بضم الغين: الاغتسال، أي: استعمال الماء في جميع بدنه على وجه مخصوص، وبالفتح: الماء، أو الفعل، وبالكسر: ما يغسل به الرأس من خِطْمي وغيره (وموجبه): ستة أشياء (^١) أحدها: (خروج المني) من مخرجه (دفقًا بلذة، لا) إن خرج (بدونهما من غير نائم) ونحوه، فلو خرج من يقظان لغير ذلك كبرد ونحوه من غير شهوة: لم يجب به غسل؛ لحديث علي يرفعه: "إذا فضحت الماء فاغتسل وإن لم تكن فاضخًا
باب الغُسْل
وفيه ست وأربعون مسألة:
(^١) مسألة: الغُسْل - بضم الغين - هو: الاغتسال، وهو المراد بهذا الباب، وهو: أن يستعمل الشخص - الذي يُريد إزالة الحدث الأكبر عنه من جنابة وغيرها - الماء في جميع بدنه على وجه مخصوص وطريقة مخصوصة - سيأتي بيان ذلك -، فإن قلتَ: لِمَ جُعل هذا الباب بعد باب نواقض الوضوء؟ قلتُ: لأن كل ما أوجب غَسْلًا نقض الوضوء - كما سبق في مسألة (١٩) من باب "نواقض الوضوء"، فأراد أن يبيِّن الأشياء التي توجب الغسل، وكذا: إنه لما بيَّن فروض وسنن الوضوء التي تزيل الحدث الأصغر: أراد أن يبين ما يزيل الحدث الأكبر، وصفته، فإن قلتَ: لِمَ ضُمَّت الغين هنا؟ قلتُ: لتفريق ذلك عن "الغَسْل" - بفتح الغين - الذي هو نفس الماء الذي يُغتسل به وعن "الغِسل" - بكسر الغين - وهو الغسول الخاص بالرأس من خطمي وطين وأشنان وصابون - والخِطمي بكسر الخاء - حبيبات تؤخذ من شجرة تنبت في الصحراء للتنظف بها - كما جاء في "الصحاح" (٥/ ١٧٨١) و"اللسان" (١١/ ٤٩٤) و"المصباح" (١٧٤)، والموجبات ستة، تنبيه: الأشياء التي توجب الغُسْل ستة، سيأتي بيانها في المسائل الآتية:
[ ١ / ١٩٤ ]
وإن أفاق نائم ونحوه يمكن بلوغه فوجد بللًا: فإن تحقق أنه مني: اغتسل فقط ولو لم يذكر احتلامًا، وإن لم يتحققه منيًا: فإن سبق نومه ملاعبة أو نظر أو فكر ونحوه، أو كان به أبْرَده: لم يجب الغسل، وإلا: اغتسل وطهَّر ما أصابه؛ احتياطًا (^٣) (وإن انتقل)
(^٣) مسألة: إذا أفاق النائم البالغ، ورأى بعد إفاقته سائلًا في ثوبه أو فراشه: فإن له حالات: الحالة الأولى: إن تأكد أن هذا السائل مني: فإنه يجب عليه الغسل: سواء تذكر احتلامًا أو لا، أو تذكر لذة أو لا، الحالة الثانية: إن غلب على ظنه أنه مني ولم يكن قبل نومه قد لاعب زوجته أو أمته، ولم يفكر ولم ينظر، وخالي من أي مرض: فإنه يجب عليه الغسل، ويغسل البقعة التي سقط عليها هذا السائل، الحالة الثالثة: إن شك هل هو مني أو مذي؟، وكان قد لاعب زوجته أو أمته، أو فكر أو نظر بشهوة، أو كان فيه مرض كأبْرَده - وهو شيء يصيب الإنسان بسبب شدة البرد والرطوبة -: فإنه لا يجب عليه الغسل، ويجب عليه غسل البقعة التي سقط عليها ذلك السائل؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث سألت أم سُلَيم النبي ﷺ قائلة: المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، فقال ﷺ: "إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل" فأوجب الغسل من خروج المني من النائم؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وهذا عام، فيشمل ما تأكد الشخص أنه مني، وما غلب على ظنه أنه كذلك؛ لكونه لم يسبق نومه شيء مسبب لخروج المذي، وما كان كذلك فلا يُحمل غالبا إلا على خروج المني، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من الملاعبة والتفكير والنظر ووجود مرض خروج مذي غالبًا فبُني الحكم عليه ولم يوجب الغسل؛ لأن خروج المذي لا يوجبه، فإن قلتَ: لِمَ شرع هنا هذا التفصيل؟ قلتُ: نظرًا لما يغلب على الظن تعيين نوع هذا السائل بسبب الحالات التي تعتري هذا القائم من نومه، فإن قلتَ: لِمَ يغسل البقعة في الحالة الثانية والثالثة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للدِّين، إذ يحتمل في الحالة الثانية أن يكون السائل مذيًا احتمالًا =
[ ١ / ١٩٥ ]
فلا تغتسل" رواه أحمد، و"الفضخ": خروجه بالغلبة قاله إبراهيم الحربي، فعلى هذا: يكون نجسًا، وليس بمذي، قاله في "الرعاية"، وإن خرج المني من غير مخرجه: كما لو انكسر صلبه فخرج منه: لم يجب الغسل، وحكمه حكم النجاسة المعتادة، (^٢)
(^٢) مسألة: في الأول - من موجبات الغُسْل - وهو: خروج المني دفقًا بلذة وشهوة من مخرجه المعتاد، فإن خرج بدون تدفق وشهوة، أو خرج من غير مخرجه المعتاد - كظهره مثلًا -: فإنه لا غسل عليه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لعلي: "إذا فضخت الماء فاغتسل، وإن لم تكن فاضخًا: فلا تغتسل" حيث أوجب الشارع الغُسل على الشخص الذي أخرج منيه من مخرجه المعتاد دفقًا بشهوة؛ لأن الأمر في قوله: "فاغتسل" مطلق وهو يقتضي الوجوب، ولأن لفظ "الفضخ" يلزم منه: أن يكون ذلك الخروج دفقًا بلذة - وهو: الغلبة والشِّدَّة كما جاء في "اللسان" (٣/ ٤٦) - وخروجه من المعتاد لازم أيضًا من لفظ "الفضخ"؛ لكون الذي يُخرجه من غير مخرجه لا يُسمى فاضخًا، وقد سبق بيان أن خروج المني والمذي والودي من غير مخرجه تُعتبر نجاسة خرجت من البدن توجب الوضوء وذلك في مسألة (١) من باب "نواقض الوضوء" فإن قلتَ: لِمَ كان خروج المني بهذه الصفة يوجب الغُسل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الاغتسال بالماء يعيد للبدن نشاطه بعد الكسل والثقل والفتور الذي أصابه بسبب خروج ذلك المني بتلك الشدة والغلبة، ويزيل بالاغتسال أيضًا: النجاسات والقاذورات التي أصابته بسبب ذلك الجماع، بخلاف ما إذا خرج ذلك المني بدون تدفق وشهوة، أو خرج من غير مخرجه المعتاد: فإنه لا يحصل منه ذلك: فلم يجب الغسل عليه، فإن قلتَ: ما الفرق بين المني، والمذي؟ قلتُ: "المني": ماء أبيض ثخين له رائحة كرائحة لقاح النخيل وهو طاهر، و"المذي": ماء يخرج لزجًا عند ابتداء الشهوة، وهو أبيض رقيق جدًا، وسيأتي بيان ذلك في باب "إزالة النجاسة".
[ ١ / ١٩٦ ]
المني (ولم يخرج: اغتسل له)؛ لأن الماء قد باعد محلَّه، فصدق عليه اسم "الجنب" ويحصل به البلوغ ونحوه مما يترتب على خروجه (فإن خرج) المني (بعده) أي: بعد غسله؛ لانتقاله: (لم يُعِدْه)؛ لأنه مني واحد فلا يوجب غُسْلين (^٤) (و) الثاني (تغيُّب
مرجوحًا، ويُحتمل احتمالًا راجحًا في الحالة الثالثة: أن يكون السائل مذيًا، والمذي نجس، يجب غسل البقعة الساقط عليها - كما سبق -.
(^٤) مسألة: إذا أحس بانتقال المني بشهوة، ولكنه لم يخرج بسبب مسكه لذكره أو غير ذلك: فإن هذا لا يوجب الغسل، وهو قول الجمهور؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "إذا رأت ذلك المرأة فلتغتسل" - وهو حديث أم سليم - ثانيهما: قوله ﷺ: "إذا فضحت الماء فاغتسل" - وهو حديث علي - حيث دل مفهوم الشرط من هذين الحديثين على أن الاغتسال لا يجب إذا لم يُر الماء بالعين أو أحس بخروجه قطعًا أو غلبة الظن، - وهو: لم يُدخله في الفرج - فإن قلتَ: لِمَ لا يوجب ذلك الغسل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على العباد؛ فلو وجب الغسل بذلك: لَلَحِق أكثر المسلمين ضيق وحرج ومشقة، لكثرة وقوع ذلك، فإن قلتَ: إن هذا يوجب الغسل إن كان بشهوة وإن لم يخرج مني، ويُحكم ببلوغ الصبي بذلك كما لو خرج فعلًا، وهذا ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ والجنب هو: تباعد الشيء عن محله الأصلي، وإذا انتقل المني من محله الأصلي فقد صدق عليه اسم "الجنب" وعليه: فيجب الغسل والتطهر لذلك؛ لوصفه بأنه "جُنُب"؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية:
القياس، بيانه: كما أنه يجب الغسل إذا خرج المني بشهوة فكذلك يجب الغسل من انتقال المني بشهوة والجامع: وجود الشهوة في كل، قلتُ: لا نسلِّم أن المجانبة - المأخوذة من لفظ "الجنب" الوارد في الآية - تحصل من انتقال المني من جهة إلى جهة أخرى في الجسم، بل لا تحصل إلا بخروج المني من الجسم كله، وبهذا يجب عليه الاغتسال أما قبل خروجه فلا يجب، أما قياسهم: فهو فاسد؛ لأنه قياس =
[ ١ / ١٩٧ ]
حشفة أصلية) أو قدرها إن فقدت وإن لم يُنزل (في فرج أصلي: قُبُلًا كان أو دُبُرًا) وإن لم يجد حرارة، فإن أولج الخنثى المشكل حشفته في فرج أصلي، ولم يُنزل، أو أولج غير الخنثى ذكره في قُبُل الخنثى: فلا غسل على واحد منهما إن لم ينزل، ولا غسل إذا مس الختان الختان من غير إيلاج، ولا بإيلاج بعض الحشفة (ولو) كان الفرج (من بهيمة أو ميِّت) أو نائم أو مجنون أو صغير يجامع مثله، وكذا: لو استدخلت ذكر نائم أو صغير ونحوه (^٥) (و) الثالث (إسلام كافر) أصليًا كان، أو
مع الفارق؛ لأن المني الخارج بشهوة وجد فيه وصفان: "خروجه" و"الشهوة" أما المني المنتقل بشهوة فقد وجد فيه وصف واحد، وهو: "الشهوة" فقط، ومع هذا الفارق: فلا قياس، ثم إن مجرَّد وجود "الشهوة" أو تحريكها لا يوجب الغسل؛ إذ لو أوجبه: للزم منه وجوب الغسل بلمس المرأة بشهوة، ولوجب الوضوء من الإحساس بالحدث بالقرقرة الداخلية، وهذا لم يقل به أحد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المراد في الجنب الوارد في الآية" فعندنا: الانتقال من داخل الجسم إلى خارجه بشهوة، وعندهم: الانتقال إلى مكان آخر ولو كان في داخل الجسم مع الشهوة. [فرع]: إذا جامع، أو احتلم: ثم اغتسل بعد ذلك، ثم خرج منه مني بغير شهوة بعد اغتساله: فإنه لا يجب عليه الاغتسال مرة ثانية؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا رأت ذلك فلتغتسل" وقوله: "إذا فضخت الماء فاغتسل" - كما سبقا - حيث إن هذا أمر مطلق، والأمر يقتضي الوجوب، ولا يقتضي التكرار، بل يُكتفى بإيقاع المأمور به مرة واحدة، فإن قلتَ: لِمَ لا يغتسل هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير، إذ لو وجب الاغتسال مرة ثانية: لَلَحِق أكثر المسلمين ضيق وحرج ومشقة؛ لكثرة وقوعه.
(^٥) مسألة: في الثاني - من موجبات الغُسْل - وهو: التقاء الختانين، والمراد به: إذا حصل تغييب حشفة أصلية من - الرَّجل - وهي: الكمرة تكون فوق الذكر - في فرج أصلي من المرأة، وتحاذى ختانهما: وجب الغسل عليهما: سواء أنزل أو لا، وسواء غيَّب تلك الحشفة في قُبُل أو دبر، وسواء غيبها في آدمي، أو بهيمة، =
[ ١ / ١٩٨ ]
مُرتدًا، ولو مميزًا، ولو لم يوجد في كفره ما يوجبه؛ لأن قيس بن عاصم أسلم "فأمره النبي ﷺ أن يغتسل بماء وسدر" رواه أحمد والترمذي، وحسنه (^٦) ويستحب
وسواء كان المغيب فيه هذا حيًا أو لا، نائمًا أو لا، مكرهًا أو لا، مسلمًا أو لا، عاقلًا أو لا، صغيرًا أو لا، حتى لو أدخلت امرأة ذكر نائم أو مجنون أو صغير في فرجها، وبناء على هذا: فإنه إذا مس الختان الختان من غير تغييب وإيلاج الحشفة، أو أدخل بعضها، أو أدخل الخنثى حشفته في فرج أصلي، أو أدخل غير الخنثى ذكره في قبُل الخنثى: فلا يجب الغسل في تلك الصور، إذا لم ينزل، أما إذا أنزل بشهوة: فيجب الغسل مطلقًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا جلس بين شُعبها الأربع، ومس الختان الختان: فقد وجب الغسل" حيث أوجب الغسل إذا التقى الختانان، ويلزم من التقائهما: تغييب الحشفة في فرج أصلي، وهذا عام لجميع الحالات التي ذكرت؛ لأن "إذا" الشرطية من صيغ العموم، ودل الحديث بمفهوم الشرط على عدم وجوب الغسل إذا لم يلتق الختانان - على الصفة التي ذكرناها - لكونه لا يُسمى التقاء لغة ولا شرعًا، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك من موجبات الغسل؟ قلتُ: لأن إدخال الحشفة في فرج أصلي فيه احتمال إثارة شهوة ولذة، يغلب على الظن إنزال مني بسببها، فعومل معاملة من أنزل منيًا فعلًا، كما أوجبنا الوضوء من النوم؛ لأنه أُنزل منزلة الخارج منه حدث فكذلك هنا، فإن قلتَ: لِمَ وجب الغسل إذا أنزل مطلقًا؟ قلتُ: لوجود سبب الغسل، وهو: إنزال المني بشهوة - كما سبق في مسألة (٢) -.
(^٦) مسألة: في الثالث - من موجبات الغُسْل - وهو: إسلام الكافر، أي: إذا أسلم الكافر: فيجب عليه أن يغتسل: سواء كان كافرًا أصليًا، أو كان مرتدًا، وسواء كان عليه ما يوجب الغسل كجنابة أو لا، وسواء كان كبيرًا أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ "قد أمر قيس بن عاصم، وثمامة بن أثال بالاغتسال =
[ ١ / ١٩٩ ]
له إلقاء شعره، قال أحمد: ويغسل ثيابه (^٧) (و) الرابع: (موت)، (^٨) غير
حينما أرادا الإسلام" حيث أوجب الغسل هنا؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ولم يستفصل عن حالهما فيعم جميع أحوالهما؛ لأن ترك الاستفصال عن الحال يُنَّزل منزلة العموم في المقال، وهو: أيضًا عام لجميع من أسلم؛ لأن أمر الواحد من الصحابة هو أمر للجميع، فإن قلتَ: لِمَ وجب عليه الغسل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الاغتسال مع نية صحيحة يطهره ويُنزهه من أي نجاسة حسية وهي القاذورات، أو نجاسة معنوية وهو الشرك والكفر والفسق.
(^٧) مسألة: يُستحب للكافر إذا اسلم أن يُزيل أي شعر فيه: كشعر رأسه، وإبطه وعانته، ويستحب له: أن يغسل ثيابه التي كان قد لبسها في حال كفره؛ للمصلحة؛ حيث إنه في حال كفره لا يحرص على تنظيف شعره، ولا ثيابه، فاستُحب ذلك له إذا أسلم ليُفرق بين حياته في حال كفره القذرة، وبين حياته بعد إسلامه ودخوله في دين النظافة والنزاهة، تنبيه: لو فكر المسلم تفكيرًا دقيقًا في أحكام الإسلام لوجدها تحث على النظافة الداخلية وهي نظافة القلوب من الحقد والحسد والنفاق والغش والخيانة ونحوها، وتحث على النظافة الخارجية وهو المراد بباب الطهارة هنا.
(^٨) مسألة: في الرابع - من موجبات الغسل - وهو: الموت، أي: إذا مات المسلم: وجب غسله وجوبًا كفائيًا - إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين -؛ للسنة القولية؛ حيث أمر ﷺ "بغسل من مات في عرفة" و"بغسل ابنته" فأوجب غسل الميت هنا؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لِمَ أوجب الشارع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تطهير وتنزيه هذا الميت لمقابلة ربه والملكين، ولإبعاد الرائحة الكريهة التي تنبعث من الميت عادة؛ لئلا يؤذي المصلين عليه والحاملين، والدافنين له.
[ ١ / ٢٠٠ ]
شهيد معركة، (^٩) ومقتول ظلمًا - ويأتي - (^١٠) (و) الخامس (حيض و) السادس (نفاس) ولا خلاف في وجوب الغسل بهما قاله في "المغني"، فيجب بالخروج،
(^٩) مسألة: من قاتل في سبيل الله ومات في المعركة فهو شهيد: لا يُغسَّل ولا يصلى عليه؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ "أمر بشهداء أحد أن يُدفنوا بدون غسل ولا صلاة" وهذا الأمر بعدم غسلهم ورد بعد النهي عن دفنهم بدون غسل فيقتضي الإباحة، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو وجب غسل شهيد المعركة: لَلَحِق أكثر المسلمين ضيق ومشقة؛ لأنهم إذا اشتغلوا بغسلهم انشغلوا عن عدوهم فباغتهم وأضرَّ بهم، وإن انشغلوا بقتال عدوهم: ظهرت روائح كريهة من هؤلاء الشهداء، فإكرامًا لهم ولغيرهم، وإبقاء لأثر هذه العبادة وهي الدماء عليهم: شرع عدم غسلهم.
(^١٠) مسألة: إذا قتل المسلم ظلمًا: فإنه يُغسل ويُصلَّى عليه كغيره، وهو مذهب الجمهور؛ للقياس، بيانه: كما أن من مات مبطونًا يُسمى شهيدًا ومع ذلك يغسل ويصلى عليه فكذلك من مات مقتولًا ظلمًا مثله، والجامع: أن كلًا منهما يسمى شرعًا شهيدًا؛ حيث قال ﷺ: "من مات دون أهله فهو شهيد .. " إلى قوله: "والمبطون شهيد" فإن قلتَ: إن هذا لا يُغسَّل وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أن شهيد المعركة لا يُغسَّل فكذلك هذا لا يُغسَّل والجامع: أن كلًا منهما قتل دون وجه حق، ويُسمَّى شهيدًا قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن شهيد المعركة، ذهب باختياره ويشق غسله على المسلمين - كما سبق - بخلاف المقتول ظلمًا: فإنه قد أكره على القتال والمدافعة، ولا يشق غسله؛ لكونه نادر الوقوع، ومع الافتراق: لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن ألحقناه بمن قُتل مبطونًا؛ لكونه أكثر شبهًا به، وهم ألحقوه بشهيد المعركة؛ لأنه أكثر شبهًا به عندهم وهذا هو قياس الشبه، أو "غلبة الأشباه".
[ ١ / ٢٠١ ]
والانقطاع؛ شرط (لا ولادة عارية عن دم) فلا غسل بها، والولد طاهر (^١١) (ومن لزمه الغسل) لشيء مما تقدم: (حرم عليه) الصلاة، والطواف ومسُّ المصحف و(قراءة القرآن) أي: قراءة آية فصاعدًا، وله قول ما وافق قرآنًا إن لم يقصده كالبسملة والحمدلة ونحوهما كالذكر، وله تهجِّيه، والتفكر فيه، وتحريك شفتيه به ما لم يُبين الحروف، وقراءة بعض آية ما لم تطل (^١٢)
(^١١) مسألة: في الخامس والسادس - من موجبات الغُسْل - وهما: الحيض والنفاس، أي: إذا بدأ دم الحيض، أو دم النفاس بالخروج: فإنه يجب الغسل، ولكن يُشترط لصحة الغسل: أن ينقطع دم الحيض ودم النفاس، وعند خروج الولد المصاحب بالدم يكون الولد نجس بسبب تلطخه بذلك الدم، أما إن ولدت ولدًا ولم يُصاحب بدم: فإن الولد طاهر؛ لقاعدتين: الأولى: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن من انقطع عنها دم الحيض والنفاس يجب عليها الغسل، ومستند ذلك السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ثم اغتسلي وصلي" والقياس؛ حيث يُقاس النفاس على الحيض؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تلطُّخ الولد بالدم: تنجُّسه؛ لنجاسة الدم، ويلزم من عدم الدم: كونه طاهرًا، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك من موجبات الغسل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذه الدِّماء الخارجة نجسة، فإذا خرجت: نجسَّت ما حولها، وأصابت المرأة بالكسل والوهن: فشُرع الغسل عليها؛ لإزالة تلك القاذورات ولإعادة النشاط والقوة لجسم المرأة؛ ليكون مناسبًا ولائقًا للقيام بعبادة الله تعالى.
(^١٢) مسألة: يحرم على من وجب عليه الغُسل - كالجنب وغيره مما تقدم -: أن يصلي، ويطوف بالكعبة، ويمس المصحف، وأن يقرأ آية فصاعدًا، أما قراءة بعض آية - غير طويلة - أو تفكير بالقرآن، أو النظر فيه وتحريك شفتيه فيه =
[ ١ / ٢٠٢ ]
ولا يُمنع من قراءته متنجسِّ الفم (^١٣) ويُمنع الكافر من
بدون بيان بعض حروفه، أو قول ما وافق ألفاظ القرآن كالبسملة والحمدلة، والحوقلة ونحو ذلك: فهذا كله مباح إذا لم يقصد به القرآن لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا تقرأ الحائض والجنب أيَّ شيء من القرآن" حيث إن النهي مطلق، وهو يقتضي التحريم، ودل مفهوم الصفة منه على أن أي شيء لا يُطلق عليه قرآن كبعض آية أو ذكر ونحوه: فإنه مباح قوله، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله في كل أحيانه" وهذا عام في الأزمنة، فيشمل الزمن الذي يكون فيه على جنب؛ لأن لفظ "كان" و"كل" من صيغ العموم، الثالثة: القياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن المحدث حدثًا أصغر لا يصلي ولا يطوف، ولا يمس المصحف فكذلك المحدث حدثًا أكبر - كالجنب - مثله، والجامع النجاسة في كل، بل إن نجاسة الحدث الأكبر أغلظ من نجاسة الأصغر، فيكون قياسًا أولى، ثانيهما: كما أن قراءة القرآن تحرم على الحائض والجنب فكذلك تحرم على غيرهما ممن عليه حدث أكبر كالنفساء، ونحوها، والجامع: وجود الحدث الأكبر في كل، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: لتكريم وتعظيم الله ﷿، وكلامه، أصله: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذكر الله هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه "بذكر الله تطمئن القلوب" فلو منع من وجب عليه الغسل من ذكر الله: لَلَحِق أكثر المسلمين حرج ومشقة، ومضره في فوات وقت لم يذكر فيه الله؛ لذلك نجد النبي ﷺ يذكر الله في كل أحيانه، وأمر بأن يكون لسان المؤمن رطبًا من ذكر الله.
(^١٣) مسألة: يجوز للمسلم المتنجس الفم: أن يقرأ القرآن: كأن يشرب دواء نجسًا، أو أكل المضطر الميتة أو نحو ذلك؛ للسنة القولية، حيث "إنه ﷺ قد نهى الحائض والجنب من قراءة القرآن" - كما سبق - حيث إن مفهوم الصفة قد دلَّ =
[ ١ / ٢٠٣ ]
قراءته (^١٤) ولو رُجي إسلامه (^١٥) (ويعبر المسجد) أي: يدخله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي: طريق (لحاجة) وغيرها على الصحيح، كما مشى عليه في "الإقناع"، وكونه طريقًا قصيرًا حاجة، وكره أحمد اتخاذه طريقا، ومُصلّى العيد مسجد، لا مُصلى الجنائز (^١٦) (ولا) يجوز أن (يلبث فيه) أي في المسجد من عليه
على جواز قراءة القرآن لغير الجنب والحائض ونحوهما ممن فيه حدث أكبر، فيشمل عموم هذا المفهوم: من فمه متنجِّس فيجوز له قراءة القرآن؛ لعدم عموم النجاسة في سائر البدن.
(^١٤) مسألة: الكافر يمنع من قراءة القرآن: سواء كان أصليًا أو مرتدًا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فيلزم من وصفهم بالنجاسة: منعهم من قراءة القرآن كما يُمنع من به حدث أكبر من قراءته، فإذا منع المسلم المحدث حدثًا أكبر من ذلك فمنع الكافر منه أولى، فيكون قياسًا أولى - أيضًا - فإن قلتَ: لِمَ يمنع الكافر هنا؟ قلتُ: لتكريم القرآن من الاستهانة به.
(^١٥) مسألة: إذا كان الكافر يرجى إسلامه: فلا يمنع من قراءة القرآن؛ للمصلحة؛ حيث إن رجاء الإسلام فيه جلب مصلحة له وللمسلمين، فتكون هذه المصلحة مخصّصة لعموم الآية السابقة في مسألة (١٤)، فإن قلتَ: يمنع من قراءته ولو رُجي إسلامه - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث إن رجاء إسلامه لا يُظهره فيلزم منعه منه، قلتُ: إن هذا ضد مصلحته ومصلحة المسلمين كما قلنا، فلا يؤخذ بهذا اللازم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل المصلحة تقوى على تخصيص عموم الآية السابقة أو لا؟ " فنحن نقول: تقوى على ذلك؛ لأنه نظر في المآل، ومن خالف قال: لا تقوى المصلحة على التخصيص هنا.
(^١٦) مسألة: يحرم على من وجب عليه الغسل: أن يعبر المسجد لغير حاجة، إلا مكان صلاة الجنائز فيجوز عبوره؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: =
[ ١ / ٢٠٤ ]
غسل (بغير وضوء) فإن توضأ: جاز اللبث فيه (^١٧) ويمنع منه مجنون وسكران، ومن
﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ حيث إن النهي في قوله: "ولا جنبا" مطلق، وهو يقتضي التحريم، واستثنى من ذلك عابري السبيل وهو: الخاطر المجتاز؛ لحاجته لذلك - كما قال مالك والشافعي - وأثبت إباحة العبور لأن الاستثناء من النفي إثبات، وإباحة، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس وابن مسعود كانا يرخِّصان في العبور، والرخصة لا تكون إلا عند الحاجة، الثالثة: التلازم؛ حيث إن العادة قد جرت على أن المسلمين يجعلون مكانًا يصلون فيه على الجنائز، ولا يصلون فيه الصلاة العادية؛ لكونه لا يسلم من بعض النجاسات التي تخرج من الميت فيلزم من ذلك جواز عبور ذلك المكان واللبث فيه لمن عليه حدث أكبر؛ لعدم الفارق بين النجاسات، فإن قلت: لِمَ حُرم عبور المساجد على من عليه حدث أكبر لغير الحاجة، وأبيح للحاجة؟ قلتُ: لتكريم مساجد الله، ولتكريم من يصلون ويسجدون فيه من أن يلوث بشيء ممن يسقط ممن عليه حدث خاصة الحائض ونحوها، وأبيح للمصلحة؛ حيث إن بعض الناس قد يحتاج للعبور، فإن قلتَ: يباح للحاجة ولغير الحاجة - كما ذكر المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على هذا الإطلاق.
(^١٧) مسألة: لا يجوز لمن عليه غسل - كالجنب - أن يجلس ويلبث في المسجد مطلقًا بلا وضوء، فإن توضأ الجنب ونحوه: جاز له الجلوس فيه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" حيث صرَّح هنا بعدم جواز جلوس الجنب والحائض في أيِّ مسجد، والكافر والنفساء كالحائض والجنب؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال زيد بن أسلم: "كان الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ جنبًا فيتوضأ ثم يدخل المسجد فيتحدَّث" فيلزم من التحدُّث في المسجد: الجلوس فيه عادة، وفعل الصحابي هذا قد خصّص عموم الحديث السابق، فإن =
[ ١ / ٢٠٥ ]
عليه نجاسة تتعدَّى، (^١٨) ويباح به وضوء وغسل إن لم يؤذ بهما، وإذا كان الماء في المسجد: جاز دخوله بلا تيمم، (^١٩) وإن أراد اللبث فيه للاغتسال: تيمم، وإن تعذر الماء واحتاج للبث: جاز بلا تيمم (^٢٠) (ومن غسل ميتًا) مسلمًا أو كافرًا: سن له
قلتَ: لِمَ لا يجوز اللبث في المسجد لهؤلاء؟ قلتُ: لتكريم المسجد، ولتكريم المصلين من نجاستهم؛ لأنه يغلب على الظن سقوط شيء نجس منهم، فإن قلتَ: لم جاز لمن توضأ منهم الجلوس فيه؟ قلتُ: لأن الوضوء يخفف من نجاسة هؤلاء، ويُعيد إليهم بعض نشاطهم، ويزيل بعض الروائح الكريهة عنهم.
(^١٨) مسألة: كل من يغلب على الظن نجاسته يمنع من دخول المسجد كالمجنون، والسكران، والصبيان غير المميزين، ومن كانت مهنتهم الاشتغال بالنجاسات؛ للمصلحة؛ حيث إن منعهم فيه تطهير للمسجد، واحترام وتكريم له، وحماية للمصلين فيه من النجاسة.
(^١٩) مسألة: يباح للمحدث حدثًا أصغر أن يدخل المسجد بلا تيمم، ويباح له أن يتوضأ ويغتسل داخله بشرط: أن لا يؤذي أحدًا بذلك؛ للاستصحاب حيث إن الأصل في الأشياء الإباحة، ولم يرد دليل يمنع من ذلك، فنبقى على هذا الأصل فنستصحبه، ونعمل به؛ فإن قلتَ: لِمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: لعدم وجود ضرر على أحد، فإن وجد ضرر: فلا يباح؛ لأنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
(^٢٠) مسألة: إذا كان المحدث حدثًا أكبر محتاجًا للجلوس في المسجد بسبب خوف ونحوه ولم يقدر على الاغتسال ولا الوضوء: فإنه يتيمم ويجلس في المسجد، وإن تعذَّر التيمم: جلس فيه بدون تيمم أيضا؛ لقول الصحابي؛ حيث قال علي وابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾: "يعني مسافرين لا يجدون ماء فيتيمَّمون" وقول الصحابي هذا قد خصَّص الآية، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع ضرر وقضاء حاجة، والتيمم - =
[ ١ / ٢٠٦ ]
الغسل؛ "لأمر أبي هريرة ﵁ بذلك" رواه أحمد وغيره (أو أفاق من جنون أو إغماء بلا حلم) أي: إنزال: (سنَّ له الغسل)؛ "لأن النبي ﷺ اغتسل من الإغماء" متفق عليه، والجنون في معناه، بل أولى، وتأتي بقية الأغسال المستحبة في أبواب ما تستحب له، (^٢١) ويتيمم للكل، ولما يسن له الوضوء؛
إن فُعِل - يُخَفّف الحدث؛ لكونه أحد الطهورين تنبيه: الأصح أن يقول: "وإن تعذر التيمم … ".
(^٢١) مسألة: الأغسال المستحبة للمسلم ثلاثة عشر: أولها: بعد غسل الميت؛ لقول الصحابي؛ حيث إن أبا هريرة "كان يأمر غاسل الميت بالاغتسال" وهذا الأمر للاستحباب؛ لاحتمال سقوط بعض النجاسات من الميت على بدن ذلك الغاسل، فيكون احتياطًا، وهذا المقصد منه، ثانيها: إذا أفاق المغمى عليه أو المجنون؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ اغتسل لما أفاق من الإغماء" والجنون مثله؛ لعدم الفارق وهو من باب "مفهوم الموافقة"؛ لاحتمال خروج بعض النجاسات التي تلطّخ بها الجسم، فشرع هذا لإزالة تلك النجاسات، وهذا المقصد منه، ثالثها: غسل يوم الجمعة، رابعها: غسل صلاة العيدين، خامسها: غسل صلاة الاستسقاء، سادسها: غسل صلاة الكسوف، سابعها: غسل المستحاضة لكل صلاة، ثامنها: غسل الإحرام للحج والعمرة، تاسعها: غسل دخول مكة، عاشرها: غسل الوقوف بعرفة، حادي عشر: غسل المبيت بمزدلفة، ثاني عشر: غسل رمي الجمار، ثالث عشر: غسل الطواف بالكعبة، وسيأتي بيان كل غسل وقاعدته ومقصده الشرعي في كل باب قد تعلق الغسل به، فإن قلتَ: لِمَا اسْتُحبت هذه الأغسال؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في تلك الأغسال إزالة للقاذورات التي يمكن أن تكون قد علقت بالبدن من حيث لا يدري المسلم، وإزالة للروائح الكريهة؛ لئلا يؤذي الآخرين بها عند الاجتماع بهم في تلك المناسبات.
[ ١ / ٢٠٧ ]
لعذر، (^٢٢) (و) صفة الغسل (الكامل) أي: المشتمل على الواجبات والسنن: (أن ينوي) رفع الحدث، أو استباحة الصلاة أو نحوها، (^٢٣) (ثم يُسمِّي) وهي - هنا - كوضوء: تجب مع الذكر، وتسقط مع السهو (^٢٤) (ويغسل يديه ثلاثًا) كما في
(^٢٢) مسألة: إذا تعذر استعمال الماء - لفقدانه أو للضرر - وهو يريد أن يتحصل على أجر فعل المستحبات - كالقراءة بمس المصحف، أو الأذان أو نحو ذلك -: فإنه يتيمم، وينوي به التطهر من حدث أكبر أو أصغر - على حسب الحالة التي هو فيها - ويفعل ما أراده؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد تيمم لردِّ السلام، وغيره مثله لعدم الفارق، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه عدم ضياع وقت بلا عمل صالح، تنبيه: بيان صفة الغسل الكامل سيأتي في المسائل الآتية.
(^٢٣) مسألة: في الأول - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن ينوي وجوبًا أنه يغتسل لإزالة الحدث الأكبر - من جنابة وغيرها - أو ينوي استباحة ما لا يستباح إلا بطهارة كالصلاة، أو ينوي الاغتسال المستحب، وقد سبق أن تلك النية شرط للوضوء والاغتسال ولجميع الطهارات في مسألة (١٩) من باب "فروض الوضوء وصفته".
(^٢٤) مسألة: في الثاني - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن يسمي استحبابًا قائلًا: "بسم الله" وقد سبق بيان ذلك في مسألة (١٦) من باب: "السواك وسنن الوضوء"، تنبيه: قوله: "تجب مع الذكر .. " هذا على مذهب المصنف، وقد بينت أن التسمية في الطهارات كلها وغيرها: سنة ومستحبة في مسألة (١٦) من باب السواك وسنن الوضوء.
[ ١ / ٢٠٨ ]
الوضوء، وهو هنا آكد لرفع الحدث عنهما بذلك، (^٢٥) (و) يغسل (ما لوثه) من أذى، (^٢٦) (ويتوضأ) كاملًا (^٢٧) (ويحثي) الماء (على رأسه ثلاثًا يُرَوِّيه) أي: يُروِّي في كل مرة أصول شعره؛ لحديث عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثًا، وتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل شعره بيديه حتى إذا ظن أنه قد روَّى بشرته أفاض الماء عليه ثلاث مرات ثم غسل
(^٢٥) مسألة: في الثالث - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن يغسل كفيه ثلاث مرات قبل إدخالهما الإناء استحبابًا، يفعل ذلك وإن غلب على ظنه طهارتهما؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثًا"، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه يستحب ذلك في الوضوء، كما في مسألة (٣١) من باب "السواك وسنن الوضوء" فكذلك يستحب هنا، بل غسلهما هنا آكد لإزالة ما فيهما من تلوث فيكون قياسًا أولى، وهذا هو المقصد منه.
(^٢٦) مسألة: في الرابع - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن يغسل الموضع الذي غلب على ظنه أنه ملوث بالنجاسات والقاذورات بعد جماع أو حيض أو نفاس ونحوها، وهذا مستحب، ثم بعد ذلك يغسل كفه الذي غسل به ذلك بشيء مزيل كالصابون أو التراب؛ للسنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ يفعل ذلك" كما قالت عائشة، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع من انتشار الأوساخ والقاذورات في سائر البدن.
(^٢٧) مسألة: في الخامس - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن يتوضأ وضوءًا كاملًا على صفة وضوئه للصلاة، وهذا مستحب؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك - كما قالت عائشة - فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: لأن أعضاء الوضوء أشرف أعضاء البدن، فلذا زيد في الاهتمام بها؛ نظرًا لظهورها، والتجمُّل بها، وإظهار المسلم بأحسن صورة وهيئة.
[ ١ / ٢٠٩ ]
سائر جسده" متفق عليه (^٢٨) (ويعم بدنه غسلًا) فلا يجزيء المسح (ثلاثًا) حتى ما يظهر من فرج امرأة عند قعود الحاجة، وباطن شعر، (^٢٩) وتنقضه لحيض
(^٢٨) مسألة: في السادس - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن يصب الماء على جميع رأسه ثلاث مرات، ويتأكد أنه قد روَّى أصول شعره بالماء، ووصل إليها في كل مرة؛ للسنة القولية؛ حيث "كان النبي ﷺ يفعل ذلك" - كما قالت عائشة -، فإن قلتَ: لِمَ يفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الأوساخ والقاذورت تتراكم عادة في شعر الرأس، فتنظيفًا لذلك وإزالة لتلك الأوساخ شرع الشارع غسله وترويته بالماء ثلاث مرات؛ لئلا يؤذي نفسه أو غيره برائحته، ولقطع ما يسببه ذلك من الأمراض.
(^٢٩) مسألة: في السابع - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن يعمم بدنه وجسمه كله بالماء ويغسله به غسلًا وجوبًا ويحرص على مواضع الشعر ومنابته في جميع البدن من ذكر أو أنثى، حتى أن المرأة تغسل ما ظهر من فرجها عند قعودها، ولا يجزيء مسح الجسم بالماء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة" حيث أوجب الغسل والإنقاء بالماء؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ويقتضي عدم تكرار غسل جميع البدن، فيكفي مرة واحدة، ويلزم من لفظ "وأنقوا" أن المسح لا يكفي ولا يُجزيء، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ كان يغسل سائر بدنه" - كما قالت عائشة وميمونة -، فإن قلتَ: لِمَ يفعل ذلك؟ قلتُ: لتنظيفه وتطهيره وإزالة القاذورات العالقة به، وإعادة النشاط إليه، فإن قلتَ: يغسل البدن ثلاث مرات - كما ذكره المصنف هنا -؛ قياسًا على غسل شعر الرأس قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع النص، وهو: السنة القولية والفعلية؛ حيث لا يُفهم منهما تكرار غسل البدن، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة" فنحن نعمل بما ظهر من السنة، وهم: عملوا بالقياس لكونه عندهم لا =
[ ١ / ٢١٠ ]
ونفاس (^٣٠) (ويدلكه) أي: يدلك بدنه بيديه؛ ليتيقّن وصول الماء إلى مغابنه، وجميع بدنه، ويتفقد أصول شعره، وعضاريف أذنيه، وتحت حلقه وإبطيه، وعمق سرته، وبين إليتيه، وطي ركبتيه (^٣١) (ويتيامن)؛ لأنه ﷺ كان يعجبه التيامن في
يضاد النص، بل زاده حكمًا، تنبيه: إن أريد بغسل البدن ثلاثًا استحبابًا فهذا لا خلاف فيه؛ للمصلحة؛ حيث إن فيه زيادة تنظيف.
(^٣٠) مسألة: يجب أن تنقض المرأة رأسها إذا أرادت أن تغتسل عن حيض ونفاس، بخلاف غسلها من الجنابة فلا يجب عليها ذلك؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ لعائشة إذا كانت حائضًا: "انقضي رأسك وامتشطي" حيث أوجب عليها نقض رأسها إذا كانت حائضًا؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، والنفساء كالحائض؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، ثانيهما: قوله ﷺ لأم سلمة - حينما سألته عن نقض رأسها لغسل الجنابة -: "لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حَثَيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين" وهذا يلزم منه عدم وجوب نقض الرأس عند الغسل من الجنابة، وهذا عام للمرأة والرجل إذا كان له ظفائر؛ لأن الخطاب الموجَّه إلى صحابي عام لجميع الناس؛ إذا لم يوجد مخصِّص له، فإن قلتَ: لِمَ وجب نقضه عند غُسل الحيض والنفاس، ولا يجب عند غسل الجنابة؟ قلت: لأن الأصل هو نقضه في كل غسل؛ حتى يصل الماء إلى أصول الشعر، ولكن خُفِّف النقض عن الجنب؛ نظرًا لتكرره؛ حيث إنه يشق نقضه في كل جنابة؛ بخلاف الحائض والنفساء فنظرًا لعدم تكرره: وجب نقضه؛ لعدم المشقة في ذلك.
(^٣١) مسألة: في الثامن - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن يدلك ويفرك بدنه بيديه استحبابًا وذلك أثناء غسله خاصة ما يخفى عادة من البدن كالإبط ومطاوي البدن كالذي تحت حلقه وركبتيه وما بين إليتيه، وداخل سرته وأذنه ونحو ذلك؛ للمصلحة؛ =
[ ١ / ٢١١ ]
طهوره (^٣٢) (ويغسل قدميه) ثانيًا (مكانًا آخر) (^٣٣) ويكفي الظن في الإسباغ، (^٣٤) قال بعضهم: ويحرك خاتمه؛ ليتيقن وصول الماء (^٣٥) (و) الغسل (المجزيء) أي: الكافي:
حيث إن ذلك يُغلِّب على ظنه وصول الماء إلى هذه المواضع؛ لتكمل طهارته، فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: لكون الدلك زيادة على غسل البدن الواجب، وذلك للمبالغة في النظافة، والمنع من الأمراض.
(^٣٢) مسألة: يُستحب أن يبدأ بالجانب الأيمن إذا أراد أن يغتسل، ثم الأيسر؛ للسنة الفعلية؛ حيث "كان النبي ﷺ يعجبه التيامن في طهوره" - كما قالت عائشة - فإن قلتَ: لِمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للحصول على بركة البدء باليمين.
(^٣٣) مسألة: في التاسع - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن يغسل قدميه ثانيًا في موضع غير الموضع الذي اغتسل فيه أولًا، استحبابًا؛ للسنة الفعلية؛ حيث "كان ﷺ يفعل ذلك" - كما قالت عائشة -، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يغلب على الظن أن أكثر القاذورات التي في أعلى البدن قد انحدرت إلى القدمين، فاستُحب ذلك لإزالة هذه القاذورات.
(^٣٤) مسألة: يكفي في الغسل: أن يغلب على ظن المغتسل: أنه أسبغ وأروى بالماء كلَّ بقعة من بدنه، ولا يُشترط القطع بذلك؛ للسنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة: "حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته"، فإن قلتَ: لِمَ يكفي الظن، ولا يشترط القطع؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القطع في هذا يشق على المسلم.
(^٣٥) مسألة: في العاشر والأخير - من أعمال الغُسْل الكامل - وهو: أن يحرك خاتمه وجوبًا إن غلب على ظنه عدم وصول الماء إلى ما تحته؛ للتلازم، حيث يلزم من وجوب غسل جميع البدن - كما سبق بيانه -: أن يغسل ما تحت الخاتم، تنبيه: ما سبق ذكره من الأعمال العشرة هي: أعمال الغسل الكامل المشتمل على الواجبات والمستحبات.
[ ١ / ٢١٢ ]
(أن ينوي) كما تقدم (ويُسمِّي) فيقول: "بسم الله" (ويعم بدنه بالغسل مرة) أي: يغسل ظاهر جميع بدنه وما في حكمه من غير ضرر كالفم والأنف والبشرة التي تحت الشعر ولو كثيفة، وباطن الشعر، وظاهره مع مسترسله، وما تحت حشفة أقلف إن أمكن شمرها (^٣٦) ويرتفع حدث قبل زوال حكم خبث، (^٣٧) ويُستحب سدر في غسل كافر أسلم وحائض، (^٣٨) وأخذها مِسْكًا تجعله في قطنة ونحوها تجعلها
(^٣٦) مسألة: الغسل المجزيء أن ينوي ثم يُعمم بدنه بغسله بالماء مرة واحدة بشرط: أن يكون هذا شاملًا للظاهر من البدن، وللباطن المستطاع غسله، وقد سبق بيان ذلك في مسألتي (٢٣ و٢٩)، فإن قلتَ: لِمَ كان هذا مجزئًا في الغسل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مشقة وكلفة عن المسلمين؛ لقلة المياه، ولمشقة فعل الغسل الكامل، تنبيه: عند من يوجب التسمية: يوجبها بعد النية وقد سبق أنها سنة ..
(^٣٧) مسألة: إذا وجد خبث ونجاسة على بشرة المسلم، وكان عليه غسل واجب لجنابة، ثم اغتسل له - كما وصفنا سابقًا - ولم تمنع تلك النجاسة من وصول الماء إلى البشرة: فإن حدثه يرتفع؛ للتلازم؛ حيث إنه اغتسل الغسل الشرعي: فيلزم ارتفاع حدثه وإن لم تزل تلك النجاسة؛ حيث إنها لا صلة لها بالحدث، وهذا هو المقصد منه.
(^٣٨) مسألة: يُستحب للكافر والحائض والنفساء أن يستعملوا في غسلهم سدرًا - وهو: شجرة ثمرها النبق وأوراقها لها رائحة طيبة كما في "اللسان" (٤/ ٣٥٤) - ويكفي عنه الصابون ونحو ذلك من المنظفات؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ "قد أمر قيس بن عاصم لما أسلم أن يغتسل بماء وسدر"، وأمر عائشة "أن تغتسل من الحيض بماء وسدر"، والنفساء كالحائض؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن مدة =
[ ١ / ٢١٣ ]
في فرجها، فإن لم تجد: فطيبًا، فإن لم تجد: فطينًا (^٣٩) (ويتوضأ بمدٍّ) استحبابًا، و"المدُّ" رطل وثلث رطل عراقي، ورطل وأوقيتان وسُبُعا أوقية مصري، وثلاث أواق وثلاثة أسباع أوقية دمشقية، وأوقيتان وأربعة أسباع أوقية قُدْسيًا (ويغتسل بصاع) وهو: أربعة أمداد، وإن زاد: جاز، لكن يُكره الإسراف ولو على نهر جار (^٤٠) ويحرم أن يغتسل عريانًا
الكفر، والحيض والنفاس تطول عادة، وتكثر خلال ذلك القاذورات والأوساخ، فاستحب السدر والصابون؛ لإزالة ذلك.
(^٣٩) مسألة: يستحب للحائض والنفساء إذا فرغتا من غسلهما: أن تطيبًا محل خروج الدم بأي طيب كمسك ونحوه تجعله في قطنة أو خرقة ثم تلصقها في فرجها وما حوله، فإن لم يتيسَّر الطيب فإنها تجعل طينًا؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك يقطع الرائحة الكريهة التي تكون عادة في محل خروج الدم، وتُبدل ذلك برائحة طيبة مما يجعلها مقبولة عند زوجها، وسيدها، وجليساتها.
(^٤٠) مسألة: يُستحب أن يغتسل بصاع من الماء، ويستحب أن يتوضأ بمد وهو: ربع الصاع، فإن زاد في الغسل أو الوضوء عن ذلك: فلا بأس، لكن يُكره الإسراف في تلك الزيادة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أنكر على سعد إسرافه في الوضوء فقال سعد: أفي الوضوء إسراف؟ قال ﷺ: "نعم ولو كنت على نهر جار" وهذا شامل للوضوء والغسل؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: السنة الفعلية؛ وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ "كان يتوضأ بمد، ويغتسل بصاع" - كما قال أنس - ثانيهما: قول عائشة: "كنتُ اغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد يُقال له "الفرق""، و"الفرق" يسع ثلاثة أصواع عند أهل الحجاز - كما في "اللسان" (١٠/ ٣٠٦) - فيلزم إباحة الزيادة القليلة، فإن قلتَ: لِمَ اسْتُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه المحافظة على الماء؛ لاستعماله في أمور أخرى، وفيه المنع من مرض الوسوسة، =
[ ١ / ٢١٤ ]
بين الناس، وكُره خاليًا في الماء (^٤١) (فإن أسبغ بأقل) مما ذكر في الوضوء أو الغسل: أجزأه، و"الإسباغ": تعميم العضو بالماء بحيث يجري عليه، ولا يكون مسحًا (^٤٢) (أو
لذا: كره الإسراف فيه، وفي إباحة الزيادة اليسيرة في استعمال الماء: دفع الحرج من وجود زيادة في ذلك، تنبيه: ما ذكره المصنف من مقاييس المد هي مقادير كانت في زمانه وهو عام (١٠٥١ هـ).
(^٤١) مسألة: يحرم أن يغتسل المسلم وهو عريان بين الناس، ويُكره أن يبالغ في التَّعرِّي وهو يغتسل وإن كان خاليًا وبعيدًا عن أنظار الناس؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا اغتسل أحدكم فليستتر" حيث أوجب الشارع على المغتسل أن يستتر؛ لأن الأمر مطلق وهو يقتضي الوجوب، وترك الواجب حرام، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ استتر بثوب واغتسل"، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن المبالغة في التعري قد يؤدِّي إلى أن يؤذيه بعض الجن الساكنين في المياه، فنظرًا لهذا الاحتمال: كُرهت المبالغة في ذلك.
(^٤٢) مسألة: إذا أسبغ المسلم الوضوء والغسل - بأن أجرى الماء على بدنه - بأقل من مد للمتوضئ، أو أقل من صاع للمغتسل: فإنه يجزئه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ وقال تعالى في الوضوء: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ..﴾ حيث أوجب الاغتسال؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، و"الغسل" تعميم العضو، أو البدن بالماء بحيث يسيل ويجري عليه، وقد فعله، فيلزم: أن يجزئه أدنى ما يطلق عليه اسم الغسل، لفعله ما وجب عليه فعله، ولا يُسمى هذا مسحًا؛ لأن "الغسل" غير "المسح" لغة وشرعًا، فإن قلتَ: لِمَ أجزأ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على المسلمين؛ فلم يُقيَّد المسلم بالمد والصاع بحيث لا يزيد ولا ينقص.
[ ١ / ٢١٥ ]
نوي بغسله الحَدَثين) أو الحدث، وأطلق، أو الصلاة ونحوها مما يحتاج لوضوء وغسل: (أجزأ) عن الحدثين، ولم يلزمه ترتيب ولا موالاة (^٤٣) (ويُسنُّ لجنب) ولو أنثى وحائض ونفساء انقطع دمهما (غسل فرجه)؛ لإزالة ما عليه من الأذى (والوضوء لأكل) وشرب؛ لقول عائشة ﵂: "رخَّص رسول الله ﷺ للجنب إذا أراد أن يأكل ويشرب أن يتوضأ وضوءه للصلاة" رواه أحمد بإسناد صحيح (ونوم)؛ لقول عائشة: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه، وتوضأ وضوءه للصلاة" متفق عليه، ويكره تركه لنوم فقط (و) يُسنُّ أيضًا: غسل فرجه ووضوؤه لـ (معاودة وطء)؛ لحديث: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يُعاود فليتوضأ بينهما وضوءًا" رواه مسلم وغيره، وزاد الحاكم: "فإنه أنشط للعود"، والغسل أفضل، (^٤٤) وكره الإمام أحمد بناء الحمام وبيعه وإجارته، وقال: "من بنى
(^٤٣) مسألة: إذا كان على المسلم حدث أصغر، وحدث أكبر، ونوى بغسله ارتفاع الحدثين معًا، أو نوى ارتفاع الحدث وأطلق فلم يقيده بالأكبر أو بالأصغر، أو نوى به إستباحة ما لا يُستباح إلا بالطهارة كالصلاة: فإن هذا يُجزيء، ويصح التطهر، ويصلي بعد ذلك، وهذه الحالة لا يشترط فيها ترتيب ولا موالاة - كما سبق في فروض الوضوء -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" فإذا نوى بغُسله ارتفاع الحدثين صحت نيته، وكان العمل مقبولًا شرعًا، وقد سبق بيانه، فإن قلتَ: لِمَ سقط الترتيب والموالاة عن الوضوء هنا؟ قلتُ: نظرًا لدخول الوضوء ضمن الغُسل؛ إذ الغسل وضوء وزيادة.
(^٤٤) مسألة: إذا كان على المسلم حدث أكبر - كجنابة ونحوها - وأراد أن يأكل أو يشرب، أو ينام أو يجامع امرأته مرة ثانية: فإن الأفضل أن يغتسل قبل فعل تلك الأمور الأربعة، فإن لم يفعل: فإنه يُستحب أن يغسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يفعل تلك الأمور الأربعة، وإن لم يفعل ذلك: فلا بأس أن =
[ ١ / ٢١٦ ]
حمامًا للنساء ليس بعدل"، (٤٥) وللرجل دخوله بستره مع أمن الوقوع في محرم، ويُحرَّم على المرأة بلا عذر. (^٤٦)
يفعلها بدون غسل أو وضوء؛ للسنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: قول عائشة: "رخَّص رسول ﷺ للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أن يتوضأ وضوءه للصلاة" ثانيهما: قوله ﷺ: "إذا آتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يُعاود فليتوضأ بينهما وضوءًا" ويلزم من "الوضوء": غسل الفرج، والأمر في قوله: "فليتوضأ" للاستحباب؛ حيث صرفه إليه الحديث السابق وهو واضح، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ لأن الغسل هو الأصل، وهو أنفع وأنشط للجسم، والوضوء، وغسل الفرج قبل فعل تلك الأمور الأربعة: يُخفف من الحدث الأكبر، ويُزيل ما علق به من روائح غير مقبولة ونجاسات، وأنشط للعود في الجماع مرة ثانية كما أخرج ذلك الحاكم عنه ﷺ. (٤٥) مسألة: يحرم بناء الحمام للنساء - وهو: مُغتسل عام يُعمل قديمًا داخل المدن يتنظَّف فيه الناس - ويكره بيعه، وشراؤه، وإجارته على الرجال؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تساهل بعورات النساء، والشارع قد غلَّظ في ستر المرأة؛ حتى أن أفضل صلاتها تكون في أقصى بيتها، وما وقع الفساد والفتن إلا بسبب هذا التساهل، فحرم سدًا للذرائع، فإن قلتَ: يُكره ذلك ولا يحرم وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للمصلحة؛ حيث إنه يحتمل وجود فساد للنساء فيه، وهذا الاحتمال هو الموجب للكراهة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" فعندنا: إنها ترقى إلى درجة التحريم، وعندهم: إنها تقتضي الكراهة فقط؛ لأنها محتملة.
(^٤٦) مسألة: يُحرَّم على الرجل والمرأة دخول الحمام العام إذا لم يأمنا من الوقوع في محرم أو مكروه كأن يوجد أشخاص ينظرون إلى العورات، أو الداخل ينظر =
[ ١ / ٢١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى عوراتهم، أما إذا أمنا ذلك: فيُباح للرجل مطلقًا، ويُباح للمرأة إذا وجد عذر عندها كمرض، أو كثرة أقذار، أو طول نفاس، ولا يزول ذلك إلا بماء الحمام؛ لما يتميز به من كثرة الماء وشدة حرارته؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيت زوجها إلا هتكت ما بينها وبين الله من حجاب" ودخول الحمام يلزم منه خلع ثيابها في غير بيت زوجها، وهذا الوعيد دل على تحريم ذلك، لأنه عقاب ولا يعاقب إلا على فعل محرم، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عباس دخل حمامًا بالجحفة، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن عدم النظر إلى العورات يمنع الفتنة، وأن وجود العذر للمرأة من مرض ونحوه هو الذي تسبب في الترخص بدخول الحمام إذا أمنت الوقوع في محرم أو مكروه لدفع الضرر، وهذه المصلحة هي التي خصَّصت عموم السنة القولية السابقة الذكر.
هذه آخر مسائل باب "الغسل" ويليه باب "التيمم"
[ ١ / ٢١٨ ]