لا بأس بالدخول في الوصية لمن قوي، ووثق من نفسه؛ لفعل الصحابة ﵃ (^١)
باب الموصى إليه - وهو الوصي وهو المتصرف بالوصية -
وفيه أربع وعشرون مسألة:
(^١) مسألة: يستحب أن يتولَّى المسلم التصرُّف في المال الموصى به وغيره مما كان الموصى يتصرَّف فيه حال حياته، بشرط: أن يكون قويًا على القيام بذلك، وأن يثق من نفسه في ذلك، أما إن لم يكن كذلك: فيحرم عليه أن يتولاها؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وهذا عام؛ لأن "البر" و"التقوى" اسم جنس معرف بأل، وهو من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه؛ حيث إن هذا فيه إعانة المسلم على تدبير شؤونه بعد الموت، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر قد أوصى إلى حفصة تدبير شؤون وصيته، ثم الأكابر من ولده، وأوصى أبو عبيدة عمر، وأوصى بعض الصحابة الزبير في تدبير شؤون وصاياهم، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة للموصي، ولو كان الدخول فيها محرمًا أو مكروهًا لأفضي ذلك إلى تعطيل الوصايا وتعريضها للضياع، فإن قلتَ: إن ترك الدخول فيها، وتدبير شؤونها أولى، وهو قول كثير من العلماء، ومنهم ابن قدامة لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ لأبي ذر: "يا أبا ذر إنى أراك ضعيفًا، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم" فقد نهى الرسول ﷺ أن يتدخل في الإمارة، والولاية، وتدبير شؤون الوصية من الولاية الثانية: المصلحة؛ حيث إن الدخول في الوصية وتدبير شؤونها فيه خطر على الدين بسبب انشغاله بها عنه وللاحتياط للدين يكون ترك ذلك أولى. قلتُ: أما حديث أبي ذر: فقد نهاه عن ذلك؛ لعلمه أن أبا ذر فيه ضعف - كما نص عليه الحديث - وهذا مخالف للشرط الذي ذكرناه؛ إذ من كان=
[ ٤ / ٧٣ ]
(تصح وصية المسلم إلى كل مسلم، مكلَّف، عدل رشيد (^٢) ولو) امرأة (^٣)، أو
ضعيفًا لا يصلح لتدبير شؤونه، ولا شؤون غيره أما المصلحة؛ فهي مصلحة خاصة وتقدَّم عليها ما ذكرناه من مصلحة استحباب تدبير الوصية؛ لكونها عامة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين "كما هو واضح.
تنبيه: قوله: "لا بأس" يدل على أن قبول الوصية مباح، وهذا بعيد، بل هو مستحب كما سبق ذكره.
(^٢) مسألة: يُشترط في الشخص الذي يتولَّى التصرُّف بالوصية كما يتصرَّف فيه الموصى في حال حياته: أن يكون مسلمًا مكلَّفًا، عدلًا، رشيدًا قويًا، فلا تصح وصية مسلم إلى كافر، أو إلى صبي، أو مجنون، أو فاسق، أو سفيه، أو ضعيف، للقياس؛ بيانه: كما أن يتولى المسلم المكلف العدل الرشيد القوي أمر المسلمين في الخلافة فكذلك يصح. أن يتولَّى تدبير شؤون الوصية والجامع: الصلاحية في كل، وكما لا يصح أن يتولى الكافر، أو الصبي، أو المجنون أو الفاسق، أو السفيه، أو الضعيف أمرًا للمسلمين فكذلك لا يصح أن يتولَّى تدبير شؤون الوصية والجامع: عدم الصلاحية في كل، فإن قلتَ: لَمِ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية لمال الموصى من الضياع.
(^٣) مسألة: يصح للمرأة أن تتولَّى تدبير شؤون الوصية سواء كانت حرة من الأصل، أو كانت أم ولد؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الرجل يصح أن يتولى الوصية فكذلك المرأة مثله والجامع: أن كلًّا منهما من أهل الشهادة. الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر أوصى إلى حفصة، فإن قلتَ: لِمَ يصح ذلك من أم الولد؟ قلتُ: لأن أم الولد تكون حرة بعد وفاة الموصى، وهو وقت تنفيذ الوصية، فإن قلتَ: لِمَ صح هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تكثير للموصى إليهم، فإن قلتَ: لا تصح الوصية إلى المرأة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنها لا تصح أن تكون قاضية فكذلك لا تصح الوصية إليها قلتُ: هذا فاسد؛ لأنَّه قياس مع الفارق؛ لأن =
[ ٤ / ٧٤ ]
مستورًا (^٤)، أو عاجزًا، يُضمُّ إليه أمين (^٥) أو (عبدًا)؛ لأنَّه تصح استنابته في الحياة، فصح أن يوصى إليه كالحر (^٦) (ويقبل) عبد غير الموصى (بإذن سيده)؛ لأن منافعه
القضاء يشترط فيه كمال الخلقة، والاجتهاد؛ بخلاف الوصية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" كما هو واضح.
(^٤) مسألة: إذا كان الشخص لا يعلم عنه عدالة ولا فسقًا - وهو مستور الحال -: فإن الوصية إليه تصح؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في المسلمين العدالة، فيُستصحب ذلك، ويُعمل به، حتى يرد شيء يُغيِّر الحالة فإن قلتَ: لِمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي توسيع وتكثير الموصى إليهم كما سبق.
(^٥) مسألة: إذا كان الشخص عاجزًا عن القيام بتدبير شؤون الوصية فتصح الوصية إليه بشرط: أن يجعل معه قويًا أمينًا؛ للتلازم؛ حيث إن كون العاجز أمينًا، وانضمام إليه آخر يتّصف بالقوة والأمانة: يلزم منه: صحة ذلك، فإن قلتَ: لِمَ صح هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ التي ذكرناها في مسألتي (٣ و٤).
(^٦) مسألة: إذا كان الشخص عبدًا للموصي، أو عبدًا لغيره: فإنه يصح أن يوصى إليه؛ للقياس؛ بيانه: كما تصح الوصية للحر فكذلك تصح الوصية للعبد والجامع: أن كلًّا منهما أهل للرعاية على المال، وتصح استنابته في الحياة، وهو مسلم مكلّف، عدل، رشيد، قوي، فإن قلتَ: لِمَ صح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ التي ذكرناها في مسألتي (٣ و٤)، فإن قلتَ: لا تصح الوصية إلى العبد، وهو قول الشافعي وبعض الحنفية؛ للقياس؛ بيانه كما أن العبد لا يصح أن يكون وليًا على ولده بالنسب فلا تصح الوصية إليه، والجامع: عدم التصرف في كل. قلتُ: هذا معارض بالمرأة؛ حيث إنها لا تصح أن تكون ولية على ولدها، وتصح الوصية إليها - كما سبق، فيبطل القياس بذلك، ثم إن العبد قد اجتمعت فيه شروط الموصى إليهم فلا مانع من أن يوصى إليه لا من حيث الشرع، ولا من حيث العرف، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" كما=
[ ٤ / ٧٥ ]
مستحقة له، فلا يفوتها عليه بغير إذنه (^٧) (وإذا أوصى إلى زيد و) أوصى (بعده إلى عمرو، ولم يعزل زيدًا: اشتركا) كما لو أوصى إليهما معًا (^٨) (ولا ينفرد أحدهما بتصرُّف لم يجعله موصى له)؛ لأنَّه لم يرض بنظره وحده كالوكيلين (^٩)، وإن غاب
سبق ذكره.
(^٧) مسألة: إذا أوصى شخص عبد غيره فيُشترط: أن لا يقبل هذا العبد ما أوصي إليه بأن يتصرف فيه إلّا بعد أن يستأذن سيده، فإن أذن له: قبلها، وإن لم يأذن: فلا؛ للمصلحة: حيث إن جميع وقت العبد يستحقه سيده، فتُصرف جميع منافعه إلى ذلك السيد، وإذا قبل العبد تدبير شؤون وصية غير سيده بلا إذنه: لحق الضرر سيده؛ لكون هذا التدبير يحتاج إلى وقت وجهد، وهذا مُفوِّت لمصلحة السيد، فدفعًا لذلك اشترط ذلك الشرط.
(^٨) مسألة: إذا أوصى بكر إلى زيد، ثم أوصى أيضًا إلى عمرو، ولم يصدر منه أي عبارة تدل على عزل زيد: فإن زيدًا وعمرًا يشتركان في تدبير شؤون الوصية؛ للقياس؛ بيانه: كما أن بكرًا لو أوصى إلى زيد وعمرو معًا في لفظ واحد قائلًا: "إني أوصي إلى زيد وعمرو بأن يفعلا كذا وكذا": فإنهما يشتركان في تدبير شؤون الوصية فكذلك الحال فيما لو أوصى إلى زيد، ثم إلى عمرو والجامع: عدم وجود أية عبارة تدلّ على عزل زيد لا من حيث التطابق ولا التضمن، ولا الالتزام، والجمع ممكن.
(^٩) مسألة: إذا أوصى بكر إلى زيد وعمرو - سواء كانا معًا، أو واحدًا بعد واحد - كما سبق في مسألة (٨) - فلا يصح أن ينفرد أحدهما بتصرُّف دون الآخر، بل لا بد من اجتماعهما وتدبيرهما لشؤون الوصية معًا، ولو تصرَّف أحدهما بالوصية ببيع أو صدقة: فلا ينفذ إلّا إذا جعل الموصى لأحدهما تصرفًا منفردًا فيه بنصِّه: فإنه إذا تصرَّف فيه: فإنه ينفذ ويصح؛ للقياس؛ بيانه: كما أن بكرًا لو وكَّل وكيلين - زيدًا وعمرًا -: فإنه لا ينفرد أحد الوكيلين بتصرُّف عن الآخر إلّا إذا =
[ ٤ / ٧٦ ]
أحدهما، أو مات: أقام الحاكم مقامه أمينًا (^١٠) وإن جعل لأحدهما أو لكل منهما أن ينفرد بالتصرُّف: صح (^١١)، ويصح قبول الموصى إليه الوصية في حياة الموصى،
جعل الموكل - وهو بكر - لأحدهما تصرفًا خاصًا به: فإنه ينفذ ويصح، فكذلك يُقال في الوصيين والجامع: إن كلًّا من الموكِّل، والموصي لم يرض بنظر واحد من الوكيلين والوصيين.
(^١٠) مسألة: إذا أوصى بكر إلى زيد وعمرو، ثم مات أحد الوصيين، أو غاب غيبة طويلة: فيجب على الحاكم - وهو القاضي - أن يقيم مقام هذا الميت، أو الغائب وصيًا آخر يتَّصف بالإسلام، والتكليف والعدالة، والرشد، والقوة - كما سبق في مسألة (٢) - وذلك ليتصرَّف مع الآخر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الموصى لم يرض بنظر واحد من الوصيين: وجوب تعيين آخر معه عند موت أو غياب أحدهما؛ لتحقيق قصد الموصى، والحاكم هو المسؤول عن ذلك؛ لكون ولايته عامة لجميع المسلمين.
[فرع]: إذا مات الوصيان معًا، أو غابا، أو أحدهما مات، والآخر غاب: أو تغيّرت حالة الموصى إليه إلى جنون أو سفه، أو فسق: فيجب على الحاكم أن يقيم وصيًا قد استكمل جميع شروط الموصى إليه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حفظ مال الموصى من الضياع.
(^١١) مسألة: إذا أوصى بكر إلى زيد وعمرو، وجعل زيدًا يتصرف بجانب من الوصية: بأن يكون من حقه أن يُنمي تلك الوصية، وقضاء دينه، وجعل عمرًا يتصرَّف بجانب آخر من الوصية: بأن يكون من حقه أن يوزِّع ريع الوصية وتفرقة ثلثه على الفقراء والمساكين ومن عيّنوا فيها: فإن ذلك كله يصح؛ للمصلحة: حيث إن الموصى - وهو بكر هنا - أعلم بمن يحقق مصالحه، ويدرأ عنه المفاسد، فلزم.
[ ٤ / ٧٧ ]
وبعد موته (^١٢) وله عزل نفسه شاء متى (^١٣)، وليس للموصى إليه أن يوصي إلا أن يجعل إليه (^١٤) (ولا تصح وصية إلا في تصرُّف معلوم) ليعلم الوصي ما أوصي إليه
(^١٢) مسألة: يصح أن يقبل الموصى إليه الوصية في حياة الموصى، وبعد موته؛ للتلازم؛ حيث إن الوصية إذن في التصرُّف: فيلزم صحة قبول الموصى إليه بعد ذلك الإذن: سواء كان ذلك القبول في حياة الموصى أو بعد مماته.
(^١٣) مسألة: يُباح للموصى إليه: أن يعزل نفسه متى شاء: سواء كان قادرًا على تدبير الوصية أو لا، وسواء كان ذلك في حياة الموصى، أو بعد موته، في حضوره، أو غيبته، ولكن بشرط: أن يوجد حاكم عادل قوي، فإذا وُجد ذلك: فإن الموصى إليه يُبلغه بأنه عزل نفسه عن تلك الوصية، أما إن لم يوجد حاكم؛ أو وُجد ولكنه ليس بعادل: بأن كان غير قادر على الحكم بالعدل بين الناس، أو كان قد علم منه: أنه يولي على الناس الفسَّاق والمنافقين: فلا يجوز للموصى إليه أن يعزل نفسه؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه كما أن الوكيل يعزل نفسه متى شاء، فكذلك الموصى إليه والجامع: أن كلًّا منهما مُتصرِّف بالإذن، الثانية: المصلحة؛ حيث إن وجوب المحافظة على الأمانة وحق ذلك الموصى: يوجب ذلك الشرط، لأن ترك الوصية وعزل الموصى إليه نفسه بدون وجود حاكم عادل قوي: فيه تضييع لحق ومال ذلك الموصى، وهذا ظلم، وهذا لا يجوز فدفعًا لذلك: اشترط ذلك الشرط.
(^١٤) مسألة: إذا أوصى بكر إلى زيد بأن يتولَّى تدبير شؤون الوصية: فلا يجوز لزيد أن يوصي بذلك إلى عمرو، إلا أن يأذن له بكر بأن يقول: "أوصيت إليك بتدبيرها، وأذنت لك أن توصي إلى من شئت" أو يقول: "من أوصيت إليه فله الحق بأن يوصي" للقياس؛ بيانه: كما أن بكرًا لو وكَّل زيدًا فلا يجوز لزيد أن يوكِّل غيره إلا إذا أذن الموكل - وهو بكر - له فيجوز، فكذلك الموصى إليه مثل الوكيل، والجامع: أن كلًّا من الموكِّل والموصي عالم بما تقتضيه المصلحة، وأن الوكيل =
[ ٤ / ٧٨ ]
به؛ ليحفظه، ويتصرَّف فيه (يملكه الموصى كقضاء دينه، وتفرقة ثلثه، والنظر لصغاره)؛ لأن الوصي يتصرف بالإذن، فلم يجز إلّا فيما يملكه الموصى كالوكالة (^١٥) (ولا تصح) الوصية (بما لا يملكه الموصى كوصية المرأة بالنظر في حق أولادها الأصاغر ونحو ذلك) كوصية الرجل بالنظر على بالغ رشيد، فلا تصح؛ لعدم ولاية الموصى حال الحياة (^١٦)، (ومن أوصي) إليه (في شيء: لم يصر وصيًا
والموصى إليه مأذون لهما في الإذن في التصرُّف.
(^١٥) مسألة: يشترط في الوصية: أن يُعلم الوصي - وهو الموصى إليه - صفة التصرُّف الذي أوصى إليه به يملك الموصى ذلك التصرُّف: كأن يوصيه بقضاء دينه، أو طلبه من الآخرين، أو يوصيه بتفرقة ثلثه على الفقراء والمساكين، أو يوصيه بالنظر لصغاره وتربيتهم، أو يوصيه بأن يقوم برد الغصوب، والعارية ونحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما يُشترط في الوكالة: أن يعلم الوكيل صفة الشيء والتصرُّف الذي وكل فيه، وملك الموكل ذلك التصرُّف فكذلك في الوصية يُشترط ذلك كما سبق، والجامع: أن كلًّا من الوكيل والوصي - وهو الموصى إليه - يتصرَّف بسبب الإذن له بالتصرُّف، فلا بدَّ من العلم بما هو مأذون له فيه، ولا بدَّ أن يملك التصرُّف الموكِّل والموصي؛ ليُملِّكه غيره، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حق الموصى، والاحتياط للموصى إليه.
(^١٦) مسألة: إذا أوصى زيد إلى عمرو بما لا يملك التصرُّف فيه في حال الحياة: فلا تصح الوصية: مثل أن توصي المرأة عمرًا بأن ينظر في تصريف أولادها الصغار، أو أن يوصي الرجل عمرًا بأن ينظر في تصريف ابن له بالغ رشيد: فكل ذلك لا يصح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم ولاية الموصى حال الحياة عليهم: عدم صحة الوصية بهم بعد الممات؛ لأن المرأة لا تلي مال غيرها، ولا ولاية لها على أولادها، فلا تصح وصيتها في حقهم، ولأن الرجل ليس له ولاية على أبنائه المكلفين الراشدين، فلا تصح وصيته في حقهم.
[ ٤ / ٧٩ ]
في غيره)؛ لأنَّه استفاد التصرُّف بالإذن، فكان مقصورًا على ما أذن فيه كالوكيل (^١٧)، ومن أوصي بقضاء دين معيَّن، فأبى الورثة، أو جحدوا، أو تعذَّر إثباته: قضاه باطنًا بغير علمهم وكذا: إن أوصي إليه بتفريق ثلثه، وأبوا، أو جحدوا: أخرجه مما في يده باطنًا (^١٨)، وتصح وصية كافر إلى مسلم إن لم تكن تركته نحو خمر (^١٩)
(^١٧) مسألة: إذا أوصى زيد إلى عمرو في التصرف في شيء معين بأن قال زيد: "وصيت عمرًا بأن يفرق وصيتي أو ثلثي على الفقراء والمساكين فلا يصح أن يقوم الوصي - وهو الموصى إليه وهو عمرو - بشيء آخر غير ذلك التفريق فلا يصح منه: أن يقضي ديون الموصى -وهو زيد-، ولا يصح منه: أن يرعى أولاده الصغار، ولا غير ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو وكَّل عمرًا في بيع شيء فلا يصح منه غير البيع، فلا يشتري ولا يقضي ديون ولا نحو ذلك فكذلك الموصى إليه مثل الوكيل، والجامع: أن كلًّا من الوكيل والوصي قد استفادا التصرُّف بالإذن من الموكل والموصي بشيء معين فكانا مقصورين على ما أذن لهما فيه فقط.
(^١٨) مسألة: إذا أوصى زيد إلى عمرو بأن يقضي دينه المعيَّن أو يُفرق ثلثه، وأبى الورثة هذا القضاء، وهذا التفريق، أو جحد الورثة ما في أيديهم: فإن الوصي - وهو عمرو هنا - يقضي دين الموصى - وهو هنا زيد - من جميع المال الذي تحت يده باطنًا، ويفرق ويُعطي الموصى لهم ثلث المال الذي معه إن جحد الورثة مال الموصى: سواء رضي الورثة أو لا؛ للتلازم؛ حيث إن قضاء الدَّين، أو إنفاذ الوصية من ثلث ماله مقدم على حق الورثة: فيلزم الوصي إنفاذ ذلك، ولا تبعة عليه، ولا اعتبار لرضى الورثة أو سخطهم.
(^١٩) مسألة: تصح وصية كافر إلى مسلم بشرط: أن لا تكون الوصية بنحو خمر، أو خنزير ونحو ذلك من المنكرات؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قبول شهادة المسلم على الكافر وعلى غيره: صحة وصية الكافر إلى المسلم، ويلزم من عدم جواز تولي=
[ ٤ / ٨٠ ]
وإلى عدل في دينه (^٢٠) (وإن ظهر على الميت دين يستغرق تركته بعد تفرقة الوصي) الثلث الموصى إليه بتفرقته: (لم يضمن) الوصي لرب الدين شيئًا؛ لأنَّه معذور بعدم علمه بالدين، وكذا: إن جهل موصى له فتصدَّق به هو، أو حاكم، ثم علم (^٢١) (وإن قال: ضع ثلثي حيث شئت) أو أعطه لمن شئت، أو تصدَّق به على من شئت: (لم يحل) للوصي أخذه (له): لأنَّه تمليك ملكه بلا إذن، فلا يكون قابلًا له كالوكيل (ولا) دفعه (لولده) ولا سائر ورثته؛ لأنَّه متهم في حقهم: أغنياء كانوا أو فقراء (^٢٢)، وإن
المسلم المنكرات كالخمر: اشتراط ذلك الشرط.
(^٢٠) مسألة: تصح وصية الكافر إلى كافر مثله بشرط: أن يكون الموصى إليه عدلًا في دينه، وإن لم يكن عدلًا: فلا تصح الوصية إليه؛ للقياس؛ بيانه: كما تصح وصية المسلم إلى المسلم، العدل ولا تصح إلى الفاسق فكذلك تصح وصية الكافر إلى كافر العدل، ولا تصح إلى فاسق من الكفار؛ لأن المقصود هو المحافظة على حق الموصى في كل من المسلم والكافر، والعدالة في الموصى إليه تحقق ذلك فيهما.
(^٢١) مسألة: إذا فرَّق الموصى إليه الثلث الموصى به أو تصدق به، أو الحاكم فعل ذلك، ثم ظهر أن على الموصى -وهو الميت- دينًا يستغرق كل تركته، وعلما بذلك: فإن الموصى إليه، والحاكم لا يضمنا لرب الدين شيئًا؛ للتلازم؛ حيث إن كلًّا من الموصى إليه - وهو الوصي - والحاكم يُعذران بعدم علمهما بالدِّين هذا، وفعلا ما لهما فعله من تفريق الثلث على الموصى لهم، أو التصدُّق فيلزم: عدم ضمانهما: فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو ضمن الوصي ذلك: لأدَّى إلى عدم قبول أحد الوصية وتدبير شؤونها، وتعطَّلت الوصايا.
(^٢٢) مسألة: إذا تلفظ زيد الموصى بلفظ الإباحة قائلًا للوصي وهو عمرو - وهو الموصى إليه -: "ضع ثلثي حيث شئت" أو قال: "أعطه لمن شئت" أو "تصدَّق به على من شئت": فلا يجوز للوصي - وهو عمرو - أن يأخذ الثلث له، أو بعضه، ولا أن يدفعه أو بعضه إلى أحد أولاده، أو سائر ورثته؛ سواء كانوا فقراء أو
[ ٤ / ٨١ ]
دعت الحاجة إلى بيع بعض العقار؛ لقضاء دين، أو حاجة صغار، وفي بيع بعضه ضرر: فله البيع على الصغار والكبار إن امتنعوا أو غابوا (^٢٣) (ومن مات بمكان لا
أغنياء؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الوكيل إذا وُكِّل بأن يصرف هذه الدنانير ويتصدَّق على من يشاء: فلا يجوز له أن يصرفها على نفسه، ولا على أحد من ورثته، فكذلك الوصي - وهو الموصى إليه - مثله، والجامع: وجود الاتهام في ذلك. الثانية: المصلحة؛ حيث إن فتح هذا الباب، يجعل كل وصي يأخذ من ثلث الموصى أو يُعطي ولده أو نحو ذلك، ويُسوِّغ ذلك بالحاجة ونحوها؛ حيث إن كثيرًا من الناس يسرقون أموال الآخرين بعذر الحاجة، وهم ليسوا كذلك، فسدًا لذلك كان هذا المذهب في هذه المسألة هو الصحيح، وهو الصالح لهذا الزمان وغيره من الأزمنة؛ لأن كل أحد يتعلل بالحاجة حيث لا حد لها ولا ضابط فيستغل كثير من الفساق ذلك.
(^٢٣) مسألة: إذا دعت الحاجة إلى أن يقوم الوصي - وهو الموصى إليه - ببيع بعض عقار الموصى أو عقاره كله؛ لقضاء دينه - أي: دين الموصى-، أو بيع ذلك نظرًا لحاجة صغاره - أي: صغار الموصى من ورثته: فيجوز له أن يبيع ذلك: سواء أذن الكبار من ورثة الموصى ممّن يشاركون الصغار في الميراث أو لم يأذنوا بشرط أن يوجد ضرر عليهم إذا بيع بعضه؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز للموصي - وهو الأب - أن يفعل ذلك فكذلك يجوز للموصى إليه - وهو الوصي - فعل ذلك والجامع: دفع المفسدة في كل، وهو المقصد منه، فإن قلتَ: لا يجوز بيع حق الكبار من الورثة وهو قول أكثر الشافعية وبعض الحنابلة؛ للقياس؛ بيانه كما أنه لو كان شريك الصغار غير وارث فلا يجوز بيع ملكه ليزداد ثمن ملك غيره، فكذلك إذا شارك الصغار الكبار في الميراث فلا يجوز بيع ملك الكبار والجامع: أن كلًّا منهما ملك حقه ملكًا مستقلًا عن الآخر. قلتُ: هذا صحيح إذا لم توجد ضرورة وحاجة ولكن نتكلم هنا عن البيع للضرورة والحاجة؛ لأن ما يملكه الصغار من =
[ ٤ / ٨٢ ]
حاكم به ولا وصي: جاز لبعض من حضره من المسلمين تولِّي تركته، وعمل الأصلح حينئذٍ فيها من بيع وغيره)؛ لأنَّه موضع ضرورة، ويُكفِّنه منها، فإن لم تكن فمن عنده، ويرجع عليها، أو على من تلزمه نفقته إن نواه؛ لدعاء الحاجة لذلك (^٢٤).
العقار استنقص قيمته بسبب التشقيص، وهذا ضرر عظيم، فالكبير إما أن يشتري شقص الصغير بقيمة سعر السوق، أو يُباع الملك كله بقيمة سعر السوق، ويأخذ كل نصيبه، وضرر هذا أقل من ضرر ما لو بيع شقص الصغار بمفرده، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" كما سبق بيانه، وأيضًا: "تعارض المفسدين والضررين" كما سبق.
(^٢٤) مسألة: إذا مات شخص في مكان لا يوجد فيه حاكم، ولا وصي: فإنه يجوز لبعض من حضره من المسلمين أن يضع نفسه وصيًا عليه، فيعمل الأصلح في تركته: كأن يبيع ما يصلح له البيع؛ نظرًا لسرعة الفساد إليه، وحفظ ما يصلح له الحفظ، وأن يجهزه - من كفن أو حمل ودفن - من تلك التركة، وإن مات ولا تركة له: فإنه يجهزه من عنده ويأخذ ما دفعه في ذلك من تركته إذا رجع إلى بلده أو يأخذه ممن تلزمه نفقة ذلك الميت إذا نوى الرجوع في ذلك: سواء استأذن حاكمًا، أو لا، وسواء أشهد على نيّته تلك أو لا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك تقتضيه مصلحة حفظ مال المسلم؛ إذ في تركه إتلاف لماله وفساد، والله لا يحب الفساد، ووجب تجهيزه وإن لم تكن له تركة؛ لكونه من فروض الكفايات التي هي من حق المسلم حيًا وميتًا؛ لإكرامه كما سبق.
هذه آخر مسائل باب "الموصى إليه -وهو الوصي" وهو آخر أبواب كتاب "الوصايا" ويليه كتاب "الفرائض".
[ ٤ / ٨٣ ]