من "ودع الشيء": إذا تركه؛ لأنها متروكة عند المودع، والإيداع: توكيل في الحفظ تبرعًا، والاستيداع: توكل فيه كذلك، ويُعتبر لها ما يُعتبر في وكالة (^١)، ويُستحب قبولها لمن علم أنه ثقة قادر على حفظها، ويكره لغيره إلا برضى ربها (^٢)
باب الوَدِيْعَة
وفيه ثلاث وثلاثون مسألة
(^١) مسألة الوديعة لغة من "الودع"، و"التوديع" وهي: ترك الشيء في مكان أمين، قال الأزهري: "أن تُودِع ثوبًا في صوان لا يصل إليه غبار ولا ريح"، ومنه قوله تعالى: ﴿ما ودَّعك ربك وما قلى ..﴾ أي: لم يتركك ولم يقطع الوحي عنك، ولا أبغضك، - كما جاء في اللسان (٨/ ٣٨٢) وهي في الاصطلاح: "أن يوكل جائز التصرف غيره ممن يُماثله في حفظ ماله بلا عوض على وجه مخصوص" أي: يقوم زيد البالغ العاقل الرشيد بجعل ماله أو بعضه عند عمرو البالغ العاقل الرشيد ليحفظه له بلا عوض يأخذه منه عمرو، وزيد المودِع موكِّل في حفظ ماله، وعمرو المودَع موكَّل في هذا الحفظ، وهو متبرِّع في ذلك، لذلك اشتُرط للوديعة ما اشتُرط للوكيل والموكِّل من التكليف والرشد - كما سبق في باب الوكالة - والمراد بعبارة: "على وجه مخصوص": أن هذه الوديعة لها شروط، وقيود في المودِع والمودَع، والمال المودَع، وطريقة حفظه سيأتي بيانها إن شاء الله. فإن قلت: لِمَ جعل باب الوديعة هنا، مع أن بعض الفقهاء قد جعلها بعد كتاب الفرائض وبعضهم جعلها بعد باب الهبة؟ قلتُ: لكونها معاملة بين اثنين فهي قريبة لأحكام الوكالة، والغصب، والشفعة، أكثر من شبهها للفرائض والهبة.
(^٢) مسألة: يُستحب للمسلم العدل الذي غلب على ظنه قدرته على حفظ الودائع أن يقبل الودائع ويحفظها لأصحابها، ويكون له في ذلك أجر عظيم، ويكره لمن=
[ ٣ / ٥٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يشكّ في قدرته على حفظها، قبول الوديعة إلا إذا رضي صاحب الوديعة بعد إعلامه بحاله؛ لقواعد: الأولى: الكتاب، وهو من وجهين: أولهما: قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ وهذا يدل على جواز أخذ الودائع والأمانات، ووجوب إعادتها إلى أهلها، ثانيهما قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ وحفظ الودائع والأموال لغير القادر على حفظها من باب التعاون على البر، فيشمله عموم هذه الآية؛ لأن "البر والتقوى" اسم جنس محلّى بأل وهو من صيغ العموم، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" فحفظ الودائع من باب الإعانة على فعل الخيرات والطاعات؛ لأنه يحفظها له من السارقين واللصوص، وهذا من أعظم الطاعات إذا قُصد، الثالثة: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء قديمًا وحديثًا على جواز الإبداع، والاستيداع، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك مستحبًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كثيرًا من الناس يحتاج إلى إيداع ماله عند من يحفظها لهم من السارقين واللصوص؛ إذ ليس كل أحد يستطيع حفظ ماله بنفسه، أو يستطيع ولكنه قد يسافر لأي غرض فيحتاج إلى أن يودع ماله عند غيره من المقيمن حتى يرجع، فإن قلتَ: لِمَ كُره لمن يشك في قدرته على حفظها أن يقبل الودائع إلّا بعد إعلام المودِع بذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية المودِع من أن يُغر في بعض الناس، فيظنه قادرًا على الحفظ، وهو ليس كذلك. (فرع): إن غلب على ظن شخص عدم القدرة على حفظها فلا يجوز له أن يقبل الوديعة عنده: سواء رضي المودع أو لا؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه حماية لحق المودِع. (فرع ثان) الوديعة عقد جائز: إذا أراد المودع أخذ وديعته: فإنه يجب على المودَع ردُّها إليه، في أي وقت أراد المودِع، وإذا أراد المودَع ردَّها إلى صاحبها: فيجب على المودع قبولها في أي وقت أراد المودَع؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضًا =
[ ٣ / ٥٧٥ ]
و(إذا تلفت) الوديعة (من بين ماله، ولم يتعدَّ ولم يُفرط: لم يضمن)؛ لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال: "من أودع وديعة فلا ضمان عليه" رواه ابن ماجه، وسواء ذهب معها شيء من ماله أو لا (^٣)، (ويلزمه) أي: المودَع (حفظها
= فليؤد الذي أؤتمن أمانته﴾؛ حيث أمر برد الأمانة، والأمر مطلق في الزمان، فيلزم منه: أن يرد المودَع الوديعة في أي وقت شاء المودِع، الثانية: التلازم؛ حيث إن المودَع - وهو المستودَع - متبرِّع بإمساكها فإذا ردَّها إلى صاحبها يلزم منه: أن يقبلها صاحبها؛ لكون المودَع: إذا تبرّع في الوقت الماضي فلا يلزمه التبرع في المستقبل.
(^٣) مسألة: المودَع لا يضمن الوديعة إذا تلفت: سواء تلفت بمفردها، أو مع ماله، بشرط: أن لا يتعدَّ أو يُفرِّط؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إن المودَع لو ضمنها إذا تلفت، ودفع قيمتها - من غير تعدٍّ أو تفريط -: لأدَّى ذلك إلى امتناع الناس من أن يقبلوا الأمانات والودائع عندهم، وهذا مضربهم؛ لكون المودع يحفظ الوديعة لصاحبها متبرعًا من غير نفع يرجع إليه، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن أبا بكر وعلي وابن مسعود قالوا بعدم التضمين مطلقًا إذا تلفت الوديعة عند المودَع فإن قلتَ: إن تلفت الوديعة بمفردها، دون ماله فإن المودَع يضمنها لصاحبها وإن لم يتعدَّ ولم يفرط؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن عمر قد ضمَّن أنس بن مالك وديعة أودعها إياه تلفت من بين ماله قلتُ: إنه يُحتمل أن أنسًا قد فرَّط، أو تعدّى في حفظ تلك الوديعة، فلذا ضمَّنه، وإذا تطرّق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي وفعله" فأخذنا بقوله؛ لقوته، دون فعله، لضعفه بالاحتمال، وأيضًا: "تعارض فعل الصحابي مع المصلحة" فأخذنا بالمصلحة؛ لكونها عامة، وهم أخذوا بفعل الصحابي في الجهتين. (فرع): إن ثبت دليل على أن المودَع قد فرَّط أو تعدَّى في حفظ الوديعة فتلفت بسبب ذلك: فإنه - أي: المودَع - يضمنها مطلقًا؛ للإجماع؛ حيث أجمع=
[ ٣ / ٥٧٦ ]
في حرز مثلها) عرفًا، كما يحفظ ماله؛ لأنه تعالى أمر بأدائها، ولا يمكن ذلك إلّا بالحفظ، قال في "الرعاية": من استودع شيئًا: حفظه في حرز مثله عاجلًا مع القدرة وإلا: ضمن (^٤) (فإن عينه) أي: الحرز (صاحبها، فأحرزها بدونه: ضمن): سواء ردَّها إليه أو لا؛ لمخالفته في حفظ ماله (^٥) (و) إن أحرزها (بمثله، أو أحرز) منه:
= العلماء على ذلك، ومستند هذا: القياس؛ بيانه: كما أن الشخص لو أتلف مال غيره من غير استيداع يضمنه لصاحبه، فكذلك لو تلفت الوديعة بسبب تعد المودع أو تفريطه يضمنها والجامع: أنه في كل منهما قد أتلف مال غيره من غير عذر، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية أموال المسلمين من تعدِّي الآخرين عليها. تنبيه: الحديث الذي ذكره المصنف - وهو: "من أودع وديعة فلا ضمان عليه" لا يصلح للاستدلال به؛ لضعف سنده؛ حيث إن فيه المثنى بن الصباح، وهو متروك - كما في تلخيص الحبير (٣/ ١١٢).
(^٤) مسألة: يجب على المودَع: أن يحفظ الوديعة بنفسه، أو من يثق به من وكيله، أو زوجته، أو رقيقه، أو ولده، وأن يضعها في حرز منيع يحفظ ماله فيه أو فيما يُماثله مما تحفظ فيه الأشياء عادة، فإن لم يفعل ذلك عاجلًا مع قدرته على ذلك: فإنه يضمنها إذا تلفت؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدُّوا الأمانات إلى أهلها﴾ فأوجب الشارع أداء الأمانة وتسليمها لصاحبها؛ لأن الأمر مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ولا يتمّ أداء وتسليم الأمانة - وهي الوديعة - إلا بعد حفظها في حرز مثلها، فوجب أن يحفظها بماء يحفظ به أمواله، من باب "ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب" الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من مقصود الوديعة ومشروعيتها، أن يحفظها المودَع للمودِع فوجب، ويلزم من عدم الحفظ: ضمانها إذا تلفت فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه التأكيد على وظيفة المودَع؛ لئلا يُفرِّط فيها.
(^٥) مسألة: إن عين المودع حرزًا وموضعًا للمودَع، وقال: "احفظ الوديعة فيه"،=
[ ٣ / ٥٧٧ ]
(فلا) ضمان عليه؛ لأن تقييده بهذا الحرز يقتضي ما هو مثله، فما فوقه من باب أولى (^٦) (وإن قطع العلف عن الدابة) المودعة (بغير قول صاحبها: ضمن)؛ لأن العلف من كمال الحفظ، بل هو الحفظ بعينه؛ لأن العرف يقتضي علفها وسقيها، فكأنه مأمور به عرفًا (^٧)، وإن نهاه المالك عن علفها وسقيها: لم يضمن؛ لإذنه في
= فأحرزها وحفظها المودَع فيما هو أدون منه: فإن يضمنها إذا تلفت، وهذا مطلق، أي: سواء ردَّ المودَع تلك الوديعة إلى الحرز والموضع الذي عيَّنه المودِع أو لم يردَّها إليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعدِّي المودَع بوضع الوديعة فيما هو أدون مما عيّنه المودِع حرزًا لها: أن يضمنها إذا تلفت، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن صاحبها - وهو المودِع - أعلم بماله، وما يناسبه من الحفظ، فلما خالفه يجب أن يتحمَّل نتيجة تلك المخالفة.
(^٦) مسألة: إن عيَّن المودِع حرزًا وموضعًا للمودَع وقال له: "احفظ الوديعة فيه" فأحرزها المودَع بمثله أو أعلى وأقوى مما عيَّنه المودِع: فإنه لا يضمنها إذا تلفت؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تعيين المودِع هذا الحرز وتقييده به: أن يحرزه ويحفظه فيما هو مثله، وما هو أعلى وأحرز وأقوى منه؛ لكونه حفظه في مثله وزيادة، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه التأكيد على حماية الوديعة، وحفظ حقوق الآخرين.
(^٧) مسألة: إذا أودع زيد عمرًا دابة، وقال: "اجعلها عندك وديعة" وسكت: فيجب على المودَع - وهو عمرو - أن يُعلَّفها ويسقيها، فإن قطع عمرو عنها ذلك، فتلفت بأن ماتت أو مرضت: فإنه - أي: عمرو - يضمنها؛ للعرف والعادة؛ حيث إنه قد جرى العرف والعادة على أن الدابة لا تحيا بدون أكل وشرب - كالإنسان - فيكونان كأنه مأمور بهما عرفًا، فلو ترك ذلك: فإنه يضمنها؛ لتركه حفظها بهما، والعادة محكَّمة.
[ ٣ / ٥٧٨ ]
إتلافها، أشبه ما لو أمره بقتلها، لكن يأثم بترك علفها إذًا؛ لحرمة الحيوان (^٨) (وإن عيَّن جيبه) بأن قال: "احفظها في جيبك" (فتركها في كمه، أو يده: ضمن)؛ لأن الجيب أحرز، وربما نسي فسقط ما في كمه أو يده (وعكسه بعكسه) فإذا قال: "اتركها في كمك، أو يدك" فتركها في جيبه: لم يضمن؛ لأنه أحرز، وإن قال: "اتركها في يدك" فتركها في كمه، أو بالعكس، أو قال: "اتركها في بيتك" فشدَّها في ثيابه وأخرجها: ضمن؛ لأن البيت أحرز (^٩) (وإن دفعها إلى من يحفظ ماله) عادة
(^٨) مسألة: إذا أودع زيد عمرًا دابة، ونهاه عن أن يُعلِّفها أو يسقيها، فتلفت بأن ماتت أو مرضت: فإنه - أي: عمرو المودَع - لا يضمنها؛ ولكن يحرم أن يترك تعليفها أو سقيها؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أن زيدًا لو أمر عمرًا بقتل تلك الدابة لا يضمنها فكذلك لو أودعها عنده وأمره بأن لا يسقيها ولا يُعلِّفها فتلفت لا يضمنها، والجامع: أن زيدًا في كل منهما قد أذن في إتلاف دابته، الثانية: التلازم، حيث يلزم من حرمة الحيوان: تحريم تركها بدون تعليف أو سقي.
(^٩) مسألة: إذا عيَّن المودِع للمودَع الموضع الذي تُحفظ فيه الوديعة، فجعلها المودَع فيما هو أقل حفظًا وحرزًا منه: ضمن، وإن جعلها فيما هو أكثر حرزًا وحفظًا مما عينه المودِع: لم يضمن، وهذا يتبيَّن في صور خمس: الصورة الأولى: إن قال المودع "احفظها في جيبك" فحفظها المودَع في كمه أو يده: فإن المودَع يضمنها لو تلفت أو سُرقت؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الجيب - وهو: الطوق المجوف - أحرز وأحفظ للأشياء من الكم واليد أن يضمن ما جعله فيهما أو أحدهما - أي: الكم واليد -؛ لأن ما في الكم واليد يسقط غالبًا بالنسيان والغفلة مع الزحام، الصورة الثانية: إن قال المودِع "اتركها في كمك أو يدك" فتركها المودَع في جيبه: لم يضمن لو تلفت أو سُرقت؛ للتلازم: حيث يلزم من كون الجيب أحرز وأحفظ للأشياء من الكم واليد: عدم ضمانه لما جعله فيه، الصورة الثالثة: إن قال المودع: "اتركها في يدك" فتركها المودَع في كمه؛ يضمنها إذا تلفت أو سُرقت؛=
[ ٣ / ٥٧٩ ]
كزوجته وعبده (^١٠)
= للتلازم؛ حيث إن كون اليد أحفظ للأشياء من الكم من جهة: أن الكم يتطرّق إليه البسط فيسقط ما فيه، وكون الكم أحفظ للأشياء من اليد من جهة: أن اليد يسقط ما فيها بالنسيان يلزم منه تساويهما في ذلك، ويلزم من مخالفته طلب المودِع: أن يضمنها إذا تلفت أو سُرقت، الصورة الرابعة: إن قال المودع: "اتركها في كمك" فتركها المودَع في يده: فإنه يضمنها إذا تلفت أو سرقت؛ للتلازم؛ حيث إنهما متساويان في الحفظ والحرز، ويلزم من مخالفته طلب المودِع: أن يضمنها إذا تلفت أو سرقت. الصورة الخامسة: إن قال المودع: "اتركها في بيتك" فوضعها المودَع في ثوبه مشدودة به، وأخرجها: فإنه يضمنها إن تلفت أو سُرقت؛ للتلازم؛ حيث إن البيت غالبًا يكون أحفظ وأحرز من الثوب، فيلزم من عدم وضعها في البيت مع أن المودِع طلب وضعها فيه: أن يضمنها عند تلفها، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إظهار حقوق كل من المودِع والمودَع إذا تلفت الوديعة؛ منعًا لظلم بعض الناس.
(^١٠) مسألة: إذا دفع المودِع الوديعة إلى المودَع، فدفعها المودَع إلى من يحفظ ماله عادة مثل زوجته أو عبده، أو خازنه، أو وكيله: فتلفت عند أحد هؤلاء: فإن المودَع لا يضمنها؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو دفع الماشية إلى الراعي، أو البهيمة إلى غلامه ليسقيها، ثم تلفت: فإنه لا يضمن، فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما قد حفظها بما حفظ به ماله فإن قلتَ: إن المودَع هنا يضمن وهو قول كثير من الشافعية؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو دفعها إلى أجنبي وتلفت فإنه يضمنها فكذلك إذا دفعها إلى وكيله أو زوجته أو عبده ممن يحفظ ماله يضمنها إذا تلفت، والجامع: أنه في كل منهما قد سلَّم الوديعة إلى من لم يرضَ به صاحبها قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن وكيله، أو زوجته، أو عبده قد اعتاد أن يضع عندهم ماله؛ ليحفظوه له، بخلاف الأجنبي فلا يعطيه ماله عادة؛ =
[ ٣ / ٥٨٠ ]
(أو) ردَّها لمن يحفظ (مال ربها: لم يضمن)؛ لجريان العادة به (^١١) ويُصدَّق في دعوى التلف والرَّد كالمودَع (^١٢) (وعكسه الأجنبي والحاكم) بلا عذر، فيضمن المودَع بدفعها إليهما؛ لأنه ليس له أن يودع من غير عذر (ولا يطالبان) أي: الحاكم والأجنبي
= لحفظه، له ولا يُعتبر حافظًا له من جهته، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" كما سبق بيانهما.
(^١١) مسألة: إذا دفع المودع - وهو زيد - الوديعة إلى المودَع - وهو عمرو - فدفعها المودَع إلى بكر الذي يحفظ مال المودِع - وهو زيد - ثم تلفت: فإن المودَع - وهو عمرو - لا يضمنها؛ للقياس؛ بيانه كما أن هذا الحافظ - وهو بكر - لمال المودِع - وهو زيد - قد أمنه على ماله بنفسه، فكذلك المودَع - وهو عمرو - يأمنه على تلك الوديعة التي تُعتبر من مال المودِع - وهو زيد - مثل ذلك، والجامع: أن بكرًا عند زيد وعمرو يُعتبر أمينًا على مال زيد غير متّهم، تنبيه: قوله: "لجريان العادة به" فيه استدلال بالعادة والعرف هنا، وهذا لا يصلح للاستدلال به هنا؛ إذ العادة والعرف غير محكَّمة هنا؛ لاختلاف عادة البيئات، وأعراف المجتمعات، فإن قلتَ: لِمَ لا يضمن هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على المودَع؛ حيث إنه قد يطرأ طارئ عليه فلا يجد صاحبها، فيعطيها مَنْ يحفظ ماله.
(^١٢) مسألة إذا دفع المودَع - وهو عمرو - الوديعة التي عنده إلى من يحفظ هو كوكيله، أو زوجته، أو عبده - كما سبق في مسألة (١٠) - أو دفعها إلى من يحفظ مال المودِع - وهو بكر كما في مسألة (١١) - وادَّعى هؤلاء الأربعة - وهم: الوكيل والزوجة، والعبد، ومن يحفظ مال المودِع وهو بكر - أنهم سلَّموها إلى صاحبها - وهو المودع - أو ادَّعوا بأنها تلفت بلا تفريط ولا تعدِّ: فإنهم يُصدَّقون في ذلك؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه يُصدَّق المودَع في ذلك فكذلك يُصدَّق هؤلاء والجامع: أن كلًّا: منهم يُعتبر حافظًا غير متهم.
[ ٣ / ٥٨١ ]
بالوديعة إذا تلفت عندهما بلا تفريط (إن جهلا) جزم به في "الوجيز"؛ لأن المودَع ضمن بنفس الدفع والإعراض عن الحفظ فلا يجب على الثاني ضمان؛ لأن دفعًا واحدًا لا يوجب ضمانين، وقال القاضي: له ذلك، فللمالك مطالبة من شاء منهما (^١٣)، ويستقر الضمان على الثاني إن علم، وإلا: فعلى الأول، وجزم بمعناه في
(^١٣) مسألة إذا دفع المودَع الوديعة إلى الحاكم، أو إلى الأجنبي من غير عذر - كحضور وفاة للمودَع أو إرادته للسفر - ثم تلفت تلك الوديعة عند ذلك الحاكم، أو الأجنبي -: فإن المودَع الأول يضمنها، إن كان الحاكم أو الأجنبي جاهلين بأنها وديعة، فيُطالب صاحب الوديعة المودَع بها أو بقيمتها، ولا يُطالب الحاكم أو الأجنبي بها؛ للتلازم؛ حيث إن كون المودِع قد اختار نفس ذلك المودَع فوضع عنده تلك الوديعة يلزم منه: أنه إذا وضعها المودَع عند غيره بلا إذن ولا عذر: أنه يضمنها عند تلفها؛ لكونه بمجرد الدفع لغيره يُعتبر إعراضًا عن الحفظ. فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن معاملة المودِع كانت مع المودَع الأول فقط، فلا دخل للمودَع الثاني - وهو الحاكم أو الأجنبي - فيه، فإن قلت: لَم لا يضمن المودَع الثاني؟ قلتُ: لأن دفع الوديعة كان واحدًا، والواحد لا يوجب ضمانين من شخصين، فإن قلتَ: إن للمودِع مطالبة الثاني - وهو الحاكم أو الأجنبي - بالضمان، فلصاحب الوديعة مطالبة المودَع الأول، أو مطالبة المودَع الثاني - وهو الحاكم أو الأجنبي، وهو قول بعض الشافعية وعليه كثير من الحنابلة ومنهم أبو يعلى؛ للقياس؛ بيانه: كما أن القابض من الغاصب ما غصبه يضمنه إذا تلف، فكذلك الحاكم أو الأجنبي إذا قبض من المودَع الأول الوديعة فتلفت: فإنه يضمنها والجامع: أن كلًّا منهما قد قبض مال غيره على وجه لم يكن له قبضه، ولم يأذن له مالكه قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن القابض للوديعة من المودَع - وهو الحاكم أو الأجنبي - قد أُذن له في قبضها من قبل المودَع الأول فكان له قبضه، والمودَع في وقت كون الوديعة عنده وكيل عن المودع - وهو=
[ ٣ / ٥٨٢ ]
"المنتهى" (^١٤) (وإن حدث خوف أو) حدث للمودَع (سفر: ردَّها على ربها) أو وكيله فيها؛ لأن في ذلك تخليصًا له من دركها، فإن دفعها للحاكم إذًا: ضمن؛ لأنه لا ولاية له على الحاضر (^١٥)، (فإن غاب) ربها: (حملها) المودَع (معه) في السفر: سواء
= مالكها - والمسألة مفروضة فيما إذا جهل المودَع الثاني - وهو الحاكم أو الأجنبي - بأن ما قبضه وديعة، أما إذا علم بأنها وديعة فلها حكم آخر سيأتي بيانه، بخلاف القابض من الغاصب فالغاصب ليس وكيلًا عن صاحب العين المغصوبة، ومع هذا الفرق لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع التلازم" كما هو واضح هنا.
(^١٤) مسألة: إذا دفع المودَع الوديعة إلى الحاكم، أو الأجنبي من غير عذر، وهذا الحاكم أو الأجنبي يعلم أنها وديعة، فتلفت: فإنه يضمن، أي: للمودِع، وهو مالك الوديعة أن يُطالب المودَع الأول، أو المودَع الثاني - وهو الحاكم أو الأجنبي -، للتلازم؛ حيث إن كلًّا منهما قد تعدَّى أو فرط في الوديعة حتى تلفت مع علمهما بأنها وديعة فعليهما الضمان.
(^١٥) مسألة: إذا وجد عذر للمودَع كحدوثة خوف، أو سفر، أو حضرة وفاة: فإنه يجب عليه أن يردَّ الوديعة إلى صاحبها، أو إلى وكيله في حفظ أمواله، ولا يجوز له أن يدفعها إلى الحاكم - وهو القاضي - مع حضور صاحبها أو وكيله، فإن دفعها إلى الحاكم مع ذلك وتلفت: فإنه - أي: المودع - يضمنها؛ لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إن ردّها إلى صاحبها، أو وكيله فيه إيصال للحق إلى مستحقه، وإبراء للذمّة، الثانية: التلازم؛ وهو من وجهين: أولهما: أنه يلزم من كون الحاكم لا يتولَّى على الحاضر: أن لا تدفع له الوديعة مع حضور صاحبها، أو وكيله، ثانيهما: أنه يلزم من كون المودَع قد دفع الوديعة إلى غير مالكها بغير إذنه من غير عذر: أن يضمنها إذا تلفت، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يجعل المودعَ يدفع الوديعة لمالكها، لا لغيره؛ لئلا تضيع الحقوق.
[ ٣ / ٥٨٣ ]
كان لضرورة أو لا (إن كان أحرز) ولم ينهه عنه؛ لأن القصد الحفظ، وهو موجود هنا، وله ما أنفق بنية الرجوع، قاله القاضي (وإلا) يكن السفر أحفظ لها، أو كان نهى عنه: دفعها إلى الحاكم؛ لأن في السفر بها غررًا؛ لأنه عرضة للنَّهب وغيره، والحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته (^١٦)، فإن أودعها مع قدرته على الحاكم:
(^١٦) مسألة: إن لم يقدر المودَع ردَّ الوديعة إلى صاحبها أو وكيله لغيابهما وأراد السفر: فإنه يُسافر بها سواء كان ذلك السفر ضروري أو لا، ولكن بشرطين: أولهما: أن يغلب على ظنه السلامة في السفر، بأن يكون السفر أحرز وأحفظ للوديعة، ثانيهما: أن لا يكون المودع قد نهاه عن أن يسافر بها، ولا يضمنها إن تلفت في ذلك السفر، فإن تخلَّف الشرطان أو أحدهما: بأن كان ليس أحرز وأحفظ للوديعة، حيث غلب على ظنه عدم السلامة، أو شك في ذلك، أو نهاه المودع عن السفر بالوديعة: فإنه يدفعها إلى الحاكم - وهو القاضي - ويُسافر، ولا يضمنها إن تلفت عند الحاكم في هذه الحالة؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ وهو من وجهين أولهما: أنه يلزم من وجود القصد من الوديعة - وهو حفظها - في السفر المتوفِّر فيه الشرطان: حمل الوديعة معه، وعدم ضمانه إن تلفت؛ لأنه يغلب على الظن السلامة فيه، ثانيهما: أنه يلزم من كون الحاكم يقوم مقام الغائب: أن تُدفع إليه الوديعة - عند تخلُّف هذين الشرطين - عند غياب صاحبها، الثانية: المصلحة؛ حيث إن دفعها إلى الحاكم في السفر المخوف أحفظ لها؛ لئلا تتعرّض للنهب والسلب والسرقة، وصاحب الوديعة أعلم بمصلحته لذا لا يعصيه المودَع بالسفر بها إذا نهاه عنه، فإن سافر بها في السفر المخوف، أو عصى المودِع فسافر بها ثم تلفت: فإن المودَع يضمنها؛ نظرًا لتفريط المودَع في حفظها. (فرع): إذا سافر المودَع بها عند توفّر الشرطين السابقين في مسألة (١٦): فإن نفقة حملها في ذلك السفر يكون على صاحبها - وهو المودع - إذا نوى المودَع أن يرجع به إليه قياسًا على غيرها من الأعيان المحمولة للغير. (فرع ثان) يلزم الحاكم أن يقبلها إذا دُفعت =
[ ٣ / ٥٨٤ ]
ضمنها؛ لأنه لا ولاية له (^١٧)، فإن تعذَّر حاكم أهل: (أودعها ثقة)؛ لفعله ﷺ لما أراد أن يهاجر أودع الودائع التي كانت عنده لأم أيمن ﵂، ولأنه موضع حاجة، وكذا: حكم من حضره الموت (^١٨) (ومن) تعدَّى في الوديعة: بأن (أودع دابة فركبها لغير نفعها) أي: علفها وسقيها (أو) أودع (ثوبًا فلبسه) لغير خوف من عث أو نحوه (أو) أودع (دراهم، فأخرجها من محرز) ها (ثم ردَّها) إلى حرزها (أو رفع الختم) عن كيسها، أو كانت مشدودة، فأزال الشد: ضمن: أخرج منها شيئًا أو لا؛ لهتك الحرز (أو خلطها بغير متميّز) كدراهم بدراهم، وزيت بزيت في ماله أو غيره
= الوديعة إليه؛ للتلازم؛ حيث إنه ولي من لا ولي موجود له فيلزمه قبولها.
(^١٧) مسألة: إذا تعذَّر على المودَع أن يرد الوديعة إلى صاحبها، أو وكيله ولم يقدر السفر بها: فإنه يدفعها إلى الحاكم - كما سبق في مسألة (١٦) -، فإن أودعها مسلمًا أمينًا مع قدرته على دفعها إلى الحاكم: ثم تلفت: فإن المودَع الأول يضمنها؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من كون غير الحاكم لا ولاية له: ضمان الوديعة إذا دُفعت إليه؛ لكونه غير محل للدفع إليه مع وجود الحاكم، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المودِع.
(^١٨) مسألة: إذا تعذَّر على المودَع دفعها إلى الحاكم الأهل عند إرادته السفر: فإنه يودعها عند ثقة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كانت عنده ودائع، فلما أراد الهجرة من مكة إلى المدينة أودعها عند أم أيمن، وأمر عليًا أن يردها إلى أصحابها، وهذا يلزم منه: عند عدم وجود حاكم أهل؛ لأن مكّة حين مهاجرته ﷺ لم يكن فيها حاكم أهل، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الحاجة تقتضي أن يضعها عند ثقة فشرع من أجل ذلك، (فرع): إذا حضرت المودَع الوفاة وعنده وديعة: فإنه يجب عليه أن يردّها إلى أصحاب صاحبها، أو وكيله، فإن تعذّر فيدفعها إلى حاكم أهل، فإن تعذَّر: فإنه يودعها ثقة؛ للقياس؛ على من أراد السفر - كما سبق في مسائل (١٥ و١٦ و١٧ و١٨) -.
[ ٣ / ٥٨٥ ]
(فضاع الكل: ضمن) الوديعة؛ لتعدِّيه، وإن ضاع البعض ولم يدر أيهما ضاع: ضمن أيضًا (^١٩)، وإن خلطها بمتميز كدراهم بدنانير: لم يضمن (^٢٠)، وإن أخذ درهمًا من غير محرزه، ثم ردَّه فضاع الكل: ضمنه وحده (^٢١)، وإن ردَّ بدله غير متميّز: ضمن الجميع (^٢٢)،
(^١٩) مسألة: إذا تعدَّى المودَع في الوديعة بدون إذن من صاحبها: فإنه يضمن ما تلف منها بسبب ذلك، كأن يُودع دابة فيركبها بغير نفعها، أو يودع ثوبًا فيلبسه من غير خوف شيء، أو يودع دراهم فيخرجها من كيسها أو صندوقها - الذي هو حرز لها - ثم يردها إليه، أو يرفع ختم الكيس، أو يزيل شد الحبل على ذلك الكيس، أو يزيل قفل الصندوق، أو أُودع دراهم فخلطها بدراهم مثلها، غير متميّزة عنها، فضاع كل الوديعة في الصور السابقة، أو بعضها، ولم يدر ما هو الضائع من غيره: فإنه يضمن كل ما سبق؛ للتلازم؛ حيث إن تصرفات المودَع في تلك الوديعة مخالفة لحفظها فيلزم ضمان ما حصل من الإتلاف بسبب ذلك؛ نظرًا لعدوانه وهتكه للحرز، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية الوديعة من الاعتداء عليها بأي شكل يوجد من المودَع.
(^٢٠) مسألة إذا دفع مودع دراهم إلى شخص ليحفظها له، فخلط المودَع في هذه الدراهم دنانير ثم تلفت الدراهم المودعة من غير تعد ولا تفريط: فإن المودَع لا يضمنها؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من التمييز بين الدراهم والدنانير: أن لا يضمن الدراهم إذا تلفت؛ لظهورها على الدنانير.
(^٢١) مسألة: من أودع شيئًا غير محروز كدراهم مثلًا، فأخذ بعضه كدرهم، ثم ردَّه، فضاع الكل: فإنه يضمن ما أخذه فقط؛ للتلازم؛ حيث إن ما أخذه هو الذي تعدَّى فيه فيتعلَّق الضمان بما أخذه فقط إن ضاع أو تلف، ويلزم عدم ضمان غير ما أخذ إذا تلف أو ضاع، وفي ذلك حماية للمودَع، وهو المقصد منه.
(^٢٢) مسألة: إذا أخذ المودَع درهمًا واحدًا من الوديعة - التي هي مجموعة دراهم غير=
[ ٣ / ٥٨٦ ]
ومن أودعه صبي وديعة: لم يبرأ إلّا بردِّها لوليه (^٢٣)، ومن دفع لصبي ونحوه وديعة: لم يضمنها مطلقًا (^٢٤)،
= محروزة - ثم ردَّ بدله، ولم يرده بنفسه فضاعت جميع الدراهم: فإنه يضمنها جميعها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من خلط الوديعة وهي الدراهم بدرهم لا يتميّز، وتغيير بعض الوديعة: أن يضمنها إن ضاعت كلها والمقصد منه: التأكيد من عدم الاقتراب من الوديعة بأي شكل.
(^٢٣) مسألة إذا أودع صبي أو مجنون شخصًا مُكلَّفًا وديعة: فيجب على هذا المكلف أن يردها إلى وليهما الناظر في مالهما، ولا تبرأ ذمة المكلَّف - وهو المودع - إلّا بذلك وإن لم يردَّها إلى وليهما فتلفت: فإنه يضمنها؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المكلف يردُّ دين الصبي والمجنون ونحوهما إلى وليهما وإن ردَّه إليهما: فإنه يضمنه إن تلف بأيديهما، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن الصبي والمجنون ونحوهما ليسوا من جائزي التصرف شرعًا، فلا يستلمون شيئًا من ذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لمال المجنون والصبي ونحوهما.
(^٢٤) مسألة: إذا دفع مكلَّف وديعة إلى صبي، أو مجنون، أو معتوه، أو سفيه، فتلفت: فإنهم لا يضمنونها مطلقًا: أي: سواء فرطوا، أو لا، وسواء تعدَّوا، أو لا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المكلف لو أتلف شيئًا لغيره: فإنه يضمنه، لتفريطه، فكذلك إذا دفع إلى غير جائزي التصرف شرعًا كالصبي: فإنه يضمنه هو، والصبي لا يضمنه والجامع: التفريط في كل؛ حيث من دفع إلى الصبي شيئًا فقد فرّط فيه؛ لكونه قد سلّطه عليه بدفعها إليه فيتحمَّل نتيجة تفريطه، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحذير المكلَّفين من أن يعتمدوا على غير جائزي التصرف، فإن قلتَ: إن الصبي ونحوه يضمن ما أتلفه هنا، وهو قول الشافعي، وكثير من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن قدامة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الصبي يضمن إذا أتلف شيئًا غير مودع إليه، فكذلك يضمن ما أتلفه بعد=
[ ٣ / ٥٨٧ ]
ولعبد: ضمنها بإتلافها في رقبته (^٢٥).
فصل: (ويقبل قول المودَع في ردِّها إلى ربها) أو من يحفظ ماله (أو غيره بإذنه) بأن قال: "دفعتها لفلان بإذنك" فأنكر مالكها الإذن، أو الدفع: قبل قول المودَع، كما لو ادَّعى ردَّها على مالكها (^٢٦) (و) يُقبل قوله أيضًا في (تلفها وعدم التفريط)
= إيداعه إياه، والجامع: إتلاف مال الغير في كل. قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأنه في هذه المسألة قد قصد ذلك المكلف ومكَّنه من قبض المال - وهي الوديعة - فكأنه هنا قد ساعده وشاركه على الإتلاف، بخلاف ما لو أتلف شيئًا لم يودع إليه فلم يُساعده أو يُشاركه عليه، ومع الفرق: لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" كما هو واضح.
(^٢٥) مسألة: إذا دفع شخص إلى عبد مكلف وديعة، وتلفت: فإنه يضمنها لصاحبها في رقبته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه مكلفًا قد جنى بإتلافه: أن يضمن ما أتلفه، حماية لحق المودِع، وهو المقصد منه.
(^٢٦) مسألة: إذا ادَّعى المودَع: أنه ردَّ الوديعة إلى صاحبها، أو ردَّها إلى من يحفظ ماله عادة كوكيله، أو عبده، أو زوجته، أو خازنه، أو دفعها إلى إنسان أجنبي بإذن من صاحبها: فأنكر صاحب الوديعة كل ذلك، أو أنكر من دفعت إليهم، ولا بيّنة لكل منهم: فإنه يُقبل قول المودَع مع يمينه؛ للمصلحة؛ حيث إنه لو لم يُقبل قول المودَع هنا: لأقضى ذلك إلى أن يمتنع الناس من قبول ودائع الآخرين عندهم وحفظها لهم، وقضاء حاجتهم بذلك، نظرًا لحدوث مثل هذه الخلافات بين الدافع والمدفوع إليه عادة، ولكون الوقت قد يضيق عن إثبات البيّنات، أو قد يصعب ذلك، وهذا فيه إلحاق مفسدة كبيرة في المجتمع الإسلامي، فدفعًا لذلك: شرع قبول قول المودَع ودفعها إلى هؤلاء كدفعها إلى صاحبها في ذلك، فإن قلتَ: لم يُطلب من المودَع اليمين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الاحتياط؛ إذ قد يكون صاحب الوديعة، أو غيره ممن دفعت إليهم صادقين في إنكارهم، فردًا=
[ ٣ / ٥٨٨ ]
بيمينه؛ لأنه أمين، لكن إن ادَّعى التلف بظاهر: كُلِّف به بيَّنة، ثم قُبل قوله في التلف (^٢٧)، وإن أخَّر ردَّها بلا عذر: ضمن، ويمهل لأكل، ونوم، وهضم طعام بقدره، وإن أمره بالدفع إلى وكيله، فتمكن، وأبي: ضمن ولو لم يطلبها وكيله (^٢٨)
= لهذا الاحتمال: شرعت اليمين.
(^٢٧) مسألة: إذا ادَّعى المودَع أن الوديعة التي عنده قد تلفت مع حرصه عليها، وعدم تعدّيه وتفريطه فيها: ففي قبول قوله وعدمه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن ادَّعى التلف بسبب ظاهر كحريق، ونهب جيش، أو هدم عام: فلا يُقبل قوله إلّا بعد أن يثبت تلك الأسباب، وتكفي استفاضة ذلك: بين الناس، فإذا أثبت ذلك: قبل قوله في التلف نفسه؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك لا تتعذَّر إقامة البيّنة عليه فلزم، ثانيًا: إن ادَّعى تلفها ولم يذكر سببًا عامًا ظاهرًا: فإنه يُقبل قوله مع يمينه؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل: براءة ذمة كل أمين، والمودَع أمين، فيكون بريئًا، فيُقبل قوله، الثانية: المصلحة؛ وقد بيّناها في مسألة (٢٦).
(^٢٨) مسألة إذا طلب المودع وديعته من المودَع أو طلب منه أن يدفعها إلى وكيله في وقت يمكنه ذلك: فلم يفعل المودع ذلك فتلفت الوديعة بعد ذلك ففي تضمينه وعدمه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن أخّرها لأجل أكل أو شرب، أو نوم، أو طهارة لصلاة أو هضم طعام، أو نحو ذلك من الحاجات التي تقتضي وقتًا قصيرًا، ثم تلفت في أثناء ذلك: فإنه لا يضمنها؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عدم عدوانه، وعدم منعها لقصد المنع فقط: أن لا يضمن الوديعة إذا تلفت في هذه الحالة، ثانيًا: إن غلب على ظن المودَع أن صاحب الوديعة لا يقدر على حملها، أو لا يقدر على منع السرّاق وقطاع الطرق عنها، فمنعها، ثم تلفت عند المودَع: فإنه لا يضمنها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم عدوانه، وكون قصده حفظ الوديعة: عدم ضمانه؛ لكونه فعل ماله فعله، ثالثًا: إن لم يغلب على ظنه شيء فمنعها بلا عذر، ثم تلفت عنده: فإنه يضمنها؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الغاصب يضمن العين=
[ ٣ / ٥٨٩ ]
(فإن قال: لم تودعني ثم ثبتت) الوديعة (ببيّنة، أو إقرار، ثم ادَّعى ردًّا أو تلفًا سابقين لجحوده: لم يقبلا ولو ببيّنة)؛ لأنه مكذب للبيّنة، وإن شهدت بأحدهما، ولم تعين وقتًا: لم تسمع (^٢٩) (بل) يُقبل قوله بيمينه في الرَّد والتلف (في) ما إذا أجاب بـ (قوله: مالك عندي شيء ونحوه) كما لو أجاب بقوله: "لا حقَّ لك قِبَلي" أو "لا تستحق عليَّ شيئًا" (أو) ادَّعى الرد، أو التلف (بعده) أي: بعد جحوده (بها) أي: بالبيِّنة؛ لأن قوله لا ينافي ما شهدت به البيِّنة ولا يُكذِّبها (^٣٠) (وإن مات المودَع و
= المغصوبة إذا تلفت عنده فكذلك المودَع إذا امتنع من دفع الوديعة إلى صاحبها بدون عذر وتلفت عنده: فإنه يضمنها، والجامع: أن كلًّا منهما قد أمسك مال غيره بدون إذنه بفعل محرم، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية حق المودِع، وحق المودَع من تحايل أحدهما على الآخر.
(^٢٩) مسألة: إذا ادَّعى زيد وديعة له عند عمرو، فأنكر عمرو قائلًا: "لم تودعني شيئًا"، ثم أثبت زيد بالبيِّنة أنه أودعه، أو أن عمرًا أقرَّ بها عنده، ثم ادَّعى - أي: المودَع - وهو عمرو - أنه ردَّها إلى صاحبها - وهو زيد - أو ادَّعى أنها تلفت عنده قبل جحوده: فإن دعواه بالتلف أو الرَّد لا يقبلان، ولو أثبت - أعني المودَع - بيِّنة على تلفها أو ردِّها، وعليه ضمانها: للتلازم؛ حيث إن المودع - وهو عمرو هنا - مُكذِّب لإنكاره الأول - وهو قوله: "لم تودعني شيئًا" - ومعترف على نفسه بالكذب المنافي للأمانة - التي يجب أن يتحلَّى بها المودَع - فيلزم من ذلك كله: عدم الثقة به، ووجوب الضمان عليه، لتحققه عليه، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحثّ على وضع الودائع عند الثقات. (فرع): إذا شهدت البيّنة بالتلف من الحرز ولم تعيّن وقتًا هل هذا وقع قبل الجحود أو بعده، واحتمل الأمرين: لم يسقط الضمان؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الثقة بكلام المودَع؛ نظرًا لتكذيبه نفسه: أن الضمان متحقق عليه، وهذا لا ينتفي بأمر متردد فيه.
(^٣٠) مسألة: إذا ادَّعى زيد أنه أودع عمرًا وديعة، فأنكر عمرو ذلك قائلًا: "ما لك=
[ ٣ / ٥٩٠ ]
(ادَّعى وارثه الرَّد منه) أي: من وارث المودع لربِها (أو من مورِّثه) وهو المودَع (لم يُقبل إلّا ببيِّنة)؛ لأن صاحبها لم يأتمنه عليها، بخلاف المودَع (^٣١) (وإن طلب أحد المودِعين نصيبه من مكيل أو موزون ينقسم) بلا ضرر: (أخذه) أي: أخذ نصيبه، فيُسلَّم إليه؛ لأن قسمته ممكنة بغير ضرر ولا غبن (^٣٢) (وللمستودع، والمضارب، والمرتهن،
= عندي شيء" أو قال: "لا حقَّ لك قِبَلي" أو قال: "لا تستحق عليّ شيئًا": فإنه يُقبل قوله في الرَّد والتلف مع يمينه ولو قامت بيّنة على أن عنده لزيد وديعة، أو هو أقربها، ولا ضمان عليه، وكذا: إن ادَّعى المودَع ردَّها إلى صاحبها، أو تلفها بعد أن جحدها بالبيّنة: يقبل قوله في الرد والتلف مع يمينه، ولا يضمنها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم منافاة قوله لما شهدت به البيّنة ولا يكذبها: قبول قوله مع يمينه وعدم ضمانها؛ لأن من تلفت الوديعة من حرزه بغير تفريطه لا شيء لمالكها عنده ولا يستحق عليه شيئًا.
(^٣١) مسألة: إذا أودع زيد عمرًا وديعة، فمات المودَع - وهو عمرو فادَّعى وارثه - أي: وارث عمرو - أنه قد ردَّ تلك الوديعة بنفسه إلى زيد، أو ادَّعى وارثه: أن مورِّثه - وهو عمرو - قد ردّ تلك الوديعة بنفسه قبل أن يموت: فإن قول هذا الوارث لا يُقبل إلّا ببيِّنة ودليل على ذلك؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون صاحبها - وهو زيد - لم يأتمنه على تلك الوديعة: أن لا يُقبل قوله إلّا ببيِّنة كغيره من الأجانب، بخلاف المودَع نفسه: فإنه يُقبل بقوله في الرَّد والتلف بغير بينة؛ لكونه مأمونًا من قبل المودِع - كما سبق تكرار ذكره، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المودِع.
(^٣٢) مسألة: إذا أودع ثلاثة وديعة عند عمرو: تتكون من مكيل أو موزون لا تتعذَّر قسمته: فطلب أحدهم نصيبه من ذلك المكيل أو الموزون: فإنه يجوز للمودَع - وهو عمرو - أن يُسلِّمه إيَّاه بشرط: أن لا تنقص قيمة الوديعة كلها بتفرقتها بهذه الصورة؛ للقياس؛ بيانه: كما لو أودع زيد عمرًا دراهم، وأودعه بكر دنانير،=
[ ٣ / ٥٩١ ]
والمستأجر) إذا غصبت العين منهم (مطالبة غاصب العين)؛ لأنهم مأمورون بحفظها، وذلك منه، وإن صادره السلطان أو أخذها منه قهرًا: لم يضمن قاله أبو الخطاب (^٣٣).
= وأودعه محمد شعيرًا ثم طلب زيد دراهمه منه: فإنه يُسلمه له، فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه في كل منهما حق مشترك، وقسمته ممكنة؛ حيث تميز نصيب كل واحد عن الآخر بغير ضرر ولا غبن علي أحد، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتسهيل على المودَعين، والمودِعين.
(^٣٣) مسألة: إذا غُصبت الوديعة من المودَع، وأخذت منه فلا يجب عليه مطالبة غاصبها، ولا ضمان عليه أيضًا، وهذا مطلق، أي: سواء كان الغاصب لها السلطان أو غيره، وسواء أُخذت من المودَع قهرًا، أو إكراهًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم الأمر بالمطالبة بها إذا أخذت: عدم وجوب المطالبة بها على المودَع، ويلزم من وجود القهر في أخذها، أو الإكراه: عدم ضمانها لصاحبها؛ لأن القهر والإكراه عذر يسقطان الضمان، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو وجب على المودَع المطالبة بها وضمانها لو سرقت الوديعة أو غُصبت: لأفضى إلى امتناع الناس عن أن يقبلوا الودائع عندهم؛ لأن الوديعة معرَّضة لذلك، وبهذا يتضرّر المجتمع الإسلامي، فدفعًا لذلك: شرع ما ذكر هنا، فإن قلت: يجب على المودَع أن يُطالب من غصبها في هذه الحالة، وإن صادرها السلطان، أو أخذها منه: لا يضمنها، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من الأمر بحفظ الوديعة: الأمر بالمطالبة بها إذا غُصبت؛ لأن المطالبة بها من حفظها قلتُ: لا يُسلَّم أن الأمر بحفظها يلزم منه المطالبة بها إذا غُصبت؛ لكون المطالبة بها تتضمن مشقّة تُنفِّر الناس من قبول ودائع الآخرين، وهذه مفسدة، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع المصلحة والتلازم الذي ذكرناهما" كما هو واضح.
هذه آخر مسائل باب "الوديعة" ويليه باب "إحياء الموات".
[ ٣ / ٥٩٢ ]