من السقي؛ لأنه أهمّ أمرها بالحجاز، وهي: دفع شجر له ثمر مأكول - ولو غير مغروس - إلى آخر ليقوم بسقيه، وما يحتاج إليه بجزء معلوم له من ثمره (^١) (تصح) المساقاة (على شجر له ثمر يؤكل) من نخل وغيره؛ لحديث ابن عمر: "عامل النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" متفق عليه، وقال أبو جعفر: "عامل النبي ﷺ أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم أهلوهم إلى اليوم، يعطون الثلث أو الربع" ولا تصح على ما لا ثمر له كالحور، أو له ثمر غير مأكول: كالصنوبر والقرظ (^٢). (و) تصح المساقاة أيضًا (على) شجر ذي (ثمرة
باب المساقاة، والمغارسة والمزارعة
وفيه تسع عشرة مسألة:
(^١) مسألة: المساقاة لغة مأخوذة من السَّقي - بفتح السين، وتسكين القاف -، وهي في الاصطلاح: أن يدفع زيد شجره إلى عمرو ليقوم عمرو بسقيه، وحمايته، وتنميته، وكل ما يُحتاج إليه من خدمات وذلك بجزء معلوم مشاع من ثمره يأخذه زيد، فإن قلتَ: لِمَ سُمِّيت بهذا الاسم؟ قلتُ: لأن أهل الحجاز وأكثر المسلمين في جميع أنحاء الأرض يسقون المزارع بالنضح من الآبار، فسمَّيت بما هو أكثر مؤنة ومشقة، فإن قلتَ: لِمَ جُعل هذا الباب بعد باب الشركة؟ قلتُ: لأن كلًّا من البابين يشتركان في العمل والجهد المالي والبدني؛ رجاء للنماء والمكسب والربح وأنه لا بدّ لكل منهما من جزء مشروط عند العقد، فإن قلتَ: لم جعل هذا قبل باب الإجارة؟ قلتُ: لأن كلًّا من البابين يشتركان في اللزوم، والتوقيت، والأجرة أو مثلها، والانتفاع. فإن قلتَ: لم سميت المساقاة والمغارسة والمزارعة بالمخابرة؟ قلتُ: لأنها مشتقّة من الخبار، وهي الأرض الليِّنة، وقيل المخابرة: معاملة أهل خيبر.
(^٢) مسألة: تصح المساقاة مطلقًا على شجر مغروس - له ثمر يؤكل منه كالنخل=
[ ٣ / ٣٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= والعنب، والزيتون والرمان وغيرها، وهو معلوم للمالك والعامل برؤية أو صفة بشرط: أن يكون للمالك جزء معلوم مشاع كربع ثمره، أو ثلثه ونحو ذلك على حسب ما يتّفقان عليه عند عقد المساقاة، فلا تصحّ في شجر لا ثمر له، أو له ثمر لكنه يؤكل. لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إن عمر قال: "عامل ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" وفي رواية: "دفع إلى يهود خيبر نخلها وأرضها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" وهذا صريح في الدلالة؛ الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ومن بعدهم قد تعاملوا بالمساقاة، وكانوا يُعطون الثلث والربع - كما حكى ذلك أبو جعفر - علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - الثالثة: المصلحة؛ حيث إن زيدًا مالك الأشجار والنخيل والأعناب ونحوها قد يعجز عن القيام بها، وقد لا يحسن تعاهدها، وقد لا يتفرَّغ لها، وهو لا يستطيع الاستئجار عليها، بينما عمرو - وهو العامل - يكون قادرًا على القيام بها، ويحسن تعاهدها، ومتفرغًا لها، ولكنه لا يملك شيئًا، وكل من زيد وعمرو محتاج إلى ثمارها ففي تجويز المساقاة دفع لحاجتي زيد وعمرو، وتحصيل لمصالحهما، وهذا سبب لعمارة الأرض، وإغناء المسلمين بالمأكولات بدلًا أن من يجلبوها من بلاد الكفار، وفيه مفسدة وقوع المنة منهم علينا، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فإن قلتَ: لا تصح المساقاة مطلقًا، وهو قول أبي حنيفة، وبعض الحنفية وبعض العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ابن عمر: "كنا نخابر أربعين سنة حتى أخبرنا رافع بن خديج أن رسول الله ﷺ منهي عن المخابرة" والمراد بالمخابرة: المساقاة والمزارعة والمغارسة كما سبق بيانه: والنهي هنا مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد، وابن عمر هو راو حديث معاملة النبي ﷺ ليهود خيبر - كما سبق - فيكون ما سبق منسوخًا بحديث رافع هذا، ويؤيده: أن ابن عمر قد رجع عن العمل=
[ ٣ / ٣٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بالمساقاة إلى حديث رافع، وإذا خالف فعل الصحابي ما رواه: فإنّا نعمل بفعله ورأيه، ولا نأخذ بما رواه. الثانية: القياس، بيانه: كما لا تجوز الإجارة بثمر غير الشجر الذي يسقيه فكذلك لا تجوز المساقاة والجامع: أن كلًّا منهما إجارة بثمرة لم تخلق، أو إجارة بثمرة مجهولة، قلتُ: أما حديث رافع فعنه: أجوبة أربعة: الأول: أنه مخالف للسنة؛ حيث كان النبي ﷺ يعامل أهل خيبر حتى مات، وهذا لا احتمال ولا ضعف فيه، بخلاف حديث رافع فهو محتمل، وفيه ضعف، فلا يقوى على نسخ السنة الفعلية. الثاني: أنه مخالف لما فعله الخلفاء الراشدون من بعده ﷺ، حتى لم ينكر عليهم أحد من جواز المساقاة حتى كاد أن يكون إجماعًا، فلو كان ما رواه رافع صحيحًا لما خفي على بعض الصحابة؛ الثالث: أنه ثبت عن زيد بن ثابت أنه أنكر حديث رافع، وإذا تعارض قولان لصحابيين: فإنهما يتساقطان، ويُرجع إلى استصحاب ما كان يُعمل به من قبل، وهو جواز المساقاة، حيث فعلها النبي ﷺ مع يهود خيبر، الرابع: أن رجوع ابن عمر عنه يُحتمل أنه رجوع عن شيء من المعاملات الفاسدة التي فسَّرها رافع في حديثه، وإذا تطرق الاجتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال وعندنا: أنه إذا خالف الصحابي ما رواه: فإنا نعمل بما رواه لا بما رآه، فيُعمل هنا بحديث معاملة النبي ﷺ ليهود خيبر، وقد فصَّلت هذا في كتابي: "مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف" وأما القياس الذي ذكروه: فهو فاسد؛ لوجهين: أولهما: أنه معارض للنص من السنة الفعلية كما سبق، ولا حجّة لقياس قد عارض نصًا، ثانيهما: أنه منقوض بعقد شركة المضاربة: فإن العامل فيها يعمل في المال بنمائه وهو معدوم مجهول وهذا جائز بالإجماع، وما نحن فيه مثلها؛ إذ لا فرق، وكذا: الإجارة تجوز على المنافع المعدومة للحاجة، فلِمَ لا تجوز الإجارة على الثمرة المعدومة للحاجة؟! فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع القولية" =
[ ٣ / ٣٨٩ ]
موجودة) لم تكمل، تنمي بالعمل كالمزارعة على زرع ثابت؛ لأنها إذا جازت في المعدوم مع كثرة الغرر ففي الموجود وقلة الغرر أولى (^٣) (و) تصح أيضًا (على شجر
= وكذا: "الخلاف في الراوي إذا خالف ما رواه هل نأخذ بما رواه أو بما رآه؟ " فإن قلتَ: لا تصح المساقاة إلّا في النخل والكرم - وهو العنب - فقط، وهو قول للشافعي؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا تصح المساقاة في الشجر الذي لا ثمرة له فكذلك لا تصح في غير النخل والعنب والجامع: أن كلًّا منها لا تجب الزكاة في نمائه، قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس يعارض نصًا؛ حيث إنه يُعارض عموم حديث ابن عمر - وهو أنه ﷺ قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر" وهذا عام في جميع الأشجار والثمار؛ لأن "ما" الموصولة من صيغ العموم، ومشروعية المساقاة لم تكن علّته وجوب الزكاة في ثمره أو لا، وإنما العلّة في مشروعيتها: أن الحاجة داعية لها - كما سبق ذلك (فرع): ما لا ثمر له، أو الذي له ثمر لا ينتفع به: لا تصح المساقاة عليه؛ للتلازم؛ حيث إن المساقاة تصح بجزء مشروط من الثمرة، وهذا لا ثمرة له ينتفع بها فيلزم عدم صحتها؛ لعدم شرطها.
(^٣) مسألة: تصح المساقاة على شجر له ثمر موجود عند العقد، بشرط: أن يبقى من العمل ما تزيد به الثمرة كالتأبير، والسقي، وإصلاح ما يلزم إصلاحه من الثمرة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه" ﷺ قد عامل يهود خيبر على الشطر مما يخرج. ." فكما أن المساقاة تصح على شجر لا ثمر له مع كثرة ما قد يقع من الغرر فكذلك تصح على شجر له ثمر محتاج إلى رعاية، والجامع: نفع المتعاقدين في كل، بل إن نفعهما في الشجر الذي له ثمر أكثر؛ لقلَّة الغرر والجهل. وهذا من باب "مفهوم الموافقة الأولى"؛ فإن قلتَ: لم شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مصلحة المالك والساقي كما لو لم يكن في الشجر ثمر. فإن قلتَ: لا تصح المساقاة على شجر له ثمر موجود، وهو رواية عن أحمد، وقول للشافعي وكثير من=
[ ٣ / ٣٩٠ ]
يغرسه) في أرض رب الشجر (ويعمل عليه حتى يثمر) احتجّ الإمام بحديث خيبر، ولأن العوض والعمل معلومان فصحَّت كالمساقاة على شجر مغروس (^٤) (بجزء من
= العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ "قد عامل أهل خيبر على الشطر مما يخرج من زرع أو ثمر" فيلزم من لفظ "يخرج" أن المساقاة تصح على شجر لم يخرج ثمره إلى وقت العقد، فيلزم منه: عدم صحة المساقاة على شجر قد خرج ثمره، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لا تصح المساقاة بعد بدو صلاح الثمرة: من احمرار أو اصفرار، فكذلك لا تصح المساقاة في شجر له ثمرة. والجامع: أنه في كل منهما استحقّ عوضًا موجودًا قلتُ: أما السنة الفعلية: فإن تعامله ﷺ مع يهود خيبر على ثمرة معدومة يفهم منه - بمفهوم الموافقة الأولى - جوازها على الموجودة، أما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن الثمر بعد بدوّ صلاحه لا يزيده العمل شيئًا، بخلاف المساقاة على شجر له ثمر يحتاج إلى عمل: فهو يزيده ويُكمله؛ إذ لولا هذا السقي لفسد، فإن قلتُ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض لفظ السنة الفعلية مع مقصدها" فأخذنا باللفظ والمقصد، وهم عملوا باللفظ فقط.
(^٤) مسألة: تصح المساقاة على شجر يغرسه العامل في أرض مالك الأرض ويعمل عليه حتى يثمر، بجزء من الثمر: كأن يقول زيد: "اغرس في أرضي هذه نخلًا أو شجرًا بجزء يشترط عند العقد، وكذا وادي فيه نخل، أو صغار شجر إلى مدة يحمل فيها غالبًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ عامل أهل خيبر بشطر مما يخرج من زرع وثمر" حيث إن ذلك عام، فيشمل ما نحن فيه؛ لأن "ما" الموصولة من صيغ العموم، الثانية: القياس؛ بيانه: كما تصح المساقاة على شجر مغروس - كما سبق في مسألة (٢) - فكذلك تصح المساقاة على شجر يغرسه العامل بنفسه، أو فيه صغار شجر أو نحو ذلك والجامع: أن العوض والعمل معلومان في كل منهما، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك=
[ ٣ / ٣٩١ ]
الثمرة) مشاع معلوم، وهو مُتعلِّق بقوله: "تصح" فلو شرطا في المساقاة الكل لأحدهما أو آصعًا معلومة أو ثمرة شجرة معيّنة: لم تصح (^٥)، وتصح المناصبة والمغارسة وهي:
= فيه جلب مصلحة للطرفين.
(^٥) مسألة: يُشترط لصحة المساقاة: أن يُقدَّر نصيب العامل بجزء معلوم من الثمرة مشاع كالثلث والربع، سواء قلَّ الجزء المشروط أو كثر "فلو شرطا" أن تكون الثمرة كلها لأحدهما، أو شرط أحدهما ثمرة نخل أو شجر معين، أو شرط أحدهما عددًا معينًا من الآصاع كأن يشترط أحدهما أن يكون له مائة صاع من البر أو النخل، فالمساقاة فاسدة؛ لقواعد الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ "قد عامل يهود خيبر بشطر ما يخرج منها" فاشترط الجزء المشاع هنا، فلزم، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث "إن الخلفاء الراشدين كانوا يتعاملون بالمساقاة، ويعطون الثلث أو الربع" ولم يخالفهم أحد من الصحابة الموجودين في المدينة، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن عدم إيجاد هذا الشرط، أو شرط شيء معيّن من النخل أو الثمر، أو الآصاع: ملحق للضرر بالطرفين: صاحب الأرض أو العامل: فقد لا ينتج من النخل إلّا هذا المشروط فيتضرّر من لم تكن له. (فرع): إن شرط أحد المتعاقدين في المساقاة تلك الشروط الفاسدة ووقع ذلك: فإن المساقاة فاسدة، وهذا سبق، وتكون الثمرة لصاحب الأرض، ويُعطى العامل أجرة مثله؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العامل في شركة المضاربة إذا لم يُقدَّر نصيبه عند عقد الشركة، ولم يعلم، أو شرط أحدهما نصيبًا معينًا: فإن الربح يكون لصاحب المال دون العامل، ويُعطى العامل أجرة مثله، فكذلك المساقاة مثل ذلك، والجامع: أن المال إذا نمى فالنماء يكون لصاحبه في كل، فيلزم أن يُعطى العامل شيء نظير عمله.
[ ٣ / ٣٩٢ ]
دفع أرض وشجر لمن يغرسه كما تقدَّم بجزء مشاع معلوم من الشجر (^٦) (وهو) أي: عقد المساقاة والمغارسة والمزارعة (عقد جائز) من الطرفين؛ قياسًا على المضاربة؛ لأنها عقد على جزء من النماء في المال، فلا يفتقر إلى ذكر مدَّة، ولكلّ منهما فسخها متى شاء (فإن فسخ المالك قبل ظهور الثمرة فللعامل الأجرة) أي: أجرة المثل؛ لأنه منعه من إتمام عمله الذي يستحق به العوض (وإن فسخها هو) أي: فسخ العامل المساقاة قبل ظهور الثمرة: (فلا شيء له)؛ لأنه رضي بإسقاط حقه، وإن انفسخت بعد ظهور الثمرة: فهي بينهما على ما شرطاه، ويلزم العامل تمام العمل كالمضارب (^٧)، (ويلزم
(^٦) مسألة: إذا دفع زيد أرضه إلى عمرو لأجل أن يغرسها بجزء من الشجر والنخل معلوم مشاع: فإن ذلك يصح؛ للقياس على الزراعة، بيانه: كما أن العامل يبذر الأرض فيكون الزرع بينه وبين صاحب الأرض فكذلك الغرس مثله، والجامع: معرفة كل من العوض والعمل وكل من الطرفين، فلا غرر ولا جهل في كل. (فرع): إن دفع زيد أرضه إلى عمرو لأجل أن يغرسها أو يزرعها بشرط: أن تكون الأرض والشجر والزرع بينهما وأن تكون المدة معلومة فإنه يصح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من معرفة العوض والعمل لكل من زيد وعمرو صحة ذلك، فإن قلتَ: لا يصح ذلك؛ وهو قول كثير من العلماء للتلازم؛ حيث يلزم منه: اشتراك المتعاقدين في الأصل الخاص بصاحب الأرض، وهذا فيه نوع ظلم. قلتُ: لا ظلم في ذلك، ولا غرر إذا علما العوض والعمل، والمدَّة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين" (فرع ثان) عقد المساقاة والمزارعة والمغارسة يصح من مالك الأرض ومن ناظر الوقف؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه جلب المصلحة للأرض في تعميرها، ودفع الفساد عنها.
(^٧) مسألة: عقد المساقاة والمغارسة والمزارعة عقد لازم، لا يصح إلّا على مدَّة معلومة لصاحب النخل والشجر، والأرض، وللعامل عند العقد، فلا يجوز لأحدهما فسخه وهو مذهب الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الإجارة عقد=
[ ٣ / ٣٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= لازم تكون على مدة معلومة للمتعاقدين عند العقد فكذلك المساقاة والمغارسة والمزارعة مثلها والجامع: أن كلًّا منها فيه عقد معاوضة، والعمل يكون على العين مع بقائها، الثانية: المصلحة؛ حيث إنها لو كانت عقد جائز، وبدون مدة مشترطة لجاز لصاحب الأرض، أو النخل فسخ العقد إذا ظهر الثمر، فيتضرّر العامل والساقي والمزارع والغارس، ولجاز للعامل أن يترك النخل أو الزرع في وقت أحوج ما يكون إليه، وحال صاحب الأرض لا يسمح بأن يقوم بعمله فيقع الضرر على صاحب الأرض والنخل، فدفعًا للضرر الواقع على المتعاقدين: كان العقد لازمًا؛ لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح فإن قلتَ: إنه عقد جائز فيجوز لصاحب الأرض والنخل أن يفسخها متى ما شاء، فإن فسخ صاحب الأرض والنخل قبل ظهور الثمرة: فإن العامل يُعطى نصيب عامل عمل مثل عمله، وإن فسخها العامل نفسه قبل ظهور الثمرة: فلا شيء له، وتكون الثمرة كلها لصاحب الأرض، أما إن حصل الفسخ منهما بعد ظهور الثمرة: فإنه يُعطى كل واحد نصيبه الذي اشترطه عند العقد، ويُلزم العامل بأن يكمل العمل، هذا ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" ولم يُنقل أنه اشترط مدة معلومة في عقد تلك المساقاة؛ إذ لو وجد لنُقل، لأنه من مهمات الأمور ولم ينقل شيء من ذلك، ويلزم من عدم اشتراط ذلك: "عدم اللزوم، ويلزم أيضًا منه: أنه إذا فسخ صاحب الأرض أو النخل العقد فجأة قبل ظهور الثمرة: أن يعوِّض العامل بأجرة ونصيب مثله؛ لمنعه من الاستمرار في العمل، ويلزم منه أيضًا: أنه إذا فسخها العامل: أن تكون الثمرة لصاحب الأرض والنخل؛ لكون العامل قد أسقط حقه، ويلزم إذا فسخها بعد ظهور ثمرها: أن يُقسَّم الثمرة بينهما على ما شرطاه عند العقد، ويُلزم العامل بإتمام عمله فيها إن احتيج إلى ذلك، كما قلنا=
[ ٣ / ٣٩٤ ]
العامل كل ما فيه صلاح الثمرة: من حرث، وسقي وزبار) بكسر الزاي، وهو: قطع الأغصان الرديئة من الكرم (وتلقيح، وتشميس، وإصلاح موضعه و) إصلاح (طرق الماء وحصاد ونحوه) كآلة حرث، وبقر، وتفريق زِبْل، وقطع حشيش مضر، وشجر يابس، وحفظ ثمر على شجر إلى أن يُقسم (وعلى رب المال ما يصلحه) أي: ما يحفظ الأصل (كسد حائط، وإجراء الأنهار) وحفر البئر (والدولاب ونحوه) كآلته التي تديره ودوابه، وشراء ما يلقح به، وتحصيل ماء، وزبل (^٨)، والجذاذ عليهما بقدر
= في العامل في شركة المضاربة، قلتُ: يُحتمل أن النبي ﷺ لم يشترط على يهود خيبر لما عاملهم بالمساقاة؛ لكون ذلك معروفًا بينهم فلا يحتاج إلى اشتراط شيء جرى العرف عليه، لا سيما وأن المصلحة تقتضي ذلك، وإذا تطرّق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال وإذا بطل الاستدلال به بطل ما بني عليه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع القياس والمصلحة" فعملنا بالقياس والمصلحة؛ حيث إنهما يعتبران مقيدان المطلق السنة الفعلية، وعندهم: لم يقويا على ذلك.
(^٨) مسألة: إذا أعطى زيد عمرًا أرضًا أو نخلًا وعقد معه عقد مساقاة أو مغارسة أو مزارعة عقدًا مطلقًا: فيجب على عمرو - وهو العامل - كلّ ما فيه إصلاح الثمرة، وزيادتها: من سقي الشجر بماء حاصل لا يحتاج إلى حفر بئر، وعليه جلب الماء من البئر، أو النهر بدولاب أو سواني، وحرث الأرض بأي آلة شاء: بقر ونحوها، وإزالة الحشيش المضر بالزرع والشجر والعنب. وقطع الجريد المضر - أيضًا - وهو المراد بالزبار -، وعليه أيضًا: تشميس ما يحتاج إلى تشميس، وتلقيح النخل وتفريقه عليها، وتصفية الزرع، وإصلاح موضع التشميس، وموضع دياس الزرع، وطرق الماء، وعليها أيضًا الحصاد والجذاذ واللقاط، ووضع سماد وتفريقه - وهو الزبل -، وحماية وحفظ ثمر على شجر ونخل ونقله إلى "الجرين" - وهو موضع حفظ الثمر والحبوب - وهذا كله يفعله العامل - وهو عمرو - إلى=
[ ٣ / ٣٩٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= حين وقت تقسيمه عليه وعلى صاحب الأرض والنخل والشجر - وهو زيد - فيأخذ كل واحد منهما نصيبه المشترط عند عقد المساقاة أو المزارعة أو المغارسة أما صاحب الأرض والنخل والشجر - وهو زيد - فيجب عليه كلُّ ما يحفظ الأصل كأن يبني ما انهدم من حائط، وتكلفة إجراء نهر أو ساقية، وحفر بئر، وتحصيل الدولاب ومَعدَّاته، ولو نفذ الماء: لزمه حفر بئر آخر ونحو ذلك وعليه أيضًا شراء السماد إذا احتيج إليه، وعليه: شراء ما يلقح به؛ للتلازم؛ حيث إن إطلاق عقد المساقاة والمزارعة والمغارسة يقتضي ذلك؛ فيلزم أن كل ما يتّصل بالعمل يكون على العامل - وهو عمرو - وما يتصل بالأصل ورأس المال والأرض يكون على صاحبه - وهو زيد -، تنبيه: سمَّى المصنف العنب بالكرم، وهذه تسمية منهي عنها، حيث قال ﷺ: "لا تسموا العنب كرمًا، إنما الكرم الرجل المسلم". (فرع): دواب إدارة دولاب الماء وما يُسحب بها الماء على العامل - وهو عمرو -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن دواب الحرث على العامل، فيحرث بما شاء وما هو مناسب له، فكذلك الدواب التي يسحب بها الماء عليه والجامع: أن كل ذلك متصل بالعمل والعامل، فإن قلتَ: إن الدواب التي يُسحب بها الماء على صاحب الأرض والنخل - وهو زيد -، وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو قول كثير من الحنابلة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن شراء ما يُلقَّح به على صاحب الأرض والنخل - وهو زيد - فكذلك الدواب التي يسحب بها الماء مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما ليست من العمل في شيء، فلا تتصل بالعامل قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ووجه الفرق: أن ما يلقَّح به يُشترى ويُعطى العامل ليضعه في النخل فورًا دون عمل طويل عليه، أما الدواب: فهو سيعمل عليها مدَّة طويلة، فيكون اتصالها بالعامل كثيرًا جدًّا تعمل على دواب الحرث، فإن قلتَ: ما الخلاف سبب هنا؟ قلتُ: "تعارض القياسين" فنحن ألحقناها=
[ ٣ / ٣٩٦ ]
حصتيهما (^٩) إلا أن يشترطه على العامل (^١٠)، والعامل فيها كالمضارب فيما يقبل،
= بدواب الحرث لكونها أكثر شبهًا بها، وهم ألحقوها بما يلقح به؛ لكونها أكثر شبهًا به، وهذا هو: "قياس الشبه".
(^٩) مسألة: الجذاذ والحصاد واللقاط على العامل - وهو عمرو -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن التشميس ووضع التمر والحبوب في الجرين على العامل فكذلك الجذاذ والحصاد من باب أولى؛ لأنه قبله، والجامع: أن كلًّا منهما متّصل اتصالًا مباشرًا بالعمل، فإن قلتَ: إن الجذاذ والحصاد على صاحب الأرض والنخل - وهو زيد - وعلى العامل - وهو عمرو - كل واحد منهما يجذ ويحصد ما يساوي حصته المشروطة عند عقد المساقاة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إن الجذاذ والحصاد يكون بعد تكامل الثمرة وانقضاء المعاملة فيلزم: أن يكون على المتعاقدين معًا؛ لتساوي الطرفين فيه قلتُ: لا نسلِّم انقضاء العمل بالجذاذ والحصاد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في عقد المساقاة متى ينتهي؟ " فعندنا: ينتهي بوضع التمر والزرع في الجرين، وعندهم: ينتهي بتكامل الثمرة والزرع ووصولهما إلى الانتفاع بها.
(^١٠) مسألة: إذا دفع زيد أرضه إلى عمرو وعقدا عقد مساقاة، واشترط عمرو - وهو العامل - على صاحب الأرض: أن يدفع دواب سحب الماء من البئر، أو يدفع دواب الحرث، أو أن يكون الجذاذ عليهما معًا وقبل صاحب الأرض - وهو زيد - أو اشترط على أحدهما شيئًا مما يلزم الآخر: فإن ذلك يصح؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المشتري لو اشترط عند عقد البيع تأجيل الثمن، أو تقسيطه وقبل المشتري: فإنه يصح،، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًّا منهما شرط لا يخل بمصلحة العقد، ولا مفسدة فيه على الطرفين، فإن قلتَ: لا يصح ذلك، وهو قول الشافعي، والقاضي أبو يعلى وأبو الخطاب؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يصح شرط العمل على صاحب المال في شركة المضاربة فكذلك لا يصح أن يشترط على=
[ ٣ / ٣٩٧ ]
ويردُّ، وغير ذلك (^١١).
= أحد المتعاقدين في عقد المساقاة شيئًا مما يلزم الآخر، والجامع: أنه في كل منهما شرط يخالف مقتضى العقد فأفسده. قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه إذا شرط العمل على صاحب رأس المال في شركة المضاربة: فقد قلب العقد تمامًا وأصبح صاحب رأس المال هو الذي دفع المال، وهو الذي يعمل، فيكون العامل لا عمل له فلذا لم يصح، أما إذا اشترط على أحد المتعاقدين في عقد المساقاة شيئًا مما يلزم الآخر: فكل واحد منهما اشترك في شيء من الأعمال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن قد ألحقناه بمن اشترط التأجيل في البيع؛ لكونه أكثر شبهًا به، وهم ألحقوه بالعامل في شركة المضاربة الذي اشترط أن يكون العمل على صاحب المال؛ لكونه أكثر شبهًا به عندهم، وهذا هو "قياس الشبه" (فرع): إذا اشترط على أحد المتعاقدين في عقد المساقاة شيئًا مما يلزم الآخر: فإنه يصح - كما سبق - ولكن بشرطين: أحدهما: أن لا يكون على صاحب المال - وهو زيد أكثر العمل أو نصفه؛ للتلازم؛ حيث إن العامل - وهو عمرو - إنما يستحق بعمله نصيبه، فيلزم من عدم الكثرة في عمله أو نصفه: عدم صدق صفة العامل عليه، فلا يستحق شيئًا. ثانيهما: أن يكون ما يلزم كل واحد منهما من العمل معلومًا؛ للمصلحة: حيث إن عدم وضوح عمل كل واحد منهما يؤدي إلى الاختلاف والتنازع، فيختل العمل، فدفعًا لذلك اشترط هذا.
(^١١) مسألة: حكم العامل في المساقاة والمغارسة والمزارعة حكم العامل في شركة المضاربة فيما يُقبل قوله فيه، وفيما يُردَّ قوله فيه، فيقبل قوله فيما إذا تلف: إنه لم يُفرِّط ولم يتعدَّ، ويُقبل قوله في المبطل للعقد، ويُقبل قوله في الجزء المشروط مع يمينه إذا اتهم، ونحو ذلك من الحالات التي يقع خلاف بينه وبين صاحب الأرض والنخل والشجر؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العامل في شركة المضاربة يُقبل قوله فيما=
[ ٣ / ٣٩٨ ]
فصل (وتصح المزارعة)؛ لحديث خيبر السابق، وهي: دفع أرض وحبٍّ لمن يزرعه ويقوم عليه، أو حب مزروع ينمي بالعمل لمن يقوم عليه (بجزء) مشاع (معلوم النسبة) كالثلث أو الربع ونحوه (مما يخرج من الأرض لربها) أي: لرب الأرض (أو للعامل والباقي للآخر) أي: إن شرط الجزء المسمّى لرب الأرض فالباقي للعامل، وإن شرط للعامل فالباقي لرب الأرض؛ لأنهما يستحقان ذلك، فإذا عيّن نصيب أحدهما منه: لزم أن يكون الباقي للآخر (^١٢) (ولا يُشترط) في المزارعة والمغارسة: (كون البذر
= يُقبل ويرد مع يمينه عند الاختلاف فكذلك العامل في عقد المساقاة والمغارسة والمزارعة مثله والجامع: أن كلًّا من العامِلَين قد ائتمنه صاحب المال، والأرض والنخل والشجر، والمؤتَمن يُقبل قوله، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية العامل من ظلم أصحاب الأراضي والنخيل والأشجار؛ لكون العادة أن يكون الظلم من جهتهم؛ (فرع): إذا ثبتت خيانة العامل، ولم يؤتمن على السقي والزرع والغرس وحفظ ذلك: فإنه يُستأجر من ماله من يعمل عمله، وهو قول كثير من العلماء؛ للقياس، بيانه: كما أن العامل لو هرب: فإنه يُستأجر من ماله من يعمل عمله فكذلك يُفعل ذلك فيه إذا ثبتت خيانته والجامع: تعذُّر استيفاء المنافع المقصودة منهما فاستوفيت بغيرهما، فيُقال له: "إذا لم يمكن لك حفظها من خيانتك أقم غيرك يعمل ذلك وارفع يدك عنها؛ لكون الأمانة قد تعذَّرت في حقك".
(^١٢) مسألة: المزراعة لغة: مأخوذة من الزَّرْع - بفتح الزاي، وتسكين الراء - والمغارسة لغة: مأخوذة من غرس النخل، وهي في الاصطلاح: أن يدفع زيد أرضه إلى عمرو ليقوم عمرو بزرعها أو غرسها، وسقيها، وحمايتها، وتنمية ذلك، ويفعل كل ما تحتاج من خدمات، وذلك بجزء معلوم مشاع من المحصول، أو يدفع ذلك وهو مزروع لعمرو فيقوم بتنميته وذلك كثلثه أو ربعه أو نصفه يأخذه زيد على حسب ما يشترطانه عند عقد المزارعة، فإن اتفقا على أن يكون الثلث لصاحب الأرض، =
[ ٣ / ٣٩٩ ]
والغراس من رب الأرض) فيجوز أن يخرجه العامل في قول عمر، وابن مسعود، وغيرهما، ونصَّ عليه في رواية "مهنَّا" وصححه في "المغني" و"الشرح" واختاره أبو محمد الجوزي والشيخ تقي الدين (وعليه عمل الناس)؛ لأن الأصل المعوَّل عليه في المزارعة قصة خيبر، ولم يذكر النبي ﷺ أن البذر على المسلمين، وظاهر المذهب: اشتراطه، نصَّ عليه في رواية "الجماعة"، واختاره عامة الأصحاب، وقدَّمه في "التنقيح" وتبعه المصنف في "الإقناع"، وقطع به في "المنتهى" (^١٣) وإن شرط رب
= فإن الثلثين يكون للعامل، والعكس بالعكس (فرع): المزارعة والمغارسة صحيحة - على التعريف السابق -؛ لقواعد هي: السنة الفعلية، وفعل الصحابي، والمصلحة، وقد سبق بيانها بالتفصيل في مسألة: (٢).
(^١٣) مسألة: لا يُشترط في عقد المزارعة والمغارسة: أن يكون البذر والغراس من صاحب الأرض - وهو زيد - بل يجوز أن يأتي العامل - وهو عمرو - بالبذر والغرس ويغرسها، ويجوز أن يأتي بذلك صاحب الأرض - وهو زيد - ولا فرق بينهما في ذلك، ولكن يبين ذلك عند العقد؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ "قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع" ولم يُبيِّن النبي ﷺ أن البذر والغرس على المسلمين، ولو كان شرطًا لما ترك بيانه؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، الثانية: قول وفعل الصحابي؛ حيث إن عمر ﵁ قد دفع البذر من عنده مرة، وجعل العامل يدفعه من عنده مرة أخرى فجاز الأمران، وهو رواية عن ابن مسعود، والغرس مثل البذر؛ لعدم الفارق، من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: إنه يشترط كون البذر من صاحب الأرض، وهو رواية عن أحمد، وقول كثير من الحنابلة، وبعض العلماء؛ للتلازم؛ حيث إن عقد المزارعة والمغارسة عقد يشترك فيه صاحب الأرض، والعامل في نمائه فوجب أن يكون رأس المال من أحدهما على حسب شرطهما قلتُ: إن هذا مخالف للسنة الفعلية السابقة وآثار الصحابة، فلا يُعمل به، فإن قلتَ: ما سبب =
[ ٣ / ٤٠٠ ]
الأرض أن يأخذ مثل بذره، ويقتسما الباقي: لم يصح (^١٤)، وإن كان في الأرض شجر فزارعه على الأرض وساقاه على الشجر: صح، وكذا: لو آجره الأرض، وساقاه على شجرها فيصحّ ما لم يتّخذ حيلة على بيع الثمرة قبل بدو صلاحها (^١٥) وتصح مساقاة
= الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة وآثار الصحابة مع التلازم" فيُعمل عندنا: بالسنة والآثار وما يُفهم منهما، ويُعمل عندهم بالتلازم.
(^١٤) مسألة: إذا أعطى صاحب الأرض - وهو زيد - الأرض وصاعين من البذر للعامل - وهو عمرو - ليزرعها واشترط زيد: أن يأخذ هذين الصاعين عند خروج المحصول، ويقتسما الباقي: فهذا لا يصح؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إنه يُحتمل أن الأرض لا تُخرج سوى هذين الصاعين، فيأخذهما صاحب الأرض - وهو زيد - نظرًا لاشتراطه ذلك - فلا يبقى للعامل - وهو عمرو - شيء فيتضرر، فدفعًا لذلك: لم يصح ذلك الشرط، الثانية: التلازم؛ حيث إن عقد المزارعة يقتضي اشتراك كل من صاحب الأرض والعامل في محصول الزرع، فيلزم من هذا الشرط: عدم الاشتراك، وهذا يفسد العقد.
(^١٥) مسألة: إذا كان في الأرض شجر: فيصح لصاحب الأرض والشجر أن يعقد مع العامل عقد مزارعة على الأرض، وأن يعقد معه عقد مساقاة على الشجر، وكذا: يصح أن يعقد معه عقد إجارة على الأرض، وأن يعقد معه عقد مساقاة على الشجر، ولكن هذا بشرط: أن لا يقصد من هذا التحايل على بيع الثمرة التي في الشجر قبل بدو صلاحها، أو يؤجره الأرض بأكثر مما ستخرجه، أو بأكثر من أجرتها المعتادة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يجوز أن يجمع بين بيع وإجارة فكذلك يجوز أن يُجمع بين مزارعة ومساقاة، وأجرة ومساقاة والجامع: أنه وقع في كل منهما عقدان يجوز إفراد كل واحد منهما فجاز الجمع بينهما، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة لصاحب الأرض والشجر وللعامل، وفيه جمع بين الزرع، والنخل، والأشجار.
[ ٣ / ٤٠١ ]
ومزارعة بلفظهما، ولفظ: المعاملة وما في معنى ذلك (^١٦)، ولفظ: إجارة؛ لأنه مؤدٍ للمعنى (^١٧) وتصح إجارة أرض بجزء مشاع مما يخرج منها، فإن لم تزرع نظر إلى مُعدَّل
(^١٦) مسألة: يصح عقد المساقاة، والمزارعة، والمغارسة بلفظ كل منها: فيقال "قد ساقيتك وزارعتك، وغارستك"، ويصح بلفظ المعاملة فيقال: "عاملتك" أو "اعمل في أرضي هذه" أو "في بستاني حتى تكمل ثمرته" أو ما في معنى ذلك كقوله: "فالحتك" وقوله: "تعهَّد نخلي" أو "اسقه" أو نحو ذلك؛ وتصح بأي لفظ عرف المتعاقدان أن المقصود منه عقد المساقاة، أو المزارعة، أو المغارسة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إن الراوي قال: "عامل النبي ﷺ أهل خيبر. ." فإن ذلك يُفيد أن لفظ "المعاملة" يصح، الثانية: التلازم؛ حيث إن الألفاظ الأخرى كساقيتك، أو زارعتك، أو غارستك حقيقة في ألفاظها فيلزم صحتها ويلزم من تأدية الألفاظ الأخرى للمعنى المقصود: صحتها.
(^١٧) مسألة: لا تصح المساقاة والمزارعة والمغارسة بلفظ "الإجارة"؛ وهو قول كثير من العلماء كأبي الخطاب للتلازم؛ حيث إنه يُشترط للإجارة: كون العوض معلومًا فيلزم عدم صحة عقدها بلفظ الإجارة؛ لأن العوض في عقد المساقاة والمغارسة، والمزارعة يشترطان أن لا يكون معلومًا، بل يكون بجزء مشاع معلوم النسبة كثلث المحصول ونحو ذلك كما سبق. فإن قلتَ: تصح بلفظ: "الإجارة"، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما أنها تصح بالألفاظ السابقة في مسألة (١٦) فكذلك تصح بلفظ الإجارة، والجامع: أن كلًّا منها يؤدّي إلى المعنى المراد والمقصود. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إنه يُوجد فرق بين عقدي الإجارة والمساقاة من حيث اشتراط العلم بالعوض وعدمه، وهذا فرق أساسي بين العقدين يتسبَّب في الخلط بين حقائق الأمور، فدفعًا لذلك: لم يصح، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس" كما بيناهما.
[ ٣ / ٤٠٢ ]
المغل: فيجب القسط المسمَّى (^١٨) / (^١٩).
(^١٨) مسألة: لا تصح إجارة الأرض بجزء مُشاع يخرج منها كأن يقول زيد: "آجرتك هذه الأرض بربع ما تزرع فيها من بُرٍّ ونحوه"، وإن وقع ذلك: فتكون مزارعة ومغارسة وليست بإجارة، وهو قول كثير من الحنفية والشافعية، واختاره أبو الخطاب؛ للتلازم؛ وقد ذكرناه في مسألة (١٧)، فإن قلتَ: بل تصح وتكون إجارة حقيقية، ولها شروط الإجارة؛ فإن لم يزرعها المستأجر: فإنه يدفع ما يعادل القسط المشترط لصاحب الأرض بتقدير زرعها، وذلك بالنظر إلى أرض تساويها في المساهمة وقريبة منها، ومن جنس ذلك الطعام الذي يمكن أن يزرع، هذا ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الغرر: صحَّة ذلك قلتُ: لا يُسلَّم هنا عدم الغرر والجهل؛ لكون هذا الجزء المشروط غير معلوم تقديره، وما لا يعلم تقديره لا يكون عوضًا، ثم إن المستأجر قد لا يزرعها لأي سبب فيقع الاختلاف والتنازع بينه وبين المؤجَّر في تقدير ذلك القسط المشترط؛ لأن الأراضي تختلف في محصولها وإن كانت متقاربة، وهذا معلوم بالعادة والعرف، فسدًا لذلك: لا تصح إجارة الأرض بجز مشاع مما يخرج منها فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين".
(^١٩) مسألة: تجوز إجارة الأرض بسعر معلوم المقدار عند العقد كأن يقول المؤجر: "أجَّرتك هذه الأرض لتزرعها أو تغرسها كل سنة بعشرة آلاف ريال" ونحو ذلك أو يقول: "أجرتك هذا البستان لتقوم بما يُصلحه وتأخذ ثماره كل سنة بعشرة آلاف" ونحو ذلك؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث إن حنظلة بن قيس سأل رافع بن خديج عن كراء الأرض فقال: "نهى رسول الله ﷺ عن كراء الأرض" فقلتُ: بالذهب والفضة؟ قال: "إنما نهى عنها ببعض ما يخرج منها أما بالذهب والفضة فلا بأس" وهو واضح الدلالة؛ الثانية: القياس، بيانه: كما تجوز إجارة الدور بالأثمان فكذلك تجوز إجارة الأراضي لزراعتها بالإثمان، والجامع: أن كلًّا =
[ ٣ / ٤٠٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= منهما عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إنه ذهب إلى ذلك رافع بن خديج، وابن عمر وابن عباس، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة للطرفين ودفع مفسدة عنهما؛ إذ كل منهما منتفع، بل يتعدَّى ذلك إلى نفع المجتمع، فإن قلتَ: إن ذلك مكروه، للسنة القولية: حيث إنه ﷺ قد نهى عن كراء المزارع - كما رواه رافع بن خديج -، والنهي للكراهة؛ والمصلحة هي التي صرفته من التحريم إلى الكراهة؛ حيث إنه يُحتمل احتمالًا بعيدًا أن لا يكسب المستأجر إلا قدر الأجرة المشترطة - وهي العشرة الآلاف - فيعطيها المؤجر فيتضرّر المستأجر، وقد يكسب المستأجر الملايين من نتاج هذه الأرض فيكون الذي أخذه المؤجَّر قليلًا جدًّا، فيتضرّر، قلتُ: إن راوي حديثنا الخاص وراوي حديثكم العام واحد، وهو في حديثنا قد فسَّر ما رواه في حديثكم، فيحمل العام على الخاص؛ لكونهما متعارضين، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الحديثين".
هذه آخر مسائل باب "المساقاة والمغارسة والمزارعة" ويليه باب "الإجارة".
[ ٣ / ٤٠٤ ]