بفتح القاف، وحكي كسرها، ومعناه لغة: القطع، واصطلاحًا: دفع مال لمن ينتفع به ويردُّ بدله (^١)، وهو جائز بالإجماع (وهو مندوب)؛ لقوله ﵇ في حديث ابن مسعود: "ما من مسلم يُقرض مسلمًا قرضًا مرَّتين إلا كان كصدقة مرَّة" وهو مباح للمقترض وليس من المسألة المكروهة؛ لفعله ﵇ (^٢) (وما يصح
باب القرض
وفيه سبع عشرة مسألة:
(^١) مسألة: القرض: لغة: القطع، ومنه قولهم: "أقرض زيد بكرًا" أي: قطع له شيئًا من ماله ليعطيه بكرًا، وهو في الاصطلاح: أن يدفع زيد لبكر مالًا بدون عوض لينتفع به بكر، ويردُّ بكر بدله بعد الانتفاع بالأول، فإن قلتَ: لِمَ جُعل باب القرض بعد باب السَّلم؟ قلتُ: لأن فيه شبهًا من السَّلم والسلف؛ حيث إن فيه دفع مال في المجلس، وتأجيل سداده بدون عوض، لذلك يُسمَّى عند العامة "السَّلف" فإن قلتَ: لِم جُعل باب القرض في باب المعاملات والمعاوضات مع أنه من باب الإرفاق والتبرّع؟ قلتُ: لأن فيه نوع معاملة مسلم مع أخيه المسلم، وهذا خلاف قاعدة "المعاملات"؛ حيث إنه لا عوض فيه، فإن قلتَ: ما الفرق بينه وبين الهبة والعارية؟ قلتُ: إن الشيء المعار يردُّ بنفسه، والموهوب لا يُردُّ أصلًا، أما الشيء المقترَض فيُردُّ بدله.
(^٢) مسألة: إذا طلب زيد من بكر قرضًا: فإن هذا الاقتراض مباح من زيد ويُستحب لبكر أن يُقرض زيدًا إن استطاع؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر" الثانية: السنة الفعلية حيث إنه ﵇: "قد استسلف بكرًا" - وهو: الصغير من الإبل، ونظرًا لهاتين القاعدتين: قد أجمع العلماء على جوازه، فإن قلتَ: لِمَ استُحب القرض؟ =
[ ٣ / ١٩٠ ]
بيعه) من نقد أو عرض: (صح قرضه) مكيلًا كان أو موزونًا أو غيرهما؛ لأنه ﵇ استسلف بكرًا (إلا بني آدم) فلا يصح قرضهم؛ لأنه لم يُنقل، ولا هو من المرافق، ويُفضي إلى أن يقترض جارية يطؤها ثم يردُّها (^٣)، ويُشترط معرفة قدر القرض، ووصفه، وأن يكون المقرض ممن يصحُّ تبرُّعه (^٤)، ويصح بلفظه، وبلفظ "السَّلف"، وكل ما أدَّى معناهما، وإن قال: "ملكتك" ولا قرينة على ردِّ بدل: فهبة (^٥) (ويملك)
قلتُ: للمصلحة؛ لأن فيه رفقًا بالمحاويج: فقد يحتاج مسلم مالًا وليس عنده ما يرهنه، ولا يتحمَّل الدَّين، ففتح الشارع هذا الباب؛ لينتفع المقرض والمقترض، فالمقترض ينتفع بالأجر العظيم الذي وعده الله إيّاه قال ﵇: "من نفَّس عن مسلم كربة من كُرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كُرب الآخرة" والمقترض ينتفع في قضاء حاجته، وبهذا يحلُّ التعاون والتعاضد في المجتمع، فإن قلت: لِمَ كان القرض أفضل من الصدقة؟ قلتُ: لأن المستقرض لا يطلب قرضًا إلا من حاجة ماسة قد ألمّت به، بخلاف من تُصدِّق عليه فقد يكون عنده قوت يومه.
(^٣) مسألة: يصحُّ قرض كل شيء صحَّ بيعه من مكيلٍ، وموزونٍ، ومذروعٍ ومعدودٍ ومنافع إلا بني آدم كالعبيد والإماء فلا يصح القرض فيهم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون هذه الأشياء تنفع الآخرين من غير ضرر على الآخرين: صحة قرضها، ويلزم من وجود الضَّرر على الآدميين - كالعبيد والإماء -: عدم صحة قرضهم.
(^٤) مسألة: يُشترط لصحة القرض شرطان: أولهما: أن يكون الشيء المقترض معلومًا قدره ووصفه - كما في السَّلم - ثانيهما: أن يكون المقرض ممن يصحَّ بيعه وتبرُّعه، فلا يُقرض صبي ومجنون، ولا يُقرض وليهما من مالهما، ولا ناظر وقف منه ونحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن السَّلم يُشترط فيه ذلك فكذلك القرض، والجامع: أن كلاًّ منهما مال يجوز فيه الاختلاف فيه، فاشترط ذلك فيه؛ لدفع ذلك، وهو المقصد منه.
(^٥) مسألة: يصح القرض بأيِّ صيغة تُفهم بأن المراد هو القرض مثل: "أقرضتك" أو =
[ ٣ / ١٩١ ]
القرض (بقبضه) كالهبة، ويتم بالقبول، وله الشراء به من مُقرضه (^٦) (فلا يلزم ردُّ عينه)؛ للزومه بالقبض (بل يثبت بدله في ذمَّته) أي: ذمَّة المقترض (حالًا ولو أجَّله) المقرض؛ لأنه عقد مُنع فيه من التفاضل: فمنع الأجل فيه كالصَّرف، قال الإمام: القرض حال، وينبغي: أن يفي بوعده (^٧) (فإن ردَّه المقترض) أي: ردَّ القرض بعينه:
"سلَّفتك" أو "ملكتك هذا على أن تردَّ عليَّ بدله" أو "خذ هذا انتفع به وردَّ عليّ بدله" أو قال زيد لبكر: "أقرضني" فقال بكر: "خذ هذا" ونحو ذلك، أما إن قال: "ملَّكتك هذا" ولم توجد قرينة على ردِّ بدله: فإن يكون هبة لا قرض؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لفظ "القرض" و"السلف" وما يُفهم ذلك: أن المراد القرض؛ لوروده في الشرع، ويلزم من لفظ "ملكتك" بدون قرينة تدل على ردِّ البدل: أن المراد الهبة؛ عملًا بالظاهر؛ لكون التمليك من غير عوض هبة.
(^٦) مسألة: يملك المقترض الشيء المقترض بقبضه من المقرِض، وليس للمقرض استرجاعه، ويتم القرض بقبول المقترض، ولذا فللمقترض التصرُّف بكل حرية بهذا القرض ومنه: أن يشتري به من مُقرضه أيَّ شيء؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الهبة تملك بقبضها، ويتصرَّف القابض لها كما شاء بها فكذلك القرض مثلها، والجامع: أن كلاًّ منهما عقد لازم يقف التصرُّف فيه على القبض فيُوقف الملك عليه.
(^٧) مسألة: إذا قبض المقترض الشيء المقترض وملكه بذلك: فلا يجب عليه ردُّ عين ذلك الشيء المقترض، بل الذي يثبت في ذمته بدله، وللمقرض طلب بدله من المقترض في الحال، فإن أجَّله: فلا يُعتبر ذلك التأجيل؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن الشيء المتلف يجب على المتلف بدله حالًا ولا يجب عليه عينه، فكذلك المقترض هنا، والجامع: أن كلاًّ منهما فيه سبب يُوجب ردَّ المثل في المثليات، ثانيهما: كما أن الصَّرف لا يجوز التأجيل فيه بل يُشترط أن يكون حالًا، فكذلك القرض مثله، والجامع: أن كلاًّ منهما عقد يُمنع فيه التفاضل فمنع =
[ ٣ / ١٩٢ ]
(لزم) المقرض (قبوله) إن كان مثليًا؛ لأنه ردَّه على صفة حقِّه: سواء تغيَّر سعره أو لا، حيث لم يتعيَّب (^٨)، وإن كان مُتقوِّمًا: لم يلزم المقرض قبوله، وله الطلب بالقيمة (^٩) (وإن كانت) الدراهم التي وقع القرض عليها (مكسَّرة أو) كان القرض (فلوسًا فمنع السلطان المعاملة بها) أي: بالدراهم المكسَّرة أو الفلوس: (فله) أي: للمقرض (القيمة وقت القرض)؛ لأنه كالعيب، فلا يلزمه قبولها، وسواء كانت باقية أو استهلكها، وتكون القيمة من غير جنس الدراهم، وكذلك المغشوشة إذا حرَّمها
الأجل فيهما، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه تيسير على المقترض بأن لا يُطالب بالعين؛ لكونها قد تتلف، وعلى المقرض: بأن يكون له المطالبة بحقه في الحال؛ لكونه متبرعًا فقد يحتاج حقَّه؛ لسدِّ حاجته، ويُستحب للمقترض أن يفي بوعده وهو: ردُّه بأي وقت شاء المقرض.
(^٨) مسألة: إذا ردَّ المقترِض عين المال المقترَض: وكان هذا المال مثليًا كالمكيلات والموزونات: فيلزم المقرض قبوله وأخذه: سواء نقص سعره أو زاد إلا إذا تعيَّب المقرض بعيب - كأن يُصيب البر مثلًا رطوبة فتفسده - فلا يلزم المقرِض قبوله؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن المسلم فيه لو رُدَّ: فإنه يلزم المسلم إليه قبوله، فكذلك هنا، والجامع: أنه في كل منهما ردٌّ على صفته التي أخذه بها؛ الثانية: المصلحة؛ حيث إن المقرِض يتضرَّر إذا رد إليه المقترض القرض وهو معيب، فدفعًا لذلك لا يلزمه أخذه.
(^٩) مسألة: إذا ردّ المقترض عين المال المقرَض وكان متقومًا كالثياب والحيوانات وكل شيء - غير المكيل والموزون - مما لا مثل له: فلا يلزم المقرض قبوله، بل يُطالب المقرض المقترض بالقيمة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشيء إذا تلف وهو لا مثل له: فإنه يجب على المتلف قيمة ذلك الشيء، فكذلك الحال هنا، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه ضمان حق المقرض.
[ ٣ / ١٩٣ ]
السلطان (^١٠) (ويردُّ) المقترض (المثل) أي: مثل ما أقترضه (في المثليات)؛ لأن المثل أقرب شبهًا من القيمة، فيجب رد مثل فلوس غلت، أو رخصت، أو كسدت (و) يرد (القيمة في غيرها) من المتقومات، وتكون القيمة في جوهر ونحوه يوم قبضه، وفيما يصح سلم فيه يوم قرضه (فإن أعوز) أي: تعذَّر (المثل: فالقيمة إذًا) أي: وقت إعوازه؛ لأنها حينئذٍ تثبت في الذمة (^١١) (ويحرم) اشتراط (كل شرط جرَّ نفعًا) كأن يُسكنُه داره، أو يقضيه خيرًا منه؛ لأنه عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة: أخرجه عن موضوعه (^١٢) (وإن بدأ به) أي: بما فيه نفع كسكنى داره (بلا شرط) ولا
(^١٠) مسألة إذا أقرض زيد بكرًا نقودًا مكسَّرة، أو مقصوصة، أو أقرضه فلوسًا منع السلطان التعامل بها، وأصدر غيرها: فيجب على المقترض - وهو بكر - قيمتها وقت القرض، وهو: ثبوتها في ذمَّة المقترض: سواء كانت باقية، أو مستهلكة فيقوم بكر بتقويمها، ثم يُعطي زيدًا قيمتها كما قال الإمام أحمد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الشيء إذا أصابه عيب عند المشتري وأراد ردَّه: فإنه يردُّ قيمته، فكذلك هنا؛ والجامع: وقوع العيب في كل؛ لكون منع السلطان لها، وكسرها منع لإنفاقها، وإبطال لماليتها، وهذا كله حماية لحقوق المقرض.
(^١١) مسألة: يجب على المقترض أن يردَّ على المقرض مثل ما اقترضه إن كان له مثل كفلوس وكيل وموزون يصح السَّلم فيه - كما سبق - بدون نقصان القيمة، أو زيادتها، أما إن لم يكن له مثل، أو تعذَّر المثل كالمتقوِّمات مثل الثياب، والحيوانات، والجواهر مما لا يُضبط بالصفة يوم قبضه: فإنه يُقوَّم في وقت وجوبه في الذمة - وهو حين القرض -؛ للتلازم؛ حيث إن المثل أقرب شبهًا بما أقرضه إياه من شبهه بالقيمة فيلزم: أن يُلحق بما يُماثله بدلًا من قيمته، ويلزم من عجزه عن إيجاد المثل للشيء المقرض: أن يثبت في ذمته قيمة القرض؛ لكونه لا يقدر إلّا على ذلك، وهذا فيه مراعاة لحالة المقترض، وعدم النقص من حق المقرض.
(^١٢) مسألة: يحرم على المقرض: أن يشترط على المقترض شرطًا يقتضي جرَّ نفعًا إلى =
[ ٣ / ١٩٤ ]
مواطأة، بعد الوفاء: جاز، لا قبله (أو أعطاه أجود) بلا شرط: جاز؛ لأنه ﷺ استسلف بكرًا فردَّ خيرًا منه، وقال: "خيركم أحسنكم قضاء" متفق عليه (أو) أعطاه (هدية بعد الوفاء: جاز)؛ لأنه لم يجعل تلك الزيادة عوضًا في القرض، ولا وسيلة إليه (^١٣) (فإن تبرَّع) المقترض (لمقرضه قبل وفائه بشيء: لم تجر عادته به) قبل القرض: (لم يجز إلا أن ينوي) المقرض (مكافأته) على ذلك الشيء (أو احتسابه من دينه) فيجوز
المقرض بأن يقول زيد لبكر: "أنا سأقرضك عشرة آلاف بشرط: أن تجعلني أسكن دارك شهرًا" أو "بشرط أن تردَّ برًا جيدًا عن البر الذي أقرضتك إيّاه" أو نحو ذلك؛ لقول الصحابي؛ حيث قال ابن مسعود: "كل قرض جرَّ نفعًا فهو ربا"، وقال ابن عمر: "سلف تُسلِّفه تريد به وجه الله فلك وجه الله، وسلف تريد به وجه صاحبك فلك وجه صاحبك، وسلف لتأخذ به طيبًا بخبيث فذلك الربا"، فإن قلتَ: لِمَ حرم هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القرض عقد إرفاق بالآخرين، وقربة إلى الله، فإذا شُرط ذلك: كان استغلالًا لهذا المقترض وتحايل لأكل ماله بغير حق؛ لكونه قد زاده ما اشترطه، وهذا هو الربا، وإخراج عن ما وضع له.
(^١٣) مسألة: إذا بدأ المقترض فأعطى ما فيه نفع للمقرض كان يسكنه المقترض داره، أو راعاه في أجرة شيء، أو أعطاه شيئًا أجود مما أعطاه المقرض، أو أزيد منه، في القدر أو الصفة أو أعطاه هدية بدون شرط، أو مواطأة واتفاق وذلك بعد وفاء القرض، وردَّ المقترَض: فإن ذلك كله جائز؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "خيركم أحسنكم قضاء" ويلزم من ذلك الإحسان: أن يزيد المقترض في القرض عند الوفاء؛ الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد استسلف بكرًا - وهو الصغير من الإبل - فردَّ خيرًا منه. الثالثة: التلازم؛ حيث إن المقترض لما لم يجعل ما زاده عند الوفاء عِوضًا في القرض، ولا وسيلة إليه: فإنه يلزم منه: جوازه، فإن قلتَ: لِمَ جُعل ذلك جائزًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُعتبر من مكارم الأخلاق التي حثَّ الشارع عليها ومن باب جزاء الإحسان =
[ ٣ / ١٩٥ ]
له قبوله؛ لحديث أنس مرفوعًا قال: "إذا أقرض أحدكم قرضًا فأهدى إليه، أو حمله على الدابة فلا يركبها، ولا يقبله إلّا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك" رواه ابن ماجه وفي سنده جهالة (^١٤) (وإن أقرضه أثمانًا فطالبه بها ببلد آخر: لزمته) الأثمان أي:
بالإحسان.
(^١٤) مسألة: إذا تبرَّع المقترض - وهو زيد - بشيء وأعطاه مُقرضه - وهو بكر - قبل وفائه القرض: فله حالات ثلاث: الحالة الأولى: إن كان من عادة زيد أن يتبرَّع ويُهدي بكرًا شيئًا قبل أن تحصل بينهما عملية القرض بمدة: فإنه يجوز لمقرضه - وهو بكر - أن يأخذ ذلك التبرع المعتاد؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك لا يُؤدِّي إلى الزيادة؛ لكون العادة جارية بينهما بذلك فيلزم جواز ذلك الحالة الثانية: إذا لم تكن بينهما عادة في مثل ذلك، ولكنه تبرَّع له بنية مجازاته، وفعل مثل ما فعل معه من النفع، أو نوى بهذا التبرُّع: أن يحسب المقرض هذا من دينه، وأن يخصمه منه: فيجوز للمقترض أن يأخذ ذلك وأن يقوم بخصمه؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" وهذا عام؛ لأن "الأعمال" جمع معرف بأل وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن المقترض أراد المكافأة، أو الاحتساب من دينه: فلا مانع منه، الحالة الثالثة: إذا لم تكن لزيد - وهو المقترض - عادة بالتبرّع للمقرض - وهو بكر -، ولم ينوِ شيئًا: فلا يجوز للمقرض أن يأخذ شيئًا؛ لسد الذرائع؛ حيث إن ذلك قد يُتَّخذ ذريعة إلى تأخير الدَّين؛ نظرًا لأخذ هذا التبرّع أو الهدية، أو أي منفعة، فيؤدِّي إلى الربا؛ لكونه سيعود إليه ماله مع أخذ الفضل - وهو: المتبرَّع به أو الهدية الآتي من المقترض - فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه أجيز الأخذ في الحالتين الأوليين، لتحقيق التواصل والألفة والمحبة والترابط بين المسلمين، ولم يُجز في الثالثة؛ لكونه يؤدّي إلى باطل - وهو الربا - وما أدَّى إلى باطل فهو باطل، تنبيه: قوله "إلا أن ينوي المقرض مكافأته" قلتُ: الصحيح في العبارة: "إلا أن =
[ ٣ / ١٩٦ ]
مثلها؛ لأنه أمكنه قضاء الحق من غير ضرر فلزمه، ولأن القيمة لا تختلف فانتفى الضرر (و) يجب (فيما لحمله مؤنة قيمته) ببلد القرض؛ لأنه المكان الذي يجب التسليم فيه، ولا يلزمه المثل في البلد الآخر؛ لأنه لا يلزمه حمله إليه (فإن لم تكن) قيمته (ببلد القرض أنقص) صوابه: "أكثر" فإن كانت القيمة ببلد القرض أكثر: لزم مثل المثلي؛ لعدم الضرر إذًا (^١٥)، ولا يُجبر ربُّ الدَّين على أخذ قرضه ببلد آخر إلا فيما لا مؤنة
ينوي المقترض … كما بيّنته في المسألة، تنبيه آخر: الحديث لا يصحّ الاستدلال به؛ لضعفه.
(^١٥) مسألة: إذا أقرض زيد بكرًا شيئًا في بغداد، وطالب زيد بكرًا بأن يُسلِّمه الشيء المقرض في مكة: فله حالتان: الحالة الأولى: إن كان القرض أثمانًا، أو ما لا مؤنة لحمله: فإنه يلزم المقترض أن يدفع مثل تلك الأثمان، لا عينها، أو قيمتها في مكة؛ للتلازم؛ حيث إن المقترض أمكنه قضاء القرض من غير ضرر عليه من حمل، أو اختلاف قيمة: فلزم المقترض أن يدفع القرض في مكة؛ إذ لا فرض بينها وبين بغداد في ذلك، الحالة الثانية: إن كان القرض غير أثمان، أو في حملة مشقة ومؤنة كالحديد: فلا يلزم المقترض أن يقضيه في مكّة ولا غيرها، وتجب قيمته في بلد القرض - وهو بغداد - بشرط: أن تكون القيمة قد روعي فيها قيمته في بلد القرض، ولا تكون أنقص من قيمته في بلد الطلب - وهو مكة -؛ للتلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: أن مكان تسليم القرض هو المكان الذي استلم القرض فيه فيلزم اعتبار القيمة فيه، دون نقصان أو زيادة، ولا تُعتبر قيمته في بلد المطالبة - وهو مكة هنا - مطلقًا، ثانيهما: أن وفائه في بلد المطالبة فيه - وهو مكة هنا - يلزم منه أن تزيد القيمة أو تنقص عن قيمة القرض فتكون هناك زيادة تؤدّي إلى الربا المحرم، وكذا: يلزم من حمل القرض - كالحديد ونحوه - إلى بلد المطالبة فيه وهو مكة هنا - أن يلحق المقترض ضرر في حمله، والضرر يزال، فوجب ما ذكرناه، لقطع الحيل التي تؤدِّي إلى أكل مال الناس بالباطل.
[ ٣ / ١٩٧ ]
لحمله مع أمن البلد والطريق (^١٦)، وإذا قال: "اقترض لي مائة ولك عشرة": صحَّ؛ لأنها في مقابلة ما بذله من جاهه، ولو قال: "اضمنِّي فيها ولك ذلك": لم يجز (^١٧).
(^١٦) مسألة: إذا استلم المقترض القرض في بغداد - مثلًا - وأراد أن يوفي المقرض في بلد آخر كمكة مثلًا: فلا يُجبر المقرض: أن يأخذ ذلك ويستلمه في مكة - مثلًا -: فإن المقرض يُخيَّر بين أن يأخذه وبين أن يمتنع: سواء كان الطريق آمنًا أو لا، وسواء كان لحمله مؤنة أو لا، وسواء تضرَّر المقرض أو لا؛ للتلازم؛ حيث إن مكان القرض - وهو بغداد هنا - هو الذي يجب تسليم القرض فيه: فيلزم الوفاء به، وهذا من حق المقرض إلا إذا أسقط المقترض حقه، فيكون كغيره ممن يُسقطون حقوقهم، فإن قلتَ: إنه إذا كان لا مؤنة لحمل القرض كالأثمان مع أمن الطريق والبلد: فإنه يلزم المقرض قبول الشيء الذي أقرضه واستلامه وهذا ما ذكره المصنف هنا، للتلازم؛ حيث يلزم من عدم لحوق الضرر إلى المقرض: أن يقبل ذلك قلتُ: إن تقدير الضرر وعدمه راجع إلى المقرض: فهو بالخيار في ذلك؛ لأن الحقَّ له، فلا يُلزم بشيء؛ لأن إلزامه بشيء قد يُلحق به الضرر من حيث لا نعلم فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين".
(^١٧) مسألة: إذا قال زيد لبكر: "اقترض لي من محمد مائة درهم ولك عشرة منها وأعطني التسعين" فإن ذلك يصح، ولا يصح أن يقول زيد لبكر: "أقترض لي من محمد مائة واضمنِّي فيها ولك عشرة منها"؛ للتلازم؛ حيث إن الصيغة الأولى لا ضمان فيها، وأخذ بكر أجرته على توسطه بين زيد ومحمد فلزم صحتها، أما الصيغة الثانية ففيها ضمان وهو بمثابة قرض جرَّ نفعًا: فلزم عدم صحته؛ لأنه يؤدي إلى الربا.
هذه آخر مسائل باب "القرض" ويليه باب "الرَّهن".
[ ٣ / ١٩٨ ]