أي: مثله في الجملة إن كان، وإلا: فقيمته: فيجب المثل من النِّعَم فيما له مثل؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ و"جعل النبي ﷺ في الضبع كبشًا" (^١)،
باب جزاء الصيد
وفيه ثلاث عشرة مسألة:
(^١) مسألة: إذا قتل محرم صيدًا مُتعمِّدًا، وهو عالم بتحريم ذلك، ذاكر لإحرامه، مختار لذلك، فيجب عليه جزاؤه، وهو: أن يذبح ما يُماثله من بهيمة الأنعام، هذا إن وُجد مثله في الجملة بأن يقرب من صورة وخِلْقة بعض بهيمة الأنعام، ولا يُشترط في المماثلة: التطابق بين ما صاده المحرم من الصيد وبين ما ماثله من بهيمة الأنعام؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب، حيث قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ حيث يلزم من لفظ "مثل": عدم اشتراط التطابق؛ لكون المثل لا يُطابق ما يُماثله؛ إذ لو طابقه لكان عينه لا مثله، الثانية: السنة القولية؛ حيث "إنه ﷺ قد قضى على من قتل ضبعًا بأن عليه كبشًا من الغنم" ولو دقَّقتَ النظر في الكبش لوجدته يُماثل الضبع من حيث الصورة والخلقة، دون التطابق بينهما من كل جانب، فإن قلتَ: لمَ وجب المثل هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحقيق للعدالة؛ حيث إن وجوب المماثلة فيه رد لفقراء مكة مثل الصيد الذي حُرموا منه في صحرائهم، فإن قلتَ: لمَ لا تُشترط المطابقة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التطابق بين الصيد، وبهيمة الأنعام يشق، فدفعًا لذلك لم تشترط. [فرع]: الواجب هو: مثل الصيد المقتول؛ ليذبحه في مكة، ولا تجب قيمته؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن كثيرًا من الصحابة كانوا يقضون بالمثل، ولم =
[ ٢ / ٥٣٩ ]
ويُرجع فيما قضت فيه الصحابة إلى ما قضوا به فلا يحتاج أن يُحكم عليه مرة أخرى؛ لأنهم أعرف، وقولهم أقرب إلى الصواب، ولقوله ﷺ: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (^٢) ومنه (في النعامة بدنة) روي عن عمر، وعثمان، وعلي،
يقضوا بها على وجه القيمة؛ إذ لو قضوا على وجه القيمة لاعتبروا صفة المتلف التي تختلف القيمة فيه إما برؤية أو إخبار، ولم يُنقل عنهم السؤال عن ذلك حال قضائهم بذلك، فإن قلتَ: لمَ لا تجب القيمة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن القيمة تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والبيئات، فدفعًا لمشقة ذلك: اعتبرت المثلية؛ تحقيقًا للعدالة.
(^٢) مسألة: إذا قضى بعض الصحابة بأن هذا الصيد مثل ذلك الحيوان من بهيمة الأنعام: فإنا نأخذ به، ولا يحتاج إلى اجتهاد منا مرة أخرى؛ لقول وفعل وتقرير الصحابي؛ حيث إنه حجة فيما يقوله ويفعله ويُقرِّره، فإن قلتَ: يجوز لغيرهم ممن جاء بعدهم أن يجتهدوا فيما اجتهد فيه الصحابة مرة ثانية، وهو قول مالك؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ حيث إن الآية مُطلقة فيمن توفرت فيه شروط العدالة، وهذا يدخل فيه الصحابة، وغيرهم قلتُ: إن اجتهادات الصحابة في ذلك وغيره مقدَّمة على اجتهادات غيرهم ممن جاء بعدهم؛ للتلازم؛ حيث إن مشاهدتهم للتنزيل، وأخذهم الشريعة من فيِّ النبي ﷺ، ومعرفتهم لأسباب النزول العامة والخاصة، وشهادة الله لهم ورسوله بالعدالة يلزم منه أنهم أعلم بمقاصد الشريعة من غيرهم: فيكون قولهم أقرب للصواب من قول غيرهم، تنبيه: حديث: "أصحابي كالنجوم" ضعيف عند كثير من أئمة الحديث، وهذا لا يحتج به، لذلك يُقدَّم الاستدلال الذي ذكرناه على الاستدلال به الحديث.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
وزيد، وابن عباس، ومعاوية ﵃؛ لأنها تُشبهها (^٣) (و) في (حمار الوحش) بقرة روي عن عمر ﵁ (و) في (بقرته) أي: الواحدة من بقر الوحش: بقرة، روي عن ابن مسعود (و) في (الأيِّل) على وزن "قنَّب" و"وخِلَّب" و"سَيِّد": بقرة، روي عن ابن عباس (و) في (الثيتل): بقرة، قال الجوهري: "الثيتل": الوَعْل المسن (و) في (الوَعْل: بقرة) روي عن ابن عمر أنه قال (في الأروى: بقرة) قال في "الصحاح": الوعل هي: الأروى، وقال في القاموس: الوَعْل بفتح الواو مع فتح العين وكسرها وسكونها: تيس الجبل (^٤) (و) في (الضَّبع: كبش) قال الإمام: "حكم فيها رسول الله ﷺ بكبش" (^٥) (و) في (الغزالة: عنز) (^٦) روي عن جابر عنه ﷺ أنه قال: "في الظبي: شاة"، (و) في (الوَبَر) وهي: دويبة كحلاء دون السنور لا ذنب لها: جَدْي (و) في (الضَّب: جدي) قضى به عمر ﵁ وأرْبَد و"الجدي": الذكر من أولاد المعز
(^٣) مسألة: إذا قتل المحرم نعامة - وهي طير طويل العنق كثير الرِّيش -: فعليه ذبح بدنة - وهي: الجمل أو الناقة -؛ لقول الصحابي؛ حيث قضى بذلك بعض الصحابة كعمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، وزيد، ومعاوية ﵃.
(^٤) مسألة: إذا قتل المحرم حمارًا وحشيًا، أو قتل بقرة من البقر الوحشية أو قتل أيلًا، أو الثَّيتَل: أو الوَعْل وهي أنواع من الضباء الكبيرة القريبة الشكل من البقرة: فعليه ذبح بقرة؛ لقول الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة قد قضى بذلك كعمر، وابنه، وابن مسعود، وابن عباس ﵃.
(^٥) مسألة: إذا قتل محرم ضَبْعًا: فعليه ذبح كبش من الغنم؛ للسنة القولية؛ حيث حكم بذلك النبي ﷺ.
(^٦) مسألة: إذا قتل محرم غزالًا: فعليه ذبح عنز أو شاة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "في الظبي شاة".
[ ٢ / ٥٤١ ]
له ستة أشهر (^٧) (و) في (اليربوع: جَفْرة) لها أربعة أشهر، روي عن ابن عمر وابن مسعود (^٨) (و) في (الأرنب: عناق) روي عن عمر ﵁، و"العناق": الأنثى من أولاد المعز أصغر من الجفرة (^٩) (و) في (الحمامة: شاة) حكم به عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عباس، ونافع بن عبد الحارث ﵃ في حمام الحرم، وقيس عليه حمام الإحرام، و"الحمام": كل ما عبَّ في الماء وهدر فيدخل فيه: الفواخت، والوراشين، والقطا، والقمري، والدبسي (^١٠)، وما لم تقض فيه الصحابة يُرجع فيه إلى قول
(^٧) مسألة: إذا قتل ضبًّا - وهو حيوان زاحف له ذَنَب طويل - أو قتل الوَبَر - وهو: حيوان أصغر جسمًا من الهرة، وأكبر من الفأرة لا ذنب له -: فعليه ذبح جدي - وهو: الذكر من ولد المعز له ستة أشهر، ويُسمَّى التيس الصغير -؛ لقول الصحابي؛ حيث إن عمر ﵁ قد قضى بأن من قتل ضبًا فعليه جدي، والوَبَر مثله؛ لعدم الفارق.
(^٨) مسألة: إذا قتل محرم اليربوع - وهو حيوان يُشبه الفأرة إلا أنه أكبر قليلًا، وأطول رجلًا منه، ويُسمَّى الجربوع -: فيجب عليه أن يذبح جَفْرة، وهو: الجدي الذي له أربعة أشهر فقط -؛ لقول الصحابي؛ حيث إن ابن مسعود وابن عمر قد قضيا بذلك.
(^٩) مسألة: إذا قتل محرم أرنبًا: فعليه ذبح عناق - وهي: الأنثى من ولد المعز لها ثلاثة أشهر -؛ لقول الصحابي؛ حيث إن عمر ﵁ قد قضى بذلك.
(^١٠) مسألة: إذا قتل محرم حمامة - وهي: كل ما عبَّ الماء بأن يشرب الماء مرة واحدة من غير مصِّ، ويكرع كما تكرع الشاة له صوت الهدير - فعليه ذبح شاة؛ لقول الصحابي؛ حيث إن عمر، وابنه، وابن عباس، وعثمان ﵃ قد قضوا بذلك.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
عدلين خبيرين (^١١)، وما لا مثل له كباقي الطيور ولو أكبر من الحمام -: فيه القيمة (^١٢)،
(^١١) مسألة: إذا قتل محرم صيدًا لم يقضِ به الصحابة: فإنه يُرجع فيه إلى قول عدلين خبيرين في ذلك، فإذا قالا: إن هذا الصيدَ يُماثل هذا الحيوان من بهيمة الأنعام: من حيث الخِلْقة والصُّورة: فإنه يجب على هذا القاتل أن يذبح ذلك الحيوان المشابه له؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فاشترط لتحقيق المماثلة: أن يحكم فيه اثنان عدلان، فإن قلتَ: لمَ اشترطت العدالة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن العدالة فيها تحقيق الثقة بما يُقال ويحكم وهي شرط في كل من يُقبل قوله، فإن قلتَ: لمَ اشترطت الخبرة فيهما، دون التفقُّه؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث لا نثق بقول قائل في ذلك إلا إذا كان من أهل الخبرة الطويلة بالحيوانات، والأثمان، والأسواق، أما الفقيه الذي لا خبرة عنده في ذلك: فلا يُفيد في ذلك لذلك سأل عمر قائلًا: "من يحكم في الضب" مع أن حوله بعض فقهاء الصحابة، فلم يقتصر عليهم، وكان الإمام مالك يسأل عن أمور الحيض والنفاس بعض النساء ذوات الخبرة في ذلك.
(^١٢) مسألة: إذا قتل محرم صيدًا لم يقض فيه الصحابة، ولم يستطع العدلان الخبيران معرفة ما يُماثله: فإنه يُقيَّم بدراهم، فيشتري المحرم القاتل له بتلك الدراهم طعامًا، فيُعطي كل واحد من مساكين وفقراء مكة مُدًّا من البر، أو الأرز، أو يُعطيه نصف صاع من غيرهما أو يصوم عن كُلِّ مدٍ يومًا - كما سبق تقريره -؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ، أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ، أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ فخيَّر الشارع بين تلك الأمور الثلاثة: لأن لفظ "أو" للترتيب، ويلزم من ذكر هذه الثلاثة فقط: عدم إجزاء القيمة.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
وعلى جماعة اشتركوا في قتل صيد جزاءٌ واحد (^١٣).
(^١٣) مسألة: إذا اشترك مجموعة من المحرمين في قتل صيد: فعليهم جميعًا جزاء واحد، فلو اشترك ثلاثة منهم في قتل غزال مثلًا: فإنهم يشترون شاة أو عنزًا، كل واحد يدفع ثلث ثمنها، أو يشترون بثمنها طعامًا، ويُوزِّعونه على فقراء مكة: كل واحد يُعطونه مدًا من البر أو الأرز - وهو ربع صاع -، أو يصومون عن كل مد يومًا، وكل واحد يصوم نصيبه، فإذا كان الطعام تسعة أمداد مثلًا: فإن كل واحد يصوم ثلاثة أيام وهكذا، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ حيث أوجب جزاءً واحدًا، وهو مطلق فيمن تفرَّد في الصيد، أو اشترك مع غيره، فكما أن المحرم لو قتل ثلاثة من الصيد: فإن عليه ثلاثة من الجزاءات، فكذلك إذا قتل ثلاثة من المحرمين صيدًا واحدًا: فإن عليهم جزاء واحدا، فالعبرة في الصيد، لا في القاتلين له. [فرع]: إذا أتلف المحرم جُزءًا من الصيد كذَنَبه، أو جناحه، ولم يمت ذلك الصَّيد وذهب: فتجب على المحرم المتلف له قيمة ما أتلفه من ذَنبٍ، أو جناح ونحوهما، ثم يُشترى بتلك القيمة طعامًا، ويوزعه على فقراء مكة - على ما سبق - فمثلًا: لو أتلف المحرم ذَنَب ضبٍّ ولم يمت ذلك الضب، ثم قوِّم الضب بأنه يُساوي مائة درهم، وذنبه يُساوي منه ثلاثين درهمًا، فإنه يُشترى بتلك الثلاثين طعامًا من بر أو أرز، فيُعطى كل فقير من فقراء مكة مُدًّا واحدًا من الطعام، أو يصوم عن كل مد يومًا، وهذا مطلق، أي: سواء كان هذا الصيد له مثل أو لا؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للصيد من أن يُعتدى عليه، فيُؤخذ بعضه، وفيه دفع مشقة عن الصائد في أنه يُخرج كل الجزاء مع أنه لم يُتلف إلا بعض الصيد.
هذه آخر مسائل باب "جزاء الصيد" ويليه باب "حكم صيد الحرم المكي والمدني، وحكم النبات فيهما"
[ ٢ / ٥٤٤ ]