بفتح الواو وكسرها: التفويض، تقول: "وكلتُ أمري إلى الله" أي فوّضته إليه واصطلاحًا: استنابة جائز التصرُّف مثله فيما تدخله النيابة (^١) (تصحُّ) الوكالة (بكل قول يدل على الإذن) كـ "اِفعل كذا" أو "أذنتُ لك في فعله" ونحوه (^٢)، وتصح مؤقتة،
باب الوكالة
وفيه ثلاث وأربعون مسألة:
(^١) مسألة: الوكالة لغة: التفويض، ومنه قولك: "وكَّلتُ فُلانًا" أي: فوَّضتُ أمري إليه، وهي الاصطلاح: "أن يستنيب جائز التصرُّف - وهو: المكلَّف الحرُّ الرشيد - من هو مثله في أمر تدخله النيابة من الأحكام الفقهية"، فتكون أركانها: الموكّل، والوكيل، والموكَّل فيه؛ وهو عام: فيشمل: كون الوكيل والموكل ذكرين أو أنثيين، أو ذكر وأنثى، ويشمل الموكَّل فيه: ما يتعلق بحقوق الله تعالى، وما يتعلَّق بحقوق الآدميين - مما سيأتي بيانه (فرع)؛ الوكالة جائزة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ حيث إنهم وكلاء الحاكم في أخذ الزكاة وجمعها - كما سبق - وقال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ أي: اجعلني وكيلًا عنك، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﵇ يبعث عماله في قبض الزكاة، وكان يأمر غيره بإقامة الحدود عنه، ووكَّل أبا رافع في تزويج ميمونة، فإن قلتَ: لَم شُرّعت الوكالة؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن بعض الناس قد لا يتمكَّن من فعل كل شيء بنفسه: إما بسبب مرض عضوي أو نفسي، أو انشغاله بما هو أهم، أو لضيق الوقت، فشُرعت؛ تيسيرًا وتسهيلًا وتوسعة على العباد.
(^٢) مسألة: تصح الوكالة بكل لفظ يدل على الإذن من الموكِّل لغيره في التصرف في أملاكه كأن يقول زيد لبكر: "اِفعل كذا" أو "أذنتُ لك في فعل كذا" أو "أقمتك مقامي" أو "فوَّضت إليك في كذا" أو "جعلتك نائبًا عني" ونحو ذلك، وتنعقد =
[ ٣ / ٣١٥ ]
ومعلقة بشرط كوصية وإباحة أكل، وولاية قضاء، وإمارة (^٣) (ويصح القبول على الفور والتراخي) بأن يُوكِّله في بيع شيء فيبيعه بعد سنة، أو يُبلغه أنه وكَّله بعد شهر فيقول: "قبلتُ" (بكل قول أو فعل دال عليه أي على القبول؛ لأن "قبول وكلائه ﵇ كان بفعلهم، وكان متراخيًا عن توكيله إياهم" قاله في "المبدع" (^٤)، ويُعتبر
= بالكتابة الدالة على الوكالة؛ للقياس؛ بيانه كما أن لفظ: "وكَّلتك" يدل على الإذن في التصرُّف عنه، فكذلك تلك الألفاظ تدلّ عليه والجامع: أن كلًّا منها يُفهم منها الإذن أو معناه، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التقييد بصيغة معيَّنة فيه ضيق وحرج، فدفعًا لذلك: شُرع التوسُّع في ذلك.
(^٣) مسألة تصح الوكالة فترة معيَّنة من الوقت كقولك: "وكَّلتك شهرًا في كذا" وتصح مطلقة كقولك: "وكلتك وكالة دائمة إلى أن أفسخها"، وتصح بدون تعليق بشرط كما سبق، وتصح معلَّقة بشرط كقولك: "وكَّلتك على كذا إذا قدم فلان من السفر"، أو إذا جاء الصيف فأنت وكيلى على كذا"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "أميركم زيد، فإن قتل فجعفر، فإن قتل فعبد الله بن رواحة"، وهذه وكالة معلقة بالشرط، الثانية: القياس؛ بيانه: كما تصح الإمارة - كما سبق - والوصية وولاية القضاء، وإباحة الأكل مطلقة، ومؤقتة بوقت معين، ومعلَّقة بشرط فكذلك الوكالة مثل ذلك والجامع: أن الحاجة داعية إلى ذلك في كل كما قال ابن القيم، وهو المقصد ذلك.
(^٤) مسألة: يصح أن يقبل الوكيل الوكالة على الفور، وعلى التراخي بكل قول أو فعل يدلّ على قبولها كقول الوكيل: "قبلتُ" أو يفعل ما وُكَّل به: كأن يُوكِّل زيد بكرًا بأن يبيع له هذه الدار، فيبيعها له بكر بدون كلام، وهذا يشمل الفورية في فعل الوكيل، والتراخي؛ للسنة التقريرية؛ حيث كان ﵇ يُوكِّل بعض أصحابه في قبض الزكاة، وشراء الحاجات، وإقامة بعض الجنايات على الغير ونحو ذلك، وكانوا يقبلون ذلك بقولهم، وبفعلهم على الفور وعلى التراخي =
[ ٣ / ٣١٦ ]
تعيين الوكيل (^٥) (ومن له التصرُّف في شيء) لنفسه: (فله التوكيل) فيه (والتوكُّل فيه) أي: جاز أن يستنيب غيره، وأن ينوب عن غيره؛ لانتفاء المفسدة، والمراد: فيما تدخله النيابة - ويأتي -، ومن لا يصح تصرُّفه بنفسه فنائبه أولى، فلو وكَّله في بيع ما سيملكه، أو طلاق من يتزوجها: لم يصح (^٦)، ويصح توكيل امرأة في طلاق نفسها وغيرها، وأن يتوكَّل واجد الطول في قبول نكاح أمة لمن تُباح له، وغني لفقير في قبول
= بدون نكير منه ﵇، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الموكِّل والوكيل.
(^٥) مسألة: يُشترط على الموكِّل أن يُعيِّن الوكيل ويذكره بعينه، أو يُشير إليه في المجلس، فيقول: "وكلتُ فلانًا بن فلان على كذا" أو يقول: "وكلتُ هذا وهو يعرفه" مشيرًا إلى أحد الجالسين، فإن قال: "وكلتُ أحد هذين": فلا يصح؛ للمصلحة: حيث إن الجهالة فيها تغرير للناس وكثرة تنازع فلزم: أن يُعيَّن الوكيل دفعًا لذلك.
(^٦) مسألة: الشخص الذي يصح أن يُوكِّل غيره ويُنيب عنه؛ والشخص الذي يتوكَّل عن غيره ويستنيب عن غيره هو: كلُّ شخص يصح تَصرُّفه في شيء لنفسه: بأن يبيع ويشتري ويؤجِّر، ويُوهب، ويتصدَّق ونحو ذلك بدون وصاية، أو ولاية، أو استئذان من أحد، وبناء على هذا: إذا لم يصح تصرُّفه في شيء كأن يكون ملكًا لغيره: فلا يصح أن يوكل غيره فيه كأن يُوكِّل زيد بكرًا في أن يبيع دارًا لم يملكها زيد، وكأن يُوكِّله بأن يُطلِّق امرأة لم يتزوجها زيد؛ للتلازم؛ حيث يلزم من صحة تصرُّفه في شيء تدخله النيابة: أن يُوكِّل غيره في ذلك لعدم وجود مفسدة، ويلزم من عدم صحة تصرُّفه في ذلك الشيء: عدم صحة توكيل غيره فيه من باب أولى؛ لأن الوكيل فرع للموكِّل، فإذا كان الأصل لا يتصرَّف فمن باب أولى سلب التصرُّف من الفرع.
[ ٣ / ٣١٧ ]
زكاة، وفي قبول نكاح أخته، ونحوها لأجنبي (^٧) (ويصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود)؛ لأنه ﵇ وكَّل عروة بن الجعد في الشراء، وسائر العقود: كالإجارة، والقرض، والمضاربة، والإبراء ونحوها في معناه (والفسوخ) كالخلع، والإقالة (والعتق والطلاق)؛ لأنه يجوز التوكيل في الإنشاء فجاز في الإزالة بطريق الأولى (والرجعة، وتملُّك المباحات من الصيد، والحشيش ونحوه) كإحياء الموات؛ لأنها تملُّك مال بسببٍ لا يتعيَّن عليه فجاز كالابتياع (^٨)، (لا الظهار)؛ لأنه قول منكر
(^٧) مسألة أن يُوكِّل الزوج زوجته في طلاق نفسها، ويصح توكيلها في طلاق غيرها، ويصح أن يُتوكِّل رجل غني في قبول نكاح أمة لمن تباح له، ويصح أن يتوكَّل رجل في قبول نكاح أخته، أو عمته، أو خالته لأجنبي لا تُباع له، ويُشترط تسمية الموكِّل، ويصح أن يتوكَّل غني في أن يستلم الزكاة لفقير ونحو ذلك؛ للتلازم: حيث إن الموكِّل في هذه الصور له حق التصرُّف فيما وكَّل غيره فيه فيلزم: أن تصح الوكالة؛ لعدم المانع، وعدم وجود غرر، أو جهالة، وهذا هو المقصد منه.
(^٨) مسألة: تصح الوكالة من حقوق الآدميين في صور أربع: الصورة الأولى: جميع العقود كالبيع، والشراء، والإجارة، والقرض، والصلح، والضمان، والكفالة، والحوالة، والشركة، والمضاربة، والوديعة، والإبراء، والجعالة، والمساقاة، والمزارعة، والوصية، والقسمة، والنفقة، والتدبير ونحو ذلك لما في معناه؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ قد وكَّل عروة بن الجعد في شراء شاة له، ووكَّل في قبول النكاح له، وما ذكر من العقود الأخرى مثل ذلك؛ لعدم الفارق بجامع: أن كلًّا منها تدعو الحاجة إليه، الصورة الثانية: جميع الفسوخ، وهي: إزالة العقود كالخلع، والإقالة، والطلاق، والعتق؛ للقياس؛ بيانه: كما يصحّ التوكيل في الإنشاء كالنكاح، وشراء الرقيق، فكذلك يصح التوكيل في الإزالة والفكِّ من باب أولى، والجامع أن كلًّا منها تدعو الحاجة إليه، الصورة الثالثة: إعادة ما =
[ ٣ / ٣١٨ ]
وزور (واللِّعان والأيمان والنذور، والقسامة، والقسم بين الزوجات، والشهادة، والرَّضاع، والالتقاط، والاغتنام، والغصب، والجناية، فلا تدخلها النيابة (^٩) (و)
= كان كالرَّجعة كأن يُوكِّل زيد بكرًا بأن يُرجع له زوجته التي طلقها؛ للقياس، وقد سبق بيانه في الصورة الثانية، الصورة الرابعة: تملُّك المباحات كإحياء الموات، والصيد، والاحتطاب، والحشيش، واستقاء الماء؛ للقياس؛ بيانه: كما تصحّ الوكالة في البيع والشراء، فكذلك تصح في تملُّك المباحات، والجامع: أن كلًّا منها يُعتبر تملّكًا لمال بسبب، فإن قلتَ: لِمَ صحَّت الوكالة في هذه الصور؟ قلتُ: لأنها تدخلها النيابة.
(^٩) مسألة لا تصح الوكالة من حقوق الآدميين في صور ثمان: الصورة الأولى: الظهار، فلا يصح أن يقول: "ظاهر عني" للقياس؛ بيانه: كما لا يصحّ الوكالة في المعاصي، فكذلك لا تصح في الظهار، والجامع: أن كلًّا منهما منكر وقول زور، الصورة الثانية: اللعان والأيمان والنذور، والقسامة، والإيلاء؛ للقياس؛ بيانه: كما أن العبادات البدنية والحدود لا تصح الوكالة والاستنابة فيها فكذلك هذه الأمور مثلها والجامع: أن كلًّا منها تتعلَّق بعين الشخص نفسه؛ لمقصد خاص به، الصورة الثالثة: القَسَم بين الزوجات في المنام؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك متعلِّق ببدن الزوج، فلا ينوب عنه غيره فيها الصورة الرابعة: الشهادة كأن يقول: "أشهد عني"؛ للتلازم؛ حيث إن الشهادة خبر عما رآه أو سمعه، فيلزم أن لا ينوب عنه في ذلك أحد، الصورة الخامسة: الرضاع كأن تقول امرأة لأخرى: "أرضعي عني هذا الطفل"؛ للتلازم؛ حيث إن اللبن الذي يشربه هذا الطفل من مرضعته سيتسبَّب في إنبات لحمه، وتقوية عظمه، ونشر الحرمة فيلزم أن يكون مختصًا بالمرضعة، فلا تصح الاستنابة فيها. الصورة السادسة: الالتقاط؛ كأن يقول شخص لآخر: "التقط عني" حيث إن المغلَّب فيه الائتمان، وهذا يخص صاحبه فيلزم عدم صحة الوكالة فيه، وإذا التقط شخص: كان الأحق في الملتقط هو =
[ ٣ / ٣١٩ ]
تصح الوكالة أيضًا (في كل حق لله تدخله النيابة من العبادات) كتفرقة صدقة، وزكاة، ونذر، وكفارة؛ لأنه ﵇ كان يبعث عمَّاله لقبض الصدقات، وتفريقها، وكذا حج، وعمرة على ما سبق، وأما العبادات البدنية المحضة كالصلاة، والصوم، والطهارة من الحدث: فلا يجوز التوكيل فيها؛ لأنها تتعلَّق ببدن من هي عليه، لكن ركعتا الطواف تتبع الحج (و) تصح في (الحدود في إثباتها، واستيفائها)؛ لقوله ﵇ "وأغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" فاعترفت فأمر بها فرُجمت" متفق عليه (^١٠)،
= اللاقط، الصورة السابعة: الغَصب والجناية كأن يقول شخص لآخر: "اِغصب عني" أو "اقتل عني فلانًا" أو "اسرق عني فلانًا"؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك محرَّم، وكل محرم لا يجوز فعله بنفسه، ويلزم من عدم جواز فعله بنفسه: عدم جواز إنابة غيره فيه؛ الصورة الثامنة: الاغتنام فلا يقول شخص لآخر "اغنم عني"؛ للتلازم؛ حيث إن الاغتنام لا يستحقه إلّا الحاضر، فيلزم عدم استحقاق الغائب له، فلا تصح الوكالة فيه، فإن قلت: لِمَ لا تصح الوكالة في تلك الصور؟ قلتُ: لأنها لا تدخلها النيابة.
(^١٠) مسألة تصح الوكالة في حقوق الله تعالى في صورتين فقط: الصورة الأولى: ما تدخله النيابة من العبادات - وهي التي لها صلة بالمال - كالحج والعمرة؛ لعاجز عنهما ببدنه - كما سبق بيانه في كتاب المناسك -، وكذا: تفرقة الزكاة، وجمعها، وتفرقة الصدقات والنذور، والكفارات؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" والعمرة مثله؛ لعدم الفارق، وقد سبق بيانه الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﵇ كان يبعث عماله على الصدقات والزكوات لجمعها وتفريقها، وتفريق النذور، والكفارات مثل ذلك؛ لعدم الفارق، الصورة الثانية: إثبات الحدود كحد السرقة، والزنا، وشرب الخمر، والقصاص، واستيفائها ممن وجبت عليه، فيصحّ أن =
[ ٣ / ٣٢٠ ]
ويجوز الاستيفاء في حضرة الموكِّل، وغيبته (^١١) (وليس للوكيل أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه) إذا كان يتولَّاه مثله، ولم يُعجزه؛ لأنه لم يأذن له في التوكيل، ولا تضمَّنه إذنه؛ لكونه
= يُوكِّل الإمام غيره في إقامة الحدود والقصاص وإن كان الله؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" حيث إن ذلك وكالة (فرع): لا تصح الوكالة في العبادات المحضة وهي التي لا تجوز النيابة فيها كالصلاة، والطهارة، والصوم، ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن الثواب فيها خاص لمن قام بعملها مع النية فيلزم عدم جواز الوكالة فيها (فرع ثان): الشخص الذي يحج أو يعتمر عن غيره تصح منه ركعتا الطواف، للتلازم؛ حيث يلزم من كونهما تبعًا للحج: جواز فعلهما عن الغير، وهذا لا يُسمَّى وكالة (فرع ثالث) الصوم المنذور يقوم به شخص عن ناذره الميت؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه أداء عما وجب على الميت: أنه لا يُسمَّى وكالة (فرع رابع) تصح الوكالة في طهارة النجاسة؛ للتلازم؛ حيث يلزم كون إزالة النجاسة من التروك التي لا تشترط فيها النية: صحة الوكالة فيها، فإن قلتَ: لِمَ صحَّت الوكالة في الصورتين اللتين في المسألة (١٠)؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن الشخص أو الإمام قد يشق عليه الحج أو العمرة، أو تفرقة الزكاة والصدقات أو إقامة الحدود بنفسه: فشُرعت الوكالة هنا؛ توسعة على المسلمين.
(^١١) مسألة: يجوز للوكيل أن يستوفي ويُقيم الحدود والقصاص عن مُوكِّله الإمام أو نائبه سواء كان هذا الموكّل له حاضرًا، أو غائبًا إلّا القصاص، والقذف فلا يُقام حدهما إلّا بحضور من له الحق في العقوبة وإسقاط العقاب؛ لقاعدتين: الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن للوكيل الحق في جواز استيفاء وإقامة ذلك بحضرة الموكل، فكذلك يجوز ذلك في غيبته والجامع: أخذ الحق في كل. الثانية: المصلحة؛ حيث إنه يُحتمل أن يعفو من له الحق في العفو من موكلِّ أو صاحب الدم أو المقذوف، فاستُثني ذلك لدفع المفسدة في ذلك.
[ ٣ / ٣٢١ ]
يتولَّى مثله (إلا أن يُجعل إليه بأن يأذن له في التوكيل أو يقول: "اصنع ما شئت" (^١٢)، ويصح توكيل عبد بإذن سيده (^١٣) (والوكالة عقد جائز)؛ لأنها من جهة الموكِّل إذن، ومن جهة الوكيل بذل نفع، وكلاهما غير لازم، فلكل واحد منهما فسخها (^١٤) (وتبطل بفسخ أحدهما وموته) وجنونه المطبق؛ لأن الوكالة تعتمد الحياة
(^١٢) مسألة: لا يجوز للوكيل أن يُوكِّل غيره فيما وُكِّل فيه إلا بعد أن يأذن له الموكِّل إذنًا صريحًا، فمثلًا: لو وكَّل زيد بكرًا في شراء دار: فلا يجوز لبكر أن يُوكِّل محمدًا في شراء تلك الدار، أما إن أذن زيد لبكر بأن يُوكِّل غيره، أو قال زيد لبكر: "وكلتك فاصنع ما شئت": فإنه يجوز لبكر أن يُوكل غيره؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو أُودع بكرًا وديعة فلا يجوز لبكر أن يضع تلك الوديعة عند محمد أو غيره إلّا إذا أذن له زيد في ذلك والجامع: أن كلًّا من الوكيل والمودَع قد استؤمن فيما يمكنه القيام والنهوض فيه، فلا يحلُّ له أن يضع ذلك عند غيره، فإن قلتَ: لِمَ شُرِّع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الموكِّل - وهو زيد هنا - فقد يُوكِّل الوكيل - وهو بكر هنا - شخصًا غير ثقة عند زيد، أو توجد بينهما عداوة ونحو ذلك. ثم إن صيغة التوكيل لا يلزم منها الإذن له في التوكيل، أما إذا أتى بصيغة يُفهم منها التوكيل بصورة عامة أو خاصة فيجوز كالتصرف المأذون فيه.
(^١٣) مسألة: لا يجوز توكيل العبد إلّا بعد أن يأذن سيده بذلك، فإن أذن: صح توكيله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون العبد مُلكًا لسيده: عدم تكليفه بشيء وتحمُّله لشيء إلّا بعد إذنه. (فرع): يجوز توكيل العبد في طلاق امرأة من غير إذن سيده؛ للتلازم؛ حيث إن الطلاق يملكه العبد فيلزم جواز توكيله فيه.
(^١٤) مسألة: الوكالة عقد جائز من الطرفين فيستطيع أيُّ واحد من الموكِّل والوكيل أن يفسخ الوكالة متى شاء بدون إذن الآخر، وبدون أن يترتب عليه أي شيء من الإلزامات؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من حقيقة الوكالة: كونها عقد لازم؛ إذ إنها من =
[ ٣ / ٣٢٢ ]
والعقل: فإذا انتفيا: انتفت صحتها، وإذا وكَّل في طلاق الزوجة، ثم وطئها، أو في عتق العبد ثم كاتبه، أو دبَّره بطلت (و) تبطل أيضًا بـ (عزل الوكيل) ولو قبل علمه؛ لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضى صاحبه فصحّ بغير علمه كالطلاق، ولو باع أو تصرَّف فادَّعى أنه عزله قبله: لم يُقبل إلّا ببيّنة (و) تبطل أيضًا (بحجر السفيه)؛ لزوال أهلية التصرُّف، لا بالحجر؛ لفلس؛ لأنه لم يخرج عن أهلية التصرف، لكن إن حجر على الموكِّل، وكانت في أعيان ماله بطلت؛ لانقطاع تصرفه فيها (^١٥) (ومن
= جهة الموكِّل إذن لغيره في التصرُّف في أملاكه، وهي من جهة الوكيل بذل نفع لغيره، وهما - أي: الإذن وبذل النفع - غير لازمين، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنها لو كانت عقد لازم للحق الناس مشقة وضيق؛ حيث إن أكثر الناس لا يُريد إلزام نفسه بشيء، فدفعًا لذلك: جعلت عقدًا جائزًا؛ توسعة وتيسيرًا عليهم.
(^١٥) مسألة: الأسباب التي تبطل الوكالة خمسة: السبب الأول: إذا فسخ الموكِّل، أو الوكيل الوكالة؛ للقياس؛ بيانه كما أنهما عقداها بكامل تصرفهما فكذلك يجوز لهما فسخها وإبطالها والجامع: أن كلًّا منهما من حقه العقد والفسخ كما سبق، السبب الثاني: إذا مات الموكِّل، أو الوكيل، أو جُن جنونًا مستمرًا ومطبقًا؛ للتلازم؛ حيث إنه يُشترط في الوكالة: أن يكون كل واحد من الوكيل والموكِّل جائز التصرُّف - كما سبق في مسألة (٦) - ويلزم من وجود الموت والجنون: بطلان الوكالة، السبب الثالث: إذا وطئ الرجل امرأته التي وكَّل شخصًا آخر في طلاقها، أو كاتب عبده أو دبَّره - بأن قال: يعتق إذا متُّ - الذي وكل شخصًا آخر في عتقه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وطء امرأته ومكاتبة وتدبير العبد: رجوع الموكِّل عن الوكالة وفسخها، السبب الرابع: إذا عزل الموكل الوكيل: وعلم الوكيل بهذا العزل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون الوكالة إذن بالتصرُّف من الموكِّل فيلزم من عزله منع هذا الإذن السبب الخامس: إذا حُجر على الموكل أو الوكيل بسبب سفه؛ أو حُجر على أعيان مال الموكِّل المفلس الذي وكَّل غيره أن يتصرف فيها؛ للتلازم؛ =
[ ٣ / ٣٢٣ ]
وُكِّل في بيع أو شراء: لم يبع ولم يشتر من نفسه) لأن العرف في البيع: بيع الرجل من غيره، فحملت الوكالة عليه ولأنه تلحقه تهمة (و) لا من (ولده) ووالده، وزوجته، ومكاتبه، وسائر من لا تقبل شهادته له؛ لأنه متهم في حقهم، ويميل إلى ترك الاستقصاء عليهم في الثمن كتهمته في حق نفسه (^١٦)، وكذا: حاكم، وأمينه، وناظر
= حيث يلزم من اشتراط الرُّشد وحق التصرف فيهما: بطلان الوكالة إذا حجر على أحدهما فيما ذكرناه (فرع): يُشترط في عزل الوكيل: أن يعلم هذا الوكيل في هذا العزل؛ للمصلحة: حيث إن الوكيل قد يتصرَّف بتصرُّفات بناء على أنه وكيل عن فلان وهو في الحقيقة معزول، فيتضرَّر ضررًا كبيرًا، فدفعًا لذلك اشترط هذا الشرط، فإن قلت: لا يشترط؛ حيث إن الوكيل ينعزل ولو لم يعلم - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للقياس؛ بيانه: كما أن الزوج يُطلِّق امرأته وتطلق سواء علمت بذلك أو لا فكذلك الموكِّل يعزل وكيله فينعزل: سواء علم الوكيل أو لا، والجامع: أن كلًّا منهما له الحق فيما فعله؛ إذ هو عقد جائز قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن المرأة لا يترتَّب على طلاقها أيُّ التزامات، بخلاف الوكيل فقد يتصرَّف ببيع أو شراء ونحو ذلك بعد عزلة فإذا كان يضمن ما تصرف فيه بعد عزله: فإن هذا يضرُّه، فإن قلتَ ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع المصلحة" فعندنا: تقدم المصلحة، إذ دفع المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة، وعندهم: يُقدَّم القياس (فرع ثان) إذا حجر على مفلس بصورة عامة فيصح أن يُوكِّل غيره، وأن يتوكَّل عن غيره؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كونه لم يخرج عن أهلية تصرفه: صحة ذلك؛ لعدم ما ينافيها تنبيه: قوله: "ولو باع أو تصرَّف فادَّعى أنه عزله قبل: لم يُقبل إلّا ببيّنة" قلتُ هذا على رأي المصنف وهو: أن الوكيل ينعزل ولو لم يعلم بأن الموكِّل عزله وهذا يدل على ما قلناه: إنه لا ينعزل إلّا إذا علم بذلك؛ لأن في ذلك قطعًا للنزاع والاختلاف.
(^١٦) مسألة: إذا وكَّل زيد بكرًا في بيع أو شراء دار مثلًا: فلا يجوز للوكيل - وهو =
[ ٣ / ٣٢٤ ]
وقف، ووصي، ومضارب وشريك عنان، ووجوه (^١٧) (ولا يبيع) الوكيل (بعرض ولا
= بكر - أن يبيع هذه الدار على نفسه، ولا أن يشتريها من نفسه، ولا يجوز له أن يبيعها أو يشتريها من أي شخص لا تصح الشهادة منه له كولده، وابن ولده، وأبيه وجده، وزوجته ومولاه - وهو العبد الذي أعتقه أو كاتبه - هذا إذا لم يأذن الموكِّل - وهو زيد هنا - للوكيل بذلك، فإن أذن له في البيع أو الشراء من نفسه: فله ذلك؛ لقواعد: الأولى: العرف والعادة؛ حيث جرت العادة أن يبيع الرجل على غيره وأن يشتري من غيره، فبيعه على نفسه، أو شراؤه من نفسه على خلاف تلك العادة الثانية: المصلحة؛ حيث إن الوكيل متهم في ترك الاستقصاء وترك المطالبة بثمن أعلى إذا باع دار الموكل على نفسه أو باعها على أحد من أقربائه، وكذلك متهم بزيادة الثمن إذا اشترى دارًا للموكل من نفسه أو من أحد أقربائه، وبذلك يتضرَّر ذلك الموكل، فدفعًا لذلك: شرع هذا الحكم، الثالثة: القياس، بيانه: كما أنه يجوز للوكيل أن يأخذ ما تبرَّع به الموكِّل فكذلك يجوز له أن يبيع على نفسه أو يشتري لنفسه من أملاك الموكل إذا أذن الموكِّل بذلك، والجامع: أنه في كل منهما قد أسقط الموكِّل حقه، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ لأموال المسلمين من الظلمة.
(^١٧) مسألة: إذا كان زيد حاكمًا، أو أمينًا لحاكم، أو ناظرًا لوقفٍ، أو وصيًّا، أو شريكًا لآخر شركة مضاربة أو شركة عنان، أو شركة وجوه - وسيأتي بيانها -، أو كان عاملًا لبيت المال، أو خازنًا له، أو مسؤولًا عنه: فلا يجوز لزيد هذا: أن يبيع على نفسه شيئًا مما يُوجد في بيت المال، أو أن يبيع على نفسه من الوقف، أو من مال الموصَى عليه، أو من مال الشركة التي بينه وبين غيره، وكذلك لا يبيع ذلك كله على أحد من أقربائه الذين لا تُقبل شهادتهم له، وكذلك لا يجوز له أن يشتري من نفسه شيئًا ويجعله في بيت مال المسلمين، أو أن يشتري من نفسه شيئًا ويجعله في الوقف، أو يُدخله ضمن مال الموصَى عليه أو =
[ ٣ / ٣٢٥ ]
نساء، ولا بغير نقد البلد) لأن عقد الوكالة لم يقتضه، فإن كان في البلد نقدان: باع بأغلبهما رواجًا، فإن تساويا: خُيّر (^١٨) (وإن باع بدون ثمن المثل) إن لم يُقدِّر له ثمن (أو) باع بـ (دون ما قدَّره له) الموكِّل: صح (أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل) وكان لم يُقدِّر له ثمنًا (أو مما قدَّره له: صح) الشراء؛ لأن من صح منه ذلك بثمن مثله: صح بغيره (وضمن النقص) في مسألة البيع (و) ضمن (الزيادة) في مسألة الشراء؛ لأنه مُفرِّط، والوصي، وناظر الوقف كالوكيل في ذلك، ذكره الشيخ تقي الدِّين (^١٩)،
= يُدخله في مال الشركة أو يشتري ذلك أحد أقربائه: للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز ذلك كله للوكيل، فكذلك لا يجوز ذلك للحاكم، أو نائبه، أو عامله أو الوصي، أو الشريك والجامع: وجود التهمة في عدم الاستقصاء في البيع والشراء في كل، فإن قلتَ: لَم شُرّع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفظ وحماية أموال المسلمين من التحايل عليها وأكلها بالباطل.
(^١٨) مسألة: إذا وكَّل زيد بكرًا في بيع سلعة وأطلق زيد ولم يُعيِّن للوكيل - وهو بكر هنا - شيئًا: فلا يجوز للوكيل أن يبيع بعرض - وهو بيع ثوب بثوب - وأن يبيع بنسإ - وهو البيع بثمن مؤجَّل - ولا أن يبيع بغير نقد البلد المعروف، فإن كان في البلد: نقدان: فإنه يبيع بأكثرهما وأغلبهما رواجًا وقوة شرائية، وإن تساويا: فإنه يتخيَّر، هذا إذا لم يُعيِّن الموكِّل نقدًا، فإن عيَّنه: تعيَّن؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل في البيع: تحصيل الثمن والحلول، وكونه بنقد البلد، وعقد الوكالة مطلق، فينصرف إلى هذا الأصل، فيُستصحب ويُعمل به، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الموكِّل قد وثق بالوكيل، فلا بدَّ أن يتصرَّف الوكيل بما هو الأصلح والأحظ للموكِّل.
(^١٩) مسألة: إذا وكَّل زيد بكرًا في بيع ثوب مثلًا، ولم يُقدِّر الموكِّل - وهو زيد - ثمنه، فباعه الوكيل - وهو بكر - بدون ثمن المثل كأن يكون ثمن مثل هذا الثوب مائة ريال، فباعه الوكيل بثمانين، أو أن الموكِّل قدَّر ثمنه بمائة ريال، فباعه الوكيل =
[ ٣ / ٣٢٦ ]
وإن قال: بعه بدرهم فباعه بدينار: صحَّ؛ لأنه زاده خيرًا (وإن باع) الوكيل (بأزيد) مما قدَّره له الموكِّل: صحَّ (أو قال) الموكِّل: (بع: بكذا مؤجَّلًا، فباع) الوكيل (به حالًا): صحَّ (أو) قال الموكِّل (اشتر بكذا حالًا، فاشترى به مؤجَّلًا ولا ضرر فيهما) أي: فيما إذا باع بالمؤجَّل حالًّا، أو اشترى بالحالِّ مؤجَّلًا: (صحَّ)؛ لأنه زاده خيرًا، فهو كما لو وكَّله في بيعه بعشرة، فباعه بأكثر منها (وإلا: فلا) أي: وإن لم يبع
= بثمانين: فإن البيع، صحيح، ويضمن الوكيل النقص إن كان قد فرَّط وتساهل، فيُعطي الموكِّل عشرين ريالًا، أو اشترى الوكيل للموكِّل ثوبًا - مثلًا - بأكثر من ثمن المثل، ولم يقدِّر الموكِّل ثمنًا يشتري به كأن يكون ثمن الثوب مائة ريال، فاشتراه له الوكيل بمائة وعشرين، أو أن الموكِّل قد قال للوكيل: اشتر لي ثوبًا بمائة فاشتراه له بمائة وعشرين: فإن الشراء صحيح، ويضمن الوكيل الزيادة، إن كان قد فرط فيتحملها الوكيل، ولا يدفعها له الموكِّل؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من صحة بيعه أو شرائه بمثله: صحة بيعه أو شرائه بغير ذلك؛ الثانية: المصلحة؛ حيث يلزم من الإذن بالوكالة: أن يتصرَّف الوكيل بما هو أصلح، وأحظ، وأحوط وأفيد للموكِّل، وبيع الوكيل بأقل من ثمن المثل أو مما قدَّره له، أو شراؤه له بأكثر من ثمن المثل، أو مما قدَّره له بتفريط وتساهل يُعتبر مخالفًا لذلك، إذ الموكِّل يتضرَّر بذلك، فدفعًا لذلك الضَّرر: شُرع أن يضمن الوكيل ما نقص وما زاد من ذلك؛ حماية للموكل من تحايل بعض الظلمة على ماله ليأكلونها بالباطل، فإذا علم أنه سيُحاسب السوق: كفَّ عن تلك الحيل، (فرع): إذا كان زيد وصيًا، أو ناظر وقف أو شريكًا لغيره، أو عاملًا لبيت المال أو خازنه فباع شيئًا من مال الموصى عليه أو من الوقف، أو من مال الشراكة بأنقص من ثمن المثل، أو اشترى للموصى عليه أو للوقف، أو للشركة بأزيد من ثمن المثل، أو من المقدَّر له: فإن زيدًا هذا يضمن النقصان، والزيادة، إذا كان مفرطًا؛ للقياس؛ على الوكيل وقد سبق في مسألة (١٩).
[ ٣ / ٣٢٧ ]
أو يشترِ بمثل ما قدَّره له بلا ضرر بأن قال: "بعه بعشرة مؤجَّلة" فباعه بتسعة حالَّة، أو باعه بعشرة حالَّة، وعلى الموكِّل ضرر بحفظ الثمن في الحال، أو بعه بعشرة حالَّة فباعه بأحد عشر مؤجلة، أو قال: "اشتره بعشرة حالَّة" فاشتراه بأحد عشر مؤجلة، أو بعشرة مؤجلة مع ضرر: لم ينفذ تصرفه؛ لمخالفته موكِّله، وقدم في "الفروع": أن الضرر لا يمنع الصحة وتبعه في "المنتهى" و"التنقيح" في مسألة "البيع"، وهو ظاهر "المنتهى" أيضًا في مسألة "الشراء"، وقد سبق لك: أن بيع الوكيل بأنقص مما قُدِّر له وشرائه بأكثر منه: صحيح ويضمن (^٢٠).
(^٢٠) مسألة: إذا وكَّل زيد بكرًا في بيع ثوب - مثلًا - بدرهم، فباعه بدينار، أو قال الموكِّل - وهو زيد - للوكيل - وهو بكر - "بعه بمائة" فباعه الوكيل بمائة وعشرين، أو قال له: "بعه بمائة مؤجَّلة إلى سنة" فباعه الوكيل بمائة حالَّة، أو قال الموكِّل: "اشتر ثوبًا بمائة حالَّة" فاشترى الوكيل الثوب بمائة مؤجَّلة، ولم يُوجد ضرر على الموكِّل: فإن البيع صحيح، أما إن وُجد ضرر في ذلك على الموكِّل كأن يقول للوكيل: "بعه بعشرة مؤجَّلة" فباعه الوكيل بتسعة معجَّلة، أو باعه بعشرة معجَّلة، أو باعه بأحد عشر مؤجَّلة؛ والموكِّل يتضرَّر بذلك: فإن البيع صحيح في تلك الصور، ويتحمَّل الوكيل الضرر الذي لحق الموكِّل: فيضمن الوكيل النقص، والزيادة؛ لقاعدتين: الأولى التلازم: حيث يلزم من الزيادة في ثمن المباع والنقص في ثمن المشترى، والتعجيل في المؤجَّل بدون ضرر يلحق الموكِّل: صحة ذلك؛ لكونه زاده خيرًا، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن الوكيل إذا باع ثوبًا للموكِّل بدون ثمن المثل بتفريط منه: فإن البيع صحيح، ويضمن الوكيل ما نقص على الموكِّل، فكذلك هنا، والجامع: أن أركان وشروط البيع تامة فصحّ البيع في كل، فإن قلتَ: إنه إذا تضرَّر الموكِّل ببيع أو شراء من الوكيل: فإن البيع لا يصح - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من مخالفته لموكِّله: عدم صحة البيع قلتُ: إن أركان وشروط البيع والشراء بين الوكيل وغيره متوفرة فلا =
[ ٣ / ٣٢٨ ]
فصل: (وإن اشترى) الوكيل (ما يعلم عيبه لزمه) أي: لزم الشراء الوكيل، فليس له ردُّه؛ لدخوله على بصيرة (إن لم يرض) به (موكِّله)، فإن رضيه: كان له؛ لنيته بالشراء، وإن اشتراه بعين المال: لم يصح (فإن جهل) عيبه: (ردُّه)؛ لأنه قائم مقام الموكِّل وله أيضًا ردُّه؛ لأنه ملكه، فإن حضر قبل ردِّ الوكيل، ورضي بالعيب: لم يكن للوكيل ردُّه؛ لأن الحق، له بخلاف المضارب؛ لأن له حقًّا فلا يُسقط رضى غيره، فإن طلب البائع الإمهال حتى يحضر الموكِّل: لم يلزم الوكيل ذلك (^٢١)، وحقوق
= يبطل، ولا دخل لذلك فيما بين الوكيل والموكِّل إلا في ضرر الموكِّل بسبب ذلك، وهذا الضرر ممكن رفعه بأن يتحمَّله الوكيل كما قلنا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل مخالفة الوكيل لموكِّله يُؤثِّر في بيعه وشرائه من غيره؟ " فعندنا: لا يُؤثِّر، وعندهم: يؤثِّر، فإن قلت: لِمَ ضمن الوكيل ما نقص أو زاد؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية الموكِّل من تحايل بعض الظلمة عليه لأخذ ماله بدون وجه حق.
(^٢١) مسألة: إذا اشترى الوكيل لموكله شيئًا فيه عيب: فحكمه يختلف باختلاف حالاته: الحالة الأولى: إذا كان الوكيل يعلم ذلك العيب ومع ذلك اشتراه: فإن هذا يلزم الوكيل ولا يرده، ولا يلزم الموكِّل، إلّا إذا رضي الموكِّل بهذا العيب: فإنه يكون له؛ للمصلحة: حيث إن الوكيل يلزمه بعقد الوكالة أن يشتري الأصلح للموكِّل، ولا يشتري ما يُلحق الضرر بالموكِّل، فإذا علم الوكيل عيب السلعة ومع ذلك اشتراها: فإن الوكيل يلزمه ذلك، لكونه دخل على بصيرة رفعًا للضرر عن الموكِّل، أما إن رضي الموكِّل بما فعله الوكيل: فإنه يكون له؛ لكونه قد أسقط حقه بنية الرضا، الحالة الثانية: إن اشترى الوكيل ما فيه عيب مع علمه به بعين مال الموكِّل كأن اشترى الوكيل دارًا للموكِّل بعين دار له - أي: للموكِّل -: فإن هذا الشراء لا يصح؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من عدم إذن الموكِّل للوكيل في شرائه بالعين: عدم صحة الشراء؛ نظرًا لمخالفته لمقتضى عقد الوكالة، الحالة =
[ ٣ / ٣٢٩ ]
العقد كتسليم الثمن، وقبض المبيع، والرَّد بالعيب، وضمان الدرك تتعلَّق بالموكِّل (^٢٢)
= الثالثة: إذا كان الوكيل جاهلًا بعيب السلعة عند شرائه لها: فإنه يردَّها هو، أو موكِّله؛ للتلازم؛ حيث إن كون الوكيل قائمًا مقام الموكِّل، وكون الموكِّل ملك تلك السلعة بشراء الوكيل لها: يلزم من ذلك أن لهما الحق في رد ما جُهل عيبه؛ للغرر. الحالة الرابعة: إن حضر الموكِّل قبل ردِّ الوكيل للسلعة المعيبة، ورضي الموكِّل بالعيب: فإن الوكيل لا يردُّ السلعة؛ للتلازم؛ حيث إن الحق للموكِّل وحده عند حضوره، وقد أسقطه فيلزم منه: سقوط حقِّ الوكيل في الردِّ، بخلاف الشريك المضارب: فإن له الرَّد مع شريكه فلا يسقط حقه إذا رضي شريكه بالعيب؛ للتلازم؛ حيث إن للشريك حقًّا في السلعة فيلزم: عدم سقوط حقه برضى غيره، الحالة الخامسة: إذا طلب البائع للسلعة المعيبة من الوكيل: أن يُمهله إلى أن يحضر الموكِّل: فلا يلزم الوكيل العمل بهذا الطلب؛ للمصلحة: حيث إن ذلك الإمهال قد يكون سببًا في عدم الرَّد؛ نظرًا لهرب البائع، أو تلف الثمن فتفوت مصلحته.
(^٢٢) مسألة: إذا اشترى الوكيل لموكِّله سلعة، وسمَّى الوكيل وكيله في هذا العقد: فإن حقوق ذلك العقد تتعلَّق بالموكِّل، فالبائع يُطالب الموكِّل بتسليمه ثمن تلك السلعة: سواء كان الثمن معينًا أو في الذمة، ويُطالب بقبض السلعة المباعة، وله حق الرَّد بالعيب، وضمان الدرك والتبعة، وبناء عليه: فلو أُبرأ الوكيل: فإن الموكِّل لا يبرأ؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن كون ملك السلعة المباعة قد انتقل من البائع للموكِّل يلزم منه: أن حقوق العقد كلها تتعلَّق بالموكِّل، لا بالوكيل، الثانية: القياس؛ بيانه: كما أن جميع الحقوق تتعلَّق بالمضمون عنه دون الضامن، فلو أبرأ الضامن لا يبرأ المضمون عنه فكذلك هنا: تتعلَّق الحقوق بالموكِّل لا، بالوكيل والجامع أن كلًّا من الضامن، والوكيل تابع للمضمون عنه، والموكِّل، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: لكون الموكِّل هو المستفيد من هذا =
[ ٣ / ٣٣٠ ]
(ووكيل البيع يُسلِّمه) أي: يُسلِّم المبيع؛ لأن إطلاق الوكالة في البيع يقتضيه؛ لأنه من تمامه (ولا يقبض) الوكيل في البيع (الثمن) بغير إذن الموكِّل؛ لأنه قد يُوكِّل في البيع من لا يأمنه على قبض الثمن (بغير قرينة) فإن دلَّت القرينة على قبضه مثل توكيله في بيع شيء في سوق غائبًا عن الموكِّل، أو موضع يضيع الثمن بترك قبض الوكيل له: كان إذنًا في قبضه، فإن تركه: يضمنه؛ لأنه يُعدُّ مُفرِّطًا، هذا المذهب عند الشيخين، وقدَّم في "التنقيح" وتبعه في "المنتهى": لا يقبضه إلّا بإذن، فإن تعذَّر: لم يلزم الوكيل شيء؛ لأنه ليس بمفرِّط؛ لكونه لا يملك قبضه (^٢٣) (ويُسلِّم وكيل الشراء الثمن)؛ لأنه
= العقد، والغرم بالغنم.
(^٢٣) مسألة: إذا وكَّل زيد بكرًا بأن يبيع داره - مثلًا، فباعها بكر: فإن الوكيل - وهو بكر - يُسلِّم المبيع - وهي الدار - للمشتري، ولا يقبض ثمن هذا المبيع، بل الذي يقبض ثمنه هو الموكِّل، فإن أذن الموكِّل للوكيل بقبض ثمنه إذنًا صريحًا بأن قال له: "وكَّلتك في بيع داري وأتني بالثمن" أو "واقبض الثمن": فإن له ذلك: فإن تركه وضاع: فإن الوكيل يضمنه، أما إن لم يأذن له في قبض الثمن: فلا يقبضه ولو ضاع: لم يضمن الوكيل شيئًا منه؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إنه يلزم من إطلاق الوكالة في البيع: تسليم المبيع للمشتري؛ لكون ذلك يُعتبر من تمام البيع، ويلزم من إذن الموكِّل الصريح بقبض الثمن للوكيل: الحق للوكيل بقبضه، ويترتب عليه: أنه لو ضاع الثمن فإن الوكيل يضمنه؛ لتفريطه بما تقتضيه الوكالة، ويلزم من عدم إذنه له بقبض الثمن: عدم الحق للوكيل بقبضه، ويترتَّب عليه: أنه لو ضاع الثمن: فإن الوكيل لا يضمنه؛ لعدم تفريطه بما تقتضيه الوكالة، لكونه لم يُعط حق القبض، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الموكِّل قد يُوكِّل شخصًا يصلح للبيع، ولكنه لا يصلح لقبض الثمن؛ لكونه لا يأمنه عليه من أن يسرقه أو يسرق بعضه، أو يُؤخِّره على الموكِّل، فدفعًا لذلك شُرع هذا، فإن قلتَ: إن وُجدت قرينة تدل على قبض الثمن كأن يبيع تلك السلعة بغياب =
[ ٣ / ٣٣١ ]
من تتمته وحقوقه كتسليم المبيع (^٢٤) (فلو أخَّره) أي: أخَّر تسليم الثمن (بلا عذر وتلف) الثمن: (ضمنه)؛ لتعدِّيه بالتأخير (^٢٥)، وليس لوكيل في بيع تقليبه على مشتر
= الموكِّل، أو يبيعه بموضع يضيع الثمن فيه لو لم يقبضه الوكيل: فإن الوكيل يقبضه ولو لم يأذن الموكِّل إذنًا صريحًا، فإن لم يقبضه وضاع: ضمنه؛ نظرًا لتفريطه؛ للتلازم؛ حيث إن القرينة تدلُّ على القبض فيلزم أن يكون القبض يقتضيه عقد الوكالة قلتُ: إن القرينة ليست في مرتبة إذن الموكِّل إذنًا صريحًا في قبضه للثمن فلا يكون لازمًا يقتضيه عقد الوكالة كما لو أذن الموكِّل فيه، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل القرينة المذكورة هنا في مرتبة إذن الموكِّل للوكيل في قبض الثمن؟ " فعندنا ليست في مرتبتها؛ لوجود الفارق، وعندهم: لا فرق بينهما، فائدة المراد بالشيخين: موفق الدين بن قدامة ومجد الدين بن تيمية.
(^٢٤) مسألة: إذا وكَّل شخص شخصًا آخر في أن يشتري له دارًا مثلًا، فاشترى الوكيل تلك الدار: فيجب أن يُسلِّم الوكيل ثمن تلك الدار لبائعها؛ للقياس؛ بيانه كما أن البائع، يجب أن يُسلِّم المبيع للمشتري، فكذلك يجب على مشتريها أن يُسلِّم ثمنها. والجامع: أن كلًّا منهما من تتمة البيع وحقوقه، فحكم تسليم الثمن كحكم تسليم المبيع، والوكيل في الشراء في حكم المشتري شرعًا، فإن قلتَ: لَمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للبائع.
(^٢٥) مسألة: إذا اشترى الوكيل دارًا - مثلًا - وتأخر الوكيل في تسليم الثمن لبائع الدار فتلف الثمن: ففيه حالتان الحالة الأولى: إن كان هذا التأخير وقع بسبب البائع كأن يذهب ليحضر مفاتيح الدار، أو امتنع البائع من قبض ذلك الثمن؛ فتلف: فإن الوكيل لا يضمن ذلك الثمن التالف؛ للتلازم؛ حيث إن الوكيل فعل ما يقتضيه عقد الوكالة من غير تعدٍّ ولا تفريط: فيلزم عدم ضمانه الحالة الثانية: إن كان هذا التأخير وقع بسبب الوكيل لغير عذر، فتلف ذلك الثمن: فإنه - أي: الوكيل - يضمنه للموكِّل؛ للتلازم؛ حيث إن الموكِّل قد وكَّله بالشراء =
[ ٣ / ٣٣٢ ]
إلا بحضرته، وإلَّا ضمن (^٢٦) (وإن وكَّله في بيع فاسد): لم يصح، ولم يملكه؛ لأن الله تعالى لم يأذن فيه، ولأن الموكِّل لا يملكه (فـ) لو (باع) الوكيل إذًا بيعًا (صحيحًا): لم يصح؛ لأنه لم يوكَّل فيه (^٢٧) (أو وكَّله في كل قليل وكثير): لم يصح؛ لأنه يدخل فيه كل شيء من هبة ماله، وطلاق نسائه، وإعتاق رقيقه، فيعظم الغرر، والضرر (أو) وكَّله في (شراء ما شاء، أو عينًا بما شاء، ولم يعين) نوعًا وثمنًا: (لم يصح)؛ لأنه
= المعهود، وهو نقد الثمن واستلام المبيع - إن كان له ذلك - بدون تأخير، وهذا هو مقتضى عقد الوكالة فيلزم من التأخير بدون عذر: أن يضمن هذا الثمن؛ نظرًا لتعدِّي الوكيل وتفريطه بالتأخير، فإن قلت: لِمَ شرع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للوكيل؛ لأنه لو ضمن الثمن وهو معذور: لتضرَّر، وفيه حماية للموكِّل؛ لأن تلف الثمن كان بسبب الوكيل فلو لم نضمِّنه: لتضرر الموكِّل.
(^٢٦) مسألة: إذا وكَّل زيد بكرًا في بيع طعام مثلًا، فلا يجوز للوكيل: أن يعطيه لمشتر ليُقلِّبه في غياب الوكيل، فإن أعطاه الوكيل المشتري وقلَّبه ذلك المشتري في غياب الوكيل، فتلف الطعام فإن الوكيل يضمنه للموكِّل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إعطائه له، ودفعه إليه وتغيبه عنه: أن يضمنه إذا تلف، نظرًا لتعدِّيه وتفريطه بذلك.
(^٢٧) مسألة: إذا وكَّل زيد بكرًا في بيع فاسد كأن يُوكِّله في بيع خمر ونحو ذلك، أو أن لا يُسلِّم المشتري المبيع: فلا يصح ذلك: ولو باع الوكيل خيلًا للموكِّل بدلًا من الخمر فلا يصح؛ للتلازم؛ حيث إن الشارع لم يأذن في البيع الفاسد: فيلزم عدم صحته من الموكِّل لعدم ملكيته له والوكيل أولى في عدم الملكية هذه، ويلزم من توكيله بالبيع الفاسد: عدم صحة بيعه الصحيح؛ لكونه لم يؤذن له فيه، فإن قلتَ: لَم شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي: قطع هذه المعاملات الفاسدة.
[ ٣ / ٣٣٣ ]
يكثر فيه الغرر (^٢٨)، وإن وكَّله في بيع ماله كلِّه، أو ما شاء منه: صحَّ، قال في "المبدع": وظاهر كلامهم في "بع من مالي ما شئت" له بيع ماله كله (^٢٩) (والوكيل في الخصومة لا يقبض)؛ لأن الإذن لم يتناوله نطقًا ولا عرفًا؛ لأنه قد يرضى للخصومة من لا يرضاه للقبض (والعكس بالعكس) فالوكيل في القبض له الخصومة؛ لأنه لا يتوصَّل إليه إلّا بها، فهو أذن فيها عرفًا (^٣٠) (و) إن قال الموكِّل: (اقبض حقي من
(^٢٨) مسألة: إذا وكَّل زيد بكرًا في كل شيء، وكالة مطلقة: أي: في القليل والكثير، وفي الخاص والعام، في البيع والشراء: سواء كان في شراء الأعيان، بدون تعيين الثمن أو النوع: فلا يصح ذلك؛ للمصلحة: حيث إن ذلك فيه ضرر وغرر على الموكِّل؛ إذ يكون الوكيل يملك أن يهب، ويُعطي ما شاء لمن شاء، من أملاك الموكِّل، ويملك طلاق نساء الموكِّل، وإعتاق عبيده، وشراء ما لا يُقدَّر ثمنه ونحو من التصرفات الغير مُقيَّدة، فيُكثر الغرر، والجهالة مما يؤدِّي إلى كثرة النزاعات والاختلافات فيلحق بذلك الضرر الواضح بالموكِّل، فلذلك لم يصح ذلك.
(^٢٩) مسألة: إذا قال الموكِّل للوكيل: "بع ما لي كله" أو "بع من مالي كما شئت": فإنه يصح للوكيل أن يبيع جميع مال الموكِّل، وكذلك لو وكَّله في قبض جميع ديونه أو نحو ذلك: فإنه يصح؛ للتلازم؛ حيث إن الموكِّل يعرف جميع ماله، فيكون عارفًا لكل ما سيتصرَّف فيه الوكيل في بيع فلزم صحته؛ لكونه تصرف في معلوم، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه قضاء حاجة الموكِّل، في حين أنه لا ضرر ولا غرر في ذلك.
(^٣٠) مسألة: إذا وكَّل زيد بكرًا في خصومة بأن قال زيد لبكر: وكَّلتك بأن تخلِّص لي الأرض الفلانية، وتخاصم من أجلها": فإنه يصح ذلك، ولكن الوكيل إذا خلَّص تلك الأرض: فلا حقَّ له في قبضها، ولا ثمنها، بل يكتفي بإثباتها، أما إن وكله بأن يقبض عنه تلك الأرض: فإنه يكون وكيلًا عنه في الخصومة فيها؛ =
[ ٣ / ٣٣٤ ]
زيد) ملكه من وكيله؛ لأنه قائم مقامه و(لا يقبض من ورثته)؛ لأنه لم يُؤمر بذلك، ولا يقتضيه العرف (^٣١) (إلا أن يقول) الموكِّل للوكيل: اقبض حقي (الذي قِبَله) أو عليه: فله القبض من وارثه؛ لأن الوكالة اقتضت قبض حقِّه مطلقًا (^٣٢)، وإن قال: "اقبضه اليوم": لم يملكه غدًا (^٣٣) (ولا يضمن وكيل) في (الإيداع إذا) أودع و(لم
= للتلازم؛ حيث إن الوكالة في الخصومة فقط يلزم منها إثباتها للموكِّل فقط، لكون ذلك لا يتناول القبض عن طريق اللفظ، ولا عن طريق العرف، ويلزم من الوكالة في القبض: أن للوكيل حقًّا في الخصومة؛ لكونه لا يتمكن من القبض إلا بتلك الخصومة، وإثبات الأرض للموكِّل، فإن قلتَ: لَم شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الوكيل في الخصومة لا يقبض؛ لكونه يصلح لها، ولكنه لا يصلح لقبض شيء؛ لعدم ثقة الموكِّل فيه، وأما الوكيل في القبض فإنه يُخاصم؛ لأنه إذا صلح للقبض فمن باب أولى صلاحه للخصومة عنه.
(^٣١) مسألة: إذا قال محمد لبكر: "وكَّلتك لأن تقبض حقي من زيد": فإن بكرًا له الحق بأن يقبض حق محمد من زيد، ووكيله ولكنه لا يقبضه من ورثته؛ للتلازم؛ حيث إن الوكيل يقوم مقام الموكِّل فيلزم صحة القبض من الوكيل ويلزم من عدم قيام الورثة مقام المورِّث: عدم صحة قبض الحق من ورثة زيد.
(^٣٢) مسألة: إذا قال محمد لبكر: "اقبض حقي الذي قبل وجهة زيد" أو "الذي على زيد" فإنه يحق لبكر أن يقبض ذلك من ورثة زيد إذا مات؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اللفظ هنا: أن يقبض الوكيل حقَّ الموكِّل مطلقًا: أي سواء كان هذا من زيد نفسه أو من ورثته؛ فإن قلتَ: لِمَ شُرع هنا حكم مخالف لحكم المسألة السابقة (٣١)؟ قلتُ: نظرًا لاختلاف صيغة الموكِّل، فيتصرّف الوكيل بحسب هذا الاختلاف.
(^٣٣) مسألة: إذا قال الموكِّل للوكيل: "اقبض حقي من فلان هذا اليوم": فإن الوكيل يكون وكيلًا في ذلك اليوم المقيَّد فيه فقط، ولا يكون وكيلًا غدًا؛ للمصلحة: حيث =
[ ٣ / ٣٣٥ ]
يُشهد) وأنكر المودَع؛ لعدم الفائدة في الإشهاد؛ لأن المودع يُقبل قوله في الرد والتلف، وأما الوكيل في قضاء الدين إذا كان بغير حضور الموكِّل، ولم يُشهد: ضمن إذا أنكر ربُّ الدَّين - وتقدَّم في الضمان (^٣٤).
فصل: (والوكيل أمين، لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط)؛ لأنه نائب المالك في اليد والتصرُّف، فالهلاك في يده كالهلاك في يد المالك، ولو بجُعْل، فإن فرَّط أو
= إن الموكِّل لم يُعيِّن زمنًا للوكالة إلا أن يكون فيه فائدة ومصلحة، ويُفهم من ذلك بمفهوم الزمان: أن الزمن الآخر الذي لم يذكره لا يصلح فلانًا أن يكون فيه وكيلًا، وذلك كما قُيِّدت العبادات بأزمنة معيّنة، فلا تصلح أن تكون في غيرها.
(^٣٤) مسألة: إذا وكَّل زيد بكرًا في أن يُودع هذا الثوب مثلًا، فأودعه الوكيل عند محمد، ولم يشهد هذا الوكيل عند إيداعه عند محمد، فأنكر المودَع - وهو محمد هنا - هذه الوديعة: فإن الوكيل - وهو بكر - لا يضمن تلك الوديعة - وهو الثوب - إذا تلف ولا المودع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إيداع الثقة العدل: قبول قوله في الرَّد والتلف والهلاك، فلا فائدة للموكِّل، أو الوكيل في الاستيثاق بالشهود، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ لأن الوكيل أو المودَع لو ضمنا ذلك لما قبل أحد أن يتوكَّل عن أحد، أو أن يودَع عنده شيء، فإن قلتَ: لِمَ لا يضمن الوكيل هنا مع أنه يضمن إذا وكَّله زيد في قضاء دينه فقضاه من غير حضور الموكِّل ولم يُشهد وأنكر غريم زيد أن وكيله أعطاه شيئًا كما سبق في باب "الرهن"؟ قلتُ: لأن ذمَّة الموكِّل لا تبرأ بدفع المال إلى وكيله، وإنما تبرأ إذا وصل المال إلى غريمه؛ إذ إنه إذن في قضاء تبرأ به الذمة، ولم يُوجد شيء من ذلك؛ حيث إن الغريم يدَّعي بعدم وصول حقِّه إليه، لذلك لا يُصدَّق الوكيل إلّا ببيِّنة بخلاف الحال هنا فالوكيل أمين فيما يقول وسيأتي، تنبيه: قوله: "وتقدم في باب الضمان" قلتُ: وهذا سهو بل تقدم ذلك في باب الرهن.
[ ٣ / ٣٣٦ ]
تعدى، أو طُلب منه المال فامتنع من دفعه لغير عذر: ضمن (^٣٥) (ويُقبل قوله) أي: الوكيل (في نفيه) أي: نفي التفريط ونحوه (و) في (الهلاك مع يمينه)؛ لأن الأصل: براءة ذمته (^٣٦)، لكن إن ادَّعى التلف بأمر ظاهر كحريق عام، ونهب جيش: كُلِّف
(^٣٥) مسألة: الوكيل أمين لا ضمان عليه إذا تلف ما تحت يده من أموال الموكِّل إذا لم يوجد تعدٍّ ولا تفريط منه - أعني: من الوكيل -: سواء كانت الوكالة بُجعْل وأجرة أو لا، أما إن وُجد تعدٍّ أو تفريط من الوكيل فتلف ذلك المال: أو طلب الموكِّل منه ماله، فامتنع الوكيل فتلف: فإنه يضمنه للموكِّل؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المودَع، والشريك، والمرتهن والوصى والولي وأمين الحاكم لا يضمنون ما تلف تحت أيديهم بلا تعدٍّ ولا تفريط، ويضمنون ما تلف بتعدٍّ وتفريط، أو بالامتناع من أداء المال لصاحبه حتى تلف فكذلك الوكيل مثلهم، والجامع: أن كلًّا منهم لو كان عليه ضمان ما تلف تحت يده: لامتنع الناس من قبول وضع الأمانات عندهم، ولما خدم بعضهم بعضًا في ذلك، فينقطع بسبب ذلك التعاون بين المسلمين، وهذا ضرر، والضرر يُزال، وهذا هو المقصد من هذا الحكم، فإن قلت: لِمَ يضمن الوكيل إذا فرَّط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق الموكِّل.
(^٣٦) مسألة: إذا اختلف الموكِّل مع وكيله في التفريط والتعدِّي فقال الموكِّل: "تلف مالي عندك بسبب تفريطك" فنفى الوكيل ذلك قائلًا: "أنا لم أفرِّط" ولم توجد بيّنة: فإنه يُقبل قول الوكيل مع يمينه؛ للاستصحاب، حيث إن الأصل براءة ذمَّة الوكيل من أي تعدٍّ أو تفريط، فإذا لم تُوجد بيّنة تشهد لما قال الموكِّل: فإنه يُستصحب الأصل، ويُعمل به، وهو صدق الوكيل وبراءة ذمته، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن الوكيل لو لزمه أن يثبت بيّنة على ما يقول: لامتنع الناس من أن يتوكَّلوا عن غيرهم، وهذا تعطيل ومنع لقضاء حاجات الآخرين، فإن قلت: لِمَ وجبت عليه اليمين؟ قلتُ: للاحتياط، حيث يحتمل صدق =
[ ٣ / ٣٣٧ ]
إقامة البيّنة عليه، ثم يُقبل قوله فيه (^٣٧)، وإن وكَّله في شراء شيء، واشتراه، واختلفا في قدر ثمنه: قبل قول الوكيل (^٣٨)، وإن اختلفا في ردِّ العين، أو ثمنها إلى الموكِّل: فقول وكيل متطوع، وإن كان يُجعل: فقول موكِّل (^٣٩)، وإذا قبض الوكيل الثمن -
= الموكل في دعواه.
(^٣٧) مسألة: إن قال الوكيل: إن مال الموكِّل قد تلف بأمر ظاهر كحريق عام، أو غرق بيوت عام، أو نحو ذلك: فإنه يُكلَّف بإقامة الدليل على ذلك، فإن أثبت الدليل عليه: قُبل قوله، وإن لم يُثبت: يُقبل قول الموكِّل، فيضمن الوكيل المال للموكِّل؛ للتلازم؛ حيث إن البيِّنة على الظواهر سهل إثباتها؛ لكون ذلك مما لا يخفى: فلزم إلزامه ببيانها، ويلزم من عجزه عنها: قبول قول الموكِّل، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لمال الموكِّل، والحثُّ على التحقق من البيّنات والدلائل.
(^٣٨) مسألة: إذا اختلف الموكِّل مع وكيله في قدر الثمن الذي اشترى به الوكيل تلك السلعة لموكله فقال الوكيل: "إني اشتريت هذا الثوب لك بعشرة" وقال الموكِّل: "بل إنك اشتريته بثمانية" فإنه يقبل قول الوكيل مع يمينه؛ للتلازم؛ حيث إن الوكيل أمين، وأعلم بما عُقد عليه من الموكِّل؛ فلزم: أن يُقبل قوله؛ لكونه هو الذي تعاقد مع البائع عند شراء الثوب.
(^٣٩) مسألة: إذا اختلف الموكِّل مع وكيله في ردِّ العين أو ثمنها فقال الوكيل: "إني قد سلَّمتها لك" أو قال: "إني قد سلَّمتُ لك ثمنها" ونفى ذلك الموكِّل: ففيه حالتان: الحالة الأولى: إن كان الوكيل متطوعًا أي: بدون أن يأخذ جُعْلًا أو أجرة من موكِّله -: فإنه يُقبل قوله مع يمينه، بدون الموكِّل؛ للقياس بيانه: كما أنه يُقبل قول الوصي والولي والمودَع المتبرعين في الردّ والثمن ونحو ذلك، فكذلك يُقبل قول الوكيل المتطوّع المتبرع، والجامع: أن كلًّا منهم قد قبض ما عنده من الغير لنفع مالكه، لا لنفعه، الحالة الثانية: إن كان الوكيل قد جُعِل له جُعْلًا وأجرة =
[ ٣ / ٣٣٨ ]
حيث جاز -: فهو أمانة في يده، لا يلزم تسليمه قبل طلبه، ولا يضمنه بتأخيره (^٤٠)، ويُقبل قول الوكيل فيما وُكِّل فيه (^٤١) (ومن ادَّعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو)
= يأخذها مُقابل تلك الوكالة: فإنه يُقبل قول الموكِّل، وعليه: يضمن الوكيل؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المستعير لشيء لا يُقبل قوله في الرد، والثمن، فكذلك لا يُقبل قول الوكيل الذي جُعل له جُعْلًا، والجامع: أن كلًّا منهما قد قبض ما عنده الحظ ونفع نفسه؛ حيث إنه كلَّما طال القبض لذلك الشيء: زادت الأجرة والانتفاع بالمعار، فإن قلت: لِمَ شُرّع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو لم يُقبل قول الوكيل المتبرِّع في الحالة الأولى لما قبل أحد أن يتوكَّل عن أحد، فيلحق الناس ضرر لا يخفى، ولو قبل قول الوكيل الذي جُعل له جُعلًا في الحالة الثانية: لتضرر الموكّل.
(^٤٠) مسألة: إذا وكَّل زيد بكرًا في بيع دار له - مثلًا -، وأذن له في قبض ثمنها وباعها الوكيل - وهو بكر - وقبض ثمنها: فإن هذا الثمن يكون أمانة في يد الوكيل لا يجب عليه تسليمه إلى الموكِّل قبل أن يطلبه، ولا يضمنه إذا أخَّره عنده وتلف بلا تعدٍّ ولا تفريط؛ للقياس؛ بيانه كما أن الوديعة أمانة في يد المودَع، لا يجب على المودَع تسليمها للمودع قبل طلبه لها، ولا يضمنها إذا أخَّرها فكذلك الوكيل مثله والجامع: أن كُلًّا من المودِع، والموكِّل قد رضيا في كون ذلك بيدهما، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو ضمن الوكيل ذلك: لما قبل أحد أن يكون وكيلًا عن أحد، وفي ذلك ضرر على الناس.
(^٤١) مسألة: يُقبل قول الوكيل في الشيء الذي وُكِّل فيه من بيع، وشراء، وقبض ثمن، وصداق، وإجارة، وأجرة، وقدر ذلك، وتلف، ونحو ذلك: سواء كان وكيلًا يُجْعل وأجرة أو لا؛ للتلازم؛ حيث إن الوكيل أمين في الإخبار بماله وما عليه - كما سبق - فيلزم قبول ما يقول، وتصديقه (فرع): إذا أثبت الموكِّل دليلًا وبيّنة على كذب وكيله فيما قاله: فإن قول الموكِّل يقبل ويُصدَّق بسبب هذه البيِّنة =
[ ٣ / ٣٣٩ ]
بلا بيِّنة: (لم يلزمه) أي: عمرًا (دفعه إن صدَّقه)؛ الجواز أن ينكر زيد الوكالة فيستحق الرجوع عليه (ولا) يلزمه (اليمين إن كذَّبه)؛ لأنه لا يُقضى عليه بالنكول، فلا فائدة في لزوم تحليفه (فإن دفعه) عمرو (فأنكر زيد الوكالة: حلف)؛ لاحتمال صدق الوكيل فيها (وضمنه عمرو) فيرجع عليه زيد؛ لبقاء حقه في ذمته، ويرجع عمرو على الوكيل مع بقاء ما قبضه أو تعدِّيه، لا إن صدَّقه، وتلف بيده بلا تفريط (وإن كان المدفوع) لمدَّعي الوكالة بغير بيّنة (وديعة أخذها) حيث وجدها؛ لأنها عين حقه (فإن تلفت: ضمَّن أيهما شاء) لأن الدافع ضمنها بالدفع، والقابض قبض ما لا يستحقه، فإن ضمَّن الدافع: لم يرجع على القابض إن صدَّقه، وإن ضمَّن القابض: لم يرجع على الدافع، وكدعوى الوكالة دعوى الحوالة، والوصية (^٤٢) وإن ادعى: "أنه مات وأنا
= والدليل؛ للتلازم؛ حيث تعارض قول الوكيل مع دليل وبيّنة الموكِّل؛ فرُجِّح ما أفاده الدليل والبيِّنة.
(^٤٢) مسألة: إذا كان زيد يُطالب عمرًا بألف ريال - مثلًا -، فذهب بكر إلى عمرو قائلًا له: "أنا وكيل زيد في قبض حقه - وهو الألف - منك فسلِّمني إياها" ولم يُثبت بيّنة على ذلك: فلذلك حالات خمس: الحالة الأولى: إن صدَّق عمرو بكرًا فيما ادَّعاه - وهو: أنه وكيل لزيد -: فلا يجب على عمرو أن يدفع الألف لبكر؛ للتلازم؛ حيث يُحتمل أن يُنكر زيد الوكالة التي ادَّعاها بكر، فيستحق بذلك أن رجع إلى عمرو فيطالبه بحقه - وهو الألف - فيلزم من ذلك الاحتمال: عدم وجوب تسليم عمرو الدَّين - وهو الألف - لبكر. الحالة الثانية: إن كذَّب عمرو بكرًا فيما ادَّعاه من أنه وكيل زيد فلا يجب على عمرو اليمين؛ للتلازم؛ حيث لا يُقضى على عمرو بالنكول؛ لعدم وجوب الدفع عليه لبكر - فيلزم عدم الفائدة من اليمين من عمرو، الحالة الثالثة: إن دفع عمرو لبكر الألف ريال، فأنكر زيد أنه وكَّل بكرًا لقبض ذلك المبلغ من عمرو: فيجب على زيد أن يحلف على هذا الإنكار، فإذا حلف فإن عمرًا يضمن ذلك الدَّين - وهو الألف، فيأخذ زيد =
[ ٣ / ٣٤٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= حقَّه من عمرو؛ للاستصحاب؛ حيث إن حقَّ زيد ثابت في ذمَّة عمرو، وهذا هو الأصل فيُستصحب هذا، ويُعمل به، فيكون - على هذا - حقُّ زيد باقيًا في ذمة عمرو، ولا تبرأ ذمته إلا بالأداء، أو الإبراء ولم يحصل شيء من ذلك، الحالة الرابعة: إن دفع عمرو لبكر - وهو المدَّعي الوكالة بغير بيّنة - هذا الدَّين، أو هذه الوديعة، وكانت عينًا ظاهرًا كثوب مثلًا: فإن زيدًا إن وجده عند عمرو، أو عند بكر بعينه: فإنه يأخذه؛ للتلازم؛ حيث إن هذا الثوب هو عين حق زيد فيلزم أخذه: سواء كان عند عمرو أو عند بكر، الحالة الخامسة: إن تلفت تلك العين - وهو: الثوب مثلًا - المدفوع لبكر: فإن زيدًا يُضمِّن عمرًا أو بكرًا - وهو مدَّع الوكالة -، ويطلب من أحدهما ثمن ذلك الثوب؛ للتلازم؛ حيث إن الدافع لهذا الدين أو الوديعة - وهو عمرو -: ضمن ذلك بسبب دفعها إلى غير مستحقها بغير إذن شرعي، والقابض - وهو بكر - وهو مُدَّع الوكالة - قبض مالا يستحقه من دين أو وديعة، فيلزم من ذلك: أن يتوجَّه الضمان إلى كلٍّ منهما، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقِّ زيد من الضياع (فرع): إذا سلَّم عمرو بكرًا - وهو مدَّع الوكالة - الحق وبقي ما سلَّمه إياه وقبضه: بيده: فإن عمرو يرجع إليه ويأخذه منه: سواء صدَّقه أو لا، وسواء حصل تفريط أو لا، وإن لم يبق حقه بعينه: فإنه - أي: عمرو - يُطالب بكرًا ببدل هذا الحق بشرط: أن يكون قد فرَّط، أو تعدَّى، أما إن صدَّقه على أنه وكيل وتلف بيده بلا تفريط: فلا يرجع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من أخذ بكر غير حقه: أن يُرجعه إلى صاحبه المأخوذ منه إن وُجد بعينه، أو يُرجع ثمنه: إن لم يوجد، ويلزم من تصديقه وإقراره: أن لا يرجع (فرع ثان): إذا ادَّعى بكر أن زيدًا قد أحاله على عمرو ليأخذ دينه منه، أو ادَّعى بكر أن زيدًا أوصى له بما عند عمرو: فإن لذلك خمس حالات كما سبق في مسألة (٤٢).
[ ٣ / ٣٤١ ]
وارثه": لزمه الدفع إليه مع التصديق، واليمين مع الإنكار على نفي العلم (^٤٣).
* * *
(^٤٣) مسألة: إذا كان زيد يُطالب عمرًا دينًا قدره ألف ريال، فجاء بكر إلى عمرو "وادَّعى أن زيدًا قد مات وأنا وارثه" فإن صدَّقه عمرو بأدلة: فإنه يجب على عمرو أن يدفع إليه حق زيد، وإن كذَّبه وأنكر أنه وارثه: فيجب على عمرو اليمين على هذا، وكذا إن أنكر موت زيد؛ للتلازم؛ حيث إن تصديقه: إقرار بحقه فيلزم أن يدفع له هذا الحق، ويلزم من ذلك: أنه يحلف مع الإنكار.
هذه آخر مسائل باب "الوكالة" ويليه باب "الشركة".
[ ٣ / ٣٤٢ ]