"الأصول": جمع أصل، وهو: وهو ما يتفرَّع عنه غيره، والمراد هنا: الدور، والأرض، والشجر، "والثمار": جمع ثمر، كجبل وجبال، وواحد الثمر: ثمرة، (إذا باع دارًا) أو وهبها، أو رهنها، أو وقفها، أو أقرَّ، أو أوصى بها: (شمل) العقد (أرضها) أي: إذا كانت الأرض يصح بيعها، فإن لم يجز كسواد العراق فلا (و) شمل (بناءها وسقفها) لأنهما داخلان في مُسمَّى الدار (و) شمل (الباب المنصوب) وحلقته (والسُّلَّم، والرَّف المسمورين والخابية المدفونة) والرحى المنصوبة، لأنه متصل بها؛ لمصلحتها، أشبه الحيطان، وكذا المعدن الجامد، وما فيها من شجر وعرش (دون ما هو مودع فيها من كنز) وهو المال المدفون (وحجر) مدفون (ومنفصل منها كحبل ودلو، وبكرة، وقفل ومفتاح) ومعدن جار وماء نبع، وحجر رحى فوقاني؛ لأنه غير متصل بها، واللفظ لا يتناوله، ولو كانت الصيغة المتلفظ بها الطاحونة، أو المعصرة: دخل الفوقاني كالتحتاني (^١) (وإن باع أرضًا) أو وهبها، أو وقفها، أو رهنها، أو
باب بيع الأصول والثمار
وفيه ثمان وعشرون مسألة:
(^١) مسألة: إذا باع زيد دارًا على بكر: فإنه يلزم من هذا البيع والعقد: أن يملك بكر كل ما هو متصل بها لمصلحتها كأرضها، وسقفها، وحيطانها، وسطحها، ومفتاحها، والسلالم، والرفوف المنصوبة، وأي شيء مدفون فيها كالخوابي، والرحى التحتاني المدفون، وبابها، وحلقته، والمعدن المدفون فيها كذهب وفضة، وكل شجر ونخل، وعرش تُقام عليها الأشجار والعنب، أما ما هو منفصل عنها مثل الكنز المدفون فيها من ذهب أو فضة، أو حجر مدفون، أو حبل البئر، والدلو، والبكرة، والفرش، والأثاث، وحَجَر الرحى الفوقاني، وماء جارٍ إلى غير تلك الدار المباعة فلا يتبعها؛ للمصلحة: حيث إن =
[ ٣ / ١٥٠ ]
أقرَّ، أو أوصى بها (ولو لم يقل: بحقوقها: شمل) العقد (غرسها وبناءها) لأنهما من حقوقها، وكذا: إن باع ونحوه بستانًا؛ لأنه اسم للأرض، والشجر والحائط (^٢) (وإن كان فيها زرع) لا يُحصد إلّا مرة (كبر، وشعير: فلبائع) ونحوه (مبقى) إلى أول وقت أخذه بلا أجرة، ما لم يشترطه مشتر (وإن كان) الزرع (يُجزُّ) مرارًا كرطبة وبقول (أو يُلقط مرارًا) كقثَّاء، وباذنجان وكذا: نحو ورد (فأصوله للمشتري)؛ لأنها تراد للبقاء
ما لا يمكن الاستفادة من الدار استفادة كاملة إلّا به يتبعها؛ وهو غير المنفصل كالأمثلة السابقة وهي تشبه الحيطان، أما ما يمكن الاستفادة بالدار بدونها وهي المنفصلة - كما سبق من الأمثلة - فلا يتبعها، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: حتى يعرف كل واحد من المتبايعين ما له وما عليه، (فرع) إذا نُصَّ على أن الطاحونة، أو المعصرة تابعة للبيع: فإنه يدخل في عقد البيع الرحى الفوقاني والتحتاني، وكل شيء يخص ذلك؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من النص على ذلك: دخولهما (فرع ثان): المفتاح متصل بالدار، وهو من مصالحها فيدخل ضمن عقد البيع من باب التلازم، تنبيه: قوله: "إذا كانت الأرض يصح بيعها" يحترز به عن الأرض الموقوفة، فلا يصح بيعها كما سيأتي، تنبيه آخر: قوله: "فإن لم يجز كسواد العراق: فلا" هذا أورده على مذهبه، وقد بيّنا في مسألة (٣٢) من "حقيقة البيع وحكمه وشروط صحته وموانعه" جواز بيع أراضي العراق كغيرها من أراضي ديار الإسلام.
(^٢) مسألة: إذا باع زيد أرضًا، أو بستانًا، أو مزرعة على بكر: فإنه يلزم من هذا العقد والبيع: أن يملك بكر كل ما وُجد في هذه الأرض من غرس، وبناء، وأشجار؛ للتلازم؛ حيث يلزم من العقد: أن يتبع المشتري كل ما ذكر، لأن العقد يقتضيها (فرع) حكم هبة الأرض والبستان والمزرعة أو الدار، أو رهنها، أو وقفها، أو الإقرار بها، أو الوصية بها ونحو ذلك كحكم بيعها فيما يتبع.
[ ٣ / ١٥١ ]
فهي كالشجرة (والجزَّة واللقطة الظاهرتان عند البيع للبائع)، وكذا: زهر تُفتح؛ لأنه كالثمر الموبَّر، وعلى البائع قطعها في الحال (وإن اشترط المشتري ذلك: صح) الشرط، وكان له كالثمر المؤبَّر إذا اشترطه مشتري الشجر (^٣)، ويثبت الخيار لمشترٍ ظنَّ دخول ما ليس له من زرع وثمر كما لو جهل وجودهما (^٤)، ولا يشمل بيع قرية
(^٣) مسألة: إذا كان في تلك الأرض التي باعها زرع كالبر والشعير ونحوهما مما يحصد مرَّة واحدة في العام: فإنه يكون للبائع ونحوه كواهب، وراهن، ومقر، وموصي بها، فعلى هذا: يُبقى حتى يأتي وقت حصده فيأخذه البائع بدون دفع أُجرة، أما إن كان في تلك الأرض المباعة زرع، يُحصد، أو يُجزُّ، أو يُلقط عدَّة مرَّات في العام الواحد كالنعناع، والكراث، والقتِّ، والخيار، وبعض أنواع القرع ونحو ذلك: فإنَّ أول حصدةٍ، وأول جزَّة، وأول لقطة ظاهرة عند العقد تكون للبائع، أما أصول الشجر فهي للمشتري، وإن اشترط المشتري: أن يكون هذا الزرع الذي يحصد أو يُلقط، أو يُجزُّ مرَّة، أو مرَّات له: فإنه يصح هذا الشرط إذا تراضيا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تمام العقد على بيع الأرض ما ذكرناه؛ لكون العادة قد اقتضت ذلك، ويلزم: أن لا يتبع الزرع المحصود أو الملقوط للمشتري؛ لكون البائع هو المودع له في الأرض كالكنز، ويلزم من اشتراط المشتري أو البائع أيِّ شرط: العمل به؛ لكون المسلمين على شروطهم، وهو كالثمر المؤبَّر والمقصد منه: بيان حقوق كل واحد من المتبايعين كما سبق.
(^٤) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر أرضًا فيها زرع ونخل، وكان زيد جاهلًا: فظن دخول بعض المزروعات، والثمار الظاهرة في ملكه، أي: اعتقد أنه يملك كل شيء من حين العقد؛ وكان ممن يجهل مثله فبان أنه ليس له: فإنه له الخيار: إن شاء أمسك وأمضى البيع، وإن شاء ردَّ؛ للتلازم؛ حيث يلزم من جهله لذلك: تضرُّره بفوات منفعة البيع، والخيار شُرع لرفع الضرَّر فيثبت له (فرع) يُقبل قول =
[ ٣ / ١٥٢ ]
مزارعها بلا نص أو قرينة (^٥).
فصل: (ومن باع) أو وهب، أو رهن (نخلًا تشقَّق طلعه) ولو لم يؤبَّر: (فـ) الثمر (لبائع مُبقى إلى الجذاذ إلا أن يشترطه مشتر) ونحوه؛ لقوله ﷺ: "من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبَّر: فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترطه المبتاع) متفق عليه. والتأبير: التلقيح، وإنما نصَّ عليه والحكم منوط بالتَّشقُّق؛ لملازمته له غالبًا، وكذا: لو صالح بالنخل، أو جعله أجرة، أو صداقًا، أو عوض عن خلع (^٦)، بخلاف وقف، ووصية: فإن
مدّعي الجهل مع يمينه على أنه يجهل ذلك، ويُفعل به كما يُفعل فيما لو جهل البائع وجود الزرع والثمر: فله الخيار.
(^٥) مسألة: إذا باع زيد على بكر قرية: فإن البيع يشمل الدور، والأسوار فقط، ولا يشمل المزارع الموجودة فيها إلا إذا وُجد دليل يدلُّ على شمول البيع للمزارع كنص: بأن يقول زيد: "بعتك هذه القرية بمزارعها وثمارها" أو قرينة كأن يقول زيد: "بعتك هذه القرية وأرضها" أو بذل بكر ثمنًا يصلح للقرية ولمزارعها؛ للتلازم؛ حيث إن العقد على بيع القرية يقتضي بيع الدور والأسوار فقط فيلزم ذلك، دون دخول المزارع، لعدم اقتضاء العقد لها، ولزم من ذكر الدليل على دخول المزارع: دخولها؛ عملًا به.
(^٦) مسألة: إذا باع زيد على بكر نخلًا بعد أن أبَّره - أي: لقَّحه زيد بوضع طلع الفحل على طلع النخل -: فإن الثمر يكون للبائع - وهو زيد هنا - فيجب على بكر أن يُبقيه على النخل إلى وقت جذاذ النخل، فيأخذه البائع، أما إن اشترط المشتري - وهو هنا بكر - قائلًا: "اشتريت منك هذا النخل بشرط: أن يكون هذا الثمر معه" وقبل البائع: فيصح ذلك! للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبَّر: فثمرتها للذي باعها إلّا إن يشترطه المبتاع" فعلَّق الحكم - وهو: كون الثمرة للبائع - بما إذا أبَّره، ودلَّ مفهوم الزمان على أن الثمر يكون للمشتري قبل التأبير، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن البائع قد =
[ ٣ / ١٥٣ ]
الثمرة تدخل فيهما: أُبِّرت أو لم تؤبَّر كفسخ لعيب ونحوه (^٧) (وكذلك) أي: كالنخل (شجر العنب، والتوت، والرمان وغيره) كجمِّيز من كل شجر، لا قشر على ثمرته، فإذا بيع ونحوه بعد ظهور الثمرة: كانت للبائع ونحوه (و) كذا (ما ظهر من نوره كالمشمش والتفاح، وما خرج من أكمامه: جمع "كُم" وهو: الغلاف (كالورد)
بذل جهده في سقيه ومُراعاته حتى وبَّره، فدفعًا للضَّرر: جُعلت ثمرته له، فإن قلت: لِمَ وجب على المشتري أن يُبقيه للبائع حتى الجذاذ؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن لا نفع فيه إلا بعد أن يحين جذاذه؛ لكونه صالحًا للأكل، وهذا على حسب العادة والعرف، فإن قلتَ: إنه يكون للبائع بعد أن يتشقَّق طلعه وظهر: سواء حصل تأبيره، أو لا وهو ما ذكره المصنف هنا: للتلازم؛ حيث إن تشققه ملازم للتأبير غالبًا قلتُ: لا داعي لهذا مع نصّه عليه على أن الحكم منوط بتأبيره، والتشقق لا يلزم منه التأبير فقد يُؤبِّره البائع بعد تشققه، وقد لا يُؤبِّره، فلذا نصَّ الشارع على التأبير؛ ليكون أوضح، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل تحقق التشقق يلزم منه تحقق التأبير أو لا؟ فعندنا: لا، وعندهم: نعم، (فرع) حكم من وهب نخلًا أو رهنه، أو صالح به، أو دفعه جعلًا أو أجرة عمل، أو دفعه صداقًا، أو دفعه عوضًا خلع، أو عوض طلاق، أو عتق: كحكم من باعه بعد تأبيره؛ حيث يكون الثمر لمن وهب، أو رهن، أو صالح، أو الجاعل، أو المؤجِّر، أو الدافع صداقًا، أو عوضًا، أو المعتوق، إلا أن يشترطه الموهوب والمرتهن، أو المصالح به، أو المستأجر، أو المدفوع لها صداقًا، أو عوضًا مخالعة لها، أو المطلقة، أو المعتق؛ للقياس على البائع.
(^٧) مسألة: إذا أوقف زيد نخله، أو أوصى به: فإن الثمر يكون لمن أوقف عليهم، أو الموصى لهم، دون زيد: سواء أُبِّرت، أو لم تؤبَّر، للمصلحة: حيث إن المقصود هو: نفع الموقوف عليهم، والموصى لهم: فدخل الثمر العاجل في ذلك، لاستعجال انتفاعهم.
[ ٣ / ١٥٤ ]
والبنفسج (والقطن) الذي يحمل في كل سنة؛ لأن ذلك كله بمثابة تشقُّق الطلع (وما قبل ذلك) أي: قبل التشقق في الطلع والظهور في نحو العنب، والتوت والمشمش، والخروج من الأكمام في نحو الورد، والقطن (والورق: فلمشتر) ونحوه، لمفهوم الحديث السابق في النخل، وما عداه: فبالقياس عليه (^٨)، وإن تشقَّق أو ظهر بعض ثمره ولو من نوع واحد: فهو لبائع، وغيره لمشتر إلّا في شجرة: فالكل لبائع ونحوه (^٩)
(^٨) مسألة: إذا باع زيد شجرًا على بكر: ففيه تفصيل من حيث ما يتبع البائع والمشتري هو كما يلي: أولًا: إذا كانت ثمرته في أكمام وغلاف، ثم تتفتَّح فتظهر كالقطن، والورد، والياسمين، والنَّرجس، والبنفسج: فما تفتَّح منه: فهو للبائع، وما لم يتفتَّح منه: فهو للمشتري، ثانيًا: ما ظهرت ثمرته بارزة لا قشر عليها ولا نور كالتين، والتوت، والعنب: فما ظهرت ثمرته ونفعه: فهو للبائع، وما لم تظهر فهو للمشتري، ثالثًا: ما يظهر في قشره، ثم يبقى فيه إلى حين الأكل كالموز، والرمان: فما ظهر: فهو للبائع، وما لم يظهر: فهو للمشتري، رابعًا: ما يظهر في قشرين كالجوز واللوز: فما ظهر فللبائع وما لم يظهر: فللمشتري، خامسًا: ما يظهر نوره، ثم يتناثر فتظهر الثمرة كالتفاح والمشمش، والخوخ: فما ظهر نوره وثمرته: فللبائع، وما لم تظهر فللمشتري سادسًا: الأوراق والأغصان، وسائر أجزاء الشجرة المباعة: للمشتري؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما: كما أن النخل إذا ظهر طلعه فأبِّرت: فإنه للبائع، وإن لم يظهر أو لم تؤبَّر فهو للمشتري فكذلك تلك الأشجار مثل النخل والجامع: أن كلاًّ منهما له ثمر له ظهور وخفاء، ثانيهما: كما أن الحيطان والأسقف للمشتري للدار فكذلك الأغصان والأوراق تابعة للمشتري، والجامع: أنه لا يتم الاستفادة من المبيع إلّا به، فهو يُعتبر من أجزائها وخلق لمصلحتها.
(^٩) مسألة: إذا ظهر بعض طلع النخل، أو بعض ثمر الشجر من نوع واحد: فإن الكل يكون للبائع؛ للمصلحة: حيث إنه لو لم يُجعل كله للبائع: للحق الضَّرر بكل من =
[ ٣ / ١٥٥ ]
ولكل السقي؛ لمصلحة، ولو تضرَّر الآخر (^١٠) (ولا يُباع ثمر قبل بدو صلاحه)؛ لأنه ﵇: "نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع" متفق عليه، والنهي يقتضي الفساد (ولا) يُباع (زرع قبل اشتداد حبِّه)؛ لما روى مسلم عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ "نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري" (^١١) (ولا) تُباع (رطبة وبقل، ولا قثاء
البائع والمشتري بسبب الاشتراك، وكثرة الاختلاف في ذلك عادة، فإن قلت: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن طلع النخل، وثمر الشجر من النوع الواحد يتلاحق ويتقارب، فإن قلتَ: إنه إذا ظهر بعض طلع النخل: فإن للبائع ما ظهر، دون ما لم يظهر، أما إن ظهر بعض ثمر الشجر: فإن الكل يكون للبائع قلتُ: لم أجد دليلًا على هذا التفريق لا سيما في النوع الأول؛ لكون العادة اقتضت أنه إذا ظهر طلع نخلة: فإنه يظهر طلع النخلة الأخرى أو يقرب من ذلك بوقت لا يتحمَّل هذا التفريق.
(^١٠) مسألة: إذا باع زيد نخلًا على بكر بعد تأبيرها: أو شجرًا بعد ظهور طلعها: فالثمر للبائع، وله سقي ذلك حتى الجذاذ: سواء تضرَّر المشتري أو لم يتضرَّر، وكذلك المشتري يسقي أصول النخل والشجر، سواء تضرَّر البائع أو لا، ويُرجع في ذلك إلى أهل الخبرة بالمزروعات والمغروسات؛ للتلازم؛ حيث إن العقد يقتضي أن يهتم كلٌّ بما يملكه، فلزم: أن يفعل فيه ما تقتضيه مصلحته.
(^١١) مسألة: يحرم بيع ثمر من نخل أو شجر قبل أن يحمرَّ أو يصفرَّ، وهو: ظهور صلاحه للأكل، ويحرم بيع الزرع من بُرٍّ، أو ذرة، أو أرز ونحوها قبل أن يشتدَّ حبُّه ويصلب، وإذا وقع بيع هذين النوعين قبل ذلك: فإن البيع فاسد؛ للسنة القولية: حيث "نهى ﵇ عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السنبل حتى يشتدَّ ويأمن العاهة نهى البائع والمشتري" والمراد بالزهو: هو بدو الصلاح، بيَّنه الحديث الآخر؛ "حيث نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها" والنهي هنا =
[ ٣ / ١٥٦ ]
ونحوه كباذنجان، دون الأصل) أي: منفردة عن أصولها؛ لأن ما في الأرض مستور مغيَّب، وما يحدث منه معدوم، فلم يجز بيعه كالذي يحدث من الثمرة (^١٢) فإن أُبيع الثمر قبل بدو صلاحه بأصوله، أو الزرع الأخضر بأرضه، أو أبيعا لمالك أصلهما، أو أبيع قثاء ونحوه مع أصله: صح البيع؛ لأن الثمر إذا أبيع مع الشجر، والزرع إذا أبيع مع الأرض: دخلا تبعًا في البيع، فلم يضرُّ احتمال الغرر، وإذا أبيعا لمالك الأصل: فقد حصل التسليم للمشتري على الكمال (^١٣) (إلا) إذا باع الثمرة قبل بدو
مطلق، فيقتضي التحريم، والفساد، فإن قلت: لِمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه بعد بدو الصلاح، واشتداد الحب يبعد وجود عاهة في الثمر والحب عادة، وقبل ذلك: لا تؤمن العاهة والمرض فيها كما أشار إلى ذلك الحديث السابق، وهذا فيه حماية للمشتري من الضرر.
(^١٢) مسألة: النبات الذي يُنتفع بأصوله التي تحت الأرض كالرَّطبة - وهي: علف مفضّل لدى البهائم - والبقل - وهي ما اخضرَّت به الأرض - والقثَّاء - وهو: الخيار - والباميا، والباذنجان: هذه كلها لا يجوز بيعها منفردة دون أصولها وعروقها المغيبة في الأرض؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز بيع شيء لم يحدث من الثمرة، فكذلك لا يجوز بيع تلك النباتات لوحدها، بل لا بدَّ من بيعها مع أصولها والجامع: أنه في كل منها بيع معدوم؛ حيث إنه مستور مُغيَّب، ومعلوم: أن بيع المعدوم لا يجوز، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه غرر وجهالة يُؤدِّي إلى أكل أموال الناس بالباطل.
(^١٣) مسألة: يصح بيع الثمر قبل بدو صلاحه مع أصوله وهو شجره، وكذا: يصح بيع الزرع الأخضر قبل اشتداد الحب مع أرضه، وكذا: يصح ما سبق إذا بيعا على مالك أرضهما وأصول شجرهما، وكذا: إن بيع القثَّاء، والبقل، والباذنجان مع أصوله، ولو لم تُبع معه أرضه؛ للتلازم؛ حيث إن بيع الثمر، والزرع مع أصله وأرضه يلزم منه أن الثمر والزرع الأخضر قد دخلا تبعًا في البيع، وقد يكون فيه =
[ ٣ / ١٥٧ ]
صلاحها، أو الزرع قبل اشتداد حبِّه (بشرط: القطع في الحال) فيصح: إن انتفع بهما؛ لأن المنع من البيع لخوف التلف، وحدوث العاهة، وهذا مأمون فيما يقطع (أو) إلا إذا باع الرطبة والبقول (جزَّة) موجودة فـ (جزَّة) فيصح؛ لأنه معلوم لا جهالة فيه ولا غرر (أو) إلا إذا باع القثاء ونحوها (لقطة) موجودة فـ (لقطة) موجودة؛ لما تقدَّم، وما لم يُخلق: لم يجز بيعه (^١٤) (والحصاد) لزرع، والجذاذ لثمر (واللقاط) لقثاء ونحوها (على المشتري)؛ لأنه نقل لملكه، وتفريغ لملك البائع عنه فهو كنقل الطعام (^١٥) (وإن باعه) أي الثمر قبل بدو صلاحه، أو الزرع قبل اشتداد حبه،
غرر وجهالة يسيران محتملان كما احتملت الجهالة في بيع اللَّبن في الضرع مع الشاة، والنوى في التمر مع التمر فيلزم من ذلك: صحة البيع، ويلزم من بيع الثمر لمالك الشجر، والزرع الأخضر لمالك الأرض: صحة البيع أيضًا؛ لكونه قد ملك الثمر والزرع والأصول، والأرض: فلم يكن فيه جهالة.
(^١٤) مسألة: يصح بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، والزرع قبل اشتداد حبه، والرطبة والبقول والقثاء ونحو ذلك بشرط: أن يقوم المشتري بقطعه وجزِّه ولقطه بعد العقد مباشرة؛ للتلازم؛ حيث إن ذلك لا غرر فيه ولا جهالة فيلزم صحته، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لا مضرَّة على أحد في ذلك؛ لأن المنع من البيع بدون ذلك الشرط كان لخوف التلف وضرر المشتري ولكن هذا الخوف غير موجود هنا؛ لكونه سيقوم بقطعه وجزه ولقطه بعد العقد مباشرة، لذلك لا يصح بيع ما لم يخلق من الثمر ونحوه؛ لعدم التمكّن من قطعه، أو جزه أو لقطه، ولكونه معدومًا، والمعدوم لا يصح بيعه.
(^١٥) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر شجرًا بعد بدو صلاح ثمره، أو زرعًا بعد اشتداد حبه، أو باذنجانًا أو قثاء: فإن حصاد الزرع، وجذاذ الثمر، ولقط القثاء ونحو ذلك على المشتري؛ للقياس؛ بيانه: كما أن زيدًا لو اشترى طعامًا من بكر: فإن نقل الطعام وحمله على المشتري - وهو زيد هنا - فكذلك الحال هنا، والجامع: أنه =
[ ٣ / ١٥٨ ]
أو القثاء ونحوه (مطلقًا) أي: من غير ذكر قطع، ولا تبقية: لم يصح البيع؛ لما تقدَّم (أو) باعه ذلك (بشرط البقاء): لم يصح البيع؛ لما تقدَّم (^١٦) (أو اشترى ثمرًا لم يبد صلاحه بشرط القطع، وتركه حتى بدا) صلاحه: بطل البيع بزيادته:؛ لئلا يُجعل ذلك ذريعة إلى شراء الثمرة قبل بدو صلاحها، وتركها حتى يبدو صلاحها، وكذا: زرع أخضر بيع بشرط: القطع، ثم ترك حتى اشتد حبُّه (أو) اشترى (جزَّة) ظاهرة من بقل أو رطبة (أو) اشترى (لقطة) ظاهرة من قثاء ونحوها، ثم تركهما (فنمتا): بطل البيع؛ لئلا يُتّخذ حيلة على بيع الرطبة ونحوها، والقثاء ونحوها بغير شرط القطع (^١٧) (أو
في كل منهما نقل لما دخل تحت مُلكه، وتفريغ لملك البائع عنه، فإن قلتَ: لِمَ كان ذلك على المشتري، بينما كان نقل مكيل وموزون على البائع؟ قلتُ: لأن المكيل والموزون يُعتبران من مؤنة تسليم المبيع، وهو على البائع، أما هنا: فإن التسليم يحصل بالتخلية بدون قطع، أو جز، أو حصد، ولذلك يجوز بيعها والتصرُّف فيها وهي لم تقطع أو تحصد أو تجز أو تلقط، وهذا هو سبب التفرقة بين الأمرين.
(^١٦) مسألة: إذا باع شخص ثمرة قبل بدو صلاحها، أو زرعًا قبل اشتداد حبِّه، أو قثاء أو نحوه مطلقًا، ولم تشترط التبقية، ولا القطع، ولا الحصد، أو باع ذلك بشرط البقاء؛ فلا يصح البيع في الحالتين؛ للسنة القولية: حيث "نهى ﵇ عن بيع النخل حتى يزهو، وعن بيع السنبل حتى يشتد ويأمن العاهة نهى البائع والمشتري" والنهي هنا مُطلق، فيقتضي فساد المنهي عنه، وقد سبق بيان ذلك، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه غرر وجهالة تؤدِّي إلى أكل أموال الناس بالباطل.
(^١٧) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر ثمرًا لم يبد صلاحه بشرط القطع، أو اشترى زرعًا أخضر لم يشتد بشرط القطع، أو اشترى جزَّة ظاهرة من بقول أو رطبة أو كراث، أو قت أو نحو ذلك، أو اشترى لقطة مما يُلقط كالقثاء والبطيخ ولكن المشتري - وهو زيد - ترك الثمر حتى بدا صلاحه، وترك الزرع حتى اشتدَّ، وترك =
[ ٣ / ١٥٩ ]
اشترى ما بدا صلاحه) من ثمر (وحصل) معه (آخر واشتبها): بطل البيع، قدَّمه في "المقنع" وغيره، والصحيح: أن البيع صحيح، وإن علم قدر الثمرة الحادثة دفع للبائع، والباقي للمشتري، وإلا: اصطلحا، ولا يبطل البيع؛ لأن المبيع اختلط بغيره، ولم يتعذَّر تسليمه، والفرق بين هذه والتي قبلها: اتخاذه حيلة على شراء الثمرة قبل بدوّ صلاحها كما تقدَّم (^١٨) (أو) اشترى رطبًا (عرية) - وتقدَّمت صورتها في الربا - فتركها (فأتمرت) أي: صارت تمرًا: (بطل) البيع؛ لأنه إنما جاز للحاجة إلى أكل الرطب فإذا أتمر: تبيّنا عدم الحاجة: سواء كان الترك لعذر أو لا (والكل) أي: الثمرة وما حدث معها على ما سبق (للبائع)؛ لفساد البيع (^١٩) (وإذا بدا) أي: ظهر (ماله صلاح في
ما يُجزُّ وما يُلقط حتى كبُر ونما: فإن البيع يبطل؛ للمصلحة: حيث إن ذلك قد يُتخذ ذريعة وحيلة لشراء هذه الأشياء وتركها؛ ليستفيد المشتري ويتضرر البائع، فسدًا لذلك: بطل البيع من أصله، ويأخذ المشتري الثمن الذي دفعه، وهذا هو المقصد الشرعي منه.
(^١٨) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر ثمرًا قد بدا صلاحه، أو زرعًا قد اشتد حبه واختلط معه غيره، واشتبه به، وتعسَّر التمييز بينهما: فإن البيع يبطل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من هذا الاختلاط، وعدم التمييز بين المباح وغيره: بطلان البيع كبر جيد قد اختلط ببر رديء، أو كثوب صوف قد اختلط بثوب حرير ونحو ذلك. (فرع) إن وُجد تمييز بينه وبين المشتبه به: فلا يبطل البيع؛ للتلازم؛ حيث يُمكن تسليم المبيع فلزم صحته. تنبيه: لا داعي لذكر الخلاف هنا؛ لأن المسألة مفروضة فيما لا يمكن التمييز، فإن قلتَ: إن المبيع اختلط بغيره، ولم يتعذَّر تسليمه قلتُ: إنه لا يمكن تسليم المبيع إذا اختلط بغيره اختلاطًا لا يمكن التمييز بينه وبين المختلط به، فلا فرق بين هذه المسألة، ومسألة (١٨) من حيث الحكم، ويُوجد فرق بينهما من حيث الدليل.
(^١٩) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر عَريَّة - وهي: شراء نخلة فيها رُطب بقدر خرصها =
[ ٣ / ١٦٠ ]
الثمرة، واشتدَّ الحبُّ: جاز بيعه) أي: بيع ما ذكر من الثمرة والحب (مطلقًا) أي من غير شرط (و) جاز بيعه (بشرط التبقية) أي: تبقية الثمر إلى الجذاذ، والزرع إلى الحصاد؛ لأمن العاهة ببدو الصلاح (^٢٠) (وللمشتري تبقيته إلى الحصاد والجذاذ) وله قطعه في الحال، وله بيعه قبل جذِّه (^٢١) (ويلزم البائع سقيه) بسقي الشجرة الذي هو
تمرًا - كما سبق في مسألة (٢٠) من باب "الربا والصرف" - وتركها المشتري - وهو زيد - حتى صار الرُّطب تمرًا: فإن البيع يبطل: سواء كان المشتري تركها لعذرٍ أو لا، للتلازم؛ حيث إن العريَّة قد رُخِّص فيها؛ ليأكل المحتاج من رطبها، فلما تركها حتى أتمرت: تبيَّنا عدم حاجته إلى الرطب: فيلزم عدم صحة البيع؛ لكونه انقلب إلى بيع المزابنة المنهي عنه (فرع) لما بطل البيع في المسائل (١٦ و١٧ و١٨ و١٩) فإن المبيع كله: من ثمر ونحوه يعود للبائع، ويُرجع الثمن كاملًا إلى المشتري؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من بطلان البيع: إرجاع المبيع إلى البائع، وإرجاع الثمن إلى المشتري.
(^٢٠) مسألة: إذا ظهر وبدا صلاح الثمرة، واشتدَّ الحب: جاز بيعهما مُطلقًا من غير اشتراط، وجاز بيعهما بشرط القطع، وبشرط تبقيتهما إلى الجذاذ والحصاد؛ للسنة القولية: حيث "نهى ﵇ عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، وعن بيع الحب حتى يشتدَّ، وتأمن العاهة" حيث دلّ مفهوم الغاية على جواز بيع ذلك بعد بدو الصلاح، واشتداد الحب وأمن العاهة وهذا يلزم منه إبقاؤه؛ لأن ما يُقطع في الحال لا يُخاف العاهة عليه، وإذا بدا صلاحه فقد أُمنت العاهة، فيلزم من ذلك جواز بيعه مُبقى؛ نظرًا لزوال علَّة المنع، وهذا هو المقصد منه.
(^٢١) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر ثمرًا بعد بدو صلاحه، أو زرعًا بعد اشتداد حبه: فله - أي: للمشتري - أن يُبقيه إلى الجذاذ والحصاد، وله أن يقطعه في الحال، وله أن يبيعه أو يهبه ونحو ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن هذا الثمر، والحب قد أصبح في ملك المشتري بسبب قبضه من البائع بتخلية البائع له، فيلزم من ذلك =
[ ٣ / ١٦١ ]
عليها (إن احتاج إلى ذلك) أي: إلى السقي، وكذا: لو لم يحتج إليه؛ لأنه يجب عليه تسليمه كاملًا فلزمه سقيه (وإن تضرَّر الأصل) بالسقي، ويُجبر عليه إن أبي (^٢٢)، بخلاف ما إذا باع الأصل، وعليه ثمر للبائع: فإنه لا يلزم المشتري سقيها؛ لأن البائع لم يملكها من جهته (^٢٣) (وإن تلفت) ثمرة أبيعت بعد بدو صلاحها دون أصلها قبل أوان جذاذها (بآفة سماوية) وهي: ما لا صنع لآدمي فيها كالريح، والحر والعطش: (رجع) ولو بعد القبض (على البائع): لحديث جابر: "أن النبي ﷺ أمر بوضع الجوائح" رواه مسلم، ولأن التخلية في ذلك ليست بقبض تام، وإن كان التالف يسيرًا لا ينضبط: فات على المشتري (وإن أتلفه) أي: الثمر المبيع على ما تقدَّم (آدمي) ولو البائع: (خُيِّر مشتر بين الفسخ) ومطالبة البائع بما دفع من الثمن (والإمضاء) أي: البقاء على البيع (ومطالبة المتلف) بالبدل (^٢٤) (وصلاح بعض) ثمرة (الشجرة
تصرف المشتري فيه تصرُّفًا مطلقًا كسائر السلع المباعة المقبوضة.
(^٢٢) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر ثمرًا بعد بدو صلاحه، أو زرعًا بعد اشتداد حبه: فإنه يلزم البائع - وهو بكر هنا - سقي شجر الثمر، وزرع الحب إن احتاج إلى ذلك السقي، ويلزمه أيضًا حراسته بما يُحرس مثله: سواء تضرر الأصل - وهو الشجر - بالسقي أو لا، وإن امتنع البائع عن ذلك: أجبره الحاكم على ذلك؛ للتلازم؛ حيث إنه لا يُمكن للبائع أن يُسلِّمه للمشتري إلّا إذا صلح للانتفاع به، ولا يُمكن ذلك إلّا بسقيه حتى يتكامل فلزمه سقيه، فإن قلتَ: لِمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق المشتري.
(^٢٣) مسألة: إذا اشترى زيد من بكر الشجر والنخل وعليها ثمر للبائع - وهو بكر -: لا يلزم المشتري - وهو زيد هنا - سقي ذلك الشجر أو النخل إذا لم يشترطه البائع؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم مُلكية البائع للثمرة من جهة المشتري: عدم إلزام المشتري على سقيها.
(^٢٤) مسألة: إذا اشترى ثمرًا بعد بدو صلاحه، أو زرعًا بعد اشتداد حبه، ثم تلف =
[ ٣ / ١٦٢ ]
صلاح لها ولسائر النوع الذي في البستان)؛ لأن اعتبار الصلاح في الجميع يشقُّ (^٢٥)
ذلك: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان التلف بآفة سماوية وجائحة تلفًا كثيرًا كالريح، والأمطار الكثيرة، أو حر شديد، أو برد شديد، أو جراد ونحو ذلك: فإن البيع يبطل، ويأخذ المشتري الثمن الذي دفعه من البائع؛ ثانيًا: إن كان التلف يسيرًا كأن يأكل منه الطير أو يتساقط: فإنه يُحسب على المشتري، ثالثًا: إن كان التلف بفعل آدمي - ولو كان البائع -: فإن المشتري يُخيَّر بين فسخ البيع، ويأخذ ما دفعه من البائع أو إمضاء البيع، ويُطالب المشتري البائع ببدل الثمرة أو الحب المتلف والبائع يُطالب المتلِف؛ لقواعد؛ الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﵇: "من باع ثمرًا فأصابته جائحة فلا يأخذ من مال أخيه شيئًا، على ما يأخذ أحدكم مال أخيه المسلم؟! " وهذا يدلّ على وجوب رد الثمن للمشتري إذا تلف المبيع؛ لكون البيع قد فسد؛ لأن النهي هنا مطلق، وهو يقتضي الفساد، الثانية: المصلحة؛ حيث إن التلف اليسير قد لا يسلم منه أحد، ويصعب التحرُّز منه: فكان فواته يُحسب على المشتري، الثالثة: القياس بيانه: كما أن المكيل إذا أتلفه آدمي قبل القبض: فإن للمشتري الخيار، فكذلك الحالة الثالثة. والجامع: أن كلاًّ منهما لم يتم فيه القبض بالتمام؛ حيث إن التخلية ليست قبضًا تامًا؛ الرابعة: التلازم؛ حيث إن كون مؤنته على البائع إلى تتمَّة صلاحه: أن يلزمه ضمانه إذا تلف بآفة سماوية، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا التفصيل؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الناس من أن يتحايل عليها الظلمة فتُؤكل بالباطل.
(^٢٥) مسألة: إذا ظهر صلاح بعض ثمرة شجرة أو نخلة واحدة في بستان يتكوَّن من عدّة أشجار ونخل: فهو يُعتبر صلاحًا لجميع الثمار التي في الأشجار الأخرى، وكذلك النخل، وصلاح بعض الحب الموجود في سنبلة واحدة يُعتبر صلاحًا لجميع الزرع الذي في تلك الأرض، من جنسه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من ظهور =
[ ٣ / ١٦٣ ]
(ويبدو الصلاح في ثمر النخل: أن تحمرَّ أو تصفرَّ)؛ لأنه ﵇ "نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو" قيل لأنس: وما زهوها؟ قال: تحمار أو تصفار (وفي العنب: أن يتموَّه حلوا)؛ لقول أنس: "نهى النبي ﷺ عن بيع العنب حتى يسودّ" رواه أحمد، ورواته ثقات، قاله في "المبدع" (وفي بقية الثمر) كالتفاح والبطيخ: (أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله)؛ لأنه ﵇ "نهى عن بيع الثمرة حتى تطيب" متفق عليه، والصلاح في نحو قثاء: أن يؤكل عادة، وفي حبٍّ: أن يشتدَّ، أو يبيّض (^٢٦) (ومن باع
صلاح بعضه: صلاح كله لكون الشجر أو الزرع متقاربًا في الصلاح عادة وعرفًا إذا كان من جنس واحد، وهذا فيه تيسير؛ فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن اعتبار الصلاح في كل شجرة أو سنبلة يشق على الناس، فدفعًا لذلك: شُرع هذا.
(^٢٦) مسألة: طريقة معرفة بدو الصلاح في الثمار والحبوب، وكل شيء يُلقظ: فيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان الثمر ثمر نخل: فيكون بدو صلاحه حين يحمرُّ بلحه أو يصفرُّ، ولو لم يكمل هذا الاحمرار والاصفرار، ثانيًا: إن كان الثمر عنبًا فبدو صلاحه إذا ظهرت حلاوته، وظهر ماؤه: سواء كان لونه أسودًا أو أبيضًا، ثالثًا: إن كان الثمر يُلقط - غير النخل والعنب - مثل التفاح والبرتقال، والبطيخ، والرمان، والمشمش، والخوخ، والجوز، والقثاء والباذنجان: فبدو صلاحه يكون حين ينضج ويطيب أكله عادة وعند أهل الخبرة فيه، رابعًا: إن كان الثمر حبًا فبدو صلاحه يكون عند اشتداده، وصُلب حبه؛ للسنة القولية وهي من وجوه: أولها: "نهيه ﵇ عن بيع الثمرة حتى تزهو" وفسَّر أنس زهوها بأنه الاحمرار أو الاصفرار، وتفسير الصحابي للحديث مقدَّم على غيره، لكون قوله حجّة، ثانيها: "نهيه ﵇ عن بيع السنبل حتى يشتدَّ حبُّه" ثالثها: "نهيه ﵇ عن بيع الثمرة حتى يطيب أكلها" وهذا على حسب عرف الناس وعاداتهم، إذ لكل ثمرة وقت يطيب أكله فيه، وبداية احمرار، أو اصفرار الثمرة، أو اشتداد الحب، أو =
[ ٣ / ١٦٤ ]
عبدًا) أو أمة (له مال: فماله لبائعه إلّا أن يشترطه المشتري)؛ لحديث ابن عمر مرفوعًا: "من باع عبدًا وله مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المبتاع" رواه مسلم (فإن كان قصده) أي: المشتري (المال) الذي مع العبد (اشترط علمه) أي: العلم بالمال (وسائر شروط البيع)؛ لأنه مبيع مقصود أشبه ما لو ضمَّ إليه عينًا أخرى (وإلا) يكن قصده المال: (فلا) يُشترط له شروط البيع، وصحّ شرطه ولو كان مجهولًا؛ لأنه دخل تبعًا أشبه أساسات الحيطان، وسواء كان مثل الثمن أو فوقه أو دونه، وإذا شرط مال العبد، ثم ردَّه بإقالة أو غيرها: ردَّه معه (وثياب الجمال) التي على العبد المبيع (للبائع)؛ لأنها زيادة على العادة، ولا يتعلَّق بها حاجة العبد (و) ثياب لبس (العادة للمشتري)؛ لجريان العادة ببيعها معه (^٢٧)، ويشمل بيع دابة كفرس لجامًا
طيب الأكل للثمرة هو علامة جعلها الشارع لبدء صلاحية تلك الثمرة، وحدَّد بها وقت جواز بيعها كما حدَّد الشارع وقت البلوغ بالخمسة عشر سنة، أو الإنبات من القبل، أو خروج المني، والحيض عند المرأة، فإن قلتَ: لِمَ حُدِّد ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تفريق بين وقت الصلاحية والجواز ووقت عدم ذلك.
(^٢٧) مسألة: إذا اشترى شخص عبدًا له مال، أو عليه شيء من الألبسة له قيمة: ففيه تفصيل هو كما يلي: أولًا: إن كان للعبد مال، أو عليه ذهب أو فضة: فإن ذلك كله للبائع إلّا إذا اشترطه المشتري قائلًا: "اشتريته وماله من مال يدخل معه" وقبل البائع، فهنا يكون العبد وماله للمشتري على حسب الشرط؛ للسنة القولية: حيث قال ﵇: "من باع عبدًا له مال: فماله لبائعه إلّا أن يشترطه المبتاع": أي: إذا اشترطه المشتري: فلا يكون المال للبائع، بل للمشتري؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي. فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: لأن العقد قد تمَّ على عين العبد، دون ماله فيبقى المال لا يتناوله عقد البيع، ثانيًا: إن كان العبد له مال، وكان قصد المشتري للعبد هو: الحصول على ماله، دون العبد نفسه، =
[ ٣ / ١٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واشترط بأن يكون ماله مع بيعه: فيصح اشتراط ذلك - كما سبق في الحالة الأولى -، ولكن يُشترط في ذلك: أن يُوجد فيه شرائط صحة البيع السابقة، ومنها: أن يكون المال معلوم القدر، وأن لا يؤدِّي ذلك إلى التعامل بالربا - كما قلنا في بيع عينين في بيعة واحدة -؛ للقياس؛ بيانه: كما تشترط شروط البيع في بيع عينين في بيعه واحدة: من علم بحقيقة العينين وعدم وجود ربا بينها وبين الثمن، فكذلك في بيع العبد إذا قصد المشتري ماله: فإنه يُشترط فيه ذلك، والجامع: أن كلًا من شراء العبد وماله، وشراء العينين في بيعة واحدة مقصود في البيع، ثالثًا: إذا لم يقصد من شرائه الحصول على مال العبد، وإنما قصد العبد؛ لينتفع به: فهذا لا يُشترط علمه بمال العبد، ولا يُشترط شيء من شروط البيع، ويصحّ أن يشترط: أن يكون مال العبد له: سواء علم مقدار مال العبد حال العقد، أو جهله، وسواء كان المال من جنس الثمن أو لا، وسواء كان المال عينًا أو دينًا، وسواء كان مال العبد مثل ثمنه، أو فوقه أو دونه؛ للقياس؛ بيانه: كما أن أساسيات الحيطان، والتمويه بالذهب في السقوف، والحمل في البطون تدخل في المبيع تبعًا إذا لم تُقصد بنفسها، ولا يشترط علمها ولا شروط البيع فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًا منهما غير مقصود في العقد، فصار تبعًا، وحكم التابع حكم المتبوع، رابعًا: إذا ردَّ المشتري العبد الذي له مال بأي سبب من أسباب الرَّد بإقالة، أو خيار، أو بعيب، أو تدليس: فيجب على المشتري هذا أن يرد معه ماله، وإن تلف ماله فيردُّ قيمته؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه قد ردَّ العبد بذلك السبب فكذلك ماله مثله والجامع: أن كلاًّ منهما عين مال أخذه المشتري به فيردَّه بالفسخ، فإن قلتَ: لِمَ شُرّع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن قيمة العبد تزيد بسبب هذا المال، وتنقص بسبب انعدامه وهذا إضرار بالبائع، فيجب على المشتري أن يدفع ما يُزيل هذا النقص، خامسًا: إذا كان على العبد ثياب زينة وجمال: فهي =
[ ٣ / ١٦٦ ]
ومقودًا، ونعلًا (^٢٨).
للبائع إلا إذا اشترطه المشتري كما قلنا فيما إذا كان له مال، أما إن كانت ثيابه عادية: فهي للمشتري؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه لو باع دارًا فيها بسط وستائر وأثاث فاخر: فإن هذه الأمور للبائع، فكذلك ثياب الزينة التي على العبد تابعة للبائع، الثانية: العرف والعادة؛ حيث جرت العادة والعرف على أن الثياب العادية التي على العبد أثناء البيع تكون للمشتري؛ لكون ذلك يُتسامح فيه (فرع): الأمة كالعبد فيما سبق من تلك الأحكام الخمسة في المسألة السابقة.
(^٢٨) مسألة: إذا باع دابة: فإنه يتبع تلك الدابة أمور ثلاثة: أولها: المقود، وهو الشيء الذي يقود به الإنسان الحيوان: سواء كان حبلًا أو لا، ثانيها: اللجام، وهو: ما يُجعل في فم الدابة، ثالثها: النعل، وهو: الشيء الذي يُجعل واقيًا لأرجل الحيوان من الأرض؛ لقاعدتين: الأولى: العرف والعادة؛ حيث جرت العادة عند الناس، أن تلك الأمور الثلاثة تابعة للمشتري، الثانية: المصلحة؛ حيث إنه لا يمكن للمشتري أن يذهب بالدابة بسلام من موضع البيع إلى داره إلّا بتوفر هذه الأشياء الثلاثة. هذه آخر مسائل باب: "بيع الأصول والثمار" ويليه باب "السَّلَم".
[ ٣ / ١٦٧ ]