(وهي مشتقة من "الكتب" وهو الجمع؛ لأنها تجمع نجومًا، وشرعًا: (بيع) سيد (عبده نفسه بمال) معلوم يصح السَّلم فيه (مؤجَّل في ذمته) بأجلين فأكثر (^١) (وتسن) الكتابة (مع أمانة العبد وكسبه)؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ
باب الكتابة
وفيه إحدى عشرة مسألة:
(^١) مسألة: الكتابة لغة: من "الكَتْب"، وهو: الجمع، والضم؛ لأن الكتابة تجمع نجومًا وأقساطًا تؤدى إلى السيد، ومنه سُمِّي الكتاب كتابًا؛ لأنه يجمع حروفًا وكلمات، ومسائل، ونحو ذلك، ومنه سُمِّيت: "الكتيبة" وهي: مجموعة من الجنود، وهي في الاصطلاح: "أن يبيع السيد عبده على نفسه بمال مباح معلوم مؤجَّل في ذمة العبد بأجلين فأكثر" وأتي بلفظ "أن يبيع" للاحتراز عن العتق، فلا يُسمَّى بيعًا، وأتي بعبارة: "على نفسه بمال" للاحتراز عن بيعه على الغير؛ لأنه لا يسمَّى كتابة، وأتي بلفظ: "مباح" للاحتراز عن البيع بمال محرم: نحو خمر، أو خنزير، أو آنية ذهب وفضة، وأتي بلفظ: "معلوم" للاحتراز عن البيع بمال مجهول قدره: فلا يصح؛ لأن من شروط البيع: أن يكون الثمن معلومًا قدره وأتي بلفظ: "مؤجَّل في ذمته" للاحتراز عن المال المعجَّل: فلا يكون كتابة ولو وقع لا يصح، وذلك لعجزه عن أدائه في الحال، ولو دفع له شخص آخر ثمنه وقال له: "اشتر نفسك من سيدك" فاشتراها من سيده: لكان ذلك عتقًا من ذلك الشخص، لا كتابة، بل تكون الكتابة بأجلين فأكثر يسعى العبد في جمع ثمنه، ويؤدّيه فإن قلتَ: لِمَ جعل باب الكتابة هنا؟ قلتُ: لمناسبته لما سبقه لأنه لما ذكر عتق العبد وأنه أفضل التطوّع وكان الشارع يحثّ على العتق والحرية؛ لكونه هو الأصل، ذكر ذلك الباب كطريق آخر للعتق يؤجر عليه السيد إذا فعله.
[ ٤ / ٢٢٩ ]
خَيْرًا﴾ (^٢) (وتكره) الكتابة (مع عدمه) أي: عدم الكسب؛ لئلا يصير كلًّا على الناس (^٣) ولا يصح عتق وكتابة إلا من جائز التصرُّف (^٤)، وتنعقد بكاتبتك على كذا
(^٢) مسألة: يُستحب أن يُكاتب السيد عبده إذا سأل العبد ذلك، أو قبله بشرط: أن يكون العبد قويًا على الكسب، وأمينًا، وصالحًا؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ حيث إن الشارع قد أمر بالكتابة عندما يريد العبد ذلك بالشرط المذكور وقد صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب قاعدتان: أولاهما: فعل الصحابي؛ حيث إن أنسًا كان له عبد - وهو سيرين، والد محمد بن سيرين - فسأله سيرين أن يُكاتبه فأبى أنس، فلو كان واجبًا لما امتنع عن مكاتبته، ثانيتهما: التلازم؛ حيث يلزم من كون المكاتبة إعتاق بعوض: عدم وجوبه؛ لكونه حقًّا من حقوق السيد، فلا يرغم على التنازل عن حقه، فإن قلتَ: لمَ كان مستحبًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إرجاع العبد إلى أصله، وهو الحرية، فإن قلتَ: إن المكاتبة واجبة وهي رواية عن أحمد؛ للكتاب؛ حيث إن الأمر في الآية السابقة مطلق فيقتضي الوجوب؛ لذلك لما امتنع أنس عن مكاتبة سيرين، ذهب سيرين إلى عمر فأخبره فرفع عمر الدَّرة على أنس قلتُ: إن الأمر الوارد في الآية قد صرف من الوجوب إلى الاستحباب بما سبق ذكره، وفعل عمر يخالفه فعل أنس فيتساقطان فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل القاعدتان السابقتان يقويان على صرف الأمر من الوجوب إلى الندب أو لا؟ " فعندنا نعم، وعندهم: لا.
(^٣) مسألة: تكره مكاتبة العبد الذي لا يقوى على التكسُّب، ويُخاف عليه الضياع؛ للمصلحة: حيث إن مكاتبته تؤدي إلى ضياعه وجعله كلًّا على الناس، يسألهم الإنفاق عليه، فدفعًا لذلك كرهت مكاتبته.
(^٤) مسألة: يُشترط في المكاتبة والعتق: أن يكون السيد المكاتب والمعتق جائز التصرُّف، أي أن يكون مكلَّفًا، رشيدًا، غير محجور عليه، فلا يصح عتق ولا=
[ ٤ / ٢٣٠ ]
مع قبول العبد، وإن لم يقل "فإذا أدَّيت فأنت حر" (^٥)، ومتى أدَّى ما عليه، أو أبرأه منه سيده: عتق (^٦)، ويملك كسبه ونفعه وكل تصرُّف يصلح ماله كبيع، وإجارة (^٧)
= مكاتبة صغير أو مجنون، أو سفيه، أو محجور عليه؛ للقياس؛ بيانه: كما يُشترط في البائع أن يكون جائز التصرف، فكذلك يُشترط في المعتق والمكاتب: أن يكون كذلك، والجامع: أنه في كل منهما تخلٍّ عن ملك، أو نقل ملك بعوض، فلا يصح إلا بهذا الشرط.
(^٥) مسألة: تنعقد المكاتبة بقول السيد لعبده: "كاتبتك بثمن قدره كذا" فإذا قبل العبد ذلك: تمَّت المكاتبة ولا تنعقد بغير هذا القول، سواء قال السيد مع ذلك: "فإذا أدَّيت ما عليك فأنت حر" أو لم يقل ذلك؛ للقياس؛ وهو من وجهين: أولهما: كما يصح النكاح بقول الولي: "أنكحتك موليتي" فإذا قبل الزوج ذلك: فإنه يتم النكاح فكذلك المكاتبة مثل ذلك، والجامع: أنه في كل منهما قد تلفَّظ بلفظه الموضوع له، فانعقد بمجرَّده، ثانيهما: كما أنه إذا تلفَّظ بلفظ التدبير - كما سبق - فلا يحتاج إلى أن يقول المدبِّر: "فإن متُّ فأنت حر" فكذلك هنا لا يحتاج السيد إلى أن يقول في المكاتبة: "فإذا أدّيت ما عليك فأنت حر" والجامع: أنه في كل منهما عقد وضع للعتق فلم يحتج إلى لفظ العتق ولا نيته.
(^٦) مسألة: إذا أدَّى العبد المكاتَب جميع ما عليه من نجوم وأقساط ثمنه أو أبرأه منه سيده: فإن ذلك العبد يعتق؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "المكاتَب عبد ما بقي عليه درهم" حيث دلّ بمنطوقه على أنه لا يعتق حتى يؤدِّي جميع ما عليه من الكتابة، ودلّ بمفهوم الصفة على أنه إذا أدَّى ما عليه من كتابته: فإنه يعتق.
(^٧) مسألة: يملك المكاتَب كل شيء اكتسبه، وانتفع به، وما اشترى وثمن ما باع، وأجرة ما أجره، وأخذ الصدقة، وحرية السفر، والإنفاق على نفسه، وولده، ورفيقه، وكل شيء فيه صلاح ماله؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عقد الكتابة: أن يدفع أقساطها ونجومها، ولا يمكن ذلك إلّا بالاكتساب، والبيع=
[ ٤ / ٢٣١ ]
(ويجوز بيع المكاتَب)؛ لقصة بريرة، ولأنه قنٌّ ما بقي عليه درهم (ومشتريه يقوم مقام مكاتبه) - بكسر التاء - (فإن أدَّى) المكاتَب (له) أي: للمشتري ما بقي من مال الكتابة: (عتق وولاؤه له) أي: للمشتري (وإن عجز) المكاتَب عن أداء جميع مال الكتابة، أو بعضه لمن كاتبه أو اشتراه: (عاد قنًّا) (^٨)، فإذا حلَّ نجم ولم يؤدِّه المكاتَب:
= والشراء والأسفار، من الاكتساب الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الحر المدين يملك كل شيء اكتسبه بطريق بيع وشراء، وإجارة وسفر فكذلك المكاتَب والجامع: أن كلًّا منهما في يد نفسه وأن السيد والدائن لهما سداد مالهما من الدين، وأن المكاتَب والمدين عليهما ذلك السداد.
(^٨) مسألة: يجوز للسيد أن يبيع عبدًا قد كاتبه إذا لم يُسدِّد جميع أو بعض ما عليه ولا تنفسخ كتابته بذلك البيع والمشتري له يكون في مقام سيده الأول الذي كاتبه، فيبقى العبد على مكاتبته عند ذلك المشتري، فإن كمَّل ذلك المكاتَب نجوم الكتابة: عتق، ويكون ولاؤه للمشتري وإذا عجز المكاتَب عن سداد ما عليه من كتابته، أو بعض ذلك: فإنه يعود عبدًا كما كان؛ للسنة القولية، وهي من وجوه: أولها: حديث بريرة؛ حيث قالت لعائشة: كاتبت أهلي في كل عام أوقية فأعينيني، فذكرت عائشة ذلك للنبي ﷺ فقال: "اشتريها" فاشترتها عائشة، وأعتقتها وصار ولاؤها لها، فهذا يدلّ على جواز بيع المكاتَب، ويكون الولاء لمن أعتقها، ثانيها: قوله ﷺ: "المكاتَب عبد ما بقي عليه درهم" حيث إنه وصف المكاتَب بأنه عبد إذا لم يُسدِّد ما عليه والعبد يُباع، ويُشترى، وهو يدل على أنه إذا عجز عن السداد: فإنه يعود كما كان قنًا وعبدًا. ثالثها قوله ﷺ: "الولاء لمن أعتق" حيث حصر الشارع أحقية الولاء لمن أعتق، والمعتق هنا المشتري؛ إذ دفع ثمنه كعبد، وتم سداد الكتابة له فيكون هو المعتق، فيستحق أن يكون الولاء له، فإن قلتَ: لِمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا من باب المحافظة على حقوق السيد؛ إذ قد يتأخر المكاتَب في السداد فيتضرَّر السيد، فدفعًا لذلك: أجاز الشارع بيعه.
[ ٤ / ٢٣٢ ]
فلسيده الفسخ كما لو أعسر المشتري ببعض الثمن (^٩) ويلزم إنظاره ثلاثًا لنحو بيع عرض (^١٠)، ويجب على السيد أن يؤدي إلى من وفى كتابته ربعها؛ لما روى أبو بكر بإسناده عن علي عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قال: ربع الكتابة"، وروي موقوفًا على علي (^١١).
(^٩) مسألة: إذا عجز المكاتَب عن سداد نجم وقسط من كتابته، ولم يؤدِّه إلى سيده في وقته المشترط الذي اتفقا على سداده فيه: فيجوز لسيده أن يفسخ عقد الكتابة بلا حكم حاكم؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الحر إذا اشترى دارًا مثلًا بألف، ثم عجز عن دفع بعضه: فيجوز للبائع أن يفسخ البيع، فكذلك الحال هنا، والجامع: دفع الضرر عن البائع والسيد.
(^١٠) مسألة: يجب على السيد أن يُنظر مكاتِبه على حسب الإمكان؛ لأجل أن يبيع هذا المكاتَب عرضًا من التجارة، أو يأخذ دينًا حالًا على مليء، أو مودَع، أو رجوع مال غائب إليه بشرط: أن يغلب على الظن عدم مماطلة المكاتَب، وعدم تضرر السيد؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه مصلحة للمكاتَب، وعدم ضرر على السيد، فوجب على السيد فعله؛ لإرجاع العبد إلى أصله، وهو: الحرية.
تنبيه قوله: "إنظاره ثلاثًا" لم أجد دليلًا على تحديد ذلك بثلاثة أيام.
(^١١) مسألة: ويجب على السيد أن يضع عن المكاتَب ربع قدر الكتابة، فيتسامح عن ربع قدرها، إن شاء وضعه عنه ابتداء، وإن شاء قبضه منه، ثم يدفعه إليه؛ لقاعدتين: الأولى: للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ حيث أمر الشارع بإعطاء المكاتَب شيئًا من مال الله، وهو قول ابن عباس، والأمر هنا مطلق، وهو يقتضي الوجوب، وقدَّر عليٌّ هذا الشيء بالربع، وتفسير علي، وابن عباس للقرآن مقدم على تفسير غيرهما؛ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ثلاثة حق على الله تعالى عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف"، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛=
[ ٤ / ٢٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= حيث إن ذلك فيه رفق بالمكاتَب، وإعانته، ومجازاته على الخدمات الطويلة التي فعلها لسيده؛ حيث إن العبد قد شارك بجمع مال ذلك السيد وتعب فيه، فناسب أن يواسى بذلك الشيء الذي يعطيه إياه سيده، ويُسمَّى في هذه الأزمنة: "استحقاق نهاية الخدمة" أو نحو ذلك.
هذه آخر مسائل باب: "الكتابة" ويليه باب: "أحكام أمهات الأولاد".
[ ٤ / ٢٣٤ ]