هو: اسم مصدر من "أفطر الصائم إفطارًا"، وهذه يُراد بها الصدقة عن البدن، وإضافتها إلى "الفطر" من إضافة الشيء إلى سببه (^١) (تجب على كل مسلم) من أهل البوادي وغيرهم، وتجب في مال اليتيم؛ لقول ابن عمر ﵃: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر: صاعًا من بُرٍّ، أو صاعًا من شعير على العبد، والحر، والذكر، والأنثى، والصغير، والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى
باب زكاة الفطر
وفيه خمس وثلاثون مسألة:
(^١) مسألة: المراد بزكاة الفطر: صدقة الفطر الواجبة التي تُدفع قبل صلاة عيد الفطر، فإن قلتَ: لمَ شُرعت زكاة الفطر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنها سبب لطهرة الصائم من اللغو والرفث، فتكون مُكفِّرة لما حصل منه من الخلل أثناء صيامه، وهي سبب أيضًا لإغناء الفقراء والمساكين ومنعهم من أن يتكفَّفوا ويسألوا الناس في يوم العيد، فيكون فيها إعزاز لهم، وهو ما نص عليه الحديث؛ حيث قال ﷺ: "أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم" فإن قلتَ: لمَ ذُكرت زكاة الفطر في كتاب الزكاة مع أنها مُختصَّة برمضان؟ قلتُ: لكونها من الواجبات المالية، ولأنها تُعتبر زكاة عن البدن والنفس، فإن قلتَ: لمَ سُمِّيت بصدقة الفطر؟ قلتَ: لأن الزكاة تسمَّى صدقة شرعًا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ..﴾ وقال النبي ﷺ لمعاذ: "وأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تُؤخذ من أغنيائهم وتُدفع إلى فقرائهم" فإن قلتَ: لمَ أضيفت الزكاة إلى الفطر؟ قلتُ: لبيان أن سبب هذه الزكاة هو: الإفطار من صيام رمضان، وأنه مُكفِّر للخلل الذي حصل في صيامه من باب: "إضافة الشيء إلى سببه" وهي تسمية مجازية.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
الصلاة" متفق عليه، ولفظه للبخاري (^٢) (فضُل له) أي: عنده (يوم العيد وليلته صاع عن قوته وقوت عياله)؛ لأن ذلك أهم فيجب تقديمه؛ لقوله ﷺ: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" (^٣)، ولا يُعتبر لوجوبها ملك نصاب (^٤)، وإن فَضُل بعض
(^٢) مسألة: يجب على كل مسلم أن يُخرج صاعًا من تمر - ونحوه مما سيأتي ذكره -: سواء كان هذا المسلم كبيرًا أو صغيرًا، حرًا أو عبدًا، حضريًا أو بدويًا، ذكرًا أو أنثى، وسواء صام رمضان كله، أو بعضه، أو لم يصمه؛ لعذر كنفاس، أو حيض، أو مرض أو سفر، أو كِبر؛ للسنة القولية؛ حيث قال ابن عمر: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر: صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والكبير والصغير من المسلمين" وهذا عام فيشمل جميع ما ذكرنا؛ لأن لفظ "المسلمين" جمع معرَّف بأل وهو من صيغ العموم، ولفظ "فرض" من صيغ الوجوب.
(^٣) مسألة: يُشترط لوجوب زكاة الفطر: أن يكون هذا الصاع الذي يُريد إخراجه زكاة قد فضل وزاد عن قوت نفسه، وقوت من يعول من أولاد وزوجات وعبيد وغيرهم ممن تجب نفقتهم عليه، وذلك في ليلة العيد ويومه إلى قبل صلاة العيد، أما إن كان محتاجًا إلى ذلك الصاع هو أو أحد ممن يعول: فإنها تسقط عنه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه، فيجب على المسلم أن يبدأ بنفسه بإغنائها عن السؤال، فإن زاد شيء: وجب أن يُخرجه، لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، و"ثم" للعطف مع الترتيب والتراخي فلزم ما قلناه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تقديم الأهم، وهي إغناء النفس؛ لإعزازها وإكرامها - على المهم - وهو: إغناء الآخرين.
(^٤) مسألة: لا يُشترط لوجوب زكاة الفطر: أن يملك المسلم نصابًا من الثمار والحبوب، وعليه: فتجب على الفقير الذي لا يملك إلا ما يُغنيه ويحتاجه إلى =
[ ٢ / ٢٨٤ ]
صاع: أخرجه؛ لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (^٥) (و) يُعتبر كون ذلك كله بعد (حوائجه الأصلية) لنفسه أو لمن تلزمه مؤنته من مسكن، وعبد، ودابة، وثياب بذلة، ونحو ذلك (^٦) (ولا يمنعها الدَّين)؛ لأنها ليست واجبة في المال
يوم العيد وليله وزيادة ذلك الصاع؛ للسنة القولية؛ وهي حديث ابن عمر السابق ذكره في مسألة (٢)؛ حيث يشمل الغني والفقير، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لكونه قد حصل له الغنى ذلك اليوم وليلته فاحتمل ماله مواساة الفقراء.
(^٥) مسألة: يجب إخراج بعض الصاع إن كان هو الفاضل فقط عن حاجته وحاجة من يعول؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه؛ حيث إن زكاة الفطر أُمر بإخراجها أمر إيجاب، وهذا لا يستطيع إخراج صاع كامل، فيُخرج ما يستطيعه منه وجوبًا، لأن الأمر في قوله: "فأتوا منه" مطلق، وهو يقتضي الوجوب، ولفظ "من" هنا للتبعيض، فوجب إخراج بعضه، و"ما" الموصولة من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ وجب هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سدُّ بعض حاجة الفقير، وهو أولى من أن لا يُحرم كليًا.
(^٦) مسألة: يُشترط لوجوب زكاة الفطر: أن يكون هذا الصاع الذي يُريد إخراجه زكاة فاضلًا وزائدًا عن حوائجه الأصلية وحوائج من يعولهم: فلا يحتاجه لمسكن أو ملبس، أو خدمة، أو مركوب أو ثياب زينة في هذا اليوم، ولا يحتاجه لفراش أو غطاء أو أي أثاث فمثلًا: لو كان يجد صاعًا من بُرٍّ ولكنه يحتاج إلى ثمنه ليستأجر دابة ليركب عليها لضرورة أو حاجة: فإن زكاة الفطر تسقط عنه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وهذا عام؛ لأن "ضرر وضرار" نكرة في سياق نفي، وهذا من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه؛ حيث إنه إذا دفع ذلك الصَّاع وهو مُحتاج إلى ثمنه للحقه ضرر، فدفعًا لذلك شرع، وهذا هو المقصد الشرعي منه.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
(إلا بطلبه) أي: طلب الدَّين، فيُقدِّمه إذن؛ لأن الزكاة واجبة؛ مواساة، وقضاء الدَّين أهم (^٧) (فيُخرج) زكاة الفطر (عن نفسه)؛ لما تقدَّم (و) عن (مسلم يمونه) من الزوجات، والأقارب، وخادم زوجته إن لزمته مؤنته، وزوجة عبده الحرة، وقريبه الذي يلزمه إعفافه؛ لعموم قوله ﷺ: "أدُّوا الفطرة عمَّن تمونون" (^٨)، ولا تلزمه فطرة من يمونه من الكفار؛ لأنها طهرة للمُخرج عنه، والكافر لا يقبلها؛ لأنه لا
(^٧) مسألة: لا يمنع الدَّين غير المطالب به زكاة الفطر، وعليه: فتجب زكاة الفطر وإن كان عليه دين إلا إذا طالب الدائن المدين بذلك الدين: فتسقط عنه زكاة الفطر هنا، للقياس، بيانه: كما أن النفقة واجبة على المسلم وإن كان عليه دين فكذلك زكاة الفطر واجبة مثلها والجامع: أن كلًا منهما طُعْمة، فيُطعمُها الفقراء كما يُطعِم عياله يوم العيد وليلته، فإن قلتَ: لمَ وجبت زكاة الفطر وإن كان عليه دين غير مطالب به؟ قلتُ: لعدم وجوبها في المال، ولتأكُّدها، فإن قلتَ: لمَ سقطت زكاة الفطر عن الشخص الذي يُطالب بدين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن سداد الدَّين المطالب به يدفع عنه مفسدة ومضرَّة المطالبة، والضيق والحرج، وإخراج زكاة الفطر مواساة للفقراء لا يُطالب بها عند العجز عنها، فسقطت الزكاة هنا؛ لأن دفع المفسدة مُقدَّم على جلب المصلحة.
(^٨) مسألة: إن كان المسلم قادرًا على إخراج زكاة الفطر عن نفسه وعمَّن يمون من قرابته من الزوجات والأولاد، والأقارب، ومن يلزمه إعفافه ونفقته من غيرهم كخادمه، وزوجة عبده الحرة: فإنه يجب أن يُخرجها عنه وعنهم؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" وقد سبق بيانه وتقريره في مسألة (٣) تنبيه: ما ذكر المصنف مما روي عنه ﷺ أنه قال: "أدوا الفطرة .. " قد ضعَّفه كثير من أئمة الحديث، وبعضهم ذكر أنه موقوف على راويه.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
يُطهره إلا الإسلام، ولو عبدًا (^٩)، ولا تلزمه فطرة أجير وضئر استأجرهما بطعامهما (^١٠)، ولا من وجبت نفقته في بيت المال (^١١) (ولو) تبرَّع بمؤنة شخصٍ جميع
(^٩) مسألة: إذا كان المسلم يمون بعض الكفار كعبيد وزوجات وإماء: فلا يجب عليه إخراج زكاة الفطر عنهم، وكذا: العكس، فلو كان الكافر يمون بعض المسلمين كأن يكون بعض المسلمين تحت يد كافر: فلا يجب عليه إخراج زكاة الفطر عنهم أيضًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ابن عمر ﵃: "فرض رسول الله زكاة الفطر .. " إلى قوله: "من المسلمين - وقد سبق في مسألة (٢) - حيث دلَّ مفهوم الصفة من "المسلمين" على أن الكافر لا تُخرج عنه زكاة الفطر، ولا يُخرج هو عن المسلم، فإن قلتَ: لمَ لا يُخرج المسلم عمَّن يمونه من الكفار؟ قلتُ: لأن زكاة الفطر طهرة عن مُخرجها، والكافر لا يُطهِّره إلا دخوله في الإسلام، فإن قلتَ: لمَ لا يخرج الكافر عمن يمونه من المسلمين؟ قلتُ: لأن الكافر غير مخاطب بفروع الشريعة في الدنيا، والمسلم تسقط عنه زكاة الفطر بهذا العذر - وهو كونه تحت يد كافر - وقد بينتُ ذلك في كتابي: "الإلمام في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام".
(^١٠) مسألة: إذا كان زيد مستأجرًا لعمرو ليعمل عنده، أو كان مستأجرًا لزينب لتُرضع له ولده - وهو: الضئر - وكانت هذه الأجرة هي: إطعامهما وقت الأجرة، فجاء عيد الفطر وهما عنده: فلا تجب على زيد أن يُخرج زكاة الفطر عنهما؛ للقياس، بيانه: كما لو اشترى زيد من عمرو وزينب شيئًا: فلا يجب على زيد إلا أن يدفع المتفق عليه من الثمن فكذلك هنا، والجامع: عدم وجوب الزيادة على المستأجِر، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مضرَّة عن زيد.
(^١١) مسألة: إذا وجبت نفقة زيد على بيت المال؛ نظرًا لكونه لقيطًا - لا يُعرف نسبه - أو عبدًا - لا يُعرف سيِّده -: فإن زكاة فطرته تُؤخذ من بيت المال؛ =
[ ٢ / ٢٨٧ ]
(شهر رمضان): أدَّى فطرته؛ لعموم الحديث السابق، بخلاف ما لو تبرَّع به بعض الشهر (^١٢) (فإن عجز عن البعض) وقدر على البعض: (بدأ بنفسه)، لأن نفقة نفسه مُقدَّمة فكذا: فطرتها (فامرأته)؛ لوجوب نفقتها مُطلقًا، ولآكديتها، ولأنها معاوضة (فرقيقه)؛ لوجوب نفقته مع الإعسار، ولو مرهونًا، أو مغصوبًا، أو غائبًا، أو لتجارة (فأمُّه): لتقديمها في البر (فأبيه)؛ لحديث: "من أبرُّ يا رسول الله؟ "، (فولده)؛ لوجوب نفقته في الجملة (فأقرب في ميراث)؛ لأنه أولى من غيره (^١٣)، فإن استوى
للقياس؛ بيانه: كما وجبت نفقته على بيت المال فكذلك زكاة الفطر مثلها والجامع: أن كلًا منهما طُعمة، وهو حق من حقوقه.
(^١٢) مسألة: إذا تبرَّع وتطوَّع زيد بأن يقوم بمؤنة عمرو والنفقة عليه طوال شهر رمضان: فيُستحب أن يُخرج زيد عنه زكاة الفطر، ولا تجب عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم وجوب نفقة عمرو على زيد شرعًا: عدم وجوب زكاة الفطر على زيد عنه؛ لكون زيدًا قد تبَّرع وتطوع فقط بنفقته، فإن قلتَ: بل تجب على زيد زكاة الفطر عن عمرو إن أنفق عليه طوال الشهر، بخلاف ما لو أنفق عليه بعض الشهر فلا تجب - وهو: ما ذكره المصنف هنا - قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، والحديث الذي استُدل به - وهو: "أدُّوا الزكاة .. " - ضعيف كما سبق ذكره.
(^١٣) مسألة: إذا كان يمون عددًا من الأقرباء والعبيد ولا يقدر على إخراج زكاة جميعهم فيلزم ما يلي: أولًا: أن يبدأ بنفسه فيُخرج الزكاة عنها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ابدأ بنفسك" وقد سبق بيانه، ثانيًا: إن بقي شيء: فإنه يُخرجه زكاة عن زوجته، للتلازم؛ حيث إن وجوب نفقتها على سبيل المعاوضة عن الوطء مع العسر واليُسر يلزم منه تأكد نفقتها على زوجها، وتقديمها على أقربائه، فيلزم من ذلك تقديم إخراج زكاة الفطر عنها على =
[ ٢ / ٢٨٨ ]
اثنان فأكثر ولم يفضل إلا صاع: أُقرع (^١٤) (والعبد بين شركاء عليهم صاع) بحسب مُلكهم فيه كنفقته، وكذا: حرٌّ وجبت نفقته على اثنين فأكثر يُوزَّع الصاع بينهم
غيرها؛ لكون غيرها من الأقرباء تلزم نفقتهم مع اليُسر فقط، ثالثًا: إن بقي شيء بعد ذلك: فإنه يُخرجه عن عبده: سواء كان عنده أو لا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجوب نفقة العبد مع اليُسر والعسر: وجوب تقديمه على غيره في إخراج زكاة الفطر، رابعًا: إن بقي شيء بعد ذلك: فيُخرجه عن أُمِّه؛ للتلازم؛ حيث إن تقديمها في البِّر على الأب ثلاث مرات، وضعفها عن التكسُّب بنفسها يلزم منه تقديمها على الأب، خامسًا: إن بقي شيء بعد ذلك: فإنه يُخرجه عن أبيه؛ للتلازم؛ حيث إن ذكره بعد الأم في البر: يلزم جعله بعدها في الرتبة في ذلك، سادسًا: إن بقي شيء بعد ذلك: فيُخرجه عن أولاده - بنين أو بنات -؛ للتلازم؛ حيث إن وجوب نفقة الولد على الوالد في الجملة: يلزم منه تقديمه على غيره من الأقرباء خاصة الصغير منهم؛ لعجزه عن التكسُّب، سابعًا: إن بقي شيء بعد ذلك: فيُخرجه عن أقرب وارث له؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تقديمه في الميراث: تقديمه في إخراج الزكاة عنه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا الترتيب؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تقديم الأهم والأحق في المؤنة والمسؤولية.
(^١٤) مسألة: إن وُجد قريبان متساويان في الرُّتبة، وليس عنده إلا صاع واحد: كأن يكون عنده زوجتان، أو عبدان، أو ولدان: فإنه يُقرع بينهما: فمن أصابته القرعة: أخرج عنه ذلك الصاع، وترك الآخر ولا يُخرج نصفه عن واحد، والنصف الآخر عن الآخر؛ للتلازم؛ حيث إن تساوي المستحقين، وعدم وجود المرجِّح: يلزم الحكم بالقرعة؛ لكونها طريقًا من طرق تقسيم الحقوق إذا تساوى المستحقون؛ إذ لا يجوز ترجيح بدون مُرجِّح، ويلزم من أن الصاع كاملًا هو المشروع: أن لا يُجزئ بعضه عن مسلم.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
بحسب النفقة؛ لأن الفطرة تابعة للنفقة (^١٥) (ويُستحبُّ) أن يخرج (عن الجنين)؛ لفعل عثمان ﵁، ولا تجب عنه؛ لأنها لو تعلَّقت به قبل ظهوره: لتعلَّقت الزكاة بأجنَّة السوائم (^١٦) (ولا تجب لـ) زوجة (ناشز)؛ لأنها لا تجب عليه نفقتها، وكذا:
(^١٥) مسألة: إذا وجد عبد يملكه اثنان أو أكثر: فإنه يُخرج عنه صاع يشترك فيه هؤلاء الشركاء في العبد، فلو اشترك أربعة في عبد: فإن كلَّ واحد منهم يدفع ربع الصاع، وكذا: الحرُّ إذا وجبت نفقته على مجموعة كأن يشترك أربعة أبناء في الإنفاق على أبيهم: فإن كلَّ واحد منهم يجب عليه ربع صاع وهكذا؛ للقياس؛ بيانه: كما أن نفقة العبد المشترك بين أشخاص، ونفقة الحر الواجبة على المتساويين في النفقة يشترك الجميع في ذلك، فكذلك يشتركون في الصاع الذي يُخرج زكاةً للفطر عن هذين، والجامع: الشراكة في كل، فإن قلتَ: لا تجب زكاة الفطر عن العبد المشترك وهو قول كثير من الحنفية؛ للقياس، بيانه: كما أن المكاتب لا تجب على سيده زكاة الفطر عنه، فكذلك العبد المشترك مثله والجامع: الشراكة في العبد، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن المكاتب لا تلزم سيده نفقته؛ لكونه اشترى نفسه من سيده على أقساط، فأصبح بذلك مسؤولًا عن نفسه في النفقة؛ بخلاف العبد المشترك؛ حيث تجب نفقته على الشركاء فيه، والفطرة تابعة للنفقة، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فنحن ألحقناه بالنفقة على العبد؛ لأنه أكثر شبهًا بذلك، وهم ألحقوه بالمكاتب؛ لأنه أكثر شبهًا به عندهم، وهذا يُسمَّى بـ "قياس الشَّبه" أو "غلبة الأشباه".
(^١٦) مسألة: يُستحب أن تُخرج زكاة الفطر عن الجنين - وهو: ماله أربعة أشهر في بطن أمِّه -؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن عثمان ﵁ قد أخرج عنه، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُعتبر صدقة مُطلقة؛ شكرًا لله تعالى كسائر الصدقات، فإن قلتَ: لمَ لا تجب الزكاة هنا؟ قلتُ: لكون الجنين لم =
[ ٢ / ٢٩٠ ]
من لم تجب نفقتها؛ لصغر ونحوه؛ لأنها كالأجنبية ولو حاملًا (^١٧)، ولا لأمة تسلَّمها ليلًا فقط وتجب على سيِّدها (^١٨) (ومن لزمت غيره فطرته) كالزوجة والنسيب
تثبت له أحكام الدنيا - إلا في الإرث والوصية - فلم تتعلَّق به الزكاة كأجنَّة البهائم السائمة، فإن قلتَ: لمَ حُدِّد ذلك بأربعة أشهر؟ قلتُ: لكونه إذا وصل إلى هذه المدَّة تُنفخ فيه الروح كما في الحديث، ولذلك إذا سقط بعد هذه المدة يُغسَّل ويُكفَّن، ويُصلى عليه، بخلاف من سقط قبل ذلك: فلا يُفعل به ذلك؛ لكونه ليس بإنسان.
(^١٧) مسألة: لا يجب على الزوج أن يُخرج زكاة الفطر عن زوجته الناشز - وهي التي تعصيه، وتترفَّع عليه، وتأتي بأفعال أو أقوال تحطُّ من كرامته، ولا تُطيعه إلا وهي مكرهة -، وكذلك المسافرة لقضاء حاجتها ولو كانت حاملًا؛ للقياس، بيانه: كما أن النفقة تسقط عن تلك الزوجة والأجنبية، فكذلك زكاة الفطر تسقط عنه والجامع: أن كلًا منهما يُعتبر نفقة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع للزوجات من العصيان والنشوز، فإن قلتَ: إن الزوجة الناشز الحامل يجب على زوجها إخراج زكاة الفطر عنها، وهو قول بعض العلماء؛ للقياس، بيانه: كما تجب النفقة على الحامل فكذلك يجب إخراج زكاة عنها، لأن الفطرة تابعة للنفقة قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن الإنفاق واجب بسبب الحمل فقط، أما الفطرة فلا تجب للمحمول به بل مُستحب - كما سبق في مسألة (١٦) -، فلا دخل للزوجة الحامل بهذا الإنفاق، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياسين" فألحقناها بالأجنبية؛ لكونها أكثر شبهًا بها، وألحقوها هم بالحامل؛ لأنها أكثر شبهًا بها عندهم.
(^١٨) مسألة: إذا اشترى زيد من عمرو أمة، وتسلَّمها زيد ليلة عيد الفطر: ففطرتها تكون على عمرو؛ للتلازم؛ حيث إن عمرًا قد أنفق على تلك الأمة في النهار -=
[ ٢ / ٢٩١ ]
المعسر (فأخرج عن نفسه بغير إذنه) أي: إذن من تلزمه: (أجزات)؛ لأنه المخاطب بها ابتداءً، والغير مُتحمِّل (^١٩)، ومن أخرج عمَّن لا تلزمه فطرته بإذنه: أجزأ، وإلا: فلا (^٢٠) (وتجب) الفطرة (بغروب الشمس ليلة) عيد (الفطر) لإضافتها إلى الفطر، والإضافة تقتضي الاختصاص والسببية، وأول زمن يقع فيه الفطر من جميع رمضان: مغيب الشمس من ليلة الفطر (فمن أسلم بعده) أي: بعد الغروب (أو ملك عبدًا) بعد الغروب (أو تزوَّج) زوجة بعد الغروب (أو وُلد له ولد) بعد الغروب: (لم تلزمه فطرته) في جميع ذلك؛ لعدم وجود سبب الوجوب (و) إن
ومعلوم أن النهار هو زمن النفقة - فيلزم أن يُخرج - أي: عمرو - فطرتها، لكون الفطرة تابعة للنفقة.
(^١٩) مسألة: إذا كان زيد يمون ولدًا من أولاده، ثم أخرج هذا الولد فطرته عن نفسه: فإنها تُجزئ: سواء أذن زيد أو لم يأذن وكذلك زوجته، وأبوه ونحو ذلك يقال فيهم مثل القول في ولده؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل: أن يُخرج كل مسلم فطرته عن نفسه؛ لأنه المخاطب بها، فإذا أخرجها عن نفسه فقد عمل بالأصل، تنبيه: كون زيد تحمَّلها؛ نظرًا لإعسار من يمونهم، فإذا أخرجها هؤلاء فإنهم أدُّوا ما عليهم أصلًا وابتداء.
(^٢٠) مسألة: إن كان زيد لا تلزمه مؤنة عمرو، وأخرج فطرة عمرو: فإنها تُجزئ عن عمرو إن أذن لزيد بذلك، فإن لم يأذن عمرو له: فلا يُجزئ هذا الإخراج، وبناء عليه: يجب أن يُخرج عمرو فطرته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إذن عمرو لزيد ذلك: إجزاء ذلك الإخراج عنه، ويلزم من عدم إذنه: عدم الإجزاء؛ لأن الأصل: وجوب الفطرة على كل أحد بنفسه.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وُجدت هذه الأشياء (قبله) أي: قبل الغروب: (تلزم) الفطرة لمن ذكر؛ لوجود السبب (^٢١) (ويجوز إخراجها) مُعجَّلة (قبل العيد بيومين فقط)؛ لما روى البخاري بإسناده عن ابن عمر ﵃: "فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان" وقال في آخره: "وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين"، وعُلم من قوله: "فقط": أنها لا تجزئ قبلهما؛ لقوله ﷺ: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم"، ومتى قدَّمها بالزمن الكثير: فات الإغناء المذكور (^٢٢) (و) إخراجها (يوم العيد قبل) مُضيه إلى
(^٢١) مسألة: وقت وجوب إخراج زكاة الفطر هو: غروب الشمس من ليلة عيد الفطر - وهو غروب شمس آخر يوم من أيام رمضان -، وبناء عليه: فلو أسلم شخص، أو ملك مسلم عبدًا مُسلمًا، أو وُلد له مولود، أو تزوَّج مُسلمة، أو أيسر بعد غروب الشمس ليلة عيد الفطر بلحظة: فلا تجب عليهم زكاة الفطر، ولو حصل ذلك قبله بلحظة: وجبت زكاة الفطر؛ للتلازم؛ حيث إن إضافة الزكاة إلى الفطر يلزم منه: أن يكون الفطر سببًا لوجوب الزكاة؛ لأن فطر رمضان جميعه يحصل بغروب الشمس من آخر يوم من رمضان فيتعلَّق الوجوب به، فيكون ما حدث بعد الغروب - من: إسلام، أو تملُّك عبد، أو ولادة، أو زواج أو يُسر - شيء قد حَدَث بعد خروج وقت الوجوب، كمن ملك مالًا جديدًا بعد إخراج زكاة ماله الأول فإن حوله يبدأ من حين ملكه الجديد كما سبق، ويلزم من حدوث هذه الأشياء قبل الغروب: وجوب زكاتهم؛ لوجودها قبل خروج وقته.
(^٢٢) مسألة: يُباح إخراج زكاة الفطر قبل يوم العيد بيوم أو يومين فقط، ولا يُجزئ إخراجها قبل ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: إجماع الصحابة؛ حيث قال ابن عمر ﵃: "كانوا يُعطون قبل الفطر بيوم أو يومين" وهذا عام لجميع الصحابة؛ حيث إن "واو الجماعة" من صيغ العموم، ودل مفهوم الزمان منه على عدم =
[ ٢ / ٢٩٣ ]
(الصلاة: أفضل)؛ لحديث ابن عمر السابق أول الباب (^٢٣) (وتكره في باقيه) أي:
جواز إخراجها قبل الفطر بثلاثة أيام أو أكثر، الثانية: السنة القولية: حيث قال ﷺ: "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم" حيث يلزم من قوله: "اغنوهم": أن لا تُخرج قبل الفطر بثلاثة أيام؛ حيث إنها ستنتهي غالبًا بأكلها، إذا أخرجت قبل الفطر بثلاثة أيام، ولا يتمُّ إغناؤهم في يوم العيد، فإن قلتَ: لمَ أُبيح إخراجها قبل الفطر بيوم أو يومين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على المسلمين، ولا يُخلُّ ذلك بالمقصود منها؛ حيث إنها ستبقى غالبًا إلى آخر يوم العيد، فيتم الإغناء بها، فإن قلتَ: يُباح إخراجها من أول يوم من أيام رمضان، وهو قول الحنفية وبعض الشافعية، وقال آخرون: يُباح إخراجها من مُنتصف، رمضان، للسنة القولية؛ حيث قال ابن عمر: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر: صاعًا من تمر .. " وهذا مُطلق في الأزمان، فيشمل ما ذُكر قلتُ: هذا مُقيَّد بالقاعدتين اللَّتين قد ذكرناهما - وهما: الإجماع، والسنة القولية - وقد سبق بيانهما، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة القولية التي رواها ابن عمر مع السنة القولية وهي قوله: "اغنوهم … " والإجماع فعندنا: أن السنة القولية التي رواها ابن عمر قد قيدت بالسنة القولية الأخرى، والإجماع وعندهم: لا.
(^٢٣) مسألة: أفضل وقت لإخراج زكاة الفطر هو: يوم العيد، قبل خروج المسلم إلى صلاة العيد؛ للسنة القولية؛ حيث قال ابن عمر: "أمر بها رسول الله ﷺ أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة" وإجماع الصحابة قد صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب؛ حيث قال ابن عمر: "كانوا يُعطون قبل الفطر بيوم أو يومين" وقد سبق تقريره في مسألة (٢٢) فإن قلتَ: لمَ كان ذلك هو أفضل وقت؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك سيُحقِّق إغناء الفقير عن السؤال في يوم العيد.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
باقي يوم العيد بعد الصلاة (^٢٤) (ويقضيها بعد يومه) ويكون (آثمًا) بتأخيرها عنه؛ لمخالفته أمره ﷺ بقوله: "أغنوهم في هذا اليوم" رواه الدارقطني من حديث ابن عمر (^٢٥) ولمن وجبت عليه فطرة غيره: إخراجها مع فطرته مكان نفسه (^٢٦) فصل:
(^٢٤) مسألة: يُكره إخراج زكاة الفطر بعد صلاة العيد إلى غروب شمس يومه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم" واليوم الكامل يبدأ من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس - كيوم الصوم -، فإذا أُخرجت قبل صلاة العيد: فإنه يتحصَّل الإغناء الكامل، وإذا أُخرجت بعدها: فلا يحصل الإغناء الكامل، بل بعضه، فلا يحصل كل المقصود منها، فلزم من ذلك كراهة ذلك؛ لفوات بعض المصلحة منها، وهو المقصد من ذلك الحكم.
(^٢٥) مسألة: إذا أخَّر زكاة الفطر عن يوم عيد الفطر، فيجب أن يُخرجها قضاءً بعده، فإن كان هذا التأخير لعذر - كان لا يجد من يستحقها، أو أخَّرها وكيله، أو علم أن يوم العيد بالأمس -: فإنه لا يأثم، وإن أخَّر لغير عذر: فإنه يأثم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم" حيث دل مفهوم الزمان على أنه إذا أخَّرها عن يوم العيد: فإنه يأثم؛ لمخالفته الأمر المطلق الدال على الوجوب، الثانية: القياس، بيانه: كما أنه إذا ترك الصلاة لعذر كنوم أو نسيان، ثم ذكرها بعد خروج وقتها: فإنه يجب عليه أن يقضيها ولا يأثم، وإذا تركها لغير عذر: فإنه يُصلِّيها قضاء ويأثم؛ فكذلك زكاة الفطر مثل ذلك والجامع: أن كلًا منهما مأمور به أمر إيجاب بأن يُفعل في وقت معيَّن، وأن الواجب لا يسقط بفوات وقته، ولا تبرأ الذمة إلا بالفعل في كل، وهو المقصد.
(^٢٦) مسألة: إذا كان زيد يقوم بمؤنة ونفقة بعض أقاربه وهو - أي: زيد - بعيد عن البلد الذي يُقيم فيه هؤلاء الأقارب كان يكون هو في مكة، وهم في بغداد: فإنه =
[ ٢ / ٢٩٥ ]
(ويجب) في الفطرة (صاع) أربعة أمداد، - وتقدَّم في الغُسْل - (من بُرٍّ، أو شعير، أو دقيقهما، أو سويقهما) أي: سويق البر، أو الشعير، وهو: ما يُحمَّص، ثم يُطحن، ويكون الدقيق أو السويق بوزن حبِّه (أو) صاع من (تمر، أو زبيب، أو أقط) يُعمل من اللَّبن المخيض؛ لقول أبي سعيد الخدري: "كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا نبينا رسول الله ﷺ صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط" متفق عليه (^٢٧)، والأفضل: تمر، فزبيب، فبرٍّ، فأنفع،
يُخرج زكاة الفطر عنهم في البلد الذي يُقيم فيه - وهي: مكة هنا - مع إخراج فطرته؛ للتلازم؛ حيث إن وجوب زكاة الفطر عليه عنهم، وتعلُّق الفقراء بها؛ لعلمهم بغناه يلزم منه: إخراجها مع فطرته في البلد الذي يُقيم هو فيه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط للدِّين، وآكد لإخراجها.
(^٢٧) مسألة: يُخرج كل مسلم - وجبت عليه زكاة الفطر - صاعًا من أحد أصناف خمسة وهي: إما من بُرٍّ، أو من شعير، أو من تمر، أو من زبيب، أو من أقط، ولو لم تكن من قوت البلد؛ للسنة التقريرية؛ حيث ذكر أبو سعيد الخدري أن الصحابة كانوا يخرجون زكاة الفطر من أحد هذه الأصناف، دون نكير منه ﷺ؛ وإقراره الأقط والزبيب بأنهما يخرجان مع أنهما ليسا من قوت المدينة المنورة في عصره يدل على عدم اشتراط قوت البلد؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قلتَ: لمَ حُددت هذه الأصناف دون غيرها؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس، حيث إن كلَّ صنفٍ يُحقِّق إغناء الفقير في يوم العيد، فإن قلتَ: لمَ اقتصر على الصاع الواحد هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يكفي الفقير في ذلك اليوم، ولا يضرُّ بمال المخرج، [فرع] يُخرج "البرُّ" و"الشعير" مُطلقًا: أي: سواء كان حبًا =
[ ٢ / ٢٩٦ ]
فشعير، فدقيقهما، فسويقهما، فأقط (^٢٨) (فإن عدم الخمسة) المذكورة: (أجزأ كُلُّ
عاديًا، أو محموسًا - وهو: السَّويق منهما -، أو كان دقيقًا وطحينًا على وزن الحبِّ، والمراد بـ "الزَّبيب": يابس العنب، والمراد بـ "الأقط": اللَّبن المخيض بعد تجفيفه، والمراد بـ "التمر" هو: التمر الجاف الذي يمكن أن يُكال أو يوزن، فلا يُخرج "الرُّطَب"، [فرع آخر] الصاع: أربعة أمداد، كل مُدٍّ يُعادل حفنة بكفَّي الرجل المعتدل في الخِلْقة، وهو: يُعادل (٣) كجم تقريبًا وقد سبق بيان ذلك، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي البرُّ بالطعام في الحديث السابق؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن البرَّ أنفع الأطعمة قديمًا وحديثًا، وأقلُّها ضررًا، وكان أهل الحجاز قد تعارفوا بأنه هو الطعام الحقيقي، فإن قلتَ: لمَ جاز إخراج سويق البر والشعير ودقيقهما؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أنفع للفقير؛ حيث إنه قد كُفي الفقير مؤنة طحنه وحمسه، وهو ممكن كيله، ووزنه، وادخاره، فإن قلتَ: لمَ لا يُجزئ إخراج الرُّطب، والعنب؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه دفع الضرر عن الفقير؛ لكون الرطب والعنب ينقصان إذا يبسا.
(^٢٨) مسألة: الأفضل أن يخرج المسلم صاعًا من أيِّ طعامٍ يُعتبر هو قوت البلد العام، ويسهل الانتفاع به بدون تكلفة، ويشتهيه أكثر أهل البلد كالأرز في أيامنا هذه: لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث ورد في حديث أبي سعيد السابق: "صاعًا من طعام" وقد حُمل الطعام في عهده ﷺ على البر؛ لكونه هو المنتشر في بلاد الحجاز، وهو المستطعم به عامة، ويُحمل الآن على الأرز ويُخصَّص به؛ لكونه هو الطعام المنتشر الآن، الثانية: المصلحة؛ حيث إن الطعام الذي ينتفع به الأكثر كالأرز الآن يحقق إغناء الفقير؛ لكونه أشهى، ويُطبخ بدون طحن، ويقبله عامة الناس عند البيع والشراء، فإن قلتَ: الأفضل أن يُخرج صاعًا من تمر، ويليه في الأفضلية صاع من زبيب، ويليه في ذلك صاع =
[ ٢ / ٢٩٧ ]
حبٍّ) يُقتات (وثمر يُقتات) كالذرة، والدخن، والأرز، والعدس، والتِّين اليابس (^٢٩)، و(لا) يُجزئ (معيب) كمسوس، ومبلول، وقديم تغيَّر طعمه، وكذا: مُختلط بكثير مما لا يُجزئ، فإن قلَّ: زاد بقدر ما يكون المصفَّى صاعًا، لقلَّة مشقَّة تنقيته (^٣٠)، وكان ابن سيرين، يُحبُّ أن يُنقَّى الطعام، وقال أحمد: وهو أحبُّ
من بُرٍّ، ويليه في ذلك صاع مما ينفع الناس - غير التمر والزبيب والبر - من أرز ونحوه، ويلي ذلك في الأفضلية صاع من شعير، ويليه في ذلك صاع من دقيق البر أو الشعير، ويليه في ذلك صاع من سويق البر أو الشعير، ثم يلي ذلك صاع من الأقط، وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا الترتيب فيه نفع للفقراء قلتُ: إن مصلحة الفقير تتحقَّق فيما قلناه من إخراج غالب قوت البلد كالأرز في هذه الأيام، وهي أرجح من المصلحة التي ذكروها، يُؤيد ذلك السنة التقريرية التي استدللنا بها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض المصلحتين" حيث إن المصلحة التي ذكرناها أشمل وأعم فأخذنا بها، بخلاف المصلحة الأخرى.
(^٢٩) مسألة: إذا فُقدت تلك الأصناف الخمسة - وهي: البر، والتمر، والشَّعير، والزبيب، والأقط -: فإنه يُجزئ عنها إخراج كلَّ حبٍّ وثمر كالذرة، والأرز، والتين الجاف، والعدس، ونحو ذلك بشرط: أن يكون مُقتاتًا يُستساغ أكله عادة؛ للمصلحة؛ حيث إن المقصود هو: إغناء الفقير عن السؤال في يوم العيد، وإخراج الطعام الذي يقتاته أهل البلد عادة يُحقِّق ذلك المقصود، وهذا فيه مصلحة للفقراء وللأغنياء كما قال ابن القيم.
(^٣٠) مسألة: لا يُجزئ أن تُخرج زكاة الفطر من أصناف معيبة أو أكثرها معيبة: كأن يكون قد أصابه بلل فنفخه، أو أكله السوس فنخر جوفه، أو تغيَّر طعمه، أو ريحه من طول مكثه، أما إن كان المعيب أقل من الصحيح: فإنه يُجزئ أن =
[ ٢ / ٢٩٨ ]
إلي (^٣١) (ولا) يُجزئ (خبز)؛ لخروجه عن الكيل، والادِّخار (^٣٢) (ويجوز أن يُعطى الجماعة) من أهل الزكاة (ما يلزم الواحد وعكسه): بأن يُعطى الواحد ما على الجماعة (^٣٣)، والأفضل: أن لا ينقص مُعطَى عن مدِّ بُرٍّ، أو نصف صاع من
يُخرج منه زكاة الفطر بشرط: أن يزيد من هذه الحبوب والثمار المختلطة حتى يغلب على ظنه أن المخرج يبلغ صاعًا فيما لو صُفِّي؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم" والحبوب والثمار المعيبة، أو التي أكثرها كذلك لا يحصل فيها الإغناء؛ لكونها لا تؤكل أصلًا، فيلزم أن لا يجزئ إخراجها عن الواجب، بخلاف ما إذا كان الأقلُّ معيبًا فيمكن أن يحصل به الإغناء؛ لأن تصفيته وتنقيته لا مشقَّة فيها، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حماية للفقير من أن يُسلب حقه.
(^٣١) مسألة: يُستحب أن تُنقَّى وتُصفَّى الحبوب والثمار التي يُريد إخراجها زكاة للفطر؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم" فلا يتحقَّق إغناؤهم إغناء كاملًا إلا إذا أُعطوا حبوبًا وثمارًا صالحة للأكل مباشرة، ولا يكون ذلك إلا بعد تنقيتها، وكان السلف يعملون ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحصيل الأجر الكامل، أصله قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
(^٣٢) مسألة: لا يُجزئ إخراج الخبز، والمكرونة، والهريسة ولا أي شيء صنع بالطبخ: بأن يقوم شخص بطحن الحب الذي يُريد إعطاءه الفقير، وعجنه وطبخه؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا يُفوِّت على الفقير منفعته الكاملة بما يُعطى؛ لفساده بالادخار، ومشقَّة معرفة وزنه وكيله بالتَّحديد.
(^٣٣) مسألة: يُباح أن يُقسِّم مسلم صاعًا واحدًا على عدد من الفقراء، ويُباح العكس: بأن يُعطي المسلم عدَّة أصواع لفقير واحد؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: =
[ ٢ / ٢٩٩ ]
غيره (^٣٤)، وإذا دفعها إلى مستحقها فأخرجها آخذها إلى دافعها، أو جُمعت الصدقة عند الإمام ففرقها على أهل السُّهمان فعادت إلى إنسان صدقتُه: جاز ما لم يكن حيلة (^٣٥).
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حيث أطلق الشارع ذلك، فلم يُحدِّد القدر المعطى، فإذا أعطى جمعًا من الفقراء والمساكين صاعًا واحدًا، قسَّمه بينهم، أو أعطى عِدَّة أصواع لفقير واحد: فإنه ينطبق عليه وصف الصدقة، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين.
(^٣٤) مسألة: إذا أراد مسلم أن يُقسِّم صاعًا على عدد من الفقراء: فيُستحبُّ أن يُقسِّمه على أربعة فقراء، كل واحد يأخذ مُدًّا إذا كان المخرج بُرًّا، أما إن كان غير بُرِّ - كتمر أو شعير، أو زبيب، أو أقط -: فيُستحب أن يُقسِّم الصاع على اثنين من الفقراء؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم" وربع الصاع من البر - وهو المدُّ - يُحقِّق هذا الإغناء، ونصف الصاع من غير البر يُحقِّق ذلك؛ لاختلاف البر عن غيره في الأهمية والفائدة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مُحاولة لتحقيق الإغناء بصورة كاملة.
(^٣٥) مسألة: إذا دفع زيد فطرته إلى عمرو - فدفعها عمرو إلى زيد - وهما مستحقان - أو جمعها الإمام عنده، ثم وزَّعها على الفقراء فعادت إلى زيد فطرته التي أخرجها: فإنه يجوز لزيد أن يأخذها بشرط: أن لا يقصد زيد أخذ فطرته بعينها، وتحايل لأجل ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن إخراج زيد لفطرته يلزم منه زوال ملكه لها، وقبولها بنفسها يُعتبر تمليكًا جديدًا، فإن قلتَ: لِمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك الشرط؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع للحيل المحرَّمة؛ لأن أي شيء من الصدقات جرَّ نفعًا لا يُسمَّى صدقة. [فرع]: لا يُجزئ إخراج القيمة =
[ ٢ / ٣٠٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالنقود عن الصاع من بُرٍّ ونحوه في زكاة الفطر؛ للسنة التقريرية؛ وهو حديث أبي سعيد الخدري السابق ذكره في مسألة (٢٧) حيث نصَّ على الأصناف الخمسة - وهي: البر، والشعير، والتمر، والزبيب والأقط - والنَّص عليها يلزم منه: عدم إجزاء إخراج غيرها ليس من جنسها، والقيمة ليست من جنسها، فلا يُجزئ إخراجها، فإن قلتَ: لمَ لا يُجزئ ذلك؟ قلتُ: لأن إخراجها تركًا للمأمور بإخراجه، فيكون إخراج القيمة مردودًا؛ عملًا بعموم قوله ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ"، فإن قلتَ: يُجزئ إخراج القيمة هنا، وهو قول كثير من الحنفية؛ للقياس، بيانه: كما أنه يجوز إخراج تلك الأصناف الخمسة من الأطعمة فكذلك يجوز إخراج القيمة والجامع: نفع الفقير في كل، بل إن هذا قياس أولى؛ لأن القيمة أنفع للفقير من تلك الأصناف؛ حيث إنه سيشتري بها طعامًا وغيره، قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن القيمة ليست من جنس الأطعمة؛ حيث إن الأطعمة أنفع للفقراء، والواقع يشهد لذلك؛ إذ قد يشتري الفقير بتلك القيمة أشياء تُفسده وتُفسد غيره، وقد يبخل رب الأسرة الفقيرة بتلك القيمة، فلا يُنفقها على أسرته، ثم إنه يلزم أن يشتري بتلك القيمة بعض الأطعمة وهذا قد يشق على بعض الناس، فدفعًا لذلك: شرع الشارع الأصناف الخمسة وما هو من جنسها فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل يُقاس على المحصور بعدد؟ " فعندنا: لا يُقاس هنا على تلك الأصناف الخمسة إلا ما هو من جنسها وعندهم: يقاس عليها ما هو من جنسها وما هو من غير جنسها بجامع: النفع كما سبق بيانه.
هذه آخر مسائل باب "زكاة الفطر" ويليه باب "إخراج الزكاة"
[ ٢ / ٣٠١ ]