الميقات لغة: الحد، واصطلاحًا: موضع العبادة وزمنها (^١) (وميقات أهل المدينة: ذو الحُلَيْفَة) بضم الحاء وفتح اللام، بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، وهي: أبعد المواقيت من مكة: بينها وبين مكة عشرة أيام (و) ميقات (أهل الشام ومصر والمغرب: الجُحْفَة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، قرب رابغ بينها وبين مكة ثلاث مراحل (و) ميقات (أهل اليمن: يَلَمْلَم) بينه وبين مكة ليلتان (و) ميقات (أهل نجد) والطائف: (قَرن) بسكون الراء، ويقال: "قرن المنازل" و"قرن الثعالب" على يوم وليلة من مكة (و) ميقات (أهل المشرق) أي: العراق وخراسان ونحوهما: (ذات عرق): منزل معروف، سُمِّي بذلك لأن فيه عرقًا، وهو: الجبل الصغير، وبينه وبين مكة نحو مرحلتين (^٢)
باب المواقيت المكانية والزمانية للحج والعمرة
وفيه إحدى عشرة مسألة:
(^١) مسألة: المواقيت: جمع ميقات، وهو: لغة: الحد، والتوقيت: تحديد وقوع الشيء بمكان أو زمان مُعيَّنين، والميقات اصطلاحًا: "ما حدَّده الشارع ووقَّته لإيقاع الحج والعمرة منه وفيه": فحدَّد الشارع مواقيت مكانية لا يجوز الإحرام إلا منها، وحدَّد مواقيت زمانية لا يجوز الحج والعمرة إلا فيها، فإن قلتَ: لمَ بُدئ بذكر المواقيت؟ قلتُ: لأن أول ما يبدأ به من أراد الحج والعمرة هو: الإحرام، فلا بدَّ من بيان مكانه ووقته.
(^٢) مسألة: المواقيت المكانية التي يجب على المريد للحج والعمرة أن يحرم منها خمسة: أولها: ذو الحُلَيفة، وهو المعروف بـ"أبيار علي" وهو ميقات أهل المدينة وكل من سافر إلى مكة عن طريق المدينة وهو قريب جدًا من المدينة، وهو يبعد =
[ ٢ / ٤٧١ ]
(وهي) أي: هذه المواقيت (لأهلها) المذكورين (ولمن مرَّ عليها من غيرهم) أي: من
عن مكة (٤٠٠) كم تقريبًا، وهو يُعتبر أبعدها عن مكة، ثانيها: الجُحْفَة، وهو معروف بمدينة "رابغ" الآن، وهو ميقات أهل الشام ومصر والمغرب، ولكن حجاج تلك البلدان يُحرمون الآن من ذي الحُلَيْفة، وبين رابغ وبين مكة سبع مراحل، أو يحرمون من بلدانهم، فإذا حاذوا "بلد رابغ" جوًا أو بحرًا أو برًا نووا الإحرام دون توقف؛ لعدم وضوح هذا المكان - وهو: الجحفة، ولعدم كثرة الماء فيه، ثالثها: يَلَمْلَم، وهو المعروف الآن بـ"السَّعدية"، وهو ميقات أهل اليمن، يبعد عن مكة بمرحلتين، رابعها: قرن المنازل، ويُعرف الآن بـ"السيل الكبير"، ويوازيه طريق الهدى أو الكراء وهو: "وادي محرم"، وهو يبعد عن مكة بمرحلتين - حوالي (٨٠) كم - وهو: ميقات أهل نجد والطائف، خامسها: ذات عرق، ويُعرف الآن بـ"الضَّريبة" وهو: ميقات أهل المشرق كالعراق وفارس ونحوهما؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرنًا، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل العراق: ذات عرق - كما روى ذلك ابن عباس وعائشة ﵃ فإن قلتَ: لمَ شُرعت تلك المواقيت؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تعظيم لبيت الله، وتشريفه، بحيث لا يُقبلون عليه، ويطوفون به إلا وهم على هيئة خاصة وهي: تجرُّدهم من زينة الدنيا؛ ليتذكَّروا الآخرة، وما سيحصل فيها، ولإظهار فقرهم أمام خالقهم وعند بيته، وهذا أدعى للاستجابة، ولأجل أن تكون تلك المواقيت المكانية حصنًا حصينًا وحمى لا يجوز تجاوزها إلا بهيئة خاصة، فإن قلتَ: لمَ كانت بعض تلك المواقيت أبعد من بعض بالنسبة لمكة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن أسماء تلك المواقيت هي: أسماء لقرى كانت عامرة في عهده ﷺ، فأمر المسلم أن يحرم منها؛ نظرًا لوجود ما يحتاجه لإحرامه فيها من ماء ولباس وناس، وطعام وشراب، تنبيه: قوله: "رابغ بينها وبين مكة ثلاث مراحل" قلتُ: إن بينها وبين مكة سبع مراحل كما قال النووي، وهو الواقع الآن.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
غير أهلها، (^٣) ومَنْ منزله دون هذه المواقيت يُحرم منه بحج وعمرة (^٤) (ومن حج من أهل مكة فـ) إنه يُحرم (منها)؛ لقول ابن عباس: "وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرنًا، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يُريد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمهلُّه من أهله، وكذلك أهل مكة يُهلُّون منها" متفق عليه، (^٥) ومن لم يمر بميقات:
(^٣) مسألة: لا يختصُّ كلُّ ميقاتٍ بمن وُضع له، بل يُحرم كل شخص من أي ميقات مرَّ به: سواء كان ممن وضع لهم ذلك أو لا: فالعراقي أو المصري يحرم من "السيل" إذا مرَّ به، والنجدي أو اليمني يحرم من ذي الحليفة إذا مرَّ به وهكذا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "هنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهنَّ ممن كان يريد الحج والعمرة" وهذا عام للجميع، فيشمل من كان ميقاته أبعد أو أقرب إلى مكة؛ لأن "من" شرطية، وهي من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو كُلِّف كل شخص بأن يُحرم من الميقات الخاص ببلده: لشق ذلك على المسلمين، فدفعًا لذلك شرّع هذا.
(^٤) مسألة: إذا كان منزل شخص يوجد بين تلك المواقيت ومكة: فيُحرم من منزله لحج وعمرة، وإذا كان له منزلان: فيحرم من أقربهما إلى مكة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "فمن كان دونهنَّ فمهلُّه من أهله"، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير.
(^٥) مسألة: إذا أراد شخص من أهل مكة الحج، أو أراده شخص من غير أهلها ولكنه فيها وقت الحج: فإنه يُحرم به من مسكنه في مكة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "وكذلك أهل مكة يُهلُّون منها" ومن كان فيها من غيرهم في حكمهم إذا أنشأوا النية فيها، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مشقة =
[ ٢ / ٤٧٣ ]
أحرم إذا علم أنه حاذى أقربها منه؛ لقول عمر ﵁: "انظروا إلى حذوها من طريقكم" رواه البخاري، ويُسنَّ أن يحتاط، فإن لم يُحاذ ميقاتًا: أحرم عن مكة بمرحلتين (^٦) (وعمرته) أي: عمرة من كان بمكة يُحرم لها (من الحلِّ)؛ لأن النبي ﷺ "أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التَّنعيم" متفق عليه، (^٧) ولا يحلُّ لحرٍّ
خروجه إلى الميقات لأجل الإحرام بالحج، في حين أنه سيجمع بين الحل - وهي: عرفة - والحرم - وهو: الطواف، لكون الجمع بينهما مقصود.
(^٦) مسألة: إذا أراد الشخص الحج أو العمرة، ولا يوجد واحد من المواقيت الخمسة في طريقه: فإنه يُحرم إذا غلب على ظنه أنه يُحاذي ويوازي أقرب المواقيت إليه، ويُستحب أن يُحرم إذا وازى أبعدها عن مكة، فإن لم يغلب على ظنه شيء: فيُحرم من مكان يبعد عن مكة بمرحلتين - وهي ما يقارب ثلاثين ميلًا -؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث إن عمر ﵁ قال - لأهل العراق لما شقَّ عليهم الإحرام من قرن المنازل -: "انظروا إلى حذوها من طريقكم" فكانت ذات عرق، وغيرهم مثلهم في ذلك؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة" الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مشقة الانحراف عن الطريق لأجل الإحرام من تلك المواقيت، وإحرامه من مكان يبعد عن مكة بمرحلتين فيه احتياط للدِّين، وعدم المشقة على المحرم؛ لمناسبة ذلك؛ حيث لا ميقات دون ذلك.
(^٧) مسألة: أهل مكة، أو غيرهم ممن أقاموا بمكة فترة: يحرمون للعمرة من أقرب الحل لهم، وهو: "التَّنعيم"، ويُعرف أيضًا بـ"مسجد عائشة" ﵂، للسنة القولية؛ حيث إن النبي ﷺ "قد أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعتمر بأخته عائشة من التَّنعيم" فلو صح الإحرام بالعمرة لأهل مكة منها: لما أمر =
[ ٢ / ٤٧٤ ]
مسلم مُكلَّف أراد مكة أو الحرم: تجاوز الميقات بلا إحرام إلا لقتالٍ مُباح، أو خوف أو حاجة تتكرَّر كحطَّاب ونحوه، فإن تجاوزه لغير ذلك: لزمه أن يرجع ليُحرم منه إن لم يخف فوت الحج أو على نفسه، وإن أحرم من موضعه: فعليه دم، (^٨) وإن
النبي ﷺ بهذا؛ لما فيه من المشقَّة، فلزم اشتراط ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: ليكون المعتمر جامعًا بهذا بين الحل والحرم، وهو شرط في النسك.
(^٨) مسألة: يجوز للمسلم الحر المكلَّف أن يتجاوز تلك المواقيت الخمسة بدون إحرام إذا لم يُرد الحج أو العمرة: سواء كان بعذرٍ أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "هُنَّ لهنَّ من غير أهلهنَّ ممن يُريد الحج والعمرة" حيث دلَّ مفهوم الصفة على أن من لم يُرد الحج والعمرة يجوز له تجاوز تلك المواقيت بدون إحرام ودخول مكة وهذا المفهوم عام فيشمل من له عذر وغيره، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو كُلِّف كل شخص بالإحرام وهو لم يُرد الحج والعمرة: للحق الناس حرج ومشقة، ولتعطَّلت مصالحهم، ولضاق بهم الحرم، فدفعًا لذلك: شرع هذا، فإن قلتَ: يجوز تجاوز تلك المواقيت الخمسة بدون إحرام للمعذورين فقط كمن يُقاتل قتالًا مباحًا، أو خاف على نفسه، أو من يُكرِّر الدخول مرارًا كالحطَّابين، والجمَّالين وأهل البريد ونحوهم، أما غير المعذور: فلا يجوز له تجاوزها ودخول مكة إلا بإحرام، فإن دخلها بدون ذلك: فإنه يجب عليه الرجوع إليها فيحرم منها إن لم يخف على نفسه، أو يخف فوات الحج، وإن أحرم من موضعه: فعليه دم - وهو: ذبح شاة وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ لقول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس: "لا يدخل أحد مكة إلا بإحرام" وهذا عام؛ لأن "أحد" نكرة في سياق نفي وهي من صيغ العموم، فيشمل المعذور وغيره، لكن المصلحة خصَّصت المعذور "كالحطَّاب ونحوه" فأخرجته من هذا العموم؛ لدفع المشقة عنه؟ قلتُ: إن كثيرًا من أئمة الحديث ضعَّفوا سند =
[ ٢ / ٤٧٥ ]
تجاوزه غير مكلَّف ثم كُلِّف: أحرم من موضعه، (^٩) وكُره إحرام قبل ميقات، وبحج قبل أشهره وينعقد (^١٠) (وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي
هذا القول من ابن عباس، وعلى فرض قوته: فإنه مخالف لما رواه هو بنفسه - حيث إنه هو راوِ حديث "ممَّن يريد الحج والعمرة" - وإذا خالف الصحابي الحديث الذي رواه: فإنا نأخذ بما رواه لا بما رآه كما بينتُ ذلك في كتابي: "مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف"، وكذلك خالف السنة القولية، فلا اجتهاد مع النص، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف فيما إذا خالف الصحابي ما رواه هل نعمل بما رآه أو بما رواه؟ "، وكذا: "تعارض السنة القولية مع قول الصحابي".
(^٩) مسألة: إذا تجاوز الكافر والمجنون، والصبي، والعبد، تلك المواقيت بدون إحرام: فلا شيء عليهم، فإن أسلم الكافر، وأفاق المجنون، وبلغ الصبي، وعتق العبد بعد تجاوزهم ذلك فإنهم يُحرمون من الموضع الذي حصل لهم ذلك فيه، وإن كان في نفس مكة ويصح ذلك منهم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من مرور هؤلاء من تلك المواقيت وهم غير مكلَّفين بالحج: عدم وجوب ذلك عليهم، ويلزم من حصول التكليف بعد تجاوزهم لها: أن يُعاد إليهم وجوب الحج، فيُبادروا بعمل الحج من فورهم.
(^١٠) مسألة: إذا أحرم بالحج قبل أن يصل إلى ميقاته، أو أحرم به قبل دخول وقته - وهو: شوال، وذو القعدة وذو الحجة -: فإن الإحرام ينعقد، ولكن يُكره له ذلك؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ كان يُحرم من الميقات" ولا شك أنه يفعل الأفضل، وقال ابن عباس: "من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج" وإذا قال الصحابي ذلك: فإن له حكم الحديث المرفوع، ويلزم منه: أن فعل =
[ ٢ / ٤٧٦ ]
الحجة) منها يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر. (^١١)
غير ذلك مكروه؛ لمخالفته للسنة، فإن قلتَ: لمَ كُره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مشقة طول زمن بقاء الإحرام عليه.
(^١١) مسألة: المواقيت الزمانية هي: أشهر الحج وهي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ والأشهر: جمع شهر، وأقل الجمع: ثلاثة - كما بينتهُ في كتابي "أقل الجمع عند الأصوليين" فلا يكون هذا الجمع: شهرين وجزءًا من الشهر، فإن قلتَ: إن أشهر الحج: "شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة" ويكون اليوم العاشر منها وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقول الصحابي؛ حيث ثبت ذلك عن ابن عباس وابن عمر، وابن مسعود ﵃؟ قلتُ: هذا اجتهاد منهم مُعارض لظاهر الكتاب ولا يصح أن يخصِّصه، ولا اجتهاد مع النص، فإن قلتَ: لمَ كانت ثلاثة أشهر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس، إذ يجوز أن يؤخر أعمال الحج إلى آخر ذي الحجة ولو بدون عذر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض قول الصحابي مع الكتاب" فعندنا: يُعمل بظاهر الكتاب، وعندهم: يُعمل بقول الصحابي ويخصص عموم الكتاب.
هذه آخر مسائل باب "المواقيت المكانية والزمانية" ويليه باب "الإحرام وكيفيته وأحكامه
وأنواع الأنساك والتلبية"
[ ٢ / ٤٧٧ ]