بمعنى: ملقوط (وهو) اصطلاحًا: (طفل لا يُعرف نسبه، ولا رقُّه نبذ) أي: طُرح في شارع أو غيره (أو ضل (^١)، وأخذه فرض كفاية)؛ لقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ (^٢)، ويُسنُّ الإشهاد عليه (^٣) (وهو حر) في جميع الأحكام؛ لأن
باب اللَّقِيط
وفيه ست وعشرون مسألة:
(^١) مسألة: اللَّقيط لغة: مأخوذ من لقطتُ الشيء لقطًا: إذا أخذته من حيث لا يشعر، وهو عام لكل ملقوط؛ لأن لقيط: فعيل بمعنى مفعول، وقد غلب إطلاق اللقيط على الطفل المنبوذ، وهو في الاصطلاح: "طفل لا يُعرف نسبُه، ولا رقُّه نُبذ وطرح في طريق أو مسجد، أو ضلَّ عن أهله فيأخذه أحد المسلمين" والمراد بالطفل: هو من لم يُميز ولم يبلغ من ذكر أو أنثى.
(^٢) مسألة: يجب على من وجد هذا اللقيط - وهو الطفل -: أن يأخذه، وينفق عليه، ويحميه وجوبًا كفائيًا - إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين -، وإن تركه الجماعة كلهم أثموا بذلك مع إمكان أخذه؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ حيث إنه أوجب أخذ اللقيط والإنفاق عليه وحمايته؛ لكونه يدخل في فعل البر والتقوى؛ حيث إنهما عامان؛ لأن "البر والتقوى" اسم جنس معرّف بأل، وهو من صيغ العموم. الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن إطعام المضطر، وانقاذ الغريق واجب على الكفاية، فكذلك أخذ هذا الطفل، والإنفاق عليه، وحمايته والجامع: أن كلًّا منهما فيه إحياء للنفس، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك من باب التكافل الاجتماعي، والتعاون على الخير.
(^٣) مسألة: يستحب للشخص إذا أخذ طفلًا لقيطًا: أن يُشهد أن هذا الطفل لقيط =
[ ٣ / ٦٣١ ]
الحرية هي الأصل، والرق عارض (^٤) (وما وجد معه) من فراش تحته، أو ثياب فوقه، أو مال في جيبه (أو تحته ظاهرًا، أو مدفونًا طريًا، أو متصلًا به كحيوان وغيره) مشدودًا بثيابه (أو) مطروحًا (قريبًا منه فـ) ـهو (له)؛ عملًا بالظاهر، ولأن له يدًا صحيحة كالبالغ (^٥)
= حال أخذه إياه وكذا: يُستحب الإشهاد على ما معه إن كان معه شيء؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه دفع طمع نفسه من أن تراوده نفسه باسترقاقه، ولئلا يحسبه بعض الناس من أولاد الآخذ، فيعامله على هذا الأساس، فيما لو مات الآخذ فجأة.
(^٤) مسألة: اللقيط حر، فتطبَّق عليه جميع أحكام الحرية؛ لقول الصحابي؛ حيث إن هذا قد ثبت عن عمرو، وعلي، فإن قلتَ: إن أراد أن يلتقطه للحسبة فهو حر، وإن لم يرد ذلك وأراد أن يسترقه فله ذلك قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، ثم إن هذا مخالف للأصل؛ حيث إن الأصل في بني آدم الحرية، والرق عارض؛ فإذا لم يثبت ذلك العارض - وهو الرق - بدليل، فإن ذلك يبقى على الأصل.
(^٥) مسألة: إذا وجد الشخص مع اللقيط فراشًا تحته، أو ثياب فوقه، أو مال في جيبه، أو تحته ظاهرًا، أو مدفونًا دفنًا حديثًا يغلب على الظن أنه له، أو كان هذا المال متصلًا به مشدودًا بثيابه أو بعضو من أعضائه كحيوان ونحوه، أو كان هذا المال موضوعًا ومطروحًا قريبًا منه: فإن هذه الأشياء كلها تكون ملكًا لذلك اللقيط وتؤخذ معه؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون ظاهر هذه الأشياء أنها تابعة لذلك اللقيط: أن تكون ملكًا له؛ عملًا بذلك الظاهر، ويلزم من عدم جواز التفريق بين الشخص وماله: وجوب أخذ تلك الأشياء مع اللقيط، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن البالغ يملك ماله، فكذلك هذا الطفل اللقيط يملك ما وجد معه، والجامع: أن يد كل منهما صحيحة فكل منهما يرث ويورث ونحو ذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية=
[ ٣ / ٦٣٢ ]
(وينفق عليه منه) ملتقطه بالمعروف؛ لولايته عليه (^٦) (وإلا) يكن معه شيء: (فمن بيت المال)؛ لقول عمر ﵁ "اذهب فهو حر، ولك ولاؤه، وعلينا نفقته" وفي لفظ: "وعلينا رضاعه"، ولا يجب على الملتقط، فإن تعذَّر الإنفاق من بيت المال: فعلى من علم حاله من المسلمين، فإن تركوه: أثموا (^٧) (وهو مسلم) إذا وجد في دار الإسلام، وإن كان فيها أهل ذمة؛ تغليبًا للإسلام والدار، وإن وجد في بلد كفار لا مسلم فيه فكافر؛ تبعًا للدار (^٨) (وحضانته لواجده الأمين)؛ لأن عمر أقرّ اللقيط في
= حق الطفل اللقيط.
(^٦) مسألة: إذا وجد الملتقطُ للطفل مالًا معه: فللملتقط أن يُنفق على ذلك الطفل من ذلك المال على حسب العرف والعادة بدون ضرر؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الولي ينفق على موليه من ماله بالمعروف فكذلك الملتقط لذلك الطفل يفعل ذلك والجامع: أن كلًّا منهما يُعتبر وليًا، وأمينًا على ما ولي عليه، وفي ذلك تيسير على الملتقط.
(^٧) مسألة: إذا وجد الملتقطُ الطفل، ولا مال معه: فلا يجب عليه أن ينفق عليه من عنده، بل نفقته تكون من بيت مال المسلمين، فإن تعذَّر ذلك لأي سبب: فيجب على من علم حاله من المسلمين - وجوبًا كفائيًا - وإن تركوه أثموا، فإن تعذَّر ذلك: فيجب أن يقوم بنفقته ملتقطه ويأخذها منه إذا بلغ إذا نوى ملتقطه عند الإنفاق عليه أنه سيأخذ تلك النفقة منه؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ وقد سبق بيان وجه الدلالة من ذلك في مسألة (٢)، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من عدم وجود المنفق: أن يُنفق عليه ملتقطه، ويأخذها منه بعد بلوغه إذا نوى ذلك؛ لعدم جواز ترك الشخص بلا إنفاق.
(^٨) مسألة: إذا وجد شخص اللقيط في بلد المسلمين: فهو مسلم، أي: يحكم بإسلامه وحريته، وإن كان في هذه البلد بعض الكفار من أهل الذمة، وإن وجده في بلد كفار: فهو كافر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه في بلاد لا كافر فيها، أو الكفار قلَّة فيها: أن يُحكم عليه بالإسلام، ويلزم من كونه في بلد كفار لا مسلم فيه: أن=
[ ٣ / ٦٣٣ ]
يد أبي جميلة حين قال له عريفه: إنه رجل صالح (^٩) (وينفق عليه) مما وجد معه من نقد أو غيره (بغير إذن حاكم)؛ لأنه وليه (^١٠)، فإن كان فاسقًا، أو رقيقًا، أو كافرًا واللقيط مسلم، أو بدويًا ينتقل في المواضع، أو وجده في الحضر فأراد نقله إلى البادية: لم يُقر بيده (^١١) (وميراثه وديته) كدية حر (لبيت المال) إن لم يُخلِّف وارثًا كغير
= يحكم بكفره، وهذا من باب التغليب.
(^٩) مسألة: إذا وجد شخص لقيطًا رضيعًا: فإنه أولى الناس بحضانته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من سبقه إليه أن يكون أولى الناس به تنبيه: أثر عمر مع أبي جميلة لا يصح الاستدلال به؛ لضعفه؛ حيث قال بعض المحدثين: إن أبا جميلة مجهول لا تقوم الحجة بحديثه.
(^١٠) مسألة: الملتقط للصبي يُنفق عليه من المال الذي وجده معه - إن وُجد معه مال - بغير إذن الحاكم والقاضي؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ولي اليتيم ينفق عليه بدون إذن الحاكم فكذلك آخذ اللقيط مثله والجامع: أن كلًّا منهما ولي أمين، والأمين لا يحتاج أن يستأذن أحدًا في تصرفاته، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ لأن هذا من الأمر بالمعروف، فيستوي في ذلك الحاكم والمحكوم.
(^١١) مسألة: إن كان واجد اللقيط فاسقًا، أو عبدًا رقيقًا، أو كافرًا واللقيط مسلم، أو أن بدويًا لا يستقر في مكان معين، أو كان حضريًا أراد نقله إلى الصحراء، أو كان صبيًا، أو مجنونًا، أو سفيهًا: فإن اللقيط لا يُقرُّ بأيدي هؤلاء، والذي يملك منعهم من ذلك هو: الحاكم، أو نائبه؛ للمصلحة: حيث إنه لا ولاية شرعية للفاسق، والكافر، والعبد، والصبي، والمجنون، والسفيه، على أحد؛ لعدم قدرتهم على إصلاح غيرهم، وكون وجود اللقيط في مكان معيَّن - دون تنقله - أصلح وأرفق له، وأخف عليه، وأرجى لكشف أهله. (فرع): إن كان واجد اللقيط مجهول الحال - لا تُعرف عدالته -: فإنه يُقرُّ بيده؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في المسلمين العدالة، فيُستصحب ذلك ويُعمل به حتى يرد دليل يُغيِّر الحالة، فيقرُّ=
[ ٣ / ٦٣٤ ]
اللقيط (^١٢) ولا ولاء عليه؛ لحديث: "إنما الولاء لمن أعتق" (^١٣)، (ووليه في) القتل (العمد) العدوان (الإمام يُخيَّر بين القصاص والدية لبيت المال؛ لأنه ولي من لا ولي له (^١٤)، وإن قُطع طرفه عمدًا انتظر بلوغه ورشده؛ ليقتص أو يعفو (^١٥)، وإن ادَّعى
= بيده على هذا الأساس.
(^١٢) مسألة: إذا مات اللقيط، ولم يُوجد من يرثه بفرض أو تعصيب فجميع ميراثه لبيت المال، وكذا لو قتل خطأ: فديته تكون لبيت المال أيضًا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الحر إذا مات أو قتل ولا وارث له، فإن ميراثه وديته لبيت المال فكذلك مال اللقيط، أو ديته والجامع: عدم وجود من يأخذ المال، والسلطان ولي من لا ولي له.
(^١٣) مسألة: لا ولاء على اللقيط؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "إنما الولاء لمن أعتق" حيث دلَّ مفهوم الحصر هنا: على أن اللقيط لا ولاء عليه؛ لأن الولاء حصره لمن أعتق، واللقيط لم يثبت عليه رق، ولا على آبائه، فيعمل على الأصل وهو: الحرية، والمقصد منه: إكرام اللقيط، فإن قلتَ: عليه الولاء لملتقطه؛ لقول الصحابي؛ حيث إن عمر قال لأبي جميلة: "هو حر ولك ولاؤه" قلتُ: هذا ضعيف؛ لأن أبا جميلة مجهول كما تقدم، في مسألة (٩) فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الخلاف في أثر عمر" فعندنا: ضعيف، وعندهم قوي.
(^١٤) مسألة: إذا قُتل اللقيط عمدًا عدوانًا: فإن وليه في المطالبة في القصاص، أو الدية هو: الإمام، يفعل ما يراه صالحًا ومناسبًا في ذلك: فإن رأى الأصلح القصاص من القاتل: فعل، وإن رأى الأصلح أخذ الدية: فعل، وجَعَل تلك الدية في بيت المال؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "السلطان ولي من لا ولي له" وهذا لا ولي له فيلزم أن يكون وليًا له يرى ما تقتضيه المصلحة بشأنه، والمقصد منه: إكرام ذلك اللقيط والأخظ بحقه.
(^١٥) مسألة: إذا قُطع عضو من أعضاء اللقيط كيده، أو رجله، أو أذنه ونحو ذلك=
[ ٣ / ٦٣٥ ]
إنسان أنه مملوكه، ولم يكن بيده: لم يُقبل إلّا ببيِّنة تشهد أن أمته ولدته في ملكه ونحوه (^١٦) (وإن أقرَّ رجل، أو امرأة) ولو (ذات زوج مسلم، أو كافر أنه ولده: لحق به)؛ لأن الإقرار به محض مصلحة للطفل؛ لاتصال نسبه، ولا مضرَّة على غيره فيه، وشرطه: أن يتفرد بدعوته، وأن يمكن كونه منه حرًا كان، أو عبدًا (^١٧)، وإذا ادَّعته
= عمدًا عدوانًا: فإنه يحبس القاطع إلى أن يبلغ ويرشد ذلك اللقيط فإن شاء - أي: اللقيط - أن يقتص من الجاني والقاطع: فله ذلك وإن شاء: عفى؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون اللقيط هو المستحق للاستيفاء في ذلك: انتظاره حتى يبلغ ويرشد ليرى رأيه في الجاني، فإن قلتَ: لِمَ يُحبس الجاني هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه قد يهرب.
(^١٦) مسألة: إذا ادَّعى زيد أن هذا اللقيط مملوكه ورقيقه: فلا تُقبل هذه الدعوى إلّا ببيِّنة تشهد بما قاله: سواء كان بيده أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو ادَّعى أن عمرًا - وهو غير لقيط - مملوكه لا يُقبل إلّا ببيّنة فكذلك الحال هنا والجامع: أن الرق حق على المدَّعى عليه، ونقيصة تلحقه وأولاده ونسبه، والأصل الحرية، فلا تقبل دعوى الرق إلّا ببيِّنة قوية فإن قلتَ: إن كان ذلك اللقيط بيده: فتُقبل دعواه، وإن لم يكن بيده: فلا تقبل إلا ببيّنة تشهد بذلك وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كونه بيده: أنه ملكه؛ لأن اليد لها دلالة قلتُ: إن المدَّعي قد يُمسكه ويستعمله فترة، ويغش الناس بذلك؛ ليثبت أنه تحت يده، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم".
(^١٧) مسألة: إذا أقرَّ شخص بأن هذا الطفل اللقيط ولده: فإنه يُلحق به بمجرد هذا الإقرار: سواء كان هذا الشخص المقرّ به رجلًا أو امرأة، ذات زوج أو لا، وسواء كان مسلمًا أو كافرًا، حرًا أو عبدًا، بشرطين: أولهما: أن يكون هذا الشخص المقرُّ منفردًا، فإن ادَّعاه اثنان فأكثر: قبل في ذلك من دلَّت البيّنة على دعواه فإن تساوت البيّنات عند المدَّعين: فإنه يعرض على القافة، فإن ألحقته هذه=
[ ٣ / ٦٣٦ ]
المرأة: لم يُلحق بزوجها كعكسه (^١٨) (ولو بعد موت اللَّقيط) فيلحقه وإن لم يكن له
= القافة بواحد من المدّعين ألحق به ثانيهما: أن يمكن كون اللقيط من ذلك: الشخص المدَّعي، فإن ادَّعاه من لا يمكن أن يكون منه كأن يدَّعيه من هو أصغر منه سنًا، أو يدَّعيه عقيم: فلا يُلحق به؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن هذا الشخص لو أقرّ لغير لقيط بمال: فإنه يُقبل ويلزم ذلك الشخص أن يُسلِّم ذلك المال للمقرّ له، فكذلك لو أقر بأن هذا اللقيط ولده، والجامع: أن كلًّا منهما فيه مصلحة للمقرّ له؛ فالمال مصلحة للمقرّ له، وادّعاء كونه ولده مصلحة للقيط؛ نظرًا لما في ذلك من اتصال نسبه ووجوب نفقته، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من هذين الشرطين وعدم المضرّة على غيره، وعدم وجود ظاهر يردُّه: وجوب إلحاقه به، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إكرام لهذا اللقيط، وإبعاد تعرّضه للتهم، فإن قلتَ: إذا أقرّت المرأة بأنه ولدها فلا يُقبل إقرارها بمجرده، بل لا بدّ أن تثبت بيّنة على ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إمكانها إقامة البينة على الولادة أن لا يُقبل مجرَّد دعواها، وهو ما ذكره ابن قدامة. قلتُ: هذا بعيد بل المرأة كالرجل في ذلك يُقبل مجرَّد إقرارها به وإن كانت ذات زوج؛ لأنه يمكن أن تكون قد أتت به من زوج سابق أو من وطء شبهة، وهي أحد الأبوين ولا يُقال ذلك مطلقًا، بل يُلحق بها إن أمكن كون ذلك اللقيط قد ولدته، أما إذا لم يمكن: فلا يلحق بها كما سبق بيانه.
(^١٨) مسألة إذا أقرّت امرأة بأن هذا اللقيط ولدها: فإنه يُلحق بها فقط، ولا يُلحق بزوجها ولو ادَّعت أنه ولد على فراشه إلّا إذا صدقها وأقرَّ مثلها، وكذا: إن أقرَّ رجل بأن هذا اللقيط ولده: فإنه يُلحق به فقط، ولا يُلحق بزوجته، ولو ادَّعى أنه منها إلّا إذا صدَّقته وأقرّت بذلك مثله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون إقرار أحدهما منعزل عن إقرار الآخر: أن إقرار أحدهما لا يسري على الآخر بدون بينة، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه حفظ حقوق =
[ ٣ / ٦٣٧ ]
توأم، أو ولد؛ احتياطًا للنسب (^١٩) (ولا يتبع) اللقيط (الكافر) المدعي أنه ولده (في دينه إلا) أن يُقيم (بينة تشهد أنه ولد على فراشه)؛ لأن اللقيط محكوم بإسلامه بظاهر الدار، فلا يُقبل قول الكافر في كفره بغير بيِّنة، وكذا: لا يتبع رقيقًا في رقِّه (^٢٠) (وإن اعترف) اللقيط (بالرق مع سبق مناف) للرق من بيع ونحوه، أو عدم سبقه: لم يُقبل؛ لأنه يُبطل حق الله تعالى من الحرية المحكوم بها: سواء أقرّ ابتداءً لإنسان، أو جوابًا لدعوى عليه (^٢١) (أو قال) اللقيط بعد بلوغه: (إنه كافر: لم يُقبل منه)؛ لأنه محكوم
= الآخرين من أن يُعتدى عليها ويُنسب إليها ما لم يكن منهم.
(^١٩) مسألة: إذا أقرَّ شخص بأن اللقيط الميت ولده: فإنه يُلحق به فيرثه: سواء كان الشخص المقرّ رجلًا أو امرأة، أو كافرًا، وسواء كان للمقرّ توأم، أو ولد، أو لم يكن كذلك؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للنسب وإكرام بني آدم فلزم وجوب الإلحاق، وهذا هو المقصد منه.
(^٢٠) مسألة: إذا أقرّ كافر ذمي بأن هذا اللقيط ولده: فإنه يُلحق به في نسبه فقط دون دينه، ولا حقَّ له في حضانته، ولا يُسلَّم إليه إلّا بعد أن يقيم ذلك الكافر بيّنة تشهد بأن ذلك اللقيط قد وُلد على فراشه وكذا: لو أقرّ رقيق بأن هذا اللقيط ولده: فلا يُقبل إلّا ببيِّنة؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: أن الصبي الناشيء في دار الإسلام أن يكون من أبوين مسلمين، فيحكم عليه بالإسلام؛ نظرًا لظاهر الدار، والأصل في الإنسان الحرية، فلا يُحكم بكفره، أو برقه إلا ببيِّنة تقوى على تغيير ذلك الأصل، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إعزاز وإكرام ذلك اللقيط في الدنيا والآخرة بخلاف ما لو حكمنا عليه بالكفر أو الرق ففيه خزي له في الدنيا والآخرة.
(^٢١) مسألة: إذا أقر اللقيط بأنه رقيق لزيد واعترف بذلك: فإنه لا يُقبل منه ذلك الإقرار ولا الاعتراف: سواء وجد ما يُنافي في إقراره بالرق واعترافه، أو لا، وسواء كان هذا الاعتراف ابتداءً - بأن قال: "إنه ملك لزيد - وصدَّقه المقر،=
[ ٣ / ٦٣٨ ]
بإسلامه، ويُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل (^٢٢) (وإن ادَّعاه جماعة: قدِّم ذو البيّنة) مسلمًا أو كافرًا، حرًا، أو عبدًا؛ لأنها تظهر الحق وتبيّنه (^٢٣) (وإلا) يكن لهم بيّنة، أو
= أو كان هذا الاعتراف ورد جوابًا - بأن ادَّعى زيد عليه بالرق فقال ذلك اللقيط: "نعم أنا رقيق له" - فكل ذلك لا يُقبل إلّا إذا ثبتت بينة في ذلك؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل هو الحرية، ولا يُترك ذلك الأصل إلّا ببيِّنة وقرينة تثبت ذلك، وكون ذلك المنبوذ - وهو اللقيط - لا يعرف رقَّ نفسه، ولا حريتها، ولم يوجد شيء يدلّ على ذلك لا يصلح أن تكون بيِّنة على رقه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية هذا اللقيط من أن يؤذي بسبب رقه.
(^٢٢) مسألة: إذا قال اللقيط بعد بلوغه وعقله: إنه كافر: فإنه لا يُقبل منه، بل يُستتاب ثلاثة أيام فإن تاب، وإلا قتل؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المسلم لو ترك الإسلام: لا يُقبل منه، ويُستتاب ثلاثة أيام ثم يُقتل إن لم يعد للإسلام فكذلك هذا اللقيط القائل: إنه كافر يُفعل به ذلك - والجامع: أن كلًّا منهما قد حُكم عليه بالإسلام: إما بإقراره - وهو مكلَّف -، أو بوجوده في دار الإسلام، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مضرة عن هذا اللقيط في الدنيا والآخرة.
(^٢٣) مسألة: إذا ادَّعى ذلك اللقيط جماعة من الأشخاص كل يدّعي بأنه ولده: فإنه ينظر في بيّناتهم، فإذا ثبتت بيّنة قوية تُلحقه بأحد هؤلاء الأشخاص: قُدِّم، وأُلحق به، وهذا مطلق، أي: سواء كان صاحب البيّنة القوية مسلمًا، أو كافرًا، حرًا، أو عبدًا، للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون البيّنة مظهرة ومبينة وموضحة للحق بعد خفائه: أن يحكم لصاحبها بهذا اللقيط، ويُلحق به، فإن قلتَ: المسلم والكافر، والحر والعبد ليسوا سواء في ذلك فالمسلم أولى من الكافر الذمي، والحر أولى من العبد، وهو قول أبي حنيفة، للمصلحة: حيث إن إلحاقه بالكافر الذمي، وبالعبد=
[ ٣ / ٦٣٩ ]
تعارضت: عرض معهم على القافة (فمن ألحقته القافة به): لحقه؛ لقضاء عمر به بحضرة الصحابة ﵃، وإن ألحقته باثنين فأكثر: لحق بهم (^٢٤)، وإن ألحقته
= ضرر على اللقيط قلتُ: هذا بعيد؛ لأن كل واحد لو انفرد لصحت دعوته، فإذا تنازعوا تساووا في الدعوى كالأحرار المسلمين ولا فرق، والضرر الذي ذكرتموه لا يتحقق، لكوننا لا نحكم بكفره، ولا برّقه إلا بدليل آخر، غير دعوى النسب كما ظكره في مسألة (٢٠).
(^٢٤) مسألة: إذا ادَّعى ذلك اللقيط جماعة من الأشخاص، كلٌّ يدَّعي بأنه ولده، ولم توجد بينة لأي واحد منهم أو وُجدت بينة لكل واحد منهم ولكنها تساوت، أو تعارضت فتساقلت: فإن هذا اللقيط يُعرض على القافة مع وجود المدَّعين له، فإذا ألحقته القافة بشخص واحد: لحق به، وإذا ألحقته برجلين وأكثر فإنه يلحقهم جميعًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إن النبي ﷺ دخل على عائشة مسرورًا فقال: "ألم تري أن مُجزِّزًا نظر إلى أقدام زيد وأسامة فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض" وهذا يدل على أن القائف - وهو مجزز المدلجي - يُقبل قوله في إلحاق اللقيط بنسبه. الثانية: قول وفعل الصحابي؛ حيث إنه وقع في عهد عمر أن رجلين قد وطئا امرأة في طهر فقال القائف: قد اشتركا في الولد الذي ولدته تلك المرأة، فجعله عمر بينهما، وحصل ذلك مع علي، فإن قلتَ: لم شرعت القيافة؟ قلتُ للتلازم؛ حيث إنه إذا تعارضت أدلة الأشخاص المدَّعين لهذا اللقيط أو تساوت، وكانت مصلحة اللقيط أن ينتسب، ووجد شبه بين اللقيط وبين بعض المدَّعين بسبب قول أهل الخبرة - وهي القافة - لزم منه قبول قولها؛ فيثبت النسب بأدنى دليل: ولا ينتفي إلّا بأقوى الأدلة وهو مثل الحد في ذلك: لما كان ينتفي بالشبهة وهو أدنى دليل لا يثبت إلّا بأقوى الأدلة، فإن قلتَ: لا حكم للقافة، ويُلحق بالمدَّعين جميعًا، وهو قول جمهور الحنفية؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث جاء رجل إلى النبي ﷺ قائلًا: إن امرأتي=
[ ٣ / ٦٤٠ ]
بكافر، أو أمة: لم يحكم بكفره، ولا رقه (^٢٥)، ولا يلحق بأكثر من أم و"القافة": قوم يعرفون الأنساب بالشبه، ولا يختص ذلك بقبيلة معيّنة، ويكفي واحد، وشرطه: أن يكون ذكرًا، عدلًا، مجربًا في الإصابة، ويكفي مجرَّد خبره، وكذا: إن وطئ اثنان امرأة بشبهة في طهر، واحد وأتت بولد يمكن أن يكون منهما (^٢٦).
= ولدت غلامًا أسود فقال: "هل لك من إبل؟ " قال نعم، قال: "فما لونها؟ " قال حمر، قال: "هل فيها من أورق؟ " قال: نعم، قال: "من أين أتاها ذلك؟ " قال: لعل عرقًا نزع، قال: "وهذا لعلَّ عرقًا نزع" فلم يحكم بذلك بالقافة بل ألحقه به، الثانية: التلازم؛ حيث إن الحكم بالقافة مبني على الشبه والظن والتخمين فلا تثبت القافة ولا يحكم بها؛ لكون الشبه يوجد بين الأجانب وينتفي بين الأقارب، قلتُ: أما الحديث: فهو حجّة عليكم، لأن إنكار الرجل ولده لمخالفة لونه لونه وعزمه على نفيه لذلك: يدل على أن العادة خلافه، وأن في طباع الناس إنكاره؛ لأن ذلك إنما يوجد نادرًا، وإنما ألحقه بالسائل؛ لوجود الفراش - لأن الولد للفراش وللعاهر الحجر - وتجوز مخالفة الظاهر للدليل، ولا يجوز تركه لغير دليل، ولأن ضعفه عن نفي النسب لا يلزم منه ضعفه عن إثباته، أما التلازم: فلا يُسلَّم؛ لأن الظاهر وجود الشبه يؤيده قوله ﷺ لأم سلمة: "أين يكون الشبه" - لما قالت: أو ترى ذلك المرأة؟ - فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنتين".
(^٢٥) مسألة: إذا ألحقت القافة ذلك اللقيط بكافر، أو أمة: فإنه لا يحكم بكفر اللقيط، ولا برقه، ولكن يلحق بهما نسبًا؛ للتلازم؛ حيث لا يلزم من لحوق النسب لحوق الدين والرق، وقد سبق بيان ذلك في مسألة (٢٠).
(^٢٦) مسألة: إذا ألحقت القافة ذلك اللقيط بأكثر من أم: فلا يجوز الحكم به؛ للتلازم؛ حيث يلزم من استحالة كون ولد واحد من أمَّين: عدم جواز إلحاقه بهما، فإن قلتَ: لِمَ جاز الحكم به لرجلين قلتُ: لكونه يمكن أن يكون قد جاء=
[ ٣ / ٦٤١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= منهما معًا؛ لإمكان اجتماع نطفتي الرجلين في رحم امرأة فيما لو وطيء رجلان امرأة بشبهة في طهر واحد، وأتت بولد يمكن أن يكون منهما، فائدة: "القافة" قوم يعرفون الأنساب بالشبه، ولا يختص ذلك بقبيلة معيّنة، بل كل شخص يعرف الشبه فهو قائف بشرط: أن يكون ذكرًا، عدلًا، مجرّبًا في الإصابة، ويكفي في ذلك واحد، ويكفي مجرَّد خبره بدون بينة منه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الحاكم يُشترط فيه أن يكون ذكرًا عدلًا فكذلك القائف، وكما أنه يكتفي بواحد في الرواية، ويكتفي بخبره فكذلك القائف مثله والجامع: أن كلًّا منهما مخبر عن شيء يعمل به.
هذه آخر مسائل باب "اللقيط" ويليه: كتاب "الوقف".
[ ٣ / ٦٤٢ ]