أي: حرم مكة (يحرم صيده على المحرم والحلال)، إجماعًا؛ لحديث ابن عباس ﵃: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة" (وحكم صيده كصيد المحرم) فيه الجزاء، حتى على الصغير، والكافر، لكن بحريُّه لا جزاء فيه، ولا يملك ابتداء بغير إرث (^١)،
باب حكم صيد الحرم المكي والمدني، وحكم النبات فيهما
وفيه تسع عشرة مسألة:
(^١) مسألة: صيد حرم مكة حرام على المحرم - كما سبق - وحرام على المحلِّ - وهو الذي لم يُحرم بنسك - فإذا قتله المحرم أو المحل في الحرم: فعليه جزاؤه - كما سبق تفصيله -، وهذا الحكم شامل للكبير، والصغير، والمسلم والكافر، ولا جزاء في صيد البحر، ولا يملك المحلُّ أيَّ صيد ببيع أو هبة إلا بسبب الإرث - كما سبق بيانه في مسألة (٢١) من باب: "محظورات الإحرام" -؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ في خطبة حجة الوداع: "إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة" ثم قال: "لا يُختلى خلاها، ولا يُنفَّر صيدها" حيث إنه حرم صيد مكة؛ لأن النهي مُطلق، وهو يقتضي التحريم، وهذا عام؛ لأن "صيدها" جمع منكر أضيف إلى معرفة وهذا من صيغ العموم، فيشمل لكل من صاد صيدها: سواء كان محرمًا، أو محلًا، للمحل والمحرم، والصغير والكبير، والمسلم والكافر: وسواء وقع الصيد بالفعل أو بالإشارة أو نحو ذلك، الثانية: القياس، بيانه: كما أن المحرم مُنع من الصيد، ويجب عليه جزاؤه، فكذلك المحل الذي يوجد في =
[ ٢ / ٥٤٥ ]
ولا يلزم المحرم جزاءان (^٢) (ويحرم قطع شجرة) أي: شجر الحرم (وحشيشه الأخضرين) اللَّذين لم يزرعهما آدمي؛ لحديث: "ولا يُعضد شجرها، ولا يُحشُّ حشيشها" وفي رواية: "ولا يُختلى شوكها"، ويجوز قطع اليابس والثمرة وما
الحرم مثله، والجامع: أن كلًا منهما مُنع لحق الله تعالى؛ حيث إنه في حماه، فإن قلتَ: لم حُرِّم ذلك؟ قلتُ: لأن هذا الصيد معصوم الدم؛ لكونه قد التجأ إلى حمى الله تعالى حول بيته، كالخائف الذي لجأ إلى بيت الله فاحتمى به. [فرع]: إذا جلب المحل صيدًا من خارج الحرم: فيباح أن يذبحه في مكة ويأكله؛ لإقرار الصحابي؛ حيث إن عبد الله بن الزبير وبعض الصحابة قد أقرُّوا بذلك ولم يُنكروه، وفيه مصلحة. [فرع آخر]: إذا كان شخص خارج الحرم فرمى صيدًا كان داخل الحرم: فقتله، أو كان الصيد على غصن داخل الحرم، فقتله شخص في الحل، أو أمسك طائرًا في الحل فهلك فراخه الذين في الحرم وعلم بذلك: فعليه جزاء الصيد؛ للقياس؛ بيانه: كما أن المحرم عليه جزاء الصيد الذي قتله فكذلك المحل الذي هو خارج الحرم مثله هنا، والجامع: أن كلًا منهما قد قتل صيدًا معصوم الدم، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لصيد الحرم من التحايل لصيده. [فرع ثالث]: إذا كان شخص في الحرم وهو محلُّ فقتل صيدًا في الحل بأي آلة: فلا جزاء عليه؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: حلُّ الصيد، واستُثنيَ صيد الحرم فحرم بالنص كما سبق فبقي ما عداه على أصله، وهو حلُّه، فيُستصحب ذلك ويُعمل به، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وهي التوسعة على المسلمين.
(^٢) مسألة: إذا قتل المحرم صيدًا في الحرم: فعليه جزاء واحد، ولا يجب عليه جزاءان: جزاء لأجل إحرامه، وجزاء لكونه قتله داخل الحرم، للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وهو مطلق في المكان والحال: ويكفي في امتثاله جزاء واحد؛ فإن قلتَ: لمَ لا يجب إلا جزاء واحد؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تخفيف على العباد.
[ ٢ / ٥٤٦ ]
زرعه الآدمي، والكمأة، والفقع (^٣)، وكذا: الإذخر كما أشار إليه بقوله: (إلا الإذخر) قال في القاموس: حشيش طيِّب الرائحة؛ لقوله ﷺ: "إلا الإذخر" (^٤)
(^٣) مسألة: يحرم قطع وإزالة شجر الحرم البري وحشيشه، إذا كان أخضرًا، ولم يزرعه آدمي، أما إن كان يابسًا، أو ثمرًا، أو قام آدمي بزراعته، أو كان تحت الأرض مثل الفقع، والكمأة: فتجوز إزالته ولا شيء في ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا يُختلى خلاها، ولا يُعضد شوكها" وفي رواية "ولا يُحش حشيشها" فحرم ذلك؛ لأن النهي مُطلق، فيقتضي التحريم، وقوله: "ولا يُحشُّ حشيشها" زيادة ثقة مقبولة، ويلزم من ذلك: أن اليابس، والفقع والكمأة، والثمرة وما زرعه الآدمي: يُباح قطعه والانتفاع به؛ لكونه لا يُسمَّى حشيشًا، فإن قلتَ: لم شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الشارع قد جعل كلَّ شيء مُحرّمًا فيها، وينعم بحمى الله تعالى، وهو مؤكِّد بحرمة مكة، فإن قلتَ: لمَ جاز قطع ما يُنتفع به، أو ما هو من زراعة الآدمي؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سد حاجة المسلم، وفيه حماية لحق الآدمي الذي تعب في زراعة ذلك. [فرع]: يُباح للشخص أن يترك بهائمه ترعى من أشجار وحشيش مكة بنفسها؛ للسنة التقريرية، حيث إنه ﷺ لم يُنكر ذلك لما رأى بهائم من إبل الصدقة، والهدي والأضاحي ترعى من هذه الأشجار والحشيش، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على الناس.
(^٤) مسألة: يُباح للمحرم وغيره قطع وإزالة نبات الإذخر - وهو: حشيش له رائحة طيِّبة له أطراف دقيقة -؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ لما نهى عن قطع شجرها وحشيشها استثنى ذلك قائلًا: "إلا الإذخر" فيدل على إثبات إباحة قطعه؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الإذخر يحتاجه الناس في اشتعال النار بالحطب، وفي جعله في أسقف بيوتهم، وبين اللَّبنات في القبر ونحو ذلك.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
ويباح انتفاع بما زال، أو انكسر بغير فعل آدمي ولو لم يَبُنْ (^٥)، وتضمن شجرة صغيرة عرفًا بـ "شاة" وما فوقها بـ "بقرة" روي عن ابن عباس، ويُفعل فيها كجزاء صيد (^٦)،
(^٥) مسألة: يُباح للمحرم وغيره أن ينتفع بأي غصن سقط على الأرض، أو انكسر، ولو لم ينفصل عن الشجرة بشرط: أن لا يكون ذلك من فعله؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ولا يُعضد شجرها، ولا يُحشُّ حشيشها" فحرم الشارع هنا قطع الشجرة أو أي غصن منها، ودل بمفهوم الصفة على أنه ينتفع بما سقط على الأرض أو انكسر بدون فعله؛ لكونه لا يُسمَّى قطعًا، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جلب مصلحة لهم، بدون ضرر على أحد.
(^٦) مسألة: إذا قطع شجرة صغيرة: فعليه شاة، وإذا قطع كبيرة فعليه بقرة، فيجب عليه أن يذبحهما، أو يشتري بقيمة الشاة، أو البقرة طعامًا، فيُعطي كل مسكين أو فقير من فقراء مكة مُدًّا من بُرٍّ أو أرز، ويُعطيه نصف صاع من غيرهما، أو يصوم عن كل مُدٍّ يومًا؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه إذا قتل صيدًا فعليه جزاؤه، كل بحسبه، فكذلك إذا قطع شجرة فعليه جزاؤها كل بحسبه، والجامع أن كلًا منهما قد حرم الاعتداء عليه، وهو في حمى الله، الثانية: قول الصحابي وفعله، حيث إن عمر ﵁ أمر بقطع شجرة كانت في المسجد تضرُّ بالطائفين وفدى، وأن ابن عباس وابن الزبير ﵃ قالا: في الدوحة: بقرة، وفي الجزلة: شاة و"الدَّوحة": الشجرة العظيمة، و"الجزلة" الشجرة الصغيرة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لانتهاك حرمة الله المكانية، فائدة: الذي يحكم بأن الشجرة صغيرة أو كبيرة، أو متوسطة هما المسلمان المكلَّفان العدلان الخبيران المتوسطان في أحكامهما.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
ويُضمن حشيش وورق بقيمته (^٧)، وغصن بما نقص (^٨)، فإن استخلف شيء منها: سقط ضمانه كردِّ شجرة فتنبت، لكن يضمن نقصها (^٩)، وكُره إخراج تراب الحرم وحجارته إلى الحلِّ (^١٠)، لا ماء
(^٧) مسألة: إذا أزال حشيشًا وقطعه مما في حدود الحرم: فإنه يضمنه بقيمته: بأن يُقوِّم عدلان خبيران هذا الحشيش بما يُعادله من الأثمان، فيشتري بذلك الثمن طعامًا: ويفعل به - كما فصَّلناه في مسألة (٦) -؛ للمصلحة؛ حيث إنه يشقُّ فعل غير ذلك فيه.
(^٨) مسألة: إذا قطع غصنًا من شجرة: فتُقيَّم تلك الشجرة كلها، ثم يُنزع ما يُقابل ثمن ذلك الغصن، ويشتري به طعامًا - ويفعل به كما قلنا في مسألة (٦) -؛ للقياس، بيانه: كما أن من قطع جُزءًا من صيد كذنبه مثلًا: فإنه تجب عليه قيمة ذلك الذنب فقط - كما سبق في الفرع التابع لمسألة (١٣) من باب "جزاء الصيد" فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما قد قطع جُزءًا من محظور فيجب ضمانه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأنه نقص بقلعه فوجب ضمانه.
(^٩) مسألة: إذا قطع شجرة، أو قلع حشيشًا، ثم ردَّه، أو ردَّ مثله فنبت كالأول بدون نقصان: فإنه يسقط ضمانه، أما إن وجد نقصان عما كان في الأول: فإنه يضمن ما نقص بقدره قيمة - كما فصَّلنا في مسألة (٦) -؛ للقياس، بيانه: كما أن زيدًا لو قطع شعر عمرو، ثم نبت ذلك الشعر: فلا ضمان على زيد، وإن نبت ناقصًا: فإن زيدًا يضمن ذلك النقص، فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا منهما يُعتبر جناية على حق الغير، فيقتضي الضمان، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه محافظة على حقوق الآخرين من انتهاكها.
(^١٠) مسألة: يُكره إخراج تراب أو حجارة كانت داخل حدود الحرم، وجعله في الحل؛ لقول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس وابن عمر قد كرها ذلك، فإن قلتَ: =
[ ٢ / ٥٤٩ ]
زمزم (^١١)، ويحرم إخراج تراب المساجد، وطيبها للتبرُّك وغيره (^١٢) (ويحرم صيد) حرم (المدينة)؛ لحديث علي ﵁: "المدينة حرام ما بين عير إلى ثور، لا يُختلى خلاها، ولا يُنفَّر صيدها، ولا يصلح أن تقطع منها شجرة إلا أن يُعلِّف رجل بعيره" رواه أبو داود (^١٣) (ولا جزاء) فيما حرم من صيدها وشجرها وحشيشها قال
لمَ كُرِه ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه إذا أُخرج ذلك قد يُهان، وقد يُعظَّم تعظيمًا مخالفًا للعقيدة كما يفعل بعض "الجهلة" فمنعًا للإهانة، أو التعظيم المحتملين: كُرِه ذلك.
(^١١) مسألة: يُباح إخراج ماء زمزم عن الحرم؛ للسنة الفعلية؛ حيث إن عائشة كانت تحمله من مكة إلى المدينة، وتُخبر أنه ﷺ قد فعله، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ماء زمزم لما شرب له، فيُستعمل سواء كان ذلك داخل الحرم أو لا.
(^١٢) مسألة: يحرم إخراج بعض تراب المساجد وطينها إلى خارجها بقصد التبرُّك به: سواء كانت المساجد الثلاثة - المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى - أو غيرها؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك بدعة لم تكن على عهد النبي ﷺ ولا أصحابه، وكل بدعة ضلالة، فسدًا للذرائع؛ حرم ذلك.
(^١٣) مسألة: يحرم صيد ما دخل في حدود حرم المدينة المنورة، وقطع شجرها، وإزالة حشيشها لغير حاجة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "اللهم إن إبراهيم حرَّم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمتُ المدينة ما بين مآزميها: أن لا يراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يُخبط فيها شجرة إلا لعلف" وقال: "إني حرمتُ المدينة ما بين لابتيها لا يُقطع غضاها، ولا يُصاد صيدها" والجمع بين الحديثين يُفيد ما قلناه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: إكرامًا لها، فإن قلتَ: لمَ سُمِّيت بالمدينة، ويثرب، وطيبة؟ قلتُ: سُمِّيت بالمدينة لاشتقاق ذلك من الدِّين؛ =
[ ٢ / ٥٥٠ ]
أحمد - في رواية بكر بن محمد -: "لم يبلغنا أن النبي ﷺ ولا أحدًا من أصحابه حكموا فيه بجزاء (^١٤) (ويُباح الحشيش) من حرم المدينة (للعلف)؛ لما تقدَّم (^١٥) (و) يُباح اتخاذ (آلة الحرث ونحوه) كالمساند، وآلة الرَّحل من شجر حرم المدينة؛ لما روى أحمد عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ لما حرم المدينة قالوا: يا رسول الله: إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضًا غير أرضنا فرخِّص لنا فقال: "القائمتان، والوسادة، والعارضة والمسند، فأما غير ذلك فلا يُعضد، ولا يُخبط منها شيء" و"المسند": عود البكرة (^١٦)، ومن أدخلها صيدًا:
لكونه قد غلب عليها، وسميت بيثرب نسبة إلى الأرض التي هي فيه؛ حيث إنه يُسمَّى بهذا، وسميت بطيبة أو طابة، لأنها طهرت من الشرك والخبث.
(^١٤) مسألة: إذا قتل شخص صيدًا أو قطع شجرة، أو أزال حشيشًا وهو داخل حدود حرم المدينة المنورة: فإنه يأثم، ولا جزاء ولا ضمان عليه؛ للاستقراء؛ حيث إنه قد ثبت بعد الاستقراء والتتبُّع لما ورد عنه ﷺ وأصحابه أنهم كانوا لا يحكمون على من فعل ذلك بشيء، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا في المدينة، خلافًا لمكة؟ قلتُ: لأن حرمتها أدنى من حرمة مكة؛ حيث إن مكة فيها بيت الله، ويحمي الله تعالى من حام حول بيته: إذ لا يجوز دخولها بغير إحرام لمن أراد النسك، وتؤدَّى فيها المناسك، وتذبح فيها الهدي، بخلاف المدينة كما هو معلوم.
(^١٥) مسألة: يُباح لأي شخص أن يأخذ من الحشيش أو الشجر النابت في حرم المدينة، ويُعلِّفه لبهائمه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا يصلح أن تقطع منها شجرة إلا أن يُعلِّف رجل بعيره" فأثبت إباحة أخذ حشيش المدينة للتعليف؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، والمصلحة في ذلك لا تخفى على أحد.
(^١٦) مسألة: يُباح لأن شخص أن يأخذ من أشجار حرم المدينة ما يُنتفع به في صنع محراث، أو آلة رحل، أو الآلات التي يُسحب بها الماء من البئر كالمسند، =
[ ٢ / ٥٥١ ]
فله إمساكه وذبحه (^١٧)، وحرمها: بريد في بريد وهو: (ما بين عير) جبل مشهور بها (إلى ثور) جبل صغير لونه إلى الحمرة فيه تدوير ليس بالمستطيل خلف "أُحده" من جهة الشمال، وما بين "عير" إلى "ثور" هو ما بين لابتيها، واللَّابة: الحَرَّة، وهي: أرض تركبها حجارة سود (^١٨) وتُستحب المجاورة بمكة وهي أفضل من المدينة، قال
والعارضة، والوسادة، والقائمتين؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد رخَّص لأهل المدينة أن يأخذوا من أشجارها ما سبق ذكره، ويُقاس على ذلك كل ما يُنتفع به غير ما ذكر؛ لأن القياس على المحصور بالعدد يجوز ويعم ذلك أهل المدينة وغيرهم؛ لأن الأصل عموم الأحكام، ولا تخفى مصلحة الناس في ذلك.
(^١٧) مسألة: إذا دخل صيد داخل المدينة، أو دخل بيتًا لشخص: فيجوز إمساكه وذبحه وأكله، ولا يجب إرساله، ولا شيء في ذلك؛ للسنة التقريرية؛ حيث إنه ﷺ كان يقول لصبي يلعب بعصفور صغير: "يا أبا عمير ما فعل النُّغير؟ " -كما رواه أنس - وكان لا يُنكر ذلك، ولم يُبيِّن ﷺ تحريم ذلك، فدل على إباحته: لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ويدل مفهوم الموافقة الأولى: على جواز ذبحه وأكله، وهذا تيسير من الله على العباد.
(^١٨) مسألة: حدود حرم المدينة المنورة: بريد طولًا في بريد عرضًا، وكل بريد أربعة فراسخ، وهو ما بين جبل "عير" وهو جبل جنوب الميقات إلى جبل "ثور" وهو جبل خلف جبل "أحد" المشهور من جهة الشمال، وما بين لابتيها هو حدٌّ لحرمها من جهتي المشرق والمغرب؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "حرم المدينة ما بين ثور وعير"، وقال: "ما بين لابتيها حرام" والمراد باللَّابة: الحرة، وهي: الأرض التي يُوجد على سطحها حجارة سود. [فرع]: لا يوجد إلا حَرَمان: حرم مكة، وحرم المدينة، فلا صحة لما يُقال: "حرم القدس" أو حرم المسجد الإبراهيمي، أو حرم وادي وج بالطائف؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل الحل =
[ ٢ / ٥٥٢ ]
في "الفنون": الكعبة أفضل من مجرد الحجرة فأما والنبي ﷺ فيها: فلا والله، ولا العرش وحملته، ولا الجنة؟ لأن بالحجرة جسدًا لو وُزِن به لرجح" أ. هـ. وتُضاعف الحسنة والسيئة بمكان وزمان فاضل (^١٩).
في جميع الأراضي، واستثنى الشارع حرم مكة، والمدينة؛ لورود النص فيهما - وغيرهما يبقى على الأصل وهو: الحل، فنستصحبه ونعمل به، فإن قلتَ: إن وادي وجِّ حرم يحرم صيده وقطع شجره وهو قول الشافعي؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "صيد وج وعضاها محرم" قلتُ: إن هذا الحديث قد ضعَّفه كثير من أئمة الحديث ومنهم أحمد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في هذا الحديث الذي احتج به الشافعي" فعندنا: ضعيف، وعند الشافعي: قوي.
(^١٩) مسألة: يُستحب أن يسكن المسلم بمكة مجاورًا لبيت الله تعالى؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنكِ لأحب البقاع إلى الله" - يقصد مكة - فيلزم من هذا: أن مكة أفضل من المدينة وغيرها، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة في غيره، وتُضاعف فيها الحسنات، وكذا السيئات، وقد أُلِّف في فضل مكة على المدينة مؤلَّفات عديدة، تنبيه: قوله: "قال في الفنون" إلى قوله: "لرجح" حكاه المصنف عن ابن عقيل، وهذا يُستبعد أن يقوله عالم من علماء الأمة كابن عقيل؛ لعدم قبول الشرع والعقل له، ولذلك ينبغي أن لا يُنقل.
هذه آخر مسائل باب "حكم صيد الحرم المكي والمدني وحكم النبات فيهما" ويليه باب "طريقة وصفة دخول مكة والطواف والسعي"
[ ٢ / ٥٥٣ ]