من العصب، وهو الشد سمُّوا بذلك؛ لشد بعضهم أزر بعض (وهم كل من لو انفرد لأخذ المال بجهة واحدة) كالأب، والابن، والعم، ونحوهم، واحترز بقوله: "بجهة واحدة" عن ذي الفرض؛ فإنه إذا انفرد يأخذه بالفرض والرَّد، فقد أخذه بجهتين (ومع ذي فرض يأخذ ما بقي) بعد ذوي الفروض، ويسقط إذا استغرقت الفروض التركة، فالعصبة: من يرث بلا تقدير (^١) ويُقدَّم أقرب العصبة (فأقربهم ابن، فابنه وإن نزل)؛ لأنَّه جزء الميت (ثم الأب)؛ لأن سائر العصبات يدلون به (ثم الجد) أبوه (وإن علا)؛ لأنَّه أب وله إيلاد (مع عدم أخ لأبوين أو لأب) فإن اجتمع معهم
باب العصبات
وفيه إحدى عشرة مسألة:
(^١) مسألة: العصبات: جمع عصبة، وهي لغة: من العصب، وهو: الشدُّ والإحاطة، ومنه "عصابة الرأس"؛ لأنها تحيط بالرأس، ويُشدُّ بها، ومنه: "عصب الجرح" إذا شدَّه، وأحاطه بعصابة تمنع سيلان الدم، وتدفع الأذى عنه، وهي اصطلاحًا: "هم كل من لو انفرد لأخذ جميع التركة بجهة واحدة أو أخذ ما بقي بعد أخذ أصحاب الفروض فروضهم بلا تقدير ولا تعيين سهم، أو يسقط عند استغراق الفروض التركة" والمراد: أن العاصب لو انفرد - كالأب أو الابن -: فإنه يأخذ جميع التركة بشرط: أن يكون أخذه لذلك بسبب جهة واحدة فقط، وهي واحدة من جهات سبع - وهي: البنوة، ثم الأبوة، ثم الجدودة، ثم الأخوة، ثم بنو أخوة، ثم عمومة، ثم الولاء -، واشترط هذا الشرط؛ لإخراج ذوي الفرض - ذكرًا أو أنثى - الذي إذا انفرد يأخذ التركة كلها بسبب جهتين: جهة الفرض، وجهة الرَّد مثل: "الأم" و"الأخت" - كما سيأتي بيانه -.=
[ ٤ / ١٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[فرع]: أُخِّر العصبات عن أصحاب الفروض؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" حيث دل هذا بمنطوقه: على أنه يبدأ أولًا بإعطاء أهل الفروض فروضهم، وأن العاصب - وهو أقرب رجل إلى الميت من جهة أبيه - يأخذ الباقي إن بقي شيء، ودل بمفهوم العدد على أن العاصب إذا انفرد يأخذ جميع المال، وعلى أنه يسقط إذا استغرقت الفروض التركة وإنما قدم صاحب الفرض؛ لئلا يقدم العاصب فيأخذ المال كله. فائدة: عصبة الرجل هم: قومه الذين يتعصَّبون به، وهم بنوه، وقرابته لأبيه، وسُمُّوا بذلك لأنهم عصبوا به أي: أحاطوا به، وشدَّ بعضهم أزر بعض، ودافعوا عنه في الحياة، فالأب، طرف، والابن: طرف، والأخ: جانب والعم: جانب، فائدة ثانية: العصبة تطلق على الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث؛ للغلبة، والرجل يعصب، المرأة أي: يجعلها عصبة، فائدة ثالثة: العصبات جمع الجمع؛ للتلازم؛ حيث إن عاصب مفرد، وجمعه عصبة، وجمع عصبة: عصبات، فيلزم أن يكون العصبات جمع الجمع.
[فرع ثان]: العصبة النسبية، وهي التي تجيء من جهة النسب، وهي: فروع الشخص وأقاربه الذكور من جهة أبيه، ومن ينزل منزلتهم من الإناث الذين لا تتوسط بينهم وبين الميت أنثى وهؤلاء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: العصبة بالنفس، وهم: كل قريب ذكر يمكن نسبته إلى الميت، دون توسط أنثى بينهما، وهذا يضم ١ - فرع الميت الذكر - وهم الابن وابن الابن وإن نزل. ٢ - أصل الميت - وهو الأب. ٣ - أصل الميت الثاني وإن علا - وهو: الجد مع الأخوة الأشقاء أو لأب -. ٤ - فروع أخوة الميت: وهم أبناء الأخوة الأشقاء أو الأب - وإن نزلوا. ٥ - فروع جد الميت - وهم الأعمام الأشقاء أو لأب، وأبناؤهم وإن نزلوا، وأعمام أبي الميت وأبناؤهم وإن=
[ ٤ / ١٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نزلوا، وأعمام جده وأبناؤهم وإن نزلوا؛ لقواعد؛ الأولى: الكتاب؛ وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ حيث دلَّت على أن الابن عصبة، وأن الأب عصبة عند عدم وجود الابن، ودلَّت على أن البنوة مقدمة على الأبوة؛ للتلازم؛ حيث إن ورثته بالتعصيب في حالة وجود الأب، فلو كان الأب مقدمًا على الابن: لكان العكس، وهذا يلزم منه ما ذكر، ثانيهما قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ حيث دلَّت على أن الأخ عصبة؛ لأنها ذكرت نصيب أخته، ولم تذكر نصيب الأخ، وهذا يلزم منه: أن إرثه كان بطريق التعصيب، ودلَّت على أن البنوة والأبوة مقدمة على الأخوة؛ لكون الشارع اشترط في توريث الأخوة: أن يكون الميت كلالة - وهو من لا ولد ولا والد له - الثانية: السنة القولية: حيث إن امرأة سعد بن الربيع قالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد، وأن عمهما أخذ مالهما فقال ﵇ لعمهما: "أعطِ ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك" حيث دل ذلك على أن العم عصبة. الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث إن النبي ﷺ جعل المال للأخ الشقيق ثم للأخ لأب، ثم لابن الأخ الشقيق، ثم لابن الأخ لأب، ثم للعم. حيث دل هذا على أن الأخوة عصبة مقدمة على عصبة العم.
تنبيه: عند إطلاق لفظ "عاصب" أو "عصبة" في الفقه: فإنه ينصرف إلى هذا القسم - وهو العصبة بالنفس -؛ للتلازم؛ حيث إن كون عصوبته ثابتة له بأصل قرابته وذاته، لا بواسطة قرابة غيره؛ وكون العصبات في الأصل من الذكور يلزم منه: أن يكون هذا القسم هو الأصل المتقدم في الذهن عند=
[ ٤ / ١٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإطلاق.
تنبيه آخر: من انتسب إلى الميت بالأنثى وحدها فلا يكون عاصبًا، بل من أصحاب الفروض كالأخ لأم، أو من الأرحام كابن البنت.
القسم الثاني: العصبة بالغير، وهي: كل أنثى فرضها النصف إذا كانت واحدة والثلثان إذا كن اثنتين فأكثر احتاجت في عصوبتها إلى الغير، وشاركته في تلك العصوبة، فترث معه بالتعصيب، لا بالفرض، ويشترط هنا: أن يكون العاصب الذكر في درجة الأنثى أو دونها إذا احتاجت إليه - وهو المبارك - فمثلًا: لو مات ميت عن "ابنتين، وبنت ابن، وابن ابن ابن" فللبنتين الثلثان فرضًا، والباقي يكون لبنت الابن، وابن ابن الابن للذكر مثل حظ الأنثيين، فهنا: لولا وجود ابن ابن الابن لما أخذت بنت الابن شيئًا؛ لكون البنتين قد استكملتا الثلثين فاحتاجت إليه؛ ليكون مورِّثًًا لها، وتنحصر العصبة بالغير في أربع: ١ - البنت. ٢ - بنت الابن. ٣ - الأخت الشقيقة. ٤ - الأخت لأب، فمتى وجد مع كل واحد منهن عاصب ذكر: فإنها تصير عصبة به؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ حيث دلَّت على أن أولاد الميت، أو أولاد الأبناء إذا اجتمعوا: فإنهم يقتسمون المال للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا دليل التعصيب، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً، رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ حيث دلَّت على أن الأخوة والأخوات إذا اجتمعوا: فإن للذكر مثل حظ الأنثيين، وهذا دليل التعصيب.
القسم الثالث: العصبة مع الغير وهي: كل أنثى صاحبة فرض تصير عصبة مع أنثى أخرى. وهذه منحصرة في: الأخوات الشقيقات، والأخوات لأب مع الفرع الوارث المؤنث بشرط: عدم وجود من يعصب الفرع الوارث من =
[ ٤ / ١٣٠ ]
فعلى ما تقدم ثم (هما) أي: ثم الأخ لأبوين، ثم لأب (ثم بنوهما) أي: ثم بنو الأخ الشقيق، ثم بنو الأخ لأب، وإن نزلوا (أبدًا ثم عم لأبوين، ثم عم لأب، ثم بنوهما كذلك) فيقدم بنو العم الشقيق، ثم بنو العم لأب (ثم أعمام أبيه لأبوين ثم) أعمام أبيه (لأب، ثم بنوهم كذلك) يقدم ابن العم الشقيق على ابن العم لأب (ثم أعمام جده، ثم بنوهم كذلك)، ثم أعمام أبي جده، ثم بنوهم كذلك، وهكذا (^٢) (لا يرث بنو أب
إخوتهن فمثلًا: لو مات ميت عن: "أخت شقيقة، وبنت" فإن للبنت النصف فرضًا، وللأخت الباقي تعصيبًا، لكون الشقيقة صارت عصبة مع البنت؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد أعطى البنت النصف، وبنت الابن السدس - تكملة الثلثين -، فأعطى الأخت الباقي - كما رواه ابن مسعود.
فائدة: العاصب بالنفس لا يكون إلا ذكرًا، والعاصب بالغير لا يكون إلا أنثى مع ذكر، والعاصب مع الغير لا يكون إلا أنثى مع أنثى أخرى، هذه خلاصة ما سبق.
(^٢) مسألة: العصبات ترتَّب على ما يلي: الأول: الابن، فلا يعصب أحد مع وجود هذا الابن؛ للكتاب؛ وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ حيث يلزم من ابتداء الشارع بالأولاد: أنه أولى بالاهتمام من غيره، فيكون الابن مقدم على غيره في العصبة، ثانيهما: قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ حيث إنه يلزم من عدم جعل الشارع للابن سهمًا مقدرًا، وقدَّر السهم الخاص بالأب: أن الابن مقدم في العصبة على الأب وغيره، نظرًا لكون الابن جزءًا من الميت، وجزء الشيء أقرب إليه من أصله.
الثاني: ابن الابن وإن نزل؛ للكتاب؛ وهو من وجهين، وهما: الآيتان اللتان قد ذكرتهما في الأول - وهو الابن؛ لأن ابن الابن وأنزل ابن، الثالث: الأب؛ للتلازم؛ حيث إن بقية العصبات يدلون به وهو الطرف الآخر للميت: فلزم تقديمه على غيره، الرابع: الجد - وهو أبو الأب - وإن علا بمحض الذكور، بشرط عدم =
[ ٤ / ١٣١ ]
أعلى) وإن قربوا (مع بني أب أقرب وإن نزلوا)؛ لحديث ابن عباس يرفعه: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" متفق عليه و"أولى" هنا بمعنى: أقرب، لا بمعنى أحق، لما يلزم عليه من الإبهام والجهالة (فأخ لأب) وابنه وإن نزل (أولى من عم) ولو شقيقًا (و) من (ابنه و) أخ لأب أولى من (ابن أخ لأبوين)؛ لأنه أقرب منه (وهو) أي: ابن أخ لأبوين (أو ابن أخ لأب أولى من ابن ابن أخ لأبوين)؛ لقربه (^٣)
وجود الأخ الشقيق، أو لأب، فإن وجد معه: فإنه يرث معه - كما سبق في مسألة (١١) من: "تعريف الفرائض، وأسباب الإرث، وأصناف الورثة .. "، ولكن يقدم الجد عليهم بالجملة؛ للتلازم؛ حيث إن الجد له نوع ولادة كالأب، وأنه إذا لم يبق إلّا السدس: فإنه يأخذه، ويسقط الأخ وإن كان معه، وإذا لم يبق شيء في المسألة: أعيل له بالسدس، فيلزم من ذلك: تقديمه على غيره، الخامس: الأخ الشقيق؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قرابته للميت بطريقين - الأب والأم -: أن يقدم على غيره؛ السادس: الأخ لأب؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من اشتراكه مع الشقيق بالأب: أن يقدم على غيره، السابع: ابن الأخ الشقيق؛ للقياس على أبيه: الأخ الشقيق وإن نزل، الثامن: ابن الأخ لأب وإن نزل؛ للقياس على أبيه: الأخ لأب، التاسع: العم الشقيق؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قوته: تقديمه، العاشر: العم لأب؛ لكونه يلي العم الشقيق في القوة - وهما: بنو الجد - الحادي عشر: ابن العم الشقيق، الثاني عشر: ابن العم لأب، الثالث عشر: عم الأب الشقيق. الرابع عشر: عم الأب لأب. الخامس عشر: ابن عم الأب الشقيق، السادس عشر: ابن عم الأب لأب، السابع عشر: عم الجد الشقيق، الثامن عشر: عم الجد لأب، التاسع عشر: ابن عم الجد الشقيق، العشرون: ابن عم الجد لأب وإن نزلوا وهكذا الواحد والعشرون: العم الشقيق لأبي الجد؛ الثاني والعشرون: العم لأب لأبي الجد، ثم بنوهما وهكذا؛ للإجماع: حيث أجمع العلماء على هذا الترتيب.
(^٣) مسألة: إذا وجد عاصب بعيد مع عاصب قريب مثل: "جد مع أب" أو "ابن ابن =
[ ٤ / ١٣٢ ]
(ومع الاستواء) في الدرجة كأخوين وعمين: (يقدَّم من لأبوين) على من لأب؛ لقوة القرابة (^٤) (فإن عدم عصبة النسب ورث المعتِق) ولو أنثى؛ لقوله ﵇: "الولاء لمن أعتق" متفق عليه (ثم عصبته) الأقرب فالأقرب كنسب، ثم مولى المعتِق، ثم عصبته كذلك (^٥).
مع ابن" أو "بني أب أقرب إلى الميت مع بني أب أبعد" أو "عم شقيق مع أخ لأب" أو "عم شقيق مع ابن أخ لأب" أو نحو ذلك: فإنه يقدم من هو أقرب درجة إلى الميت، فنقدم في الصور السابقة الابن على ابن الأب على الجد، والابن على ابن الابن، وبني الأب الأقرب على بني أب أبعد، والأخ لأب على العم الشقيق، وابن الأخ لأب على العم الشقيق، وهكذا؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: ألحقوا الفروض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" والأقرب إلى الميت هو الأولى بالميراث.
(^٤) مسألة: إذا استوت العصبات في الجهة والدرجة: فإنه يُقدَّم الأقوى قرابة، فيقدم صاحب القرابتين: فيُقدَّم الأخ الشقيق على الأخ لأب إذا اجتمعا ويقدم العم الشقيق، على العم لأب إذا اجتمعا ويُقدَّم ابن الأخ الشقيق على ابن الأخ لأب إذا اجتمعا وهكذا؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كونه قويًا في قرابته: تقديمه.
[فرع]: إذا استوت العصبات في الجهة والدرجة وقوة القرابة: فإن الجميع يستحقون التركة، يقتسمونها بينهم بالتساوي، فمثلًا لو مات ميت عن: "ابن ابن ابنه، وابن ابن ابنه الآخر" فإن التركة تُقسَّم بينهما بالتساوي؛ للتلازم؛ حيث يلزم تساويهما بالجهة، والدرجة، والقوة: تساويهما في الميراث.
(^٥) مسألة: إذا عدم العصبة السابقة الذكر في مسألة (٢): فإن المعتِق هو الذي يرث المعتَق: سواء كان هذا المعتِق ذكرًا أو أنثى، فإن عدم المعتِق المباشر: فإن عصبته هم الذين يرثون: الأقرب فالأقرب - كما سبق بيانه في العصبة النسبية، فإن عدمت عصبة المعتِق: فإن مولى المعتِق هو الذي يرث، فإن عدم هذا المولى: فإن =
[ ٤ / ١٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عصبته هم الذين يرثون وهكذا - كما سبق بيانه في العصبة النسبية؛ وهذا الإرث هنا يلي العصبات النَّسَبية للعتق مباشرة، ويُقدَّم على الرَّد على أصحاب الفروض، وعلى إرث ذوي الأرحام، وهو قول الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "الولاء لمن أعتق" فأثبت الشارع الولاء للمعتِق، ونفاه عمّن سواه، فيكون المعتِق أولى بالمعتَق من غيره بإرث وغيره.
ثانيهما: أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن مال عبد قد أعتقه، فقال النبي ﷺ: "إن مات ولم يدع وارثًا، فلك ماله" وهو صريح في أن المعتِق هو الذي يرث المعتَق إذا لم يوجد من يرثه من أصحاب الفروض، أو العصبات؛ الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه كان لبنت حمزة مولى أعتقته، فمات وترك ابنته، ومولاته - وهي بنت حمزة - فأعطى النبي ﷺ ابنته النصف، وأعطى بنت حمزة النصف" حيث دل هذا على أن المولى الأعلى - وهو المعتِق - يرث العبد الذي أعتقه، وأنه يرثه تعصيبًا، وأنه مقدم على الرَّد، ومعروف أن الرَّد مقدم على إرث ذوي الأرحام، فإن قلت: لم جعل الشارع المعتِق وارثًا للمعتَق تعصيبًا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن الشارع جعل للمعتِق هذا الحق مكافأة على نعمة الإعتاق والحرية التي أعطاها المعتِق للعتيق، وهذا فيه حثّ على الإعتاق؛ لأن الشخص إذا علم أنه يرث ذلك العتيق - إن مات ولم يترك وارثًا -: فإنه سيسارع إلى إعتاقه، وبهذا يكون له الخير من جانبين: خير وأجر الإعتاق عند الله، وخير الميراث الدنيوي، فإن قلت: ما الفرق بين العصبة النسبية والعصبة السببية - وهو الإعتاق -؟ قلتُ: النسب يوجب الميراث بين الجانبين: فكما يرث الابن أباه، فكذلك يرث الأب ابنه، وأما العصبة السببية - وهو: الإعتاق - فلا يوجب الميراث إلا من جانب واحد، وهو جانب المعتِق؛ حيث إن المعتِق هو الذي يرث العتيق، دون العكس، فإن قلتَ: إن قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ =
[ ٤ / ١٣٤ ]
ثم الرَّد، ثم ذوو الأرحام (^٦)، (^٧).
فصل: (يرث الابن) مع البنت مثليها (و) يرث (ابنه) أي: ابن الابن مع بنت الابن مثليها؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (و) يرث (الأخ لأبوين) مع أخت لأبوين مثليها (و) يرث الأخ (لأب مع أخته مثليها)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (وكل عصبة غيرهم) أي: غير هؤلاء الأربعة كابن الأخ، والعم، وابن لعم، وابن المعتِق،
شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يدل على تقديم ذوي الأرحام على المعتِق وعصبته، فلو مات ميت عن: "ابن بنت، وعصبة سببية - وهو المعتِق -: فإن ميراثه أولًا يكون لذوي الأرحام، وبعد ذلك يُعطى المعتِق، وهو قول عمر وابن مسعود قلتُ: إن تلك الآية جاءت مبينة لأولوية توريث ذوي الأرحام على التوارث بالمواخاة الذي كان معمولًا به في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك؛ حيث أبطل الشارع التوارث بالمؤاخاة، وجعل الأرحام أولى من ذلك هذا ما استفيد من سبب نزول تلك الآية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل يؤخذ بها دون النظر في سبب نزولها أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم، ولا ينظر إلى سبب نزولها.
(^٦) مسألة: إذا عدم العصبة النسبية، والسببية: فإنه يُرد الباقي والزائد من الفروض إلى أصحاب الفروض الموجودين بنسبة فروضهم، فيكون - بناء على هذا - صاحب الفرض قد أخذ نصيبين من التركة: أحدهما بالفرض، والثاني بالرد - وسيأتي بيان أحكام الرد في باب: "أصول المسائل، والعول والرد".
(^٧) مسألة: إذا عُدم العصبة النسبية، والسببية، وذوو الفروض الذين يرد عليهم: فإن المال يُقسَّم على ذوي الأرحام وهم: أقرباء الميت الذين ليسوا من أصحاب الفروض، وليسوا من العصبات، ويتوسط بينهم وبين الميت أنثى في الغالب مثل: ابن البنت، وسيأتي بيانه في باب: "ذوي الأرحام".
[ ٤ / ١٣٥ ]
وأخيه (لا ترث أخته معه شيئًا)؛ لأنها من ذوي الأرحام، والعصبة مقدم عليهم (^٨)
(^٨) مسألة: أربعة من الذكور يعصبون أخواتهم عصبة بالغير، فيمنعوهن الفرض، ويقتسمون ما ورثوه للذكر مثل حظ الأنثيين، وهم: ١ - "الابن مع أخته: البنت" فيأخذ الابن مثلي حق البنت. ٢ - "ابن الابن مع أخته: بنت الابن" فيأخذ "ابن الابن مثلي حق بنت الابن". ٣ - "الأخ الشقيق مع أخته الأخت الشقيقة" فيأخذ هذا الأخ مثلي حق أخته. ٤ - الأخ لأب مع أخته: الأخت لأب" فيأخذ هذا الأخ مثلي حق أخته؛ أما غير هؤلاء الأربعة: فإن الذكور ينفردون بالميراث، دون أخواتهم وإناثهم، وهم: بنو الأخوة كمثل: "ابن الأخ، والعم، وابن العم، وابن المعتق، وأخيه، وسائر العصبات"؛ للكتاب؛ وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ حيث شملت هذه الآية الأولاد، وأولاد الابن؛ فإذا اجتمع ذكورهم مع إناثهم: فإن الذكر يُعطى مثل حظ الأنثيين، وأولاد الابن: أولاد بالإجماع؛ لأن "أولادكم" جمع منكر مضاف إلى معرفة، وهو من صيغ العموم، ثانيهما: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ حيث شملت هذه الآية الأخ الشقيق، والأخ لأب، فإذا اجتمع ذكورهم مع إناثهم: فإن الذكر يُعطى مثل حظ الأنثيين وهذه الآية خاصة في الأخوة الأشقاء، والأخوة لأب، دون الأخوة لأم - كما سبق ودلّت الآيتان بالمفهوم على أن غير الأولاد، وغير الأخوة: لا ترث أخته معه، بل ينفرد الذكور بالميراث، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الرجال والنساء كلهم يرثون فلو فرض للنساء فرض لأدَّى إلى تفضيل الأنثى على الذكر، أو مساواتها إياه، أو إسقاطه بالكلية، فكانت المقاسمة بهذه الطريقة أعدل، أما غير الأولاد، وغير الأخوة - كبني الأخوة، أو الأعمام، وبنوهم - فإن أخواتهم لسن من أهل الميراث؛ حيث إنهن لسن بذوات فرض، ولا يرثن منفردات، ويلزم من ذلك: عدم إرثهن مع =
[ ٤ / ١٣٦ ]
(وابنا عم أحدهما أخ لأم) للميتة (أو زوج) لها (له فرضه) أولًا (والباقي) بعد فرضه (لهما) تعصيبًا، فلو ماتت امرأة عن: بنت، وزوج هو ابن عم: فتركتها بينهما بالسوية، وإن تركت معه بنتين: فالمال بينهم أثلاثًا (^٩) (ويبدأ بـ) ذوي (الفروض) فيُعطون فروضهم (وما بقي للعصبة)؛ لحديث: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل عصبة" (ويسقطون) أي: العصبة إذا استغرقت الفروض التركة؛ لما سبق (^١٠) حتى الأخوة الأشقاء (في الحمارية) وهي: "زوج، وأم، وإخوة لأم، وأخوة
إخوتهن شيئًا، وهن من ذوي الأرحام، والعصبة مقدمة على ذوي الأرحام كما سبق.
(^٩) مسألة: إذا كان بعض بني الأعمام زوجًا للميتة، أو أخًا لأم للميتة: فإن هذا الزوج أو الأخ لأم يأخذ فرضه، ويشارك الباقين في تعصيبهم، فمثلًا: لو ماتت ميتة عن: "ابني عم، أحدهما أخ لأم" فإن الأخ لأم يأخذ السدس فرضًا، والباقي يكون بين ابن عمها الذي هو أخوها لأمها، وبين ابن عمها الذي ليس هو أخوها لأمها يقتسمانه بالسوية وهذا بالتعصيب، ولو ماتت ميتة عن: "ابني عم أحدهما زوجها" فإن الزوج يأخذ النصف فرضًا، والباقي يقتسمه مع ابن عمها الذي ليس بزوج لها بالتعصيب، ولو ماتت ميتة عن: "بنت، وزوج هو ابن عم لها" فللبنت النصف، وللزوج الربع، والباقي يأخذه الزوج أيضًا تعصيبًا؛ لكونه ابن عمها، ولو ماتت ميتة عن: "بنتين، وزوجها الذي هو ابن عمها" فللبنتين الثلثان، وللزوج الربع، والباقي يأخذه الزوج تعصيبًا؛ لكونه ابن عمها، وهكذا؛ لقول الصحابي؛ حيث إن هذا قد ثبت عن عمر، وزيد، وعلي، وابن عباس، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن كلًّا من الأخ لأم، والزوج في المسائل السابقة قد أدلوا بقرابتين: الفرض، والتعصيب فيورثان بهما.
(^١٠) مسألة: إذا اجتمع من يرث بالفرض، ومن يرث بالتعصيب: فإنه يُعطى من يرث بالفرض أولًا فروضهم، فإن بقي شيء: فإنه يكون لمن يرث بالتعصيب، =
[ ٤ / ١٣٧ ]
أشقاء": للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوة من الأم الثلث، وتسقط الأشقاء؛ لاستغراق الفروض التركة، روي عن علي، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عباس، وأبي موسى ﵃، وقضى به عمر أولًا، ثم وقعت ثانيًا، فأسقط ولد الأبوين، فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين هب أن أبانا كان حمارًا أليست أمنا واحدة؟ فشرَّك بينهم ولذلك سُمِّيت بـ "الحمارية" (١١).
أما إن لم يبق شيء واستغرقت الفروض التركة: فإن العصبة يسقطون؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" حيث دل بمنطوقه على أنه يُبدأ أولًا بأهل الفرائض فتقسَّم عليهم فرائضهم، وإن بقي شيء: فهو للعصبة لأولى ذكر من العصبة، ودل بمفهوم الشرط على أنه إذا لم يبق شيء: فإن العصبة يسقطون؛ لأن ذلك لازم من استغراق الفروض التركة. (١١) مسألة: المسألة الحمارية، أو المسألة المشتركة أو المشرّكة، أو الحجرية تستثنى من قاعدة مسألة (١٠)؛ وهي: "زوج، وأم، وأخوة لأم، وأخوة أشقاء" فتكون المسألة من ستة: للزوج النصف - وهو ثلاثة - وللأم السدس - وهو واحد -، وللأخوة لأم والأشقاء الثلث يُقسِّمونه بينهم بالسوية للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو قول مالك والشافعي وكثير من العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الأخوة لأم يرثون فكذلك من باب أولى أن يرث الأخوة الأشقاء، والجامع: أن كلًّا منهما أخ للميت من أمه، ولهذا قال الأخوة الأشقاء لعمر: "هب أن أبانا حمارًا، أو حجارًا، لم يزدنا قربنا من الميت بالأبوين إلا قوة، فإن لم يزدنا قربنا هذا من الميت قوة واستحقاقًا: فإنه لا يسقطهم، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر قد قضى بالتشريك بين الأخوة لأم والأخوة الأشقاء في آخر قضائه، وقضى به زيد، وعثمان رضي الله عن الجميع، فإن قلتَ: إن الأخوة لأم يأخذون الثلث كله، ويسقط الأخوة الأشقاء في هذه المسألة، وهو ما ذكره المصنف هنا وهو قول أبي حنيفة وأحمد؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث إن ذلك قد ثبت =
[ ٤ / ١٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن علي، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عباس، وأبي موسى رضي الله عن الجميع، الثانية: التلازم؛ حيث إن استغراق الفروض والتركة يلزم منه: سقوط العصبة، وهم هنا الأخوة الأشقاء قلتُ: أما قول الصحابي فيعارضه قول الصحابي الآخر، فيتساقطان، مع أن زيد بن ثابت مع القائلين بالتشريك فيُرجَّح به؛ لقوله ﷺ: "أفرضكم زيد"، أما التلازم: فهو باطل؛ لأن الأخوة الأشقاء هم في الحقيقة إخوة لأم وزيادة، كما بيّنا. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الأخوة الأشقاء في المسألة هل يُعتبرون أخوة لأم أو لا؟ فعندنا: يُعتبرون، وعندهم: لا.
هذه آخر مسائل باب "العصبات"، ويليه باب: "أصول المسائل، والعول والرَّد".
[ ٤ / ١٣٩ ]