(يُسنُّ) دخول مكة (من أعلاها) والخروج من أسفلها (^١) (و) يُسنُّ دخول (المسجد) الحرام (من باب بني شيبة)؛ لما روى مسلم وغيره عن جابر: "أن النبي ﷺ دخل مكة ارتفاع الضحى، وأناخ راحلته عند باب بني شيبة ثم دخل" (^٢)، ويُسنُّ: أن يقول عند دخوله: "بسم الله وبالله ومن الله، وإلى الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك" وإذا خرج قال: "افتح لي أبواب فضلك" ذكره في "أسباب الهداية" (^٣)
باب طريقة وصفة دخول مكة والطواف والسعي
وفيه أربع وأربعون مسألة:
(^١) مسألة: يُستحب أن تُدخل مكة من أعلاها - أي من جهة الحجون ومن ثنية كداء وهو طريق بين جبلين - ويُستحب الخروج من أسفلها - أي: من كُدي عند ذي طوى، وهو المعروف بباب الشبيكة -؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الدخول من تلك الجهة يواجه باب الكعبة، وتكون أقرب شيء إليه، والبيوت تُؤتى من أبوابها، وخروجه من تلك الجهة أنسب وأسهل.
(^٢) مسألة: يُستحب أن يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة - وهو يُوجد بالمسعى تجاه مقبرة المعلاة قرب باب السلام -؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أقرب الأبواب إلى الكعبة، ويواجه بذلك باب الكعبة والحجر الأسود، وهذا أشرف جهات الكعبة.
(^٣) مسألة: يُستحب أن يقول الداخل للمسجد الحرام: "بسم الله، وبالله، ومن الله، وإلى الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك" ويُستحب أن يقول الخارج منه - بعد =
[ ٢ / ٥٥٤ ]
(وإذا رأى البيت: رفع يديه)؛ "لفعله ﷺ" رواه الشافعي عن ابن جُريج (وقال: ما ورد) ومنه: "اللهم أنت السلام ومنك السلام، حينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا ومهابة وبرًا وزد مَنْ عظَّمه، وشرَّفه ممن حجه واعتمره تعظيمًا وتشريفًا، وتكريمًا ومهابةً وبرًا" "الحمد لله رب العالمين كثيرًا كما هو أهله، وكما ينبغي لكريم وجهه، وعز جلاله" و"الحمد لله الذي بلّغني بيته، ورآني لذلك أهلًا، والحمد لله على كل حال، اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام وقد جئتك لذلك" "اللهم تقبَّل مني، واعف عني، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت" يرفع بذلك صوته (^٤) (ثم يطوف مضطبعًا) في كل أسبوعه استحبابًا إن
"وإلى الله" -: "اللهم افتح لي أبواب فضلك"؛ للقياس، بيانه: كما أنه يُستحب أن يقول ذلك عند دخول المساجد العادية والخروج منها فكذلك يقوله عند دخوله المسجد الحرام والخروج منه بجامع: أن كلًا منها مساجد الله تعالى، بل إن المسجد الحرام أولى بذلك؛ لأنه أعظم المساجد، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يؤدي إلى بركة ما سيفعل من صلاة في المسجد، وعمل خارجه كما قاله ابن الجوزي في كتابه: "أسباب الهداية".
(^٤) مسألة: يُستحب لمن دخل المسجد الحرام ورأى الكعبة أن يقف على مقربة منها، ويرفع كفيه إلى السماء ويقول رافعًا صوته: "اللهم أنت السلام ومنك السلام .. " إلى آخر ما ذكره المصنف؛ لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد قال ذلك رافعًا يديه، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن بعض الصحابة كانوا يفعلون ذلك، الثالثة: القياس، بيانه: كما أنه يُستحب رفع الصوت في التلبية فكذلك ما نحن فيه مثله، والجامع: أن كلًا منهما ذكر مشروع، وهو من شعار الحج والعمرة، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الدعاء ورفع اليدين ورفع الصوت به مناسب للحال؛ حيث إنه أقرب للاستجابة، لكونه قد وصل من السفر أشعث أغبر من أثر السفر.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
لم يكن حامل معذور بردائه، و"الاضطباع": أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر، وإذا فرغ من الطواف: أزال الاضطباع (^٥) (يبتدئ المعتمر بطواف العمرة)؛ لأن الطواف تحية المسجد الحرام فاستُحبَّت البدائة به، ولفعله ﷺ (و) يطوف (القارن والمفرد للقدوم) وهو: الورود (^٦) (فيُحاذي الحجر الأسود بكُلِّه) أي: بكل بدنه، فيكون مبدأ طوافه، لأنه ﷺ كان يبتدئ به (^٧)
(^٥) مسألة: يُستحب للحاج والمعتمر أن يضطبع عند طواف القدوم والعمرة بأن يجعل طرفي ردائه فوق كتفه الأيسر، ويجعل وسطه تحت كتفه الأيمن، فيكون كتفه الأيمن مكشوفًا، يفعل ذلك في الأشواط السبعة، فإذا فرغ منها: أزال ذلك وغطَّى كتفيه بردائه، يفعل هذا إن لم يكن حاملًا بردائه بعض الأشياء من متاع، أو طفل ونحو ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن الاضطباع يجعل الطائف أنشط في القيام بهذه العبادة، ويسقط عنه إن حمل شيئًا؛ لوجود المشقة.
(^٦) مسألة: يبدأ المحرم الداخل للمسجد الحرام وهو يريد نُسكًا بالطواف على الكعبة، وينويه لطواف العمرة إن كان مُتمتِّعًا، أو معتمرًا، وينويه لطواف القدوم إن كان قارنًا أو مفردًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد قام بالطواف على البيت قبل أن يفعل أيَّ شيء - كما قالت عائشة ﵂؛ الثانية: فعل الصحابي؛ حيث ثبت أن أبا بكر وعمر وابنه وعثمان ﵃ كانوا يطوفون أول ما يدخلون المسجد الحرام إذا كانوا مُريدين لنسك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الطواف تحية المسجد الحرام، ويُبدأ بالتحية قبل كل شيء، فإن قلتَ: لمَ سُميَّ بطواف القدوم؟ قلتُ: لأنه أول ما يفعله القارن والمفرد حين يقدم ويرد مكة.
(^٧) مسألة: إذا أراد أن يطوف بالبيت: فإنه يقف مُقابل الحجر الأسود بجميع بدنه، وينظر إليه، ثم يبدأ الطواف؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للاحتراز من أن يميل عنه يمينًا أو يسارًا فيقلُّ أجره.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
(ويستلمه) أي: يمسح الحجر بيده اليمنى، وفي الحديث: "أنه نزل من الجنة أشدُّ بياضًا من اللَّبن فسوَّدته خطايا بني آدم" رواه الترمذي وصحَّحه (^٨) (ويُقبِّله)؛ لما روى عمر ﵁ أن النبي ﷺ استقبل الحجر ووضع شفتيه عليه يبكي طويلًا، ثم التفت فإذا بعمر بن الخطاب يبكي فقال: "يا عمر هاهنا تسكب العبرات" رواه ابن (ماجه) (^٩) نقل الأثرم: ويسجد عليه، وفعله ابن عمر وابن عباس (^١٠) (فإن شقَّ) استلامه وتقبيله: لم يُزاحم، واستلمه بيده و(قبَّل يده)؛ لما روى مسلم عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ استلمه وقبَّل يده" (^١١) (فإن شقَّ): استلمه بشيء وقبَّله، روي
(^٨) مسألة: يُستحب عند ابتداء الطواف: أن يستلم الحجر الأسود بأن يمسح عليه بيده اليمنى؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لتحيته بالمصافحة كما يفعل في بني آدم، لذلك انقلب لونه الأبيض إلى أسود بسبب خطايا بني آدم كما ورد.
(^٩) مسألة: يُستحب عند ابتداء الطواف: أن يُقبِّل الحجر الأسود، للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لإتمام تحيته بالتقبيل، وكأنه يُقبِّل شخصًا اشتاق إليه لمحبته.
(^١٠) مسألة: يُستحب أن يميل وينهزع باتجاه الحجر عند تقبيله كهيئته عندما يُريد السجود؛ للسنة الفعلية؛ حيث إن ابن عمر قد فعل ذلك، وقال: إني رأيتُ رسول الله ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لتأكيد التذلُّل لله، ولتيسير التقبيل.
(^١١) مسألة: إذا شقَّ استلام الحجر باليد وتقبيله: فإنه يستلمه بيده فقط، ثم يُقبِّلها؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ يُفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفعُ مزاحمة الناس، وفيه دفع مفسدة عنه وعن غيره.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
عن ابن عباس (^١٢)، فإن شقَّ (اللُّمس: أشار إليه) أي: إلى الحجر بيده أو بشيء، ولا يُقبِّله، لما روى البخاري عن ابن عباس قال: "طاف النبي ﷺ على بعير، كُلَّما أتى الحجر أشار إليه بشيء في يده وكبَّر" (^١٣) (ويقول) مستقبل الحجر بوجهه - كُلَّما استلمه - (ما ورد) ومنه: "بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ"؛ لحديث عبد الله بن السائب: "أن النبي ﷺ كان يقول ذلك عند استلامه" (^١٤) (ويجعل البيت عن يساره)؛ لأنه ﷺ طاف
(^١٢) مسألة: إذا شقَّ استلام الحجر بيده: فإنه يستلمه بشيء كعصا ونحوه ثم يُقبِّل ذلك الشيء؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عباس قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ يُفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ كما سبق في مسألة (١١).
(^١٣) مسألة: إذا شقَّ استلام ولمس الحجر بيده أو بأي شيء: فإنه يُشير إليه بيده أو بأي شيء، ولا يُقبِّل آلة الإشارة؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ يفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن فيه دفع مشقة عنه وعن غيره، ولا داعي لتقبيل آلة الإشارة؛ لعدم لمسها له.
(^١٤) مسألة: يُستحب أن يقول عند الابتداء بالطواف واستقباله للحجر ما ورد، ومنه: "بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ" أما عند ابتداء كل شوط فيقتصر على قول: "بسم الله والله أكبر"؛ للسنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقول ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تأكيد للتوحيد، وسبب لبركة الدعاء ويقتصر في كل شوط أن يقول: "بسم الله، والله أكبر" لأن الطواف كالصلاة؛ حيث إنه في الصلاة يُكبِّر تكبيرة الإحرام ثم يدعو دعاء الاستفتاح في ابتدائها، ولا يفعل ذلك في الركعات الأخرى، والطواف مثلها.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
كذلك وقال: "خذوا عني مناسككم" (^١٥) (ويطوف سبعًا يرمل الأفقي) أي: المحرم من بعيد من مكة (في هذا الطواف) فقط إن طاف ماشيًا، فيُسرع المشي، ويُقارب الخطى (ثلاثًا) أي: في ثلاثة أشواط (ثم) بعد أن يرمل الثلاثة أشواط (يمشي أربعًا) من غير رمل؛ لفعله ﷺ (^١٦)، ولا يُسن رمل الحامل معذور، ونساء، ومحرم من مكة
(^١٥) مسألة: يجب أن يجعل الكعبة عن يساره أثناء الطواف؛ للسنة القولية والفعلية؛ حيث قال ﷺ: "خذوا عني مناسككم" وكان ﷺ يجعل الكعبة عن يساره أثناء طوافه، فوجب؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك مع أن اليمين تستعمل لكل شيء مكرَّم؟ قلتُ: ليكون قلبه محل الإيمان قريبًا من الكعبة؛ محبة لله وتعظيمًا له، وللاعتماد على الرجل اليسرى عند الدوران على الكعبة وهذا أنشط للعمل.
(^١٦) مسألة: يُستحب للآفاقي - وهو من جاء مُحرمًا من المواقيت الخمسة -: أن يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط - وهو: الإسراع في المشي ومقاربة الخطى - ثم يمشي في الأشواط الأربعة الباقية مشيًا عاديًا، وذلك في طواف العمرة للمتمتع، والمعتمر، وفي طواف القدوم للقارن والمفرد؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك في العمرة، والقِران، وعمرة التمتع، والإفراد مثل ذلك؛ لعدم الفارق، فإن قلتَ: لمَ استحب الرَّمل هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إبطال لما زعمه كفار قريش من أن المسلمين قد أضعفتهم حُمَّن يثرب، واستمر عليه النبي ﷺ حتى بعد فتح مكة؛ للتذكير فيما عاناه المسلمون في سبيل الدعوة إلى الله، فإن قلتَ: لمَ لا يُفعل الرَّمل في الأشواط الأربعة الباقية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الاستمرار في الرَّمل فيه مشقة، فدفعًا لذلك لم يُشرع روي عن ابن عباس، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي الدوران حول الكعبة شوطًا؟ قلتُ: لأن الشوط عند العرب هو الجري مرة إلى الغاية.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
أو قربها (^١٧)، ولا يُقضى الرَّمل إن فات في الثلاثة الأولى (^١٨)، والرَّمل أولى من الدنوِّ من البيت (^١٩)، ولا يُسنُّ رمل، ولا اضطباع في غير هذا الطواف (^٢٠)، ويُسن أن (يستلم الحجر والركن اليماني) في (كل مرة) عند محاذاتهما؛ لقول ابن عمر: "كان رسول الله ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في طوافه" قال نافع: "وكان
(^١٧) مسألة: لا يُستحب الرَّمل لمن حمل معه مريضًا أو صغيرًا أو متاعًا، ولا يُستحب أن ترمل النساء، ولا من رافقهن، ولا يُستحب أن يرمل من أحرم داخل حدود الحرم؛ للمصلحة؛ حيث إنَّ رمل من حَمَل معه شيئًا فيه مشقة، ورَمْل النساء فيه تسبُّب لظهور عورتها، ورَمْل من رافقهن بدونهن فيه مشقة عليهم وعليهن، ورَمْل من هو داخل الحرم لا يُحقق الغرض الذي من أجله شرع الرَّمل، فدفعًا لذلك كله: لم يشرع الرمل هنا.
(^١٨) مسألة: إذا لم يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى: فإنه يسقط عنه؛ للتلازم حيث إن الرَّمل شرع في الثلاثة الأولى فيلزم من فوات محلِّه: سقوطه، ولا يُقاس عليها غيرها.
(^١٩) مسألة: إذا تمكَّن من الرَّمل: فإنه يفعله وإن كان بعيدًا عن البيت، وهو أفضل من الدنو منه مع عدم الرَّمل؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان لا يترك الرَّمل، ولكن دنوُّه من البيت لم يرد فيه شيء، فيكون مُباحًا، فيقدَّم المستحب على المباح؛ تحصيلًا لأجر المستحب، وهو المقصد منه.
(^٢٠) مسألة: لا يُشرع الرَّمل ولا الاضطباع في غير طواف العمرة للمتمتع والمعتمر، وطواف القدوم للقارن والمفرد؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل عدم مشروعيتهما، ولكن شُرعا؛ للسنة الفعلية في هذا الطواف، ويبقى غيره من أنواع الطواف على الأصل: وهو عدم الرمل والاضطباع فيها، فنستصحبه ونعمل به.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
ابن عمر يفعله" رواه أبو داود، فإن شقَّ استلامهما: أشار إليهما، لا الشامي - وهو أول ركن يمرُّ به - ولا الغربي - وهو ما يليه - (^٢١) ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"، وفي بقية طوافه: "اللهم اجعله حجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا، رب اغفر وارحم، واهدني السبيل الأقوم، وتجاوز عما تعلم وأنت الأعز الأكرم" وتسنُّ القراءة فيه (^٢٢) (ومن ترك شيئًا من الطواف) ولو يسيرًا من شوط من السبعة: لم
(^٢١) مسألة: يُستحب أن يستلم الحجر، والركن اليماني - وهو: الركن الواقع في جهة اليمن الذي هو قبل الركن الذي فيه الحجر - إذا ساواهما وذلك في يده إن قدر، فإن شقَّ ذلك: فإنه يُشير إلى الحجر الأسود فقط، أما الركن اليماني فلا يُشير إليه، وذلك في كل شوط، ولا يستلم الركن الشامي - وهو: أول ركن يمرُّ به بعد ركن الحجر، وهو المتجه إلى الشام - ولا يستلم الركن الغربي، وهو المتجه إلى الغرب، ولا يُشير إليهما؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ كان يفعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ لا يفعل ذلك في الركن الشامي والغربي؟ قلتُ: للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: عدم الاستلام والإشارة، ولكن شرع ذلك في الحجر والاستلام في اليماني؛ لثبوت ذلك بالسنة الفعلية، فيبقى الباقي على الأصل وهو عدم الاستلام والإشارة، فإن قلتَ: لمَ لا يُشير إلى الركن اليماني؟ قلتُ: للاستصحاب؛ حيث لم يرد ذلك في الشريعة، فيبقى على نفيه.
(^٢٢) مسألة: يُستحب أن يدعو أثناء طوافه بما شاء، ويقرأ القرآن، ومن ذلك قوله: "اللهم اجعله حجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا، رب اغفر وارحم، واهدني السبيل الأقوم، وتجاوز عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم"، ويقول بين الركن اليماني والحجر: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"؛ لقاعدتين؛ الأولى: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ يقول ذلك، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الدعاء والقراءة أفضل الذكر، فناسب قوله هنا.
[ ٢ / ٥٦١ ]
يصح؛ لأنه ﷺ طاف كاملًا وقال: "خذوا عني مناسككم" (^٢٣) (أو لم ينوه) أي: ينوي الطواف: لم يصح؛ لأنه عبادة أشبه الصلاة، ولحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (أو) لم ينو (نسكه): بأن أحرم مُطلقًا، وطاف قبل أن يصرف إحرامه لنسك مُعيَّن: لم يصح طوافه (^٢٤) (أو طاف على الشاذَرْوَان) بفتح الذال - وهو: ما فضل من
(^٢٣) مسألة: إذا ترك شيئًا من شوط يعرفه ولو يسيرًا: فلا يصح ذلك الشوط، ويُعيده، ويُكمل طوافه؛ للسنة الفعلية والقولية؛ حيث إنه ﷺ قد طاف بالبيت طوافًا كاملًا، وقال: "خذوا عني مناسككم"، وهذا الذي ترك جُزءًا من شوط لا يُسمَّى طائفًا بكل البيت، فيلزم عدم صحته؛ لعدم إتيانه به على المشروع. [فرع]: إذا شكَّ بعد فراغه من الطواف هل طاف سبعًا أو ستًا؟ أو شكَّ هل ترك جُزءًا من شوط أو لا: فطوافه صحيح، أما إذا شكَّ في ذلك قبل فراغه من الطواف: فإنه يزيد شوطًا آخر؛ للمصلحة؛ حيث إن فعل شوط بعد الفراغ من الطواف فيه مشقة، أما فعله قبل ذلك: فلا مشقة فيه عادة فخولف في الحكم لأجل ذلك. [فرع آخر]: إذا قطع طوافه لعذر: كأن يقطعه؛ لكونه قد أحدث فيه وذهب ليتوضأ أو فصل بين شوطين فصلًا غير طويل، أو حضرت جنازة وصلى عليها، أو أقيمت صلاة مفروضة: فإنه يبني على ما سبق، ويُكمل طوافه؛ للمصلحة؛ حيث إن استئناف الطواف من جديد للمعذور بذلك فيه مشقة، فدفعًا لذلك شرع هذا.
(^٢٤) مسألة: يُشترط أن ينوي المحرم أنه سيطوف لعمرة التمتع، أو للعمرة، أو للقِران، أو للإفراد، فلو لم ينو، أو نوى في أثنائه، أو نوى طوافًا لكنه لم يُعيِّن نسكه: فلا يصح طوافه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" والطواف عمل شرعي فلا يصح إلا بنية أنه طاعة، ويُنوى نوع تلك الطاعة؛ لعموم لفظ "الأعمال" كما سبق فإن قلتَ: لمَ اشتُرط =
[ ٢ / ٥٦٢ ]
جدار الكعبة -: لم يصح طوافه؛ لأنه من البيت فإذا لم يطف به: لم يطف بالبيت جميعه (^٢٥) (أو) طاف على (جدار الحِجْر) بكسر الحاء المهملة: لم يصح طوافه؛ لأنه ﷺ طاف من وراء الحجر والشاذَرْوَانَ وقال: "خذوا عني مناسككم" (^٢٦) (أو) طاف
ذلك؟ قلتُ: لما ذكرناه في سبب اشتراط النية لجميع العبادات، فإن قلتَ: لا تُشترط النية هنا وهو قول بعض الحنفية وبعض الشافعية؛ للقياس، بيانه: كما أن نية الصلاة من أولها تكفي عن جميع أفعالها؛ فكذلك نية النسك عند الإحرام من الميقات تكفي عن جميع أفعاله قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن أعمال الصلاة مُتقاربة، لذلك اشتُرط الموالاة فيها، بخلاف الحج فإن أعماله متباعدة، فقد يكون بين إحرامه من الميقات ووصوله للكعبة الساعات الطويلة بل الأيام أحيانًا، لذلك لا بد من تجديد النية لكل عمل من أعمال الحج، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في أعمال الحج هل هي مثل أعمال الصلاة من حيث النية أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم نعم.
(^٢٥) مسألة: إذا طاف فوق الشاذَرْوَان - وهي شيء مُرتفع عن الأرض ملتصق بجدار الكعبة فاضل عنه؛ ليحميه من السقوط -: فلا يصح طوافه؛ للتلازم؛ حيث إن الواجب: الطواف بجميع البيت، والشاذروان داخل فيه، فيلزم من الطواف فوقه: عدم الطواف بجميع البيت، بل ببعضه، وهذا يلزم منه: عدم صحة طوافه.
(^٢٦) مسألة: إذا طاف دون الحِجْر - وهو: البناء المقوَّس بين الركن الشمالي الشامي، وبين الركن الغربي - أو طاف على جداره: فلا يصح طوافه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ عن الحِجْر فقال: "إنه من البيت" و"منْ" للتبعيض، والمراد أن الحِجْر داخل =
[ ٢ / ٥٦٣ ]
وهو (عريان أو نجس) أو مُحدِث: (لم يصح) طوافه؛ لقوله ﷺ: "الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه" رواه الترمذي، والأثرم عن ابن عباس ﵃ (^٢٧)، ويُسنُّ
في البيت، وإذا كان الأمر كذلك: فلا يصح الطواف دونه أو فوق جداره؛ لكونه لا يُسمَّى طائفًا بجميع البيت، الثانية: السنة الفعلية والقولية؛ حيث إنه ﷺ قد طاف من وراء الحِجْر، وقال: "خذوا عني مناسككم" وهذا يلزم منه: أنه من البيت؛ لذا طاف من وراءه؛ ليُحقِّق الطواف بجميع البيت، فإن قلتَ: إذا كان الحِجْر من البيت، فلِمَ لم يبن مع الكعبة؟ قلتُ: لأن قُريشًا لما أرادت أن تبني البيت على قواعد إبراهيم من كسب حلال: لم يكن عندهم منه ما يتحمَّل نفقة بناء البيت كله، فأجمعوا على ترك بعضه، ولم يتركوا الجهة التي فيها الحجر الأسود؛ لفضله وكرامته، ولم يتركوا جهة الركن اليماني؛ لفضله عندهم، فكان الأولى بالترك الجهة الشمالية الغربية بهذه المساحة التي تسمَّى بـ "الحجر" فإن قلتَ: لمَ سُمِّي بالحِجْر؟ قلتُ: نظرًا لتحجيره بالجدار فصار كالحجرة، وقد فعل ذلك به ليُطاف من ورائه، وقد سمَّاه بعضهم بالحطيم، وهذا غير صحيح؛ لأن الحطيم: ما بين الحجر الأسود والمقام كما ورد.
(^٢٧) مسألة: إذا طاف وهو عريان - أي مُتكشِّف العورة وهي من السِّرَّة إلى الركبة للرجل، والمرأة كلها عورة -، أو كان مُحدِثًا - حدثًا أكبر أو أصغر -: فلا يصح طوافه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلَّمون فيه" فيلزم من تشبيه الطواف بالصلاة: عدم صحة طواف مُنكشف العورة، والمحدِث؛ لأن ستر العورة والطهارة شرطان من شروط الصلاة، فيكونان شرطين للطواف، فيلزم من عدمهما: بطلان الطواف والصلاة؛ فإن قلتَ: لمَ لا يصح طواف مُنكشف العورة، والمحدث؟ قلتُ: لما ذكرناه في سبب اشتراط ستر العورة والطهارة للصلاة وقد سبق في باب "شروط الصلاة".
[ ٢ / ٥٦٤ ]
فعل باقي المناسك كلها على طهارة (^٢٨)، وإن طاف المحرم لابس مخيط: صحَّ وفدى (^٢٩) (ثم) إذا تمَّ طوافه (يُصلِّي ركعتين) نفلًا، يقرأ فيهما بالكافرون والإخلاص بعد الفاتحة، وتُجزئ مكتوبة عنهما، وحيث ركعهما: جاز، والأفضل كونهما (خلف المقام)؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (^٣٠) فصل:
(^٢٨) مسألة: يُستحب أن يعمل الحاج والمعتمر باقي المناسك - غير الطواف - وهو على طهارة؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك أكمل في الدِّين، وأطهر للمسلمين.
(^٢٩) مسألة: إذا طاف الرَّجل المحرم وهو لابس للمخيط: فيصح طوافه، ولكن تجب عليه فدية أذى - وهو: إما ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مُدُّ من البر أو الأرز، أو نصف صاع من غيرهما -؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كمال شروط الطواف؛ صحته، ويلزم من فعل المحظور - وهو لبس المخيط -: إخراج فديته، وقد سبق.
(^٣٠) مسألة: إذا فرغ من طوافه: فإنه يُستحب أن يصلي ركعتين نفلًا يقرأ في الأولى بالفاتحة ثم بسورة "الكافرون" ويقرأ في الثانية الفاتحة ثم بسورة الإخلاص، ويُصلِّي هاتين الركعتين في أي مكان اختاره ولو خارج المسجد الحرام، ولكن الأفضل: أن يُصلِّيهما خلف مقام إبراهيم مباشرة إن أمكن؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلَّاهما خلف مقام إبراهيم، وقرأ بهاتين السورتين، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن عمر قد صلَّاهما خارج المسجد الحرام، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لاستكمال شكر الله وتعظيمه، فإن قلتَ: لمَ يقرأ بهاتين السورتين؟ قلتُ: لتجديد التوحيد، فإن قلتَ: لمَ لم يُعيِّن لهما مكانًا معينًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي بمقام إبراهيم؟ قلتُ: لأن إبراهيم قد قام عليه حين ارتفع بناء الكعبة؛ ليُكمله؛ وكان هذا المقام قريبًا جدًا من الكعبة فأبعده عمر ﵁؛ لما رأى أن الناس قد تضايقوا منه عند طوافهم.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
(ثم) بعد الصلاة يعود و(يستلم الحَجَر)؛ لفعله ﷺ (^٣١) ويُسنُّ الإكثار من الطواف كل وقت (^٣٢) (ويخرج إلى الصفا من بابه) أي: باب الصفا؛ ليسعى (فيرقاه) أي: الصفا (حتى يرى البيت) فيستقبله (ويُكبِّر ثلاثًا ويقول ما ورد) ثلاثًا، ومنه: "الحمد لله على ما هدانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يُحيي ويُميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" ويدعو بما أحب ولا يُلبِّي (^٣٣) (ثم ينزل) من الصفا (ماشيًا إلى) أن يبقى بينه وبين (العلم الأول) وهو: الميل الأخضر في ركن المسجد نحو ستة أذرع (ثم يسعى) ماشيًا سعيًا
(^٣١) مسألة: إذا فرغ من ركعتي الطواف: يُستحب له أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه بيده، ولا يُقبِّله؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك؛ فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مبالغة في تعظيم بيت الله، وهذا فيه أعظم الأجر، وفيه توديعه إلى لقاء قريب.
(^٣٢) مسألة: يُستحب الإكثار من الطواف على الكعبة في كل وقت؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك من أعظم مُحصِّلات الحسنات؛ حيث إن النظر إلى الكعبة عبادة كما قال كثير من السلف.
(^٣٣) مسألة: إذا فرغ من ركعتي الطواف: فإنه يتوجَّه إلى الصفا؛ ليسعى، فيرقى الصفا، ثم يقف مُوجِّهًا وجهه إلى الكعبة، ويرفع يديه، ويقول: "الله أكبر .. " إلى آخر ما ذكره المصنف هنا، لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية، حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر قد فعل ذلك وأطال الدعاء وهو واقف هنا، فإن قلتَ: لمَ شُرع ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تجديد التوحيد، وسبب لاستجابة الدعاء، تنبيه: قوله: "ولا يُلبِّي" سيأتي بيانه في مسألة (٤٤).
[ ٢ / ٥٦٦ ]
(شديدًا إلى) العلم (الآخر) وهو: الميل الأخضر بفناء المسجد حذاء دار العباس (ثم يمشي ويرقى المروة، ويقول ما قاله في الصفا ثم ينزل) من المروة (فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا يفعل ذلك) أي: ما ذكر من المشي والسعي (سبعًا: ذهابه سعية، ورجوعه سعية) يفتتح بالصفا، ويختم بالمروة (^٣٤)،
(^٣٤) مسألة: طريقة السعي بين الصفا والمروة: أنه إذا فرغ من التكبير والدعاء الذي يقوله إذا اعتلى الصفا: فإنه ينزل من الصفا ماشيًا أو راكبًا، فإذا وصل إلى العَلَم الأخضر الأول: فيُستحب للرجل الماشي أن يُهرول قليلًا، فإذا وصل إلى العَلَم الأخضر الثاني: يترك الهرولة، ويمشي مشيًا عاديًا إلى أن يصل إلى المروة - وهو: جبل صغير مقابل للصفا -، فإذا صعد عليه استحب أن يفعل ويقول مثل ما فعل وقال عندما صعد الصفا، ثم ينزل من المروة ماشيًا فإذا وصل إلى العَلَم الأخضر: فإنه يُهرول قليلًا، فإذا وصل إلى العلم الأخضر الآخر يمشي، ويستمر في ذلك حتى يصل إلى أول الصفا، وهكذا يفعل في ستة الأشواط الباقية، فتكون سبعة: ذهابه من الصفا إلى المروة يُعتبر شوطًا واحدًا، ورجوعه من المروة إلى الصفا يُعتبر شوطًا واحدًا، فيكون مُفتتحًا سعيه بالصفا، ومُختتمًا له بالمروة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع السعي، وشرع الركض بين العلمين؟ قلتُ: للتذكير بعظمة الله وقدرته على صنع المعجزات؛ حيث إن قصة ذلك: أن إبراهيم قد ترك إسماعيل وأمه بين الصفا والمروة، ففرغ ما عندهما من طعام وشراب، فجعل إسماعيل يبكي من شدة العطش وهو طفل، فبدأت أمه تدور بين الصفا والمروة لعلها ترى أحدًا يُنقذها، سبع مرات، وكانت كلما مرت من عند ولدها أسرعت في المشي - وهو: هذا الذي بين العَلَمَين - فنزل جبريل بأمر من الله فضرب برجله الأرض فنبع الماء - وهو المعروف بماء زمزم - فشربت أم إسماعيل فدرَّ لبنها فأرضعت ولدها، وسُمِّي جبل الصفا بهذا: لصلابة وقوة حجارته، وسمي =
[ ٢ / ٥٦٧ ]
ويجب استيعاب ما بينهما في كل مرَّة، فيُلصق عقبه بأصلهما إن لم يرقهما، فإن ترك مما بينهما شيئًا ولو دون ذراع: لم يصح سعيه (^٣٥) (فإن بدأ بالمروة: سقط الشوط الأول) فلا يحتسبه (^٣٦)، ويُكثر من الدعاء والذكر في سعيه، قال أبو عبد الله: كان
جبل المروة بذلك لبياض حجارته ولمعانها. [فرع]: يُباح أن يسعى راكبًا شيئًا ولو من غير عذر؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك في السعي دون الطواف؟ قلتُ: لأن الطواف صلاة، والصلاة لا تصح على الراحلة فكذلك الطواف، أما السعي فليس بصلاة: لذلك جاز السعي على الراحلة وبلا طهارة.
(^٣٥) مسألة: يجب أن يكون سعيه مستوعبًا لما بين الصفا والمروة في كل شوط: بأن يتم الشوط من أول الصفا إلى أول المروة بحيث يلصق بهما لصوقًا لا يترك شيئًا بينه وبين أحدهما، فإن ترك مساحة ولو مترًا واحدًا أو نصفه قصدًا: فإن ذلك الشوط الذي ترك منه ذلك يفسد فيُعيده؛ للتلازم؛ حيث إن الواجب السعي بين الصفا والمروة، والذي ترك شيئًا لا يُسمَّى ساعيًا، فيلزم بطلان ذلك الشوط الذي ترك منه شيئًا.
(^٣٦) مسألة: إذا بدأ بالسعي من المروة: فإنه يسقط الشوط الأول من الحساب، فيجب أن يبدأ من الصفا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ابدأ بما بدأ الله به" وقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ والأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ويلزم منه: أنه لو بدأ من المروة: فإن الشوط الأول يكون فاسدًا؛ لكونه مخالفًا لما أمر الله به، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كل شوط منفرد عن الآخر، فيكفي أن يُعيد الفاسد، دون أن يعيد الأشواط كلها؛ لما فيه من المشقة العظيمة.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: "رب اغفر وارحم واعف عما تعلم وأنت الأعز الأكرم" (^٣٧)، ويُشترط له نية وموالاة، وكونه بعد طواف نسك ولو مسنونًا (^٣٨) (وتُسنُّ فيه الطهارة) من الحدث والنَّجس (والستارة) أي: ستر العورة، فلو سعى مُحدثًا، أو نجسًا، أو عريانًا: أجزأه (^٣٩) (و) تُسنُّ (الموالاة) بينه وبين
(^٣٧) مسألة: يُستحب الإكثار من الذكر والدعاء في السعي؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما جُعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله ﷿" الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن مسعود "كان يدعو في سعيه" لمناسبة ذلك للمقام والحال.
(^٣٨) مسألة: يُشترط أن ينوي لسعيه، فينوي أنه يسعى لعمرة، أو لحج التمتع أو القِران أو الإفراد، وكذلك تُشترط الموالاة بين الأشواط، فلا يفصل بينها فصلًا طويلًا بدون عذر؛ وكذلك يُشترط أن يسعى بعد طواف نسك ولو كان ذلك نافلة؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما تشترط النية والموالاة في الطواف فكذلك السعي مثله والجامع: أن كلًا منهما عبادة واحدة فلا تصح إلا بنية، ومتابعة العمل فيها، الثانية: الاستقراء؛ حيث ثبت بعد استقراء وتتبع أحوال النبي ﷺ وأحوال أصحابه أنهم كانوا لا يسعون إلا بعد طواف. [فرع]: يُباح الفصل القصير بين شوطين من أشواط السعي لعذر كحصر بول أو غائط، أو صلاة فرض، أو صلاة جنازة، أو شرب ماء، أو أكل شيء احتاجه؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة قد تلحق به؛ لكون وقت السعي طويلًا.
(^٣٩) مسألة: يُستحب أن يكون الساعي على طهارة من الأحداث والأنجاس، وأن يكون ساترًا لعورته، ولا يجبان، فلو سعى، بلا طهارة، أو هو مُنكشف العورة: صحَّ سعيه؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عدم تعلُّق السعي بالبيت: عدم وجوب الطهارة والستارة؛ لكونهما يختصان بما يتعلَّق به كالصلاة والطواف، =
[ ٢ / ٥٦٩ ]
الطواف (^٤٠)، والمرأة لا ترقى الصفا ولا المروة، ولا تسعى سعيًا شديدًا (^٤١)، وتُسنُّ مبادرة معتمر لذلك (^٤٢) (ثم إن كان مُتمتعًا لا هدي معه: قصر من شعره) ولو لبَّده، ولا يحلقه ندبًا؛ ليُوفِّره للحج، (وتحلَّل)؛ لأنه تمت عمرته (وإلا) بأن كان مع المتمتع هدي: لم يُقصِّر و(حلَّ إذا حج) فيُدخل الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا، والمعتمر غير المتمتع يحلُّ: سواء كان معه هدي، أو لم يكن في أشهر الحج أو غيرها (^٤٣) (والمتمتع) والمعتمر (إذا شرع في الطواف: قطع التلبية)؛
الثانية: المصلحة؛ حيث إن الطهارة والستارة قد استحبَّا للساعي؛ لأن ذلك فيه كمال الدِّين، وتمام الصيانة للمؤمنين، والبعد عن الفتن والفساد والمفسدين.
(^٤٠) مسألة: تُستحب الموالاة بين الطواف والسعي: بأن يسعى بعد الطواف مباشرة، ولا يجب ذلك، فلو طاف صباحًا، ثم سعى مساء: لصحَّ ذلك، لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من عدم تعلُّق السعي بالبيت: عدم وجوب الإتيان به بعد الطواف مباشرة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الموالاة بين الطواف والسعي فيه الحزم على إنهاء نسكه؛ لئلا يحدث ما يُفسده فاستُحب.
(^٤١) مسألة: لا يُشرع للمرأة أن ترقى الصفا ولا المروة ولا تُسرع في مشيها بين العَلَمَين عند سعيها؛ لقول الصحابي؛ حيث إن ابن عمر قد نهى المرأة عن ذلك فإن قلتَ: لمَ لا يُشرع ذلك في حقها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المرأة عورة، فيُخشى إن هي أسرعت أو رقت: أن تظهر عورتها، أو تزاحم الرجال في ذلك، فدفعًا لذلك: لم يُشرع لها ذلك.
(^٤٢) مسألة: يُستحب للمعتمر أن يُبادر بالسعي إذا فرغ من الطواف؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك في عمرته، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة التي ذكرناها في مسألة (٤٠).
(^٤٣) مسألة: إذا فرغ المتمتع من طوافه وسعيه: فإنه يُقصِّر من شعره، وبذلك يتحلَّل، فيحلُّ له كل شيء؛ نظرًا لتمام عمرته، أما إن كان قارنًا - وهو الذي =
[ ٢ / ٥٧٠ ]
لقول ابن عباس يرفعه: "كان يُمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر" قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح" ولا بأس بها في طواف القدوم سرًّا (^٤٤).
نواه وساق الهدي معه - أو كان مفردًا: فإنه لا يُقصِّر شعره، بل يستمر في إحرامه إلى أن يفرغ من حجه في يوم النحر، أما إن كان معتمرًا فقط: فإنه بعد فراغه من السعي يُقصِّر أو يحلق، ثم يحلُّ: سواء كان ذلك في أشهر الحج أو لا، وسواء كان قد ساق الهدي أو لا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من كان معه هدي: فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليُقصِّر وليتحلَّل" فوجب هذا الفعل؛ لأن الأمر هنا مطلق، وهو يقتضي الوجوب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث كان ﷺ إذا اعتمر فقط: حلَّ بعد سعيه مُطلقًا، فإن قلتَ: لمَ أمر المتمتع بالتقصير هنا؟ قلتُ: لأجل أن يُوفِّر شعره ليحلقه إذا فرغ من حجه.
(^٤٤) مسألة: إذا استلم المتمتع والمعتمر الحجر الأسود مُريدًا الطواف لذلك: فإنه يقطع التلبية - وهو قوله: "لبيك اللهم لبيك … " -، أما القارن أو المفرد: فإنه يقطع التلبية عند البدء برمي جمرة العقبة يوم النحر؛ للسنة الفعلية وهي من وجهين: أولهما: قول ابن عباس: "كان النبي ﷺ يُمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر"، ثانيهما: أنه ﷺ كان قارنًا فلم يزل بالتلبية حتى رمى جمرة العقبة في يوم النحر والمفرد مثله؛ لعدم الفارق من باب: "مفهوم الموافقة"، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن التلبية إجابة إلى العبادة، وشعار للإقامة عليها، فإذا شرع فيما ينافيها وهو التحلُّل منها، أو البدء فيما يوصِّل إلى التحلل - وهو: الطواف للمعتمر، والمتمتع، ورمي الجمرة للقارن والمفرد -: فإنه يكون =
[ ٢ / ٥٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قد شرع بشيء آخر له ذكر ودعاء آخر؛ حيث إن لكل عبادة وحالة ما يُناسبها، تنبيه: قوله: "ولا بأس بها في طواف القدوم سرًا" يقصد أنه يُباح أن يُلبِّي سرًا في حالة طواف القدوم، قلتُ: إن الراجح ما قلناه؛ لقوة دليله.
هذه آخر مسائل باب "طريقة وصفة دخول مكة والطواف والسعي" ويليه باب "صفة الحج والعمرة وبيان أركانهما وواجباتهما وسننهما"
[ ٢ / ٥٧٢ ]