"الفوات" كالفوت: مصدر فات إذا سبق فلم يدرك، و"الإحصار": مصدر "أحصره" مرضًا كان أو عدوًا، ويُقال: "حصره" أيضًا (^١) (ومن فاته الوقوف) بأن طلع عليه فجر يوم النحر ولم يقف بعرفة: (فاته الحج)؛ لقول جابر: "لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع" قال أبو الزبير: فقلتُ له: أقال رسول الله ﷺ ذلك؟ قال: "نعم" رواه الأثرم (وتحلَّل بعمرة) فيطوف، ويسعى، ويحلق، أو يُقصِّر إن لم يختر البقاء على إحرامه ليحج من قابل (ويقضي) الحج الفائت (ويهدي) هديًا يذبحه في قضائه (إن لم يكن اشترط) في ابتداء إحرامه؛ لقول عمر ﵁ لأبي أيوب -لما فاته الحج-: "اصنع ما يصنع المعتمر، ثم قد تحلَّلت، فإن أدركت الحج قابلًا فحج، واهدِ ما استيسر من الهدي" رواه الشافعي، والقارن وغيره سواء، ومن اشترط بأن قال -في ابتداء إحرامه-: "وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني"
باب الفوات والإحصار
وفيه ثمان مسائل:
(^١) مسألة: الفوت: مأخوذ من فات، يفوت، فوتًا، فهو فائت: إذا سبق الشيء الذي يُدرك به الحج، وفات ومضى وعجز عن اللُّحوق به، كان ينتهي وقت الوقوف بعرفة مثلًا قبل أن يصل إليها، و"الإحصار": مأخوذ من حصر، يحصر فهو محصور: إذا حُبس ومُنع عن الحج، وهذا الفوات والإحصار مُطلق: أي: سواء وقعا بسبب مرض، أو عدو تسبَّب في فوات الحج، فإن قلتَ: لمَ خصِّص أكثر الباب بفوات الحج والإحصار عنه، دون العمرة؟ قلتُ: لأن وقت الحج ضيِّق، فعقد هذا الباب ليُبيِّن فيه طريقة الحلِّ عند فواته أو الحصر عنه، بخلاف العمرة فوقتها العام كله، ولذا فلا تفوت.
[ ٢ / ٦١٩ ]
فلا هدي عليه ولا قضاء، إلا أن يكون الحج واجبًا فيؤدِّيه (^٢) وإن أخطأ الناس
(^٢) مسألة: إذا أحرم بالحج متمتعًا أو قارنًا، أو مفردًا -وفاته وقت الحج: بأن طلع فجر يوم النحر- وهو: العاشر من ذي الحجة -وهو لم يقف بعرفة: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان عند إحرامه قد اشترط قائلًا: "إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني"؛ نظرًا لخوفه من زيادة مرض أو عدو: فإن هذا يحل من إحرامه، ويلبس ثيابه، ويرجع إلى بيته ولا شيء عليه، ثانيًا: إن لم يشترط ذلك الشرط: فإنه يتحلَّل بعمرة بأن يأتي البيت ويطوف ويسعى، ويحلق أو يُقصِّر، ثم يقضي هذا الحج الذي فاته فيما بعد، ويجب عليه أن يهدي بأن يذبح شاة ويُقسِّمها على فقراء مكة: سواء كان هذا الحج فرضًا أو نفلًا، وسواء كان متمتعًا أو قارنًا، أو مفردًا، أما إن لم يفعل هذا: فإنه يبقى على إحرامه حتى يأتي وقت الحج من العام القادم، فيؤدِّي ذلك الحج الذي أحرم به وفاته، ويتجنَّب جميع محظورات الإحرام خلال تلك السنة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه"، حيث دل بمفهوم الزمان والشرط على أن من جاء بعد صلاة الفجر من ليلة جمع -وهي ليلة مزدلفة- وهو بعد صلاة فجر يوم العاشر من ذي الحجة -: فقد فاته الحج ويبقى على إحرامه إلى العام القادم، ثانيهما: أنه ﷺ قد أمر من كانت شاكية وهي تريد الحج مع النبي ﷺ قائلًا لها: "حجي واشترطي وقولي: وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، فإن ذلك على ربكِ ما استثنيت" وفي رواية: "فإن حُبستِ أو مُرضتِ فقد حللتِ من ذلك بشرطكِ على ربكِ" حيث إن ذلك يدل على أن المشترط لا شيء عليه إذا حُبس وحُصر وفات عليه الحج، ويدل بمفهوم الشرط: أن غير المشترط ليس مثل المشترط في الحكم عند الفوات والإحصار، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن عمر وابنه، وزيد وابن عباس، وابن الزبير =
[ ٢ / ٦٢٠ ]
فوقفوا في الثامن أو العاشر: أجزأهم، وإن أخطأ بعضهم فاته الحج (^٣) (ومن) أحرم
﵃ أنهم قالوا: "من فاته الحج فليتحلَّل بطواف، وسعي، وحلق، وعليه القضاء والهدي" ولم يُفرقوا بين نفل وفرض، وهذا يُعتبر مُبيِّن لمفهوم الحديثين السابقين، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على المسلمين، فإن قلتَ: لمَ صحَّ قلب الحج إلى عمرة هنا؟ قلتُ: لأن حلَّ الإحرام لا يجوز إلا بعد فعل نسك لمن لم يشترط، فإن قلتَ: لمَ وجب قضاء الحج هنا وإن كان نفلًا؟ قلتُ: لأن الحج النفل يلزم بالشروع فيه، فيصير كالمنذور، فإن قلتَ: لمَ وجب الهدي؟ قلتُ: لكونه قد حلَّ من إحرامه قبل تمامه، تنبيه: إذا كان لم يحج فرضه ورجع إلى أهله لما أحصر، فيجب عليه أن يؤدِّيه.
(^٣) مسألة: إذا أخطأ جميع الحجاج أو أكثرهم فوقفوا في اليوم الثامن، أو العاشر من ذي الحجة: فإن هذا الوقوف صحيح، ولا شيء عليهم، أما إذا وقف الأقل في اليوم الثامن أو العاشر: فإن وقوفهم لا يصح ولا يصح حجهم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "الحج يوم يحج الناس" أي: ما غلب على ظنهم أنه يوم عرفة، أو غلب على أكثرهم؛ لكون الغالب كالكل في الأحكام، الثانية: المصلحة؛ حيث إن قضاء ذلك الحج على جميعهم أو أكثرهم مع كثرتهم وتفرقهم فيه مشقة عظيمة، فدفعًا لذلك: صح حجهم؛ أما إن كان الأقل هم الذين وقفوا في اليوم الثامن أو العاشر: فلا يصح ذلك، وعليهم أن يتحلَّلوا بعمرة، ثم يقضوا ذلك الحج فيما بعد مع هدي، وذلك لعدم المشقة عليهم؛ نظرًا لقلَّتهم وإمكان حصرهم، فإن قلتَ: إن وقف بعضهم: فإن الحج قد فاتهم، وعليهم القضاء فيما بعد مع الهدي سواء كان هذا البعض الأقل أو الأكثر، وهو ما يُشير إليه المصنف هنا قلتُ: هذا بعيد؛ لأن الأكثر يلحق بالكل في كثير من الأحكام الفقهية، لكون الأكثر مثل الكل في المشقة =
[ ٢ / ٦٢١ ]
فـ (صدَّه عدو عن البيت) ولم يكن له طريق إلى الحج: (أهدى) أي: نحر هديًا في موضعه (ثم حلَّ)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ سواء كان في حج أو عمرة، أو قارنًا، وسواء كان الحصر عامًا في جميع الحاج، أو خاصًا بواحد كمن حُبس بغير حق (فإن فقده) أي: فقد الهدي: (صام عشرة أيام) بنية التحلُّل (ثم حلَّ) ولا إطعام في الإحصار، وظاهر كلامه -كالخرقي وغيره-: عدم وجوب الحلق أو التقصير، وقدمه في "المحرر" و"شرح ابن رزين" (^٤) (وإن صُدَّ عن عرفة)
فيُقاسون عليه، أما الأقل: فلا توجد مشقة عليهم في القضاء غالبًا، فلا يُقاسون على الكل، ولا على الأكثر فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الأكثر هل يُعامل معاملة الكل أو لا؟ " فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(^٤) مسألة: إذا أحرم بحج أو عمرة، ومُنع من الوصول إلى الكعبة: فإنه ينوي التحلُّل فيذبح شاة، ثم يحلق أو يُقصِّر، ثم يحلُّ من كل شيء، فإن شقَّ عليه ذلك: فإنه يحل، ثم يذبح شاة، فإن لم يجد: فإنه يصوم عشرة أيام بعد أن يتحلَّل، فإن لم يستطع أخرج عن كل يوم مُدًّا من بُرٍّ أو أرز، أو نصف صاع من غيرهما، لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ فأوجب الهدي لمن أحصر ومنع من إكمال نسكه، الثانية: السنة القولية؛ حيث "أمر النبي ﷺ أصحابه حين أُحصروا في الحُديبية أن ينحروا ويحلقوا" وهذه زيادة على ما جاء في نص القرآن وهي مقبولة فيُعمل بها، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن المتمتع إذا لم يجد هديًا: فإنه يصوم عشرة أيام، فإن لم يستطع الصوم: فإنه يُطعم عن كل يوم مسكينًا يُعطيه مُدًّا من البر أو الأرز، أو نصف صاع من غيرهما، فكذلك المحصر والممنوع من إكمال نسكه مثله والجامع: أن كلًا منهما أراد أن يُحلَّ من إحرامه للتمتع والتخلص من محظورات الإحرام، وهذا من باب: =
[ ٢ / ٦٢٢ ]
دون البيت: (تحلَّل بعمرة) ولا شيء عليه؛ لأن قلب الحج عمرة جائز بلا حصر
التوسعة على المكلَّفين، فإن قلتَ: لا يجب الهدي على المحصر عن البيت، بل يُحلُّ بدون ذلك وهو قول مالك؛ للقياس، بيانه: كما أن من أتمَّ حجَّ يُحلُّ ولا يهدي، فكذلك من أُحْصِر مثله، والجامع: أن كلًا منهما قد أُبيح له التحلُّل بدون تفريط منه؟ قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع النص وهي الآية وقياس مع الفارق؛ لأن المحصّر تحلَّل قبل تمام نُسكه، لذا: وجب عليه الهدي؛ لإخلاله كمن فاته الحج، وهذا بخلاف من أتم نسكه فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع الكتاب" فنعمل بالآية؛ لفساد قياسهم، وهم عملوا بالقياس فإن قلتَ: إذا لم يجد الهدي: فإنه يسقط عنه، فلا يصوم بدلًا عنه، وهو قول أبي حنيفة، وبعض المالكية، ولا يجب الصوم كذلك؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ فأوجب عليه الهدي فقط، ولم يكن للصيام ذكر؟ قلتُ: إن قياس المحصَر على المتمتع هو الذي أثبت وجوب الصوم بدلًا عن الهدي؛ إذ لا فرق بينهما في هذا فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الكتاب مع القياس" فنعمل بالقياس؛ لكونه قد أتى بزيادة على النص وهم: أخذوا بظاهر الكتاب، فإن قلتَ: لا يجب الحلق أو التقصير وهو ما أشار إليه المصنف هنا؛ للكتاب؛ حيث لم يذكر الله تعالى في الآية السابقة شيئًا من ذلك قلتُ: إن الحلق قد ثبت بالسنة؛ حيث إنه ﷺ قد أمر أصحابه في الحديبية أن ينحروا ويحلقوا، والتقصير مثله، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الكتاب مع السنة"؛ حيث إنها أتت بزيادة على الكتاب فيُعمل بها؛ لأنها حجة عندنا، وهم: لم يأخذوا بتلك الزيادة الواردة بالسنة؛ لعدم حجيتها عندهم.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
فمعه أولى، (^٥) وإن أُحصر عن طواف الإفاضة فقط: لم يتحلَّل حتى يطوف، (^٦) وإن أُحصر عن واجب: لم يتحلَّل وعليه دم (^٧) (وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة) أو
(^٥) مسألة: إذا أحرم بحج، ثم مُنع من الوقوف بعرفة، ولم يُمنع من البيت: فإنه ينوي التحلّل بعمرة: فيطوف ويسعى، ويحلق أو يُقصِّر، ثم يحل، ولا شيء عليه؛ للقياس الأولى: بيانه: كما أن المحرم بالحج يجوز له أن يتحلَّل بعمرة، قبل أن يقف بعرفة من غير سبب حصر أو غيره فإنه من باب أولى جواز التحلُّل من نية الحج إلى العمرة بسبب الحصر، والجامع: أن كلا منهما قد عقد نسكه فيجوز أن ينوي غير ما نواه عند إحرامه وأمكن الوصول إلى البيت، للتيسير على الناس، وهذا لا يخفى. [فرع]: إذا أحرم بحج، فطاف للقدوم وسعى، ثم حُصر أو مرض أو فاته إكمال ذلك الحج لأي سبب: فإنه يتحلَّل بعمرة، ولكن بشرط: أن يطوف ويسعى للعمرة مرة أخرى، بدون تجديد إحرام؛ للتلازم؛ حيث إن طوافه وسعيه الأولين كانا للحج، فيلزم عدم صحتهما للعمرة؛ لعدم نيتهما لها، فيلزم أن تخصَّص العمرة بطواف وسعي آخرين.
(^٦) مسألة: إذا أحرم بحج، فوقف بعرفة، ورمى، وحلق أو قصَّر، ثم أُحصر ومُنع من طواف الإفاضة: فإنه يتحلَّل بعمرة -كما سبق في مسألة (٥) -؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وهذا عام لجميع الحالات؛ لأن "إن" الشرطية من صيغ العموم، ولا تخفى المصلحة من التيسير والتوسعة على المسلمين في ذلك، فإن قلتَ: إن هذا لا يجوز له التحلُّل إلا بعد طوافه للإفاضة، ولو بقي على إحرامه أبدًا وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك.
(^٧) مسألة: إذا أحرم بحج، وأُحصر ومنع من فعل واجب من واجبات الحج السبعة: فإنه لا يتحلَّل بل يمضي في إكمال حجه، ويترك ذلك الواجب، وعليه دم -وهو: ذبح شاة-؛ للتلازم؛ حيث إنه ترك واجبًا فيلزمه الدم.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
ضلَّ الطريق: (بقي محرمًا) حتى يقدر على البيت؛ لأنه لا يستفيد بالإحلال: التخلص من الأذى الذي به، بخلاف حصر العدو، فإن قدر على البيت بعد فوات الحج: تحلَّل بعمرة، ولا ينحر هديًا معه إلا بالحرم، هذا (إن لم يكن اشترط) في ابتداء إحرامه: "أن محلِّي حيث حبستني" وإلا: فله التحلُّل مجانًا في الجميع. (^٨)
(^٨) مسألة: إذا أحرم بحج، ثم مُرض، أو سُرقت نفقته، أو ضلَّ الطريق وفاته الحج: فإنه ينوي التحلل، ويتحلل، ويذبح هديًا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وهذا عام لجميع الحالات؛ لأن "إن" الشرطية من صيغ العموم فإن قلتَ: إن اشترط عند إحرامه قائلًا: "إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني": فإنه يحل ولا شيء عليه، وإن لم يُشترط: بقي على إحرامه حتى يقدر على البيت ويتحلل بعمرة بعد فوات وقت الحج؛ للمصلحة؛ حيث يلزم من عدم استفادته بالإحلال أن يتخلَّص من هذا الأذى الذي لحقه: أن يستمر على إحرامه حتى يقدر على البيت؛ لكونه أصلح له، وهذا ما ذكره المصنف هنا؟ قلتُ: هذا لا يُسلَّم بل يستفيد من إحلاله بأن يرجع إلى أهله، ويفعل ما يشاء وهذا أصلح له، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحة مع ظاهر الكتاب" فنعمل بعموم الكتاب؛ إذ لا مخصِّص لذلك عندنا، وهم عملوا بالمصلحة.
هذه آخر مسائل باب "الفوات والإحصار" ويليه باب "الهدي والأضحية والعقيقة"
[ ٢ / ٦٢٥ ]