"الهدي": ما يُهدى للحرم: من نِعَم وغيرها، سُمِّي بذلك؛ لأنه يُهدى إلى الله ﷾، و"الأضحية" بضم الهمزة وكسرها: واحدة الأضاحي، ويُقال: "ضحيَّة"، (^١) وأجمع المسلمون على مشروعيتهما (^٢) (أفضلها إبل، ثم بقر) إن أخرج
باب الهدي والأضحية والعقيقة
وفيه أربع وخمسون مسألة:
(^١) مسألة: "الهدي": كل ما يُهدى إلى الحرم من بهيمة الأنعام، أو أطعمة، أو ألبسة لينتفع بها فقراء مكة، و"الأضحية": هي التي يُضحَّي بها وتُذبح من بهيمة الأنعام في أيام عيد الأضحى؛ تقربًا إلى الله تعالى، و"العقيقة": هي التي تُذبح في اليوم السابع من ولادة الولد: إبنًا أو بنتًا، وتُسمَّى بـ"التميمة" عند كثير من أهل نجد، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي ما يُذبح من الهدي بهذا الاسم؟ قلتُ: لكونه يُهدى إلى الحرم؛ قربة إلى الله تعالى، فقد كان النبي ﷺ يبعث بالهدي إلى مكة وهو في المدينة، واتبع السلف هذه الطريقة فقد كانوا يبعثون الهدي والأطعمة والثياب إلى فقراء مكة، أو يأتون بها معهم إذا جاءوا إليها، فإن قلتَ: لم سُمِّيت الأضحية بهذا الاسم؟ قلتُ: لكونها تُذبح ضُحى في يوم عيد الاضحى، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي ما يُذبح في سابع ولادة المولود بالعقيقة؟ قلتُ: لأن شعر كل مولود من الناس والبهائم الذي يُولد وهو عليه يُسمَّى عقيقة، فإذا حلق هذا الشعر في اليوم السابع سُمِّي: هذا الفعل "عقيقة" فسُمِّيت الشاة التي تُذبح في هذا اليوم بهذا الاسم وهي تسمية مجازية بسبب المجاورة والحال.
(^٢) مسألة: الهدي والأضحية والعقيقة مشروعة؛ لقواعد: الأولى: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على مشروعية الهدي والأضحية، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "كل مولود مرتهن بعقيقته" وهذا يلزم منه مشروعيتها الثالثة: السنة =
[ ٢ / ٦٢٦ ]
كاملًا؛ لكثرة الثمن، ونفع الفقراء (ثم غنم) (^٣) وأفضل كل جنس أسمن، فأغلى ثمنًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (^٤) فأشهب، وهو: الأملح، أي: الأبيض، أو ما بياضه أكثر من سواده، فأصفر، فأسود، (^٥) (ولا
الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد عقَّ عن الحسن والحسين، وسيأتي بيان ذلك، تنبيه: لم يرَ أبو حنيفة مشروعية العقيقة وسيأتي بيان ذلك، لذلك قال المصنف: "وأجمع المسلمون على مشروعيتهما" يعني الهدي والأضحية فقط، فإن قلتَ: لمَ شُرِعت هذه الثلاثة؟ قلتُ: قربة إلى الله تعالى، وعبادة له، وشكرًا على ما أنعم عليه الله من وصوله إلى الحرم، وعلى إغنائه، وعلى رزقه بالولد وعلى أنه فضَّله على كثير من الناس وعرفانًا بذلك، فإن قلتَ: لمَ جُعلت مسائل الأضحية والعقيقة مع مسائل الهدي الخاصة بأبواب الحج مع أنهما لا يختصان بالحج؟ قلتُ: لاتفاق مسائلها ومباحثها، فلا تنفرد الأضحية والعقيقة إلا بمسائل قليلة جدًا، ولكون الأضحية شُرعت في وقت الحج.
(^٣) مسألة: الأفضل في الهدي والأضحية أن يذبح بدنة كاملة، ثم تلي ذلك: البقرة كاملة، ثم الغنم؛ للمصلحة؛ حيث إنه كلما كثر اللحم كلما كان أنفع للفقراء، وهم المقصودون بذلك.
(^٤) مسألة: الأفضل في الهدي والأضحية والعقيقة: ما كان سمينًا وغالي الثمن من كل جنس؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ واختيار الأفضل دليل على صدق وقوة إيمان وإخلاص وعبودية المختار؛ حيث إن ذلك فيه مبالغة في الطاعة لله تعالى، وقد أشار إلى ذلك ابن عباس، وهو أنفع للفقراء.
(^٥) مسألة: الأفضل من الضأن: ما كان لونه أبيضًا أملحًا -وهو: الأشهب-، ثم يليه: ما غالبه البياض، ثم يليه الأصفر، ثم يليه الأسود؛ للسنة الفعلية؛ حيث =
[ ٢ / ٦٢٧ ]
يجزئ فيها إلا جذع ضأن) ماله ستة أشهر -كما يأتي- (وثني سواه) أي: سوى الضأن من إبل، وبقر، ومعز (فالإبل) أي: السن المعتبر لإجزاء إبل (خمس) سنين (والبقر: سنتان والمعز: سنة، والضأن نصفها) أي: نصف سنة؛ لحديث: "الجذع من الضأن أضحية" رواه ابن ماجه (^٦) (وتُجزئ الشاة عن واحد) وأهل بيته وعياله؛ لحديث أبي أيوب: "كان الرجل في عهد النبي ﷺ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويُطعمون" قال في "شرح المقنع" .. "حديث صحيح" (^٧) (و) تجزئ
إنه ﷺ قد ضحَّى بكبشين أملحين، ولا شك أنه كلما كان اللون يميل إلى البياض كلما كان أفضل؛ لكونه يدل على النقاء كاستحباب لباس الثياب البيض، فإن قلتَ: لم يُسمَى الأبيض بالأشهب؟ قلتُ: لأن العرب لا تنطق بالبياض، نظرًا لكراهيتهم له؛ لأنه يُشبه البرص، لذلك سمَّت عائشة ﵂ التمر والماء بالأسودين، ووصفت عائشة وخديجة ﵃ بالحميراء مع أنهما بيضاوان.
(^٦) مسألة: يجزئ من الإبل: ما بلغ خمس سنوات وهو: الثني، ومن البقر: ما بلغ سنتين، ومن الغنم: ما بلغ سنة إن كان مِعْز، وإن كان من الضأن: ما بلغ ستة أشهر، وهو: الجذع؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "الجذع من الضأن أضحية" والهدي والعقيقة كالأضحية في ذلك؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن المجزئ من هذه الأجناس ما بلغ ما ذكرناه من الأعمار، فدل مفهوم الغاية والعدد والصفة على أنه لا يجزئ ما دونه، فإن قلتَ: لمَ حُدِّد ذلك السن لكل جنس؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن لحمها يكون أنفع للآكلين، وأنها في هذه السن تعتمد على نفسها.
(^٧) مسألة: يُجزئ الواحد من الضأن، ومن المعز عن الواجب من الهدي، وعن الأضحية والعقيقة، وتُجزئ في الأضحية عنه وعن أهل بيته ولو كثروا؛ للسنة =
[ ٢ / ٦٢٨ ]
(البدنة والبقرة عن سبعة)؛ لقول جابر: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة في واحد منهما" رواه مسلم، وشاة أفضل من سُبُع بدنة أو بقرة (^٨) (ولا تُجزئ العوراء) بيِّنة العَوَر: بأن انخسفت عينها في الهدي ولا في الأضحية، ولا العمياء (و) لا (العجفاء) الهزيلة التي لا مخ فيها (و) لا (العرجاء) التي لا تطيق مشيًا مع الصحيحة (و) لا (الهتماء) التي ذهبت ثناياها من أصلها (و) لا (الجداء) أي: ما شاب ونشف ضرعها (و) لا (المريضة) بيِّنة المرض؛ لحديث البراء بن عازب: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البيِّن مرضها، والعرجاء البيِّن ضلعها، والعجفاء التي لا تُنِّقي"
التقريرية؛ حيث قال أبو أيوب: "كان الرجل في عهده ﷺ يُضحي بالشاة عنه، وعن أهل بيته فيأكلون ويُطعمون" وظاهر ذلك: أنه ﷺ يعلم ذلك؛ لعدم خفاء مثل ذلك، ولم يُنكره، فدل على إجزاء ذلك عنه؛ لعدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة وفي ذلك توسعة على المسلمين.
(^٨) مسألة: ذبح كل فرد شاة أفضل من سُبُع بدنة أو بقرة، لكن تجزئ البدنة عن سبعة من الأفراد، والبقرة عن سبعة أيضًا: سواء اشترك من وجب عليهم الهدي، ومن يُضحي، ومن يذبح عقيقة أو لا، وسواء كانوا مجتمعين قبل ذبح البدنة أو البقرة أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال جابر: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة في واحد منهما" وهذا الأمر للإباحة؛ لكونه ورد بعدما يُظن أنه يُمنع منه، ولا تخفى المصلحة في الاشتراك في ذلك على أحد، فإن قلتَ: لمَ كان الأفضل أن تذبح شاة عن كل واحد؟ قلتُ: لأنه الأصل؛ حيث إن فيه إزهاقًا لعدد أكثر من البهائم؛ لتعظيم الله تعالى.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
رواه أبو داود والنسائي (و) لا (العضباء) التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها (^٩)
(^٩) مسألة: لا يُجزئ في الأضحية، والهدي، والعقيقة تسع: أولها: العوراء البيِّن عورها: بأن يرى أكثر الناس أن إحدى عينيها منخسفة وبياض عينها واضح، ثانيها: العمياء وهي التي لا ترى بعينيها معًا، ثالثها: العجفاء، وهي: الهزيلة التي ذهب شحم جسمها، ومخ عظامها، رابعها: العرجاء البيِّن عرجها لأكثر الناس، وهي التي لا تستطيع اللُّحوق بالصحيحة عند المشي، خامسها: المقطوعة إحدى قوائمها، سادسها: الهتماء وهي: التي سقطت أكثر أسنانها وثناياها بحيث لا تستطيع تقطيع العشب، سابعها: الجدَّاء وهي: التي نشف ضرعها ويبس وصار كالشَّبِّ من البياض، ثامنها: المريضة الواضح مرضها بسبب ظهور جرب في جلدها، أو تعبها الظاهر أو خمولها، أو ظهرت بعض الأورام فيها، تاسعها: العضباء وهي: التي ذهب نصف أو أكثر أذنها، أو قرنها؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيِّن عَوَرها، والمريضة البيِّن مرضها، والعرجاء البيِّن ضلعها، والعجفاء التي لا تنقي"، وهذا النهي مطلق، فيقتضي الفساد ثانيهما: قول علي ﵁: "نهى رسول الله ﷺ أن يُضحِّي بأعضب القرن أو الأذن" وهذا النهي مطلق فيقتضي الفساد الثانية: القياس؛ وهو من وجوه: أولها: كما أن العوراء لا تُجزئ فمن باب أولى: أن لا تُجزئ العمياء، والجامع: عدم رؤية كل العلف أو بعضه، بل العمياء أولى بعدم الإجزاء؛ لأن العَمى: عَوَرٌ مرَّتين، وإن فُرض عليها علف فقد لا يُناسبها فتسوء حالتها، ثانيها: كما أن العرجاء لا تُجزئ فمن باب أولى أن لا تُجزئ مقطوعة إحدى قوائمها، والجامع: أن كلًا منهما لا تلحق بغيرها من البهائم، فيفوتها أكثر العلف الصالح، ثالثها: كما أن المريضة لا تُجزئ فكذلك الهتماء مثلها والجامع: أن كلًا منهما قد ضعُفت عن الأكل، رابعها: كما أن المريضة لا =
[ ٢ / ٦٣٠ ]
(بل) تجزئ (البتراء) التي لا ذنب لها (خِلْقة) أو مقطوعًا، والصمعاء، وهي: صغيرة الأذن (والجمَّاء): التي لم يُخلق لها قرن (وخصُّي غير مجبوب) بأن قُطع خصيتاه فقط (^١٠) (و) يُجزئ مع الكراهة (ما بإذنه أو قرنه) خرق أو شق أو (قطع أقل من
تُجزئ فكذلك الجدَّاء مثلها والجامع: دفع الضرر عن آكلها، فإن قلتَ: لمَ لا تجزئ تلك الحيوانات بتلك الصفات؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تلك الصفات تُؤثِّر على أكلها بالسَّلب، فيتأثر لحمها وعظامها، فيتضرَّر آكلها، فدفعًا لذلك الضَّرر شرع هذا الحكم، فإن قلتَ: إن الهتماء، والجداء، والعضباء تُجزئ في الأضحية، والهدي، والعقيقة، وهو قول أكثر الحنابلة، واختاره ابن عثيمين؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل هو: إجزاء كل بهيمة الأنعام لذلك، وإنما حُكم بعدم إجزاء بعضها -وهي: العوراء، والعمياء والعجفاء، والعرجاء، والمقطوعة القائمة، والمريضة-؛ لثبوت الأدلة القوية على عدم إجزائها، فيبقى الباقي على الأصل، وهو: الإجزاء، فيُستصحب ويُعمل به؛ لعدم ورود دليل يُغيِّر الحالة قلتُ: إن السنة القولية -وهي: "نهى رسول الله ﷺ عن أن يُضحِّي بالعضباء"- وقياس الهتماء والجداء على المريضة: هي التي غيَّرت الأصل، فتُقبل ويُعمل بها: فلا تُجزئ لذلك فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: تعارض الاستصحاب مع السنة القولية وهو حديث علي، والقياس فنعمل بالسنة، والقياس، وهم لم يعملوا بهما.
(^١٠) مسألة: يُجزئ أربع من البهائم في الأضحية والهدي والعقيقة بدون كراهة وإن وُجد فيها بعض العيوب: أولها: البتراء، وهي: التي خُلِقت بلا ذنَب، أو كان مقطوعًا منذ ولادتها، وكذا: إذا كان هذا في إليتها، فلا يؤثِّر، ثانيها: الصَّمعاء، وهي: صغيرة الإذن، ثالثها: الجمَّاء وهي: التي خُلِقت بلا قرن، رابعها: الخصي غير المجبوب، وهو: مقطوع الخصيتين، غير مقطوع الذكر، أما إذا قُطِعت خصيتان مع ذكره: فلا يجزئ؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث =
[ ٢ / ٦٣١ ]
النصف) أو النصف فقط على ما نصَّ عليه في رواية حنبل وغيره، قال في "شرح المنتهى" وهذا هو المذهب (^١١) (والسنَّة: نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليُسرى
إنه ﷺ قد ضحَّى بكبشين مقطوعي الخصيتين، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عمر ﵃ يُفتي بصحة التضحية بالبتراء، والهدي والعقيقة كالأضحية في ذلك؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن الصحيحة تُجزئ في ذلك، فكذلك هذه الأربع السابقة تُجزئ، والجامع: أن كلًا منها لم يتأثَّر اللحم بشيء، فإن قلتَ: لمَ أجزأت؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لا يسلم من تلك العيوب حيوان غالبًا، فلو حُكم بعدم إجزائها مع التسع التي ذُكرت في مسألة (٩): لَلَحق الناس ضررٌ ومشقَّة، فدفعًا لذلك: حُكم بإجزائها بدون كراهة، فإن قلتَ: إن الجمَّاء لا تُجزئ، وهو قول بعض العلماء منهم ابن حامد؛ للقياس الأولى؛ بيانه: كما أن "العضباء" -وهي التي ذهب أكثر قرنها- لا تُجزئ فكذلك "الجماء": من باب أولى أنها لا تُجزئ؛ لذهاب قرنها كله قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الباقي من قرن "العضباء" قد يُؤذيها إذا تعلَّق بشجرة ونحوها، فيتأثر الجرح، مما يُفضي إلى تأثر لحم الحيوان كله، فيضرُّ آكلها، بخلاف "الجماء" فلم يُخلق لها قرن أصلًا، فلا يُوجد طريق لتأثُّره بشيء فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن ألحقنا "الجماء" بالصحيحة؛ لكونها أكثر شبهًا بها، وهم ألحقوها بالعضباء؛ لأنها أكثر شبهًا بها عندهم، وهو المسمى بقياس "غلبة الأشباه" أو "قياس الشبه".
(^١١) مسألة: يُجزئ إثنان من الحيوانات في الأضحية والهدي والعقيقة الكراهة أولهما: الحيوان الذي بإذنه أو قرنه خرق أو شق، ثانيهما: الحيوان الذي قُطع من إذنه أو قرنه نصفه أو أقل من ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك لا يُؤثِّر على لحمها غالبًا فأجزأت، وكرهت؛ لاحتمال تأثُّرها احتمالًا ضعيفًا، وهذا كله لحماية آكلها، وهو المقصد منه.
[ ٢ / ٦٣٢ ]
فيطعنها بالحربة) أو نحوها (في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر)؛ لفعله ﷺ، وفعل أصحابه كما رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن سابط (و) السنة أن (يُذبح غيرها) أي: غير الإبل على جنبها الأيسر موجَّهة إلى القبلة (ويجوز عكسها) أي: ذبح ما يُنحر، ونحر ما يُذبح؛ لأنه لم يتجاوز محل الذبح، والحديث: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل" (^١٢) (ويقول) حين يُحرِّك يده بالنحر أو الذبح (بسم الله) وجوبًا (^١٣) (والله أكبر) استحبابًا (اللهم هذا منك ولك) ولا بأس بقوله: "اللهم
(^١٢) مسألة: يُستحب أن تنحر الإبل وهي قائمة، معقولة يدها اليُسرى، بطعنها بالحربة، أو بالسكين، أو بالسيف في الوَهْدَة -: وهي موضع منخفض يوجد بين الرقبة والصدر-، أما غير الإبل من: بقر وغنم فيُستحب أن يذبحها على جنبها الأيسر فيضع رجله على صفحتها، ويوجهها إلى القبلة، ثم يذبحها بيده اليُمنى من أعلى الرقبة، ويُباح العكس: بأن يفعل بالإبل مثل ما فعل في البقر والغنم، ويفعل بهما مثل ما فعل بالإبل؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل" وهذا عام في نحر الإبل، وذبح البقر والغنم بأي طريقة أراد، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ نحر الإبل وهي قائمة، وذبح الكبشين على طريقة الاضطجاع، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه قد رُوعي ما يُناسب كل حيوان، فالإبل إذا ضرب بالسيف أو السكين من الوَهْدَة أسرع في موته، والبقر والغنم إذا ذُبحا عن طريق الاضطجاع أسرع في ذلك، وهذا فيه مصلحة للذابح والمذبوح؛ حيث إن ذلك فيه راحتهما.
(^١٣) مسألة: يجب على الذابح أن يُسمِّي قائلًا: "بسم الله" عند إرادته تحريك يده للنحر أو الذبح، فإن ترك التسمية عمدًا: فهو آثم، ولا تؤكل ذبيحته، أما إن ترك التسمية خطأ، أو جهلًا، أو غفلة أو سهوًا: فلا إثم عليه، وتؤكل ذبيحته؛ =
[ ٢ / ٦٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لقاعدتين: الأولى: الكتاب وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ حيث نهى عن الأكل مما لم يُذكر اسم الله، وهذا النهي مُطلق، فيقتضي التحريم والفساد، وهذا عام لمتروك التسمية عمدًا وغيره؛ لأن "ما" الموصولة من صيغ العموم، ومفهوم الصفة قد دلَّ على جواز الأكل مما ذكر عليه اسم الله، ثانيهما: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ حيث إن هذه الآية قد خصَّصت الآية السابقة فيكون المراد: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه عمدًا، أما المتروك التسمية عليه خطأ، أو سهوًا أو جهلًا: فكلوا منه؛ حيث إن المراد: عدم المؤاخذة، وجواز الأكل؛ لأنه لا يتعلَّق بحق آدمي، الثانية: السنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه فكل" حيث دلَّ مفهوم الصفة على عدم جواز الأكل مما لم يُذكر اسم الله عليه: وهذا المفهوم عام فيشمل متروك التسمية عمدًا أو خطأ أو جهلًا، ثانيهما: قوله ﷺ: "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان … " حيث إن هذا قد خصَّص عموم مفهوم الصفة من الحديث السابق، وخصَّص أيضًا عموم الآية، فيكون المراد: يحرم الأكل من متروك التسمية عمدًا، أما متروك التسمية خطأً، أو جهلًا أو نسيًا: فلا يحرم أكله، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن تارك التسمية عمدًا أراد مخالفة الشارع فلم يذكر اسم الله على شيء أراد التقرب به إليه، فلم تؤكل ذبيحته، بخلاف المخطئ والجاهل فهو معذور، فعدم ذكر التسمية ليس من فعله ولا قصده وليس هذا حقًا من حقوق الآدميين فيضمنه، بل هو حق الله تعالى، ولله سبحانه قد أسقط عن المعذور من التأثيم والفعل في الآية الثانية، والحديث الثاني مما ذكرنا، فلو لم يجزئ الأكل من الذبيحة متروكة التسمية من غير عمد أو قصد: للحق الناس ضرر؛ لكثرة ما يقع، فدفعًا لذلك: شُرع الأكل منها، تنبيه: ما ذكرناه في التسمية هنا يقال في =
[ ٢ / ٦٣٤ ]
تقبَّل من فلان"، (^١٤) ويذبح واجبًا قبل نقل (^١٥) (ويتولَّاها) أي: الأضحية (صاحبها) إن قدر (^١٦) (أو يُوكِّل مُسلمًا ويشهدها) أي: يحضر ذبحها إن وكَّل
الصيد مثله، تنبيه آخر: بعض العلماء قال: ما لم يُذكر اسم الله عليه لا يؤكل سواء كانت ذبيحة أو صيدًا، وسواء تُركت التسمية عمدًا، أو سهوًا أو نسيانًا أو جهلًا، وسيأتي.
(^١٤) مسألة: يُستحب أن يقول الذابح -بعد التسمية-: "الله أكبر، اللهم هذا منك ولك، اللهم تقبَّل مني"؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقول عند الذبح: "الله أكبر، اللهم هذا منك ولك"، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تجديد وتوحيد لله، واستحضار أن الله أكبر من كل شيء، لذلك تُنحر له الأنعام؛ لاستحقاقه، ولاستحقار هذه الدنيا وما فيها، وليُذكِّر نفسه ومن حوله: أن هذه البهيمة وغيرها من الله أصلًا؛ إذ لولاه لما رُزق إياها، ولما انقادت له، ذلك فقد أذن الله تعالى بأن يُتعبَّد بها إليه تلطُّفًا منه سبحانه، وهذا من أعظم الكرم.
(^١٥) مسألة: يجب أن يُقدِّم المسلم ذبح ما وجب عليه -كهدي التمتع، أو الإحصار، وما وجب بترك واجب من الحج، أو نذر- قبل أن يذبح المستحب كالأضحية والعقيقة؛ للقياس، بيانه: كما أنه يُقدَّم فعل الواجب من صلاة وصوم وزكاة وحج على نفل صلاة وصوم وصدقة وحج فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا من الواجبات يُعاقب على تركه، دون النفل، وهذا فيه احتياط المسلم لدينه.
(^١٦) مسألة: يُستحب أن يذبح المسلم أضحيته وهديه بنفسه، وكذلك ولي المعقِّ له إن استطاع؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ "قد فعل ذلك في الأضحية، والهدي" =
[ ٢ / ٦٣٥ ]
فيه، (^١٧) وإن استناب ذمِّيًا في ذبحها: أجزأت مع الكراهة، (^١٨) (ووقت الذَّبح)
والعقيقة مثلهما؛ لعدم الفارق من باب: "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أكثر أجرًا؛ لاجتماع دفع الثمن والفعل.
(^١٧) مسألة: يُباح أن يؤكِّل المسلم مسلمًا آخر ليقوم بذبح أضحية أو هدي، أو عقيقة، ويُستحب أن يحضر صاحب الذبيحة ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قال لفاطمة: "أحضري أُضحيتكِ يُغفر لكِ عند أول قطرة من دمها" والذي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد وكَّل من يذبح عنه بعض هديه، ولم يحضر ذلك كل وقت ذبحها، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ وكَّل بعض أصحابه أن يذبح الباقي من هديه، والأضحية، والعقيقة مثل ذلك؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ أُبيح التوكيل هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ ولا يخفى ما في ذلك من التوسعة على المسلمين، فإن قلتَ: لمَ استُحب الحضور هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهو: غفران الذنوب، وكثرة الأجر كما ورد في النص.
(^١٨) مسألة: لا يُجزئ ذبح الكافر عن المسلم -سواء كان ذميًا أو لا-، ولا تؤكل ذبيحته؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا يذبح ضحاياكم إلا طاهر" فنهى أن يذبح النجس -وهو الكافر- الضَّحايا وهو مفهوم صفة من لفظ "طاهر"، وأثبت جواز ذبح الطاهر -وهو المسلم-؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، والنهي هنا مطلق فيقتضي التحريم، وفساد المذبوح إن ذبحه نجس -وهو الكافر-، فلا يُؤكل؛ فإن قلتَ: لمَ لا يُجزئ ذلك؟ قلتُ: لأن الكافر ليس من أهل العبادة والطاعة والقربة، فلا يحلُّ ما يتولَّاه مما يخصُّ العبادة، والهدي والعقيقة كالأضحية هنا، فإن قلتَ: بل يُجزئ ذبح الذمِّي مع الكراهة، وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، ولم أجد قرينة قويت على =
[ ٢ / ٦٣٦ ]
لأضحية وهدي نذر أو تطوع، أو متعة، أو قِران (بعد صلاة العيد) بالبلد، فإن تعدَّدت فيه: فبأسبق صلاة، فإن فاتت الصلاة بالزوال: ذبح بعده (أو) إن كان بمحلِّ لا تُصلَّى فيه العيد: فالوقت بعد (قدره) أي: قدر زمن صلاة العيد، ويستمر وقت الذَّبح (إلى) آخر (يومين بعده) أي: بعد يوم العيد، قال أحمد: "أيام النحر ثلاثة عن غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ"، (^١٩) والذبح في اليوم الأول
صرف النهي إلى الكراهة. [فرع]: إذا ذبح الكافر ذبائح لغير القربة والعبادة -أي: لغير الأضحية والعقيقة والهدي-: فيجوز للمسلم أن يأكل منه بشرط: أن يُسمِّي بالله عند أكله؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ -لما سُئل عن ذلك-: "سمُّوا وكُلُوا" وهذا الأمر للإباحة؛ لأنه ورد بعد حظر وسيأتي بيانه في باب "الذكاة" من كتاب "الأطعمة".
(^١٩) مسألة: وقت ذبح الأضحية وهدي تمتع، أو قرآن، أو نذر، أو تطوع يبدأ من بعد صلاة عيد الأضحى مباشرة -قبل الخطبة-، ويُقدَّر ذلك بساعتين من بعد طلوع الشمس لمن لم يُصلِّ، أو في مكان لا تُصلَّى فيه صلاة العيد كالصحراء، وينتهي بمغيب الشمس من اليوم الثاني عشر من ذي الحجة، فتكون أيام النحر ثلاثة فقط، ولا يُعتبر الذبح قبل صلاة العيد؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ حيث جاء ذكر النحر بعد الصلاة، فيُبدأ بما بدأ الله به كما ذكرنا ذلك في الصفا والمروة، فكما أن من بدأ السعي بالمروة لا يصح سعيه، فكذلك من بدأ بالنحر قبل الصلاة لا يصح نحره كأضحية أو هدي، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من صلى صلاتنا ونسك نسُكنا: فقد أصاب النسك، ومن ذبح قبل أن يُصلِّي فليُعد مكانها أخرى" وهذا صريح في عدم اعتبار ذبح قبل الصلاة أضحية، الثالثة: قول الصحابي؛ حيث ثبت عن عمر وابنه، وعلي، وابن عباسٍ، وأبي هريرة، وأنس ﵃: أن وقت الذبح ثلاثة أيام فقط، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للتوسعة على =
[ ٢ / ٦٣٧ ]
عقب الصلاة والخطبة وذبح الإمام: أفضل، ثم ما يليه (^٢٠) (ويُكره) الذبح (في ليلتهما) أي: ليلتي اليومين بعد يوم العيد؛ خروجًا من خلاف من قال: بعدم الإجزاء فيهما (^٢١) (فإن فات) وقت الذَّبح: (قضى واجبه) وفعل به كالأداء، وسقط التطوع؛ لفوات وقته، (^٢٢) ووقت ذبح واجب بفعل محظور من حينه، فإن أراد فعله
المسلمين، فإن قلتَ: لمَ لا يُذبح في اليوم الثالث عشر؟ قلتُ: لأن هذا اليوم لا يجب الرمي فيه، فلم تجز التضحية فيه كاليوم الذي بعده، [فرع]: إذا تعددت صلوات العيد في بلد واحد: فإنه يذبح بعد أسبق صلاة منها؛ نظرًا لتعلُّق الحكم بالصلاة، لا بالوقت، ولذلك يُذبح قبل الخطبة.
(^٢٠) مسألة: الأفضل في وقت الذبح: أن يكون بعد الصلاة والخطبة مباشرة، وبعد ذبح الإمام أو نائبه -إن قدر على العلم بذلك-، ويليه: اليوم الذي بعده؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد ذبح في هذا الوقت، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن كثيرًا من الصحابة قد ذبحوا بعد ذبح النبي ﷺ، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك هو الأفضل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه أجر عظيم؛ نظرًا للمبادرة والمسارعة في فعل الطاعات كالصلاة في أول وقتها.
(^٢١) مسألة: يُجزئ الذبح في ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر، مع الكراهة؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من وقوع الذبح في وقته: إجزاؤه، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الليل يصعب توزيع اللحم وهو طريُّ على مُستحقيه، فيفوت أكثر نفعه فكُره لذلك، تنبيه: قوله: "خروجًا من خلاف .. " يُريد: أنه قال بالكراهة؛ لمراعاة الخلاف هنا قلتُ: مُراعاة الخلاف ليس بدليل مُعتبر عند الجمهور، وقد سبق بيانه.
(^٢٢) مسألة: إذا فات وقت الذبح بأن غابت الشمس من يوم الثاني عشر: فإنه يجب عليه أن يذبح الواجب عليه -كهدي تمتع أو قرآن أو نذر- قضاءً، أما إن =
[ ٢ / ٦٣٨ ]
لعذر: فله ذبحه قبله، وكذا: ما وجب لترك واجب: وقته من حينه (^٢٣) فصل: (ويتعيَّنان) أي: الهدي والأضحية (بقوله: هذا هدي أو أضحية) أو لله؛ لأنه لفظ يقتضي الإيجاب، فترتَّب عليه مُقتضاه، وكذا: يتعيَّن بإشعاره، أو بتقليده بنيته (لا بالنية) حال الشراء، أو السوق كإخراجه مالًا للصدقة (^٢٤) (وإذا تعيَّنت) هديًا أو
كان تطوعًا -كالأضحية- فإنه يسقط؛ للقياس، وهو من وجهين، أولهما: كما أن الصلاة الواجبة لا تسقط بفوات وقتها، بل يصليها قضاء في أي وقت قدر عليه بعد ذلك؛ لقوله ﷺ: "من نام عن صلاة أو نسيها فليُصلها إذا ذكرها" فكذلك الذَّبح الواجب لا يسقط بفوات وقته، بل يُقضى بعد وقته، والجامع أن كلًا منهما قد انشغلت به الذمة، فلا تبرأ إلا بفعله، ثانيهما: كما أن التراويح تسقط بفوات وقتها فكذلك الأضحية تسقط بفوات وقتها والجامع: عدم تعلُّق الذِّمَّة بهما؛ لكونهما سنة إن فعله فله أجر، وإن تركه فلا إثم عليه.
(^٢٣) مسألة: وقت ذبح ما وجب من دم -وهي: الشاة- بسبب فعل محظور من محظورات الإحرام -كالحلق أو التقليم ونحوهما-، أو بسبب تركه لواجب من واجبات الحج -كترك المبيت بمزدلفة-: يكون من حين فعله، أو قبله بقليل إذا عزم على فعله، للتلازم؛ حيث إن فعل المحظور، أو ترك الواجب سبب لوجوب ذلك الدم فيلزم أن يكون ذبحه في حينه؛ لأن الحكم يكون بعد وجود سببه، والعزم سبب، [فرع]: شروط الذَّبح الشرعي: أن يكون الذابح عاقلًا مسلمًا، وأن تكون الآلة حادَّة، وأن يقطع الحلقوم والمرئ، وأن يُسمِّي بالله وسيأتي تفصيل ذلك في باب "الذكاة" من كتاب "الأطعمة".
(^٢٤) مسألة: تتعيَّن هذه البهيمة -وهي الشاة مثلًا- أنها أضحية أو هدي بالنية والقول: بأن ينوِ بها أنها قربة لله تعالى، وأن يقول: "إن هذه أُضحية أو هدي" أو "هي لله تعالى" أو يُعلِّق على الهدي نِعالًا أو قطعة من الثياب، أو "يشق =
[ ٢ / ٦٣٩ ]
أضحية: (لم يجزِ بيعها ولا هبتها)؛ لتعلُّق حق الله تعالى بها كالمنذور عتقه نذر تبرر (^٢٥) (إلا أن يُبدلها بخير منها) فيجوز، وكذا: لو نقل الملك فيها، واشترى خيرًا منها: جاز نصًا، واختاره الأكثر؛ لأن المقصود: نفع الفقراء، وهو حاصل بالبدل، (^٢٦) ويركب لحاجة فقط بلا ضرر (^٢٧) (ويجزُّ صوفها ونحوه) كشعرها،
سنام البعير الأيمن فيُخرج بعض الدم" ويُسمَّى بالإشعار أو التقليد؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن الصدقة أو الوقف، أو العتاق لا يتعيَّن إلا بالنية والقول فكذلك الأضحية والهدي لا يتعيَّنان إلا بذلك، والجامع أن كلًا منها فيه لفظ اقتضى الإيجاب على نفسه على قصد القربة فلا بد منهما، ولا تكفي نيته عند شرائها أنها أضحية، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر ﵃ كان يفعل الإشعار، والتقليد في الهدي.
(^٢٥) مسألة: إذا تعيَّنت بهيمة كشاة مثلًا بالقول والنية على أنها أضحية أو هدي: فيجب ذبحها لذلك، فلا يجوز بيعها، ولا هبتها ولا وفاء دينه منها؛ للقياس؛ بيانه: كما أن السيد لو نذر أن يُعتق عبده المعيَّن نذر برٍّ: فلا يجوز بيعه أو التصرف فيه، ولا سداد دينه من ثمنه فيما لو مات وعليه دين، بل لا بدَّ من عتقه، فكذلك الحال هنا في الشاة، والجامع: أن كلًا منهما قد خرج من مُلكه بمجرد تعيينه لله تعالى.
(^٢٦) مسألة: يجوز إبدال شاة مُعيَّنة لله تعالى بشاة أفضل منها، ويجوز بيعها لقصد شراء أفضل منها؛ للقياس، بيانه: كما يجوز استبدال وقف بما هو خير منه، فكذلك ما نحن فيه مثله والجامع: حصول المقصود من كل منهما وهو نفع الفقراء، وهو المقصد الشرعي.
(^٢٧) مسألة: يُباح أن يركب ما عيَّنه أُضحية أو هديًا -مثل الإبل- إن احتاج لذلك، ولم يلحق المركوب ضرر، فإن لم يحتج إلى ذلك، أو احتاج ولكن =
[ ٢ / ٦٤٠ ]
ووبرها (إن كان) جَزُّه (أنفع لها ويتصدَّق به) وإن كان بقاؤه أنفع لها: لم يجز جَزُّه، (^٢٨) ولا يُشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها (^٢٩) (ولا يُعطى جازرها
المركوب يتضرَّر: فلا يُباح الركوب؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ لرجل قد عيَّن بدنة هديًا: "اركبها بالمعروف" وهذا يلزم منه: أن يركبها إن احتاج لذلك، وأن لا يلحقها ضرر بذلك، وفيه دفع الضرر عنهما؛ وهو المقصد الشرعي.
(^٢٨) مسألة: يُباح أن يجز ويأخذ شعر، وصوف، ووَبَر البهيمة المعيِّنة أُضحية أو هديًا، وينتفع به إن كان أخذه أنفع لها، أما إن كان يضرُّها ذلك: فلا يُباح؛ لقاعدتين، الأولى: القياس، بيانه: كما أن المالك ينتفع بجلد وشحم وعظام الأضحية والهدي فكذلك ينتفع بشعرها وصوفها ووبرها، والجامع: أن كلًا منها لا يصدق عليه اسم اللحم المأمور بالتصدق به، الثانية: المصلحة؛ حيث إنها تقتضي أخذ شعرها وصوفها ووبرها أحيانًا، وأحيانًا لا تقتضي، فأوجب الشارع مراعاة ذلك، فإن قلتَ: إنه إذا أخذ شعرها وصوفها ووبرها: لا ينتفع به، بل يتصدَّق به، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أنه يتصدق بلحمها فكذلك الصوف والشعر والوبر مثله، والجامع: نفع الفقراء في كل، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن انتفاع الفقراء باللحم أعظم من انتفاعهم بالشعر ونحوه، فلا يُقاس عليه الشعر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فعندنا تُلحق تلك الأمور بالجلد والعظام والشحم؛ لكون الشعر ونحوه أكثر شبهًا بها، وعندهم: تُلحق باللحم لأنها أكثر شبهًا به عندهم، وهذا قياس الشبه، أو "غلبة الأشباه".
(^٢٩) مسألة: يُباح أن يُشرب من لبن الأضحية والهدي المعيَّنتين إن لم يُلحق ذلك الضرر بها أو بولدها، فإن وجد هذا الضرر: فلا يُباح ذلك: للقياس، بيانه: =
[ ٢ / ٦٤١ ]
أجرته منها)؛ لأنه معاوضة، ويجوز أن يُهدي له، أو يتصدَّق عليه منها (^٣٠) (ولا يبيع جلدها ولا شيئًا منها) سواء كانت واجبة أو تطوعًا؛ لأنها تعيَّنت بالذبح (بل ينتفع به) أي: بجلدها، أو يُتصدَّق به استحبابًا؛ لقوله ﷺ: "لا تبيعوا لحوم الأضاحي والهدي، وتصدُّقوا، واستمتعوا بجلودها" وكذا: حكم جُلِّها، (^٣١) (وإن تعيَّبت) بعد
كما يباح ركوبها إن لم تتضرَّر، فكذلك يُباح شرب لبنها إن لم يلحق بها ضرر أو بولدها، والجامع: دفع الضرر عنه وعنها في كل، وهو المقصد منه.
(^٣٠) مسألة: الجزَّار الذي يقوم بذبح الأضحية أو الهدي لا يُعطى أجرته من لحمها، ولكن يُتصدَّق عليه منه إن كان من أهل الصدقة، أو يُهدى إليه منه؛ للسنة القولية؛ حيث قال علي ﵁: "أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بُدنه، وأن أقسِّم جلودها، وجلالها، وأن لا أعطي الجازر منها شيئًا" فحرم إعطاء الجزَّار منها شيئًا؛ لأن النهي هنا مطلق فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الأضحية أو الهدي أصبحت مُلكًا الله بتعيينها، ولا يجوز أن يُعوِّض الآخرين عن عملهم من أملاك غيرهم، فإن قلتَ: لمَ يُعطى الجزَّار منها كصدقة، أو هدية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه مستحق للأخذ منها كغيره، بل هو أولى؛ لكون نفسه قد اشتاقت إليها؛ لكونه قد باشر ذبحها واطَّلع على لحمها.
(^٣١) مسألة: يجوز أن ينتفع بجلد ورأس، وكبد، ورجل وكرش الأضحية والهدي لنفسه، أو يتصدَّق به، وكذا: جُلَّها -وهو: الغطاء الذي يُطرح عادة على ظهر الدَّابة-: سواء كان الهدي واجب أو لا، ولا يجوز بيعها؛ للسنة القولية: حيث قال ﷺ: "لا تبيعوا لحوم الأضاحي والهدي، وتصدَّقوا، واستمتعوا بجلودها" فالأمر بالاستمتاع بالجلود نهي عن بيعه، والرأس، والكرش، والكبد، وآخر الأرجل مثل الجلود؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة"، وحديث علي ﵁ المذكور في مسألة (٣٠) - يلزم منه: عدم جواز بيع الجِلال، لأمره =
[ ٢ / ٦٤٢ ]
تعيينها: (ذبحها وأجزأته)، (^٣٢) وإن تلفت أو عابت بفعله أو تفريطه: لزمه البدل كسائر الأمانات (^٣٣) (إلا أن تكون واجبة في ذمَّته قبل التعيين) كفدية ومنذور في الذِّمَّة عيَّن عنه صحيحًا فتعيَّب: وجب عليه نظيره مُطلقًا، (^٣٤) وكذا لو سُرق، أو
بالتصدق بها، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لكونها قد تعيَّنت بالذبح الله، ولا يجوز بيع شيء مما لا يملكه المسلم؛ لقوله ﷺ: "لا تبع مالا تملك".
(^٣٢) مسألة: إذا أصاب الأضحية أو الهدي التطوع عيب من العيوب التسعة -المذكورة في مسألة (٩) - كأن تُصاب بعور أو عمى، أو تنكسر رجلها من غير تفريط من المالك بعد أن عيَّنها لله تعالى: فإنه يذبحها وتجزئه، للسنة القولية؛ حيث قال أبو سعيد: "ابتعنا كبشًا نُضحِّي به فأصاب الذئب إليته فسألنا النبي ﷺ فأمرنا أن نُضحِّي به" والأمر هنا للإباحة؛ لكونه ورد بعد حظر، ولا فرق بين العيوب في ذلك من باب "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ كانت مجزئة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، ومحافظة على حقوق الناس.
(^٣٣) مسألة: إذا تلفت الأضحية أو الهدي أو تعيَّبت بعد تعيينها بسبب فعله هو، أو تفريط منه: بأن صارت عوراء أو عمياء: فإنها لا تُجزئ، بل لا بدَّ أن يُوجد بديلًا عنها؛ للقياس، بيانه: كما أن الأمانة إذا تعيَّبت أو تلفت بسبب تعدِّي المؤتمن، أو تفريطه: فإنه يضمن ذلك فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًا منهما ليس مُلكًا له تلف أو تعيَّب بسببه فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ وحماية حقوق الله تعالى.
(^٣٤) مسألة إذا وجب الهدي -كهدي التمتع والقِران-، أو وجب عليه دم بفعل محظور من محظورات الإحرام، أو بترك واجب من واجبات الحج، أو بسبب نذر، فاشترى شاة لذلك وعيَّنها، ثم أصابها عيب من العيوب التسعة - السابقة =
[ ٢ / ٦٤٣ ]
ضلَّ ونحوه، (^٣٥) وليس له استرجاع معيب وضال ونحوه وَجَدَه (^٣٦)
الذكر في مسألة (٩) -كأن يُصيبها عرج ونحوه: فلا تجزئه لو ذبحها، ويجب عليه أن يذبح عنها صحيحة: سواء كان هذا العيب بتفريطٍ منه أو لا؛ للتلازم؛ حيث إنه قد وجب عليه دم -وهي: الشاة- صحيح تبرأ به الذِّمة، وما أصابها عيب لا تبرأ الذِّمَّة به وإن كان من غير قصد": فيلزم ذبح صحيحة عنها لأن الإيجاب كالشرط.
(^٣٥) مسألة: إذا سُرِقت أو ضلَّت الأضحية أو الهدي أو المنذورة، أو الدم بعد تعيينها لذلك: فيجب عليه أن يذبح ما يُماثلها؛ للتلازم؛ حيث إنه لما عيَّنها، أو نذرها، أو وجبت بسبب فعل محظور أو ترك واجب: اشتغلت الذِّمَّة بذلك فيلزم أن يذبحها أو ما يماثلها؛ لإبراء ذمته.
(^٣٦) مسألة: إذا سُرقت أو ضلَّت الأضحية أو الهدي أو المنذورة، أو الدم أو تعيَّبت وذبح ما يُماثلها، ثم وجد المسروقة، أو الضالة، أو شُفيت المعيبة: فإنه يملكها تمام الملك، ولا يجب عليه ذبحها؛ للتلازم؛ حيث إن ذمَّته قد برأت بذبح ما يُماثلها: فيلزم عدم وجوب شيء عليه فيمتلكها إذا عادت؛ لأن العبادة لا تُفعل مرَّتين، فإن قلتَ: إنه لا يمتلكها ولا يسترجعها لنفسه، بل يذبحها أيضًا، ويُقسِّم لحمها على الفقراء وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لفعل الصحابي؛ حيث إنه قد ثبت عن عائشة، وعمر وابنه، وابن عباس ﵃ أنهم ذبحوا البدل، ولما عادت الضالَّة ذبحوها أيضًا، والمعيبة مثلها قلتُ: ذبحوا العائدة استحبابًا؛ لأن الفعل لا يدل إلا على الاستحباب، ولا يوجد سبب لإيجاب ذبحها بعد ذبحهم لما يُماثلها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه "تعارض التلازم مع فعل الصحابي" فعندنا: يُعمل بالتلازم؛ لضعف فعل الصحابي، وعندهم: يُعمل بفعل الصحابي؛ لقوته عندهم.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
(والأضحية سنة) مؤكَّدة على المسلم، (^٣٧) وتجب
(^٣٧) مسألة: الأضحية مستحبة استحبابًا مؤكَّدًا على القادر وغيره؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ثلاث كُتبن عليَّ، وهنَّ لكم تطوع: الوتر، والنحر، وركعتا الفجر" وهذا من الفروق في الأحكام بين النبي ﷺ وبين أمته، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من محافظة الصحابة عليها: أنها سنة مؤكدة، فإن قلتَ: لمَ استُحبت؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنها من شعائر الإسلام، وهي تزيد من أجر الأحياء، ويصل ثوابها إلى الأموات، فإن قلتَ: إنها واجبة على المستطيع، وهو قول أبي حنيفة ومالك وبعض العلماء؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من كان له سَعَة ولم يُضحِّ: فلا يقربنَّ مُصلَّانا" فدم من لم يُضحِّ وهو قادر بعدم قربانه المسجد وهذا عقاب، ولا يُعاقب إلا من ترك واجبًا قلتُ: هذا الحديث قد ضعَّفه أكثر أئمة الحديث، وعلى فرض قوته: فإنه يدلُّ على أنها مُستحبة استحبابًا مؤكَّدًا؛ قياسًا على قوله: "من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربنَّ مُصلَّانا" يُريد الثوم والبصل، ومع ذلك: فإنه لو صلى أكل الثوم والبصل في المسجد لصحَّت صلاته مع الكراهة، لأنه ﷺ أراد بذلك التعبير أن يُؤكّد كراهة الصلاة مع الجماعة بعد أكله ذلك، فكذلك هنا أراد أن يؤكد بذلك التعبير استحباب الأضحية، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في صحَّة حديث: "من كان له سعة .. "، فعندنا: لا يُحتجُّ به؛ لضعفه، وعندهم: يُحتجُّ به. [فرع]: الأضحية تكون للأحياء، ولا تكون للأموات استقلالًا، أي: أن المسلم يُضحِّي عن نفسه، وعن أهل بيته من الأحياء والأموات، فالأموات يدخلون تبعًا، وعلى هذا: فلو أفرد ميتًا بأضحية: فإنها تكون صدقة، لا أضحية، وأفراد الميت بذلك على أنها أضحية بدعة؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد ضحَّى عشر سنوات =
[ ٢ / ٦٤٥ ]
بنذر (^٣٨) (وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها) كالهدي والعقيقة؛ لحديث: "ما عمل ابن آدم يوم النحر عملًا أحبُّ إلى الله من إراقة الدم" (^٣٩) (وسُنَّ أن يأكل) من
عن نفسه وأهل بيته، ويدخل في ذلك الأحياء والأموات، لكنه لم ينوِ أضحية خاصة لعمه حمزة، أو لزوجته خديجة ﵃، أو لبعض أولاده أو أقربائه الذين ماتوا قبله، الثانية: الاستقراء؛ حيث إنه ثبت بعد استقراء وتتبُّع أحوال الصحابة أنهم فعلوا كما فعل النبي ﷺ، الثالثة: التلازم؛ حيث يلزم من فعل شيء لم يفعله النبي ﷺ ولا أصحابه: أن يكون بدعة، وكل بدعة ضلالة.
(^٣٨) مسألة: تجب الأضحية إذا نذرها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من نذر أن يُطبع الله فليطعه" فأوجب الشارع الوفاء بالنذر؛ لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، وهو عام فيشمل ما نحن فيه؛ لأن اسم الشرط من صيغ العموم.
(^٣٩) مسألة ذبح الأضحية، والهدي، والعقيقة أفضل من التصدُّق بثمنها، ولو كان ثمنها يُشترى به أكثر من لحمها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ما عمل ابن آدم يوم النحر عملًا أحبُّ إلى الله من إراقة الدم" فيلزم من لفظ "أُحبُّ" أن ذبح ذلك وإراقة دمه أفضل من التصدُّق بثمنها؛ لأن "أحب" صيغة مبالغة، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد ضحَّى عشر سنين، فلو كانت الصدقة بثمنها أفضل لفعله؛ مع أن الناس كثيرًا ما يكونون بحاجة إلى الثمن أكثر من اللحوم، ومع ذلك لم يتصدَّق بثمنه، بل ذبح، فإن قلتَ: لمَ كان الذبح أفضل؟ قلتُ: لأمرين: أولهما: أن سيلان الدم عبادة مقصودة كما قصد من الصلاة التعبُّد الخالص لله تعالى بجميع أفعالها وأقوالها لذلك قرن الذبح بالصلاة في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وفي كل مِلَّة صلاة =
[ ٢ / ٦٤٦ ]
الأضحية (ويهدي، ويتصدَّق أثلاثًا) فيأكل هو وأهل بيته الثلث، ويُهدي الثلث، ويتصدَّق بالثلث حتى من الواجبة، (^٤٠) وما ذبح ليتيم، أو مكاتب لا هدية ولا صدقة منه، وهدي التطوع، والمتعة، والقِران كالأضحية، (^٤١) والواجب بنذر، أو تعيين لا يأكل منه (^٤٢) (وإن أكلها) أي: الأضحية (إلا أوقية تصدَّق بها: جاز)؛ لأن
ونسيكة لا يقوم غيرها مقامها كما قال ابن القيم في "تحفة المودود" ثانيهما: أن مجرَّد إراقة الدم شعيرة من شعائر الله وسنة سنها رسول الله ﷺ، وإحياء السنن أفضل الأعمال.
(^٤٠) مسألة: يُستحب أن يُقسِّم لحم الأضحية والهدي، والعقيقة أثلاثًا: يأكل ثلثًا، ويتصدَّق بثلث، ويهدي الثلث الأخير: سواء كانت واجبة أو نافلة؛ لفعل الصحابي؛ حيث ثبت عن ابن عمر وابن مسعود ﵃ أنهما كانا يُقسِّمان الأضحية والهدي أثلاثًا كما سبق، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تعميم للخير.
(^٤١) مسألة: إذا ذبح ولي أضحية أو هديًا عن يتيم، أو ذبح سيِّد عن عبد مكاتب -وهو: من اشترى نفسه من سيده بمال مؤجَّل-: فإنه لا يجوز التصدُّق من لحم المذبوح، ولا الإهداء منه؛ للقياس، بيانه: كما أنه لا يجوز للولي أن يتصدَّق ويهدي من مال اليتيم، والمكاتب فكذلك لا يجوز التصدُّق والهدي من أضحيتهما والجامع: أنه ليس داخلًا في ملكهما، وهذا فيه المحافظة على حقوق الآخرين، وهو المقصد منه.
(^٤٢) مسألة: لا يجوز أن يأكل مما يذبحه وفاء لنذره، أو ما عيَّنه بسبب فعله لمحظور من محظورات الإحرام، أو بسبب تركه لواجب من واجبات الحج؛ للتلازم؛ حيث إن الوفاء بالنذر عقوبة وما وجب لترك واجب، أو لفعل محظور: جبران، وهو كفارة، والكفارة عقوبة، فيلزم عدم جواز الأكل من تلك العقوبة؛ لئلا =
[ ٢ / ٦٤٧ ]
الأمر بالأكل والإطعام مُطلق (وإلا) يتصدَّق منها بأوقية بأن أكلها كُلَّها: (ضمنها) أي: الأوقية بمثلها لحمًا؛ لأنه حق يجب عليه أداؤه مع بقائه فلزمته غرامته إذا أتلفه كالوديعة (^٤٣) (ويحرم على من يُضحِّي) أو يُضحَّى عنه: (أن يأخذ في العشر) الأول من ذي الحجة (من شعره) أو ظفره (أو بشرته شيئًا) إلى الذَّبح؛ لحديث مسلم عن أُمِّ سلمة ﵂ مرفوعًا: "إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يُضحِّي: فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يُضحِّي"، (^٤٤) وسُنَّ حلق
ينتفع فلا يرتدع، بخلاف ما ذبحه لشكر الله كهدي التمتع، أو القِرآن، أو الأضحية أو العقيقة: فإنه يأكل منه، وإن كان واجبًا.
(^٤٣) مسألة: يجب أن يتصدَّق بشيء من الأضحية أو الهدي أو العقيقة ولو قليلًا كأوقية -أي: أقل من كيلو جرام واحد-، فإن لم يفعل وأكلها كلها: فإنه يشتري أوقية من اللحم، فيتصدق بها؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي أما الآن فكلوا وتصدقوا، وادخروا" فالأمر في النَّصَّين بالتصدُّق مُطلق، فيقتضي الوجوب، وهو شامل للتصدق بالقليل والكثير، فلو تصدَّق بشيء قليل يُسمَّى مُتصدِّقًا، لكن لو لم يتصدَّق: فإنه يلزمه غرامته لكونه وجب في ذمته -بالأمر السابق- فلا تبرأ إلا بأدائه كالوديعة تُضمن إذا تلفت، و"العقيقة" كالهدي والأضحية في ذلك؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة".
(^٤٤) مسألة: يُكره أن يأخذ مَنْ أراد أن يُضحِّي من شعره أو أظفاره شيئًا ذلك من أول يوم من شهر ذي الحجة إلى بعد ذبح أضحيته في اليوم العاشر، أو ما بعده، وهو قول الجمهور؛ للمصلحة؛ حيث إن ترك الأخذ من الشعر والظفر يتسبَّب في تكثير الأجر في الأضحية؛ ليكون ذلك سببًا في إعتاقه من النار فكُرِه؛ حرصًا على منفعة المسلم، فإن قلتَ: إن الأخذ من الشعر والظفر يحرم، =
[ ٢ / ٦٤٨ ]
بعده (^٤٥) فصل: (تُسنُّ العقيقة) أي: الذبيحة عن المولود في حقِّ أب، ولو مُعسرًا،
وهو ما ذكره المصنف هنا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يُضحِّي: فلا يأخذ من شعره، ولا من أظفاره شيئًا حتى يُضحِّي" فحرَّم الأخذ من ذلك؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم، الثانية: القياس، بيانه: كما أن المحرم في الحج لا يأخذ من شعره وظفره شيئًا فكذلك من أراد أن يُضحِّي مثله، والجامع: أن كلًا منهما أراد نسكًا في أيام معلومة، فأراد إكثار أجره قلتُ: أما الحديث: فالنهي الوارد فيه للكراهة، والذي صرفه من التحريم إلى الكراهة أمران أولهما: السنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة ﵂: "كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ثم يُقلّدها بيده، ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء أحله الله حتى ينحر هديه" ثانيهما: المصلحة؛ حيث إن منع الأخذ من ذلك طوال العشرة الأيام فيه مشقَّة وحرج على من أراد أن يتقرَّب إلى الله بالتضحية، وقد يؤدي ذلك إلى ترك ذلك، أما القياس: فهو فاسد، لأنه قياس مع الفارق؛ لأن من أراد أن يُضحِّي فإنه يحرم عليه الأخذ من شعره وأظفاره عشرة أيام غالبًا، أما المحرم فإنه يحرم عليه الأخذ منهما يومين أو أقل على حسب وقت إحرامه، وهذا يلزم منه المشقة على المضحي قد لا يتحملها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في النهي الوارد في الحديث هل هو للتحريم أو للكراهة؟ " فعندنا: للكراهة؛ لوجود الصارف، وعندهم: للتحريم، وكذلك: "الخلاف في المضحي هل هو مثل الحاج في ذلك أو لا؟ " فعندنا: ليس مثله ولا يُقاربه، وعندهم: إنه مثله.
(^٤٥) مسألة: يُستحب لمن فرغ من أضحيته: أن يحلق شعر رأسه، وأن يقص شاربه، وأن يُقلّم أظفاره؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إزالة للقاذورات المتعلِّقة بشعر رأسه أو شاربه، أو أظفاره خلال الأيام السابقة التي كُرِه له الأخذ منها.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
ويقترض، قال أحمد: "العقيقة سنة عن رسول الله ﷺ قد عقَّ عن الحسن والحسين، وفعله أصحابه" (عن الغلام شاتان) مُتقاربتان سنًا وشبهًا، فإن عدم فواحدة (وعن الجارية: شاة)؛ لحديث أم كرز الكعبية قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة" (تُذبح يوم سابعه) أي: سابع المولود، (^٤٦) ويحلق فيه رأس الذكر، ويُتصدَّق بوزنه
(^٤٦) مسألة: تُستحب العقيقة بأن يذبح الأب المستطيع شاتين متشابهتين عن المولود الذكر، وشاة واحدة عن المولودة الأنثى في اليوم السابع من ولادتهما؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "عن الغلام شاتان مُتكافئتان، وعن الجارية شاة" الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ "قد عقَّ عن الحسن والحسين كبشين كبشين" الثالثة: قول الصحابي؛ حيث إن عائشة ﵂ قالت: "إن العقيقة تُذبح يوم السابع"، وورد عن ابن عباس وابن عمر وعائشة ﵃ أنهم قالوا: "العقيقة مستحبة فمن شاء عقَّ عن مولوده، ومن شاء لم يفعل" فإن قلتَ: لمَ استُحبت العقيقة؟ قلتُ: للمصلحة؛ وقد ذكرنا ذلك في مسألة (٢)، فإن قلتَ: لمَ قُيِّدت العقيقة بالأب؟ قلتُ: لأنه لا يُستحب أن يعقَّ عنه إلا أبوه فقط، فلو تركها الأب أو كان الأب ميتًا: فلا يُعقَّ عنه، ولا يُستحب أن يعقُّ عن نفسه إذا بلغ؛ لأن العقيقة شُرعت؛ ليشكر الأب الله تعالى على هذا الرزق، وغيره لا يقوم مقامه في ذلك، ثم إن محلها اليوم السابع، فلا تكون مشروعة بعد البلوغ، فإن قلتَ: إنه يُشرع للشخص أن يعقَّ عن نفسه بعد بلوغه إذا علم أنه لم يُعقَّ عنه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "كل غلام مرتهن بعقيقته" فيفكُّ نفسه بالعقيقة قلتُ: إنه يلزم من لفظ "غلام": أن العقيقة تكون عن الغلام فقط ومن بلغ لا يُسمَّى غلامًا، والمرأة لا تسمَّى جارية، فإن قلتَ: إن المعسر يعق عن ولده فيستدين لذلك، وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: إن المصلحة تدل على عدم استحباب العقيقة من الأب المعسر؛ لأن ذلك فيه =
[ ٢ / ٦٥٠ ]
ورقًا (^٤٧) ويُسمَّى فيه، ويُسنُّ تحسين الاسم، ويحرم بنحو: عبد الكعبة، وعبد النبي، وعبد المسيح، ويُكره بنحو: حرب ويسار، وأحب الأسماء: عبد الله، وعبد الرحمن (^٤٨) (فإن فات) الذبح يوم السابع (ففي أربعة عشر، فإن فات: ففي
مشقة عليه فقد لا يتمكن من سداد دينه الذي استدانه لأجل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استحب أن يُعق عن الذكر بشاتين، والأنثى بشاة؟ قلتُ: لأن النعمة بميلاد الذكر أتم، والفرحة به أكمل فكان الشكر عليه أكثر كما قال ابن القيم، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك بعد أسبوع من الولادة؟ قلتُ: لأنه غلب على الظن سلامة المولود؛ إذ لا يُعقُّ عن مولود يغلب على الظن موته.
(^٤٧) مسألة: يُستحب أن يُحلق رأس المولود الذكر في يوم سابعه، ويُتصدَّق بوزن شعره فضَّة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "مع الغلام عقيقته فأهريقوا عنه دمًا، وأميطوا عنه الأذى" فيلزم من عبارة "أميطوا عنه الأذى" استحباب حلق رأسه، والتصدُّق بوزنه فضة؛ لأن هذا من منع الأذى والأمراض عنه، وهذا هو المقصد منه.
(^٤٨) مسألة: يُستحب أن يُسمَّى المولود في اليوم السابع من ولادته، ويُستحب تحسين اسمه، وأحب الأسماء: "عبد الله" و"عبد الرحمن"، ويُكره كل اسم فيه تشاؤم خالص مثل: عاص، أو حرب، أو كلب، أو كليب، أو حنظلة، أو قحط، أو حزن، أو مُرَّة، أو حيَّة، أو صعب، أو شهاب ونحو ذلك، ويُكره كل اسم فيه تفاؤل خالص مثل: يسار، ورباح، ونجاح، وأفلح، ويُحرَّم كل اسم مُعبَّد لغير الله مثل: عبد النبي، وعبد الكعبة، وعبد الحسين، وعبد الرضا، وعبد علي، وعبد المسيح، ونحو ذلك؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أحبُّ الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن" وغيرهما مما أضيف إلى الله مثلهما كعبد العزيز وعبد الكريم وعبد الخالق؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم =
[ ٢ / ٦٥١ ]
إحدى وعشرين) من ولادته، روي عن عائشة ﵂، ولا تُعتبر الأسابيع بعد ذلك، فيعقُّ في أي يوم أراد (^٤٩) (تُنزع جدولًا): جمع جدل بالدال المهملة أي:
الموافقة"؛ لكون المقصود إظهار العبودية لله، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد كره تلك الأسماء التي فيها تشاؤم أو تفاؤل، وغيَّر ﷺ اسم رجل -وهو عبد الحجر- إلى "عبد الله" وهذا يدل على تحريم الاسم المعبَّد لغير الله، وسمَّى أبناءه، وأبناء فاطمة ابنته بأحسن الأسماء وهي: إبراهيم، والقاسم، والحسن والحسين، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن التسمية في اليوم السابع فيه موافقة مع ذبح العقيقة وحلق الرأس، فيكون مناسبًا، والتشاؤم كله منهي عنه، والتفاؤل بالاسم قد لا يكون مثل اسمه فقد يُسمَّى يسارًا وهو من أعسر الناس، وقد يُسمَّى رباحًا وهو من أخسر الناس. [فرع]: يُكره أن يقول شخص لشخص آخر: "يا سيِّدي"، ويحرم أن يقول له: "يا مولاي" ويحرم أن يوصف شخص بأنه ملك الملوك أو الأملاك، أو سيِّد الناس، أو صاحب الجلالة، أو صاحب العظمة، أو الملك المعظَّم، أو قاضي القضاة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "السيِّد الله تبارك تعالى" فيقتضي التأدُّب: كراهة التسمية بذلك، ونهى ﷺ أن يقول الشخص يا مولاي، ونهى أن يقال: ملك الأملاك والنهي فيقتضي التحريم، والباقي مما يدل على العظمة مثل ذلك؛ لعدم الفارق، من باب: "مفهوم الموافقة".
(^٤٩) مسألة: إذا لم يذبح الأب عقيقة مولوده في اليوم السابع: فإنه يذبحها في اليوم الرابع عشر، فإن لم يفعل: ففي اليوم الحادي والعشرين، فإن لم يفعل: ففي أي يوم شاء؛ لقول الصحابي؛ حيث إن ذلك ورد عن عائشة ﵂، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لكون الرابع عشر، والحادي والعشرين يشبهان السابع من حيث التسبيع، وما بعد ذلك يكون قضاء، والقضاء يُفعل في أي وقت مناسب. [فرع]: تُجزئ الأضحية عن العقيقة إذا اتفق يوم عيد الأضحى =
[ ٢ / ٦٥٢ ]
أعضاء (ولا يُكسر عظمها)؛ تفاؤلًا بالسلامة، كذلك قالت عائشة ﵂ (^٥٠) وطبخها أفضل، ويكون منه بحلو (^٥١) (وحكمها) أي: حكم العقيقة فيما يجزئ، ويُستحب، ويُكره، والأكل، والهدية، والصدقة (كالأضحية)، (^٥٢) لكن يُباع جلد، ورأس، وسواقط، ويُتصدَّق بثمنه (إلا أنه لا يجزئ فيها) أي: في العقيقة (شرك في دم) فلا تجزئ بدنة ولا بقرة إلا كاملة، قال في "النهاية": "وأفضلها شاة" (^٥٣) (ولا تُسنُّ الفَرَعَة) بفتح الفاء والراء، نحر أول ولد الناقة (ولا) تسنُّ
مع اليوم السابع من ولادة المولود، هذا إذا نواهما، فيجتمع له أجرهما؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو وُلد لشخص عدة أولاد في يوم واحد: فإنه تُجزئ عنهم عقيقة واحدة، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن الذبح والنية قد حصلا، فحصل المقصود من العقيقة وهو: شكر الله تعالى.
(^٥٠) مسألة: يُستحب أن تقطَّع أعضاء العقيقة من مفاصلها: جدولًا جدولًا، فلا تكسر عظامها، بأن تقطع يدها لوحدها، وكذا رجلها وهكذا؛ لقول الصحابي؛ حيث إن عائشة ﵂ قالت ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تفاؤل بسلامة هذا المولود من أن تكسر عظامه.
(^٥١) مسألة: يُستحب أن يُطبخ لحم العقيقة، ويوضع مع ذلك شيء حلو؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سرعة انتفاع الفقراء، والمهدَى إليهم منه.
(^٥٢) مسألة: أحكام العقيقة فيما يُجزئ، وفيما يُستحب، وفيما يُكره وفيما يؤكل، ويُهدى ويُتصدَّق مثل أحكام الأضحية تمامًا وقد سبق بيان ذلك في كل مسألة من مسائل الأضحية ولا داعي لتكراره.
(^٥٣) مسألة: الفروق بين العقيقة، وبين الأضحية والهدي ثلاثة: أولها: أنه يجوز بيع مالا يؤكل عادة من العقيقة كجلدها ورأسها وشعرها وسواقطها، ثم يُتصدَّق بثمنها، أما الأضحية والهدي: فلا يجوز ذلك؛ للتلازم؛ حيث إنهما أخلص من العقيقة في التعبُّد: فلزم عدم جواز بيع شيء منهما، ولزم التسامح =
[ ٢ / ٦٥٣ ]
(العتيرة) أيضًا، وهي: ذبيحة رجب؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا فرع ولا عتيرة" متفق عليه، ولا يكرهان، والمراد بالخبر: نفي كونهما سنة. (^٥٤)
في العقيقة ثانيها: أنه لا يُعقُّ بسُبُع بدنة أو بقرة، بل لا بدَّ أن تكون بهيمة كاملة كناقة، أو بقرة، أو شاة، أما الأضحية والهدي فيجوز ذلك فيهما؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون العقيقة فدية عن نفس كاملة: عدم قبول التشريك فيها بالبهيمة، ثالثها: أن الأفضل في العقيقة: أن تكون شاة، بخلاف الأضحية والهدي فالأفضل أن تكون بدنة، ثم بقرة، ثم شاة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذبح الشاة عقيقة فيه عدم مبالغة في هذا المولود، وعدم المبالغة في الأمور مطلوب.
(^٥٤) مسألة: لا تُستحب الفَرَعَة -وهي: ذبح أول ولد الناقة- ولا تُستحب العتيرة -وهي: أن تُذبح ذبيحة في العشر الأول من شهر رجب- وتُسمَّى "الرجبية"؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا فَرَع، ولا عتيرة في الإسلام" فنفى: أن يكون هذين الفعلين من سنن الإسلام -كما يظن البعض-، فإن قلتَ: لمَ لا يُستحب ذلك؟ قلتُ: لكونهما من أعمال الجاهلية؛ حيث إن العرب كانوا يذبحون أول ولد الناقة؛ شكرًا لآلهتهم وتقربًا إليها، والعتيرة: يذبحونها؛ تعظيمًا لشهر رجب، فبيَّن الشارع عدم استحبابهما؛ سدًا للذرائع؛ لأنه يُخشى من يتخذها بعض المسلمين طريقة للنسك كالأضحية، والهدي، والعقيقة، فإن قلتَ: لمَ لم يكن محرمًا أو مكروهًا؟ قلتُ: لأن المسلم قد يذبح أول ولد الناقة؛ شكرًا لله تعالى، أو يذبح أول شهر رجب ويُقسِّم ذلك على الفقراء، فهذا يختلف حكمه على حسب قصده: فإن كان قاصدًا به أن يفعل منها ما فعل العرب في الجاهلية فهو محرم، أو مكروه، وإن كان قاصدًا شكر الله تعالى: فإنه يُستحب، والأمور بمقاصدها كما هو معلوم.
هذه آخر مسائل باب "الأضحية والهدي، والعقيقة" وهو آخر باب من أبواب "كتاب المناسك: الحج والعمرة والأضحية والهدي" ويليه كتاب "الجهاد"
[ ٢ / ٦٥٤ ]