أي: أقسامها، وقدر ما يجب والمستحق لأخذها (^١) (يُخيَّر بفدية) أي: في فدية (حلق) فوق شعرتين (وتقليم) فوق ظفرين (وتغطية رأس، وطيب، ولبس مخيط بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مُدَّ بُرٍّ أو نصف صاع من تمر أو شعير أو ذبح شاة)؛ لقوله ﷺ لكعب بن عجرة: "لعلك آذاك هوام رأسك" قال: نعم يا رسول الله فقال: "احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو أنسك شاة" متفق عليه، و"أو" للتخيير، وألحق الباقي بالحلق (^٢) (و)
باب الفدية
وفيه تسع عشرة مسألة:
(^١) مسألة: الفدية لغة: الإنقاذ، يُقال: "فديته" إذا أنقذته، أو استنقذته من هلكة، وهي في الاصطلاح: دفع مال أو صيام، أو نسك مقابل ما فعله من محظورات الإحرام التسعة السابقة في باب: "محظورات الإحرام" - وهي: حلق الشعر، وتقليم الأظافر، وتغطية الرأس، ولبس المخيط، والطيب، وقتل الصيد، وعقد النكاح، والوطء، والمباشرة دون الفرج - فإن قلتَ: لمَ سُمِّي ذلك فدية، ولم يُسمَّ كفارة؟ قلتُ: لأنه يفدي نفسه بما يدفعه أو يفعله في مقابل ما عمله من محظور الإحرام كأنه يُنقذ تلك النفس من هلكة وقع فيها لما وقع في محظور، ولم يُسمَّ كفارة؛ لعظم شأن الإحرام وتأكد حرمته؛ لكونه يفعل حول بيت الله؛ بخلاف الكفارة.
(^٢) مسألة: إذا فعل المحرم واحدًا من: حلق الرأس أو تقليم الأظافر، أو الطيب، أو تغطية الرأس، أو لبس المخيط: فتجب الفدية عليه، وهي: إما ذبح شاة أو معز، بما يُجزئ في الأضحية، أو يصوم ثلاثة أيام، أو يُطعم ستة مساكين يُعطي =
[ ٢ / ٥٢٣ ]
يُخيَّر (بجزاء صيد بين) ذبح (مثل إن كان) له مثل من النِّعم (أو تقويمه) أي: المثل بمحل التَّلف أو قربه (بدراهم يشتري بها طعامًا) يُجزئ في فطرة، أو يُخرج بعدله من طعامه (فيُطعم كل مسكين (مُدًّا) إن كان الطعام بُرًّا، وإلا فمُدَّين (أو يصوم عن كل مُدٍّ) من البر (يومًا)؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآية، وإن بقي دون مد: صام يومًا (و) يُخيَّر (بما لا مثل له) بعد أن يقوِّمه بدراهم؛ لتعذُّر المثل، ويشتري بها طعامًا كما مرَّ (بين إطعام) كما مرَّ (وصيام) على ما تقدَّم (^٣)
كل مسكين ربع صاع من بر أو أرز، أو نصف صاع من غيرهما: من شعير، أو تمر، أو أقط، أو زبيب؛ لقواعد؛ وهي الكتاب، والسنة القولية؛ - وهي: حديث كعب بن عجرة -، والقياس، وقد سبق بيانها والتفصيل فيها في مسألتي (٢، ١٤) من باب "محظورات الإحرام"؛ وكذا: سبق بيان المقصد الشرعي من ذلك في مسألة (٢)، وكذا: سبق بيان أنه ليس المراد بحلق الشعر أو تقليم الأظفار هو: حلق ثلاث شعرات فأكثر أو تقليم ثلاثة أظفار فأكثر وذلك في مسألة (٨) من باب "محظورات الإحرام".
(^٣) مسألة: إذا قتل المحرم صيدًا أو اصطاده: فعليه جزاؤه، وهو أنه يُخيَّر بين أمور ثلاثة: أولها: إما أن يذبح مثل ما صاد وقتل من بهيمة الأنعام، فلو قتل حمارًا وحشيًا: فعليه بقرة، ولو قتل غزالًا فعليه شاة، وهكذا - كما سيأتي بيانه - يذبح ذلك ويُوزِّعه على فقراء مكة في أي وقت شاء، وهو دم جبران - لا يأكل منه - ثانيها: أو يُقوِّم المثل كالشاة مثلًا بدراهم فيشتري بها طعامًا يصلح أن يُزكَّى به زكاة الفطر - وهو: البر، والأرز، والتمر، والأقط، والشعير، والزبيب - فيُعطي كل مسكين ربع صاع من البر أو الأرز - وهو: المد - أو يُعطيه نصف صاع من غيرهما - وهو المدَّان -، ثالثها: أو يصوم عن كل مُدٍّ يومًا، فتكون عدد الأيام بعدد الأمداد، فالصائد هنا يُخيَّر بين تلك الأمور الثلاثة إن وجد =
[ ٢ / ٥٢٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مثلًا لما صاده، أما إن لم يجد مثلًا كأن يصيد جرادًا: فإنه يسقط المثل، ويُخيَّر بين أمرين: أولهما: إما أن يقوَّم ما صاده وقتله ويشتري بقيمته طعامًا، ويُعطي كل مسكين مُدًا - كما سبق بيانه -، ثانيهما: أو يصوم عن كل مد يومًا، وإذا بقي أقل من مُدٍّ من الطعام: فإنه يصوم عنه يومًا كاملًا ولا يجب التتابع؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ، وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ، أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ فأوجب الشارع جزاء الصيد على المحرم على النحو الذي ذكرناه، الثانية: قول الصحابي؛ حيث ثبت جزاء الصيد على ذلك التفصيل الذي قلناه عن بعض الصحابة، ومنهم ابن عباس، فإن قلتَ: لمَ يُقوَّم المثل، ولا يُقوَّم الصيد نفسه إن وجد مثلًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الصيد يشق تقويمه؛ لكونه قليل التداول، فإن قلتَ: لمَ يُقوَّم بدراهم، ثم يُشترى بها طعامًا يُوزَّع على فقراء مكة؟ قلتُ: لأن الله تعالى قد سمَّى ذلك كفارة، ولا يكون كفارة ما لم يجب إخراجه وجعله طعامًا للمساكين، ومالا يجوز صرفه إليهم لا يكون طعامًا لهم، فإن قلتَ: لمَ يُتصدَّق بلحمه ولا يُتصدَّق به وهو حي؟ قلتُ: لأن الله سمَّاه هديًا والهدي يجب ذبحه، ثم إنه يشق على الفقراء ذبحه فإن قلتَ: لمَ يُقوَّم المثل في البلد الذي قتل فيه الصيد أو قريبًا منه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُحقِّق العدالة، فلا يظلم الصائد، ولا الفقراء، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذبح المثل في أي وقت سواء كان وقت أيام النحر أو لا؟ قلتُ: لأن الأمر بإخراج الجزاء الوارد في الآية مطلق في الأزمان؛ فلم يُقيَّد بوقت مُعيَّن، وهذا فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: لمَ لا تجوز الصدقة بثمن المثل؟ قلتُ: لأن الشارع في الآية قد خيَّرنا بين ثلاثة أمور ليس بينها "التصدُّق بثمن المثل" فيدل مفهوم العدد =
[ ٢ / ٥٢٥ ]
(وأما دم متعة وقران: فيجب الهدي) بشرطه السابق؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ والقارن بالقياس على المتمتع (فإن عدمه) أي: عدم الهدي، أو عدم ثمنه، ولو وجد من يقرضه (فصيام ثلاثة أيام) في الحج (والأفضل: كون آخرها يوم عرفة) وإن أخَّرها عن أيام منى: صامها بعد، وعليه دم مُطلقًا (و) صيام (سبعة) أيام (إذا رجع إلى أهله) قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ وله صومها بعد أيام منى وفراغه من أفعال الحج، ولا يجب تتابع ولا تفريق في الثلاثة، ولا السبعة (^٤) (والمحصر) يذبح
منها على عدم مشروعيته، فإن قلتَ: لمَ كان المدُّ من البر يُعادل المدَّين من غيره؟ قلتُ: لأن البر، وما ماثله كالأرز أنفع للفقراء، وأصلح للادِّخار، وقد سبق، فإن قلتَ: لمَ يصوم عن كل مُدٍّ يومًا؟ قلتُ: لكونها كفَّارة دخلها الصيام والإطعام، فكان اليوم في مقابلة المدِّ مثل: كفارة الظهار، والجماع في نهار رمضان، وقتل الخطأ، فإن قلتَ: لمَ يصوم يومًا كاملًا عما نقص عن المد؟ قلتُ: لأن الصوم لا يتبعَّض، فلا يجوز صوم نصف يوم، فإن قلتَ: لمَ لا يجب التتابع في الصوم؟ قلتُ: لأن الأمر الوارد في الآية مُطلق، فلم يشترط التتابع، وهذا من تيسير الشارع.
(^٤) مسألة: إذا أحرم بالحج مُتمتعًا أو قارنًا فيجب عليه الهدي - وهو: ذبح شاة تُجزئ أضحية - وهو دم شكران: يأكل منه - فإن لم يجد: فيجب عليه أن يصوم عشرة أيام: يصوم ثلاثة منها في مكة، وسبعة إذا رجع إلى أهله، فإن لم يستطع: فإنه يصومها كلها عند أهله، وهذا مطلق، أي: سواء وجد من يُقرضه لشراء هديًا أو لم يجد، وسواء كانت تلك الأيام في أيام منى، أو بعدها، وسواء كانت متتابعة أو لا، وسواء قبل يوم عرفة أو بعده، ولكن الأفضل أن يكون آخر الأيام الثلاثة هو يوم عرفة؛ للكتاب؛ حيث؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى =
[ ٢ / ٥٢٦ ]
هديًا بنية التحلُّل؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ و(إذا لم يجد هديًا: صام عشرة) أيام بنية التحلُّل (ثم حلَّ)؛ قياسًا على المتمتع (^٥) (ويجب بوطء
الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ حيث أوجب الهدي فيمن حج مُتمتعًا؛ لأن التقدير: "فعليه هدي" و"على" من صيغ الإيجاب، وهذا مطلق، فيشمل ما ذكرنا من الصور دون تقييد، والقارن مثل المتمتع هنا بل أولى منه في وجوب الهدي؛ لأن القارن لا يجب عليه إلا طواف واحد وسعي واحد فهو أولى بإيجاب الهدي؛ لقلة المشقة؛ بخلاف المتمتع، فيكون من باب مفهوم الموافقة الأولى، فإن لم يجد القارن الهدي: فإنه يصوم كالمتمتع، فإن قلتَ: لمَ وجب الهدي عليهما دون المفرد؟ قلتُ: شكرًا لله تعالى على أنه يسَّر له وجمع حجة وعمرة في سفرة واحدة، وأنه جعل المتمتع يفعل ما يشاء بين العمرة والحج، وأنه جعل عمل القارن أقل من عمل المتمتع، فإن قلتَ: لمَ أوجب صيام الثلاثة في الحج؟ قلتُ: لعدم مشقة صيامها في الحج غالبًا كفدية الأذى، وكفارة اليمين: فإن قلتَ: لمَ كان الأفضل جعل آخر صيام الثلاثة يوم عرفة؟ قلتُ: لأجل أن تكون قبل أيام النحر التي هي أيام أكل وشرب وذكر لله.
(^٥) مسألة: المحصَر - وهو: من أحرم بالحج أو العمرة من الميقات، ثم مُنع من دخول مكة -: فإنه يذبح هديًا في موضع الإحصار - وهو: بدنة أو شاة كما سيأتي بيانه في باب "الفوات والإحصار" - ويفعل ذلك بنية التحلُّل من الإحرام، فإن لم يجد هديًا: فإنه يصوم عشرة أيام: ثلاثة في موضع الإحصار، وسبعة إذا رجع إلى أهله؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ حيث أوجب الشارع الهدي على المحصر؛ لأن التقدير: "إن أحرمت ثم مُنعت من دخول مكة فعليك هدي" و"على" =
[ ٢ / ٥٢٧ ]
في فرج في الحج) قبل التحلل الأول (بدنة) وبعده شاة، فإن لم يجد البدنة: صام عشرة أيام: ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع؛ لقضاء الصحابة (و) يجب بوطء (في العمرة شاة) وتقدَّم حكم المباشرة (وإن طاوعته زوجته: لزمها) أي ما ذكر من الفدية في الحج والعمرة، وفي نسخة "لزماها" أي: البدنة في الحج، والشاة في العمرة، والمكرهة لا فدية عليها، وتقدم حكم
من صيغ الوجوب الثانية: القياس، بيانه: كما أن المتمتع إذا لم يجد هديًا: فإنه يصوم عشرة أيام، فكذلك المحصر إذا لم يجد ذلك مثله، والجامع: أن كلًا منهما لم يجد الواجب عليه، وأن كلًا منهما قد ترفَّه بالتحلُّل، فإن قلتَ: إن هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن المتمتع حصل له مقصوده من الحج والعمرة، أما المحصر فلم يحصل له مقصوده منهما؛ حيث إنه مُنع من دخول مكة ومع هذا الفرق لا يجوز القياس، فلا يجب الصوم عشرة أيام على المحصَر إذا لم يجد الهدي وهو قول كثير من العلماء، وصحَّحه ابن عثيمين قلتُ: بل هو قياس صحيح إذا نظرنا إلى العلَّة الجامعة بينهما وهو: أنه في كل منهما قد ترفَّه بالتحلل والتخلُّص من الإحرام؛ منعًا من المشقَّة عليه بالاستمرار بالإحرام، وهذا مقصد بحد ذاته؛ إذا لو لم يكن ذلك مقصودًا لما وجب عليه هدي أصلًا، ولعُذِر بالحصر نفسه وتحلَّل؛ لأنه ليس من فعله، ولكن لما وجب عليه هدي ولم يجده: وجب عليه بديله وهو: الصوم، فإن قلتَ: لمَ ينوي المحصَر التحلُّل إذا أراد الهدي أو الصوم بخلاف من أكمل نسكه فلا ينوي التحلُّل؟ قلتُ: لأن من أكمل نسكه لا يحتاج إلى نية، أما المحصر: فإنه يُريد التحلُّل من إحرامه قبل إكمال نسكه فاحتاج إلى نية لذلك؛ لأنه كما لا يصح الدخول بالعبادة إلا بنية؛ فكذلك لا يصح الخروج منها قبل كمالها إلا بنية.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
المباشرة دون الفرج (^٦)، ولا شيء على من فكَّر فأنزل (^٧)، والدم الواجب لفوات، أو ترك واجب كمتعة (^٨) فصل: (ومن كرَّر محظورًا من
(^٦) مسألة: إذا جامع المحرم قبل التحلل الأول: فعليه بدنة، أما إذا جامع بعد التحلل الأول: فعليه شاة، فإن لم يجد: فعليه صيام عشرة أيام: ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، وإذا جامع في عمرة قبل الطواف والسعي، أو بينهما: فتجب عليه شاة، فإن لم يجد: فإنه يصوم عشرة أيام - كما سبق، وعلى المرأة مثل ما على الرجل إن كانت مطاوعة بخلاف ما إذا كانت مكرهة فلا شيء عليها، ولا يفسد حجها ولا عمرتها، والمباشر دون الفرج: حجه صحيح، وعليه شاة إن أنزل أو لا، وكل ذلك قد سبق في مسائل (٣٥ إلى ٤٦) وفروعها من باب "محظورات الإحرام" ولا داعي لتكراره.
(^٧) مسألة: إذا فكَّر المحرم فأنزل منيًا: فلا شيء عليه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك لا يسلم منه كثير من الناس، فلو وجب على المفكِّر في ذلك شيء: للحق كثيرًا من الناس مشقة، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
(^٨) مسألة: إذا أحرم بالحج، وفاته الوقوف بعرفة لأي سبب: فله أن يُحلَّ من إحرامه، وعليه ذبح شاة، فإن لم يجد: فعليه صيام عشرة أيام: ثلاثة في موضع تحلُّله، وسبعة إذا رجع إلى أهله، وكذلك: من ترك واجبًا من واجبات الحج كمن يترك رمي الجمرة، أو البيات في مزدلفة من غير عذر: فعليه ذبح شاة، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام؛ للقياس، بيانه: كما أن المتمتع يجب عليه ذبح شاة، فإن لم يجد فعليه صيام عشرة أيام، فكذلك من فاته الحج، أو من ترك واجبًا مثله، والجامع: أن كلًا من المتمتع ومن فاته الحج قد ترفَّه بإحلاله من الإحرام، وكلًا من المتمتع وتارك الواجب قد ترفَّه بالراحة، وهذا هو المقصد منه.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
جنس) واحد: بأن حَلَق، أو قلَّم، أو لبس مخيطًا، أو تطيَّب، أو وطئ، ثم أعاده (ولم يفد)؛ لما سبق: (فدى مرة) سواء فعله مُتتابعًا، أو مُتفرقًا؛ لأن الله تعالى أوجب في حلق الرأس فدية واحدة، ولم يُفرِّق بين ما وقع في دُفعة أو دُفعات، وإن كفَّر عن السابق: ثم أعاده لزمته الفدية ثانيًا (^٩) (بخلاف صيد) ففيه بعدده ولو في دُفعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (^١٠) (ومن فعل محظورًا من أجناس)
(^٩) مسألة: إذا كرَّر المحرم فعل محظور من جنس واحد كأن لبس مخيطًا، ثم نزعه، ثم لبسه مرة أخرى دون أن يفدي للمرة الأولى: فعليه فدية واحدة فقط، أما إن لبس المخيط ثم فدى، ثم لبسه مرة أخرى: فعليه فدية أخرى أيضًا: سواء كان ذلك اللُّبس مُتفرقًا، أو مُتتابعًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد قال لكعب بن عجرة: "احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو أنسك شاة" - كما سبق - وهذا مُطلق، فلم يُفرق فيه بين ما وقع من الحلق مُتتابعًا أو متفرقًا، حيث إنه تكفي في ذلك فدية واحدة وغيره من المحظورات كالحلق، من باب مفهوم الموافقة، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه إذا تعددت الأحداث التي من جنس واحد في نقض الوضوء يكفي فيها وضوء واحد كأن يبول، ثم يبول مرة أخرى: فيكفي في ذلك وضوء واحد، أما إن بال، ثم توضأ، ثم بال فإنه يتوضأ مرة أخرى، فكذلك ما نحن فيه مثله، والجامع: أن لكل شيء سببه، ووجود التداخل بين ما يكون من جنس واحد، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الفدية الواحدة عن محظورات كثيرة فيه تيسير على العباد.
(^١٠) مسألة: إذا قتل المحرم صيدين مثلًا: فعليه جزاءان: سواء قتلهما في وقت واحد، أو في وقتين، أو في رمية واحدة، أو في عدة مرات، وسواء وقع متفرقًا أو مُتتابعًا؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ =
[ ٢ / ٥٣٠ ]
بأن حلق، وقلَّم أظفاره، ولبس المخيط: (فدى لكل مرة) أي: لكل جنس فديته الواجبة فيه: سواء (رفض إحرامه أو لا)؛ إذ التحلُّل من الحج لا يحصل إلا بأحد ثلاثة أشياء: "كمال أفعاله" أو "التحلل عند الحصر" أو "بالعذر إذ اشرطه في ابتدائه" وما عدا هذه لا يتحلَّل به، ولو نوى التحلُّل: لم يُحل ولا يفسد إحرامه برفضه، بل هو باقٍ يلزمه أحكامه، وليس عليه لرفض الإحرام شيء؛ لأنه مُجرَّد نية (^١١) (ويسقط بنسيان) أو جهل، أو إكراه (فدية لبس، وطيب، وتغطية رأس)؛
مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ولفظ "مثل" يلزم منه: أنه كلما قتل صيدًا: لزمه مثله، ومثل الصَّيدين لا يكون مثل أحدهما، الثانية: القياس، بيانه: كما أن المسلم لو قتل مسلمين في رمية واحدة خطأ: فتلزمه ديتان، فكذلك ما نحن فيه مثله، والجامع: أن كلًا منهما له حق خاص به الذي لا يكفي عنه غيره، وهو المقصد منه.
(^١١) مسألة: إذا فعل المحرم محظورات من أجناس مختلفة كأن يحلق، ويلبس المخيط، ويتطيَّب: فعليه عن كل واحد فدية، فتجب ثلاث فِدَى في هذا المثال: سواء وقع ذلك دفعة واحدة أو لا، وسواء كان ذلك في وقت واحد أو لا، وسوى نوى فاعل ذلك رفض إحرامه والخروج منه وتركه أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن لكل حدٍّ من الحدود المختلفة عقوبته الخاصة به وإن تعدَّد وقوعها في وقت واحد كمن يقذف ويشرب الخمر، فكل واحد حده، فكذلك المحظورات المختلفة إذا فعلها المحرم لكل محظور فديته الخاصة به، والجامع: عدم التداخل في ذلك، الثانية: الاستقراء؛ حيث ثبت بعد الاستقراء والتتبع: أن التحلُّل من الإحرام يكون بفعل أحد أمور ثلاثة فقط: أولها: استكمال أفعال الحج والعمرة، ثانيها: التحلُّل عند الحصر والفوات كما سبق في مسألتي (٥، ٨) ثالثها: وجود العذر إذا شرطه الخائف قائلًا عند إحرامه: =
[ ٢ / ٥٣١ ]
لحديث: "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ومتى زال عذره: أزاله في الحال (دون) فدية (وطء وصيد، وتقليم وحلق) فتجب مُطلقًا؛ لأن ذلك إتلاف، فاستوى عمده وسهوه كمال الآدمي (^١٢)، وإن استدام لُبس محيط: أحرم فيه
"وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" كما سبق في مسألة (١٤) من باب "الإحرام وكيفيته" وبناء على ذلك: لا يكون تطيبه، أو لبسه للمخيط، أو حلقه سببًا لتركه ورفضه لإحرامه في الحج أو العمرة وإن نواه، بل هو باق على إحرامه شرعًا إذا لم يُوجد واحد من تلك الأمور الثلاثة، وإن كان لابسًا للمخيط، أو مُتطيبًا، أو تاركًا للمشاعر، ويحسب عليه كل ما يفعله من محظورات الإحرام، لذلك إذا نوى رفض إحرامه وتركه فلا توجب تلك النية عليه شيئًا من دم أو فدية أو كفارة؛ لكونه مستمرًا على إحرامه شرعًا كما سبق بيانه.
(^١٢) مسألة: المحرم إذا فعل محظورًا من محظورات الإحرام التسعة السابقة في باب: "محظورات الإحرام" - وهي حلق الشعر، وتقليم الأظفار، وتغطية الرأس، ولبس المخيط، والطيب، وقتل الصيد، وعقد النكاح، والجماع، والمباشرة - وهو مُتعمِّد ذاكر لإحرامه، عالم بالحكم، مختار: فإن عليه فديته، وجزاؤه، وبدنته أو شاته، وإن كان مخطئًا، أو ناسيًا، أو جاهلًا، أو مكرهًا: فلا شيء عليه، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو قول داود، وطاووس، وهو لبعض الصحابة كابن عباس ولبعض التابعين كسعيد بن جبير؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فأوجب جزاء الصيد على المتعمِّد فقط، وهذا يدل بمفهوم الصفة على أن غير المتعمِّد: لا يجب عليه شيء، ويعم هذا المفهوم: المكره، والمخطئ، والناسي، والجاهل، وغير القاتل للصيد - كمن حلق رأسه، أو لبس مخيطًا، أو غطى =
[ ٢ / ٥٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رأسه، أو تطيب، أو جامع، أو عقد نكاحًا، أو باشر، أو قلَّم أظفارًا - مثل القاتل للصيد في العمد وغيره؛ لعدم الفارق المؤثر، فيكون من باب مفهوم الموافقة، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "عُفي لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهذا عام لجميع أفعال المسلم، فيشمل ذلك جميع ما ذكرناه هنا، فيكون ما وقع عن طريق الخطأ والنسيان معفوًا عنه ومثله ما وقع إكراهًا، أو جهلًا؛ لعدم الفارق المؤثر، فيكون من باب مفهوم الموافقة، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن الناسي، والجاهل، والمكره إذا أكل في نهار رمضان فصومه صحيح، فكذلك من فعل هذه المحظورات وهو بتلك الحالة مثله لا شيء عليه، والجامع: أن كلًا منهم قد انتهك حرمة عبادة بعذر، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الأمور بمقاصدها فهو لم يقصد انتهاك حرمة الإحرام، فإن قلتَ: إن جامع المحرم، أو باشر، أو صاد صيدًا، أو قتله، أو قلَّم أظفاره، أو حلق شعره: فتجب عليه الفدية: سواء كان عامدًا أو لا، أما إذا غطى رأسه، أو لبس مخيطًا، أو تطيَّب: فإن الفدية تجب عليه إن كان عامدًا، ذاكرًا، مختارًا، عالمًا، وإن كان غير ذلك: فلا شيء عليه، هذا ما ذكره المصنف هنا لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" حيث إن هذا خاص بتغطية الرأس، ولبس المخيط، والطيب، دون بقية المحظورات، الثانية: القياس، بيانه: كما أن المسلم إذا أتلف مال غيره: فعليه ضمانه: سواء كان عامدًا، أو مخطئًا أو غير ذلك، فكذلك الحال في الفدية في الجماع، والمباشرة، والصيد، وتقليم الأظفار، والحلق، والجامع: الإتلاف في كل قلتُ: أما الحديث: فلم أجد دليلًا مُخصِّصًا له في تغطية الرأس، ولبس المخيط، والتطيب؛ لكون عمومه قويًا، أما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الإتلاف الذي يستوي فيه العمد وغيره والعذر =
[ ٢ / ٥٣٣ ]
ولو لحظة فوق المعتاد من خلعه: فدى (^١٣)، ولا يشقُه (^١٤) (وكل هدي أو إطعام) يتعلَّق بحرم أو إحرام كجزاء صيد، ودم مُتعة، وقِران، ومنذور، وما وجب لترك
وغير العذر هو: ما كان من حقوق الآدميين فقط؛ لكونه من باب الحكم الوضعي؛ حيث إنه إذا وجد السبب وجد الحكم: فهنا وجد الإتلاف: فلا بد من وجود الحكم وهو: ضمان المتلف، أما ما كان في حق الله تعالى: فلا يجب ضمانه؛ نظرًا لإسقاط الله تعالى له؛ تلطُّفًا وتكرمًا وتيسيرًا منه على عباده، ولكونه ليس بحاجة إلى شيء، بخلاف الآدمي، ومع الفرق لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الحديث هل هو عام أو خاص؟ " و"هل الله تعالى كالآدمي فيما يُتلف؟ " و"تعارض القياسين".
(^١٣) مسألة: إذا نوى الإحرام وعليه مخيط، ولم يخلعه ليلبس لباس الإحرام، بل استمر على لبس ذلك المخيط وقتًا فوق وقت المعتاد لخلعه، ولو كان لحظة أو ساعة، وهو ذاكر عالم متعمِّد مختار: فتجب عليه فدية - وهي: إما ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين - على ما سبق - أو صيام؛ للقياس، بيانه: كما أنه إذا لبس المخيط أثناء إحرامه: فعليه فدية، فكذلك إذا استمر على لبسه له مثله، والجامع: أن كلًا منهما يوصف بلبس المخيط.
(^١٤) مسألة: إذا أراد خلع لباسه المخيط: فإنه يخلعه خلعًا عاديًا من عند فتحة رأسه ولو غطَّاه بسبب ذلك، ولا يشقُّه ولا فدية عليه؛ للسنة القولية؛ حيث "أمر ﷺ يعلى بن أُمية بنزع المخيط" وهذا يلزم منه: أن يُنزع نزعًا عاديًا، بدون شقٍّ، فإن قلتَ: لمَ لا تجب فدية على ذلك مع أنه غطَّى رأسه أثناء نزعه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تغطية الرأس هنا غير مقصوده، ولأن شق الثوب المخيط فيه إضاعة للمال، وهو لا يجوز.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
واجب، أو فعل محظور في الحرم (فـ) إنه يلزمه ذبحه في الحرم، قال أحمد: "مكة ومنى واحد"، والأفضل: نحر ما بحج بمنى، وما بعمرة بالمروة، ويلزمه تفرقة لحمه، أو إطلاقه (لمساكين الحرم)؛ لأن القصد: التوسعة عليهم، وهم: المقيم به، والمجتاز: من حاج وغيره ممن له أخذ الزكاة لحاجة (^١٥)، وإن سلَّمه لهم حيًا فذبحوه: أجزأ،
(^١٥) مسألة: إذا وجب هدي تمتع أو قران، أو جزاء صيد، أو نذر في الحرم، أو شاة، أو إطعام يفدي به ما فعله من محظورات الإحرام، في الحرم أو أثناء الإحرام: فإنه يتصدَّق بذلك كله على فقراء مكة: سواء كانوا داخلها، أو خارجها في المشاعر كمنى ومزدلفة، وسواء كانوا من أهل مكة المقيمين فيها دائمًا، أو كانوا من الحجاج الذين أتوا إليها، أو كانوا مارِّين بها بشرط: أن يكونوا مُستحقِّين للزكاة: لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فأوجب الشارع أن محل الذبح مكة، وقال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ فأوجب الشارع أن يكون جزاء الصيد في مكة وبقية الفدى مثل ذلك؛ لعدم الفارق، وهو من باب مفهوم الموافقة، وقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ..﴾ حيث خصَّصت الآية الصدقات من اللحوم والأطعمة للذين يستحقون الزكاة من أهل مكة، الثانية: قول الصحابي: حيث قال ابن عباس: "الهدي والإطعام بمكة، والصوم حيث شاء" فإن قلتَ: لمَ كان ذلك لمساكين مكة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث على عمارة بيت الله والمسجد الحرام بالطاعة؛ إذ ذلك سيكفل للمجاورين لعبادة الله بعض رزقهم؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾. [فرع]: يُستحب أن يذبح الهدي والفِدَى، ويُخرج الطعام في المكان الذي يكثر فيه الفقراء والمساكين من أهل مكة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مشقة ذهابهم إلى مكان توزيع ذلك، فإن قلتَ: المستحب أن يُذبح ما يخصُّ الحج بمنى، وما يخصُّ العمرة بالمروة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد ذبح بمنى" وهذا يلزم منه: ما =
[ ٢ / ٥٣٥ ]
وإلا: ردَّه وذبحه (^١٦) (وفدية الأذى) أي: الحلق (واللُّبس ونحوهما) كطيب، وتغطية رأس، وكل محظور فعله خارج الحرم (ودم الإحصار حيث وجد سببه) من حلٍّ أو حرم؛ لأنه ﷺ نحر هديه في موضعه بالحديبية، وهي من الحلِّ، ويُجزئ بالحرم أيضًا (^١٧) (ويُجزئ الصوم) والحلق (بكل مكان)؛ لأنه لا يتعدَّى نفعه لأحد، فلا
ذكروه أن يذبح ما يخص الحج في منى، ويُفهم منه: أن يذبح ما يخص العمرة في المروة، قلتُ: إن هذا يدل على ما ذكرناه، وهو الذبح عند المكان الذي يكثر فيه الفقراء؛ لكونه ﷺ حينما ذبح في منى ذبح حول من سيأكله من الناس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في مقصود النبي ﷺ حينما ذبح في منى" فعندنا: قصده عند كثرة الناس، وعندهم: قصده المكان.
(^١٦) مسألة: المحرم يذبح هديه، أو فديته بنفسه، ويُعطي الفقراء اللحم، وإن أعطى الفقراء الهدي، أو الفدية حية كشاة مثلًا فذبحوها وعلم بذلك: فإن هذا يُجزئ، أما إن لم يذبحوها فيجب عليه أن يردَّها، ويذبحها بنفسه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوبها في ذمته ذبحها وهذا يتحقَّق إما بنفسه أو بغيره. [فرع]: إن تعذَّر ذبح الهدي والفدية داخل الحرم: فيجوز ذبحها في أي مكان آخر، وتوزع على الفقراء في أي مكان؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" فإذا تعذَّر فعل الواجب في المكان الذي وجب فيه، فإنه يجب فعله في مكان آخر غير مُتعذِّر، وهذا فيه توسعة.
(^١٧) مسألة: إذا فعل محظورًا من محظورات الإحرام كحلق ولبس مخيط، ونحوهما، أو حصل إحصار: فيؤدِّي الفدية والهدي من ذبحٍ وإطعام في المكان الذي حصل فيه المحظور، أو الإحصار: سواء كان داخل الحرم أو خارجه، في حل أو حرم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية، حيث إنه ﷺ قد نحر هديه بالحديبية لما حصر، وهو من الحل، الثانية: القياس، بيانه: كما أن الحرم =
[ ٢ / ٥٣٦ ]
فائدة لتخصيصه (^١٨) (والدم) المطلق كأضحية (شاة» جذع ضأن، أو ثني معز (أو سُبُع بدنة) أو بقرة، فإن ذبحها فأفضل، وتجب كلها (وتجزئ عنها) أي: عن البدنة (بقرة) ولو في جزاء صيد كعكسه، وعن سبع شياه: بدنة، أو بقرة مُطلقًا (^١٩).
موضع للذبح والإطعام فكذلك الحل مثله، والجامع: أن كلًا منهما هو موضع حلِّه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على الناس. [فرع]: يجب أن يكون جزاء الصيد وذبحه داخل الحرم، وإن صيد في الحلال؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى في جزاء الصيد-: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ فأوجب الشارع أن يكون المذبوح جزاء الصيد في الحرم، ويأكل فقراء مكة لحمه؛ لأن هذا أمر مطلق، فيقتضي الوجوب، وقد خصَّصه في مكان معيَّن وهي مكة، فيجب فيها، ودل مفهوم المكان على عدم إجزائه في غير مكة، فإن قلتَ: لمَ وجب هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الصيد من حق فقراء مكة، فلما صاده هذا المحرم: وجب أن يُعوِّضه لهم بهذا الجزاء من بهيمة الأنعام.
(^١٨) مسألة: إذا اختار في فدية الأذى صيام ثلاثة أيام: فإنه يصومها في أي مكان، وفي أي وقت: سواء في مكة، أو عند أهله، وسواء في وقت الحج أو لا؛ لقول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس: "الهدي والإطعام في مكة، والصوم حيث شاء" فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه تيسير على الناس، خاصة أن نفعه لا يتعدَّى إلى أحد، فلا فائدة من تخصيصه بمكان مُعيَّن، أما الذبح، والإطعام فنفعه يتعدَّى إلى غيره، فخُصِّص فقراء مكة بهذا النفع.
(^١٩) مسألة: إذا قيل: "عليك دم" وأطلق في محظورات الإحرام: فالمراد: يجب عليك أحد أمور ثلاثة: إما ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين - على ما سبق تفصيله - أو صوم ثلاثة أيام، بالتخيير بينها، وكذا: إن قيل: "عليك فدية أذى"، وإذا اختار المحرم ذبح شاة عن هدي أو غيره: فالمراد بها: ما يُجزئ في الأضحية =
[ ٢ / ٥٣٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من ضأن ومعز، ويُجزئ عنها سُبُع بدنة، أو سبع بقرة، وإن كان عليه سبع من الدماء، أو كان هناك سبعة كل واحد عليه دم: فيُجزئهم ذبح ناقة، أو بقرة - توفَّر فيهما شروط الأضحية -؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد أمر كعب بن عجرة بذبح شاة أو صوم، أو إطعام - كما سبق تفصيله في مسألة (٢) من باب: "محظورات الإحرام"، ثانيهما: أن جابرًا قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة". [فرع]: إذا ذبح عن الشاة: بدنة: ناقة أو جمل، أو بقرة فهو أفضل ويُؤجر على سُبُعها أجر إيجاب، والباقي يُؤجر عليه أجر ندب، وهذا له أثره فيما إذا كان عليه دم جبران فذبح بدنة: فإنه لا يأكل من السُبُع الذي هو عن ذلك الدم، أما الباقي: فإنه يأكل منه، فإن قلتَ: إنه إذا عيَّن بدنة عن شاة، فإنها تكون كلها واجبة، ويؤجر عليها أجر واجب قلتُ: هذا غير صحيح؛ لكون المطلوب مُحدَّدًا يعرف الواجب من غيره، فهو كمن أخرج دينارًا زكاة عن عشرين دينارًا: فإن نصفه يكون زكاة واجبة، والنصف الآخر يكون مندوبًا، وهذا قد فصَّلتُ الكلام فيه في كتابي: "الإتحاف" و"المهذَّب".
هذه آخر مسائل باب "الفدية" ويليه باب "جزاء الصيد"
[ ٢ / ٥٣٨ ]