(تصح بما يعجز عن تسليمه كآبق، وطير في هواء) وحمل في بطن، ولبن في ضرع؛ لأنها تصح بالمعدوم، فهذا أولى (و) تصح (بالمعدوم كـ) ـوصية (بما يحمل حيوانه) وأمته (وشجرته أبدًا، أو مدَّة معيّنة) كسنة (^١) ولا يلزم الوارث السقي؛ لأنَّه لم يضمن تسليمها، بخلاف بائع (^٢) (فإن) حصل شيء فهو للموصى له بمقتضى
باب الموصى به
وفيه إحدى عشرة مسألة:
(^١) مسألة: تصح الوصية بأي شيء ولو كان معدومًا حين الوصية: كأن يوصي شخص بما يحمل حيوانه أو شجرته أبدًا، أو مدَّة معيَّنة كسنة أو سنتين، وتصح الوصية بما يعجز عن تسليمه الموصى كأن يوصي بعبد آبق، أو طيرٍ في هواء، أو سمكٍ في ماء، أو حمل في بطن، أو لبن في ضرع أو نحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز ملك المعدوم والمعجوز عن تسليمه بالميراث فكذلك يجوز ملكه بالوصية والجامع: أن كلًّا منها ملك بغير عوض، فإذا قدر عليه أخذه وملكه، والموصى له يسعى في تحصيله كما يفعل في حقه من الميراث.
[فرع]: لا تصح الوصية بما تحمل به أمته؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه مفسدة التفريق بين الأم وولدها، فيمنع كالبيع، فإن قلتَ: تصح الوصية بما تحمل به أمته، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز ميراثه، فكذلك تصح الوصية به. قلتُ: إن هذا مخالف للمصلحة التي ذكرناها، فتقدَّم المصلحة عندنا فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع المصلحة" كما سبق أن بيّناه.
(^٢) مسألة: إذا أوصى شخص بأن ثمر هذا النخل لفلان ومات: فلا يجب على وارث الموصى: أن يسقي هذا النخل؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عدم ضمان الوارث=
[ ٤ / ٦٢ ]
الوصية، وإن (لم يحصل منه شيء: بطلت الوصية)؛ لأنها لم تصادف محلًا (^٣) (وتصح بما فيه نفع مباح من (كلب صيد ونحوه)، كحرث وماشية (وبزيت متنجِّس) لغير مسجد (و) للموصى (له ثلثهما) أي: ثلث الكلب، والزيت المتنجس (ولو كثر المال إن لم تجز الورثة)؛ لأن موضوع الوصية على سلامة ثلثي التركة للورثة، وليس من التركة شيء من جنس الموصى به (^٤)، وإن وصَّى بكلب، ولم يكن له كلب: لم تصح
تسليم هذا الثمر للموصى له: عدم وجوب السقي عليه، فإن قلتَ: لَمِ وجب على بائع النخل سقيه حتى يجذ المشتري الثمر الذي اشتراه؟ قلتُ: لأن البائع هنا ضمن تسليم الثمرة صالحة، ولا تصلح إلا باستمرار السقي، بخلاف ما نحن فيه.
(^٣) مسألة: إذا حصل شيء من الموصى به من معدوم، أو معجوز عن تسليمه: فهو للموصى، له وإن لم يحصل شيء منه: فإن الوصية تبطل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من مقتضى الوصية: أن يملك الموصى له كل محصول الموصى به، ويلزم من عدم حصول شيء من الموصى به: بطلان الوصية؛ لعدم وجود ما يُنتفع به؛ لعدم المصادفة لمحل الوصية كمن أوصى بثلث ماله ولم يوجد شيء عنده، ومثل الموهوب إذا عُدِم.
(^٤) مسألة: تصح الوصية بكل شيء فيه نفع مباح: مثل الكلب المباح اقتناؤه وهو: كلب الصيد، والحرث، والماشية ومثل الزيت المتنجس - لغير مسجد -، ويكون للموصى له ثلث الكلب، وثلث الزيت المتنجس: سواء كان مال الموصى كثيرًا أو قليلًا، ولو أوصى بكلابه لزيد، وبثلث ماله لعمرو: فإن عمرًا يأخذ الثلث، ويأخذ زيد ثلث الكلاب، هذا إن لم تجز الورثة، أما إذا أجازت وأذنت الورثة: فهو على ما أذنوا به، ولو وصَّى بثلث ماله، ولم يوص بالكلاب: دُفع للموصى له ثلث المال، ولا تحسب الكلاب من المال؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود النفع في الكلب والزيت وإقرار اليد عليهما: صحة الوصية بهما، ويلزم من أن=
[ ٤ / ٦٣ ]
الوصية (^٥) (وتصح بمجهول كعبد وشاة)؛ لأنها إذا صحت بالمعدوم فالمجهول أولى (ويُعطى) الموصى له (ما يقع عليه الاسم)؛ لأنَّه اليقين كالإقرار، فإن اختلف الاسم بالحقيقة والعرف قُدِّم (العرفي) في اختيار الموفق، وجزم به في "الوجيز" و"التبصرة"؛ لأنَّه "المتبادر إلى الفهم، وقال الأصحاب: تُغلَّب الحقيقة؛ لأنها الأصل (^٦) (وإذا
موضوع الوصية مبني على أنه يسلم ثلثا مال الموصى للورثة من جميع الأجناس ولا يوجد في التركة شيء من جنس الموصى به -وهو الكلب والزيت-: أن لا يستحق الموصى له إلّا ثلث الكلب والزيت.
[فرع]: لا تصح الوصية بما لا يُباح اتخاذه من الكلاب التي لا تصلح لشيء، ولا بالخنزير، ولا بالسباع، ولا، بخمر ولا بميتة ونحو ذلك؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ والوصية بمثل تلك الأمور من باب التعاون على الإثم والعدوان، فيكون حرامًا وفاسدًا؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم والفساد.
(^٥) مسألة: إذا وصَّى زيد بكلب لعمرو، ولم يوجد كلب عند زيد بعد وفاته: فإن الوصية لا تصح فلا يشترى من ماله كلب؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم جواز شراء الكلب؛ لكونه لا قيمة له شرعًا: عدم صحة الوصية؛ لعدم وجود محلها، بخلاف ما لو أوصى له بشاة، ولا شاة له: فإن الوصية تصح؛ حيث إنه يمكن تحصيلها بالشراء.
(^٦) مسألة: تصح الوصية بشيء مجهول كقول الموصى: "أوصي لفلان بعبد، أو بشاة، أو بثوب، أو بسيارة"، ونحوها، فإن كان عند الموصى عبد، أو شاة أو ثوب، أو سيارة أعطي الموصى له ما يقع عليه الاسم العرفي للعبد، أو الشاة، أو الثوب، أو السيارة على حسب اختيار الورثة، فإن لم يكن عنده ذلك اشتُري للموصى له ما يقع عليه الاسم العرفي؛ لقواعد: الأولى: القياس؛ بيانه: كما تصح الوصية بالمعدوم فمن باب أولى أن تصح الوصية بالمجهول، والجامع: أن كلًّا منهما
[ ٤ / ٦٤ ]
أوصى بثلثه) أو نحوه (فاستحدث مالًا، ولو دية) بأن قتل عمدًا أو خطأ وأخذت ديته (دخل) ذلك (في الوصية)؛ لأنها تجب للميت بدل نفسه ونفسه له، فكذا بدلها، ويُقضى منها دينه، ومؤنة تجهيزه (^٧) (ومن أوصي له بمعين فتلف) قبل موت الموصى،
يورث، فتقع الوصية به؛ لأن كلًّا من الموصى له، والوارث ينتقل شيء من التركة إليه مجانًا، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون ما يقع عليه الاسم هو اليقين: أن يحمل على ما يقع عليه ذلك الاسم، الثالثة: العرف والعادة؛ حيث إن كل متكلّم إنما يتكلَّم بعرفه وعادته، وعرف وعادة أهل بلده، ولا يريد إلا ما يفهمه مَنْ حوله من أهل بلده كالأيمان، وذلك لكونه هو المتبادر إلى الفهم، وبناء على ذلك: إذا أوصى شخص بعبد: فلا تخرج أمة، وإذا أوصى بأمة: فلا يخرج عبد، وإذا أوصى بشاة فتخرج شاة كبيرة كما يقع عليها العرف: فلا تخرج معز وهكذا؛ لكونه في العرف كذلك، فإن قلتَ: تغلَّب الحقيقة للاستصحاب؛ حيث إن هذا هو الأصل ولذلك يحمل عليه كلام الله ورسوله، فلو أوصى بشاة: فإنه يخرج الضأن، أو المعز، ويتناول الصغيرة والكبيرة والأنثى؛ لكون اسم الشاة يتناول جميع ذلك، وهو قول جمهور الحنابلة، قلتُ: هذا بعيد؛ لأن الظاهر إرادة الموصى في وصيته ما يتبادر إلى فهم من حوله من أهل بلدته، يؤيده: أنه لو خوطب قوم بشيء لهم فيه عرف، وحملوه على عرفهم: فإنهم لا يُلامون في ذلك، وحُمِل كلام الله وكلام رسوله على الحقيقة؛ لعدم وجود عرف يُحمل عليه، وهذا العرف الذي حُمل عليه كلام الموصى هو الدليل المغير للأصل؛ لكونه أقرب إلى مقصود الموصى، كما يفعل في الأيمان ونحوها.
(^٧) مسألة: إذا أوصى شخص بثلث ماله، أو ربعه أو خمسه، ثم حدث له مال جديد بعد تلك الوصية: فإن ذلك المال الجديد يدخل في الوصية، فيخرج ثلثه - أو ربعه أو خمسه على حسب الوصية - ولا فرق بين التلاد والمستفاد، سواء كان ذلك المال المستحدث بعد الوصية دية - بأن قتل الموصى عمدًا أو خطأ، وأخذت
[ ٤ / ٦٥ ]
أو بعده قبل القبول: (بطلت) الوصية؛ لزوال حق الموصى له (^٨) (وإن تلف المال
الدية - أو لم تكن دية، وكذا تقضى من ذلك ديونه، ويؤخذ منها لثمن غسله وكفنه وحمله، ودفنه؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن ما ملكه الموصى قبل الوصية يدخل في الوصية فيؤخذ ثلثه - أو ربعه أو خمسه على حسب الوصية - وتقضى ديونه منه، ويُجهز منه فكذلك المال الحادث بعد الوصية مثله والجامع: أن كلًّا منهما مال يرثه الورثة، وما يرثه الورثة يدخل في الوصية، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عليًا قد سئل عن رجل قد أوصى بثلث ماله، أو جزء مشاع، فقتل الموصى خطأ وأخذت ديته، فقال: يستحق الموصى له منها، وقتل العمد كالخطأ في ذلك، فإن قلتَ: الدية لا تدخل في الوصية، وهو رواية عن أحمد، وهو قول مالك في دية العمد؛ للتلازم؛ حيث إن الدية قد وجبت بعد موت الموصى المقتول؛ لكون سببها الموت، فلا يقع وجوبها قبله فتكون من حق الورثة: فيلزم عدم دخولها في الوصية؛ لأن الموصى حين حياته قد أوصى بجزء من ماله الذي يدركه، لا بمال ورثته. قلتُ: الدية واجبة للميت - وهو الموصى المقتول -، لكونها بدل ونفسه، ونفسه ملك له، فكذلك بدلها، فيدخل في الوصية كما تقضى منها ديونه ولا فرق إذ لو كانت ملكًا للورثة كما زعم: لما جاز قضاء ديون المقتول منها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الدية هل هي داخلة في مال المقتول أم لا؟ فعندنا: نعم، وعندهم: لا.
(^٨) مسألة: إذا أوصى زيد لعمرو بعبدٍ معين فتلف العبد، قبل موت الموصى - وهو زيد -، أو تلف العبد بعد موت الموصي - وهو زيد - وقبل قبول عمرو للوصية: فإن الوصية تبطل، ولا شيء لعمرو في سائر مال الموصى الميت؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو تلف العبد في يد الموصى له - وهو عمرو هنا -: فلا يستحق بدله، فكذلك إذا تلف هذا المعيَّن له في حياة الموصى، أو بعد موته قبل قبوله له لا يستحق بدله، لبطلان الوصية والجامع: أنه في كل منهما قد زال حق الموصى له؛=
[ ٤ / ٦٦ ]
غيره) أي: غير المعيَّن الموصى به: (فهو للموصى له)؛ لأن حقوق الورثة لم تتعلقَّ به؛ لتعيينه للموصى له (إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة) وإلا: فبقدر الثلث (^٩)، والاعتبار في قيمة الوصية؛ ليعرف خروجها من الثلث وعدمه - بحالة الموت؛ لأنها حالة لزوم الوصية (^١٠)، وإن كان ما عدا المعيَّن دينًا، أو غائبًا: أخذ الموصى له ثلث الموصى به، وكل ما اقتضي من الدين أو حضر من الغائب شيء: ملك من الموصى
نظرًا لذهاب حقه المعيَّن له.
(^٩) مسألة: إذا أوصى زيد لعمرو بغرس معين: فتلف جميع مال الموصى إلّا هذا الغرس بعد موت الموصى: فإن الغرس يكون لعمرو - وهو الموصى له -، فيأخذه ولو لم يرض الورثة إذا كان هذا الغرس بقدر ثلث مال الموصى؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو تلف جميع مال الموصى بعد أخذه للموصى به - وهو الغرس - يكون من حقه، ولا يطالب الورثة فيه، فكذلك إذا تلف جميع المال سوى الغرس الموصى به قبل أخذ الموصى له هذا الغرس يكون من حقه: ومثل الورثة إذا اقتسموا الميراث، ثم تلف نصيب أحدهم والجامع: أن كلًّا من الورثة والموصى له له حقوقه التي لا تتعلق بحقوق الآخر، وأي الفريقين تلف حقه لم يشارك الفريق الآخر في حقه.
(^١٠) مسألة: إذا وقع خلاف بين الموصى له والورثة في قيمة ذلك الموصى به - وهو الغرس في مسألة (٩) - وخروجها من الثلث، وعدم خروجها: فإنه يعرف ذلك بحالة الموت، فينظر كم قيمة الموصى به وقت موت الموصى فإن كان هذا المعين يساوي ثلث التركة أو دونه نُفِّذت الوصية، واستحقّه الموصى له كله، أما إن كان حين الموت زائدًا عن الثلث: فللموصى له منه قدر ثلث مال الموصى؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون لزوم الوصية في حال الموت: أن تُقيَّد معرفة كون المعيَّن ثلث مال الموصى أو عدم ذلك بوقت الموت.
[ ٤ / ٦٧ ]
به قدر ثلثه حتى يملكه كله (^١١).
(^١١) مسألة: إذا أوصى شخص بمعين كقوله: "أوصي بأن هذا الغرس لعمرو" وسائر أموال الموصى ديون عند الناس، أو غائب في تجارة ونحو ذلك: فإن الموصى له - وهو عمرو - يأخذ ثلث الموصى به أي ثلث الغرس - وكل ما قبض من الدين، أو رجع شيء من المال الغائب: فإن الموصى له يأخذ قدر ثلث الموصى به - وهو الغرس - حتى يستوفيه جميعه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من احتمال تلف المال كله: أن يأخذ ثلث الموصى به؛ لكونه ليس له إلّا ثلث الموجود، ويلزم من كون حق الموصى له مستقر في ثلث الموجود أن يُسلَّم إليه؛ لعدم الفائدة في منعه ووقفه، مثل ما لو لم يُخلِّف غير المعيَّن.
هذه آخر مسائل باب "الموصَى به" ويليه باب "الوصية بالأنصباء والأجزاء وكيفية حساب الوصايا إذا ساوى الموصى الموصَى له بأحد الورثة".
[ ٤ / ٦٨ ]