشتهيها الآخر، وهكذا، وهذا واقع في المجتمع كما نرى ونشاهد، فلذا حرمت إعارة المرأة -مهما كانت- لأي أجنبي -مهما كان- منعًا للمفسدة، ودفعًا لها، وسدًا للذرائع، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، أما إعارتها لامرأة مثلها، أو لرجل من محارمها فتجوز؛ لأنه يؤمن عليها غالبًا كما ذكرناه. فإن قلتَ: تجوز =
[ ٣ / ٤٧٣ ]
(^١٠)، وللمعير الرجوع متى شاء ما لم يأذن في شغله بشيء يستضر المستعير برجوعه فيه كسفينة الحمل متاعه فليس له الرجوع ما دامت في لُجَّة البحر (^١١)، وإن
= إعارة المرأة لرجل أجنبي عنها إن أمن عليها بأن كان لا ينظر إليها، ولا يخل بها مع الكراهة، وتجوز إعارة المرأة الشوهاء، والكبيرة لرجل أجنبي - عنها لتخدمه بشرط: أن تكون هذه المرأة لا تُشتهى وهذا ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه دفع حاجة هذا الرجل من خدمة ونحو ذلك قلتُ: إن هذا فيه مصلحة خاصة لهذا الرجل، وما ذكرناه من المصلحة فيه دفع مفسدة الوقوع في الفاحشة، وهي مقدَّمة على مصلحتهم؛ لكونها عامة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتً: سببه: "تعارض المصلحتين" فقدَّمنا مصلحتنا: لأن فيها دفع مفسدة الفتنة ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، وقدموا ما ذكروه من المصلحة؛ لأنها خاصة. (فرع): لا تجوز إعارة الأمرد إلى رجل ليخدمه مثل المرأة كما سبق في مسألة (٩).
(^١٠) مسألة: تجب إعارة كتب العلم للمحتاج إليها من القضاة، والحكّام، وأهل الفتوى، وأهل التعليم، وطلاب العلم الذين يُعلم منهم علمًا حقيقيًا طلبهم للعلم الحقيقي؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه إعانة على نشر العلم وتعليمه، وهو ما ذكره ابن عقيل، (فرع) زاد العبادي: أن المستعير لا يُغيِّر خطأ رآه في الكتاب إلّا إن كان في آية، أو كان خطأ محضًا لا يحتمل التأويل؛ للمصلحة: حيث إن تغيير ذلك - مع عدم القطع - يشوّه الكتاب على صاحبه.
(^١١) مسألة: يجوز للمعير أن يرجع ويأخذ العين المعارة من المستعير في أي وقت شاء إذا كانت الإعارة مطلقة، أي: بدون تقييد في وقت بشرط: أن لا يكون هذا الرجوع يؤدِّي إلى ضرر يلحق المستعير كأن يعير زيد عمرًا سفينة، فلما صارت في وسط البحر: طلب المعير - وهو زيد - إرجاعها، فهذا لا يجوز؛ لما فيه من إلحاق الضرر والهلاك للمعير، وكذلك لو أعاره سروالًا، فلما كان عمرو بين الناس طلب المعير - وهو زيد - أن يخلع هذا السروال ويُرجعه إليه، فهذا لا يجوز أما إن =
[ ٣ / ٤٧٤ ]
أعاره حائطًا؛ ليضع عليه أطراف خشبه: لم يرجع ما دام عليه (^١٢) (ولا أجرة لمن
= كانت مؤقتة: فلا يجوز طلبها حتى ينتهي الوقت المذكور؛ للتلازم؛ حيث إن العارية إباحة فيلزم إرجاعها في أيِّ وقت إلا أن، ويلزم من إلحاق الضرر إلى المستعير: عدم جواز إرجاع العارية فيما يتضرّر به؛ لأنها تنزل منزلة الضرورة؛ حيث يلزم من إرجاع السفينة هلاك المستعير، ويلزم من إرجاع السروال: كشف عورة المستعير، وهذان محرَّمان، والمحرم يُقدَّم على المباح ويلزم من توقيتها: عدم جواز طلبها قبل انتهاء ذلك الوقت المشترط؛ لأنه سيُلحق الضرر بالمستعير، فقد يعتمد على العين المعارة وقتًا معينًا يتضرّر إن أزيلت قبل فراغه، فإن قلتَ: يجوز للمعير أن يرجع ويأخذ العارية من المستعير في أي وقت: سواء كانت الإعارة مطلقة أو مؤقتة وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو مذهب الجمهور؛ للمصلحة، والتلازم؛ حيث إن العين المعارة لم يملكها المستعير بسبب تلك الإعارة سواء كانت مطلقة، أو مؤقتة، فيلزم جواز طلبها في أي وقت؛ لكون اشتراط التوقيت لا يلزم منه منع طلبها متى شاء المعير، وإلا انقلبت إلى ما يشبه الغصب فدفعًا للضرر عن المعير: شرع هذا قلتُ هذا لا يسلم، فقد يكون غرض وقصد المستعير لا يتحقَّق إلا إذا اشترط وقتًا معينًا يكون مدَّة لتلك الإعارة، وهذا هو الواقع، فلو طلبها المعير قبل الانتهاء من ذلك الوقت لتضرَّر المستعير ضررًا قد يكون أكثر مما لو لم يأخذ تلك العين المعارة، فدفعًا للضرر عن المستعير: شُرع عدم جواز طلبها قبل انتهاء وقتها إذا كانت مؤقتة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" فنحن نظرنا إلى مصلحة المستعير وسدِّ حاجته، وهم نظروا إلى مصلحة المعير، وأن ذلك من حقه.
(^١٢) مسألة: إذا أعار زيد عمرًا حائطًا وجدارًا ليضع عمرو أطراف خشبه عليه: فيجوز للمعير - وهو زيد - أن يرجع في ذلك ويمنع عمرًا من ذلك قبل، وضعها على الحائط وبعده بشرط: أن لا يكون عمرو قد بنى على أطراف خشبه التي =
[ ٣ / ٤٧٥ ]
أعار حائطًا) ثم رجع (حتى يسقط)؛ لأن بقاءه بحكم العارية، فوجب كونه بلا أجرة (^١٣)، بخلاف من أعار أرضًا لزرع ثم رجع، فيبقى الزرع بأجرة المثل لحصاده؛ جمعًا بين الحقَّين (^١٤) (ولا يردُّ) الخشب (إن سقط) الحائط الهدم أو غيره؛ لأن الإذن
= وضعها على ذلك الحائط بناءً، فإن كان قد بنى عليها: فلا يجوز لزيد أن يرجع ما دام على ذلك الحائط؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون عقد الإعارة عقد جائز: أن للمعير الرجوع متى ما شاء إذا لم يُوجد ضرر على المستعير، الثانية: المصلحة؛ حيث إن المعير إذا رجع وطلب من المستعير أن يقلع خشبه، أو قلعها هو بعد البناء عليها: فإن المسعير يتضرَّر بسبب هدم البناء كله، فدفعًا لذلك: حرم الرجوع في ذلك.
(^١٣) مسألة: إذا أعار زيد عمرًا حائطًا ليضع عمرو أطراف خشبه عليه: فلا أجرة للمعير - وهو زيد - إلى أن يسقط الحائط من نفسه، وكذا: لا أجرة لمن أعار أرضًا للدفن فيها إلى أن تبلى عظام الموتى، ولا أجرة أيضًا لمن أعار سفينة إلى أن تعود، سواء طال زمن الإعارة أو لا، وسواء رجع المعير عن الإعارة أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن العارية بلا عوض، بدون تحديد زمن فيلزم كونه بلا أجرة. الثانية: القياس؛ بيانه كما أن زيدًا لو وهب عمرًا ثوبًا: لا يرجع فيها، ولا أجرة له، فكذلك إذا أعاره حائطًا ليضع أطراف خشبه عليه أو سفينة، أو أرضًا لدفن الموتى: فلا أجرة له والجامع: عدم ملك الرجوع في منفعة العين المعارة والموهوبة؛ لما يترتّب عليه من الإضرار بالمستعير أو الموهوب، وهو المقصد منه.
(^١٤) مسألة: إذا أعار زيد عمرًا أرضًا ليقوم عمرو بزراعتها، فرجع المعير، وطلب أرضه من المستعير - وهو عمرو -: فلا يُقبل رجوعه إلى أن يحصد المستعير - وهو عمرو - ذلك الزرع الذي زرعه، وهو مذهب كثير العلماء، منهم ابن قدامة؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم والقياس؛ وقد سبقا في مسألة (١٣)، فإن قلتَ: بل يُقبل =
[ ٣ / ٤٧٦ ]
تناول الأول فلا يتعدَّاه لغيره (إلا بإذنه) أي: إذن صاحب الحائط، أو عند الضَّرورة إلى وضعه إذا لم يتضرَّر الحائط - كما تقدم في "الصلح" - (^١٥). (وتضمن العارية)
= رجوع المعير، ويبقى زرع المستعير بأجرة المثل إلى أن يحصده - فيدفع للمعير تلك الأجرة من طلبه إلى الحصاد، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة: حيث إن الإعارة بُنيت على جواز الرجوع - لكونه يلزم من حقيقتها -، وهو من مصلحة المعير، وقلع الزرع يُلحق الضَّرر بالمستعير فيُمنع دفعًا لهذا الضَّرر عنه، فتُوجب أجرة المثل على المستعير فيدفعها للمعير إلى الحصاد؛ دفعًا للضرر عنهما قلتُ: إن الضرر الذي يلحق المستعير للأرض أكثر من الضرر الذي يلحق المعير؛ لأن المستعير للأرض قد تكلَّف عليها، وقد يكون قد استدان لأجل زراعتها، فإذا رجع المعير، وفرض على المستعير أجرة المثل: فإن الضرر يكون على المستعير قد تضاعف، فتُقدَّم مراعاته، ولا يُنظر للضرر الذي يلحق المعير؛ لقلَّته وخفَّته بالنسبة لضرر المستعير، ثم إن المعير يعلم أن الأرض الذي أعارها سيزرعها المستعير وأن للزرع وقتًا ينتهي إليه، فلم يطلبها من المستعير إلّا لكونه قاصدًا الضَّرر به من قلع زرعه، أو دفع أجرة المثل وهذه من الحيِّل المخالفة للقواعد الشرعية لذلك يُعامل بنقيض قصده، فلا يقبل رجوعه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" كما سبق أن ذكرناه.
(^١٥) مسألة: إذا أعار زيد عمرًا جدارًا وحائطًا ليضع عمرو أطراف خشبه عليه، وانهدم الجدار وسقط: سواء كان بسبب آفة سماوية من مطر ونحوه، أو كان بسبب غير ذلك، ثم بُني من جديد: فلا يجوز للمستعير- وهو عمرو - أن يردَّ أطراف خشبه إلى الجدار والحائط مرة أخرى إلّا بأحد أمرين: أولهما: إما أن يأذن له المعير، وهو صاحب الجدار والحائط - وهو زيد هنا - ثانيهما: أو أن يضطر المستعير إلى وضع أطراف خشبه عليه، بأن لا يوجد غيره يسقف عليه، بشرط: أن لا يُلحق الضرر إلى المعير، فإن ألحق به ضررًا فلا يجوز؛ لقاعدتين: الأولى: =
[ ٣ / ٤٧٧ ]
المقبوضة إذا تلفت في غير ما استعيرت له؛ لقوله ﵇: "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه" رواه الخمسة، وصححه الحاكم، ورُوي عن ابن عباس وأبي هريرة، لكن المستعير من المستأجر، أو لكتب علم ونحوها موقوفة لا ضمان عليه إن لم يُفرِّط (^١٦)،
= السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "لا يمنعنَّ جارٌ جاره أن يضع خشبه على جداره" فحرم منع الجار من وضع خشبه على جداره؛ لأن النهي مطلق، فيقتضي التحريم وهو عام، فيشمل الضرورة وغيرها؛ لأنه مطلق في الأحوال؛ لأن لفظ "جاره" نكرة مضاف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم، ثانيهما: قوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" فحرم الإضرار بالآخرين عمومًا؛ لأن النفي هنا نهي، وهو يقتضي التحريم، ولأن "ضرر، وضرار" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم، وهو مخصِّص للحديث الأول؛ ويكون المراد: لا يمنعن جار جاره أن يضع خشبه على جداره عند عدم وجود الضرر عليه - أي: على صاحب الجدار -، فإن وُجد ضرر، فيُباح له أن يمنعه، وقد سبق بيان ذلك في مسألة (٤١) من باب "الصلح"، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الإذن قد تناول الحالة الأولى -وهو قبل هدم الحائط-: أن لا يتعداه إلى الحالة الثانية - وهي: البناء الذي وقع بعد الهدم -، ويلزم من إذنه في الحالة الثانية: جواز وضع المستعير أطراف خشبه على جدار جاره؛ لكونه قد أسقط حقه بهذا الإذن.
(^١٦) مسألة: إذا قبض المستعير العين المعارة له فتلفت وهي تحت يده: ففي ضمانها وعدمه ما يلي من التفصيل: أولًا: إن كان قد استعملها فيما استُعيرت له كأن يستعير ثوبًا ليلبسه في يوم الجمعة ويوم الزينة فقط، أو استعار كتب علم ليقرأ فيها واستعمل ذلك الثوب لذلك اللبس، وتلك الكتب للقراءة على ما اعتيد في ذلك فتلفت بدون تفريط، ولا تعد: فإنه لا يضمنها، فلا يطالبه المعير بمثلها، ولا بقيمتها؛ للتلازم؛ حيث إن الإذن في استعمال العين المعارة - وهو حقيقة =
[ ٣ / ٤٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= العارية - قد تضمَّن الإذن في الإتلاف الحاصل بسبب الاستعمال، فيلزم عدم ضمانها؛ لكونه فعل ماله فعله شرعًا؛ إذ ما أذن في إتلافه غير مضمون. ثانيًا: إن كان قد استعملها فيما استعيرت له: فلبس الثوب ليوم الجمعة والزينة فقط، وانتفع بكتب العلم الموقوفة فتلفت بسبب تفريطه، وتعدِّيه بأن جعلها قريبة من نار أو نحو ذلك: فإنه يضمنها، أو استعملها في غير ما استعيرت له: بأن ليس الثوب في غير أيام الجمع والزينة، أو جعله حافظًا للطعام، أو استعمل الكتب لأغراض غير القراءة؛ فإنه يضمنها: سواء تعدَّى هنا أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه"، وهذا عام؛ لأن "ما" الموصولة من صيغ العموم، فيشمل ذلك العارية، فيجب أن تُرجع العارية لصاحبها؛ لأن "على" من صيغ الوجوب، وهو مطلق في الاستعمال، ثانيهما: أن النبي ﷺ قد استعار من صفوان بن أمية درعًا يوم حنين، فقال: صفوان: أغصب يا محمد؟ فقال ﷺ: "بل عارية مضمونة" فوصف النبي ذلك الدرع بأنه عارية مضمونة، أي مردودة، فإن تلفت: فيرد مثلها أو قيمتها، وهذا مطلق: أي يضمن سواء تلف بسبب تعدٍّ، وتفريط أو لا، أو تلف بسبب استعمالها فيما استعيرت له، أو لا، وقيَّد هذين النصين، القياس؛ بيانه: كما أن الغاصب الثوب ونحوه يضمنه إذا تلف، فكذلك المستعير للثوب إذا استعمله ثم تلف بسبب تعدٍّ، أو تفريط، أو استعماله في غير ما استعير له يضمنه، والجامع: أن كلًّا منهما يُسمَّى متعدٍّ ومُستعمِل للشيء - وهو المغصوب والعين المعارة - من غير إذن شرعي، وعلى هذا فإن المستعير لا يضمن إذا استعمل العين المعارة فيما استُعيرت له بدون تفريط، أو تعدٍّ؛ ويضمن إذا تعدَّى أو فرَّط في استعمالها فيما استعيرت له، وكذا إذا استعملها في غير ما استعيرت له يضمنها مطلقًا - أي: يضمنها في الحالة الأخيرة - ولو لم يفرط أو =
[ ٣ / ٤٧٩ ]
وحيث ضمنها المستعير فـ (بقيمتها يوم تلفت) إن لم تكن مثلية، وإلا: فبمثلها، كما تضمن في الإتلاف (^١٧) (ولو شرط نفي ضمانها): لم يسقط؛ لأن كل عقد اقتضى الضمان لم يُغيِّره الشرط (^١٨)، وعكسه نحو: وديعة لا تصير مضمونة بالشرط، وإن
= يتعدَّى؛ لأن هذا هو اللازم من استعمالها في غير ما استُعيرت له، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن ابن عباس وأبي هريرة: أن العارية مضمونة، وهذا الإطلاق مُقيَّد بالقياس السابق، واللازم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المعير والمستعير، وعدم التفريط في حقوق الآخرين، والتعدِّي على أموالهم، تنبيه: قوله: "لكن المستعير من المستأجر": حكمه حكم المسألة السابقة ففيه التفصيل الذي قلناه فيها، فلا داعي لتخصيصها بالذكر.
(^١٧) مسألة: إذا فرَّط المستعير في العارية أو تعدَّى في استعمالها، أو استعملها في غير ما استُعيرت له: وتلفت فإن كان للعين المعارة مثل يشبهها تمامًا: فإنه يدفع للمعير هذا المثل: كأن يكون قد استعار إناء، ثم تلف - بما ذكرناه -: فإنه يردُّ على المعير إناء مثله - إن وُجد -، وإن لم يكن للعين المعارة مثل: فإنه يردُّ قيمتها في اليوم الذي أُتلفت فيه؛ للقياس؛ بيانه كما أن زيدًا لو أتلف إناء - بدون أن يستعيره - فإنه يضمنه بأن يردُّ مثله إلى صاحبه إن كان له مثل، ويدفع له قيمته يوم الإتلاف إن لم يكن له مثل، فكذلك الحكم في استعارته، والجامع: أن كلًّا منهما قد أُتلف بدون وجه حق، فوجب ضمانه بما ذكرناه، فإن قلتَ: لم يُضمن بدفع مثله وقيمته إن عُدم المثل؟ قلتُ: لأن المثل أقرب من القيمة في إحقاقا لحق، فإن قلتَ: لِمَ يُضمن بقيمته يوم إتلافه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه اليوم الذي تحقَّق فيه فوات العين المعارة، فقد يختلف سعرها بالهبوط أو بالارتفاع، فيتضرر المعير، أو المستعير، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
(^١٨) مسألة: إذا أخذ المستعير العين المعارة وشرط على المعير: أن لا يضمنها فيما لو =
[ ٣ / ٤٨٠ ]
تلفت هي أو أجزاؤها في انتفاع بمعروف: لم تضمن؛ لأن الإذن في الاستعمال تضمَّن الإذن في الإتلاف، وما أُذن في إتلافه غير مضمون (^١٩) (وعليه) أي: وعلى
= تلفت وقبل المعير ذلك: فإن الضمان يسقط عنه، إذا تلفت، فلا يُطالب بها المعير، ولا بقيمتها، وهو مذهب كثير من العلماء؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "المسلمون على شروطهم" وهو عام لهذا ولغيره، فأيُّ شرط لا يُخالف الكتاب والسنة فهو صحيح ومُلزم؛ لأن "شروطهم" جمع منكر مضاف إلى معرفة - وهو الضمير- وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن، فيدل على نفي الضمان بشرطه، فإن قلتَ: الضمان يجب على المستعير إذا أتلف العارية بتعدٍّ أو تفريط ولو شرط عدم ضمانها؛ وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن العارية إذا تلفت بتعدٍّ أو تفريط: فإنها تُضمن - وهذا هو مقتضى عقد الضمان ولا يُغيِّر هذا المقتضى شرط شارط مهما كان فيلزم ضمانها قلتُ: إن هذا التلازم مخالف لعموم السنة القولية، فلا يعمل به، ثم إن الضمان من حقِّ المعير، وهو قد أسقط حقه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل التلازم مُخصِّص لعموم السنة هنا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(^١٩) مسألة: إذا أودع زيد عند عمرو وديعة واشترط المودع على عمرو: أن يضمنها إن تلفت عنده، وقبل المودَع - وهو عمرو - ذلك: فإنه يضمنها إذا تلفت، فيُطالبه المودع - وهو زيد - بها؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "المسلمون على شروطهم" وقد بيّناه في مسألة (١٨)، فإن قلتَ: إن الوديعة لا تضمن إذا تلفت، وإن شُرط ضمانها، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن مقتضى عقد الوديعة يلزم منه عدم ضمانها، فالشرط لا يُغيِّر هذه القاعدة قلتُ: الجواب عنه، وسبب الخلاف في ذلك كما قلنا في مسألة (١٨) تنبيه: قوله: "وإن تلفت هي أو أجزاؤها" إلى قوله: "غير مضمون" قد سبق بيانه بالتفصيل في مسألة (١٦)، ولا داعي لتكراره.
[ ٣ / ٤٨١ ]
المستعير (مؤونة ردِّها) أي: ردُّ العارية؛ لما تقدم من حديث: "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه" وإذا كانت واجبة الرَّد: وجب أن تكون مؤنة الرَّد على من وجب عليه الرَّد (^٢٠) (لا المؤجَّرة) فلا يجب على المستأجر مؤونة ردِّها؛ لأنه لا يلزمه الردِّ، بل يرفع يده إذا انقضت المدَّة، ومؤنة الدابة المؤجَّرة، والمعارة على المالك (^٢١)، وللمستعير
(^٢٠) مسألة تجب على المستعير مؤنة ردِّ العارية إلى المعير، أو من يقوم مقامه، أو ما جرت العادة أنه يقبض عنه حقوقه كخازنه، أو زوجته المتصرفة بماله، أو سائس حيواناته أو نحو ذلك؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه" وهذا يلزم منه إيصال ما عند المستعير من العارية والأمانة إلى المعير أو من يقوم مقامه، ويلزم من ذلك: أن تكون مؤنة الرَّد - من الاستئجار على حملها إلى المعير ونحو ذلك - على المستعير؛ لكونه لا يتم ردُّ العارية إلا بذلك فوجب لأن ذمته لا تبرأ إلّا بذلك، من باب "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"؛ فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حق المعير؛ لئلا تجتمع عليه خسارة ما لحق العارية من ضرر وخسارة مؤنة ردِّها إليه، فشُرع: أن يتحمَّل المستعير مؤنة الرَّد.
(^٢١) مسألة: تجب على المستأجر مؤنة ردِّ العين المستأجرة إلى المؤجِّر، كما أن مؤنة ردِّ العين المعارة واجبة على المستعير، فلو استأجر دارًا وانقضت مدَّة الإجارة: فيجب على المستأجر أن يُسلِّم مفاتيح الدار للمؤجِّر، وكذلك لو استأجر دابة، وانتهت المدَّة: فيجب على المستأجر أن يُسلِّم تلك الدابة لصاحبها وعليه مؤنة ذلك حتى يُسلِّمهما إلى المؤجِّر، وكذلك لو استعار دابة: فتجب مؤنة ردها على المستعير حتى يُسلّمها إلى المعير، ويفعل ذلك كله كما استلمها منه؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه" وهو عام، وقد سبق بيان وجه الدلالة منه على ذلك في مسألة (٢٠)، ولا فرق بين ذلك، وبين العارية. فإن قلتَ: لا تجب على المستأجر مؤنة ردِّها، بل رفع يده إذا تمَّت مدَّته، =
[ ٣ / ٤٨٢ ]
استيفاء المنفعة بنفسه، وبوكيله؛ لأنه نائبه (^٢٢) (ولا يُعيرها) ولا يُؤجِّرها؛ لأنها إباحة المنفعة فلم يجز أن يبيحها غيره كإباحة الطعام (^٢٣) (فإن) أعارها و(تلفت عند الثاني:
= وكذا الدابة المستأجرة، والمعارة على المالك - أيضًا - وهو ما ذكره المصنف هنا.
قلتُ: هذا مخالف لعموم السنة السابقة الذكر، ومخالف للمصالح الشرعية إذ لو رفع المستأجر يده عن العين المؤجرة فقط: من دار أو دابة، وكذا: الدابة المعارة، والمؤجِّر أو المعير لم يعلم بذلك: فإنهما سيكونان محلًا لسرقتهما أو لتلفهما، وهذا محسوب على المستأجر والمستعير فدفعًا لذلك: شُرع ما قلناه.
(^٢٢) مسألة: المستعير هو الذي يستوفي منفعة العين المعارة بنفسه، ويستوفيها بواسطة وكيله؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المستأجر يستوفي منفعة العين المؤجرة بنفسه وبواسطة وكيله فكذلك المستعير مثله، والجامع: أن كلًّا من المستأجر والمستعير ملك التصرف بالمنفعة بإذن المالك - وهما: المؤجِّر، والمعير - ولهما أن يستوفياها بواسطة وكيلهما؛ لكون الوكيل في كل شيء نائبًا عن الموكِّل في الاستيفاء، ويده كيد الموكِّل، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحديد المستوفي لمنفعة العين المعارة؛ لئلا يستعملها غير المستعير أو وكيله فيتضرَّر المعير.
(^٢٣) مسألة: إذا استعار زيد ثوبًا من عمرو: فلا يجوز للمستعير - وهو زيد - أن يُعير هذا الثوب لبكر، ولا يجوز أن يُؤجِّره عليه، ولا يجوز له أن يرهنه إياه إلّا بشرط أن يأذن المالك - وهو عمرو - بأن يُعير زيد الثوب لبكر، أو يُؤجِّره، أو يرهنه، فإن أذن: جاز، وإلا فلا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن عمرًا لو أباح لزيد أن يأكل من طعامه فليس لزيد أن يُبيح هذا الطعام لبكر، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما فيه إباحة الانتفاع بالعين وإباحتها لشخص معيَّن، فلا تتعدَّى هذه الإباحة غيره؛ لكون المقصود في ذلك الانتفاع الشخص نفسه، فقد يكون عمرو لا يُبيح لبكر أن يأكل من طعامه، ولا ينتفع بشيء له، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حق المالك - وهو المعير الأول =
[ ٣ / ٤٨٣ ]
استقرَّت عليه قيمتها) إن كانت متقوِّمة: سواء كان عالمًا بالحال أو لا؛ لأن التلف حصل في يده (و) استقرَّت (على مُعيرها أجرتها) للمعير الأول إن لم يكن المستعير الثاني عالمًا بالحال، وإلا: استقرّت عليه أيضًا (و) للمالك أن (يُضمِّن أيَّهما شاء) من المعير؛ لأنه سلَّط على إتلاف ماله أو المستعير، لأن التلف حصل تحت يده (^٢٤) (وإن
= وهو عمرو -؛ لئلا يتحايل أحد كان يكرهه فيستعير من المستعير الأول ملك المعير - وهو عمرو - فيتلفه فيتضرَّر. فإن قلتَ: بل يجوز للمستعير - وهو زيد - أن يُعيرها لبكر، وهو قول كثير من العلماء منهم أبو حنيفة، وهو قول الشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يجوز للمستأجر تأجير العين التي استأجرها - كما سبق في مسألة (٢٨) من باب "الإجارة" - فكذلك يجوز للمستعير أن يعير العين المعارة والجامع: أن كلًّا منهما قد أبيح له الانتفاع بالعين، فيجوز له أن يبيحها لغيره. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن المستأجر قد ملك الانتفاع بالعين فملك أن يُملِّكها غيره، أما المستعير فلم يملك المنفعة، إنما ملك استيفائها على الوجه الذي أذن له فيه فقط، وفرق بينهما، ومع الفرق لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" على ما بيناه: فنحن ألحقناه بمن أبيح له أكل طعام؛ لكونه أكثر شبهًا به، وهم ألحقوه بتأجير المؤجر؛ لكونه أكثر شبهًا به عندهم وهذا ما يُسمَّى بـ "قياس الشَّبه" أو "غلبة الأشباه".
(^٢٤) مسألة: إذا استعار زيد ثوبًا من عمرو، ثم أعاره زيد لبكر، ثم تلف عند بكر: ففيه التفصيل: الآتي: أولًا: إن كان المعير الأول - وهو عمرو - لم يأذن للمعير الثاني - وهو زيد - بأن يُعيره إلى بكر: فإن المعير الأول - وهو لعمرو - يُضمِّنه المعير الثاني - وهو زيد -، فيجب على زيد دفع مثله إلى عمرو، وإن لم يكن له مثل فيجب عليه أن يدفع قيمته في يوم إتلافه، ولا دخل لعمرو ببكر، ويُطالب زيد بكرًا بحقه إن شاء؛ للتلازم؛ حيث إن عمرًا قد أعار زيدًا ولم يأذن بإعارته إلى بكر فيلزم أن يضمنه هو؛ لكون علاقته معه، لا مع بكر، =
[ ٣ / ٤٨٤ ]
أركب) دابته (منقطعًا) طلبًا (للثواب: لم يضمن)؛ لأن يدربِّها لم تزل عليها كرديفه، ووكيله (^٢٥)، ولو سلَّم شريك لشريكه الدابة، فتلفت بلا تفريط، ولا تعد: لم يضمن إن لم يأذن له في الاستعمال، فإن أذن له فيه: فكعارية، وإن كان بإجارة: فإجارة،
= ثانيًا: إن كان المعير الأول - وهو عمرو - قد أذن للمعير الثاني - وهو زيد - بأن يُعير ذلك الثوب لبكر: فإن المعير الأول - وهو عمرو - يُضمنه المستعير - وهو بكر - ولا دخل له في المعير الثاني - وهو زيد -؛ للتلازم؛ حيث إن إذن عمرو لزيد بإعارة الثوب لبكر يُعتبر وكالة له بأن يفعل ذلك، فخلصت ذمة المعير الثاني - وهو زيد-، وصارا المستعير الثاني - وهو بكر - هو المسؤول أمام المالك - وهو عمرو - فإن قلتَ: لم شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا هو المتضمن لجلب المصالح ودفع المفاسد عن المعير الأول، والثاني، والمستعير، تنبيه: ذكر المصنف تفصيلات من قوله: "فإن أعارها وتلفت عند الثاني" إلى قوله "لأن التلف حصل تحت يده" ولكني لم أجد دليلًا قويًا على تلك التفصيلات من القواعد الشرعية المعتبرة.
(^٢٥) مسألة: إذا كان مع زيد دابة فرأى بكرًا - وهو منقطع في طريقه - فأركبه يُريد بذلك الأجر والثواب من الله تعالى، فتلفت تحت بكر: فإن بكرًا لا يضمنها؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن زيدًا المالك - وهو زيد - لو أردف بكرًا معه على دابته وتلفت تلك الدابة تحتهما فإن الرديف لا يضمن فكذلك بكر هنا لا يضمن والجامع: أن يدرب الدابة ومالكها لم تزل عليها، فالراكب لم ينفرد بحفظها في كل، ثانيهما: كما أن زيدًا لو سلَّم وكيله بكرًا دابة فتلفت تحت يده فإنه لا يضمنها فكذلك الحال هنا والجامع: أن الدابة تحت يد مالكها، فلم ينفرد كل منهما بها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو ضمن كل شخص كلَّ ما يُعطى إيَّاه لينتفع به فترة قليلة للزم من ذلك انقطاع عمل الخير بين الناس، لعدم وجود من يقبله.
[ ٣ / ٤٨٥ ]
فلو سلَّمها إليه ليُعلِّفها ويقوم بمصالحها: لم يضمن (^٢٦) (وإذا قال) المالك: (آجرتك) و(قال) من هي بيده: (بل أعرتني، أو بالعكس): بأن قال: "آعرتك" قال: "بل أجرتني": فقول المالك في الثانية، وتردُّ إليه في الأولى إن اختلفا (عقب العقد) أي: قبل مضي مدَّة لها أُجرة (قُبِل قول مدَّعي الإعارة) مع يمينه؛ لأن الأصل: عدم عقد الإجارة، وحينئذٍ: تردُّ العين إلى مالكها إن كانت باقية (و) إن كان الاختلاف (بعد مضي مدَّة) لها أجرة: فالقول (قول المالك) مع يمينه؛ لأن الأصل في مال الغير الضمان، ويرجع المالك حينئذٍ (بأجرة المثل) لما مضى من المدة؛ لأن الإجارة لم تثبت (^٢٧) (وإن قال) الذي في يده العين: (أعرتني، أو قال: أجَّرتني قال) المالك (بل
(^٢٦) مسألة: إذا سلَّم زيد لشريكه عمرو عينًا كدار أو دابة؛ ليحفظها ويعلفها ويقوم بمصالحها، بلا استعمال فتلفت وهي تحت يد عمرو: فإنه لا يضمنها إذا لم يفرط فيها أو يتعدَّ؛ للتلازم؛ حيث يلزم من استلامها من زيد أن لا يضمن إذا تلفت؛ لأن شريكه أمين، ويلزم من إذن استعمالها: أنه لا يضمن؛ لكون ذلك هو حقيقة العارية (فرع): إذا سلم زيد لشريكه عمرو دابة بإجارة: فإنها تكون إجارة لها أحكام الإجارة كما سبق.
(^٢٧) مسألة: إذا أخذ زيد من عمرو ثوبًا، واختلفا في هذا الثوب فقال المالك - وهو عمرو -: "إني أجرتك هذا الثوب" وقال من الثوب بيده - وهو زيد -: "بل أعرتنيه"، أو العكس بأن قال عمرو: "أعرتك هذا الثوب" وقال زيد: "بل أجَّرتنيه" ولا توجد بيّنة لكل واحد منهما: فإن فيه التفصيل الآتي اولًا إن وقع هذا الاختلاف بعد العقد وقبل مضي مدَّة لها أجرة مدَّة لها أجرة: فإنه يُقبل قول مَنْ ادَّعى الإعارة مع يمينه: سواء كان المالك - وهو عمرو - أو مَنْ الثوب بيده - وهو زيد - وفي هذه الحالة يُردُّ الثوب إلى المالك - وهو عمرو - إن كان باقيًا؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل عدم عقد الأجرة، وبراءة الذمة منها، ولا يُصرف إلى الإجارة إلا بدليل، ولم يثبت دليل على ذلك، فنستصحب ذلك ونعمل به. ثانيًا: إن وقع =
[ ٣ / ٤٨٦ ]
غصبتني): قول المالك كما لو اختلفا في ردِّها (^٢٨) (أو قال) المالك: (أعرتك) و(قال) من هي بيده (بل أجَّرتني والبهيمة تالفة): فقول المالك؛ لأنهما اختلفا في
= هذا الاختلاف بعد العقد وبعد مُضي مدَّة لها أجرة: فإنه يُقبل قول المالك - وهو عمرو - مع يمينه فيما مضى من المدَّة دون ما بقي، ويأخذ المالك أجرة المثل بأن يُنظر في السوق عن أجرة هذا الثوب في مدَّة ما مضى من مدة استعمال زيد له؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل في مال الغير الضمان؛ لقوله ﷺ: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" فنعمل بهذا الأصل؛ لعدم وجود المغيِّر، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من انتفاع زيد بذلك الثوب فيما مضى من المدَّة: أن يدفع بدلًا عن تلك المنفعة، وهو أجرة المثل؛ لكون الأجرة لم تثبت، فإن قلتَ: لِمَ يُطلب منهما اليمين في الحالتين؟ قلتُ: للاحتياط، فقد يكون من ادّعى الإجارة، أو مَنْ الثوب بيده صادقًا، فجُعل هذا اليمين لترجيح قوله، والاستيثاق منه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي: حماية حق كل واحد من المختلفين.
(^٢٨) مسألة: إذا أخذ زيد من عمرو ثوبًا، واختلفا في هذا الثوب فقال مَنْ الثوب بيده - وهو زيد -: "أعرتني هذا الثوب" أو قال: "أجَّرتنيه" فقال المالك - وهو عمرو - "بل غصبتنيه" وهذا الاختلاف واقع بعد مضي مدَّة لها أجرة ولا بيِّنة فإنه يقبل قول المالك هنا، مع يمينه، ويكون على زيد أن يردُّه، وعليه أجرة المثل عن تلك المدة التي استعمل ذلك الثوب فيها؛ لقواعد: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل عدم الإجارة والعارية، فنعمل به؛ لعدم وجود المغيِّر، فيثبت ما ادَّعاه المالك من الغصب الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من انتفاع زيد بذلك الثوب فيما مضى من المدة: أن يدفع بدلًا عن تلك المنفعة وهو: أجرة المثل؛ لعدم ثبوت العارية والإجارة؛ الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أنه لو ادّعى زيد بأنه ردّ الثوب لعمرو - المالك - ونفى ذلك المالك: فإنه يقبل قول المالك فكذلك الحال هنا يُقبل قول المالك، والجامع: عدم القبض في كل، والمقصد من ذلك واضح.
[ ٣ / ٤٨٧ ]
صفة القبض، والأصل فيما يقبضه الإنسان من مال غيره الضمان؛ للأثر، ويُقبل
قول الغارم في القيمة (^٢٩) (أو اختلفا في ردٍّ: فقول المالك): لأن المستعير قبض
العين؛ لحظ نفسه، فلم يُقبل قوله في الرَّدِّ (^٣٠)، وإن قال: "أودعتني" فقال:
"غصبتني" أو قال: أودعتك قال: "بل أعرتني": صُدِّق المالك بيمينه، وعليه الأجرة
(^٢٩) مسألة: إذا أخذ زيد من عمرو دابة، ثم تلفت، واختلفا: فقال المالك - وهو عمرو: "إني أعرتك إياها" وقال من تلفت تحت يده - وهو زيد -: "أجرتني إيّاها": ولا بيّنة لأحدهما: فإنه يُقبل قول المالك - وهو عمرو - مع يمينه، وعلى زيد أن يدفع مثلها إلى المالك - وهو عمرو - وإن لم يوجد مثل لها: فإنه يدفع له قيمتها يوم تلفها: سواء كانت تلك القيمة أكثر من أجرتها أو أقلَّ؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل عدم الإجارة، والأصل في كل ما يقبضه الإنسان من مال غيره الضمان؛ لقوله ﷺ: "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه" فنستصحب هاتين القاعدتين ونعمل بهما؛ لعدم وجود مُغيِّر، والمقصد من ذلك واضح.
(^٣٠) مسألة: إذا استعار زيد من عمرو ثوبًا واختلفا في ردِّها، فقال المستعير: - وهو زيد -: "إني قد رددتها عليك" فنفى ذلك المالك - وهو المعير وهو عمرو - قائلًا: "لم أستلمها" ولا توجد بيّنة لأحدهما: فإنه يُقبل قول المالك مع يمينه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "البيّنة على المدعي، واليمين على من أنكر" والمالك هنا هو المنكر، ولا بيّنة للمستعير، فيُقبل قول المالك مع يمينه، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون المستعير قد قبض العارية لنفع نفسه فقط، دون المعير - وهو المالك وهو عمرو هنا -: أن لا يُقبل قوله في الرَّد؛ لأن من أقرَّ بقبضه لشيء من شخص ثم ادَّعى بردِّه إلى صاحبه: فإنه لا يُقبل قوله إلّا ببيِّنة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المالك والمعير من تحايل بعض الناس على أكل ماله من غير وجه حق.
[ ٣ / ٤٨٨ ]
بالانتفاع (^٣١).
* * *
(^٣١) مسألة: إذا أخذ زيد من عمرو ثوبًا ثم مضى وقت له أُجرة، فاختلفا: فقال من كان الثوب بيده - وهو زيد -: "إنك أودعتني إياه" - وقال المالك - وهو عمرو -: "بل غصبتني إياه"، أو قال المالك - وهو عمرو -: "أودعتُك" فقال مَنْ كان الثوب بيده - وهو زيد -: "بل أعرتني إياه" ولا بيِّنة لأحدهما: فإنه يُقبل ويُصدَّق قول المالك - وهو عمرو - مع يمينه وعلى زيد أن يدفع أجرة المثل في المدَّة التي استعمل فيها الثوب، ويردُّه إن كان باقيًا، وإن لم يكن باقيًا: فإنه يردُّ قيمته يوم إتلافه؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل قبول قول المنكر، والمالك ينكر فيُقبل قوله، فيكون الثوب مغصوبًا في الحالة الأولى، ووديعة في الحالة الثانية؛ وهذا كله لأجل أن يكون الثوب مضمونًا، فيُعمل بذلك؛ لعدم المغيّر؛ وذلك لضمان حق المالك، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من انتفاع زيد بالثوب مدَّة: أن يدفع أجرته، ويلزم من كونه قد أخذه: أن يردّه أو قيمته.
هذه آخر مسائل باب "العارية" ويليه باب "الغصب وضمان ما أتلفه الأخرون".
[ ٣ / ٤٨٩ ]