قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ والزكاة تُسمَّى "نفقة" (تجب) الزكاة (في الحبوب كلها) كالحنطة والشعير والأرز، والدَّخن، والباقلاء، والعدس، والحمَّص، وسائر الحبوب (ولو لم تكن قوتًا) كحب الرشاد والفجل والقرطم، والأبازير كلها كالكسفرة، والكمون، وبزر الكتان، والقثاء، والخيار؛ لعموم قوله ﷺ: "فيما سقت السماء والعيون العشر" رواه البخاري (وفي كل ثمر يُكال ويُدَّخر)؛ لقوله ﷺ: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" فدلَّ على اعتبار التوسيق، وما لا يُدَّخر: لا تكمل فيه النعمة؛ لعدم النفع به مآلًا (كثمر وزبيب) ولوز وفستق وبندق، ولا تجب في سائر الثمار، ولا في الخضر والبقول، والزهور ونحوها، غير صعتر، وأشنان، وسماق، وورق شجر يُقصد كسدر وخطمي، وآس فتجب فيها، لأنها مكيلة مُدَّخرة (^١) (ويُعتبر)
باب زكاة الحبوب والثمار وما أخرج من الأرض كالمعدن والركاز
وفيه خمس وعشرون مسألة:
(^١) مسألة: تجب الزكاة في جميع الحبوب والثمار بشرطين: أولهما: أن تكون مكيلة أو موزونة، ثانيهما: أن يكون قابلًا للادِّخار؛ للانتفاع به في المستقبل، وهذا يشمل التمر، والزيتون، واللوز، والفستق، والبندق، والبر، والحنطة، والشعير، والأرز، والذرة، والبقول، والعدس، والحمُّص، والماش، واللُّوبيا، والسعتر، والأشنان، والسماق، وورق السدر المستفاد منه، وحب الرشاد، والبهارات، والحبة السوداء، ونحو ذلك مما يخرج من الأرض وينتج من الأشجار من الحبوب والثمار أما ما لم يتوفر فيه هذان الشرطان فلا زكاة فيه كالزهور، والخضراوات والفواكه، والورود ونحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب، حيث =
[ ٢ / ٢٤٤ ]
لوجوب الزكاة في جميع ذلك: (بلوغ نصاب قدره) بعد تصفية حب من قشره، وجفاف غيره: خمسة أوسق؛ لحديث أبي سعيد الخدري يرفعه: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" رواه الجماعة و"الوسْق": ستون صاعًا وتقدَّم: أنه خمسة أرطال وثلث عراقي، فهي (ألف وستمائة رطل عراقي) وألف وأربعمائة وثمانية
قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ والحقُّ: هو الزكاة المفروضة - كما قال ابن عباس - وقال تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ والزكاة: تسمَّى نفقة بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والمراد: ولا يخرجون زكاتها، ففي هاتين الآيتين أوجب إخراج الزكاة في جميع الحبوب والثمار؛ لأن الأمر في قوله: "وآتوا" و"أنفقوا" مطلق، فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة القولية وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "فيما سقت السماء والعيون العشر، وفيما سُقي بالسانية نصف العشر" وهو عام للزروع، والثمار، والحبوب، ثانيهما: قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" حيث دلَّ على أن الزكاة تجب فيما يُوسق من الثمار والحبوب، وهو الذي يُقدَّر بالكيل ويُدَّخر، دون ما لا يُدَّخر منها: كالخضراوات والفواكه، ويُكال - كما قال الخطَّابي في "معالم السنن"، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط الأول؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ما يزكى يُقدَّر بذلك الكيل أو الوزن، لأن مالا يُقدَّر يصعب تقديره، فإن قلتَ: لمَ اشترط الثاني؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن مالا يُدَّخر لا تكتمل ماليته، ولا تظهر نعمته؛ لعدم التمكُّن من الانتفاع به في المستقبل، فائدة: "الصعتر" أو السعتر: نبات طيب الرائحة؛ و"الأشنان": نبات حمضي يُؤخذ ويُغسل به الثياب وهو: كالصابون في زماننا هذا، و"السَّماق": نبات شديد الحموضة يؤكل، والمراد بورق الشجر: الذي يُؤخذ ويُقصد منه الادخار للانتفاع به في المستقبل كورق السدر، والخمط والآس.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
وعشرون رطلًا، وأربعة أسباع رطل، مصري، وثلاثمائة واثنان وأربعون رطلًا وستة أسباع رطل دمشقي، ومائتان وسبعة وخمسون رطلًا وسُبُع رطل قُدْسي، و"الوسْق" و"المدُّ" و"الصاع" مكاييل نُقلت إلى الوزن؛ لتحفظ، وتُنقل، وتُعتبر بالبر الرَّزين، فمن اتخذ مكيلًا يسع صاعًا منه: عُرِف به ما بلغ حدَّ الوجوب من غيره (^٢)
(^٢) مسألة: مقدار النصاب الذي تجب فيه الزكاة في الحبوب والثمار هو: خمسة أوسق، و"الوِسْق" ستون صاعًا، فتكون الخمسة الأوسق: "ثلاثمائة صاعًا"، و"الصاع": بالوزن: خمسة أرطال وثلث بالعراقي، فتكون الثلاثمائة صاعًا: ألفًا وستمائة رطل عراقي، وهذا يُعادل في أيامنا هذه: "ستمائة وثلاثة وخمسين كيلو جرام"، فمن ملك "٣٠٠ صاعًا" أو "٦٥٣ كجم" فأكثر: فإن الزكاة تجب عليه فيها، ويُخرج عشرها، أو نصفه - كما سيأتي بيانه ولا يُشترط حولان الحول عليه - أما إن ملك أقلَّ من ذلك: فلا زكاة عليه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" حيث دلَّ مفهوم العدد على وجوب الزكاة إذا بلغت خمسة أوسق، فإن قلتَ: لمَ شُرِع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن باب الزكاة مبني على مراعاة المالك والفقير معًا، فلو وجبت الزكاة فيما هو دون ذلك المقدار: لتضرَّر المالك؛ لكون الأقل من ذلك لا يتحمَّل أن يؤخذ منه شيء، فإن قلتَ: لمَ لا يُشترط تمام الحول هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يكمل نماؤه بحصاده وجذِّ ثمره، وجنيه، وهذا أصلح للفقير، فلو أُجِّل عن ذلك لفسد، فإن قلتَ: لمَ نُقلت المكاييل - وهو الوسق، والمد، والصاع - إلى الوزن وقُدِّرت به؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الوزن كثيرًا ما يكون أضبط، وأحفظ، وأمنع للنزاعات، والمكيلات تختلف بالوزن: فمنها الثقيل، كالتمر، ومنها الخفيف كالذرة والشعير، ومنها المتوسط كالبر الجيد؛ فإن قلتَ: لا يُشترط النصاب في الحبوب، والثمار، ولذا تجب الزكاة في قليله وكثيره، وهو قول مجاهد، وأبي حنيفة وبعض العلماء؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "فيما سقت =
[ ٢ / ٢٤٦ ]
(وتُضمُّ) أنواع الجنس من (ثمرة العام الواحد) وزرعه (بعضها إلى بعض) ولو مما يحمل في السنة حملين (في تكميل النصاب)؛ لعموم الخبر، وكما لو بدا صلاح إحداهما قبل الأخرى: سواء اتفق وقت إطلاعها، وإدراكها، أو اختلف تعدُّد البلد أو لا (لا جنس إلى آخر) فلا يُضمُّ برٌّ لشعير، ولا تمر لزبيب في تكميل نصاب كالمواشي (^٣) (ويُعتبر) أيضًا لوجوب الزكاة فيما تقدَّم: (أن يكون النصاب مملوكًا له
السماء العشر" وهذا عام فيما بلغ النصاب، أو لم يبلغه؛ لأن "ما" موصولة وهي من صيغ العموم قلتُ: إن هذا العموم قد خصَّصته السنة القولية الأخرى وهي قوله ﷺ: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" حيث إن مفهوم العدد هنا دلَّ على وجوب الزكاة في خمسة أوسق فأكثر وهذا من باب تخصيص المنطوق بالمفهوم فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة القولية مع السنة القولية" فعندنا تخصص قوله: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" عموم قوله: "فيما سقت السماء العشر" وعندهم: لا يقوى على تخصيصه.
(^٣) مسألة: تُضمُّ ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب فمثلًا: لو كان عندك شيء من الثمار أو الحبوب، يُجنى مُبكرًا؛ وهو أقل من النصاب، وعندك ما يتأخر جنيه وهو لا يبلغ النصاب: فإنك تضمُّ بعضه إلى بعض فإن كمل النصاب - وهو (٦٥٣) كجم -: أخرج زكاته، وإن لم يُكمل النصاب: فلا زكاة فيه، هذا إذا كان ذلك في عام واحد، أما ثمرة عامين: فلا تُضمُّ، وأيضًا: يُضمُّ ثمر مزرعة في بلد إلى ثمر مزرعة أخرى في بلد آخر إذا كان المالك لهما واحدًا، وأيضًا: تضمُّ الأنواع إلى بعضها: فتضمُّ البُر إلى اللِّقيمي - وهو: الجريش -، وتضمُّ تمر السكري إلى تمر الخلاص وهكذا، ولا يجوز ضمُّ جنس إلى جنس آخر: فلا تضمُّ البر إلى الشعير، ولا تضمُّ تمر إلى بر، ولا تمر إلى زبيب لتكميل النصاب؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ليس فيما =
[ ٢ / ٢٤٧ ]
وقت وجوب الزكاة) وهو: بدوُّ الصلاح (فلا تجب فيما يكتسبه اللَّقَّاط، أو يأخذه بحصاده) وكذا: ما ملكه بعد بدوِّ الصلاح بشراء أو إرث أو غيره (ولا فيما يجتنيه من المباح كالبطم والزَّعْبَل) بوزن "جَعْفَر" وهو: شعير الجبل (وبزر قطونا) وحبِّ نمام (ولو نبت في أرضه)؛ لأنه لا يملكه بملك الأرض، فإن نبت بنفسه ما يزرعه الآدمي كمن سقط له حبَّ حنطة في أرضه، أو أرض مباحة: ففيه الزكاة؛ لأنه يملكه وقت الوجوب (^٤)، فصل: (يجب عشر) وهو: واحد من عشرة (فيما سُقي بلا مؤنة)
دون خمسة أوسق صدقة" وهذا عام فيما يُحصَّل عليه في عام واحد، وإن اختلف الوقت في نفس العام، الثانية: القياس بيانه: كما يجوز ضم ضأن إلى معز في تكميل النصاب، ولا يجوز ضم غنم إلى إبل في تكميل النصاب، فكذلك الحبوب والثمار مثل ذلك والجامع: أن الأنواع لا تختلف بالقيمة غالبًا فجاز الضمُّ في ذلك، وأن الأجناس تختلف بالقيمة عادة فلم يجز، وهذا في كل مال يُزكَّى، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط العام الواحد للضمِّ؟ قلتُ: لأن العام الواحد لا يستقل بعضه عن بعضه الآخر، لعدم تغيّر القيمة بسبب ذلك عادة، بخلاف العامين لاستقلال كل عام عن الآخر بالقيمة عادة.
(^٤) تجب الزكاة في كل مُدَّخر مكيل أو موزون من الحبوب والثمار بشرطين: أولهما: أن يكون بالغًا للنصاب - وهو ما يُعادل (٦٥٣) كجم - وقد سبق في مسألة (٢) -، ثانيهما: أن يكون مملوكًا له وقت وجوب الزكاة - وهو: وجود الصلاح في ثمر النخيل من احمرار أو اصفرار، واشتداد الحبوب وصلابتها - وسواء كان ذلك النبات بقصد منه أو لا؛ بأرضه أو أرض مباحة له، أما إن ملك ذلك بعد هذا الوقت: فلا زكاة عليه، فمثلًا: لو التقط شخص ما تساقط من التمر، أو الحبوب وبلغ نصابًا، أو ورث بعد هذا الوقت ثمارًا وحبوبًا، أو اشتراها بعده أو أخذه أجرة لحصاده، أو جمع من الزعبل، والبطم، وبزر قطونا =
[ ٢ / ٢٤٨ ]
كالغيث، والسيوح، والبعل الشارب بعروقه (و) يجب (نصفه) أي: نصف العشر (معها) أي: مع المؤنة كالدولاب تُديره البقر، والنواضح يستقي عليها؛ لقوله ﷺ في حديث ابن عمر- ﵃: "وما سُقي بالنضح نصف العشر" رواه البخاري (و) يجب (ثلاثة أرباعه) أي: أرباع العشر (بهما) أي: فيما يشرب بلا مؤنة وبمؤنة نصفين، قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه، (فإن تفاوتا) أي: السقي بمؤنة وبغيرها (فـ) الاعتبار (بأكثرهما نفعًا) ونموًا؛ لأن اعتبار عدد السقي وما يسقى به في كل وقت يشق، فاعتبر الأكثر كالسوم (ومع الجهل) بأكثرهما نفعًا (العشر)؛ ليخرج من عهدة الواجب بيقين (^٥)، وإذا كان له حائطان: أحدهما يُسقى بمؤنة، والآخر: بغيرها ضُمَّا
نصابًا: فلا زكاة على ذلك كله؛ للتلازم؛ حيث إن ملكه لذلك وقت وجوب الزكاة يلزم منه: وجوبها عليه؛ لتعلُّقها بذمته، فلا تبرأ إلا بأدائها، ويلزم من ملكه إياها بعد وقت وجوبها: عدم وجوب الزكاة عليه: لعدم تعلُّقها بذمته فإن قلتَ: لمَ حُدِّد وقت الوجوب ببدو الصلاح واشتداد الحب؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه إسراع لاستفادة الفقراء، بدون مؤنة، فائدة: "الزَّعْبَل": وهو: شعير الجبل، و"البطم": حبة خضراء تنبت في الصحراء، وبزر قطونا: سنبلة الحشيش، وهي "الرَّبلة" عند أهل نجد.
(^٥) مسألة: مقدار ما يخرج زكاة على الحبوب والثمار إذا بلغت نصابًا هو: كما يلي: أولًا: الحبوب والثمار التي أُخذت من زروع وأشجار لم يتكلّف بسقيها - أي شربت الماء بلا مؤنة كأن تشرب من الأمطار، أو نحو ذلك - فيجب أن يخرج "عشرها" زكاة لها، فمثلًا لو كان عندك (٨٠٠) كجم فإنك تُقسِّمها على عشرة، وتُخرج عشرها وهو (٨٠) كجم، ثانيًا: الحبوب والثمار التي أخذت من زروع وأشجار قد تكلَّفت بسقيها - أي: شربت من ماء قد تكلَّفت بجلبه إليها كأن تضع دوالي، أو نواضح، أو مكائن، أو كهرباء ونحو ذلك - فيجب أن تخرج "نصف عشرها" زكاة لها، فمثلًا: لو كان عندك (٨٠٠) كجم فإنك =
[ ٢ / ٢٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تقسِّمها على عشرة، وتقسم العشر إلى نصفين ويكون النصف هو الزكاة، فتخرج (٤٠) كجم، ثالثًا: الحبوب والثمار التي أخذتها من زروع وأشجار قد سقيتها نصف المدة بمؤنة ومشقة فقط، والباقي قد شربت بلا مشقة: فيجب أن تخرج "ثلاثة أرباع عشرها" زكاة لها، فمثلًا: لو كان عندك (٨٠٠) كجم فإنك تقسِّمها على عشرة، وتقسِّمِ العشر على أربعة، وتأخذ ثلاثة أرباعه زكاة، فتخرج (٦٠) كجم، رابعًا: إذا لم تعرف هل سقيت نصف المدة، أو أكثر، أو أقل؟: فإنك تعتبر بأكثرهما نفعًا ونماءً للزرع والشجر، فإن غلب على ظنك أن ذلك كان بمؤنة: فإنك تخرج "نصف العشر"، وإن غلب على ظنك أن ذلك كان بلا مؤنة: فتخرج "العشر"، خامسًا: إن جهلت ذلك ولم يغلب على ظنك شيء: من أسباب نموه ونفعه هل هو بمؤنة أو بغير مؤنة؟ فإنك تخرج "العشر"؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال- ﷺ: "فيما سقت السماء والعيون العشر، أو كان عثريًا العشر، وفيما سُقي بالنضح نصف العشر" حيث دلَّ منطوقه على ما ذكر، ودلَّ مفهوم الصفة هنا على أنه إذا سقي نصف المدة بمؤنة والباقي بلا مؤنة: فيجب عليه إخراج ثلاثة أرباع العشر؛ لكونه إذا وجدت المؤنة في نصفها: أُوجب نصف العشر، وإذا لم توجد المؤنة: أُوجب نصف النصف وهو: الربع، وإذا جمعت نصف وربع أصبح المجموع "ثلاثة أرباع"، الثانية: المصلحة؛ حيث إنه يُعتبر أكثرهما نفعًا ونماء - وهي: السقي بلا مؤنة، أو السقي بمؤنة - إذا لم تعرف المدَّة، - كما قلنا في الرابع - وذلك لمشقة معرفة ذلك وتقديره، وإذا جهلنا ذلك فيُخرج "العشر" - كما في الخامس -؛ عملًا باليقين؛ لما فيه من الاحتياط؛ لكونه هو الأصل، فإن قلتَ: لمَ اختلف المخرج من ذلك بسبب اختلاف المشقة وعدمها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث لو شرع إخراج شيء واحد لتضرَّر المالك، لأن في ذلك جمعًا بين المؤنة والزكاة.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
في النصاب، ولكل منهما حكم نفسه في سقيه بمؤنة أو غيرها (^٦)، ويُصدَّق مالك فيما سقى به (^٧) (وإذا اشتدَّ الحبُّ، وبدا صلاح التمر: وجبت الزكاة)؛ لأنه يُقصد للأكل والاقتيات كاليابس (^٨)، فلو باع الحب أو الثمرة، أو تلفا بتعدِّيه بعدُ: لم
(^٦) مسألة: إذا كان عندك مزرعتان: فتضمُّ تمر هذه المزرعة لتمر المزرعة الأخرى ليُكمل النصاب - وكذا في الحبوب - ثم يُنظر: فإن كانتا تسقيان بلا مؤنة فتخرج العشر كاملًا، وإن كانتا تسقيان بمؤنة: فتُخرج نصف العشر، وإن كانت إحداهما تسقى بلا مؤنة: فتخرج العشر من تمرها وحبوبها إذا بلغ نصابًا، وكانت الأخرى تُسقى بمؤنة: فتخرج نصف العشر من تمرها وحبوبها - إذا بلغ نصابًا -؛ للسنة القولية، وهو الحديث الذي ذُكر في مسألة (٥) وهو عام، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من كون المزرعتين ملكًا لواحد: ضمُّ ثمار وحبوب كل واحدة إلى ثمار وحبوب الأخرى، ويلزم من اختلاف السقي فيهما بمؤنة أو بغيرها: اختلاف المخرج زكاة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في الضم منفعة للفقير.
(^٧) مسألة: إذا ادَّعى مالك قائلًا: إني سقيت تلك الزروع والأشجار، وتكلَّفتُ عليها كل المدة، أو بعضها: فإنه يُصدَّق، ولا يُطلب منه يمين ولا شهود، وتؤخذ الزكاة على حسب قوله - إما العشر، أو نصفه -؛ للقياس، بيانه: كما أنه إذا قال: "إني صليت الظهر": فإنه يُصدَّق، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًا منهما حق لله يرجع إلى ذمة المسلم، وهو مؤتمن عليه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يشق إثبات ذلك بالبينة لتكراره.
(^٨) مسألة: وقت إخراج زكاة الحبوب والثمار هو: حين اشتداد الحب وصلابته، وحين بدو صلاح التمر باصفرار أو احمرار ونضوجه وطيب أكله؛ للقياس، بيانه: كما أن اليابس من الحبوب والثمار تجب فيه الزكاة بالإجماع، فكذلك =
[ ٢ / ٢٥١ ]
تسقط (^٩)، وإن قطعهما أو باعهما قبله: فلا زكاة إن لم يقصد الفرار منها (^١٠) (ولا يستقر الوجوب إلا بجعلها في "البيدر") ونحوه وهو: موضع تشميسها وتيبيسها؛
تجب الزكاة في تلك الحال، والجامع: أن كلًا منهما قد تحقَّق فيه المقصد منه، وهو: الاقتيات، والأكل، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا الوقت هو وقت انتفاع الفقراء به، بخلاف ما قبله، فلا يُنتفع به.
(^٩) مسألة: إذا باع المالك الحبَّ بعد اشتداده، والتمر بعد بدو صلاحه، أو تعدَّى فأتلفهما بعدهما: فلا تسقط الزكاة، بل تكون واجبة في ذمَّته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من دخول وقت إخراج زكاتهما: عدم سقوطها ببيعهما، أو تعدِّيه بإتلافهما، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحقوق الفقراء. [فرع]: إذا تلفت الحبوب، والثمار بعد وقت وجوب الزكاة فيهما - وهو اشتداد الحب وبدو الصلاح - بدون تعدٍ من المالك أو تفريط: فإن الزكاة تسقط؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية لحق المالك؛ إذ هو معذور، فلو أُوجبت عليه الزكاة هنا لتضرَّر.
(^١٠) مسألة: إذا حصد الزرع، أو قطع الشجر قبل اشتداد الحب، وبدو الصلاح، أو باعهما قبل ذلك لغرض صحيح: فإن الزكاة تسقط بشرط: أن لا يقصد المالك بذلك الفعل الفرار من الزكاة، أما إن قصد بفعله ذلك: الفرار منها: فتجب الزكاة عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قطع ذلك أو بيعه قبل دخول وقت زكاته: عدم تعلُّقها بذمته فلا تجب، ويلزم من قصده الفرار من الزكاة: وجوبها عليه، مُعاملةً له بنقيض قصده كمن طلَّق زوجته في مرض موته فإنها ترث، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع الضرر عن المالك، وعن الفقير؛ إذا لو وجبت الزكاة على المالك مع أنه لم يدخل وقت وجوبها: لتضرر، ولو سقطت عنه مع أنه قصد الفرار: لتضرر الفقير.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
لأنه قبل ذلك في حكم ما لم تثبت اليد عليه (^١١)، (فإن تلفت) الحبوب أو الثمار (قبله) أي: قبل جعلها في "البيدر" (بغير تعدٍّ منه) ولا تفريط: (سقطت)؛ لأنها لم تستقر (^١٢)، وإن تلف البعض: فإن كان قبل الوجوب: زكَّى الباقي إن بلغ نصابًا، وإلا: فلا، وإن كان بعده: زكَّى الباقي مُطلقًا؛ حيث بلغ مع التالف نصابًا (^١٣)،
(^١١) مسألة: يستقر وجوب زكاة الحبوب والثمار إذا وُضعت في مكان مُعدٌّ لتنظيفهما، وتشميسهما، ويُسمَّى هذا المكان بـ "البيدر" أو "الحوض" أو نحو ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن وضعها بذلك المكان سبب في معرفة قدرها، وجيدها من رديئها، فيسهل توزيعها، والانتفاع بها، أما قبل ذلك فيشق معرفة ذلك، لذلك: يكون في حكم من لم تثبت اليد عليه، وما لم تثبت اليد عليه لا زكاة فيه.
(^١٢) مسألة: إذا تلفت الحبوب والثمار كلها قبل وضعها بذلك المكان - وهو البيدر - بغير تفريط ولا تعدٍّ من المالك: فإن الزكاة تسقط، أما إن وُجد التفريط: فلا تسقط الزكاة؛ للمصلحة؛ حيث إن المالك يتضرَّر إذا وجبت الزكاة في مال تلف بدون تفريط منه، ويتضرَّر الفقير إذا سقطت الزكاة عن مال فرَّط فيه مالكه، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
(^١٣) مسألة: إذا تلف بعض الحبوب والثمار، دون البعض الآخر قبل وقت وجوب الزكاة - أي الاشتداد، وبدو الصلاح والاستقرار في "البيدر" - فيُخرج زكاة البعض الذي لم يتلف إن بلغ نصابًا فقط، أما إن تلف بعد وقت وجوب الزكاة - أي: بعد الاشتداد وبدو الصلاح وبعد الاستقرار في "البيدر" - فيُخرج زكاة الباقي مُطلقًا: سواء بلغ الباقي نصابًا أو لم يبلغه؛ حيث يبلغ في العادة نصابًا إذا ضُمَّ إلى التالف منه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تلفه قبل دخول وقت وجوبها: عدم وجوب الزكاة في الذمة؛ لعدم وجود شرطها، ويلزم من تلفه بعده: وجوبها في الذِّمَّة؛ لوجود شرطها، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه ضمان لحقوق الفقراء ولحقوق المالك أيضًا.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
ويلزم إخراج حب مُصفَّى، وثمر يابسًا (^١٤)، ويحرم شراء زكاته أو صدقته ولا يصحُّ (^١٥)، ويُزكِّي كل نوع على حدته (^١٦) (ويجب العشر) أو نصفه (على مستأجر
(^١٤) مسألة: يجب على المالك أن يُخرج زكاة الحبوب والثمار بصفة ينتفع بها مستحقها من فقراء وغيرهم، وهي: كون الحب مصفَّى، نقيًا، خاليًا من التبن والقش الذي لا يؤكل ولا يُدَّخر ويكون التمر يابسًا جافًا نقيًا أيضًا؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر عتاب بن أُسيد أن يخرص العنب زبيبًا ويؤخذ، كما يُخرص النخل تمرًا، و"الزبيب" و"التمر" هو يابس في العادة، والحبوب مثل ذلك؛ لعدم الفارق من باب مفهوم الموافقة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أنفع للفقراء، وأصبر على الادِّخار، فيكون لهم في العاجل والآجل.
(^١٥) مسألة: إذا أخرج المالك زكاة ما يملكه من الحبوب والثمار والبهائم: فلا يجوز له شراء ذلك المخرج زكاة ممن دفعها إليه، ولو حصل البيع: فلا يصح؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا تعد في صدقتك، وإن أعطاكه بدرهم" حيث حرم الشارع ذلك؛ لأن النهي هنا مطلق، فيقتضي التحريم والفساد، فإن قلتَ: لمَ حرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع لاسترجاع شيء مما أخرجه زكاة بثمن قليل جدًا؛ لأن الفقير يستحي عادة من أن يُماكس من أعطاه زكاة، فيكون في تحريم ذلك وإفساد البيع سدًا لهذه الحيلة، ولحماية الفقير من استغلال المالك له.
(^١٦) مسألة: يجب إخراج زكاة كل نوع على حدته، ومثله، فمثلًا: تكون زكاة البر برًا مثله، وتكون زكاة اللقيمي: لُقيميًا مثله، وتكون زكاة الرديء رديئًا مثله، وزكاة الجيد جيدًا مثله وهكذا؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للمالك، وللفقير؛ حيث إن هذه الأنواع تختلف أسعارها، ومنافعها الغذائية، فلو كُلِّف =
[ ٢ / ٢٥٤ ]
الأرض) دون مالكها كالمستعير، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (^١٧)،
المالك بأن يُزكي عن الشعير بُرًّا، أو عن الرديء جيدًا: لتضرَّر، ولو أخرج المالك عن البر شعيرًا، أو الجيد رديئًا: لتضرَّر الفقير، فدفعًا لذلك: شُرع هذا فإن قلتَ: إن هذا يشق، وهو قول ابن قدامة وبعض العلماء قلتُ: هذا بعيد، بل هو سهل على المزارعين المتَّقين، وقد وقع عند كثير منهم فلم يروا هذه المشقة التي زعمها بعضهم، وحتى لو وجُدت مشقة في ذلك فإنها في سبيل إحقاق الحق تُتحمَّل لذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" فعملنا بالمصلحة الأولى؛ لعمومها، ولعدم المشقة في ذلك وهم عملوا بالمصلحة الثانية؛ دفعًا للمشقة عن المالك.
(^١٧) مسألة: إذا استأجر شخص أرضًا فزرعها وغرسها فأنتجت وأثمرت حبوبًا وتمرًا: فتجب زكاة ذلك على المستأجر: فإن كان ذلك بلا مؤنة: فيُخرج العشر، وإن كان ذلك بمؤنة: فيُخرج نصف العشر من ذلك ولا دخل لمالك الأرض ومؤجرها؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ حيث إن هذا الخطاب مُوجَّه إلى الشخص الذي من حقه جذاذ الثمار، وحصد الحبوب وكيلهما ووزنهما، وهو هنا: المستأجر، دون المالك، الثانية: القياس، بيانه: كما أن المستعير يُزكِّي الشيء الذي استعاره، فكذلك المستأجر مثله، والجامع: أن كلًا منهما قد ملك ما تحت يده وانتفع به، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن الغرم يتبع الغُنْم، فكما أن المستأجر يغنم ما تحت يده، فعليه إخراج زكاته؛ ليواسي به الفقراء، فإن قلتَ: لِمَ لا تجب على المالك؟ قلتُ: لأنه لو وجبت عليه لوجبت عليه ولو لم تزرع أو تغرس، ولقُدِّر بقدر الأرض، لا بقدر الزرع والغرس، ولكن هذا لم يكن - كما سبق -.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
ويجتمع العشر والخراج في أرض خراجية (^١٨) ولا زكاة في قدر الخراج إن لم يكن له مال آخر (^١٩) (وإذا أخذ ملكه أو موات) كرؤوس الجبال (من العسل مائة وستين رطلًا عراقيًا: ففيه عشره) قال الإمام: "اذهب إلى أن في العسل زكاة العشر، قد أخذ عمر منهم الزكاة" (^٢٠)، ولا زكاة فيما ينزل من السماء على الشجر كالمنِّ،
(^١٨) مسألة: الأرض التي دخلها المسلمون عنوة، وهرب أهلها الكفار منها ولم تُقسم - تسمَّى "الأرض الخراجية" إذا استولى على بعضها شخص فيجب عليه خراجها - كما سيأتي - ويجب عليه أيضًا زكاة ما خرج منها من حبوب وثمار إن زرعها وغرسها؛ للتلازم؛ حيث اجتمع على ذلك الشخص حقَّان: "حقُّ الزرع والغرس: وهو العشر أو نصفه على ما سبق" و"حقُّ الأرض، وهو: الخراج" حيث اجتمع سببهما، فيلزم من وجودهما: وجود الزكاة والخراج، فإن قلتَ: لمَ وجب عليه هذان الحقان؟ قلتُ: لأن الخراج في رقبتها، والعشر أو نصفه في غلَّتها تنبيه: سيأتي بيان الفرق بين الأرض الخراجية، والأرض العشرية في كتاب: "الجهاد".
(^١٩) مسألة: لا تجب الزكاة في قدر خراج الأرض الخراجية مهما بلغ، فلو أخرج زيد عشرة آلاف خراجًا فلا تجب في هذه العشرة الزكاة؛ للقياس، بيانه: كما أن دين الآدمي لا زكاة فيه فكذلك الحال هنا، والجامع: أن كلًا من الدَّين والخراج وجب بذلهما عليه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن اجتماع قدر الخراج وتزكية هذا القدر على المالك: يشق عليه.
(^٢٠) مسألة: تجب الزكاة في العسل إذا بلغ نصابًا، وهو: مائة وستون رطلًا عراقيًا، وهو ما يُعادل (٦٢) كجم، فيُخرج من ذلك عشره، فيكون ما يُخرج منه ست كيلو جرامًا وخُمسُ الكيلو زكاة: سواء كان هذا النَّحل في ملكه، أو في أرض ليست لأحد كالجبال وغيرها؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما وجبت =
[ ٢ / ٢٥٦ ]
والترنجبيل (^٢١)، ومن زكَّى ما ذُكر من المعشَّرات مرة: فلا زكاة فيه بعدُ؛ لأنه غير مرصد للنَّماء (^٢٢)، (والمعْدّن) إن كان ذهبًا أو فضة ففيه ربع عشره إن بلغ نصابًا،
الزكاة في الثمار والحبوب، فكذلك العسل مثلها، والجامع، أن كلًا منها يؤكل ويُدَّخر، ويُكال، ويُجنى في وقت معيَّن، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن عمر ﵁ قد أخذ زكاة العسل، فإن قلتَ: لمَ وجبت الزكاة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يقصد للأكل والاقتيات، فتحصل بها المواساة، فإن قلتَ: لمَ وجب فيه العشر؟ قلتُ: لكونه يُتحصَّل عليه بلا مؤنة عادة، فإن قلتَ: لا زكاة في العسل، وهو قول كثير من العلماء، للقياس، بيانه: كما أن اللَّبن لا زكاة فيه فكذلك العسل، والجامع: أن كلًا منهما مائع خارج من حيوان مُتغذَّى به قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الزكاة لم تجب في اللَّبن لكونها قد أخذت من أصله وهي: بهيمة الأنعام، أما العسل فلم تؤخذ الزكاة من أصله وهو: النحل، فأخذت من نتاجه وهو: العسل، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين": فنحن ألحقناه بالثمار والحبوب، لأن العسل أكثر شبهًا بهما، وهم ألحقوه باللبن لأنه أكثر شبهًا به عندهم وهذا يُسمَّى بـ "قياسه الشبه" أو "غلبة الأشباه".
(^٢١) مسألة: لا تجب الزكاة في الشيء الذي يُشبه العسل في الحلاوة والطعم مثل: المنِّ" و"الترنجبين" وهو: الطل الذي يسقط من السماء حلو يُشرب؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: عدم وجوب الزكاة في شيء إلا إذا دلَّ عليه دليل، ولم يرد دليل على وجوب الزكاة في ذلك، فيبقى على النفي الأصلي، فإن قلتَ: لمَ لا تجب الزكاة هنا؟ قلتُ: لصعوبة تقديره وادخاره، وضبطه.
(^٢٢) مسألة: إذا أخرج زكاة الحبوب والثمار، والعسل ونحوها مما يجب فيه عشره أو نصفه مرة واحدة فلا يُزكّيه مرة أخرى ولو استمر ادِّخاره عنده سنوات؛ =
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وإن كان غيرهما: ففيه ربع عشر قيمته إن بلغت نصابًا بعد سبك وتصفية إن كان المخرج له من أهل وجوب الزكاة (^٢٣) (والركاز: ما وجد من دِفْن الجاهلية) بكسر
لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ حيث علَّق وجوب زكاة الحبوب والثمار بيوم حصاده، ودل مفهوم الزمان على أنه لا زكاة عليه بعد ذلك، وكذا: الأمر هنا مطلق وهو يقتضي امتثال الأمر مرة واحدة ولا يقتضي التكرار الثانية: المصلحة؛ حيث إنه لو تكرَّر إخراج زكاة الشيء أكثر من مرة مع عدم نمائه لتضرَّر المالك، ولأدَّى إلى عدم ادخار المطعومات، وهذا مضرٌّ للمجتمع الإسلامي.
(^٢٣) مسألة: تجب الزكاة في المعْدَن إن كان واجده ممن تجب عليهم الزكاة: فإن كان هذا المعدن ذهبًا أو فضة وبلغ نصابًا فإن واجده يُخرج ربع عشره - كزكاة الأموال النقدية والذهب والفضة - كما سيأتي - وإن كان هذا المعدن غير الذهب والفضة كالحديد، والزبرجد، والجواهر، واللؤلؤ، والرخام، والكبريت، والبترول ونحو ذلك: فإنه يُخرج ربع عشر قيمته إن بلغت نصابًا بعد تصفيته؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ ويعم ذلك المعادن؛ لكونها مخرجة من الأرض؛ لأن "ما" موصولة وهي من صيغ العموم، فتجب الزكاة فيها؛ لأن الأمر مطلق وهو يقتضي الوجوب، والنفقة تطلق على الزكاة، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "في الرِّقة ربع العشر" يقصد يُخرج ربع العشر من الورق، الثالثة: القياس، بيانه: كما أن الحبوب والثمار تجب فيها الزكاة فكذلك المعادن مثلها، والجامع: أن كلًا منها مستفاد ومخرج من الأرض، فإن قلتَ: لمَ وجبت الزكاة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه شكر لله على تلك النعمة، ويتحمَّل المواساة.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
الدال، أي: مدفونهم، أو من تقدَّم من كفار عليه، أو على بعضه علامة كفر فقط: (ففيه الخمس في قليله وكثيره)، ولو عَرَضًا؛ لقوله ﷺ: "وفي الركاز الخمس" متفق عليه عن أبي هريرة، ويُصرف مصرف الفيء المطلق للمصالح كلها وباقيه لواجده، ولو أجيرًا لغير طلبه (^٢٤)، وإن كان على شيء منه علامة المسلمين: فلُقطة، وكذا:
(^٢٤) مسألة: الركاز، وهو: أن يجد شخص مالًا مدفونًا تحت الأرض تظهر عليه أو على بعضه علامات تدلُّ على أنه مدفون في الجاهلية، أو دفنه قوم من الكفار، فهذا يُخرج منه خُمُسَه: سواء كان كثيرًا أو قليلًا، وسواء وُجد في ديار المسلمين، أو الكفار، وسواء وجده في مُلكه أو لا، وسواء وجده مكلَّف أو لا، وسواء بلغ الموجود نصابًا أو لا، وسواء حال عليه الحول أو لا، وهذا الخُمُس يُصرف في مصارف الفيء فيُوضع في مصالح المسلمين العامه والباقي - وهو: أربعة أخماسه - يكون لذلك الشخص الذي وجده وإن وجده أجير حفر لغير قصد؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "وفي الركاز الخمس" فأوجب الشارع إخراج خمس الركاز الذي وُجد؛ لأن "في" من صيغ الواجب، وهو عام لكل ما ذكر؛ لأن لفظ "الركاز" اسم جنس معروف بأل وهو من صيغ العموم، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن رجلًا قد وجد ألف دينار مدفونة خارج المدينة، فأتى عمر ﵁ بها، فأخذ عمر منها الخمس - وهي: مائتا دينار - ودفع للرجل بقيتها، وجعل عمر يُقسِّم المائتين على من حضر من المسلمين في مصالحهم، وفعل علي ﵁ مثل ذلك، فإن قلتَ: لمَ يؤخذ منه الخمس، ويُدفع الباقي لواجده؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الخمس من حقوق المسلمين كما يُقال في خمس الغنيمة، وواجده هو الذي تسبَّب في إظهاره فيكون من حقِّه الأكثر. [فرع]: يجوز لواجد الركاز أن يتولى بنفسه تفرقة خُمُس الركاز في مصالح المسلمين، دون الرجوع إلي الإمام أو نائبه، ويحتفظ بالباقي لنفسه؛ للقياس، بيانه: كما يجوز له أن يفرق الزكاة بين مستحقيها، فكذلك يجوز ذلك في =
[ ٢ / ٢٥٩ ]
إن لم تكن علامة (^٢٥).
الركاز والجامع: أن كلًا منهما حق واجب، مؤتمن عليه، فإن قلتَ: لمَ جاز ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.
(^٢٥) مسألة: إن وجد شخص مالًا مدفونًا لم تظهر عليه أو على بعضه علامة الكفار، أو ظهرت عليه أو على بعضه علامة المسلمين - بذكر بعض الخلفاء أو نحو ذلك -: فإن حكم ذلك حكم اللُّقطة وهو: أن يُعرَّف عامًا للآخرين، فإن لم يُوجد صاحبه: فيملكه واجده؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل فيما يُوجد في ديار المسلمين: أن يكون للمسلمين، إذا لم توجد علامة الكفار، فيُستصحب ذلك، ويعمل بأحكام المسلمين فيه، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: لتغليب دار الإسلام على دار الكفر، فإن قلتَ: لمَ ذكرت أحكام المعادن والركاز في باب "زكاة الثمار والحبوب"؟ قلتُ: لاشتراك الثمار والحبوب، والمعادن والركاز في كونها مُستخرجة من الأرض.
هذه آخر مسائل باب "زكاة الحبوب والثمار" ويليه باب "زكاة النقدين"
[ ٢ / ٢٦٠ ]