مصدر "غَصَبَ" "يغصِب" - بكسر الصاد - (وهو) لغة: أخذ الشيء ظلمًا، واصطلاحًا: (الاستيلاء) عرفًا (على حق غيره) مالًا كان، أو اختصاصًا (قهرًا بغير حق)، فخرج بقيد "القهر": المسروق، والمنتهب، والمختلس، و"بغير حق": استيلاء الولي على مال الصغير ونحوه، والحاكم على مال المفلس (^١)، وهو محرَّم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا
باب الغَصْب، وضمان ما أتلفه الآخرون
وفيه ست وسبعون مسألة:
(^١) مسألة: الغَضب لغة: مصدر: "غَصَبَ" "يَغْصِبُ" "غصبًا": إذا أخذ شيئًا من آخر قهرًا وظلمًا - كما في المصباح (٤٤٨) - وهو في الاصطلاح: "استيلاء غير حربي على حق غيره قهرًا بغير حق"، والمراد بـ "استيلاء": الغَلَب، يُقال: "استولى عليه" أي: غلب عليه، ووضع يده على الشيء وتمكَّن منه - كما في المصباح (٦٧٢) - وأُتي بعبارة "غير حربي" لإخراج ما استولى عليه المسلمون على أموال أهل الحرب وليس بظلم ولا حرب، وكذا: ما استولى عليه أهل الحرب على المسلمين وليس من الغصب؛ إذ ليس في ذلك أحكام الغصب، والمراد بعبارة "على حق غيره" جميع الأموال للمسلمين، أو لأهل الذمة من اختصاصاتهم كالخمور ونحوها، وأتي بلفظ "قهرًا": لبيان أن من شرط الغصب: أن يؤخذ الشيء من صاحبه بعدوان وقهر، فأخرج بذلك: "المسروق" وهو: ما أخذ عن طريق الخفية في أول الأمر وآخره، وأخرج به "المنتهَب" وهو: ما أخذ عن طريق الجهر في أول الأمر وآخره، وأخرج "المختلَس" وهو: ما أخذ عن طريق الخفية في أول الأمر، دون آخره، فهذه الثلاثة لا تدخل في الغصب؛ لعدم وجود القهر والعدوان في "الاستيلاء عليها، وهذا هو الفرق بين "الغصب" و"السرقة" =
[ ٣ / ٤٩٠ ]
تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (^٢) (من عَقَار) - بفتح العين: الضيعة، والنخل،
= و"النَّهب" و"الاختلاس"، وأُتي بعبارة: "بغير حق"؛ لبيان أن من شرط الغصب: أن يكون ذلك الاستيلاء بغير وجه حق، وأخرج بذلك: استيلاء الوالد على مال ولده، واستيلاء الولي والوصي على مال صغير، ومجنون، وسفيه، واستيلاء حاكم على مال مفلس، فهذا الاستيلاء بحق، لذا لا تسمَّى غصوبًا، فإن قلتَ: لِمَ ذكر هذا الباب في المعاملات؟ قلتُ: لوجود معاملة بين اثنين -الغاصب والمغصوب- وإن كانت بغير حق.
(^٢) مسألة: الغصب حرام؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ فقد حرَّم أكل مال الغير بالباطل؛ لأن النهي مطلق، وهو يقتضي التحريم، وهو عام؛ لأن "الباطل" اسم جنس معرف بأل، وهو من صيغ العموم، فيشمل الغصب؛ لأنه أكل مال الغير بالباطل، الثانية: السنة القولية: وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ: "من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا: طوَّقه من سبع أرضين" فقد توعَّد الشارع من أخذ شيئًا قليلًا - كالشبر من الأرض - بهذا العقاب، ولا يُتوعَّد على فعله إلّا إذا كان حرامًا، وهو عام؛ لأن "من" الشرطية من صيغ العموم، فيشمل الغصب؛ لأنه أخذ حق الغير ظلمًا، وأخذ غير الأرض مثل الأرض من باب "مفهوم الموافقة"، ثانيها: قوله ﷺ: "إن دماءكم وأموالكم حرام لحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" فقد حرم أخذ مال الغير بدون وجه حق، والتحريم صريح هنا، وهذا عام لجميع الأموال، لأن "أموالكم" جمع منكَّر أضيف إلى معرفة، وهو: الضمير، والغصب أخذ مال الغير فيحرم مثل غيره، ثالثها: قوله ﷺ: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" فنفى حل أخذ مال الغير إلا إذا طابت نفس هذا الغير، وهذا عام؛ لأن "مال" نكرة في سياق نفي، وهو من صيغ العموم والغصب أخذ مال الغير بدون أن تطيب نفسه فيه فيحرم، الثالثة: =
[ ٣ / ٤٩١ ]
والأرض، قاله أبو السعادات (ومنقول) من أثاث، وحيوان، ولو أم ولد (^٣)، لكن لا
= الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على تحريم الغصب بالتعريف السابق، ومستند هذا الإجماع: الكتاب والسنة، فإن قلتَ: لِمَ حُرِّم الغصب؟ قلت: للمصلحة؛ وهي من وجهين: أولهما: أنه مضرٌّ بمن غُصبت أموالهم؛ حيث إن هذا المسلم يتعب طول عمره على جمع مال ليعزَّ نفسه فيه، ثم يأتي هذا الغاصب ويأخذه جاهزًا ففي ذلك من الظلم والقهر يؤدِّي كثيرًا إلى مرض هذا المأخوذ ماله فحرم لأجل المحافظة على حقوق الآخرين، ثانيهما: أنه مضر بالمجتمع الإسلامي؛ حيث إنه إذا لم يُحرَّم الغصب فلن يشتغل أحد؛ لأنه سينتظر حتى يجمع أخوه مالًا ليأخذه، وينتفع به، وبهذا تكثر البطالة في المجتمع الإسلامي، فدفعًا لذلك حرم.
(^٣) مسألة: إذا غصب شخص عقارات غيره - من مزارع، أو نخيل، أو أراضي، أو دور - أو بعضها، أو غصب منقولات غيره لها ثمن كأثاث منازل، أو حيوانات أو عبيد، أو إماء، أو أمهات أولاد ونحو ذلك: فإن هذا حرام ويضمن إذا تلف، وتجري عليه أحكام الغصب؛ لقواعد؛ الأولى: الكتاب؛ والثانية: السنة القولية: وقد سبق بيانهما في مسألة (٢)؛ لكون ما ذكر تُعتبر أموالًا، فيجري عليها الغصب، وهو محرم، وتضمن إذا تلفت. الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن الأمة تضمن بالقيمة فكذلك أم الولد تضمن بالغصب، والجامع: أن كلًّا منهما تجري مجرى المال يُؤيده: أنها تضمن بالقيمة عند الإتلاف، لكونها مملوكه، فإن قلتَ: إن أم الولد لا تضمن بالغصب وهو قول أبي حنيفة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الحرة لا تضمن بالغصب، ولا تضمن بالمال ولا بغيره عند الاستيلاء عليها فكذلك أم الولد مثلها، والجامع: أن كلًّا منهما لا يتعلق بها حقُّ الغير. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الحرة ليست مملوكة، ولا تضمن بالقيمة، بخلاف أم الولد فهي مملوكة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقنا أم الولد بالأمة؛ لأنها أكثر شبهًا بها عندنا، وألحقوها بالحرة؛ لأنها أكثر =
[ ٣ / ٤٩٢ ]
تثبت اليد على بضع، فيصحّ تزويجها، ولا يضمن نفعه (^٤)، ولو دخل دارًا قهرًا، وأخرج ربَّها: فغاصب، وإن أخرجه قهرًا ولم يدخل، أو دخل مع حضور ربِّها وقوته: فلا، وإن دخل قهرًا ولم يخرجه: فقد غصب ما استولى عليه، وإن لم يرد الغصب: فلا، وإن دخلها قهرًا في غيبة ربِّها: فغاصب ولو كان فيها قماشه، ذكره في "المبدع" (^٥) (وإن غصب كلبًا يُقتنى) ككلب صيد، وماشية، وزرع (أو) غصب (خمر
= شبهًا بها عندهم، وهذا يُسمَّى بـ "قياس الشبه" أو "غلبة الأشباه".
(^٤) مسألة: إذا غصب شخص امرأة: فإنه يجوز تزويجها لغيره، وإن كانت تحت يد ذلك الغاصب، ولا يضمن نفع هذا البضع - وهو مهرها - بسبب حبسها عن النكاح طول عمرها، فلا يدفعه بسبب هذا التفويت؛ للتلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: أنه يلزم من عدم ثبوت يده على بضعها: جواز تزويجها لغيره؛ لعدم تعدِّي الغصب إلى ذلك البضع، ثانيهما: إن كون النفع يضمن بالتفويت إذا كان مما تصح المعاوضة عليه بالإجارة يلزم منه أن الغاصب لا يضمن نفع البضع - وهو المهر - بسبب حبسها عن النكاح طول عمره؛ لأن البضع لا تصح المعاوضة عليه بالأجرة.
(^٥) مسألة: إذا دخل زيد دار عمرو فهل يكون قد غصبها أم لا؟: فيه التفصيل الآتي: أولًا: إذا دخل زيد دار عمرو قهرًا، ثم أخرج عمرًا منها، أو دخلها قهرًا ولم يُخرجه، أو دخلها قهرًا في غيبة عمرو: فإن هذا غاصب لها، أو غاصب لما استولى عليه منها ولو كان فيها أثاث لصاحبها - عمرو -؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من دخوله قهرًا: أن يكون ذلك غصبًا؛ لوجود شرط الغصب، وهو القهر والاستيلاء - كما سبق ذكره في حقيقة الغصب - فتُطبَّق عليه أحكام الغصب: من وجوب ردِّها، وضمان ما تلف بفعله، أو بسبب فعله كهدم لبعض حيطانها، أو أي نقص لحقها، ثانيًا: إذا دخل زيد دار عمرو مع حضور عمرو وقوته: أو دخلها ولم يُرد الغصب: فليس بغاصب لها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الاستيلاء على الدار بالقهر والظلم، وقوة صاحب الدار، وعدم إرادة زيد =
[ ٣ / ٤٩٣ ]
ذمي) مستورة: (ردَّهما)؛ لأن الكلب يجوز الانتفاع به واقتناؤه، وخمر الذمي يُقرُّ على شربها، وهي مال عنده (^٦) (ولا) يلزم أن (يردُّ جلد ميتة) غُصِب، ولو بعد الدبغ؛
= للغصب: عدم تسميته بالغاصب، فلا تُطبَّق أحكام الغصب عليه: فلا يضمن ما تلف بسبب هذا الدخول: سواء كان داخلًا بإذنه، أو غير إذنه، وسواء كان صاحبها - وهو عمرو - فيها أو لا، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُبيِّن الدخول الممنوع من المأذون فيه، ويُبيِّن أيضًا ما يُضمن بسبب الدخول، وما لا يُضمن، ليكون المسلم على بيّنة من أمره.
(^٦) مسألة: إذا غصب زيد كلبًا لعمرو قد أباح الشارع اقتناءه مثل: كلب صيد، أو كلب ماشية أو كلب زرع فعليه ردُّه لصاحبه - وهو عمرو -، وكذا: إذا غصب زيد خمرًا مستورًا من كافر ذمي: فيجب على الغاصب - وهو زيد - أن يردَّه إلى هذا الكافر، وكذا يُردُّ كل شيء متنجِّس كدهن ونحوه إلى من أخذ منه؛ للقياس؛ بيانه: كما يجب على الغاصب المال ردُّه إلى المغصوب منه فكذلك يجب ردُّ الكلب، والخمرة، وأيِّ نجس إذا غصبت - على الصفة التي ذكرناها - والجامع: أن كلًّا منها يُسمَّى مالًا يجوز الانتفاع به واقتناؤها، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك هذا فيه حماية أموال وحقوق الآخرين، فإن قلتَ: لِمَ يُرد الخمر إذا غصب مع أنه حرام؟ قلتُ: يُردُّ ذلك إلى الكافر الذمي الذي يُقرُّ على شربها إذا سترها، وهي مال عنده - وهذا من أحكام أهل الذمة كما سبق - (فرع): إذا لم يكن الكلب يُقتنى شرعًا، ولم تكن الخمرة مستورة عند هذا الذمي، وغصبهما شخص: فلا يجب عليه ردُّهما؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث إنه ﷺ قد نهى عن اقتناء الكلب - غير كلب صيد أو ماشية -، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من زوال عصمة خمرة الذمي إذا ظهرت، وحلِّ إراقتها: عدم وجوب ردِّها إلى صاحبها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك من باب التعاون على نبذ كل ما فيه إثم وعدوان وعصيان، أصله قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا =
[ ٣ / ٤٩٤ ]
لأنه لا يطهر بدبغ، وقال الحارثي: يردُّه؛ حيث قلنا: يُباح الانتفاع به في اليابسات، قال في "تصحيح الفروع": "وهو الصواب" (^٧)، (وإتلاف الثلاثة) أي: الكلب، والخمر المحرمة، وجلد الميتة (هدر): سواء كان المتلف مسلمًا أو ذميًا؛ لأنه ليس لها عوض شرعي، لأنه لا يجوز بيعها (^٨). (وإن استولى على حر) كبير أو صغير: (لم
=
عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
(^٧) مسألة: إذا أخذ زيد جلد ميتة من عمرو غصبًا: فيجب ردَّه مطلقًا، أي: سواء كان قبل دبغه، أو بعد دبغه؛ للتلازم؛ حيث إن كون هذا الجلد يُعتبر مالًا، وينتفع به يلزم منه: أن يرده غاصبه إلى صاحبه - وهو عمرو -؛ حيث إنه إن لم يُدبغ: فإنه يُنتفع به في أمور لا تتعلَّق بالطاهرات مثل الكلب الذي أباح الشارع اقتناءه، وإن دُبغ: فإنه يطهر، ويجوز بيعه وشراؤه وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء، وقد سبق بيان ذلك في مسألة (١٠) من باب "الآنية التي تحفظ فيها المياه" من كتاب: "الطهارة"، فإن قلتَ: لا يجب ردُّ جلد الميتة إذا غُصب مطلقًا: أي: سواء دُبغ أو لا؛ وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يحل بيعه فكذلك لا يجب ردُّه إن غصب والجامع: عدم الانتفاع به، ولا سبيل إلى إصلاحه قلتُ: هذا مبني على مذهب من يقول: "إن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، ولا يُنتفع به" وهو مذهب أكثر الحنابلة، وقد أجبتُ عن أدلتهم في مسألة (١٠) من باب "الآنية" فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في جلد الميتة هل يطهر بالدباغ؟ " فمن قال: يطهر بالدباغ: قال يجب ردُّه - وهو الذي رجَّحناه - ومن قال: إنه لا يطهر بالدباغ: قال: لا يُردُّ، تنبيه: قول الحارثي، وتصويب صاحب الفروع له يدخل فيما رجَّحناه أولًا.
(^٨) مسألة: إذا أخذ زيد كلبًا، أو خمر ذمي، أو جلد ميتة من غيره غصبًا، ثم تلفت هذه الأشياء عند هذا الغاصب: فإنه يضمنها لصاحبها، ويدفع قيمتها في يوم إتلافها؛ وهو رأي أبي حنيفة، ومالك؛ للتلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: أنه يلزم =
[ ٣ / ٤٩٥ ]
يضمنه)؛ لأنه ليس بمال (^٩)، (وإن استعمله كرهًا): فعليه أجرته؛ لأنه استوفى
= من كون تلك الأمور مالًا عند المسلمين وغيرهم؛ لانتفاعهم بها: أن تدفع قيمتها عند إتلافها، ثانيهما: أنه يلزم من منع الآخرين من إتلافها: أن يُجبر على دفع قيمتها إذا أتلفها، ولا معنى للمنع من إتلافها إلّا ذلك العقاب، وهو: دفع قيمتها عند إتلافها، ولولا ذلك لاحتال كل أحد على إتلافها ولا يردَّها. فإن قلتَ: إنه إذا أُتلفت هذه الثلاثة: فلا ضمان لها مطلقًا، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم العوض الشرعى لها، وعدم جواز بيعها: أن لا تضمن عند تلفها قلتُ: لا نسلِّم أن لا عوض لها شرعي، وأنه لا يجوز بيعها، بل يجوز بيع كلب الماشية، والزرع، والصيد، والجلد، والخمرة المحترمة، - وهي خمرة الذمي المستورة - وهي معصومة؛ لكون عقد الذمة قد عصمها، وما جاز بيعه وشراؤه إلا لأن فيه نفعًا، وما فيه نفع فيه عوض شرعي، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الكلب هل يجوز بيعه أو لا؟ " و"الخلاف في الجلد هل يطهر بالدَّبغ أو لا؟ " و"الخلاف في خمرة الذمي هل هي معصومة أو لا؟ " فمن قال يجوز بيع الكلب، ويطهر الجلد بالدَّبغ، ويُنتفع بهما، وإن خمرة الذمة المستورة معصومة، وهو الذي رجَّحناه قال: إن الغاصب إذا أتلفها: فإنه يجب ضمانها عليه، ومن قال: "لا يجوز بيع الكلب، ولا يطهر الجلد بالدبغ، ولا ينتفع به، وإن الخمرة كلها ليست معصومة - وهو مذهب أكثر الحنابلة -: قال: إن الغاصب إذا أتلفها: لا يجب عليه ضمانها.
(^٩) مسألة: إذا استولى شخص على حر كرهًا فتضرَّر ذلك الحر أو مات: فإنه لا يضمنه بالغصب: سواء كان ذلك الحر كبيرًا أو صغيرًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الحر ليس بمال - يُباع ويُشترى -: عدم ضمانه بسبب غصبه؛ لكون الغصب لا يثبت فيما ليس بمال، ويُضمن بسبب إتلاف شيء منه: إذا قطع عنه طعامًا أو شرابًا، فتضرر هو، أو أحد أعضائه، وهذا يأتي في باب "الجنايات" فإن قلتَ: لِمَ =
[ ٣ / ٤٩٦ ]
منافعه، وهي متقوَّمة (^١٠) (أو حبسه) مدَّة لمثلها أجرة: (فعليه أجرته)؛ لأنه فوَّت منفعته، وهي مال يجوز أخذ العوض عنها (^١١)، وإن منعه العمل من غير غصب، أو حبس: لم يضمن منافعه (^١٢) (ويلزم) غاصبًا (ردُّ المغصوب) إن كان باقيًا، وقدر على
= شُرع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه إكرام لأحرار المسلمين.
(^١٠) مسألة: إذا استولى شخص على حر كرهًا وقهرًا واستعمله كرهًا في خدمة: فتجب على ذلك الشخص أُجرة تلك الخدمة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو انتفع بمنافع عبد غيره فتجب عليه أجرة ذلك، فكذلك الحر هنا مثله والجامع: أنه استوفى منافع كل واحد منهما، وهي متقوَّمة، فلزمه ضمانها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه حماية الناس الأحرار من الاستغلال.
(^١١) مسألة: إذا استولى شخص على حر كرهًا، وحبسه ومنعه العمل بالقوة مدَّة لها أُجرة: فيجب على هذا الشخص أن يدفع أجرة تلك المدَّة التي حبسه فيها؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو منع عبد غيره من العمل مدَّة لها أجرة: فإنه يجب عليه يدفع أجرة تلك المدة فكذلك الحر هنا مثله، والجامع: أنه في كل منهما قد فوَّت عليه منفعته في تلك المدَّة، والمنفعة مال يجوز أخذ العوض عنها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية الناس من الاستغلال بأي شكل، فإن قلتَ: لا يجب عليه دفع تلك الأجرة، وهو قول الشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا ضمان لثيابه التي بليت عليه فكذلك لا أجرة لتلك المدة والجامع: أن كلًّا منهما يُعتبر تابعًا لما لا يصح غصبه. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن وقت الحر له منفعة، بخلاف الثياب: فلا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناه بعبد غيره إذا منعه؛ لكونه أكثر شبهًا به، وهم ألحقوه بثيابه؛ لأنه أكثر شبهًا بها.
(^١٢) مسألة: إذا منع شخص حرًا من العمل مدَّة لها أُجرة من غير غصب، ولا حبس فإنه يجب عليه أن يدفع أجرة تلك المدة؛ للقياس على منعه عبد غيره من العمل، =
[ ٣ / ٤٩٧ ]
ردِّه؛ لقوله ﷺ: "لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لا لاعبًا ولا جادًّا ومن أخذ عصا أخيه فليردها" رواه أبو داود (^١٣)، وإن زاد: لزمه ردُّه (بزيادته) متصلة كانت أو منفصلة؛ لأنها من نماء المغصوب، وهو لمالكه، فلزمه ردُّه كالأصل (^١٤) (وإن غرم) على ردِّ
= وقد سبق بيانه في مسألة (١١) فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وقد ذكرناها في مسألة (١١)، ولأنه لا وجود لمنع بلا حبس أو غصب، أو تهديد بشيء، فهي كمسألة (١١)، فإن قلتَ: لا يضمن البائع منافعه، فلا يدفع أجرة تلك المدَّة وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو فعل ذلك بعبد غيره لم يضمن منافعه، ولا أجرة لذلك فكذلك الحال هنا والجامع: عدم حصول الحبس والغصب في كل قلت: لا نسلِّم لكم الأصل الذي قستم ذلك عليه فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "الخلاف في المنع هل يُتصوَّر بلا غصب وحبس؟ " فعندنا: لا يتصوَّر إلا بالحبس أو الغصب أو التهديد فلذلك لا فرق بين هذه المسألة ومسألة (١١) عندنا، وعندهم: يُمكن أن يُتصوَّر ذلك، فلذلك فرّقوا بينهما بما ذكروه.
(^١٣) مسألة: إذا غصب شخص ثوبًا أو غيره من شخص آخر: فيجب عليه أن يردَّه - أي: يردُّ ذلك المغصوب وهو الثوب - إلى صاحبه إن كان باقيًا على حاله، ولم يُوجد مانع من ردِّه؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "ومن أخذ عصا أخيه فليردها" فأوجب ردَّ ما أخذ غصبًا إلى صاحبه؛ لأن الأمر في قوله: "فليردها" مطلق، وهو يقتضي الوجوب، والمأخوذ غصبًا غير العصا من جميع الأموال مثل العصا بل أولى من باب "مفهوم الموافقة"؛ لكون المقصد هو: ردُّ ما أخذ: سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وثانيهما: قوله ﷺ: "على اليد ما أخذت حتى تؤدِّيه" فأوجب ردَّ كل ما أخذ من الآخرين؛ لأن "على" من صيغ الوجوب، أي: لا تبرأ ذمة الآخذ إلّا إذا ردَّ ذلك المأخوذ، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إرجاع الحقوق إلى أهلها.
(^١٤) مسألة: إذا غصب شخص من آخر: ثم زاد هذا المغصوب بأن ولدت البهيمة =
[ ٣ / ٤٩٨ ]
المغصوب (أضعافه)؛ لكونه بنى عليه، أو بُعْد ونحوه (^١٥) (وإن بني في الأرض) المغصوبة (أو غرس: لزمه القلع) إذا طالبه المالك بذلك؛ لقوله ﷺ: "ليس لعرق ظالم حق" (و) لزمه (أرش نقصها) أي نقص الأرض، (وتسويتها)؛ لأنه ضرر حصل بفعله (والأجرة) أي: أجرة مثلها إلى وقت التسليم (^١٦)، وإن بذل ربُّها قيمة
المغصوبة، أو كسب العبد المغصوب أو نحو ذلك: فيجب على الغاصب ردُّ العين المغصوبة وزياداتها مهما كانت سواء كانت هذه الزيادة قليلة أو كثيرة، وسواء كانت هذه الزيادة متّصلة، أو منفصلة؛ للقياس؛ بيانه: كما يجب على الغاصب ردُّ الأصل -وهي العين المغصوبة كما سبق في مسألة (١٣) فكذلك يجب ردُّ زيادتها مطلقًا إلى صاحب العين المغصوبة والجامع: أن كلًّا من الأصل المغصوب- وهي العين المغصوبة - وزياداتها تدخل في ملك صاحبها؛ لأن تلك الزيادات من نماء ذلك المغصوب، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه ضمان حقوق الآخرين وما تولَّد منها، وإن طال الزمن.
(^١٥) مسألة: إذا غَصَب شخص من آخر شيئًا، وأراد هذا الغاصب أن يردَّ هذا الشيء المغصوب إلى صاحبه: فإن جميع تكاليف ردِّ ذلك وغراماته يدفعها ذلك الغاصب، فمثلًا: لو غصب خشبة وبنى عليها، ثم أراد هذا الغاصب ردِّها: فإنه ينقض ذلك البناء عليها، ولو كلَّفه ذلك النقض أضعاف قيمة الخشبة، وكذلك يردَّها ولو كانت بعيدة عن مكان وجوده، فلو كان هذا الغاصب في مكّة، وتلك الخشبة في الرياض أو القاهرة: فإنه لا بدَّ أن يحضرها لصاحبها، ولو كلَّفه ذلك أضعاف ثمنها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الغاصب قد جنى واعتدى بأخذ ذلك المغصوب -وهو الخشبة مثلًا-: أن تكون جميع تكاليف ردِّها عليه ولا يُنظر إلى الضرر الذي يلحقه، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك هو الجزاء الموافق للقواعد الكلية للشريعة، وفيه منع الناس من الاعتداء على حقوق الآخرين.
(^١٦) مسألة: إذا غصب شخص أرضًا، ثم بنى عليها، أو غرس فيها، وأراد ردَّ تلك =
[ ٣ / ٤٩٩ ]
الغراس والبناء؛ ليملكه: لم يلزم الغاصب قبوله، وله قلعهما (^١٧)، وإن زرعها وردَّها
الأرض لصاحبها: فيجب على ذلك الغاصب: أن يهدم البناء، ويقلع الغرس ويُسوِّيها ويجعلها مثل ما كانت قبل غصبها هذا إذا طالبه صاحبها -وهو مالكها-، ويدفع أرش نقص الأرض لصاحبها إن كان ثمنها قد نقص بسبب بنائه عليها، أو الغرس فيها، ويدفع أجرة مثل تلك الأرض مدَّة غصبها إلى تسليمها إلى صاحبها، هذا يكون بعد طلب صاحبها لذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ليس لعرق ظالم حق" فنفى الحق لمن غرس في أرض غيره، ويلزم من ذلك وجوب قلع ذلك؛ لكونه مبني على باطل، والبناء على الأرض كالغرس، من باب "مفهوم الموافقة". الثانية: التلازم، وهو من وجهين: أولهما: أنه يلزم من كون الغاصب قد شغل ملك غيره بملكه بغير إذنه: إزالته وإفراغه عن ذلك الشغل؛ لكونه ضررًا قد حصل بفعله، فيلزمه إزالة ذلك الضرر. ثانيهما: أنه يلزم من تلف منافعها تحت يده المعتدية: أن يدفع أجرة مثلها لصاحبها، فإن قلتَ: لَمِ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إرجاع الحقوق إلى أهلها، ومتع الاعتداء على حقوق غيرهم واغتصابها، فإن قلتَ: لِمَ قُيِّد ذلك بمطالبة صاحبها؟ قلتُ: لأن مالك الأرض إن لم يُطالب بهدم البناء وقلع الزرع فلا يلزم الغاصب هدمه، وقلعه؛ للتلازم؛ حيث إن هذا من حق المالك فإذا أسقط حقه: فلا يلزم الغاصب هدم البناء، وقلع الزرع؛ لكون ذلك مصلحة قد يُريدها المالك.
(^١٧) مسألة: إذا غصب شخص أرضًا، ثم بنى أو غرس فيها، وأراد ردَّها لصاحبها، وطلب صاحبها من ذلك الغاصب إبقاء ذلك البناء وذلك الغرس عليها ليملكه ودفع مالكها وصاحبها قيمته -أي: قيمة ذلك البناء وذلك الغراس-: لم يلزم الغاصب قبول ذلك، فإن شاء قبل ذلك وأخذ القيمة، وإن شاء لم يقبل ويهدم البناء ويقلع الغرس؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الغاصب لو وضع في الدار المغصوبة =
[ ٣ / ٥٠٠ ]
بعد أخذ الزرع: فهو للغاصب، وعليه أجرتها (^١٨)، وإن كان الزرع قائمًا فيها: خُيِّر ربُّها بين تركه إلى الحصاد بأُجرة مثله، وبين أخذه بنفقته، وهي مثل بذره، وعوض لواحقه (^١٩) (ولو غصب جارحًا أو عبدًا، أو فرسًا فحصل بذلك) الجارح، أو العبد،
أثاثًا، ودفع مالك الدار قيمة ذلك الأثاث: لم يلزم الغاصب قبول ذلك، وعليه إزالة أثاثه، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا من البناء والزرع، والغرس والأثاث عين مال الغاصب، فلا يلزم، ببيعه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعطاء كل ذي حق حقه، فلا يُنقص الإنسان حقه وإن كان غاصبًا أو معتديًا على الآخرين في جانب من جوانب الحياة.
(^١٨) مسألة: إذا غصب أرضًا فزرعها ذلك الغاصب، ثم ردَّها بعد حصاده لذلك الزرع: فذلك الزرع ملك للغاصب، ويجب عليه أن يدفع أجرة مثل تلك الأرض من أول وقت غصبها إلى وقت رد وتسليم تلك الأرض إلى مالكها، وعليه ضمان وأرش النقص إن حصل ولو لم يزرعها؛ للتلازم؛ وهو من وجوه: أولها: أنه يلزم من كون الزرع من نماء مال الغاصب: أن يكون ذلك الزرع ملكًا له، ثانيها: أنه يلزم من استيفاء الغاصب نفع الأرض: أن يدفع عوضًا عن ذلك النفع، وهو أجرة مثلها من وقت غصبه إيّاها إلى تسليمها إلى مالكها، ثالثها: أنه يلزم من جناية الغاصب عليها الذي تسبَّب في نقصان قيمتها: أن يدفع أرش وضمان ذلك النقصان -وقد سبق- فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وقد بيَّناها في مسألة (١٧).
(^١٩) مسألة: إذا تمكَّن مالك الأرض من أخذها من غاصبها، وفيها زرع لذلك الغاصب: فإن مالكها يُخيَّر بين أمرين: أولهما: إما أن يترك الغاصب في الأرض إلى أن يحصد زرعه، ويلزمه بأن يدفع أُجرة مثل تلك الأرض من وقت غصبها إلى الحصاد وتسليمه الأرض، ثانيهما أو يأخذ مالك الأرض الزرع، ويدفع إلى الغاصب جميع نفقاته وتكاليفه على ذلك الزرع: من بذر، وأجرة حرث، وسقي =
[ ٣ / ٥٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إلى أن استلمها منه مالكها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم: فليس له من الزرع شيء، وله نفقته" وهذا عام، فيشمل الغاصب؛ لأن "مَنْ" الشرطية من صيغ العموم، ويلزم من جملة: "وله نفقته": أن يردَّ مالك الأرض إلى الغاصب جميع النفقات التي أنفقها على ذلك الزرع ويأخذ مالكها الأرض والزرع -وهذا دليل الثاني من الأمرين المخيَّر بينهما- الثانية: المصلحة؛ حيث إنه أمكن بذلك ردُّ المغصوب إلى مالكه من غير إتلاف مال الغاصب، وذلك بدفع أجرة المثل، وهذا فيه جمع بين المصلحتين -وهذا دليل الأول من الأمرين المخيَّر بينهما- فإن قلتَ: إن الزرع لمالك الأرض، وهو يملك إجبار الغاصب على قلع ذلك الزرع؛ للقياس؛ بيانه: كما يملك مالك الأرض من إلزام الغاصب قلع غرسه -كما ورد في قوله ﷺ: "ليس لعرق ظالم حق" - -كما سبق في مسألة (١٦) - فكذلك الزرع مثل الغرس والجامع: أن كلًّا منهما قد استعمل أرض غيره بغير حق. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن مدَّة الغرس تطول، ولا يُعلم متى ينقلع من الأرض، وانتظاره يؤدّي إلى ترك الأرض بالكلية، وفواتها على مالكها، بخلاف الزرع فمدَّته قصيرة جدًا كما هو معلوم، فإتلافه يلحق الضرر بهما معًا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة القولية" فنحن أعملنا الحديث الأول على أن المقصود به الزرع خاصة، للتصريح به، وإذا ورد في حكمه نص فلا يجوز قياسه على الغرس والشجر؛ إذ لا قياس مع النص، ويلزم منه: أن يخصص حديثهم بالغرس فقط، وهذا جمع بين الحديثين، أما هم فالظاهر: أنهم لم يُصححوا الحديث الوارد بالزرع -إذ لو صحَّ عندهم: لما جاز لهم أن يقيسوا الزرع على الغرس -وهو الشجر-؛ إذ لا قياس مع النص عندنا وعندهم كما سبق ذكره، ثم إنه لو لم يصح الحديث، فلا يصح قياس الزرع على الغرس؛ =
[ ٣ / ٥٠٢ ]
أو الفرس (صيد: فلمالكه) أي: مالك الجارح ونحوه؛ لأنه حصل بسبب ملكه فكان له، وكذا: لو غصب شبكة، أو شركًا، أو فخًا، وصاد به، ولا أُجرة لذلك، وكذا: لو كسب العبد بخلاف ما لو غصب منجلًا، وقطع به شجرًا أو حشيشًا: فهو للغاصب؛ لأنه آلة، فهو كالحبل يُربط به (^٢٠) (وإن ضَرَبَ المصوغ) المغصوب (ونَسَجَ
لوجود الفرق بينهما كما سبق ذكره.
(^٢٠) مسألة: إذا غصب شخص شيئًا جارحًا، أو عبدًا أو فرسًا، أو سهمًا، أو قوسًا، أو شبكة، أو شركًا، أو فخًا، وصاد بذلك صيدًا، أو تكسَّب أيَّ شيء على ما سبق: فإن الصيد والكسب -كله للغاصب، وكذا: لو غصب منجلًا- وهو: ما يُحصد به وهو المخلب، والمحش عندنا -وحصد أو قطع به شجرًا، أو حشيشًا: فالحشيش والشجر للغاصب؛ وعليه أجرة المثل للجارح، والعبد، والغرس، والسهم، والقوس، والشبكة، والشرك، والفخ، والمنجل يدفعه لمالك هذه الأشياء من أول ما غصبها إلى وقت تسليمها له؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الغاصب لو ذبح بهيمة بسكين غيره، أو ربط بحبل غيره جمعًا من الحطب: فإن البهيمة والحطب للغاصب، وعليه أجرة المثل للسكين والحبل يُسلِّمها لمالك السكين والحطب فكذلك الحال ما نحن فيه مثله، والجامع: أنه حصل الصيد، وقطع الشجر والحشيش بفعل الغاصب، وتصرُّفه أما تلك الأمور فهي آلات، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع بين المصلحتين؛ ومحافظة لحق الطرفين، فالمالك قد ضُمن له أُجرة ما غُصب كل وقت الغصب، والغاصب قد ضمن له ما حصل بفعله وجهده وتعبه، فإن قلتَ: إن الصيد والكسب يكون لمالك هذه الأشياء ولا أجرة لذلك، بخلاف ما لو غصب منجلًا وقطع به شجرًا أو حشيشًا: فهو للغاصب؛ وهو ما ذكر المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الصيد والكسب حصل بسبب هذه الأشياء التي يملكها: أن يكون الصيد والكسب له -أي: للمالك-، ويلزم من كون المنجل آلة، والقطع =
[ ٣ / ٥٠٣ ]
الغزل، وقصر الثوب، أو صبغه، ونجر الخشبة) بابًا (ونحوه، أو صار الحب زرعًا و) صارت (البيضة فرخًا و) صار (النوى غرسًا: ردَّه، وأرش نقصه) إن نقص (ولا شيء للغاصب) نظير عمله، ولو زاد به المغصوب؛ لأنه تبرُّعٌ في ملك غيره (^٢١)، وللمالك إجباره على إعادة ما أمكن رده إلى الحالة الأولى كحلي، ودراهم، ونحوهما (^٢٢) (ويلزمه) أي: الغاصب (ضمان نقصه) أي: المغصوب، ولو بنبات لحية
حصل بفعل الغاصب: أن يكون الشجر والحشيش له -أي: للغاصب- قلتُ: لا يُوجد دليل على هذا التفريق في الحكم في هذه المسألة، فكل من الصيد، والكسب، والشجر والحشيش حاصل بفعل الغاصب، وهذه الأشياء آلات مجرَّدة، فقولنا بإعطاء كل من المالك والغاصب حقه أقرب إلى الإنصاف والعدالة وموافق للمصالح العامة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: تعارض "التلازم مع القياس والمصلحة" فعندنا: يعمل بالقياس والمصلحة، وعندهم: يُعمل بالتلازم.
(^٢١) مسألة: إذا غصب شخص مصوغًا أو شعيرًا، أو غزلًا، أو ثوبًا، أو خشبة، أو حبًّا، أو بيضًا، أو نوى، أو أغصانًا، فضرب ذلك المصوغ، ونسج الغزل ثوبًا أو فراشًا، وقصر الثوب، أو صبغه، أو نجر الخشبة وجعلها بابًا، أو صار الحب زرعًا، والأغصان شجرًا، والبيض فراخًا ودجاجًا، والنوى غرسًا: فإنه يجب على الغاصب ردُّ كل ما غصبه، وما نتج عنه إلى مالكه، وإن نقصت أثمان تلك الأشياء بسبب ما لحقها: فيجب أن يدفع أرش هذا النقص لمالكها، ولا شيء للغاصب؛ للتلازم؛ حيث إن الغاصب فعل ذلك بكل عين غصبها من مالكها من غير إذنه، فيلزم: أن لا شيء لذلك الغاصب؛ لأن هذه التصرفات تُعتبر لاغية، فهو كمن تبرَّع في ملك غيره بغير إذنه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إرجاع الحق إلى أهله، وفيه منع أخذ بعض الناس حقوق غيرهم بغير إذنهم.
(^٢٢) مسألة: إذا غصب شخص إناء ونحوه، أو بابًا ونحو ذلك، وغيَّر الغاصب ذلك =
[ ٣ / ٥٠٤ ]
أمرد، فيغرم ما نقص من قيمته، وإن جنى عليه: ضمنه بأكثر الأمرين ما نقص من قيمته، وأرش الجناية؛ لأن سبب كل واحد منهما قد وُجد، فوجب أن يضمنه بأكثرهما (^٢٣)، (وإن خصي الرقيق: ردَّه مع قيمته)؛ لأن الخصيتين، يجب فيهما كمال
المغصوب بما يناسبه فإذا أراد ردَّه إلى مالكه: فإن المالك يُجبره على إعادته على ما كان قبل غصبه إذا تمكَّن من إعادته إلى حالته الأولى بدون ضرر ذلك المغصوب كالأواني والحلي، والدراهم ونحو ذلك، أما إن لم يتمكَّن من إعادته إلى حالته الأولى إلّا بفساده: فلا يحق للمالك إجاره على إعادته، والغاصب لا يحق له إفساده؛ للمصلحة: حيث إن مصلحة المالك تقتضي إعادته على ما كان قبل غصبه؛ ليتمكّن من الانتفاع به كما كان سابقًا، فإذا كانت تلك الإعادة تتسبَّب في إفساد ذلك المغصوب على المالك: فلا يُعاد كما كان؛ ليتمكّن ذلك المالك من الانتفاع به.
(^٢٣) مسألة: إذا غصب شخص شيئًا، فتلف بعض هذا الشيء وهو عند الغاصب فنقصت قيمته: فيجب على الغاصب ردُّ هذا الشيء المغصوب إلى مالكه، ويضمن ويغرم ما نقص من قيمته، فمثلًا: لو غصب عبدًا أمردًا كان يساوي عشرة آلاف، فنبتت لحيته عند الغاصب، ونقصت قيمته فصارت ثمانية آلاف فإن الغاصب يردُّه، ويردُّ معه ألفين، وكذا لو غصبه وهو بصير سميع ناطق، له يدان، وهو يساوي عشرة، فجنى عليه فعمي، أو أصابه صمم، أو خرس، أو فقد إحدى يديه، وصار يساوي بعد ذلك ثمانية: فإن الغاصب يردُّه إلى مالكه، ويردُّ معه أرش الجناية وهو: ألفان للقياس؛ بيانه: كما أنه لو جنى على عبد غيره أو على بهيمة بدون غصب: فيجب عليه أن يردَّ العبد، والبهيمة مع أرش تلك الجناية، وهو ما نقص من قيمة ذلك العبد، والبهيمة، فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما قد فوَّت شيئًا له قيمة، فوجب أن يجبره بقدره من القيمة، فإن قلتَ: إنه إن جنى عليه فنقصت قيمته: فإن يضمنه بأكثر الأمرين: إما =
[ ٣ / ٥٠٥ ]
القيمة، كما يجب فيهما كمال الدية من الحر، وكذا: لو قطع منه ما فيه دية كيديه، أو ذكره، أو أنفه (^٢٤)
أن يدفع ما نقص من قيمة العبد المغصوب بالجناية، أو أرش الجناية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود سبب كل واحد من الأمرين: أن يضمنه بأكثرهما ثمنًا على الغاصب، للتفاوت بين ضمان الغصب وضمان الجناية، قلتُ: إنه لا فرق بينهما؛ حيث إن ضمان الغصب هو ضمان الجناية ثم إن ضمان الغاصب ودفعه لأكثر الأمرين -إما قيمة النقص أو الأرش- فيه نوع ظلم على الغاصب، فدفعًا لذلك: قلنا ما ذكرناه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في ضمان الغصب هل هو ضمان الجناية أو لا؟ فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(^٢٤) مسألة: إذا غصب شخص عبدًا فقطع شيئًا منه فيه الدية كاملة -فيما لو قطع من الحر- كأن يقطع خصيتيه، أو يديه، أو ذكره، أو لسانه، أو أنفه: فيجب عليه أن يردُّ ذلك العبد المغصوب إلى مالكه، ويردُّ قيمته كلها، فمثلًا: لو غصب عبدًا يساوي عشرة آلاف، ثم قطع خصيتيه، أو لسانه: فإنه يرد العبد، وعشرة آلاف معه إلى مالكه، وهذا مطلق: أي: سواء زادت قيمة العبد بسبب الخصاء، أو قطع اللسان، أو قلَّت؛ للقياس؛ بيانه: كما أن هذه الأشياء لو قُطعت من الحر لوجب على القاطع كمال الدية، وبقاء الحر على حريته، فكذلك لو قطع الغاصب تلك الأشياء من العبد: فإنه يدفع كل قيمة العبد مع بقاء العبد في ملك سيده، والجامع: أنه في كل منهما قد وقع التلف على البعض، ويُضمن ذلك المفوَّت، فلا تزول الحرية، أو الملك عن غيره بذلك الضمان، فإن قلتَ: إنه يُخيَّر مالك العبد بين أن يصبر، فلا يأخذ شيئًا الغاصب الجاني، وأما أن يأخذ قيمة عبده -وهي العشرة آلاف- ويملك الغاصب الجاني العبد؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو أتلف مالًا: فإن المتلف يدفع قيمة ما أتلفه، ويملكه، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما فيه ضمان مال فلا يبقى ملك صاحبه عليه مع =
[ ٣ / ٥٠٦ ]
(^٢٥) (وما نقص بسعر: لم يضمن)؛ لأنه ردَّ العين بحالها لم ينقص منها عين ولا صفة فلم يلزمه شيء (^٢٦) (ولا) يضمن نقصًا حصل (بمرض) إذا
ضمانه قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الضمان في العبد في مقابلة التالف فقط، لا في مقابلة الجملة، بخلاف ضمان المال إذا أتلفه فإنه في مقابلة الجملة؛ إذ ما بقي من المال لا يصلح للاستفادة منه، فيكون ضمانة في مقابلة جملته، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناه بالحر، لأنه أكثر شبهًا به عندنا، وهم ألحقوه بالأموال العامة؛ لأنه أكثر شبهًا بها عندهم، وهو المسمَّى: "قياس الشبه" أو "غلبة الأشباه".
(^٢٥) مسألة: إذا غصب دابة، ثم جنى على أي عضو منها كأن أتلف عينها، أو رجلها: فإنه يضمن ما نقص من قيمتها، فمثلًا: لو كانت الدابة تساوي قبل ذلك الإتلاف خمسمائة ريال، وصارت بعد ذلك الإتلاف تساوي ثلاثمائة: فإن الغاصب الجاني يرد الدابة إلى مالكها ويدفع له مائتي ريال؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو أتلف بعض دار: فإنه يجب على المتلف دفع الدار وقيمة ما نقص من قيمتها، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما مال قد أتلف بعضه، وبقي البعض الآخر يستفاد منه. فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الناس من اعتداء الآخرين عليها.
(^٢٦) مسألة: إذا غصب شخص ثوبًا كانت قيمته عشرة دراهم وقت الغصب، ثم نقصت قيمته أثناء مدَّة غصبه، فصارت قيمته ثمانية دراهم ثم ردَّه: فإنه يضمن الدرهمين، أي: يردُّه مع درهمين إلى مالكه، وهو مذهب كثير من العلماء: منهم أبو ثور، وابن تيمية وهو رواية عن أحمد، للقياس؛ بيانه: كما أنه لو غصب الثوب فتلف: فإنه يضمنه فكذلك إذا نقصت قيمته وهو عنده: فإنه يضمن ذلك النقص، والجامع: أن الغاصب هو السبب في نقصان قيمته في كل، فيتحمَّله، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع ضرر عن مالك الثوب المغصوب؛ لأن الغاصب حرمه من الدرهمين، فلا بدَّ من تعويضه، ولو لم =
[ ٣ / ٥٠٧ ]
(عاد) إلى حاله (ببرئه) من المرض؛ لزوال موجب الضمان، وكذا: لو انقلع سنُّه ثم عاد (^٢٧)، فإن ردَّ المغصوب معيبًا، وزال عيبه في يد مالكه، وكان أخذ الأرش: لم يلزمه ردُّه؛ لأنه استقر ضمانه بردِّ المغصوب وإن لم يأخذه: لم يسقط ضمانه؛
يضمن ذلك: لتحايل كثير من الناس إلى إمساك حقوق غيرهم حتى تنقص أثمانها، ثم يغردُّونها فدفعًا لذلك: شرع هذا، فإن قلتَ: لا يضمن الغاصب هذين الدرهمين، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الغاصب لو ردَّ الثوب وهو لم ينقص منه شيء: فإنه لا يضمن شيئًا، فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه ردَّ العين -وهو الثوب- بحالها لم تنقص منها عين ولا صفة فلم يلزمه شيء في كل، قلتُ: لا نسلِّم ذلك، بل نقصت قيمته؛ إذ لو باعه مالكه في أثناء وقت غصبه لكانت قيمته عشرة، ولكن منع من ذلك الغاصب، فيكون الغاصب هو المتسبِّب في نقص ثمنه، وهذا مضر بمالكه، ورفع الضرر عن الآخرين مطلوب شرعًا، فلا يُسلَّم ما قالوه؛ لكون النقص على المالك واضح، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناه بمن أتلف ثوبًا بكامله؛ لأنه أكثر شبهًا به عندنا، وألحقوه برد الثوب السالم عن النقص؛ لكونه أكثر شبهًا به عندهم، وهذا هو المسمَّى بـ"قياس الشبه" أو "غلبة الأشباه".
(^٢٧) مسألة: إذا غصب شخص شيئًا، فنقصت قيمته لمرض ونحوه عند الغاصب، ثم عادت قيمته كما كانت وهو عنده ثم ردُّه إلى مالكه: فلا شيء عليه، فمثلًا: لو غصب شخص عبدا يساوي ألف درهم، ثم مرض عنده أو انقلع ضرسه فأصبح لا يساوي إلّا سبعمائة فقط، ثم شفي، وعادت قيمته كما كانت أولًا -وهي: ألف درهم- ثم ردَّه إلى مالكه: فلا شيء على الغاصب، أي: لا ضمان عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من زوال موجب ومسبب الضمان: عدم الضمان، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المالك لم يتضرَّر بشيء، فلو أُوجب ضمان =
[ ٣ / ٥٠٨ ]
لذلك (^٢٨) (وإن عاد) النقص (بتعليم صنعة) كما لو غصب عبدًا سمينًا قيمته مائة، فهزل فصار يساوي تسعين، وتعلَّم صنعة فزادت قيمته بها عشرة: (ضمن النقص)؛ لأن الزيادة الثانية غير الأولى (^٢٩) (وإن تعلَّم) صنعة زادت بها قيمته عند الغاصب (أو
النقص الذي زال قبل الرَّد على الغاصب: للحق الضرر على الغاصب، فدفعًا لذلك شرع هذا.
(^٢٨) مسألة: إذا غصب شخص عبدًا مثلًا، ثم نقصت قيمته بسبب مرض، أو أي عيب أصابه وهو عند الغاصب ثم ردَّه ذلك الغاصب إلى مالكه مع أرش ذلك النقص وضمانه -كما قلنا في مسألتي (٢٣ و٢٤) - ثم شُفي ذلك العبد، أو زال العيب وهو عند مالكه وعادت إليه قيمته: فلا يلزم مالكه أن يردَّ الأرش الذي أخذه إلى الغاصب، وكذا: لو لم يأخذ المالك ذلك الأرش: فإنه لا يسقط عن الغاصب، فيجب عليه -أي: على الغاصب- دفعه وإن زال المرض والعيب عن العبد وهو عند مالكه؛ للتلازم؛ حيث إن ضمان ما نقص من العبد قد استقرّ وثبت حينما ردَّه: فلا يُزيل هذا الاستقرار للضمان زوال المرض أو العيب وهو عند مالكه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه حفظ حق المالك؛ وهذا منضبط؛ إذ لو سقط الأرش لاحتمل أن ينتظر الغاصب فلا يُسلِّم للمالك شيئًا حتى يرى هل يزول المرض أو العيب، وهذا لا نهاية له.
(^٢٩) مسألة: إذا غصب شخص عبدًا سمينًا مثلًا يساوي مائة درهم، فهزل عند الغاصب حتى أصبح لا يساوي إلّا تسعين، ولكن زادت قيمته بشيء غير جنس الأول، فتعلَّم صنعة كنجارة وهو عند الغاصب، فصار يساوي مائة درهم: فإن الغاصب يضمن النقص الحال له لما هزل، فيجب عليه -أي: على الغاصب- أن يردّ العبد مع عشرة دراهم، وإن كان قد تعلَّم صنعة زادت بها قيمته فهذا لا يُؤثِّر؛ للتلازم؛ حيث إن الواجب أن يرد الغاصب المغصوب كما كان عند وقت غصبه، وهو هنا ردَّه بصفة تختلف عن صفته التي هو عليها عند غصبه: فيلزم =
[ ٣ / ٥٠٩ ]
سمن) عنده (فزادت قيمته، ثم نسي) الصنعة (أو هزل، فنقصت) قيمته: (ضمن الزيادة)؛ لأنها زيادة في نفس المغصوب، فلزم الغاصب ضمانها كما لو طالبه بردِّها فلم يفعل و(كما لو عادت من غير جنس الأول) بأن غصب عبدًا فسمن، فصار يساوي مائة، ثم هزل فصار يساوي تسعين، فتعلَّم صنعة فصار يساوي مائة: ضمن نقص الهزال؛ لأن الزيادة الثانية غير الأولى (^٣٠) (و) إن كانت الزيادة الثانية (من
ضمان تلك الصفة المفقودة عند ردِّه؛ حيث إنه أخذه وهو سمين وردُّه وهو هزيل، فلم يكن كما كان في صفته، فلذا وجب ضمان ما فُقد، أما زيادة قيمته بسبب الصنعة التي تعلَّمها -وهي النجارة هنا- فهذا لا يؤثِّر في إسقاط الضمان؛ إذ قد يكون مقصود مالكه: كونه جاهلًا ولكنه قوي، والجهل أحيانًا نعمة يقصدها الأسياد في عبيدهم، والأزواج في زوجاتهم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة لمقاصد الملَّاك في أملاكهم، وقطع التحايل لأخذ حقوق الآخرين.
(^٣٠) مسألة: إذا غصب شخص عبدًا مثلًا يساوي مائة، ثم سمن أو تعلَّم صنعة -كنجارة مثلًا- عند الغاصب فصار يساوي مائتين، ثم هزل، أو نسي ما تعلَّمه -وهو عند الغاصب- فنقصت قيمته إلى أن صار سعره مائة: فيجب على الغاصب أن يردُّه كما أخذه ولا يضمن تلك الزيادة -وهي المائة الآخرى- إلّا أن يُطالب مالكه بردِّه حال كونه سمينًا، أو متعلِّمًا فلم يفعل الغاصب فهنا يضمن تلك الزيادة وهو رواية عن أحمد، وهو قول مالك وأبي حنيفة؛ للتلازم؛ حيث إنه ردَّ العين المغصوبة -وهو العبد هنا- كما أخذها؛ حيث إن العبد لما غصبه كان يساوي مائة، فردَّه وهو يساوي نفس القيمة فيلزم: عدم ضمان تلك الزيادة الطارئة في قيمته؛ لأنه لم يحرمه من شيء، ويلزم من مطالبة مالكه له حال تلك الزيادة وعدم ردِّ الغاصب هذا العبد إليه: أن يضمن تلك الزيادة؛ لأنه طالبه بالمغصوب وهو متصف بالسِّمن أو تعلُّم تلك الصنعة، ورده إليه لما هزل، أو =
[ ٣ / ٥١٠ ]
جنسها) أي: من جنس الزيادة الأولى كما لو نسي صنعة ثم تعلَّمها، ولو صنعة بدل صنعة: (لا يضمن)؛ لأن ما ذهب عاد، فهو كما لو مرض ثم برئ (^٣١) (إلا
نسي وتسبَّب هذا في نقصان قيمته، مما أدَّى إلى حرمان المالك من ذلك فاستحقّ تلك الزيادة، فيضمنها له الغاصب إذا نقصت، فإن قلتَ: إن الغاصب يضمن تلك الزيادة، فيرد العبد ومائة ويُسلِّمهما للمالك، وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو رأي الشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو ردَّه بصفة غير جنس الأول: فإنه يضمن النقص الحاصل له -كما سبق في مسألة (٢٩) - وكذلك: كما أنه لو طالبه بردِّها حال تلك الزيادة فامتنع الغاصب من ردِّها: فإنه يضمن، فكذلك الحال هنا مثل هاتين الصورتين، والجامع: حصول الزيادة في نفس المغصوب ونقصانها في كل، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الغاصب قد ردَّ المغصوب بصفة غير الصفة التي أخذها وهي فيه، فضمن لأجل ذلك -كما سبق في مسألة (٢٩) - وكذلك إذا طالب المالك الغاصب بأن يُسلِّمه عبده وهو في حال السِّمن، أو تعلُّم الصنعة فامتنع الغاصب: فإنه يضمن نقصان تلك الزيادة؛ لكونه استحقه بمطالبته، فحرمه منها، فيضمن الغاصب القيمة التي حرم المالك منها، بخلاف ما نحن فيه: فالمالك قد استلم عبده في صفته التي أُخذ منه وهو عليها، فلم يتغيّر عليه شيء يضمن، ولم يطالبه في حال زيادة قيمة العبد أثناء السِّمن أو تعلم الصنعة، ومع الفرق، لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم" فعندنا: التلازم أقوى؛ لما ذكرناه.
(^٣١) مسألة: إذا غصب شخص عبدًا مثلًا، وكان هذا العبد يعرف صنعة النجارة مثلًا وكان يساوي مائة، ثم نسي النجارة عند الغاصب، ثم تعلَّمها، أو تعلَّم صنعة أخرى من جنس الأولى، ولم تتغيَّر قيمته: فإن الغاصب يرده، ولا يضمن شيئًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العبد المغصوب لو مرض عند الغاصب ثم شُفي فردَّه إلى مالكه: فإنه لا يضمن شيئًا إذا لم تتغير قيمته بسبب ذاك المرض، فكذلك الحال =
[ ٣ / ٥١١ ]
أكثرهما) يعني إذا نسي صنعة وتعلَّم أخرى، وكانت الأول أكثر: ضمن الفضل بينهما؛ لفواته وعدم عودة (^٣٢) وإن جنى المغصوب: فعلى غاصبه أرش جنايته (^٣٣).
فصل: (وإن خلط) المغصوب بما يتميّز كحنطة بشعير، وتمر بزبيب: لزم الغاصب تخليصُه وردُّه، وأجرة ذلك عليه (^٣٤)، و(بما لا يتميّز كزيت أو حنطة
هنا، والجامع: عدم تغيُّر قيمة العبد، وعدم تضرر مالكه فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حق المالك بأن رجع إليه ماله بدون تغيير، وحماية الغاصب من استغلال المالك له.
(^٣٢) مسألة: إذا غصب شخص عبدًا مثلًا، وكان هذا العبد يعرف صنعة النجارة مثلًا، وكان يساوي مائة، ثم نسي تلك الصنعة عند الغاصب، ولكنه تعلَّم صنعة أخرى وهي: الخياطة مثلًا، فصارت قيمته تساوي ثمانين: فإن الغاصب يردُّه، ويردُّ ما نقص من قيمته وهو العشرون درهمًا؛ للتلازم؛ حيث إنه لزم من فوات العشرين على المالك وعدم عوده إليه على ما هو عليه من تلك الصنعة: أن يضمن ذلك الغاصب ويرده إلى مالكه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي حماية حق المالك من النقص.
(^٣٣) مسألة: إذا غصب شخص عبدًا، فجنى هذا العبد على شخص آخر: سواء كان مالكه أو غيره: فإن إرش جنايته على الغاصب، سواء في ذلك ما يوجب القصاص أو المال؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يضمن ما نقص منه، فكذلك يضمن جنايته، والجامع: أن الجناية نقص في العبد الجاني؛ لكون الجناية تتعلَّق برقبته، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلت للمصلحة؛ حيث إن ذلك قد حصل في زمن غصبه فيكون الضمان عليه، دون مالكه.
(^٣٤) مسألة: إذا غصب شخص بُرًّا فخلطه بشعير، أو غصب تمرًا فخلطه بزبيب، أو غصب شيئًا أحمر وخلطه بشيء أسود، أو غصب أي شيء وخلطه بشيء آخر يتميّز عنه: فإنه يجب على الغاصب -عند ردِّه- أن يُخلِّص ويُفرق بين البر =
[ ٣ / ٥١٢ ]
بمثلهما): لزمه مثله؛ لأنه مثلي، فيجب مثل مكيله (^٣٥)، وبدونه أو خير منه، أو بغير
والشعير، ويفرق بين التمر والزبيب، ويُفرق بين الأحمر والأسود، ثم يردُّ المغصوب إلى مالكه ويتحمّل أي أجرة في ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعدِّي الغاصب بذلك: أن يُلزم بردِّه على مالكه على الصفة التي أخذه عليها، ويلزم من تجنِّيه أن يلزم بأي أجرة لأجل فعل ذلك؛ لأن "ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب".
(^٣٥) مسألة: إذا غصب شخص شيئًا فخلطه بمثله من عنده أو من عند غيره بحيث يصعب التمييز بينهما مثل: أن يغصب زيتًا من شخص، ويخلطه بزيت من عنده، أو يغصب بُرًا من شخص، ويخلطه ببر من عنده ونحو ذلك: فإنه يلزم الغاصب، أن يردَّ مثل ما غصبه من حيث شاء -أي الغاصب- وهو قول كثير من العلماء منهم القاضي أبو يعلى؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو غصب شيئًا كزيت مثلًا فتلف: فإنه يردُّ مثله فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما تعذَّر عليه ردُّ عين ماله بسبب الخلط؛ لعدم تميز شيء من ماله، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه انضباط للمردود، وإيصال الحق للمالك، فإن قلتَ: إنه يجب عليه رد مثل المغصوب: كيلًا أو وزنًا من المختلط، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو غصب صاعًا فتلف بعضه: فإنه يرد مثله منه، فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما قدر على دفع بعض ماله إليه مع رد المثل في الباقي، فلا ينتقل إلى المثل في الجميع. قلتُ: هذا صحيح إن انضبط، ولكنه لا يمكن أن ينضبط، فيكون الأسلم والأضبط ما ذكرناه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناه في المتلف؛ لكونه أكثر شبهًا به، وهم ألحقوه بالمتلف بعضه، لكون أكثر شبهًا به عندهم، وهذا "قياس الشبه".
[ ٣ / ٥١٣ ]
جنسه كزيت بشيرج: فهما شريكان بقدر ملكيهما، فيُباع ويُعطى كل واحد قدر حصَّته، وإن نقص المغصوب عن قيمته منفردًا: ضمنه الغاصب (أو صبغ) الغاصب (الثوب، أو لتَّ سويقًا) مغصوبًا (بدهن) من زيت أو نحوه (أو عكسه): بأن غصب دهنًا، ولتَّ به سويقًا (ولم تنقص القيمة) أي: قيمة المغصوب (ولم تزد: فهما شريكان بقدر ماليهما فيه)؛ لأن اجتماع الملكين يقتضي الاشتراك، فيباع ويوزع الثمن على القيمتين، (وإن نقصت القيمة) في المغصوب: (ضمنها) الغاصب؛ لتعدِّيه (وإن زادت قيمة أحدهما: فلصاحبه) أي: لصاحب الملك الذي زادت قيمته؛ لأنها تبع للأصل (^٣٦)
(^٣٦) مسألة: إذا غصب شخص شيئًا، فخلطه الغاصب بشيء آخر أقلَّ منه قيمة، أو أكثر منه، أو خلطه بغير جنسه: كأن يغصب برًا فيخلطه بزيت من عنده، أو يغصب برًا ويخلطه بدقيق شعير من عنده، وهذا الخلط لا يتميّز، أو يغصب ثوبًا، فصبغه الغاصب بصبغ من عنده، أو يغصب سويقًا، ولتَّه بزيت من عنده، أو العكس بأن يغصب صبغًا ويجعله على ثوب من عنده، أو يغصب زيتًا، ويجعله في سويق من عنده، ففي ذلك تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كانت قيمة المغصوب لم تزد ولم تنقص: فالغاصب والمالك شريكان بقدر ملكيهما وماليهما، فيُباع البر المخلوط مع الزيت، ويوزَّع الثمن على قيمة البر، وقيمة الزيت، فتعطى قيمة البر لمالكه، وتُعطى قيمة الزيت للغاصب على حسب سعر كل واحد منهما، فمثلًا: لو قدِّر البر المغصوب بأنه يساوي ستة دراهم، ويُقدَّر الزيت التابع للغاصب بأنه يساوي ثلاثة دراهم، فإذا بيع فيكون الثلثان لمالك البر، والثلث لمالك الزيت وهو الغاصب، فإذا بيع الزيت المخلوط بالبر بمبلغ وقدره ثلاثون درهمًا مثلًا: فإن المالك يأخذ ثلثيها -وهو: عشرون- والغاصب يأخذ الثلث -وهي عشرة- وهكذا يُقال في الثوب المصبوغ، والسويق الذي جُعل فيه زيت ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن اجتماع الملكين -وهما البر والزيت- يلزم منه: اشتراك المالكين
[ ٣ / ٥١٤ ]
(ولا يُجبر من أبى قلع الصبغ) إذا طلبه صاحبه (^٣٧)، وإن وهب الصبغ لصاحب الثوب: لزمه قبوله (^٣٨) (ولو قُلع غرس المشتري أو بناؤه لاستحقاق الأرض) أي:
لهما في قدر ملك كل واحد منهما على حسب نسبته، ثانيًا: إن نقصت قيمة المغصوب -وهو البر في المثال السابق-: فإن الغاصب يضمن ذلك النقص، فلو كانت قيمة البر عند الغصب ستة دراهم، وهما قد باعا البر المخلوط بالزيت بأربعة دراهم: فإن الغاصب يضمن الدرهمين للمالك ويردّ له ستة ولا شيء للغاصب؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعدِّي الغاصب على غصب البر: أن يضمن ذلك النقص؛ لأنه حدث بسببه، وفعله، ثالثًا: إن زادت قيمة كل من الزيت أو البر: فإن كلَّ واحد يأخذ الزيادة التي تخصُّ ملكه فمثلًا: إذا زاد سعر البر في السوق وصار البر المغصوب يساوي عشرة والزيت يساوي خمسة فقط، ثم باعا البر المخلوط بالزيت فالزيادة تكون للذي غلا سعره وهكذا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من أن كل شيء يتبع أصله: أن الزيادة تتبع ما زاد سعره، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دقة متناهية في الإنصاف والعدالة.
(^٣٧) مسألة: إذا غصب شخص ثوبًا، ثم صبغه الغاصب بصبغة من عنده، وأراد الغاصب قلع هذا الصبغ، أو غصب صبغًا، وجعله في ثوب من عنده، وأراد المالك قلعه: لم يُجبر كل منهما على قلع ذلك إذا طلبه صاحبه؛ للمصلحة حيث إن ذلك فيه إتلاف وإلحاق للضرر إليه؛ لأن الصبغ يهلك وينعدم بالاستخراج والقلع، ويتسبَّب في إفساد الثوب عادة، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
(^٣٨) مسألة: إذا وهب الغاصب الصبغ إلى مالك الثوب أو وهب نسيج غزل، أو تحسين دار إلى مالكهما: فإنه يلزم المالك قبول ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو زادت صفة في المسلم فيه: للزم المسلم أن يقبله، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن الصبغ والصفة صارا من صفات العين، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ نظرًا لكونه أرجع إلى المالك العين المغصوبة وزيادة.
[ ٣ / ٥١٥ ]
لخروج الأرض مستحقة للغير: (رجع) الغارس أو الباني إذا لم يعلم بالحال (على بائعها) له (بالغرامة)؛ لأنه غرَّه، وأوهمه أنها ملكه ببيعها له (^٣٩) (وإن أطعمه) الغاصب (العالم بغصبه: فالضمان عليه)؛ لأنه أتلف مال الغير بغير إذنه من غير تغرير، وللمالك تضمين الغاصب؛ لأنه حال بينه وبين ماله، وقرار الضمان على الآكل (وعكسه بعكسه) فإن أطعمه لغير عالم فقرار الضمان على الغاصب؛ لأنه غرَّ الآكل (^٤٠)، (وإن أطعمه) الغاصب (لمالكه، أو رهنه) لمالكه (أو أودعه) لمالكه (أو
(^٣٩) مسألة: إذا باع زيد أرضًا على عمرو، فغرسها عمرو، أو بنى عليها بناءً، ثم بان أن الأرض ليست ملكًا لزيد بل هو غاصبها من بكر، فقلع بكر ما غرسه عمرو، وهدم البناء؛ لكونه هو مستحق الأرض: ففي ذلك تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان عمرو يعلم بأن تلك الأرض -التي غرسها، أو بنى عليها- ليست ملكًا لزيد، ومع ذلك اشتراها منه: فإنه لا يُغرم له شيء، بل يذهب ماله هدرًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو اشترك زيد وعمرو في غصب أرض فغرساها، أو بنيا عليها بناء وقلع وهدم ذلك: فلا شيء لهما فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما متعدِّي فيما فعله، والمتعدِّي لا يُغرم له ما خسره بسبب تعدِّيه، ثانيًا: إن كان عمرو لا يعلم شيئًا عن الأرض، ويغلب على ظنه أنها ملك لزيد: فإنه يرجع إلى بائعها وهو -زيد- ويُطالبه بثمن الغرس، والبناء، ويجب على زيد أن يغرم له ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن عمرًا يُطالب زيدًا بثمن الأرض الذي أعطاه إياه؛ لكون بكر قد أخذها منه؛ لأنها حق له، فكذلك يُطالبه بثمن الغرس والبناء الذي قلعه وهدمه بكر، والجامع: أنه في كل منهما قد غرَّه زيد، وأوهمه بأن الأرض ملكه، وهو السبب في كونه يبني، ويغرس فيها، والمقصد في ذلك واضح.
(^٤٠) مسألة: إذا غصب زيد طعامًا من عمرو فأطعمه زيد لبكر فأكله: فإن الضمان على الغاصب -وهو زيد- فيُطالبه المالك -وهو عمرو هنا- بقيمة الطعام: سواء =
[ ٣ / ٥١٦ ]
آجره إياه: لم يبرأ) الغاصب (إلا أن يُعْلم) المالك أنه ملكه، فيبرأ الغاصب؛ لأنه حينئذٍ يملك التصرُّف فيه على حسب اختياره، وكذا: لو استأجره الغاصب على قصارته، أو خياطته (^٤١) (ويبرأ) الغاصب (بإعارته) المغصوب لمالكه من ضمان عينه:
كان الآكل -وهو بكر- عالمًا بأن هذا الطعام مغصوب أو لا، ويرجع زيد على الآكل ويُطالبه بقيمته إن شاء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الغاصب -وهو زيد- هو الآخذ الحقيقي لذلك المال من عمرو، وهو الذي حال بينه وبين ماله: أن يكون هو المسؤول عن هذا الغصب أمام المالك -وهو عمرو- فيضمنه له، ولا شأن لعمرو ببكر لا من قريب ولا بعيد، فإن قلتَ: إن الضمان يكون على الآكل إن كان عالمًا بأن الطعام مغصوب، ويُطالب المالك -وهو عمرو- بحقه من الغاصب المباشر له ويطالب الآكل أيضًا، أما إن كان الآكل لا يعلم أن ذلك الطعام مغصوب: فإن الضمان يكون على الغاصب -وهو زيد- فقط، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من علم الآكل -وهو بكر- بأن الطعام مغصوب: أنه يضمنه؛ لكونه أتلف مال غيره بغير إذن، ولا تغرير، فهو أقدم على فعله مع علمه، ويلزم من عدم علم الآكل بأن الطعام مغصوب: أن لا يضمنه إلّا إذا رجع إليه الغاصب المباشر -وهو زيد- لأنه هو الذي غر الآكل قلتُ: هذا بعيد؛ لأن المالك -وهو عمرو- قد غصب طعامه زيد مباشرة، فهو المسؤول أمامه عن ذلك الطعام، فلا يُطالب بحقه من غيره، وهذا هو الذي تؤيده القواعد الشرعية، وأصله: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
(^٤١) مسألة: إذا غصب زيد طعامًا من عمرو، فأطعم ذلك الغاصب ذلك الطعام لمالكه -وهو عمرو-، أو رهن زيد ذلك الطعام عند عمرو، أو أودعه إياه، أو أجَّره دارًا قد غصبها منه، أو أخذه مالكه -وهو عمرو- بقرض أو شراء، أو هبة، أو هدية، أو صدقة، أو إباحة، أو غصب زيد من عمرو ثوبًا فاستأجره على قصارته، أو خياطته، ولم يعلمه بأن هذا الطعام، أو الدار، أو الثوب هو =
[ ٣ / ٥١٧ ]
علم أنه ملكه أو لم يعلم؛ لأنه دخل على أنه مضمون عليه، والأيدي المترتبة على يد الغاصب كلها أيدي ضمان، فإن علم الثاني: فقرار الضمان عليه، وإلا: فعلى الأول، إلّا ما دخل الثاني على أنه مضمون عليه: فيستقرّ عليه ضمانه (^٤٢) (وما تلف)
ملكه: فإن ذمة الغاصب لا تبرأ، أما إن أعلمه بأن كل ذلك ملكه: فإن ذمة الغاصب تبرأ؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم علم المالك -وهو عمرو- بأن هذا ملكه يتصرَّف فيه كما شاء ببيع، أو هبة، أو إطعام غيره: أن تكون ذمة الغاصب لا تبرأ بذلك؛ لأنه قبضه على أنه أمانة؛ لأن الرَّد الكامل الشرعي هو: إعلام المالك بأن هذا الشيء هو مغصوب منك وهو ملك لك وبهذا تنتفي المنة، ويلزم من إعلامه بذلك: وحرية تصرف المالك فيه على حسب اختياره: بيع وهبة وصدقة: أن تبرأ ذمة الغاصب بذلك؛ لكون ذلك هو: الرد الكامل الشرعي للمغصوب.
(^٤٢) مسألة: إذا غصب زيد حمارًا من عمرو، فأعار زيد ذلك الحمار إلى مالكه -وهو عمرو-: فإن ذمة الغاصب تبرأ مطلقًا، أي: سواء علم عمرو أن الحمار ملكه، أو لم يعلم بذلك؛ للتلازم؛ حيث إن المالك قد استعار الحمار على أنه مضمون عليه؛ لأن العارية توجب الضمان على المستعير فلزم: إبراء ذمة الغاصب في ذلك؛ إذ لو وجب الضمان على الغاصب لرجع به على المستعير -وهو المالك وهو عمرو هنا- ولا فائدة في وجوب شيء عليه يرجع به على من وجب له. تنبيه: الغاصب يضمن المغصوب، وإذا تعامل معه آخر بشراء ذلك المغصوب، أو استأجره، أو نهبه، أو استعاره، أو غصبه منه، أو تصرَّف فيه تصرُّف شريك مضارب، أو تزوج المغصوبة، أو قبض المغصوب تعويض له عن سلعة مشتراة، أو أتلف ذلك المغصوب، وهو يعلم أو لا يعلم في تلك الأمور العشرة: فإن المالك يُضمِّن الغاصب الأول، في كل، ويرجع الأول إلى الثاني إن شاء، وقد سبق بيان ذلك بالتفصيل، وما ذكره المصنف هنا مبني على مذهبه فقط، وقد سبق =
[ ٣ / ٥١٨ ]
أو أتلف من مغصوب (أو تغيَّب) ولم يمكن ردّه كعبد أبق وفرس شرد (من مغصوب مثلي) وهو: كل مكيل، أو موزون، لا صناعة فيه مباحة يصح السَّلم فيه: (غرم مثله إذًا)؛ لأنه لما تعذر رد العين: لزمه رد ما يقوم مقامها، والمثل أقرب إليه من القيمة (^٤٣). وينبغي أن يستثنى منه الماء في المفازة: فإنه يضمن بقيمته في مكانه، ذكره في "المبدع" (وإلا) يمكن رد مثل المثلي؛ لإعوازه: (فقيمته يوم تعذَّر)؛ لأنه وقت استحقاق الطلب بالمثل، فاعتبرت القيمة إذًا (^٤٤) (ويضمن غير المثلي) -إذا تلف أو
بيان الرد عليه.
(^٤٣) مسألة: إذا غصب زيد شيئًا من عمرو، فتلف هذا الشيء المغصوب، أو أتلفه الغاصب كحيوان مات أو قتله الغاصب، أو تغيَّب ذلك المغصوب ولم يتمكّن الغاصب من ردِّه كفرس غصبه ثم هرب ذلك الفرس: وكان لهذا المغصوب مثل -وهو الشيء المماثل له- مثل أن يغصب مكيلًا أو موزونًا فيتلف: فإن الغاصب يغرم مكيلًا أو موزونًا مثله بشرط: أن يكون ذلك المكيل أو الموزون لا صناعة فيه، ومباحة، ويصح السَّلم فيه كالبر، ونحوه، فإن دخلت فيه الصناعة كصناعة الهريسة، أو كانت غير مباحة كأواني الذهب أو الفضة، أو كانت لا يصح السلم فيها كالجواهر: فإن الغاصب لا يغرمها بمثلها بل بقيمتها، للتلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: أنه لما تعذَّر ردُّ العين: وجب عليه أن يردَّ ما يقوم مقامها: فيلزم أن يردَّ مثلها؛ لأن المثل هو الذي يقوم مقام العين من طريق الصورة والمشاهدة، بخلاف القيمة، ثانيهما: يلزم من تفاوت الصناعات، وعدم الإباحة في الأشياء المغصوبة، أو عدم صحة السَّلم فيه: أن يغرم الغاصب ما غصبه من هذه الأمور بقيمته؛ لئلا يفعل شيئًا محرمًا.
(^٤٤) مسألة: إن كان لهذا المغصوب التالف مثل، ولكنه لم يجده؛ لعدم، أو بُعْد، أو غلاء: فإن الغاصب يغرم ذلك بقيمته يوم تعذَّر عليه وجود المثل، كمن غصب ماء في صحراء، أو نحو ذلك؛ للتلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: أنه يلزم من تعذُّر =
[ ٣ / ٥١٩ ]
أُتلف - (بقيمته يوم تلفه) في بلده من نقده أو غالبه؛ لقوله ﵇: "من أعتق شركًا له في عبد: قوِّم عليه" (^٤٥)، ولو أخذ حوائج من بقَّال ونحوه في أيام، ثم
عليه وجود المثل: وجوب القيمة؛ لئلا يذهب حق المالك هدرًا، ثانيهمًا: أن القيمة وجبت في الذمة حين انقطاع المثل: فلزمت تلك القيمة من وقت ذلك الانقطاع، فإن قلتَ: تجب قيمة المغصوب حين المحاكمة، وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية؛ للتلازم؛ حيث إن القيمة لم تنتقل إلى ذمة الغاصب إلّا بعد أن حكم بها الحاكم، فتلزم تلك القيمة في هذا الوقت، ولا تلزم قبله قلتُ: هذا بعيد؛ لأن القيمة ثبتت في ذمة الغاصب حين تلفت العين المغصوبة؛ لأنه قبل التلف: يجب رد عينها، ولما تلف ولم يُوجد مثله: وجبت قيمته يوم تلفه، بدليل: أن المالك له الحق بالمطالبة بتلك القيمة، وله الحق بأن يستوفيها، ولا ينكر الغاصب ذلك، والحاكم ملزم فقط؛ فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في القيمة متى ثبتت في ذمة الغاصب؟ " فعندنا: يوم إتلافه، وعندهم: يوم المحاكمة.
(^٤٥) مسألة: إن لم يكن لهذا المغصوب التالف مثل أصلًا: فإن الغاصب يغرمه بقيمته يوم تلفه بالنقد المعروف ببلد المتلف أو بغالب النقد في ذلك البلد؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من أعتق شركًا له في عبد قوم عليه قيمة عدل"، حيث إنه ﷺ أمر بالتقويم في حصة الشريك؛ لأنها متلفة بالعتق، ولم يأمره بالمثل، وهذا يلزم منه أنه يقوم بقيمته ويدفعها إلى المالك. الثانية: المصلحة؛ حيث إن دفع قيمتها أعدل، وأسلم من التنازع والاختلاف؛ لكون المتلف لا تتساوى جزئياته، ولا صفاته مع ما يُماثله، فإن قلتَ: لِمَ يضمنه بالقيمة يوم إتلافه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القيمة لم تجب إلّا بعد إتلاف المغصوب وعدم وجدان مثله دفعًا للضرر عن الغاصب، فإن قلتَ: إن الغاصب يضمنه بالقيمة يوم غصبه، وهو قول مالك وأبي حنيفة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تفويت الغاصب على المالك =
[ ٣ / ٥٢٠ ]
حاسبه: فإنه يُعطيه بسعر يوم أخذه (^٤٦)، وإن تلف بعض المغصوب، فنقصت قيمة باقيه كزوجي خفٍّ تلف أحدهما: ردَّ الباقى وقيمة التالف، وأرش نقصه (^٤٧) (وإن
ذلك المغصوب يوم غصبه: أن يضمنه من حين، غصبه، قلتُ: لا يُسلِّم هذا؛ لأنه يوم غصبه يضمن ويُغرم به، أو بمثله إن كان له مثل، ولم تتعين القيمة في الذمة إلّا بعد إتلافه، وعدم وجدان مثله، فتكون القيمة ذلك الوقت، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع المصلحة" وقد بيّنا ذلك.
(^٤٦) مسألة: إذا أخذ زيد فواكه، أو خضروات، أو لحمًا، أو زيتًا أو نحو ذلك من عمرو -البقَّال، أو الجزار- في (١/ ١ / ١٤٢٦ هـ) ولم يقطع بسعرها، ثم أراد أن يُحاسبه ويعطيه قيمتها في (١ (٩/ ١٤٢٦ هـ) مثلًا: فإن زيدًا يعطي عمرًا سعر ما أخذ في (١/ ١/ ١٤٢٦ هـ)؛ للتلازم؛ حيث إنه قد ثبتت قيمة ما أخذ في ذمة الآخذ -وهو زيد- يوم أخذه إيّاها فيلزم أن يدفع ما ثبت في ذمته، وهذا معلوم متعارف عليه والعرف يقوم مقام النطق، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المالك -وهو عمرو- من تحايل بعض الناس من أن لا يفوا بما عليهم إلّا بعد رخص الأثمان، وفيه حماية الآخذ -وهو زيد- من تحايل بعض الناس من أن لا يطالبوا بحقوقهم إلّا بعد غلاء الأثمان.
(^٤٧) مسألة: إذا غصب شيئين لا يُستعملان إلّا معًا، وينقصهما التفريق: كأن يغصب زيد من عمرو خفَّين، أو مصراعي باب، فتلف واحد من الخفين، أو واحد من المصراعين: فيجب على الغاصب -وهو زيد أن يرد الباقي- وهو الخف أو المصراع السالم - إلى مالكه -وهو عمرو-، وقيمة الخف أو المصراع التالف، وأرش نقصه، فمثلًا: إذا كانت قيمة الخفين السالمين عشرة دراهم، فصارت قيمة الباقي بعد التلف: أربعة دراهم فقط، فإنه يجب عليه أن يردَّ ذلك الباقي، إلى مالكه وستة دراهم معه أيضًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو غصب ثوبًا فشقه ثم تلف أحد الشقين: فإنه يجب على الغاصب أن يرد الباقي، وقيمة التالف، وأرش
[ ٣ / ٥٢١ ]
تخمَّر عصير) مغصوب (فـ) على الغاصب (المثل)؛ لأن ماليته زالت تحت يده كما لو أتلفه (^٤٨) (فإن انقلب خلًّا دفعه) لمالكه؛ لأنه عين ملكه (و) دفع (معه نقص قيمته) حين كان (عصيرًا) إن نقص؛ لأنه نقص حصل تحت يده (^٤٩)، ويسترجع الغاصب ما أداه بدلًا عنه (^٥٠)، وإذا كان المغصوب ممّا جرت العادة بإجارته: لزم الغاصب أجرة
النقص فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه نقص حصل بسبب جناية الغاصب، فلزمه ضمانه في كل، والمقصد: حماية حقِّ المالك.
(^٤٨) مسألة: إذا غصب شخص عصيرًا، ثم صار هذا العصير خمرًا عند الغاصب: فيجب على الغاصب أن يدفع لمالكه مثل العصير الذي غصبه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الغاصب لو أتلف العصير: فإنه يجب عليه دفع مثله إلى المالك، فكذلك الحال هنا، والجامع أنه في كل منهما قد زال وتلف مال المالك تحت يد الغاصب، فعليه ضمانه بمثله، والمقصد كما قلنا في مسألة (٤٧).
(^٤٩) مسألة: إذا غصب شخص عصيرًا من عمرو، ثم صار هذا العصير خلًّا عند الغاصب: فيجب أن يدفع الغاصب ذلك الخل إلى مالك العصير -وهو عمرو هنا-، ويدفع أيضًا معه قيمة النقص إن حصل نقص على المالك فمثلًا: لو كان العصير حين غصبه يساوي عشرة دراهم، فلما كان خلًّا صار يساوي خمسة: فإن الغاصب يرد الخل إلى مالك العصير، ويرد خمسة دراهم معه، لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون الخل هو عين مالك العصير: فإنه يجب على الغاصب إرجاعه إلى مالكه، الثانية: القياس؛ بيانه كما أنه لو غصب شاة فهرمت عنده -أي: عند الغاصب- وردَّها فيجب عليه ردُّها، وقيمة النقص الذي حصل في الشاة فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما قد حصل نقص فيه، لكونه تحت يد الغاصب فيضمنه ويغرمه.
(^٥٠) مسألة: إذا كان الغاصب -في مسألة (٤٩) - قد دفع بدلًا عن العصير إلى مالكه لما صار خلًّا، وهو قد أرجعه إلى مالكه مع أرش نقصه: فإن الغاصب يسترجع =
[ ٣ / ٥٢٢ ]
مثله مدَّة بقائه بيده: استوفى المنافع أو تركها تذهب (^٥١).
ذلك البدل من مالك المغصوب؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو غصب عبدًا، ثم هرب العبد من الغاصب، فدفع قيمته إلى مالكه، ثم وجده وردَّه إلى مالكه: فإن يأخذ القيمة التي دفعها إليه، فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما قد وصل إلى المالك حقُّه، فلا يجوز أخذ ما زاد عليه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه رفع الضرر عن الغاصب، وهذا من باب: إرجاع الحقوق إلى أهلها.
(^٥١) مسألة: إذا غصب شخص شيئًا جرت العادة بتأجيره كالرقيق، والدار، والبهائم، ونحو ذلك: فإنه يجب على الغاصب أن يردُّ هذا الشيء المغصوب لمالكه، وأن يدفع أجرة مثل هذا المغصوب من ساعة غصبه إلى أن ردَّه -أي: يدفع أجرة مثله مدَّة بقائه بيده- وهذا مطلق، أي: سواء استوفى الغاصب منافع الشيء المغصوب أو لا، فمثلًا: لو غصب دارًا من عمرو سنة، وسكنها، أو لا: فإنه يجب على هذا الغاصب أن يرد هذه الدار، وأُجرة سنة أيضًا، ويُسلِّمهما لمالك الدار؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو غصب عينًا وأتلفها أو بعضها أو فوتها على مالكها: فإنه يغرم ويضمن ما أتلفه، فكذلك منفعة تلك العين إذا فوَّتها على مالكها: فإنه يضمنها ويغرمها، والجامع: أن كلًّا من العين والمنفعة مال متقوَّم فوجب ضمانه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه ردُّ حق للمالك قد تسبَّب الغاصب في تفويتها، فإن قلتَ: إن المنافع لا تُضمن، وهو قول أبي حنيفة، وكثير من المالكية؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشخص لو زنا بامرأة مطاوعة لا ضمان ولا غرم عليه، فكذلك لو غصب عينًا: فإنه يردُّها، ولا يضمن ما فوّته من منافعها، والجامع: أنه في كل منهما قد استوفى المنفعة من غير عقد، ولا شبهة ملك قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن المرأة قد رضيت بإتلاف منافعها بغير عوض، ولا عقد يقتضي العوض، ولو أكرهها على =
[ ٣ / ٥٢٣ ]
فصل: (وتصرُّفات الغاصب الحكمية) أي: التي لها حكم من صحَّة، وفساد: كالحج، والطهارة ونحوهما، والبيع، والإجارة، والنكاح ونحوها (باطلة)؛ لعدم إذن المالك (^٥٢)،
الزنا: لوجب عليه مهرها، وأيضًا كلامهم ليس في محل النزاع، لأن المسألة مفروضة في غصب أشياء لها منافع تُستباح بالإجارة كالعقارات، والدواب ونحوها، والأبضاع لا تُستباح بالإجارة، وقد سبق بيان ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقنا غاصب المنفعة بغاصب العين، ومتلفها لأنه أكثر شبهًا به، وهم ألحقوه بمن زنا بامرأة مطاوعة، لأنه أكثر شبهًا به عندهم، وهذا هو قياس الشبه.
(^٥٢) مسألة: تصرُّفات الغاصب في العين المغصوبة الحكمية: أي: من حيث الصحة وعدمها فيه التفصيل الآتي: أولًا: إن كانت تلك التصرفات لا تقع فيها مباشرة كأن يغصب دارًا ويصوم فيها، أو يذكر الله، أو يُوحِّد الله تعالى فيها، فهذه تصح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم مدخل ذلك في العين المغصوبة: صحته، ثانيًا: إن كانت تلك التصرفات واقعة في العين المغصوبة مباشرة كأن يغصب دارًا ويصلي فيها، أو يغصب ثوبًا ويصلي فيه، أو يغصب ماء، أو ترابًا ويتطهَّر فيه، أو يغصب جملًا ويحجّ أو يعتمر عليه: فإن تلك التصرفات لا تصح إذا كان واجدًا غيرها؛ لقاعدتين الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عدم إذن المالك: عدم صحتها، الثانية: المصلحة: حيث إنه لو كانت تلك التصرفات صحيحة لأدَّى ذلك إلى تعدِّي بعض الناس إلى اغتصاب أملاك الآخرين؛ لأن الغاصب سيقول ما دام أنه يصح فيها كل عبادة: فهذا أهون مما لو لم يصح شيء، فيكثر الاعتداء، فسدًا لذلك ومنعًا للضَّرر في المجتمع شرع عدم صحة ما يقع فيها من عبادات وقد سبق بيان ذلك في كتاب الطهارة والصلاة. ثالثًا: إن كانت هذه التصرفات في العقود: كأن يغصب دارًا ثم يبيعها، أو يؤجرها أو يغصب امرأة ويتزوجها، أو
[ ٣ / ٥٢٤ ]
وإن اتَّجر في المغصوب: فالربح لمالكه (^٥٣)، (والقول في قيمة التالف): قول الغاصب؛ لأنه غارم (أو قدره) أي: قدر المغصوب (أو صفته): بأن قال: "غصبتني عبدًا كاتبًا" وقال الغاصب: "لم يكن كاتبًا" فـ (ـقوله) أي: قول الغاصب كما تقدَّم (و) القول (في
يزوجها غيره طمعًا بالمهر: فيُرجع في ذلك إلى المالك: فإن اختار المالك: إبطاله: فهو باطل، وإن اختار: عدم إبطاله: فهو صحيح، وما لم يدركه المالك ولم يعلم به: فهو صحيح أيضًا، وهو اختيار كثير من العلماء منهم أبو الخطاب الحنبلي؛ للمصلحة: حيث إن مدَّة الغصب قد تطول، وفي هذه المدة الطويلة تربح تلك العقارات ونحوها وتنمو، ويكثر الربح والزيادة وعند ردِّ الغاصب للمغصوب تكون كل هذه الفوائد للمالك، فلو قلنا ببطلان التصرفات للحق الضرر للمالك، فدفعًا لذلك: شرع صحتها.
(^٥٣) مسألة: إذا غصب شخص أثمانًا فاتَّجر بها، أو عروض تجارة واتَّجر بأثمانها أو نحو ذلك: فالعين المغصوبة، وما ربحته لمالكها، ولا يستحق الغاصب شيئًا منها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون تلك الأرباح هي أرباح عين ماله: أن تكون حقًا له، دون الغاصب، فإن قلتَ: إن الغاصب يكون بمنزلة الشريك المضارب، يكون له قدر من الربح كما سبق ذكره في "شركة المضاربة" وهو رأي ابن تيمية وبعض العلماء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تجارة الغاصب بمال المالك: أن يكون له نصيب من الربح؛ لأنه قد اشترك في العمل. قلتُ: هذا بعيد، إذ الواقع في شركة المضاربة: الاتفاق بين صاحب المال وبين شريكه، والربح الذي تحصَّل عليه الغاصب من خلال متجارته بمال المالك وقع بدون اتفاق بينهما، ولا رضى، وهذا يُفسد ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الرضى: فساد العقد، والشركة؛ لأن من شروط صحة العقد: رضى المتعاقدين. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض التلازمين" وهو واضح.
[ ٣ / ٥٢٥ ]
ردِّه أو تعيُّبه): بأن قال الغاصب: كانت فيه إصبع زائدة، أو نحوها، وأنكره مالكه: فـ (ـقول ربِّه) لأن الأصل: عدم الرَّدو العيب، وإن شهدت البيّنة: أن المغصوب كان معيبًا، وقال الغاصب: "كان معيبًا وقت غصبه" وقال المالك: "تعيَّب عندك": قُدِّم قول الغاصب؛ لأنه غارم (^٥٤) (^٥٥) (وإن جهل) الغاصب (ربَّه) أي: رب المغصوب:
(^٥٤) مسألة: إذا تلفت العين المغصوبة تحت يد الغاصب، ثم أراد الغاصب ردَّ قيمتها إلى مالكها واختلفا في قدر تلك القيمة حين تلفها، فقال المالك: "إنها تساوي عشرة" ونفى ذلك الغاصب قائلًا: "إنها تساوي ثمانية"، أو اختلفا في قدر المغصوب بأن قال المالك: "غصبتني مائة" فقال الغاصب: "إنها خمسون"، أو اختلفا في صفة المغصوب بأن قال المالك: "غصبتني عبدًا كاتبًا، أو راميًا" وقال الغاصب: "لم يكن ذلك العبد كاتبًا ولا راميًا"، أو اتفقا على أن المغصوب كان معيبًا واختلفا في وقت العيب فقال المالك: "قد تعيَّب عندك" وقال الغاصب: "بل كان معيبًا قبل أن أغصبه": ولا بيّنة لأي واحد منهما: فإنه يُقبل قول الغاصب في تلك الصور مع يمينه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو ادّعى على عمرو ألف درهم، وأقرَّ عمرو ببعضها، وأنكر الباقي، ولا بيّنة لواحد منهما: فإنه يُقبل قول المنكر -وهو عمرو- مع يمينه، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن المنكر -وهو عمرو والغاصب هنا- غارم لما ادَّعاه عليه الآخر، والأصل براءة ذمته، فإن قلتَ: لِمَ شُرع اليمين هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي: الاحتياط في الدِّين والحقوق؛ إذ يحتمل أن يكون المالك -وهو المدعي- صادقًا، فطُلب اليمين من الغاصب لدفع هذا الاحتمال.
(^٥٥) مسألة: إذا اختلف الغاصب مع المالك في ردِّ المغصوب بأن قال الغاصب: "أنا قد رددته إليك" فأنكر المالك قائلًا: "لم أرى ذلك، أو لم يكن ذلك صحيحًا"، أو اختلفا في تعيبه قبل تلفه فقال الغاصب: "كان العبد الذي غصبته منك فيه إصبغ زائدة، أو كان أعورًا، أو يبول في فراشه" فأنكر المالك ذلك قائلًا: "كان =
[ ٣ / ٥٢٦ ]
سلَّمه إلى الحاكم، فبرئ من عهدته، ويلزمه تسلُّمه، أو (تصدَّق به عنه مضمونًا) أي: بنية ضمانه إن جاء ربه فإذا تصدَّق به: كان ثوابه لربه، وسقط عنه إثم الغصب، وكذا حكم رهن، ووديعة، ونحوهما إذا جهل ربها، وليس لمن هي عنده أخذ شيء منها، ولو كان فقيرًا (^٥٦) (ومن أتلف) لغيره مالًا (محترمًا) بغير إذن ربه: ضمنه؛ لأنه
صحيحًا لم يكن فيه عيب": ولا بيّنة لواحد منهما: فإنه يُقبل قول المالك مع يمينه في هاتين الصورتين؛ للاستصحاب: حيث إن الأصل بقاء المغصوب تحت يد الغاصب، وعدم العيب فيه، فنعمل على هذا، ونستصحبه حتى يرد دليل يغيِّر الحالة، ولم يرد شيء من ذلك، فبقي الأصل يعمل به، والمقصد في اليمين كما ذكر في مسألة (٥٤).
(^٥٦) مسألة: إذا غصب شخص شيئًا، وجهل هذا الغاصب صاحب هذا الشيء المغصوب، وأراد ردَّه، أو قيمته: فإنه يُسلِّمه إلى الحاكم بشرط: أن يكون عدلًا عالمًا، أو يُسلِّمه لنائبه -وهو القاضي العدل-، أو يُسلِّمه لأي عالم معروف بدينه وعلمه، ويجب على هؤلاء أن يستلموا ذلك المغصوب، أو يتصدَّق به وينويه عن مالك المغصوب، ولا يحتاج ذلك إلى إذن الحاكم، والتصدُّق به يُشترط فيه أن ينوي ضمانه إن جاء وعرف مالك المغصوب، والأجر يكون لمالك المغصوب، وتبرأ ذمة الغاصب ويسقط عنه إثمه، ولا يسقط عنه إثم الغصب؛ للقياس؛ بيانه: كما أن اللقطة التي لا يعرف صاحبها تسلم للحاكم، أو نائبه، أو العالم، أو يتصدق به فكذلك يفعل في العين المغصوبة التي لا يُعرف مالكها، والجامع: أن كلًّا من لاقط اللقطة، والغاصب للعين عاجز عن ردَّها إلى أصحابها، فلم يكن له طريق إلّا هذه الطرق فوجب سلوكها، فإن قلتَ: لِمَ شُرع تسليمها للحاكم، أو نائبه أو العالم؟ قلتُ: لأن قبض هؤلاء لها قائم مقام قبض أصحابها لها؛ لقيامهم مقامهم، فإن قلتَ: لِمَ شرع التصدّق بها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التصدق بها فيه جمع بين مصلحة المالك بتحصيل الثواب له، وفيه تبرئة ذمة الغاصب، فإن قلتَ: لِمَ =
[ ٣ / ٥٢٧ ]
فوَّته عليه (^٥٧) (أو فتح قفصًا) عن طائر فطار: ضمن (أو) فتح (بابًا) فضاع ما كان
اشترط في التصدُّق بها أن تكون مضمونة؟ قلتُ: لأن الصدقة بها لا إلى بدل -وهو الضمان فيما لو جاء صاحبها- غير جائز؛ لكونها تفوِّت على المالك حقه العاجل، فإن قلتَ: لِمَ سقط عنه إثم استمرار الغصب؟ قلتُ: لأنه عذر بعدم وجود مالكها، فإن قلتَ: لِمَ لا يسقط عنه إثم الغصب؟ قلتُ: نظرًا لأنه فوَّت على المالك انتفاعه بالعين المغصوبة مدة غصبها، فإن قلتَ: لِمَ لزم الحاكم ونائبه والعالم تسلمها؟ قلتُ: لأن هذا طريق لإيصال الحقوق إلى أهلها. (فرع): الراهن إذا لم يجد صاحب العين المرهونة إذا أراد فك الرهن، أو المودَع إذا أراد ردّ الوديعة ولم يجد المودِع، وجميع الأمانات، والأموال المحرمة كالمسروقة، والمنتهبة واللقيطة إذا جُهل أصحابها: فإنه يُفعل بها كما فُعل في العين المغصوبة، وقد سبق بيانه بالتفصيل. (فرع ثان): القاضي، والعالم اللذان أخذا تلك العين المغصوبة، أو المسروقة أو أي شيء لا يُعلم صاحبه، وكذا الغاصب أو السارق إذا تابا يُباح لهم أن يأكلوا بالمعروف من تلك العين: إذا لم يعلم صاحبها إذا كانوا فقراء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونهم فقراء استحقاقهم لذلك، فإن قلتَ: هؤلاء لا يأكلوا من ذلك ولو كانوا فقراء، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه متَّهم في جعل نفسه من الفقراء، فيلزم: عدم جواز الأكل له، قلتُ: هذا بعيد؛ لأن الأصل في الحكام، والقضاة، والتوابين من ذنوبهم: أن لا يتّهموا بشيء، حيث إن ذلك فيه مصلحة عامة، وهذا يؤيدهم على التوبة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين" فرجَّحنا الأول؛ لموافقته للمصلحة العامة، وهي واضحة.
(^٥٧) مسألة: إذا أتلف شخص مالًا محترمًا شرعًا لغيره بغير إذنه: فإنه يضمنه ذلك الشخص سواء في ذلك العمد أو السهو؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو غصب ذلك المال فتلف عنده؛ فإنه يضمنه، فكذلك إذا أتلفه من غير غصب له يضمنه،
[ ٣ / ٥٢٨ ]
مغلقًا عليه بسببه (أو حلَّ وكاء) زق مائع، أو جامد، فأذابته الشمس، أو ألقته ريح فاندفق: ضمنه (أو) حلَّ (رباطًا) عن فرس (أو) حلَّ (قيدًا) عن مقيَّد (فذهب ما فيه أو أتلف) ما فيه (شيئًا ونحوه) أي: نحو ما ذكر: (ضمنه)؛ لأنه تلف بسبب فعله (^٥٨)
والجامع: أنه في كل منهما قد فوَّت ذلك المال على صاحبه بغير إذنه. (فرع): إذا أتلف حاكم أو نائبه مال فاسق من الناس، أو أتلف كافر حربي مال مسلم، في وقت حرب، أو أتلف مسلم مال كافر في وقت الحرب: فلا ضمان في ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن المتلف مال غير محترم فيلزم عدم الضمان في إتلافه.
(^٥٨) مسألة: إذا تسبب زيد في تلف شيء يملكه عمرو: فإن زيدًا يضمنه، ويدفع قيمته لمالكه وصاحبه: كأن يفتح زيد قفصًا عن طائر فطار وفارق ذلك القفص، أو يحلُّ قيد عبد مربوط به، أو يحل قيد أي بهيمة مربوطة به، أو يفتح بابًا مغلقًا على مجموعة طيور، أو عبيد، أو بهائم، فذهبت بسبب ذلك، أو يحل وكاء وكيس فيه سمن أو نحوه، وتسبَّب في إذابة الشمس له، أو إلقاء الريح له وسال: فإن زيدًا المتسبِّب لذلك يضمن كل ما سبق: سواء كان خروجه من محبسه حالًا، أو شيئًا فشيئًا، أو نفرها أو هيُّجها أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن هذا الشخص لو نفَّر وأهاج هذه الأشياء من طيور، أو بهائم وعبيد وذهبت عقيب فتحه وحلَّه مباشرة، وكما أنه لو جرح إنسانًا آخر فأصابه الحر أو البرد فسرت الجناية حتى مات: فإنه يضمن ما تلف في الصورتين فكذلك الحال فيما سبق ذكره في هذه المسألة، والجامع: أنه في كل منها حصل التلف بسبب فعل زيد، ولم يُوجد بينهما ما يمكن إحالة الحكم عليه فيها، فوجب أن يكون الضمان عليه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية الملَّاك من أن يتسبَّب بعض الناس في إضاعة أموالهم، فإن قلتَ: إنه لا يضمن إلّا إذا هيَّجها حتى ذهبت تلك الأشياء، وإن وقفت بعد الفتح والحل، ثم ذهبت تلك الأشياء: فلا يضمنها وهو لكثير من علماء الحنفية والشافعية؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو حفر بئرًا =
[ ٣ / ٥٢٩ ]
(وإن ربط دابة بطريق ضيق فعثر به إنسان) أو أتلف شيئًا: (ضمنه) لتعدِّيه بالربط، ومثله: لو ترك في الطريق طينًا، أو خشبة، أو حجرًا، أو كيس دراهم، أو أسند خشبة إلى حائط (كـ) ما يضمن مقتني (الكلب العقور لمن دخل بيته بإذنه، أو عقره خارج منزله)؛ لأنه متعدٍّ باقتنائه، فإن دخل منزله بغير إذنه: لم يضمنه؛ لأنه متعدٍّ بالدخول، وإن أتلف العقور شيئًا بغير العقر، كما: لو ولغ، أو بال في إناء إنسان: فلا ضمان؛ لأن هذا لا يختص بالعقور، وحكم أسد ونمر وذئب وهر بأكل الطيور، وتقلب القدور في العادة حكم كلب عقور (^٥٩)، وله قتل هر بأكل لحم ونحوه،
فجاء عبد لإنسان فرمى نفسه فيها: لا يضمن زيد ذلك فكذلك الحال هنا: لا يضمن بدون تهييج أو تنفير بعد الفتح والحل، ولا يضمن إن وقفت تلك الأشياء بعد الفتح والحل والجامع: وجود الاختيار من تلك الأشياء، وعدم وجود السبب الملجئ، فلم يتعلَّق الضمان بالسبب قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن حفر البئر لم يتعدَّ فيه على حق غيره، بل فعل ماله فعله ورمي العبد نفسه فيها لا دخل له فيه، بخلاف ما نحن فيه فكل ما وقع من ذهاب طيور، وحيوانات وعبيد ونحو ذلك كان بسبب فعله؛ إذ لو كانت لا تذهب بفتح الباب أو أي قيد: لما قيّدها صاحبها، أو أغلق عليها الباب، وهذا معلوم من قرينة الحال، فيكون فتحه للباب، أو حل القيود اعتداء ظاهرًا على حقوق غيره: فيضمنها، فلو لم يضمن أحد مثل ذلك: لتسبَّب ذلك في أن يتسبَّب الآخرون في إضاعة أموال الناس بهذا الطريق، وادَّعى المتسبِّب بأنه لم يُهيج، ولم يُنفِّر شيئًا، فسدًا للذرائع، وحفظًا لحقوق الآخرين: شُرع هذا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" وهو واضح، وهو المسمَّى بـ"قياس الشبه".
(^٥٩) مسألة: إذا ربط زيد دابته بطريق، أو جعل في الطريق شيئًا من الطين، أو قشور بعض الخضروات أو الفواكه، أو جعل فيه أخشابًا، أو أحجارًا، أو مواد بناء، أو نحو ذلك، أو كان عنده كلب عقور -وهو المتوحش-، أو أيَّ بهيمة من
[ ٣ / ٥٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
السباع، أو القطط أو نحو ذلك، وتسبَّبت في إيذاء المارِّين، وتلف شيء من أبدانهم أو أموالهم: فإن زيدًا يضمن جميع الأضرار المترتبة على ذلك سواء كان الطريق ضيقًا أو واسعًا، وسواء كان ذلك في الليل أو النهار بشرط: أن يدخل شخص بيت من عنده كلب عقور أو أي بهيمة من بهائم السباع بإذن صاحب ذلك الكلب وذلك السبع -وهو زيد- فإن دخل بيته بدون إذن صاحبه وأذاه ذلك الكلب أو السبع: فلا ضمان على زيد، وكذا: إن بال ذلك الكلب في إناء أو ولغ فيه: فلا يضمن زيد ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن قد تعدَّى بسبب ما فعله في الطريق فيلزم: أن يضمن ذلك لتعدِّيه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع الضرر العام والخاص عن الآخرين، فإن قلتَ: لِمَ يضمن مع أن الطريق واسع؟ قلتُ: لعدم التفريق بين الضيق والواسع في المشي فيه وسلوكه، فإن قلتَ: لِمَ ضمن من اقتنى كلبًا عقورًا أو أيَّ سبع؟ قلتُ: لأنه متعدٍّ بمجرَّد ذلك الاقتناء له؛ لكونه غير معتاد اقتناء ذلك، فإن قلتَ: لم اشتُرط في الضمان: أن يدخل شخص بيته بإذنه؟ قلتُ: لكونه قد دخل دخولًا مشروعًا، فيكون آمنًا على نفسه، فيضمن صاحب البيت والكلب، أما إذا دخل بيته بدون إذن: فلا يضمن ما لحق الداخل من أذى الكلب؛ لكونه قد اعتدى بدخوله بلا إذن، والمعتدي لا يُضمن، فإن قلتَ: لم لا يضمن زيد -صاحب الكلب العقور- إذا أتلف شيئًا بغير العقر كبوله في الإناء؟ قلتُ: لأن أفعاله -غير العقر- عادية، وما يُفعل عادة لا يُضمن وإن تلف بسببه شيء. (فرع): إذا اقتنى زيد هرًا يأكل دجاج الآخرين، ويُخوِّف الصبيان: فإن مقتنيه يضمن ذلك كله؛ للتلازم؛ وقد بيّناه مع مقصده في مسألة (٥٩). (فرع ثان): إذا اقتنى زيد حمامًا أو دجاجًا يأكل حب الآخرين: فإنه لا يضمن صاحبها ذلك؛ للعادة والعرف؛ حيث إن العادة قد جرت على إطلاق مثل تلك الطيور، وهذا يلزم منه: عدم ضمان ما أكلته. =
[ ٣ / ٥٣١ ]
والفواسق (^٦٠)، وإن حفر في فنائه بئرًا لنفسه: ضمن ما تلف بها (^٦١)، وإن حفرها لنفع المسلمين بلا ضرر في سابلة: لم يضمن ما تلف بها؛ لأنه محسن (^٦٢) وإن مال
(^٦٠) مسألة: يجوز للمسلم قتل هرة أو نمل أو أيٍّ حشرةٍ إذا حصل منها تخويف لبني آدم، أو أكل أيَّ شيء له ثمن: سواء كان لحمًا أو غيره؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز قتل الفواسق الخمس في الحل والحرم وهي: "الفأرة، والحية، والعقرب، والحدأة، والكلب الأسود" كما ورد في السنة القولية فكذلك يجوز قتل الهرة، ونحوها من الحشرات المؤذيات، والجامع: دفع الأذى عن المسلم في كل وهذا من باب: "القياس على المحصور بعدد"؛ لأن المراد: مقصد الحديث، لا الألفاظ، وهذا هو المقصد الشرعي من ذلك.
(^٦١) مسألة: إذا حفر شخص بئرًا في فناء داره -وهو المكان الخارج عن داره القريب جدًا من جدارها -ولم يسد ذلك البئر سدًا يمنع من السقوط فيه: فإنه يضمن ما تلف فيه: سواء كان ذلك الحفر بإذن الإمام أو نائبه أو لا؛ للتلازم؛ حيث إن ما تلف حصل بسبب تعدِّيه لغير مصلحة الجميع، بل لمصلحته فقط: فيلزم أن يضمن كل ما تلف بسبب ذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية الناس من الإضرار بهم، فإن قلتَ: إن حَفَرها بإذن الإمام أو نائبه: لم يضمن ما تلف في ذلك، وهو قول الشافعية؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز له أن يأذن في القعود بهذا الفناء والطريق، ولو تلف شيء بسبب القعود: فإنه لا يُضمن فكذلك الحال هنا، والجامع: أن للإمام الإذن في الانتفاع بما لا ضرر فيه. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الإذن في القعود لا يدوم عادة ويمكن إزالته في الحال، بخلاف حفر البئر: فهو يدوم، ولا يمكن إزالة الحفر في الحال. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض التلازم مع القياس" كما سبق بيانه.
(^٦٢) مسألة: إذا حفر شخص بئرًا لنفع جميع المسلمين للشرب، أو للتطهر منها، أو بنى بناءات ليستريح فيها المسافرون أو نحو ذلك: فلا يضمن ما تلف بسبب ذلك =
[ ٣ / ٥٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بشرطين: أولهما: أن يكون هذا الحفر في طريق واسع. ثانيهما: أن لا يوجد ضرر في ذلك الحفر، فإن كان هذا الحفر بطريق ضيق، أو فيه ضرر على جماعة من المسلمين: فيضمن ما تلف فيها؛ للقياس؛ بيانه: كما أن باسط الفرش، والحصير، وواضع المياه في المساجد لا يضمن ما تلف بسببها، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهم محسن بفعله غير متعدٍّ على حق غيره، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك تدعو الحاجة إليه، فلو ضمن ما تلف بسببها لامتنع الصالحون من وضعها لنفع المسلمين، فإن قلتَ: إن حفرها، أو بنى شيئًا بإذن الإمام أو نائبه: فلا يضمن ما تلف بها، وإن كان بغير إذنهما: فإنه يضمن؛ وهي رواية عن الإمام أحمد، وهو رأي كثير من العلماء؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الإمام أو نائبه يقوم بمصالح المسلمين العامة: أن يستأذن في الأعمال العامة، وهذا يلزم منه: ضمان ما تلف بسبب عمل شيء بدون إذنه، ولا يضمن إن عمله بإذنه؛ لكونه عمل ماله عمله شرعًا قلتُ: هذا بعيد؛ لأن هذه الأعمال الخيرية يشق استئذان الإمام أو نائبه فيه؛ نظرًا لكثرة ما تُعمل، ودفعًا لتلك المشقّة، ومنعًا من تعطيل تلك الأعمال الخيرية: شُرع عدم استئذانه، وعدم ضمان ما تلف بسببها؛ حثًا للمسلمين على تكثير الأعمال الخيرية، فإن قلتُ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس والمصلحة". (فرع): إن حفر شخص بئرًا في ملك نفسه، فتلف فيها شيء بسقوطه، ولو كان إنسانًا: فلا يضمن صاحب البئر، وهذا معنى قوله ﷺ: "والبئر جبار"، وكذا: إن استأجر شخص شخصًا آخر بأن ينزل إلى أسفل بئر ليستخرج ما فيها من معدن أو غيره، أو استأجره ليبني له جدارًا، فانهارت عليه البئر، أو سقط عليه الجدار فلا ضمان في ذلك كله، وهذا معنى قوله ﷺ: "والمعدن جبار"؛ للتلازم؛ حيث يلزم من حفره في ملكه وتلف المستأجَر فيها وفعله ماله فعله شرعًا =
[ ٣ / ٥٣٣ ]
حائطه، ولم يهدمه حتى أتلف شيئًا: لم يضمنه؛ لأن الميل حادث، والسقوط بغير فعله (^٦٣) (وما أتلفت البهيمة من الزرع) والشجر وغيرهما (ليلًا: ضمنه صاحبها،
وعدم اعتدائه على غيره: عدم ضمانه بما حصل بسبب ذلك.
(^٦٣) مسألة: إذا كان في ملك شخص حائط وجدار مائل إلى ملكه، أو مستو، ولم يهدمه حتى أتلف شيئًا من أموال غيره، أو آدمي: فإن هذا الشخص لا يضمن ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم كون الجدار في ملكه، والميل حادث والسقوط طارئ من غير فعله، وعدم تعدِّيه، وعدم تفريطه: أن لا يضمن شيئًا مما تلف بسببه. الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لو حفر بئرًا في ملكه، فلا يضمن ما تلف بسببها فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما في ملكه، ولم يعتد على أحد في ذلك: فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حرية المسلم في ملكه يفعل به ما يشاء. (فرع): إذا كان في ملك شخص حائط مائل إلى ملك غيره، أو إلى الطريق فتلف به شيء بسبب سقوطه عليه: فإن هذا الشخص يضمن كل ما تلف إذا كان عالمًا بذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشخص لو وضع، منجلًا -وهو الشيء الحاد الذي يحصد به الزرع- في جداره في جهة الغير أو الطريق فأتلف هذا المنجل شيئًا، أو هلك به آدمي: فإنه يضمن ذلك كله فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما قد وضع في هواء ملك غيره، أو في هواء ملك مشترك -وهو الطريق- ومعرَّض للوقوع في ملك غيره فضمن في الكل، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية الناس، وأملاكهم من الإتلاف، والأضرار - تنبيه: لقد أكثر الفقهاء الكلام في هاتين المسألتين وأوردوا في ذلك إشكالات فلما فرِّق بينهما: زالت أكثر الإشكالات الموجّهة. (فرع ثان): إذا سقط جدار مستقيم على أحد: فلا ضمان مطلقًا للتلازم؛ حيث إنه لم يقع اعتداء، ولا تفريط من صاحبه فيلزم عدم الضمان؛ لكونه فعل ماله فعله. (فرع ثالث): إذا بنى شخص جدارًا مائلًا وسقط: فإنه يضمن ما تلف =
[ ٣ / ٥٣٤ ]
وعكسه النهار)؛ لما روى مالك عن الزهري عن حزام بن سعد: أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدت، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت بالليل فهو مضمون عليهم (^٦٤) (إلا أن تُرسل) نهارًا (بقرب ما تتلفه
بسببه مطلقًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من بنائه الجدار بهذا الشكل: أن يضمن ما تلف بسببه؛ لكونه قد اعتدى بفعله ذلك، وظاهر فعله: أنه قاصد إيذاء الآخرين بذلك.
(^٦٤) مسألة: إذا كان لزيد بهيمة، فأتلفت تلك البهيمة زرعًا أو شجرًا لعمرو: فإن زيدًا يضمن ما أتلفته بالليل فقط، أما ما أتلفته في النهار فلا يضمنه؛ للسنة القولية: حيث إن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدت فقضى ﵇ على القوم -أهل الأموال- حفظ أموالهم بالنهار، وما أفسدته في الليل فهو مضمون عليهم، وهذا يلزم منه: عدم ضمان ما أفسدته البهيمة بالنهار. فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن العادة قد جرت أن أهل المواشي يرسلونها نهارًا في مواضع رعيها، وحفظها ليلًا، وعادة أهل المزارع، والأشجار، والأملاك حفظها نهارًا، دون الليل، فإذا ذهبت البهائم ليلًا كان التفريط من أهلها بتركهم حفظها في وقت حفظها فضمَّنهم الشارع ما أتلفته؛ حماية لحق المزارعين وأهل الأملاك من الضياع، وإذا تلفت نهارًا كان التفريط من أهل الزروع والأملاك بتركهم حفظها في وقت حفظها، فلم يضمِّن الشارع أهل البهائم ما أتلفته منها، حماية لحق أهل البهائم، فكان في هذا الحكم مراعاة للطرفين، وهذا منتهى العدالة والإنصاف، فإن قلتَ: لا يضمن صاحب البهيمة مطلقًا: أي سواء أتلفت بالليل أو النهار، وهو قول أبي حنيفة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن صاحب البهيمة لا يضمن ما أتلفته بهيمته بالنهار، فكذلك ما أتلفته بالليل لا يضمنه والجامع: أنه في كل منهما يده ليست عليها. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن النهار ليس كالليل بالنسبة لحفظ البهيمة وعدمه، فالفرق بينهما كما سبق بيانه =
[ ٣ / ٥٣٥ ]
عادة) فيضمن مرسلها؛ لتفريطه (^٦٥)، وإذا طرد دابة من زرعه: لم يضمن (^٦٦)؛ إلا أن يدخلها مزرعة غيره (^٦٧)، فإذا اتصلت المزارع: صبر؛ ليرجع على ربها (^٦٨)، ولو قدر
بالسنة القولية، والمصلحة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة القولية والمصلحة" كما سبق بيانه.
(^٦٥) مسألة: إذا أرسل زيد بهيمته بقرب زرع عمرو أو شجره أو أي شيء له، فأتلفته: فإن زيدًا يضمن ذلك كله مطلقًا، أي: سواء كان ذلك ليلًا أو نهارًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو بنى جدارًا مائلًا فسقط فأتلف حقًا من حقوق الغير: فإنه يضمن مطلقًا، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا منهما قد فرَّط وتسبَّب في إيذاء الآخرين، وأنه قاصد لذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية الناس وحقوقهم من الاعتداء عليها، وحفظها لهم.
(^٦٦) مسألة: إذا دخلت بهيمة زيد على زرع عمرو، ثم طردها عمرو من زرعه فقط: فإن عمرًا لا يضمن فيما لو أتلفت تلك البهيمة زرع غيره؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم اعتدائه وعدم قصده طردها إلى زرع الآخرين: عدم ضمانه لما أتلفته؛ لكون ذلك ليس من فعله. فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق عمرو.
(^٦٧) مسألة إذا دخلت بهيمة زيد على زرع عمرو، ثم طردها عمرو وأدخلها مزرعة بكر: فإن عمرًا يضمن ما أتلفته تلك البهيمة من مزرعة بكر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تسبُّبه في هذا الإتلاف: ضمانه، والمقصد من هذا حماية حق بكر.
(^٦٨) مسألة: إذا دخلت بهيمة زيد على زرع عمرو، ولم يستطع عمرو طردها من مزرعته؛ نظرًا لاتصال المزارع بعضها ببعض: فإنه -أي: عمرو- يصبر عليها، وما أتلفته أو أكلته يرجع به إلى مالكها -وهو زيد- ويأخذ قيمته منه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم إمكانه لمنعها إلّا بإدخالها إلى مزارع الآخرين: أن يصبر =
[ ٣ / ٥٣٦ ]
أن يخرجها وله منصرف غير المزارع فتركها: فهدر (^٦٩) (وإن كانت) البهيمة (بيد راكب، أو قائد، أو سائق: ضمن جنايتها بمقدَّمها) كيدها وفمها (لا) ما جنت (بمؤخرها) كرجلها؛ لما روى أبو سعيد مرفوعًا: "الرِّجل جبار"، وفي رواية أبي هريرة: "رِجْل العجماء جبار" (^٧٠)، ولو كان السبب من غيرهم كنخس وتنفير: ضمن
عليها، ويأخذ قيمة ما أتلفته من مالكها؛ لكونه ليس له إلّا هذا فلجأ إليه ضرورة عدم جواز غير هذا الطريق، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ بهيمة زيد وحفظ مزارع الآخرين من الإتلاف.
(^٦٩) مسألة: إذا دخلت بهيمة زيد على زرع عمرو، وكان عمرو يستطيع إخراج تلك البهيمة إلى مكان خال من مزارع الآخرين، ولكن عمرو لم يفعل ذلك، بل جعلها تأكل من مزرعته: فلا ضمان لما أتلفته أو أكلته، وهو هدر لا يُرغم مالكها -وهو زيد- على دفع قيمته للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو حمل حَطَبًا على رأسه أو على دابته فخرق ذلك الحطب ثوب بصير مكلف يجد منحرفًا في الطريق: فإنه -أي: زيد- لا يضمن ذلك المتلف -وهو الثوب- فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًّا من عمرو، وذلك المكلَّف البصير فرَّطا في عدم التصرف وإبعاد البهيمة، أو الابتعاد عن الحطب مع قدرتهما على ذلك، فلا يتحمَّل زيد ما فرَّطا فيه.
(^٧٠) مسألة: إذا ركب فوق البهيمة صاحبها، أو مستأجرها، أو مستعيرها، أو كان يقودها، أو يسوقها، وأتلفت تلك البهيمة شيئًا: فإن هذا الراكب، أو السائق، أو القائد يضمن ما أتلفته بيديها، وفمها فقط، ولا يضمن ما أتلفته بمؤخرها كرجليها؛ للعادة والعرف: حيث يلزم من قدرته عادة على التصرُّف في مقدمها -كيديها وفمها-: أن يضمن ما تلف بسببه؛ لكونه يملك حفظ ذلك غالبًا، ويلزم من عدم قدرته عادة على التصرُّف في مؤخرها -كرجليها-: أن لا يضمن ما تلف بسببه؛ لكونه لا يملك حفظ رجليها عن الجناية غالبًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ =
[ ٣ / ٥٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حقوق المارَّة بأن يحفظ كل إنسان بهيمته من الاعتداء على الآخرين، وفيه حفظ حقوق الراكبين، وقيادة بهائمهم في الأسواق والممرات بدون ضمان ما أتلفته بمؤخرتها. تنبيه: ما ذكره المصنف مما روي عنه ﷺ أنه قال: "الرجل جبار" أو "رجل العجماء جبار" لا يصح الاستدلال به؛ لضعفه كما قال كثير من أئمة الحديث؛ والصحيح: "العجماء جبار"، وهو لا يصلح شاهدًا لما نحن فيه، فإن قلتَ: إن راكب تلك البهيمة، أو سائقها ونحوهما أو قائدها يضمن ما أتلفته في مقدمها وفي مؤخرها، وهو رواية عن أحمد، وشريح، والشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يضمن ما أتلفته بهيمته بمقدمها فكذلك يضمن ما أتلفته بمؤخرها، والجامع: أن كلًّا منهما جناية بهيمة كانت يده عليها، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الراكب أو السائق، أو القائد يستطيع التصرُّف بمقدمها ولا يستطيع التصرُّف بمؤخرها على حسب العادة والعرف فيكون الضمان وعدمه على حسب ذلك. ومع هذا الفرق فلا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع العرف والعادة" كما سبق بيانه فإن قلتَ: إن راكب تلك البهيمة، أو قائدها، أو سائقها لا يضمن ما أتلفته في مقدمها كما في مؤخرها وهو قول مالك؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يضمن من لم تكن يده عليها فكذلك لا يضمن من كانت يده عليها، والجامع: أنه في كل منهما جناية بهيمة، فلا يُسأل عما تفعل. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع النص؛ حيث إن السنة القولية قد ثبت فيها أنه يضمن صاحب البهيمة ما أتلفته في الليل فقط وإن لم تكن يد صاحبها عليها -كما سبق في مسألة (٦٤)، أما ما أتلفته في النهار بمقدمها ويده عليها: فيضمن؛ لقدرته على منعها- كما سبق في هذه المسألة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع السنة القولية، والتلازم" كما سبق ذكره.
[ ٣ / ٥٣٨ ]
فاعله (^٧١)، فلو ركبها اثنان: فالضمان على المتصرِّف منهما (^٧٢)، (وباقي جنايتها هدر) إذا لم يكن يد أحد عليها؛ لقوله ﵇: "العجماء جبار" أي: هدر (^٧٣)، لا
(^٧١) مسألة: إذا كانت البهيمة مع صاحبها عمرو الراكب أو السائق، أو القائد لها، وهو يمشي بها في الطريق مشيًا اعتياديًا، فضربها زيد، أو نفَّرها بشيء، أو نخسها: فإن زيدًا يضمن ما أتلفته تلك البهيمة مطلقًا، أي: سواء أتلفته بمقدمها، أو مؤخرها ولا يضمن الراكب أو القائد أو السائق؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو أتلف مال غيره بشيء: فإنه يضمنه مطلقًا، فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما وجد سبب الإتلاف منه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الراكب أو القائد، أو السائق، وحثّ على عدم الاعتداء على الآخرين وبهائمهم. (فرع): إذا كانت البهيمة مع صاحبها عمرو الراكب، أو السائق، أو القائد، لها، فنفَّرها هو، وهيَّجها فأتلفت أو جنت بسبب ذلك: فإن هذا الراكب، أو السائق، أو القائد يضمن ذلك مطلقًا، أءَ: سواء أتلفته بمقدمها أو مؤخرها؛ للقياس وقد بيّنته في مسألة (٧١).
(^٧٢) مسألة: إذا ركب على البهيمة اثنان، أو أكثر أو قادها أو ساقها اثنان أو أكثر، وأتلفت شيئًا: فإن المتصرِّف فيها يضمن ذلك: سواء كان هذا المتصرِّف فيها راكبًا في المقدمة أو المؤخرة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تصرفه فيها وتملُّكه لزمامها: أن يضمن كل ما أتلفته. (فرع): يُقال في السيارة، والطائرة، والقطار، وسائر الدراجات ما قيل في البهيمة فيما سبق من المسائل التي تقبل فرض الحديد فيها.
(^٧٣) مسألة: إذا جنت بهيمة عادية على آدمي، أو أتلفت شيئًا: فلا يضمن صاحبها ما أتلفته أو جنت عليه بشرطين: أولهما: أن لا يكون ذلك المتلف زرعًا أو شجرًا، فإن كان: ففيه التفصيل السابق في مسألة (٦٤ وما بعدها). ثانيهما: أن لا تكون يد أحد عليها، فإن كان: ففيه التفصيل السابق في مسألة (٧٠ وما بعدها)؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "العجماء جبار" والجبار: الهدر والباطل، فحكم =
[ ٣ / ٥٣٩ ]
الضارية، والجوارح، وشبهها (^٧٤) (كقتل الصائل عليه) من آدمي، أو غيره إن لم يندفع إلّا بالقتل، فإذا قتله: لم يضمنه؛ لأنه قتله بدفع جائز؛ لما فيه من صيانة النفس (^٧٥)
=
الشارع على أن ما تتلفه أو تجني عليه البهائم العجماء: هدر، لا يُضمن، وهذا عام يشمل جميع الحالات، وقد خُصِّص ما جاء في الشرطين السابقين أدلة خاصة من: "السنة القولية -كما في مسألة (٦٤) - والعرف والعادة -كما في مسألة (٧٠) -، والسنة القولية تخصصها السنة القولية، والعادة والعرف.
(^٧٤) مسألة: إذا جنت بهيمة غير عادية كالكلب العقور، أو دابة عضوض، أو رفوس، أو كالطائر الجارح كالصقر، والبازي، أو أتلف آدميًا، أو أشياء أخرى: فإن صاحبها يضمن ذلك مطلقًا، أي: سواء كان معها صاحبها، أو لا، وسواء كان في الليل أو النهار؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون تلك البهائم لم يعتد الناس على وجودها بينهم، وصاحبها يعرف الأذى منها عليهم: أن يضمن ما أتلفته مطلقًا؛ لأن إذنه بكونها بينهم يُعتبر سببًا في أذاهم، وهذا مضمون، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه حماية الناس من الأذى، وحفظ الناس من كل ما يُخوفهم.
(^٧٥) مسألة: إذا صال وهجم على شخص صائل وخاف على نفسه منه: فإنه يجوز لهذا الشخص أن يقتله إذا لم يندفع إلّا بذلك، سواء كان هذا الصائل إنسانًا أو حيوانًا، وإن قتله لم يضمنه بشيء؛ للتلازم؛ حيث إن دفع الإنسان الأذى عن نفسه واجب شرعًا؛ صيانة لنفسه فيلزم عدم ضمان ما حصل بسبب ذلك؛ لأنه من باب "ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب"، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمسلمين من اعتداء الآخرين عليهم، وفيه إحساس المسلم بالأمان. (فرع): إذا دخل رجل في بيته بدون إذنه، ورآه يزني بامرأته برضا منها، أو لم يره يزني ولكن صاحب البيت عرف بقرائن وأمارات =
[ ٣ / ٥٤٠ ]
(و) كـ (ـكسر مزمار) أو غيره من آلة اللهو (وصليب، وآنية ذهب وفضة، وآنية خمر غير محترمة)؛ لما روى أحمد عن ابن عمر أن النبي ﷺ أمره أن يأخذ مدية، ثم خرج إلى أسواق المدينة، وفيها زقاق الخمر قد جُلبت من الشام، فشُققت بحضرته، وأمر أصحابه بذلك، ولا يضمن كتابًا فيه أحاديث رديئة، ولا حليًا محرمًا على الرجال إذا لم يصلح للنساء (^٧٦).
أنهما كانا يريدان فعل ذلك، فإنه يجوز له قتلهما، ولا يضمن ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز قتل الصائل، ولا يضمن فكذلك يجوز القتل في هذه الحالة، والجامع: الدفاع عن نفسه وعرضه في كل، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لأعراض الناس، ونسبهم ومنع الفساد والإفساد. (فرع ثان): إذا طلب شخص من شخص آخر أن يفجر به، ولم يستطع المطلوب أن يدفع الطالب إلّا بالقتل: فإنه يجوز قتله، ولا يضمنه؛ للقياس على الصائل، وقد سبق بيانه في الفرع السابق. (فرع ثالث): إذا ادَّعى أهل المقتول: أن القاتل قد قتل ذلك الشخص؛ ظلمًا وعدوانًا وعمدًا، وأنكر القاتل قائلًا: "إني قتلته؛ لكونه قد صال عليّ أو على عرضي" ولم توجد أدلّة وبراهين وأمارات تدلّ دلالة واضحة على صدق القاتل، أو أهل المقتول: فإنه يُقبل قول القاتل مع يمينه؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "البيّنة على من ادَّعى، واليمين على من أنكر" وهو واضح الدلالة، وسيأتي زيادة بيان ذلك في بابي "الزنا" و"القصاص" إن شاء الله تعالى.
(^٧٦) مسألة: إذا أتلف شخص شيئًا منهيًا عنه شرعًا كآلات اللَّهو، والصليب، وآنية الذهب والفضة، وأواني الخمر لغير ذمي استتر بها؛ وكتاب فيه أحاديث وأقوال كاذبة، أو كتاب سحر، أو حلي على رجل، فكل ذلك يجوز بدون ضمان؛ للسنة القولية: حيث إنه ﷺ أمر ابن عمر أن يُتلف الخمور ولم يضمنها، وغيرها من الصليب ونحوه مما ذكرناه مثل الخمر؛ لعدم الفارق؛ بجامع دفع الضرر عن =
[ ٣ / ٥٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المسلمين؛ فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المجتمع الإسلامي من الفساد والإفساد، والحثّ على فعل الفضيلة، ونبذ الرذيلة، فإن قلتَ: لِمَ يضمن المسلم خمر الذمي الذي يستتر به إذا أتلفه؟ قلتُ: لأن هذه الخمرة محترمة؛ حيث إن من ضمن عقد الذمة: أن لا نتلف ما هم عليه من فسق إذا لم يظهروه، وقد سبق ذلك في مسألة (٥٧).
هذه آخر مسائل باب "الغصب وضمان ما أتلفه الآخرون" ويليه باب "الشفعة".
[ ٣ / ٥٤٢ ]