الهبة من هبوب الريح، أي مروره، يُقال: "وهبتُ له شيئًا وَهْبًا" -بإسكان الهاء وفتحها- و"هبة"، و"الاتهاب" قبول الهبة، و"الاستيهاب": سؤال الهبة و"العطية" هنا: الهبة في مرض الموت (وهي: التبرُّع) من جائز التصرُّف (بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غيره) مفعول تمليك بما يُعدُّ هبة عرفًا، فخرج بالتبرع: عقود المعاوضات كالبيع والإجارة، وبالتمليك: الإباحة كالعارية، وبالمال: نحو كلب، وبالمعلوم: المجهول، وبالموجود: المعدوم، فلا تصح الهبة فيها، وبالحياة: الوصية (^١)
باب الهبة والعطية والهدية
وفيه ثلاث وخمسون مسألة:
(^١) مسألة الهبة لغة: مأخوذة من هبوب الريح، وهو: مرورها، يقال: "وهبته، وهبًا وهبة" أي أعطيته بلا عوض، يقال: "زيد موهوب له" ويقال: "المال الموهوب"، ويقول سائل الهبة: "استوهبتها" ويقول قابل الهبة: "اتهبتُ الهبة"، ويُقال: "قوم تواهبوا" أي: وهب بعضهم بعضًا -كما جاء في المصباح (٦٧٣) - والهدية مثلها - والعطية لغة: كل ما تعطيه لغيرك بلا عوض، والجمع: "العطايا"، والمراد بها هنا: الهبة في مرض الموت، لا مطلق العطية، والهبة والعطية والهدية في الاصطلاح: "أن يقوم جائز التصرف بالتبرع بتمليك غيره ماله المعلوم الموجود في حياته بعبارة تفيد الهبة عرفًا" وأتي بعبارة: "جائز التصرف" لبيان أنه يُشترط في الواهب والمعطي: أن يكون مكلفًا حرًا، راشدًا، مالكًا لماله ملكًا حقيقيًا في حال الصحة، وأخرج بذلك: المجنون، والصبي والسفيه، والمحجور عليه، والسارق والغاصب ونحوهم ممن لا يملك ما عنده، ونحوهم، وأُتي بلفظ: "بالتبرّع" لإخراج عقود المعاوضات كالبيع، والإجارة، وأُتي بلفظ: "بتمليك" لإخراج: الإباحة للمنفعة، دون العين كالعارية، وأتي بلفظ "غيره" لبيان أن العطية والهبة =
[ ٤ / ٥ ]
(وإن شرط) العاقد (فيها عوضًا معلومًا فـ) ـهي (بيع)؛ لأنه تمليك بعوض معلوم (^٢)،
تكون من شخص لشخص آخر منفصل عنه، فلا أن يوهب عبد سيده شيئًا، وأتي بلفظ: "ماله" لإخراج الأشياء التي لا تسمَّى مالا شرعًا كأن يوهب غيره كلبًا، أو خمرًا، أو ميتة؛ لأن هذه الأشياء لا تسمى أموالًا، وأتي بلفظ: "المعلوم" لإخراج المال المجهول كالحمل في البطن وأُتي بلفظ: "الموجود" لإخراج. المال المعدوم، كالذي لم يملكه الواهب، فهذا لا يوهب ولا يُعطى ولا يهدى، وأنّي بلفظ "في حياته" لإخراج الوصية؛ لكونها لا يعمل بها إلّا بعد الموت، وخرج الواجب إخراجه في الحياة كنفقة من تجب عليه نفقته كالزوجة والأولاد، فإن قلت: لم جعل باب الهبة والعطية بعد باب الوقف؟ قلتُ: لأن كلًّا منهما فيه إخراج مال من مالكه بلا عوض مالي.
[فرع]: الهبة والعطية مندوب إليهما؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "تهادوا - تحابوا" والهدية هي الهبة والعطية بلا عوض، وصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب: فعل الصحابة؛ حيث إن بعض الصحابة كان لا يهدي لأحد شيئًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرعت الهبة والعطية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حثّ على المحبة والمودَّة بين الناس كما ورد في الحديث.
(^٢) مسألة: إذا وهب زيد لعمرو شاة بلفظ الهبة، ولكنه اشترط على عمرو أن يُعطيه عنها عوضًا معلومًا كمائة، فإن ذلك يُعتبر بيعًا، تُطبَّق عليه أحكام البيع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك تمليك بعوض معلوم: أن يكون بيعًا؛ لوجود حقيقة البيع وإن لم توجد صيغته، فإن قلتَ: إن هذا يُسمَّى هبة وإن وجد العوض؛ لقول الصحابي؛ حيث قال عمر: "من وهب هبة أراد بها الثواب: فهو على هبته" قلتُ: إن هذا القول منه ﵁ قد خالفه ابنه، وابن عباس فيه فلا يبقى حجة؛ لأنهما إذا تعارضا: تساقطا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ:=
[ ٤ / ٦ ]
ويثبت الخيار والشفعة (^٣)، فإن كان العوض مجهولًا: لم تصح، وحكمها كالبيع الفاسد، فيردَّها بزيادتها مطلقَا، وإن تلفت: ردَّ قيمتها (^٤)، والهبة المطلقة لا تقتضي عوضًا: سواء كانت لمثله، أو دونه أو أعلى منه (^٥)، وإن اختلفا في شرط عوض:
"تعارض قول الصحابي مع التلازم".
(^٣) مسألة: يثبت في الهبة خيار المجلس والشرط وغيرهما من أنواع الخيار، وتثبت فيها الشفعة. إذا كانت العين الموهوبة شقصًا مشتركًا بينه وبين غيره شراكة مشاعة فيقوم شريك الواهب فيأخذ هذا الشقص الموهوب بقيمته ويثبت فيها أيضًا الرد بالعيب ونحو ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أن البيع يثبت فيه الخيار والشفعة والرَّد بالعيب فكذلك تثبت هذه الأشياء بالهبة والجامع: أن كلًّا منها تمليك عين، كما لو قال: "ملكتك هذا بدرهم": فإنه لو أطلق التمليك كان هبة وإذا ذكر العوض صار بيعًا.
(^٤) مسألة: إذا وهب زيد عمرًا شيئًا، واشترط زيد على عمرو: أن يعطيه عوضًا مجهولًا عنها: لم تصح الهبة، وتكون فاسدة، فيقوم عمرو بردّ تلك العين الموهوبة بزيادتها إن زادت عنده إلى زيد وإن تلفت عنده -أي عند عمرو الموهوب له-: فإنه يضمنها بقيمتها إن لم يكن لها مثل، وإن كان لها مثل: فيرد مثلها؛ للقياس؛ بيانه: كما أن البيع يفسد إذا كان العِوَض عن المبيع مجهولًا، فيقوم المشتري برد العين المباعة بزيادتها إن زادت، ويضمنها إذا تلفت فكذلك الهبة مثله والجامع: أن كلًّا منهما تمليك، ولا يكون ذلك إلا بشيء واضح جلي فيهما، فإن قلتَ: لم يرد الموهوب له العين الموهوبة بزيادتها المنفصلة والمتصلة؟ قلتُ: لأن ذلك ملك الواهب -وهو زيد- فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ حق الواهب.
(^٥) مسألة: الهبة المطلقة -وهي التي تكون بدون شروط وقيود- لا تقتضي ولا تُلزم الموهب له: أن يجازي الواهب عوضًا ولا ثوابًا عن تلك الهبة: سواء كانت الهبة=
[ ٤ / ٧ ]
فقول منكر بمينه (^٦) (ولا يصح) أن يهب (مجهولًا) كالحمل في البطن، واللَّبن في الضرع (^٧) (إلَّا ما تعذَّر علمه) كما لو اختلط مال اثنين على وجه لا يتميز، فوهب أحدهما لرفيقه نصيبه منه، فيصح؛ للحاجة كالصلح (^٨)، ولا يصح أيضًا هبة ما لا
لمثله أو دونه، أو أعلى منه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الهبة تكون على وجه التبرُّع: أن لا تقتضي عوضًا وهذا يتساوى فيه الجميع. فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه التيسير على الناس؛ حيث إن الهبة لو اقتضت العوض من الموهوب له: لشق على كثير من الناس.
(^٦) مسألة إذا وهب زيد عمرًا شيئًا، وقبل عمر وذلك، واختلف في شرط العوض فقال زيد: "إني وهبتك ذلك بشرط أن تعوضني عنه" فأنكر الموهب له -وهو عمرو- ذلك الشرط ولا توجد بيّنة: فإنه يُقبل قول عمرو المنكر مع يمينه؛ للسنة القولية حيث قال ﷺ: "البيّنة على من ادّعى، واليمين على من أنكر" والمدعي -وهو الواهب وهو زيد- لا بيّنة عنده على ادعائه، فيكون قول المنكر هو المقبول مع يمينه للاحتياط فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للاستصحاب؛ حيث إن الأصل عدم الشرط، وبراءة ذمة الموهوب له منه فيُعمل على هذا الأصل، حتى يأتي دليل يُغيِّر الحالة.
(^٧) مسألة: لا يصح أن يهب شخص لشخص آخر شيئًا مجهولًا كأن يقول زيد لعمرو: "قد وهبتك هذا الحمل الموجود في بطن تلك الشاة، أو هذا اللبن الموجود في ضرعها؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز بيع ذلك فكذلك لا يجوز هبتها لأحد والجامع: أن كلاًّ منهما تمليك لشيء مجهول، ومتعذِّر التسليم في الحال.
(^٨) مسألة: إذا تعذَّر علم شيء معيَّن، وكانت المصلحة تقتضي هبته لآخر: فإن ذلك يصح: كأن يختلط مال اثنين اختلاطًا لا يمكن التمييز بينهما، واختلفا: فيجوز لأحدهما أن يهب نصيبه للآخر منه؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه صلح بينهما، وقطع للخلافات والمنازعات، ونشر المحبة والتآلف بين الناس.
[ ٤ / ٨ ]
يقدر على تسليمه كالآبق والشارد (^٩) (وتنعقد) الهبة (بالإيجاب والقبول) بأن يقول: "وهبتك أو أهديتك أو أعطيتك" فيقول: قبلت، أو رضيت، ونحوه (و) بـ (المعاطاة الدالة عليها) أي: على الهبة؛ لأنه ﵇ كان يهدي، ويُهدى إليه، ويُعطي، ويُعطى، ويفرق الصدقات، ويأمر سعاته بأخذها وتفريقها، وكان أصحابه يفعلون ذلك، ولم يُنقل عنهم إيجاب ولا قبول، ولو كان شرطًا: لنقل عنهم نقلًا متواترًا، أو مشهورًا (^١٠) (وتلزم بالقبض بإذن واهب)؛ لما روى مالك عن عائشة أن أبا بكر نحلها
(^٩) مسألة: لا يصح أن يهب شخص لشخص آخر شيئًا لا يقدر على تسليمه له: كأن يهرب عبد من سيده فيهبه سيده إلى شخص آخر، أو يشرد عنه جمل فيهبه مالكه لآخر، أو يهب طيرًا في هواء، أو سمكًا في ماء، أو يهب شيئًا مرهونًا: فهذا كله لا يصح؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لا يصح بيع ما لا يُقدر على تسليمه فكذلك لا يصح هبته والجامع: أن كلًّا منهما لا ينتفع به بعد ملكه مباشرة، وهذا هو المقصد منه.
(^١٠) مسألة: تنعقد الهبة والعطية والهدية وتكون تلك من أملاك الموهب له، والمعطى له والمهدى إليه بأحد طريقين: أولهما: بالإيجاب والقبول: بأن يقول زيد الواهب لعمرو: "قد وهبتك هذه السيارة، أو أهديتك إياها، أو أعطيتك إياها أو هذا لك" أو أي عبارة تفيد العطاء والهبة. فيقول عمر -الموهب له ـ: "قد قبلتُ أو رضيت" أو أي عبارة دالّة على القبول؛ للقياس؛ بيانه: كما أن ذلك ينعقد به البيع، فكذلك الهبة ونحوها مثله. والجامع: أن ذلك يدل على التمليك في كل، ثانيهما بالمعاطاة الدالّة على الهبة والعطية والهدية، فإذا قبض الموهب له، والمهدى، والمعطى الهبة والهدية، والعطية مع ما يقارن ذلك ما يقارن ذلك من كون ذلك هبة وهدية، وعطية: فإنه يملك ذلك، وإن لم يوجد إيجاب وقبول؛ لقواعد - الأولى: السنة الفعلية: حيث إن النبي ﷺ لو كان يُهدي، ويُهدَى إليه وكان يُعطي، ويُعطَى بدون إيجاب ولا قبول، فلو كان شرطًا: لنقل وبُيِّن، ولكنه لم يُنقل ولم يُبين =
[ ٤ / ٩ ]
جذاذ عشرين وسقًا من ماله بالعالية، فلما مرض قال: "يا بنية كنتُ قد نحلتك جذاذ عشرين وسقًا، ولو كنت حِزْتِيْه، أو قبضتيه: كان لك، فإنما هو اليوم مال وارث، فاقتسموه على كتاب الله تعالى"، وروى ابن عيينة عن عمر نحوه، ولم يعرف لهما في الصحابة مخالف (^١١) (إلا ما كان في يد متّهب) وديعة، أو غصبًا، أو نحوهما؛ لأن قبضه مستدام، فأغنى عن الابتداء (^١٢) (ووارث الواهب) إذا مات قبل القبض (يقوم
اشتراطه، فدل على تملك الهدية والعطية والهبة بدون إيجاب ولا قبول؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن كثيرًا من الصحابة كانوا يتعاملون بالمعاطاة ويتملكون بها، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من الرضى بنقل الملك بالمعاطاة: عدم الحاجة إلى الإيجاب والقبول، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على الناس؛ إذ لو لم يملك أحد الهبة إلا بألفاظ معينة: لشق ذلك على الناس.
(^١١) مسألة تلزم الهبة، والهدية، والعطية بقبضها بإذن الواهب، أي: تصح بالإيجاب والقبول والمعاطاة وقبض الموهوب له لها، فلا تصح هبة بدون ذلك القبض؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث إن أبا بكر قد وهب عائشة بعض التمر، ولم تقبضه، فلما مرُض مرض الموت: أخذه منها قائلًا: "إن حدث لي الموت فاقتسموه فيما بينكم قسمة مواريث" وهذا يلزم منه اشتراط القبض، فلو لم يكن القبض مشترطًا وتلزم به: لما جاز لأبي بكر أخذ ذلك التمر من عائشة؛ الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من عدم قبضها: عدم استحقاقها إلا بإذنه كأصل العقد.
(^١٢) مسألة: إذا كانت العين الموهوبة في يد الموهب له كأن تكون وديعة عنده، أو كان قد غصبها: فيكفي في ذلك عقد الهبة بمجرَّد العقد، ولا يحتاج إلى القبض، ولا إلى إذن واهب في القبض؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون العين الموهوبة في يد الموهوب له: عدم الحاجة إلى ابتداء القبض ولكن ذلك محتاج =
[ ٤ / ١٠ ]
مقامه) في الإذن والرجوع؛ لأنه عقد يؤول إلى اللزوم، فلم ينفسخ بالموت كالبيع في مدَّة الخيار (^١٣)، وتبطل بموت المتَّهب (^١٤)، ويقبل ويقبض للصغير ونحوه
إلى استدامة القبض فقط.
(^١٣) مسألة إذا وهب زيد عمرًا سيارة، ومات الواهب -وهو زيدـ قبل أن يقبض عمرو الهبة -وهي السيارة-: فإن وارث زيد يقوم مقامه في الإذن بإمضاء تلك الهبة أو بالرجوع بالهبة ومنعها؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو باع سيارة على عمرو، ومات زيد في مدَّة الخيار: فإن وارث زيد يقوم مقامه في إمضاء البيع، أو بالرجوع، ومنع البيع فكذلك الحال في الهبة والجامع: أن كلًّا منهما عقد يؤول إلى اللزوم، فلا ينفسخ بالموت.
(^١٤) مسألة: إذا وهب زيد عمرًا شيئًا، ومات الموهوب له -وهو عمروـ بعد القبول وقبل أن يقبض الهبة: فإن الهبة تبطل؛ وتعود إلى الواهب، للسنة القولية: حيث إن النبي ﷺ لما تزوج أم سلمة قال لها: "إني أهديت إلى النجاشي حلَّة، وأواقي مسك، ولا أرى النجاشي إلَّا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودة علي فإن رُدَّت فهي لك" فكان كما قال النبي ﷺ، ورُدَّت عليه هديته، فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية مسك، وأعطى أم سلمة بقية المسك والحلَّة، وهذا صريح في الدلالة على أنه إذا مات الموهوب له قبل قبضها: فإن الهدية تبطل، وتعود إلى أصحابها.
[فرع]: إذا مات الواهب، أو الموهوب له قبل القبول، أو ما يقوم مقامه: بطلت الهدية؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المشتري لو مات بعد الإيجاب وقبل القبول: بطل البيع، فكذلك الحال هنا والجامع: أنه في كل منهما لم يتم العقد.
(فرع آخر): إذا وهب زيد عمرًا هبة، وقبض رسول عمرو الهبة، ولم يقبضها عمرو: فإن الهبة تصح، ولا تعود إلى الواهب؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قبض رسول عمرو صحتها؛ لأن قبضه كقبضه؛ حيث إنه وكيل عنه في القبض.
[ ٤ / ١١ ]
وليه (^١٥)، وما اتهبه عبد غير مكاتب وقبله: فهو لسيده، ويصح قبوله بلا إذن سيده (^١٦) (ومن أبرأ غريمه من دينه) ولو قبل وجوبه (بلفظ الإحلال، أو الصدقة، أو الهبة ونحوها) كالإسقاط، أو الترك، أو التمليك، أو العفو: (برئت ذمته، ولو) ردَّه و(لم يقبل)؛ لأنه إسقاط حق، فلم يفتقر إلى القبول كالعتق (^١٧) ولو كان المبرأ منه مجهولًا،
(^١٥) مسألة إذا وهب زيد صغيرًا، أو مجنونًا، أو سفيهًا هبة: فإن ولي هؤلاء هو الذي يقبل ويقبض تلك الهبة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الولي هو الذي يشتري ويبيع عن ذلك المجنون أو الصغير أو السفيه وعليه -أي: على الولي - الإيجاب والقبول والقبض في ذلك، فكذلك الهبة مثل البيع والشراء والجامع: أن هذا فيه حظ لهؤلاء فكان للولي الإيجاب والقبول والقبض عنهم.
[فرع]: الولي الذي يفعل الإيجاب والقبول والقبض عن المولَّى عليهم -كالصبي والمجنون والسفيه- هو: الأب أو الوصي، أو الحاكم، أو أمين الحاكم، ولا يصح القبض لغير هؤلاء: من أم، وغير ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون القبض لا يصح إلا من الموهوب له، أو نائبه، والولي نائب بالشرع: أن يقوم هذا النائب بذلك فصح قبضه، أما غيره: فلا نيابة له شرعًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة للصبي ونحوه، ودفع مفسدة عنه.
(^١٦) مسألة: إذا وهب زيد عبدًا هبة: فإن العبد يصح أن يقبل منه تلك الهبة ولو لم يأذن سيده ولكنها تكون ملكًا لسيده؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العبد إذا التقط أو اصطاد شيئًا فهو لسيده، فكذلك إذا وُهب أو أُعطي، أو أهدي شيئًا فهو لسيده والجامع: أن كلاًّ منهما فيه فائدة للسيد، فلم يُعتبر إذنه فيه، فإن قلتَ: لَم شُرع هذا؟ قلتُ: لأن العبد مال، وماله مال لسيده، كما لو نما مال السيد: فإن هذا النماء تابع لأصله.
(^١٧) مسألة: إذا كان زيد يُطالب عمرًا بدين معلوم قدره، فأبرأ زيد عمرًا من ذلك =
[ ٤ / ١٢ ]
لكن لو جهله ربُّه، وكتمه المدين؛ خوفًا من أنه لو علم: لم يُبرئه: لم تصح البراءة (^١٨)،
الدَّين بلفظ من الألفاظ الدالة على الإبراء: فإنه ذمَّة المدين -وهو عمرو- تبرأ من ذلك الدَّين: سواء كان هذا الإبراء من زيد وقع قبل حلول وقت دفع عمرو للدَّين، أو بعده، وسواء ردَّ المدين -وهو عمرو- ذلك الإبراء ولم يقبله، أو لم يردَّه، وقبله، وهذا يُعتبر من الهبة، والعطية، والهدية؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو أعتق عبد عمرو وأعطاه قيمته - فإن العبد يعتق: سواء قبل الإعتاق أو لا والجامع: أنه في كل منهما إسقاط حق، لم يفتقر إلى القبول، فإن قلتَ: لِمَ صح الإبراء من الدَّين قبل حلول وجوب الوفاء به؟ قلتُ: لأن الدَّين ثابت أصلًا في الذمة، وهذا التأجيل لا يمنع هذا الثبوت، فصحّ الإبراء لما في الذمة.
[فرع]: تصح أيُّ صيغة دالة على الإبراء، ومن أولاها أن يقول المبرئ للمدين: "أنت في حلِّ مما لي عندك" أو يُعلِّقه بالموت فيقول: "إن متَّ قبلي فأنت في حل، وإن متُّ قبلك فأنت في حل"، أو يقول: "تصدَّقتُ عليك بالدين الذي أطلبك" أو يقول: "وهبتك المال الذي أطلبه منك" أو يقول: "أسقطتُ عنك ما عندك لي" أو يقول: "أعطيتك ما عندك لي" أو يقول: "أترك الوفاء لي" أو يقول: "ملَّكتك ما عندك لي" أو يقول: "عفوتُ عنك الدين الذي أطلبك" وغير ذلك من الألفاظ المشابهة؟ للتلازم؛ حيث يلزم من تلك الصيغ وما شابهها: الإبراء.
(^١٨) مسألة: إذا كان زيد يُطالب عمرًا بدين مجهول القدر والصفة، فأبرأ زيد عمرًا من ذلك الدَّين بلفظ من من ألفاظ الإبراء -السابقة الذكر-: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان الدائن -وهو زيد هنا يعلم قدر وصفة ذلك الدَّين، والمدين والمبرأ -وهو عمرًا- يجهله فإن الإبراء يصح؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "اقتسما، وتوخيا، ثم استهما، ثم تحالا" فيلزم من لفظ "توخيا" أن كلًّا منهما قد جهل بعضًا من حقه على الآخر، وهو جائز في الإحلال، =
[ ٤ / ١٣ ]
ولو أبرأ أحد غريميه، أو من أحد دينيه: لم تصح؛ لإبهام المحل (^١٩) (وتجوز هبة كل عين تباع) وهبة جزء مشاع منها إذا كان معلومًا (^٢٠) (و) هبة (كلب يُقتنى) ونجاسة يُباح نفعها كالوصية (^٢١)،
الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حث على عفو الإنسان عن حقه الذي عند أخيه وتبرئة ذمته، فلو لم يصح ذلك لكان ذلك سدًّا لهذا الباب، ثانيًا: إن كان الدائن ـوهو زيد- يجهل قدر وصفة ذلك الدَّين والمدين ـوهو عمرو- يعلم ذلك، وكتم مقداره؛ خوفًا من أن زيدًا لو علم بهذا المقدار: لم يُبرئه، ومع ذلك أبرأه مع جهله: فإن هذا الإبراء لا يصح؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه تغرير للدائن والمبرئ ـوهو زيد- وهضم لحقه، واستغفال له، فدفعًا لذلك: شرع عدم الصحة.
(^١٩) مسألة: إذا كان زيد يطالب عمرًا، بألف ويُطالب بكرًا بألف أيضًا، فقال: -أي: زيد- لهما: "إني أبرأ أحدكما"، أو كان يُطالب عمرًا بألف درهم، ويُطالبه بدين آخر وهو شاة مثلًا، فقال -أي: زيد- لعمرو: "إني أبرأتك من أحدهما": فلا يصح الإبراء هذا، أي: لا تبرأ ذمة عمرو، ولا بكر؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو قال: أعتقت أحد هذين العبدين: فإن الإعتاق لا يصح، فكذلك الحال هنا، والجامع: إبهام المحل الوارد عليه الإعتاق أو الإبراء.
(^٢٠) مسألة: كل عين يصح بيعها: فإنه يصح هبتها، وإهداؤها، وإعطاؤها، ومن ذلك الجزء المشاع من عين إذا ملكه زيد: فإنه يصح بيعه إذا كان معلومًا: سواء أمكن تقسيمه أولا؛ للقياس؛ بيانه: كما يجوز بيع ذلك فكذلك يجوز هبته وإهداؤه، وإعطاؤه، والجامع: أن كلًّا منها تمليك في الحياة.
(^٢١) مسألة: تصح هبة وهدية وعطية الكلب الذي يُقتنى لماشية وصيد، وكذا: تصح هبة نجاسات يُباح نفعها كدهن متنجِّس لإضاءة مصباح به؛ للقياس؛ بيانه: كما تجوز الوصية بذلك، فكذلك تجوز هبته والجامع: أن كلًّ منهما تبرُّع ناقل للملك.
[ ٤ / ١٤ ]
ولا تصح معلَّقة (^٢٢)، ولا مؤقتة (^٢٣)، إلا نحو "جعلتها لك عمرك، أو حياتك، أو عمري، أو ما بقيت": فتصح، وتكون لموهوب له، ولورثته بعده (^٢٤)، وإن قال:
(^٢٢) مسألة يصح تعليق الهبة والهدية والعطية على شرط مستقبل كقول الواهب: "إذا جاء رأس الشهر: فهذه السيارة لك هبة" وهو قول ابن القيم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم مخالفة هذا الشرط لأصل من أصول الشريعة: صحة ذلك، وفيه تيسير على الناس، وهو المقصد منه، فإن قلت: لا يصح تعليق الهبة، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الهبة تمليكًا للعين: عدم صحة تعليقها بشرط؛ نظرًا لتأخير التمليك بذلك. قلتُ: هذا لا يلزم منه عدم صحة الهبة؛ بل هو تأخير للتمليك، لا منعه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض التلازمين".
(^٢٣) مسألة: لا تصح الهبة مؤقتة كقول الواهب: "وهبتك هذه الدار ستة أشهر مثلًا"؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز البيع مؤقتًا، فكذلك الهبة مثله، والجامع: أن كلًّا منهما تمليك عين، فلا يصح مؤقتًا.
(^٢٤) مسألة: تصح الهبة مؤقتة بتوقيت العمرى والرقبى كقول الواهب: "جعلت لك هذه الدار عمرك" أو يقول: "أعمرتك هذه الدار" أو يقول: "أرقيتك هذه الجارية" أو يقول: "جعلتها لك حياتك" أو يقول الواهب: "جعلتها لك عمري" أو يقول: "جعلتها لك ما بقيت" ونحو ذلك، فهذا يصح، وتكون الهبة للموهوب له ولورثته بعده إلا أن يشترط الواهب عودها إليه بعد موت الموهوب له؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "لا ترقبوا ولا تعمروا فمن أرقب شيئًا أو أعمره فهو لورثته" حيث دل على ملك المعمر والمرقب، وعلى أن الورثة يأخذون ما كان لوارثهم من الهبات والعطايا بهذه الطريقة، ثانيهما: قوله ﷺ: "المسلمون على شروطهم" حيث بيَّن ذلك أن الواهب إذا اشترط عود الهبة إليه بعد موت الموهوب له: فله شرطه وهذا كله للتيسير والتوسعة على الناس، فإن =
[ ٤ / ١٥ ]
"سكناه لك عمرك، أو غلَّته، أو خدمته لك، أو منحتكه": فعارية؛ لأنها هبة المنافع (^٢٥)، ومن باع، أو وهب فاسدًا، ثم تصرَّف في العين بعقد صحيح: صح الثاني؛ لأنه تصرُّف في ملكه (^٢٦).
قلت: لِمَ سمي ذلك بالرقبي؟ قلتُ: لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه.
(^٢٥) مسألة: إذا قال زيد لعمرو: "سكنى هذه الدار لك عمرك، أو غلَّة وريع هذا البستان، أو خدمة هذا العبد لك" أو "منحتك غلَّة هذا البستان" أو نحو ذلك: فهذا لا يصح أن يكون هبة، بل يكون عارية، وحكم العارية جواز الرجوع فيها لصاحبها في حياته وبعد مماته؛ للتلازم؛ حيث إن هذا هبة للمنافع، وهي تستوفى شيئًا فشيئًا بمضي الزمان فيلزم من ذلك: عدم صحتها هبة؛ لكون الهبة تمليك للعين للموهوب له ملكًا تامًا، فإن قلتَ: إن هذا يُعتبر عمرى ورقبي، يثبت فيها مثل حكمها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قوله: "لك": أنه جعل له رقبتها فتكون عمرى ورقبي. قلتُ: إن هذا إباحة للمنافع فقط، فلم يقع لازمًا؛ إذ معنى قوله: "سكنى هذه الدار لك عمرك": أن لك سكناها حتى تموت وهذا يشبه قوله: "لك سكناها"، ومنه قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ حيث إن الله يعلم أن آدم سيعصي وسينزل إلى الأرض، فكان ذلك مؤقتًا فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في تفسير اللام في قوله: "لك".
(^٢٦) مسألة: إذا وهب عينًا هبة فاسدة، أو باع عينًا بيعًا فاسدًا، ثم بعد ذلك وهب تلك العين هبة صحيحة أو باعها بيعًا صحيحًا مع علمه واعتقاده بفساد العقد الأول: صح العقد الثاني هبة أو بيعًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تصرُّفه في ملكه، واعتقاده بفساد العقد الأول وهو عالم بأنه ملكه: صحة العقد الثاني بيعًا أو هبة؛ لاستكمال شروط البيع والهبة.
[فرع]: إن علم واعتقد صحة العقد الأول دون الثاني: فإن العقد الثاني لايصح هبة أو بيعًا؛ للتلازم؛ حيث إن تصرُّفه تصرُّفًا يعتقد فساده نظرًا=
[ ٤ / ١٦ ]
فصل: (يجب التعديل في عطيته أولاده بقدر إرثهم) للذكر مثل حظ الأنثيين؛ اقتداء بقسمة الله تعالى وقياسًا لحال الحياة على حال الموت، قال عطاء: "ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى" (^٢٧)،
لاعتقاده يلزم منه: عدم صحة هذا العقد الثاني هبة أو بيعًا؛ لكونه باع أو وهب ما ليس في ملكه.
(^٢٧) مسألة: إذا أراد شخص هبة وعطية أولاده الوارثين مالًا: فيجب عليه أن يعدل في ذلك، فيُعطي الذكر مثل حظ الأنثيين -وهو قدر إرثهم المشروع-؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وأولى ما يقتدى به في القسمة هو كتاب الله تعالى، الثانية: القياس؛ وهو من وجهين: أولهما كما أن قسمة الميراث تكون للذكر مثل حظ الأنثيين بعد الموت فكذلك العطية والهبة في حال الحياة مثل ذلك، والجامع: أن كلا منهما عطية ولكن إحداهما معجَّلة، والأخرى مؤخرة، ثانيهما: كما أن معجّل الزكاة يؤديها قبل حلول الحول على صفة أدائها بعد حلول الحول، فكذلك العطية تكون في حال الحياة مثل ما تكون بعد الممات، والجامع: أن كلًّا منهما يُعتبر أداء لواجب، فلا يختلف قدره باختلاف الوقت الثالثة: المصلحة؛ حيث إن الذكر أحوج من الأنثى في ذلك؛ إذ أنهما لو تزوجا جميعًا فالصداق والمهرُ، والنفقة، ونفقة الأولاد تكون على الذكر، ويكون ذلك للأنثى، فلو جمع لها تسويتها مع الذكر في العطية مع أن الذكر ينفق عليها، فإن نصيبها يكون أعلى بكثير من الذكر، وهذا مخالف للعدالة التي جاءت به الشريعة، فإن قلتَ: لا يجب ذلك، بل يُعطي الأنثى مثل ما يُعطى الذكر، ولا يفرق بينهم في ذلك في عطية الحياة، وهو قول الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: أن بشيرًا بن سعد قد أعطى أحد أولاده عطية دون الآخرين فقال له النبي ﷺ: "أيسرك أن يستووا في بِرِّك" فقال: نعم، قال: "فسوِّ بينهم" والأنثى كالذكر في البر، والعطية والهبة مثل ذلك، أي: كما أن البر=
[ ٤ / ١٧ ]
وسائر الأقارب في ذلك كالأولاد (^٢٨) (فإن فضَّل بعضهم): بأن أعطاه فوق إرثه أو خصَّه: (سوَّى) وجوبًا (برجوع) حيث أمكن (أو زيادة) لمفضول؛ ليساوي الفاضل، أو إعطاء ليستووا؛ لقوله ﵇: "اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم". متفق
يستوي، منهما، فكذلك العطية ثانيهما: قوله: ﷺ "سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مؤثرًا أحدًا لآثرت النساء على الرجال" -كما رواه ابن عباس- الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الذكور والإناث يستوون في النفقة والكسوة، فكذلك في العطية، والجامع: أن كلًّا منها عطية في الحياة. قلتُ: أما حديث بشير فيُحتمل أن النبي ﷺ وقد علم عنه أنه لا أنثى له، ويحتمل أنه أراد بالتسوية في هذا الحديث وحديث ابن عباس: التسوية على القسمة الواردة في كتاب الله تعالى؛ لكونها أعظم تسوية، ويُحتمل أنه أراد التسوية في أصل العطاء لا في صفته وقدره؛ حيث إن لفظ "التسوية" لا تفهم التسوية من كل وجه، وإذا تطرّق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، يؤيده: قول عطاء: "ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى" حيث إن هذا خبر عن جميع الصحابة والتابعين إلى عصر عطاء، أما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس الفارق؛ لأن مع الكسوة والنفقة واجبة على حسب الحال، والعطية والهدية والهبة مستحبة؛ للمحبة والمودة.
(^٢٨) مسألة: إذا أراد شخص هبة وعطية أقاربه غير الوارثين - غير أولاده - فلا يجب عليه في تلك العطية والهبة أن يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، بل له أن يُعطي الأنثى أكثر من الذكر، وله العكس، وله التسوية بينهم؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل الإباحة للإنسان التصرُّف في ماله في حياته وصحته كيفما شاء، فنعمل على هذا، حتى يرد دليل يُغيِّر الحالة، ولم يرد شيء من ذلك، فنبقى على العمل على الأصل، وما ورد من القاعدتين السابقتين -في مسألة (٢٧) - إنما وردتا في الأولاد والوارثين فقط، فإن قلت: إن سائر الأقارب في ذلك كالأولاد يُعطون في =
[ ٤ / ١٨ ]
عليه مختصرًا (^٢٩)، وتحرم الشهادة على التخصيص، أو التفضيل: تحمُّلًا وأداء إن
الحياة بناء على أن للذكر مثل حظ الأنثيين وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو قول أبي الخطاب وكثير من الحنابلة؛ للقياس بيانه: كما أن الأولاد يُعطون للذكر مثل حظ الأنثيين فكذلك الأقارب، والجامع: أن كلًّا منهم عطاء في الحياة، فلا يُفرق بينهم. قلتُ: هذا فاسد؟ لأنه قياس مع الفارق، والفرق من وجهين: أولهما: أن للوالد الرجوع فيما أعطى ولده، فيمكنه أن يسوّي بينهم في الرجوع بما أعطاه لبعضهم بخلاف غير الأولاد من الأقارب فلا يمكنه الرجوع في ذلك، ثانيهما: أنه لشدَّة محبة الوالد لأولاده، وصرفه ماله إليهم عادة يتنافسون في ذلك، ويصعب عندهم إذا فضل بعضهم على بعض، ولا يساويهم بتسوية الشارع لهم، وهو إعطاء الذكر مثل حظ الأنثيين، وغيرهم من الأقارب لا يسوونهم في ذلك، ومع الفرق لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف في ذلك؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع الاستصحاب" فعندنا: لا يقوى هذا القياس الذي ذكروه على تغيير ما استصحب من الحكم، وعندهم: يقوى.
(^٢٩) مسألة إذا أعطى ووهب أب أحد أولاده شيئًا فوق إرثه كأن يُعطي زيدًا عشرة بينما أعطى عمرًا وبكرًا سبعة، أو خصَّه بشيء لم يُعطه الآخرين من أولاده: بأن أعطى زيدًا سيارة، ولم يُعط عمرًا وبكرًا شيئًا: فيجب على ذلك الأب أن يرجع ويسوِّي بينهم ولو في مرض موته: بأن يزيد عمرًا وبكرًا ثلاثة، أو يُنقص زيدًا ثلاثة في الصورة الأولى أو يعط عمرًا وبكرًا سيارة مثل سيارة زيد، أو يأخذ السيارة من زيد في الصورة الثانية. ومثله: إذا زوَّج أحد أبنائه فيجب عليه أن يزوّج أبناءه الآخرين، أو يعطيهم قدر ما أعطى مَنْ زوَّجه، وهكذا؛ ليحصل التعديل والتسوية بينهم؛ للسنة القولية: حيث إن النعمان بن بشير قال: تصدَّق علي أبي ببعض ماله فقالت أمي -عمرة بنت رواحة-: لا أرضى حتى تشهد عليها رسول الله ﷺ فجاء بي رسول الله ﷺ ليشهده على صدقتي فقال: "أكل=
[ ٤ / ١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولدك أعطيت مثله؟ " قال: لا، قال: "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" قال: رجع أبي فردَّ تلك الصدقة، حيث أوجب العدل والتسوية بين الأولاد في أصل العطية والهبة -فيما لو أعطى واحدًا منهم، دون الآخرين، أو زاده على ما قسمه الله-؛ لأن الأمر في قوله: "واعدلوا" مطلق، وهو يقتضي الوجوب، وترك الواجب حرام، فإن قلتَ: لِمَ وجبت التسوية بينهم؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن تفضيل بعضهم يُورث بينهم العداوة، والبغضاء، وقطيعة الرحم، فدفعًا لذلك: وجبت التسوية، فإن قلتَ: يجوز عدم التسوية في العطية، فيجوز أن يعطي أحد أولاده أزيد من بعض وهو قول الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﷺ: "أشهد على هذا غيري" - في آخر حديث النعمان بن بشير - ولو لم يجز تفضيل بعض الأولاد: لما أمر النبي ﷺ: بأن يشهد على هذا التفضيل غيره، الثانية: فعل الصحابي حيث إن أبا بكر ﵁ قد أعطى ابنته عائشة بعض التمر يُقدَّر بعشرين وسقًا دون سائر أولاده. قلتُ: أما قوله ﷺ: "أشهد على هذا غيري": فهو أمر للتهديد؛ يؤيد ذلك أمور أولها: أن النبي ﷺ سمَّاه "جورًا" حيث قال: "لا تشهدني على جور" -في حديث النعمان- ولا يمكن أن يأمر النبي ﷺ بالإشهاد على الجور، ثانيها: أنه لو حُمل على الأمر الحقيقي لتناقض هذا مع قوله ﷺ في أوله: "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"؛ لكونه لا يصح الأمر بشيء يخالف تقوى الله، ثالثها: أنه لو كان الأمر أمرًا حقيقيًا لامتثل بشير هذا الأمر، ولم يرده، ولكنه ﵁ ردَّه، فلم يبق إلّا أن ذلك الأمر للتهديد كقوله تعالى: "اعملوا ما شئتم" أما فعل أبي بكر: فعنه جوابان: أولهما: أنه معارض لقول النبي ﷺ في حديث النعمان بن بشير، ولا تقوم الحجة به مع ذلك، ثانيهما: أنه يُحتمل أنه أعطاها لحاجتها وعجزها عن الكسب لتفريغها للفتوى، ويُحتمل أنه أعطاها وأعطى غيرها من أولاده، ويحتمل أنه أعطاها =
[ ٤ / ٢٠ ]
علم، وكذا: كل عقد فاسد عنده مختلف فيه (^٣٠) (فإن مات) الواهب (قبله) أي: قبل
وأراد عطاء أولاده الآخرين من ولده فأدركه مرض الموت، فأخذ ذلك منها؛ ليكون كله ميراثًا، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في أمره ﵇: "أشهد على هذا غيري" هل هو أمر حقيقي، أو هو للتهديد؟ فعندنا: الثاني وعندهم الأول، و"تعارض فعل الصحابي مع السنة".
(^٣٠) مسألة إذا طلب زيد من عمرو: أن يشهد على أنه خصَّص أحد أولاده بعطية أو هبة دون أولاده الآخرين، أو فضَّل أحدهم على الآخرين ونحو ذلك، أو طلب منه أن يشهد على أي عقد فاسد من عقود المعاملات: فيحرم على عمرو أن يشهد على ذلك تحمُّلًا وأداء؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ في حديث النعمان-: "لا تشهدني على جور" فسمَّى تخصيص أحد الأولاد، أو تفضيله دون الآخرين جورًا، وهو الظلم ولذا امتنع عن الشهادة عليه، ويلزم من امتناعه ﷺ عن ذلك: أنه حرام، فيحرَّم ذلك كله والشهادة على غيره من الأمور الفاسدة مثل الشهادة على ذلك؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك من باب التعاون على الإثم والعدوان، والله تعالى نهى عنه، فيكون حرامًا.
[فرع]: إذا أعطى الأب أحد أولاده دون غيره بسبب مرض ككونه مُقعدًا، أو أعمى، أو لكثرة عائلته، أو لاشتغاله بالعلم الحقيقي أو لصلاحه، أو منع أحد أولاده لفسقه أو بدعته، أو لكونه سيصرف ما سيأخذه على المعاصي غالبًا: فإن هذا جائز؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وإعطاء هؤلاء؛ نظرًا لتلك الأسباب فيه تعاون على البر والتقوى، ونصرة الضعيف، ومنع هؤلاء الآخرين لتلك الأسباب فيه عدم التعاون على الإثم والعدوان والعصيان، وينبغي ان =
[ ٤ / ٢١ ]
الرجوع، أو الزيادة: (ثبتت) للمعطى، فليس لبقية الورثة الرجوع (^٣١)، إلا أن يكون
تكون كل تصرفات المسلم تأتي على حسب ما شرعه الله تعالى، دون النظر؛ فلا يُعلم أيُّ الأولاد أو الأقرباء أقرب إلى الإنسان نفعًا، فقد ينفعك البعيد جدًا في الدنيا والآخرة، ويضرُّك القريب جدًا في الدنيا والآخرة، وقد ثبت هذا من الواقع.
(^٣١) مسألة: إذا وهب زيد في حياته وصحته أحد أولاده شيئًا فوق إرثه دون أولاده الآخرين، أو فضَّله بعطاء وهبة على أولاده الآخرين، فمات الواهب ـوهو زيد- قبل أن يرجع في ذلك، ويسوي بين أولاده؛ فإن لباقي الورثة أن يرجعوا ذلك من الموهوب له والمعطى، ويأخذونه ويقسموه حسب الشريعة إلّا إن أجازه الورثة وسمحوا له بذلك فهو له. وهو قول المحققين من العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﷺ: "لا تشهدني على جور" -في حديث النعمان-، فسمَّى ذلك "جورًا" وما كان جورًا وظلمًا لا يحل للفاعل فعله، ولا للمعطى تناوله: والموت لا يغيره عن كونه جورًا حرامًا، فوجب ردُّه. الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون تلك الزيادة، أو التفضيل حرامًا: أن الموهوب له قد أخذه غصبًا، أو بحيلة فيكون من حق باقي الورثة، فيباع ويقسم على جميع الورثة -والموهوب له منهم - فيأخذ نصيبه منه كغيره. فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك أحوط للدِّين، وفيه بعد عن الشحناء والبغضاء الذي يقع عادة بين الأخوة والأشقّاء وغيرهم بسبب ذلك، فإن قلتَ: إنه يثبت للمعطى والموهوب له لما أعطاه إياه أبوه وزاده وفضَّله على غيره وتملكه، وليس لباقي الورثة الرجوع، وهو ما ذكره المصنف هنا، وهو قول الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن الولد لو انفرد وأعطاه أبوه شيئًا: فإنه يملكه بموت أبيه فكذلك لو كان للأب أولاد آخرون مثل ذلك والجامع: أن كلًّا منها تسمَّى عطية لولده، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن أبا بكر قد أعطى ابنته عائشة شيئًا من التمر يبلغ عشرين وسقًا =
[ ٤ / ٢٢ ]
بمرض الموت فيقف على إجازة الباقين (^٣٢) (ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة)؛ لحديث ابن عباس مرفوعًا: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه"
وقال لها: "وددتُ لو كنتِ قد حزتيه"؛ إذ يلزم من هذا: أنها لو كانت حازته: لم يكن لباقي أولاد أبي بكر الرجوع بعد موته. قلتُ: أما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، لأن الأب الذي ليس له إلا ولد واحد يكون مال الأب له لوحده في الحياة وبعد الممات، بخلاف من كان له عدد من الأولاد؛ فلهم نصيب مما أخذه، وله نصيب من التركة، أما قول أبي بكر: فعنه أجوبة: أولها، وثانيها قد سبق بيانهما في مسألة (٢٩)، وثالثها: أنه معارض بقول أبي بكر نفسه، حيث أمر قيس بن سعد بن عبادة برد قسمة أبيه حين ولد له ولد لم يكن قد علم، ولا أعطاه شيئًا، وكان ذلك بعد موت سعد، وقد وافقه عمر على ذلك، وإذا تعارضت أقوال الواحد في مسألة واحدة: فإنها تتساقط إذا لم يكن هناك مرجِّح، لأحدهما فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس وقول الصحابي مع السنة القولية."
(^٣٢) مسألة: إذا وهب وأعطى الأب أحد أولاده شيئًا دون أولاده الآخرين، وكان هذا الأب في مرض الموت: فلا يصح؛ حيث إن هذا يوقف على بقية الأولاد الآخرين، فإن أجازوه: كان له ما أعطاه إياه أبوه، وإن لم يجيزوه: فعليه أن يُرجعه إلى التركة؛ ليقسم على حسب الشريعة؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عطيته في مرضه كونها وصية له، ولو وصّى له: لم يصح؛ لقوله ﷺ: "لا وصية لوارث" - كما سيأتي بيانه -.
[فرع]: يُكره أن يُقسِّم المسلم ماله على ورثته، بل يتركه ليقسم على حسب الشريعة بعد موته؛ للمصلحة حيث إن ذلك فيه عزٌّ للأب، وعدم ترك ورثته له، وتمكين من سيولد له بعد موته من أخذ حقه بسبب تقسيم التركة بعد موته.
[ ٤ / ٢٣ ]
متفق عليه (^٣٣). (إلا الأب) فله الرجوع: قصد التسوية أولا، مسلمًا كان أو كافرًا؛
(^٣٣) مسألة إذا وهب زيد لعمرو -الأجنبي عنه- هبة أو أهداه هدية، أو أعطاه عطية: فيحرم على الواهب والمعطي والمهدي -وهو زيد- أن يرجع في تلك الهبة ويأخذها من عمرو إذا قبض عمرو تلك الهبة؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه" فقد حرم العود وأخذ الهبة التي وهبها لأي شخص؛ بقرينة قوله: "ليس لنا مثل السوء" فقرينة المثل هذا هو الذي جعله حرامًا، وقال ﵇: "لا يحل الرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها" ولفظ "لا يحل" من ألفاظ التحريم. الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون الموهوب له -وهو عمرو- قد ملك العين الموهوبة بالإيجاب والقبول والقبض: عدم جواز أخذ الواهب لها؛ لعدم ولايته على مال قد خرج من ملكه بطريق مشروع، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن هذا فيه ضرر على الموهوب له؛ إذ قد يبيع العين الموهوبة له، أو يسدد بها دينه، أو يتصرف بها بأي تصرف فلو أجيز الرجوع: لوقع عليه ضرر واضح في ذلك، فإن قلتَ: يجوز الرجوع في الهبة التي لغير ذي رحم ما لم يُثب عليها، فيجوز أن يرجع الواهب، ويأخذ تلك الهبة من الموهوب له، وهو قول كثير من العلماء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية: حيث قال ﷺ: "الرجل أحق بهبته ما لم يبث منها" ويلزم من لفظ: "أحق": أن له الرجوع فيها. الثانية: القياس، بيانه: كما أن المعير يأخذ العارية من المستعير، فكذلك الواهب يأخذ العين الموهوبة من الموهوب له، والجامع: أنه في كل منهما لم يحصل له عوض. قلتُ: أما الحديث: فحديثنا أصح وأقوى منه؛ لكونه متفق عليه، وحديثهم: لم يكن كذلك، وأما القياس: فهو فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، لأن العارية: هبة المنافع فقط، أما الهبة والعطية والهدية فهي هبة وعطية وهدية الأعيان مع منافعها، فافترقا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض السنتين" و"تعارض القياس مع =
[ ٤ / ٢٤ ]
لقوله ﵇: "لا يحل للرجل يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده" رواه الخمسة، وصححه الترمذي من حديث عمر، وابن عباس (^٣٤)، ولا يمنع
السنة القولية التي ذكرناها".
(^٣٤) مسألة: إذا وهب أب ولده هبة: فإنه يجوز له أن يرجع في هذه الهبة ويأخذها من ولده مطلقًا، أي: سواء قصد الأب في رجوعه وأخذه للهبة التسوية بين أولاده أو لا، وسواء كان الأب مسلمًا لما وهب ولده، أو كافرًا؛ للسنة القولية: وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده" فنفى الشارع الرجوع في الهبة، بصورة عامة وأثبت جواز الرجوع للوالد فقط فيما يعطيه لولده؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، وهو من مخصصات العموم المتصلة، ثانيهما: أن النبي ﷺ قال في حديث النعمان بن بشير: "فاردده" وفي رواية: "فارجعه" وهو زيادة ثقة فتقبل فرجع بشير في ذلك وأخذ تلك الهبة من ولده كما صرَّح به ولده نفسه -النعمان- وهذا يدل على جواز الرجوع للأب فقط، دون غيره -كالجد والأم-، فإن قلتَ: إنه ليس للأب الرجوع، وهو رواية عن أحمد، وهو رأي أكثر الحنفية؛ للسنة القولية: حيث إنه ﷺ قال: "العائد في هبته كالعائد في قيئه" وهو عام؛ لأن لفظ "العائد" مفرد محلَّى بأل" وهو من صيغ العموم فلا يجوز الرجوع في الهبة للأب ولا لغيره. قلتُ: إن الحديثين اللذين قد ذكرناهما قد خصَّصا عموم حديثهم هذا وهو واضح. فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: الخلاف في حديث: "العائد في هبته. ." هل هو مخصَّص أو لا؟ فعندنا مخصَّص، حيث لا يشمل الأب، وعندهم: هو باق على عمومه.
[فرع]: الأم ليس لها الرجوع في الهبة التي تعطيها لأحد أولادها؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين، قد سبق ذكرهما في مسألة (٣٤) حيث كان الأب خاصًا بذلك.
[ ٤ / ٢٥ ]
الرجوع نقص العين، أو تلف بعضها، أو زيادة منفصلة، ويمنعه زيادة متصلة، وبيعه، وهبته، ورهنه ما لم ينفك (^٣٥) (وله) أي: لأب حر (أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضرُّه ولا يحتاجه)؛ لحديث عائشة مرفوعًا "وإن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم" رواه سعيد والترمذي وحسّنه، وسواء كان الوالد محتاجًا، أو لا، وسواء كان الولد كبيرًا أو صغيرًا، ذكرًا أو أنثى، وليس له أن يتملَّك ما يضرّ بالولد أو تعلقت به حاجته، ولا ما يعطيه ولدًا آخر، ولا في مرض موت أحدهما المخوف (^٣٦) (فإن تصرَّف) والده (في ماله) قبل تملُّكه
(^٣٥) مسألة للأب الرجوع في هبته لولده، وأخذها منه ولو نقصت قيمة العين الموهوبة، أو تلف بعضها، ولا ضمان على الولد فيما تلف من العين الموهوبة، أو زادت عند الولد كأن ولدت البهيمة الموهوبة، ونحو ذلك من الزيادات المنفصلة فله أخذ العين وترك المنفصل لولده، أما إن زادت العين الموهوبة زيادة متصلة كأن سمنت البهيمة الموهوبة، أو باع الولد تلك الهبة، أو وهبها لغيره، أو رهنها ـوتعذَّر فك الرهن-: فليس للأب الرجوع في تلك الهبة؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل الرجوع، فيثبت ذلك، ويعمل به إلا إذا دل دليل بغير الحالة كالمصلحة من زيادة متصلة، أو بيع أو هبة لها، أو رهن ونحو ذلك مما فيه ضرر على الولد لو أرجعها الوالد؛ وعملًا بقوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"، الثانية التلازم؛ حيث يلزم من كون الزيادة المنفصلة قد حدثت في ملك الولد: أن تكون تلك الزيادة له؛ لكون الرجوع في الأصل، دون النماء، ويلزم من كونها تلفت أو بعضها في ملك الولد: عدم ضمانه لما تلف.
(^٣٦) مسألة: يجوز للأب أن يأخذ من مال ولده الذي ملكه: سواء كان الولد ذكرًا أو أنثى، وسواء كان الولد كبيرًا أو صغيرًا بشروط سبعة. أولها: أن يكون الوالد محتاجًا لهذا المال الذي أخذه من مال ولده، فإن لم يكن محتاجًا فلا يصح، ثانيها: أن يأخذ الوالد منه بقدر حاجته فقط، فإن زاد فلا تصح الزيادة. ثالثها: أن لا=
[ ٤ / ٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكون الولد محتاجًا لهذا المال الذي أخذه والده. رابعها: أن لا يأخذ الوالد وهو مريض مرض الموت المخوف، من مال ولده الصحيح، فإن أخذ ثم مات: فإنه يُرجع إلى ولده قبل تقسيم الميراث. خامسها: أن لا يأخذ الوالد الصحيح من مال ولده المريض بمرض الموت المخوف، فإن أخذ، ثم مات: فإن ورثة الولد يأخذون ذلك المال الذي أخذه الوالد، ويقسم على ورثة الولد. سادسها: أن لا يأخذ الوالد من مال ولد ويعطيه ولدًا آخر. سابعها: أن لا يتضرر الولد إذا أخذ والده من ماله وهذا مذهب الجمهور؛ القواعد؛ الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ: "كل أحد أحق بكسبه من ولده ووالده والناس أجمعين" وهذا خاص في المسألة؛ إذ خصَّص الشارع المال وجعله ملكًا لمن كسبه، والذي كسبه هنا هو الولد، فكيف يحق للوالد أن يأخذ منه شيئًا مع هذا؟! ثانيها: قوله ﷺ: "لا يحل مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفسه منه" فقد حرم على كل أحد أن يأخذ مال غيره إلّا إذا كان هذا الغير قد طابت نفسه في ذلك، وهذا عام فيشمل الوالد وغيره في هذا التحريم، ثالثها: قوله ﷺ: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا" ويقال فيه كما قيل في الحديث السابق رابعها: قوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وأخذ شيء من الولد مضرّ به؛ الثانية: القياس؛ بيانه: كما أنه لا يجوز أن يأخذ الوالد من مال ولده: إذا كان ذلك الولد محتاجًا لذلك المال فكذلك لا يجوز أن يأخذ منه والولد غير محتاج إليه والجامع: أن ملك الولد على ذلك المال ملك تام، فلم يجز انتزاعه منه. فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا بهذه الشروط؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية لحق الولد من أن يستغلُّه والده فى أخذ أمواله كما نراه ونسمعه في هذه الأزمنة من أن بعض الآباء يفعلون ذلك، فيقهرون أولادهم في ذلك. فإن قلتَ: يجوز للأب أن يأخذ من مال ولده بشروط خمسة هي كل ما سبق ذكره إلاّ الشرط الأول فلا يُشترط؛ =
[ ٤ / ٢٧ ]
وقبضه (ولو فيما وهبه له) أي لولده، وأقبضه إياه (ببيع) أو هبة (أو عتق أو إبراء) غريم ولده من دينه: لم يصح تصرُّفه؛ لأن ملك الولد على مال نفسه تام، فيصح تصرفه فيه، ولو كان للغير أو مشتركًا: لم يجز (أو أراد أخذه) أي: أراد الوالد أخذ ما وهبه له (قبل رجوعه) في هبته بالقول كـ"رجعتُ فيها" (أو) أراد أخذ مال ولده قبل (تملُّكه بقول، أو نية، وقبض معتبر: لم يصح) تصرُّفه؛ لأنه لا يملكه إلّا بالقبض مع القول، أو النية، فلا ينفذ تصرُّفه فيه قبل ذلك (بل بعده) أي: بعد القبض المعتبر
إذ يجوز أن يأخذ الأب من مال ولده: سواء كان ذلك الأب محتاجًا أو لا، وهو ما ذكره المصنف هنا وهو رأي أكثر الحنابلة؛ للسنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم" فأباح هنا للأب أن يأخذ من مال ولده؛ لأنه من كسبه وداخل فيه، وهذا عام: فيشمل حال حاجة الأب وحال عدم حاجته، ثانيهما: قوله ﷺ: "أنت ومالك لأبيك: والقول فيه كالقول في الحديث السابق. قلتُ: إن الأحاديث التي ذكرناها أقوى وأصح وأكثر، فتقدَّم؛ لأنه يُرجح بالقوة، والكثرة، ثم إن من مقاصد الشريعة المحافظة على حقوق الناس، من أن يتحايل عليها فتؤخذ بغير حق، وأحاديثنا تؤيد هذا المقصد؛ لأن فيها دفعًا للمفاسد عن الأولاد، وجلبًا للمصالح لهم. وهذه المصلحة مخصِّصة لعموم الحديثين اللذين قد استدل بهما أكثر الحنابلة، فيجوز أن يأخذ الأب من مال ولده إذا احتاج إلى ذلك حاجة ماسة، فإن قلتَ: لِمَ لا يأخذ الأب من مال ولده ويعطيه ولده الآخر؟ قلتُ: للقياس الأولى: بيانه كما أنه لا يجوز أن يخصص الوالد بعض أولاده بعطية من مال نفسه، فمن باب أولى: عدم جواز إعطاء ولد من مال ولد آخر، والجامع: حماية حقوق الناس. فإن قلتَ: لِمَ لا يأخذ الأب المريض بمرض الموت، ولا يأخذ الأب من مال ولده المريض بمرض الموت؟ قلتُ: لأن هذا المرض سبب في انقطاع التملُّك، فلا يملك أحد شيئًا في هذا المرض.
[ ٤ / ٢٨ ]
مع القول أو النية؛ الصيرورته ملكًا له بذلك (^٣٧) وإن وطئ جارية ابنه فأحبلها: صارت أم ولد له، وولده حر، ولا حد، ولا مهر عليه إن لم يكن الابن وطئها (^٣٨) (وليس للولد مطالبة أبيه بدين ونحوه) كقيمة متلف، وأرش جناية؛ لما روي الخلَّال: أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ بأبيه يقتضيه دينًا عليه فقال: "أنت ومالك لأبيك" (إلا
(^٣٧) مسألة: إذا ملك الولد ماله ملكًا تامًا -بالقبض مع القول أو النية-: فإن أباه يجوز أن يتصرَّف بمال هذا الولد، أما إن تصرَّف الأب بمال ولده قبل أن يتم ملك الولد لماله: فلا يصح ذلك التصرُّف سواء كان الولد كبيرًا أو صغيرًا، فمثلًا: لو وهب الأب لهذا الولد هبة ولم يقبضها ذلك الولد، فأراد الأب أن يتصرف بها: فلا يصح تصرُّفه، وكذلك لو أراد الأب أن يبيع شيئًا لولده، أو يهديه ويهبه لغيره، أو يُعتقه أو يُبرئ غريمه من دينه، أو أراد الأب أن يأخذ شيئًا قد وهبه له قبل رجوعه بقول: "قد رجعتُ في هبتي" فلا يصح ذلك كله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من صحة تملك الولد بماله ملكًا حقيقيًا: صحة تصرُّف والده فيه؛ لأنه تابع له في ذلك، ويلزم من عدم صحة تصرُّف الولد بماله؛ - لعدم تملكه لماله -: عدم صحة تصرُّف أبيه بمال ولده؛ لأنه إذا لم يصح تصرُّف الولد بماله فمن باب أولى أن لا يصح تصرف والده فيه؛ لأنه تابع لذلك هنا، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حفظ مال الولد، وعدم إحراجه مع الآخرين.
(^٣٨) مسألة إذا اشترى ابن جارية ولم يملكها -بالقبض أو الوطء- ثم وطئها أبوه، فحملت: فإن الولد الذي تأتي به تلك الجارية يكون حرًا، ولا يجب على الأب الحد ولا المهر، ولكن على الأب قيمتها، ولا يجوز للولد مطالبة أبيه بتلك القيمة للتلازم؛ حيث يلزم من حملها من الأب: انتقال الملك إليه -أي: إلى الأب-، ويلزم من كون هذا الوطء قد انتفى فيه الحد للشبهة: عدم وجوب الحد على الأب، ويلزم من كونها من مال ابنه: عدم مطالبته بقيمتها. =
[ ٤ / ٢٩ ]
بنفقته الواجبة عليه، فإن له مطالبته بها وحبسه عليها)؛ لضرورة حفظ النفس، وله الطلب بعين مال بيد أبيه فإن مات الابن: فليس لورثته مطالبة الأب بدين ونحوه كمورِّثهم، وإن مات الأب: رجع الابن بدينه في تركته (^٣٩) والصدقة وهي: ما قصد
[فرع]: إن كان الابن قد وطأ تلك الجارية التي اشتراها، فوطأها الأب بعده فحملت بولد -فلا يكون هذا الابن حرًا، وتحرم بذلك على الابن والأب، ويُعزَّر الأب بفعله ذلك؛ للتلازم؛ حيث إنها صارت بمنزلة حليلة ابنه فيلزم تحريمها عليه. فإن قلت: لِمَ يُعزَّر، ولا يُحدُّ في هذه الحالة؟ قلتُ: لأن الحدود تدرأ بالشبهات وهنا وُجدت شبهة الملك؛ حيث إن النبي ﷺ قال: "أنت ومالك لأبيك".
(^٣٩) مسألة: يجوز للولد أن يطالب أباه الغني بأيِّ دين له عليه، وقيمة ما أتلفه أبوه، وأرش جنايته على ولده بغير سبب اقتضى تلك الجناية؛ ويشمل ذلك مطالبة الولد لأبيه أن ينفق عليه -إذا عجز الولد عن النفقة على نفسه- وإذا وجد الولد عين ماله عند أبيه له أخذه والمطالبة به، وإذا مات الولد فيجوز لورثته أن يُطالبوا أبيه الغني بدين مورثهم، وإذا مات الأب أخذ الولد دينه من تركته قبل تقسيمها؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" وهذا المال الذي أخذه أبوه مال ولده فلا يحل للأب كمال غير الولد، فيجب أن يؤدِّيه إليه، ويلزم منه: جواز المطالبة به من قبل الولد وورثته، وجواز أخذه من تركة الأب إذا مات، الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز للشخص أن يطالب غير أبيه بدين، وورثته أيضًا مثله فكذلك الولد يجوز له أن يُطالب أباه في ذلك والجامع: أن كلا منهما دين ثابت لا يحل للغير امتلاكه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية حق الأولاد من استغلال الآباء لهم. فإن قلت: لا يجوز للولد أن يُطالب أباه الغني بدين ونحوه إلا بنفقته، أو وجد عين ماله تحت أبيه فطالب به ولا يجوز لورثته أيضًا ذلك، وهو ما ذكره=
[ ٤ / ٣٠ ]
به ثواب الآخر، والهدية وهي ما قصد به إكرامًا وتودّدًا ونحوه نوعان من الهبة: حكمهما حكمها فيما تقدم (^٤٠)، ووعاء هدية كهي مع عرف (^٤١).
المصنف هنا؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "أنت ومالك لأبيك" حيث دلَّ هذا على أن ما أخذه الوالد من مال ولده يكون ملكًا للأب؛ لأن "اللام" في قوله: لأبيك" تدل على التمليك فلا يجوز للولد أن يطالب الأب بذلك، وإذا لم يجز للولد ذلك فمن باب أولى عدم جواز ذلك لورثته من باب "مفهوم الموافقة الأولى" قلتُ هذا الحديث مخصَّص بالأب الفقير المحتاج للمال والذي خصَّصه بذلك هي المصلحة كما سبق في مسألة (٣٦) وعلى ذلك يجوز للولد مطالبة أبيه الغني بأي حق له، فإن قلتَ: لَمَ اتُّفِق على مطالبة الولد لأبيه الغني بالنفقة عليه إذا عجز الولد عن النفقة على نفسه؟ قلتُ للمصلحة حيث إن ذلك فيه حفظ النفس وهي من الضرورات الخمس.
[فرع]: لا يجوز مطالبة الولد لأبيه الفقير بالنفقة عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من فقر الأب: عدم جواز مطالبة الولد الفقير له؛ لأن أحدهما ليس أولى من الآخر في ذلك.
(^٤٠) مسألة: الفرق بين الهبة، والصدقة، والهدية والعطية، والنَّحلة هو: أن الهبة: قد سبق بيانها لغة واصطلاحًا في مسألة (١) والعطية والنِّحلة، كالهبة في ذلك، أما الصدقة فهي: ما قُصد فيها ثواب الآخرة، وقد سبق بيانها في كتاب "الزكاة" أما الهدية فهي: ما قصد به إكرام الآخرين والتودُّد إليهم، والمحبة، وحكم ذلك كله: الاستحباب إذا قصد به وجه الله تعالى، وقصد أيضًا كفَّ الأذى والشر والظلم عنه، وقصد أن لا يوصف بالبخل، أما إذا قصد المباهاة، والرياء والسمعة والحصول على المناصب: فإن ذلك كله حرام.
(^٤١) مسألة: إذا أهدى شخص هدية في وعاء وإناء: فإن الوعاء تابع للهدية فهو مثلها، لا يرد كمن وضع تمرًا أو رطبًا في وعاء له بشرط: أن يكون العرف قد =
[ ٤ / ٣١ ]
فصل: في تصرُّفات المريض بعطية أو نحوها (من مرضه غير مخوف كوجع ضرس، وعين، وصداع) أي: وجع رأس (يسير: فتصرُّفه لازم كـ)
_________________
(١) ـتصرُّف (الصحيح ولو) صار مخوفًا (ومات منه)؛ اعتبارًا بحال العطية؛ لأنه إذ ذاك في حكم الصحيح (^٤٢) (وإن كان) المرض الذي اتّصل به الموت (مخوفًا كبرسام) وهو بخار يرتقي إلى الرأس، ويؤثر في الدماغ فيختل عقل صاحبه (وذات الجنب) قروح بباطن الجنب (ووجع قلب) ورئة لا تسكن حركتها (ودوام قيام) وهو المبطون الذي أصابه الإسهال، ولا يمكنه إمساكه (و) دوام (رعاف)؛ لأنه يصفي الدم، فتذهب القوة (وأول فالج) وهو داء معروف يرخي بعض البدن (وآخر سل) ـبكسر السين- (والحمى المطبقة و) حمى (الربع، وما قال طبيبان مسلمان عدلان: إنه مخوف) فعطاياه جرى بذلك، أما إن لم يكن قد جرى عرف في ذلك: فإن الوعاء يُردُّ، وتؤخذ الهدية؛ للعرف والعادة؛ حيث إن ذلك يُرجع فيه إلى العرف؛ لكون الشارع لم يرد فيه شيء.
(٢) مسألة: إذا مرض شخص مرضًا غير مخوف في العادة: فتصرفه لازم، يتحمَّل تبعاته كتصرف الصحيح فمثلًا: لو كان شخص قد أوجعه ضرسه، أو عينه، أو أصيب بصداع يسير في رأسه أو نحو ذلك من الأمراض غير المميتة عادة، وباع، أو اشترى، أو أعطى، أو أهدى شيئًا أو تصدَّق به، أو أبرأ أحدًا من دينه أو نحو ذلك: فإن هذا البيع والشراء والعطاء والهدية والصدقة والإبراء صحيح: سواء مات بسبب هذا المرض أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن تصرفات الصحيح لازمة وصحيحة فكذلك تصرفات المريض مرضًا غير مخوف مثله والجامع: أن كلًّا منهما قد تصرف في حالة لا يخاف فيها الموت عادة، فإن قلتَ: لِمَ صح تصرفه هنا مع أنه مات بسبب هذا المرض غير المخوف؟ قلتُ: لكونه قد تصرف في حال العطية ونحوها وهو لا يخاف الموت، فجاءه الموت فجأة كالصحيح إذا تصرف في حال صحته.
[ ٤ / ٣٢ ]
كوصية؛ لقوله ﵇: "إن الله تصدَّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم، زيادة لكم في أعمالكم" رواه ابن ماجه (ومن وقع الطاعون ببلده) أو كان بين الصفين عند التحام حرب، وكل من الطائفتين مكافئة للأخرى، أو كان من المقهورة، أو كان في لجة البحر عند هيجانه أو قدم، أو حبس لقتل (ومن أخذها الطَّلْق) حتى تنجو (لا يلزم تبرعه لوارث بشيء، ولا بما فوق الثلث) ولو لأجنبي (إلّا بإجازة الورثة لها إن مات منه) كوصية؛ لما تقدم؛ لأن توقع التلف من أولئك كتوقع المريض (^٤٣) (وإن
(^٤٣) مسألة: إذا مرض شخص مرضًا مخوفًا في العادة والعرف أو كان يغلب على الظن أنه سيهلك بأي سبب: فإن تصرُّفه في الهبة والعطية والتبرّع: لا يلزم ولا يصح إن كان لأي وارث، ويصح لأجنبي إذا لم يكن فوق الثلث، أما إن أذن الورثة فيصح للوارث، ولما فوق الثلث، فمثلًا لو كان شخص قد أُصيب بالبرسام ـوهو كل ما يؤثر في الدماغ- أو أصيب بذات الجنب ـوهي قروح تكون بباطن الجنب-، أو أصيب بدوام قيام- وهو: إسهال مستمر ـأو أصيب بدوام رعاف، أو أصيب بفالج - وهو ارتخاء بعض أعضاء البدن تمامًا -، أو أصيب بسلٍّ- وهو داء يحدث في الرئة -أو بالحمى المطبقة- وهي: ارتفاع درجة الحرارة باستمرار -وحمى الربع- وهي الحمى التي تذهب وتعود كل أربعة أيام-، وكذا: إذا قال طبيب عدل بأن هذا مرض مخوف ومميت، وكذا إذا غلب على الظن الهلاك فيه كشخص قد وقع الطاعون ببلده، أو شخص وقع بين صفين متقاتلين وهما متكافئتان، أو كان هذا الشخص من الطائفة الضعيفة، أو كان في لجة البحر عند هيجانه، أو قدِّم لقتل قصاصًا، أو حبس للقتل، وكذلك المرأة التي بدأ بها الطلق، كل من سبق ونحوهم ممن أصيبوا بمثل ذلك: فإن تصرُّفاتهم لا تلزم ولا تصح كما سبق بيانه؛ لقواعد؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إن الله تصدَّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم" حيث دل بمفهوم العدد على أن الشخص ليس له أكثر من الثلث عند وفاته، وإذا=
[ ٤ / ٣٣ ]
عوفي) من ذلك (فكصحيح) في نفوذ عطاياه كلها؛ لعدم المانع (^٤٤) (ومن امتدَّ مرضه بجذام أو سلٍّ) في ابتدائه (أو فالج) في انتهائه (ولم يقطعه بفراش فـ)
_________________
(١) ـعطاياه (من كل ماله؛ لأنه لا يخاف تعجيل الموت منه كالهرم (والعكس) بأن لزم الفراش (بالعكس) فعطاياه كوصية؛ لأنه مريض صاحب فراش، يخشى منه التلف (^٤٥) (ويُعتبر الثلث عند أصيب الإنسان بمرض مخوف أو غلب على الظن هلاكه بأي سبب: فكأنه متوفى، لا حق له في ماله إلا ثلثه فقط، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الوصية لا تصحّ إلا بثلث ماله فكذلك العطية والهبة ونحوهما في مرض موته المخوف كذلك والجامع: أنه في كل منهما في حالة الظاهر منها الموت. الثالثة: تقرير الصحابي؛ حيث إن عمر لما مرض قال طبيب له: أعهد إلى الناس، فعهد عمر إليهم، وهذا إشارة إلى أنه يكتفي بقول عدل فيه إن هذا المرض يعتبر من الامراض المخوفة، هذا إذا لم يُقدر على طبيبين. الرابعة: التلازم؛ حيث يلزم في غلبة الظن أنه مهلك: أن يكون مرضه مرضًا مخوفًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الورثة؛ لئلا يضيعها الشخص بالهبات والعطايا، والهدايا، والتبرعات عندما يغلب على ظنه هلاكه.
(٢) مسألة: إذا عُوفي الشخص من مرضه المخوف أو سلم من مهلكة وهو قد تصرَّف في حال ذلك بهبة وعطية ونحوهما: فإن ذلك التصرف: يصح؛ وينفذ كل ما أمر به؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الصحيح يصح تصرفه فكذلك هذا الشخص مثله، والجامع: عدم المانع من صحة التصرف.
(٣) مسألة: إذا مرض شخص مرضًا مخوفًا كالجذام، والسل، والسرطان واستمر وطال ولكنه يذهب ويجيء ولم يلزم فراشه: فإن جميع عطاياه، وهداياه كعطايا وهدايا الصحيح: من كل ماله، أما إن ألزمه هذا المرض فراشه، وأقعده فيه: فإن جميع عطاياه وهداياه تكون من ثلث ماله فقط كالوصية، وإن أعطى وارثًا شيئًا وهو في هذه الحالة الأخيرة: فلا ينفذ إلا بإجازة الورثة؛ للقياس؛ بيانه: كما =
[ ٤ / ٣٤ ]
موته)؛ لأنه وقت لزوم الوصايا، واستحقاقها، وثبوت ولاية قبولها وردِّها (^٤٦)، فإن ضاق ثلث عن العطية والوصية: قُدِّمت العطية؛ لأنها لازمة (^٤٧)، ونما العطية من القبول إلى الموت تبع لها (^٤٨)، ومعاوضة المريض بثمن المثل من رأس المال، والمحاباة
أن الشخص الذي هرم وبلغ من العمر عتيًا ولم يلزم فراشه بسببه إذا أعطى شيئًا: فإن عطاياه وهداياه تنفذ من كل ماله، وإذا لزم فراشه بسبب الهرم: فلا تنفذ عطاياه إلا من الجزء الذي تصح فيه الوصية -وهو ثلث ماله - فكذلك المريض مرضًا مخوفًا إذا استمر مثله والجامع: أن الذي لا يلزم الجلوس في الفراش لا يُخاف ولا يُخشى منه الموت والتلف غالبًا والذي يُلزم الفراش: يُخاف ويخشى منه الموت والتلف غالبًا في كل، وهذا هو المقصد منه.
(^٤٦) مسألة إذا كان شخص في مرض موته فأعطى أو أهدى، أو حابي، من ماله شخصًا آخر، أو أعتق عبدًا أو وقف ونحو ذلك: فإنه يُعتبر وصية، أي: يؤخذ من ثلث ماله فقط، وإذا كان هذا الشخص المعطى والمهدى والمحابي من الورثة: فإنه لا ينفذ إلّا بإذن الورثة؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون مرض الموت وقت لزوم الوصايا واستحقاقها، ووقت ثبوت ولاية قبول الوصايا وردِّها: أن يُعتبر كل ما أعطاه، أو أهداه أو وقفه أو حاباه أو نحو ذلك من الوصية فقط، فإن قلتَ لَم شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق ورثة هذا الشخص؛ لكون بعض الناس قد يقصد من ذلك حرمان ورثته من الميراث.
(^٤٧) مسألة: إذا أعطى شخص في مرض موته شخصًا آخر عطية قدرها مائة ريال مثلًا، وكانت له وصية بثلث ماله: وكانت هذه المائة ثلث ماله: فإن العطية تُقدَّم، وتُنفَّذ، وتسقط الوصية، للقياس؛ بيانه: كما أن الصحيح يتصرَّف في الوصية بالثلث ويُغيِّرها فكذلك المريض يتصرَّف بالثلث والجامع: أن تصرُّف هذين لازم.
(^٤٨) مسألة: إذا أعطى زيد المريض مرض الموت عطية لعمرو وقبلها عمرو كأن يُعطيه =
[ ٤ / ٣٥ ]
كعطية (^٤٩) (و) تفارق العطية الوصية في أربعة أشياء: أحدها: أنه (يُسوَّى بين المتقدم والمتأخر في الوصية)؛ لأنها تبرُّع بعد الموت، يوجد دفعة واحدة (ويبدأ بالأول فالأول في العطية)؛ لوقوعها لازمة (و) الثاني: أنه (لا يملك الرجوع فيها) أي: في العطية بعد قبضها؛ لأنها تقع لازمة في حق المعطي، وتنتقل إلى المعطى في الحياة ولو كثرت، وإنما منع من التبرُّع بالزائد على الثلث لحق الورثة، بخلاف الوصية فإنه يملك الرجوع فيها (و) الثالث: أن العطية (يُعتبر القبول لها عند وجودها)؛ لأنها تمليك في الحال، بخلاف الوصية فإنها تمليك بعد الموت فاعتبر عند وجوده (و) الرابع: أن العطية (يثبت الملك) فيها (إذًا) أي عند قبولها كالهبة، لكن يكون مراعي؛ لأنا لا تعلم هل هو مرض الموت أو لا؟ ولا نعلم هل يستفيد مالًا أو يتلف شيء من ماله، فتوقفنا لنعلم عاقبة أمره، فإذا خرجت من الثلث: تبيّنا أن الملك كان ثابتًا من حينه وإلا فبقدره (والوصية بخلاف ذلك) فلا تملك قبل الموت؛ لأنها تمليك بعده فلا تتقدمه (^٥٠)، وإذا ملك المريض من يعتق عليه بهبة أو وصية، أو أقرَّ أنه أعتق ابن عمه
نخلًا: فإن جميع نماء وثمار ذلك النخل للمعطى والموهوب -وهو عمرو- من وقت الإعطاء والقبول إلى موت المعطي -وهو زيد-؛ للتلازم؛ حيث إن نماء الشيء تابع للشيء نفسه فيلزم أن يكون النماء للمعطى؛ لكونه مالكًا لذلك الشيء المعطى.
(^٤٩) مسألة معاوضة المريض بمرض مخوف بثمن المثل: يكون من رأس المال، لا من الثلث، وكذا ما يتغابن بمثله، سواء كان في بيع، أو شراء، أو إجارة ونحوها، وسواء كان مع وارث أو لا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون ذلك ليس بتبرُّع، ولا تهمة فيه: أن يكون من رأس ماله.
تنبيه: المحاباة كالعطية فيما مضى من المسائل.
(^٥٠) مسألة: الفروق بين العطية في مرض الموت وبين الوصية أربعة هي: الفرق الأول: أنه يُساوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، وإذا أوصى في شهر رجب، ثم =
[ ٤ / ٣٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أوصى في رمضان الذي بعده: فإنه يُعمل بوصية رمضان، وتبطل الوصية الأولى، أما العطية: فإنه لا يسوَّى فيها بين الذين قد أعطوا، بل يبدأ بالأول، ثم بعده الثاني وهكذا، للتلازم؛ حيث يلزم من كون الوصية تبرُّع بعد الموت، وكونها تكون مرة واحدة: التسوية بين المتقدم والمتأخر، ويلزم من كون العطية لازمة في حق المعطي: عدم التسوية بين المتقدم والمتأخر؛ حيث إنه لو شاركت الثانية الأولى: لمنع ذلك لزومها في حق المعطي، الفرق الثاني: أن الشخص إذا أعطى شيئًا: فإنه لا يملك الرجوع فيها بعد أن قبضها المعطى في الحياة وإن كانت كثيرة ولكن إذا أعطى أكثر من الثلث وهو في حالته فإنه يُمنع، ويُقصر على الثلث فقط، فلا يملك إجازتها هو ولا ردَّها، أما الوصية فيملك الرجوع فيها وتغييرها ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وقوع العطية لازمة من المعطي: عدم جواز الرجوع فيها، ويلزم من كون الوصية تبرُّع بها بعد الموت: جواز الرجوع فيها في الحياة: فإن قلتَ: لِمَ مُنع من التبرُّع بأكثر من الثلث؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية لحق الورثة؛ الفرق الثالث: أن القبول للعطية معتبر عند وجودها، أما الوصية: فلا حكم لقبولها ولا ردِّها إلا بعد الموت؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون العطية تمليك في حال العطاء: اعتبار القبول حين ذلك؛ ويلزم من كون الوصية تمليك بعد الموت: اعتبار القبول لها بعد الموت؛ الفرق الرابع: أن العطية تملك من حينها لكن يُراعى حال هذا المعطي في مرض موته: فإن مات من ذلك المرض: فإن العطية تكون من ثلث ماله، وإذا كانت لوارث: فلا يأخذ تلك العطية إلا إذا أذن له بقية الورثة، وإن لم يمت بسبب هذا المرض: فإن العطية تكون من جميع ماله -كما سبق-، وكذلك يختلف الحال بسبب وجود زيادة في ماله وهو مريض، أو وجود خسارة فلذلك رُوعي حال هذا المعطي ليُعلم عاقبة أمره لنعمل بها، أما الوصية: فلا تملك إلّا بعد الموت -كما سبق - فلا يكون فيها =
[ ٤ / ٣٧ ]
في صحته: عتقًا من رأس المال، وورثا؛ لأنه حر حين موت مورثه، لا مانع به، ولا يكون عتقهم وصية (^٥١) ولو دبَّر ابن عمه: عتق ولم يرث (^٥٢)، وإن قال: "أنت حر آخر حياتي": عتق وورث (^٥٣).
التفصيل الذي قلناه في العطية؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون العطية في مرض موت المعطي: وجوب انتظار حاله ومراقبة مصيره وإيقاف جميع تبرعاته وعطاياه لذلك، ويلزم من كون الوصية لا تملك إلّا بعد الموت: عدم ذلك. فإن قلتَ: لِمَ أوجد الفقهاء تلك الفروق بين العطية في مرض الموت وبين الوصية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إزالة اللَّبس بينهما عند كثير من الناس.
[فرع]: ما عدا هذه الفروق الأربعة: تكون العطية في مرض الموت كالوصية في جميع الأحكام.
(^٥١) مسألة: إذا ملك زيد المريض مرض الموت من يعتق عليه إذا ملكه -وهم كل ذي رحم محرم منه كأبيه ونحوه- بسبب أنه وهبه إليه عمرو، أو أوصى به إليه، أو أقرّ زيد المريض مرض الموت أنه أعتق ابن عمه لما كان -أي: زيدـ في صحته: فإن ما ملكه -كأبيه- أو أقرَّ به -كابن عمه- يعتقان ويرثان إذا كانا من الورثة، ولا يُعتبر عتقهما من الوصية، فلا يؤخذ ذلك من الثلث؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون العتق ليس من فعله، ولا يتوقف على اختياره، ولم يتبرَّع فيه بعد الموت: أن يعتقان، ويرثان، وأن لا يعتبران من الوصية.
(^٥٢) مسألة: إذا كان زيد قد ملك ابن عمه بأن كان رقيقًا عنده، ودبَّره: بأن قال له: "أنت حر بعد موتي": فإنه يعتق بعد موته، ولكنه لا يرثه؛ للتلازم؛ حيث إن من شرط الإرث: أن يكون الوارث حرًّا، وأن تكون هذه الحرية سابقة لموت مورِّثه، فيلزم من عدم هذا الشرط: عدم الحكم، وهو الإرث؛ لكون الحرية كانت مع الموت، ولم تسبقه.
(^٥٣) مسألة: إذا قال مريض لابن عمه الرقيق عنده: "أنت حر آخر حياتي" ثم مات =
[ ٤ / ٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المريض: فإن ابن عمه يعتق ويرث إن لم يحجبه أحد، للتلازم؛ حيث يلزم من وجود شرط عتقه -وهو وصوله إلى آخر حياته-: أن يعتق ويلزم من وجود شرط إرثه وهو: كون حريته سابقة لموت مورِّثه: أن يرث مع الورثة، فإن قلتَ: إن عتقه وصية تتوقف على إذن الورثة؟ قلتُ: لا يُسلَّم هذا؛ لكونه حال العتق غير وارث، وإنما كان وارثًا بعد نفوذ عتقه، في آخر حياة المورِّث قبل موته بلحظات.
هذه آخر مسائل "باب الهبة والعطية والهدية"، ويليه كتاب: "الوصايا".
[ ٤ / ٣٩ ]