الشرط: ما لا يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده (شروطها) أي: ما يجب لها (قبلها) أي: تتقدم عليها، وتسبقها، إلا النية: فالأفضل: مقارنتها للتحريمة، ويجب: استمرارها، أي: الشروط فيها، وبهذا المعنى فارقت الأركان (^١) (منها) أي: من شروط الصلاة: الإسلام، والعقل، والتمييز، وهذه
باب شروط صحة الصلاة
وفيه مائة وثنتان وستون مسألة:
(^١) مسألة: شروط صحة الصلاة الخاصة ستة: "دخول الوقت" و"الطهارة من الحدث" و"ستر العورة" و"اجتناب النجاسات" و"استقبال القبلة" و"النية" هذه الشروط يجب أن تتوفر قبل الدخول في الصلاة، ويجب أن تستمر إلى الفراغ منها، فلو: أحدث، أو انكشفت عورته، أو أصابته نجاسة، أو انحرف عن القبلة، أو نوى قطع الصلاة، أو علم أن الوقت لم يدخل قبل الانتهاء من الصلاة: فإن صلاته باطلة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط تلك الشروط: أن تبطل كل صلاة خلت منها أو من بعضها؛ لعدم الإتيان بالمشروع على ما أمر الله به؛ لعموم قوله ﷺ: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رَدُّ"، فإن قلت: لِمَ كان الأفضل في النية: أن تكون مقارنة للتحريمة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع لفكره، وقصده وإرادته، وحضوره عند تكبيرة الإحرام؛ حيث إنه في ذلك يُحضر ذهنه لما كان سيعلمه، فإن قلتَ: ما الفرق بين الشرط والركن من حيث الموضع؟ قلتُ: الشرط كما سبق بيانه لغة واصطلاحًا في مسألة (١٨) من باب "فروض الوضوء وصفته" وهو يكون خارج وداخل الصلاة، أما الركن: فلا يكون قبل الصلاة، بل هو داخل فيها، وينتقل في الصلاة من ركن إلى ركن - كما سيأتي بيانه في أركان الصلاة في باب "صفة الصلاة" -.
[ ١ / ٣٤٩ ]
شروط في كل عبادة - إلا التمييز في الحج ويأتي - ولذلك لم يذكرها كثير من الأصحاب هنا، (^٢) ومنها: (الوقت) قال عمر: "الصلاة لها وقت شرطه الله لها لا تصح إلا به" وهو حديث جبريل حين أمَّ النبي ﷺ في الصلوات الخمس، ثم قال: "يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك" فالوقت: سبب وجوب الصلاة؛ لأنها تضاف إليه، وتتكرر بتكرره، (^٣) (و) منها (الطهارة من الحدث): لقوله ﷺ: "لا يقبل الله
(^٢) مسألة: شروط صحة الصلاة العامة وصحة كل عبادة من: زكاة وصوم وحج وغيرها من النوافل ثلاثة، هي: "الإسلام" و"العقل" و"التمييز" إلا الحج فيصح من غير التمييز - وسيأتي بيان "أن وليه ينوي عنه" - فلا تصح صلاة ولا غيرها من كافر، ولا من مجنون، ولا من صبي غير مميز، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" فلا صحة لعمل إلا بنية التعبد به لله، وهذا لا يصح من كافر، ولا مجنون، ولا من غير مميز، ولذلك فإن اشتراط "النية" للصلاة يكفي عن ذكر اشتراط "الإسلام" و"العقل" و"التمييز" لها؛ إذ لا نية لكافر أو مجنون أو غير مميز، لذلك: لم يذكر الفقهاء تلك الثلاثة هنا؛ للعلم بها.
(^٣) مسألة: في الأول - من شروط صحة الصلاة - وهو: أن يدخل وقت الصلاة، فلا صحة لصلاة قبل دخول وقتها؛ للسنة القولية؛ حيث إن جبريل لما صلى بالنبي ﷺ عند البيت الصلوات الخمس في يومين - في أول الوقت وآخره - قال: "يا محمد: الوقت ما بين هذين الوقتين" ثم صلاها ﷺ بأصحابه على الصفة التي أخذها عن جبريل قائلًا: "صلوا كما رأيتموني أصلي" فلا تصح كل صلاة إلا بوقتها الذي حدده الشارع واستنادًا إلى هذا قال عمر: "الصلاة لها وقت شرطه الله لها لا تصح إلا به" وسيأتي بيان لتلك الأوقات، فإن قلتَ: لم كان دخول الوقت شرطًا من شروط صحة الصلاة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث =
[ ١ / ٣٥٠ ]
صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" متفق عليه (و) الطهارة من (النجس) فلا تصح الصلاة مع نجاسة بدن المصلي، أو ثوبه، أو بقعته ويأتي، (^٤) والصلوات
= إن كل وقت فيه أسرار لا يعلمها إلا الله ومنها: الامتحان والابتلاء، ومنها: شكر الله في هذه الأوقات لوجود نعم تقتضي الشكر - كما سبق بيانه - وهي أوقات قد صلى فيها بعض الأنبياء السابقين لنعم حدثت لهم فيها، يؤيده: قول جبريل: "يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك" فأراد الله تعالى أن يجمع لنا الخير الذي كان لهم، تلطفًا منه، فإن قلت: لِمَ سمَّى دخول الوقت شرطًا، وهو: سبب، والسبب تختلف حقيقته عن الشرط؛ حيث إن الشرط: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، فمثلًا: إذا لم توجد الطهارة: لا توجد صحة صلاة، وإذا وُجدت فقد تصح الصلاة؛ لوجود الشروط والأسباب الأخرى، وقد لا تصح لفقدان شرط آخر، أما السبب فهو: ما يلزم من وجود الوجود ويلزم من عدمه العدم فمثلًا: دخول الوقت يلزم منه: وجوب الصلاة، ويلزم من عدمه: عدم الوجوب، وكلما تكرَّر وجوده: تكرر الحكم؛ لأن الصلاة تضاف إليه، قلتُ: إن دخول الوقت قد اجتمع فيه السبب والشرط فهو: سبب لوجوب الصلاة، وشرط لصحتها منه؛ حيث إنه إذا دخل الوقت: وجبت الصلاة على هذا المكلف، فإذا صلى بعد ذلك: صحَّت صلاته، وقال بعضهم: إن دخول الوقت سبب والعلم بدخوله شرط، وهو قول القرافي في "الذخيرة" (٢/ ٨٠).
(^٤) مسألة: في الثاني - من شروط صحة الصلاة - أن يتطهر من أي حدث أكبر أو أصغر؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" حيث دل منطوقه على عدم قبول أي صلاة بدون طهارة، ودل مفهوم الغاية منه على: قبول الله أي صلاة بعد الطهارة إذا توفرت الشروط الآخر، وقد سبق بيان هذا في كتاب الطهارة، تنبيه: قوله: "والطهارة من النجس" إلى قوله: "ويأتي" الظاهر أنها سبقة قلم من المصنف؛ لأن الطهارة من النجس سيأتي =
[ ١ / ٣٥١ ]
المفروضات: خمس في اليوم والليلة، ولا يجب غيرها إلا لعارض كالنذر (^٥) (فوقت الظهر) وهي: الأولى (من الزوال) أي: ميل الشمس إلى المغرب ويستمر (إلى مساواة الشيء) الشاخص (فيئه بعد فيء الزوال) أي: بعد الظل الذي زالت عليه الشمس: إعلم أن الشمس إذا طلعت رفع لكل شاخص ظل طويل من جانب المغرب، ثم ما دامت الشمس ترتفع فالظل ينقص، فإذا انتهت الشمس إلى وسط السماء - وهي: مسألة الاستواء - انتهى نقصانه، فإذا زاد أدنى زيادة: فهو الزوال، ويقصر الظل في الصيف؛ لارتفاعها إلى الجو، ويطول في الشتاء، ويختلف بالشهر والبلد (^٦) (وتعجيلها
= ذكره بالتفصيل في الرابع "من شروط الصلاة" وهو: "اجتناب النجاسات" ذلك في مسألة (٩٢) من هذا الباب.
(^٥) مسألة: الصلوات المفروضة: خمس في اليوم والليلة فقط، فلا توجد صلاة واجبة غيرها إلا لسبب عارض وهو: أن يوجب المسلم على نفسه صلاة بالنذر كأن يقول: "لله علي أن أصلي هذا اليوم"؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: للأعرابي الذي سأله عن الفرائض -: "خمس صلوات في اليوم والليلة" فقال: هل علي غيرهن؟ قال: "لا إلا أن تطوع" وقال ﷺ لمعاذ - لما بعثه إلى اليمن: "أعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة" حيث دل منطوقه على وجوب خمس صلوات فقط؛ لأن لفظ: "الفرض" من صيغ الوجوب، ودل مفهوم العدد على عدم وجوب غيرها من الصلوات على المسلم، وقد سبق في "حقيقة الصلاة وحكمها" بيان المقصد من وجوب تلك الخمس وسبب ذلك، فإن قلتَ: لِمَ وجب الوفاء بالنذر؟ قلتُ: سدًا للذرائع؛ حيث إنه لو لم يجب الوفاء به لأفضى إلى الاستهتار بالعبادات، وحدود الله تعالى.
(^٦) مسألة: وقت صلاة الظهر يبدأ من ميل الشمس إلى الغروب - وهو الزوال، ويستمر هذا الوقت إلى مساواة الشيء الشاخص المرتفع ظلُّه - وهو فيئه بعد =
[ ١ / ٣٥٢ ]
أفضل) وتحصل فضيلة التعجيل بالتأهب أول الوقت (إلا في شدَّة حر) فيستحب
= الظل الذي زالت عليه الشمس - وبيان ذلك: أن الشمس إذا طلعت فإنه يكون لكل شيء مرتفع ظله إلى ناحية المغرب، وكلما ارتفعت الشمس إلى السماء: نقص هذا الظل حتى تكون الشمس في وسط وكبد السماء، وحينئذ لا يكون للشاخص ظل، فإذا بدأت تميل الشمس إلى الغروب: فهذا هو فيء الزوال - وهو بقدر شرك النَّعل، وهو أحد سيور النعل - وهو مقدر بخمس دقائق تقريبًا تحسب بعد ميلان الشمس إلى جهة المغرب - ومن بعد هذه الدقائق يبدأ وقت صلاة الظهر، ويستمر هذا الوقت إلى أن يكون ظل الشيء الشاخص مثله، أي: يكون ظلُّك طولك من جهة الشرق إذا وقفت، فيبدأ حينئذ دخول وقت العصر؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أمني جبريل عند البيت مرَّتين فصلى بي الظهر في المرة الأولى حين زالت الشمس، والفيء مثل الشراك، ثم صلى بي في المرة الأخيرة حين صار ظل كل شيء مثله وقال: الوقت ما بين هذين" حيث دل منطوقه على أن وقت صلاة الظهر ما وصفنا، ودل مفهوم الزمان: على أنها لا تصلى قبله ولا بعده بدون عذر، فإن قلتَ: لم وجبت صلاة الظهر في هذا الوقت؟ قلتُ: لشكر الله تعالى على زوال الشمس وتحركها زوالًا وتحركًا بطيئًا، حيث إن ذلك آية عظيمة، ولأنه وقت صلاة إبراهيم ﷺ كما سبق، فإن قلتَ: لِمَ سميت بصلاة الظهر؟ قلتُ: لكون وقتها أظهر الأوقات؛ لوقوعها في وسط النهار، فإن قلتَ: لم سميت بالصلاة الأولى؟ قلتُ: لأن جبريل بدأ بها حين أمَّ النبي ﵉، وبدأ بها النبي ﷺ حين أمَّ أصحابه لتعليمهم الصلوات والمواقيت، فإن قلتَ: لِمَ لا تصلى بعد ميلان الشمس مباشرة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنا بذلك نبتعد عن وقوف الشمس في كبد السماء وهو وقت تسعير النار، وهو من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها كما سيأتي، تنبيه: يختلف الظل باختلاف الصيف والشتاء وجميع الأزمنة والأمكنة لذلك لم يُحدِّد العلماء طول الظل، ولا قصره؛ ومستند: ذلك التلازم.
[ ١ / ٣٥٣ ]
تأخيرها إلى أن ينكسر، لحديث: "أبردوا بالظهر" (ولو صلى وحده) أو في بيته (أو مع غيم لمن يصلي جماعة) أي: ويُستحب تأخيرها مع غيم إلى قرب وقت العصر لمن يصلي جماعة؛ لأنه وقت يخاف فيه المطر والريح فطلب الأسهل بالخروج لهما معًا، وهذا في غير الجمعة فيُسنُّ تقديمها مطلقًا (^٧) (ويليه) أي: يلي وقت الظهر
(^٧) مسألة: يُستحب تعجيل صلاة الظهر بأن تصلى في أول وقتها، إلا في حالتين يُستحب تأخير الظهر فيهما: أولهما: عند اشتداد الحر، ثانيهما: عند وجود سحب وغيم فيؤخرها - في هذه الحالة - إلى قرب وقت صلاة العصر مَنْ يصلي مع الجماعة إلا الجمعة فتُعجِّل مطلقًا؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم" وفي رواية: "أبردوا بالظهر" والذي صرف الأمر إلى الاستحباب هو: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع لمشقة الحرارة، والثانية: السنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة: "ما رأيت أحدًا أشدَّ تعجيلًا للظهر من رسول الله ﷺ"، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أنه يستحب تأخير صلاة الظهر لشدة الحر فكذلك يستحب تأخيرها لوجود غيم، والجامع: دفع الضرر الحاصل أو المتوقع والمظنون، فإن قلتَ: لِمَ استُحب تعجيل صلاة الظهر والجمعة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحصول على أجر تعجيل الصلاة في أول وقتها، وليكون عنده وقت - قبل صلاة العصر - للقيلولة التي حثَّ عليها النبي ﷺ بقوله: "قيِّلوا فإن في القيلولة بركة" وفي رواية: "فإن الشياطين لا تُقيِّل" حيث إن ذلك فيه: إعانة له للعمل في آخر النهار، وللقيام في الليل للتهجد، ولأن في تقديم صلاة الجمعة مطلقًا ما ذكرنا ويُمكّن المصلين فيها من العودة إلى بيوتهم ومزارعهم؛ حيث إنهم يسعون إليها من بعيد عادة، فإن قلتَ: لِمَ اسْتُحب تأخيرها في الحر والغيم؟ قلتُ للمصلحة؛ حيث إن شدة الحر ناتج عن توهج جهنم حينما تسجر، ولأن الانتظار إلى أن ينكسر الظل فيه تمكين المصلي من =
[ ١ / ٣٥٤ ]
(وقت العصر) المختار من غير فصل بينهما، ويستمر (إلى مصير الفيء مثليه بعد فيء الزوال) أي: الظل الذي زالت عليه الشمس (و) وقت (الضرورة إلى غروبها) أي غروب الشمس، فالصلاة فيه أداءً، لكن يأثم التأخير إليه لغير عذر (^٨)
= أن يمشي في هذا الظل ليقيه من حر الشمس، فيصل المسجد وهو مطمئن، فيعقل ما يقول ولأنه قد يحدث من هذا الغيم مطر، أو ريح يتضرر منهما المسلم، فاستحب تأخير الصلاة لمنع ذلك عنه، تنبيه: قوله: "ولو صلى وحده أوفي بيته" يردُّ به على بعض العلماء - كالشافعي وأبي يعلى - الذين اشترطوا لتأخير الظهر ثلاثة شروط هي: "شدة الحر" و"كونه في بلد حار" و"أن يصلي في مساجد الجماعات"، أما من صلى وحده، أو في بيته: أو بلده بارد: فلا يستحب له الإبراد قلتُ: هذا مخالف لعموم قوله ﷺ: "أبردوا" وللمصلحة كما سبق، فالإبراد مشروع مطلقًا، فإن قلت: لِمَ استُحب التأخير لوجود غيم لمن يصلي في جماعة؟ قلتُ: نظرًا لتعرضه للمطر أو الريح إذا حدثا من هذا الغيم أثناء ذهابه إلى المسجد أو رجوعه منه، بخلاف من صلى في بيته، وبخلاف شدة الحر، لأنه يؤثر على المصلي ولو كان في بيته حيث إنه يُشغله عن الخشوع والتركيز.
(^٨) مسألة: لصلاة العصر وقتان الأول: وقت اختياري وهو: الذي يبدأ من انتهاء وقت صلاة الظهر - وهو صيرورة ظل كل شيء مثله وزيادة قليلة كما سبق -، ويستمر هذا الوقت إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه وزيادة قليلة، أي: إذا وقفت في الشمس وصار ظلك مثلك مرتين وزيادة قليلة: فإنه ينتهي وقتها الاختياري، الثاني: وقت اضطراري ويبدأ من انتهاء الوقت الاختياري، ويستمر إلى غروب الشمس تمامًا ولا يجوز تأخيرها إلى هذا الوقت؛ للسنة القولية وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ: "صلى جبريل العصر حين صار ظل كل شيء مثله في اليوم الأول، وفي الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه وقال: الوقت ما بين =
[ ١ / ٣٥٥ ]
(ويُسنُّ تعجيلها) مطلقًا، (^٩) وهي الصلاة
= هذين" وقد سبق بيان دلالته في مسألة (٦)، ثانيها: قوله: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر"؛ حيث دل مفهوم الشرط على أن من لم يُدرك ركعة قبل غروب الشمس: فإنه لم يدرك العصر أداءًا، وإنما تكون - إذا صلاها - قضاءً، ثالثها: قوله ﷺ: "تلك صلاة المنافق يجلس أحدهم حتى إذا اصفرَّت الشمس فكانت بين قرني شيطان: قام فنقرها أربعًا لا يذكر الله إلا قليلًا" فذم الشارع هنا من صلى العصر حين تصفر الشمس، وتستعد للمغيب بلا عذر؛ لأن وصفه بالنفاق: ذمّ، فيلزم من هذا الذم: تحريم تركها إلى قبيل غروب الشمس، فلو أبيح تركها مطلقًا إلى الغروب: لما ذمَّه على هذا التأخير لأنه لا يذم إلا على فعل محرم، فيلزم: صحة صلاته، وتأثيمه على ذلك، فإن قلتَ: لم تصلَّى العصر في هذا الوقت؟ قلتُ: لشكر الله على نعمة زوال الشمس زوالًا سريعًا، ولأنه وقت صلاة يونس ﵇ كما سبق بيانه، فإن قلت: لِمَ سمي الأول وقت اختيار؟ قلتُ: لأن المكلَّف مخير بين أن يصلي في أول الوقت أو في وسطه أو في آخره، فإن قلتَ: لِمَ سمي الثاني وقت اضطرار؟ قلتُ: لأنه لا يُباح تأخير العصر إلى هذا الوقت إلا للضرورة كنائم يستيقظ، أو مريض يبرأ، أو فاقد للماء لم يجده إلا فيه، أو كافر أسلم، أو حائض أو نفساء طهرتا فيه، أو صبي بلغ أو مجنون أفاق؛ حيث إن هؤلاء يصلون في هذا الوقت وتكون صلاته أداء، ولا يأثمون؛ لعذرهم، أما من صلاها في هذا الوقت بلا عذر: فتصح صلاته أداء ولكنه يأثم، فإن قلتَ: لِمَ سميت بالعصر؟ قلتُ: لكونها نهاية النهار، والعرب تسمي نهاية كل شيء: عصرًا.
(^٩) مسألة: يُستحب تعجيل صلاة العصر مطلقًا، أي: سواء كان وقت شدة حر أو لا، أو كان في الجو غيم أو لا؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال رافع: "كنا نصلي مع رسول الله ﷺ العصر فننحر جزورًا فيُقسَّم عشرة أجزاء، ثم نطبخ فنأكل لحمًا =
[ ١ / ٣٥٦ ]
الوسطى (^١٠) (ويليه وقت المغرب) وهي وتر النهار، ويمتدُّ (إلى مغيب الحمرة) أي:
= نضجًا قبل غروب الشمس" فيلزم من ذلك: أنه ﷺ كان يُعجِّل العصر لكون تلك الأفعال تحتاج إلى وقت طويل، فإن قلتَ: لِمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه الحصول على ثواب وأجر تعجيل الصلاة أول وقتها، وفيه: تمكين بعض المسلمين من إنهاء عمله الذي بدأه في الصباح والعودة إلى منزله قبل غروب الشمس.
(^١٠) مسألة: صلاة العصر هي: الصلاة الوسطى التي حثَّ الله على المحافظة عليها قائلًا: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ في يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا"، فإن قلتَ: لِمَ سُمّيت بذلك؟ قلتُ: لكونها خير الصلوات؛ لأن الوسط: الخيار، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: عدولًا وخيارًا، وأكد ذلك بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ لذلك حثَّ على المحافظة عليها ورغب فيها، لذلك تجد الشخص المتوسط في أموره وأحكامه هو خير الناس، وتجد المتشدد، أو المتساهل في الأمور لا خير فيه، فإن قلتَ: إن الصلاة الوسطى هي: صلاة الفجر؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت يكون في الفجر، قلتُ: المراد بالقنت هنا: السكوت عن الكلام أثناء الصلاة؛ حيث نهى الشارع عن الكلام بعد أن كانوا يتكلمون فيها - كما ورد ذلك في سبب نزول الآية - كما أورده القرطبي في تفسيره (٣/ ٢١٤) عن مسلم؛ والماوردي في تفسيره (١/ ٢٥٨) فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الاختلاف في المراد بـ "القنوت" هنا": فعندنا: السكوت، وعندهم: الدُّعاء. تنبيه: اختلف في المراد بالصلاة الوسطى على عشرة أقوال ذكرها القرطبي في تفسيره (٣/ ٢٠٩) وابن قدامة في "المغني" (٢/ ١٨) والماوردي في تفسيره (١/ ٢٥٧).
[ ١ / ٣٥٧ ]
الشفق الأحمر (^١١) (ويُسنُّ تعجيلها إلا ليلة جمع) أي: مزدلفة، سُمِّيت جمعًا؛ لاجتماع الناس فيها فيُسنُّ (لمن) يُباح له الجمع و(قصدها مُحرمًا) تأخير المغرب ليجمعها مع العشاء تأخيرًا قبل حَطِّ رحْلِه (^١٢) (ويليه وقت العشاء إلى) طلوع
(^١١) مسألة: وقت صلاة المغرب يبدأ من مغيب قرص الشمس، وينتهي بمغيب الشفق الأحمر؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "وقت المغرب: ما لم يغب الشفق" الثانية: قول الصحابي؛ حيث ذكر ابن عباس وابن عمر: أن الشفق هنا هو: الحمرة وتفسير الصحابي حجة؛ فإن قلتَ: لم تصلى صلاة المغرب في هذا الوقت؟ قلتُ: لشكر الله تعالى على نعمة غياب الشمس، ولأنه وقت صلاة عيسى ﵇ كما سبق - فإن قلتَ: لم سُمَّيت بهذا الاسم؟ قلتُ: لكونها تصلى بعد غروب الشمس مباشرة، وينتهي وقتها بعد غروب الشفق الأحمر، فإن قلتَ: لم سُمِّيت بوتر النهار؟ قلتُ: لأنه ﵇ سمَّاها بهذا ولكونها وترًا من بين صلوات: الفجر والظهر والعصر حيث إن هذه شفع.
(^١٢) مسألة: يُستحب تعجيل صلاة المغرب إلا للمحرم بالحج فإنه يستحب أن يؤخرها ليجمعها مع صلاة العشاء في مزدلفة قبل أن يضع رحله على الأرض - إن سهل -؛ للسنة الفعلية؛ وهي من وجهين: أولهما: قول جابر: "كان النبي ﷺ يصلي المغرب إذا وجبت" أي: إذا سقطت الشمس وغربت مباشرة، ثانيهما: أنه ﷺ قد أخر صلاة المغرب من يوم عرفة حتى صلاها مع العشاء جمعًا في مزدلفة، فإن قلتَ: لم استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تعجيل الصلاة في أول وقتها، وإيجاد وقت واسع بين المغرب والعشاء لقضاء بعض الحاجات الخاصة بالنوم، ولدفع المشقة الحاصلة من وقوف الناس في الطريق بين عرفة ومزدلفة لأجل صلاة المغرب، وسيأتي في كتاب الحج.
[ ١ / ٣٥٨ ]
(الفجر الثاني) وهو: الصادق (وهو: البياض المعترض) بالمشرق ولا ظلمة بعده، والأول: مستطيل أزرق له شعاع ثم يظلم (^١٣) (وتأخيرها) إلى أن يصليها في أول
(^١٣) مسألة: وقت صلاة العشاء يبدأ من مغيب الشفق الأحمر - وهو: آخر وقت المغرب - وينتهي بمنتصف الليل فمثلًا: إذا كانت الشمس تطلع في الساعة السادسة وتغيب في السادسة مساءً، فإن الليل يكون اثنتي عشرة ساعة، فإذا كان الأمر كذلك: فإن منتصف الليل يكون الساعة الثانية عشرة مساءً - ويختلف الوقت والحساب باختلاف الشهور - وهذا قول الجمهور؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه" ولم يتعدَّ النصف، فيلزم منه: أن ذلك آخر وقت صلاة العشاء، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إن جبريل قد صلى بالنبي ﷺ العشاء في اليوم الأول حين غاب الشفق، وفي الثاني حين ذهب ثلث الليل ثم قال: "الصلاة فيما بين هذين" وقال أنس: "أخَّر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى" فهذان الفعلان لزم منهما: أن وقت العشاء ينتهى بنصف الليل، ودل مفهوم الزمان منهما على أن ما بعده ليس بوقت لصلاة العشاء، فإن قلتَ: لم تصلى العشاء بهذا الوقت؟ قلتُ: لشكر الله تعالى على نعمة حلول الظلام ليهدأ الخلق من الحركة، فيأخذ الجسم حقه من النوم، ولأن موسى ﵇ قد صلى فيه - كما سبق ذكره -، فإن قلت: لم سميت بهذا الاسم؟ قلتُ: لأن "العِشاء" بكسر العين والمد - هو: أول ظلام الليل عند العرب - كما في "المصباح" (٤١٢)، فإن قلتَ: إن وقت صلاة العشاء ينتهي بطلوع الفجر الثاني - وهو: البياض المعترض بالمشرق الذي لا ظلمة بعده، ويُسمَّى بالصادق؛ لكونه صدق بالصبح بخلاف الكاذب وهو: طلوع الفجر الأول - وهو البياض المستطيل الأزرق يكون من المشرق إلى المغرب، يكون له شعاع ونور ثم يظلم ويختفي، وهو يخدع من لا يعرفه ويظنه نهارًا، ويكون =
[ ١ / ٣٥٩ ]
الوقت المختار وهو (ثلث الليل أفضل إن سهل) فإن شقَّ ولو على بعض المأمومين: كُرِه، (^١٤) ويكره النوم قبلها، والحديث بعدها إلا يسيرًا أو لشغل أو مع أهل ونحوه، ويحرم تأخيرها بعد ثلث الليل بلا عذر؛ لأنه وقت ضرورة (^١٥) (ويليه وقت الفجر)
= الوقت الاختياري من مغيب الشفق إلى نصف الليل، والوقت الضروري من نصف الليل إلى طلوع الفجر الثاني وهذا ما ذكره المصنف هنا، قلتُ: هذا لم أجد دليلًا قويًا عليه، ثم يلزم منه أن يكون وقت صلاة العشاء الليل كله، وهذا لم يقع في الشريعة، ولا يقبل مع وجود دليل من السنة القولية والفعلية يدل على أن وقت العشاء ينتهي بمنتصف الليل.
(^١٤) مسألة: يستحب تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل إن سهُل على المكلَّفين، ويكره التأخير إن شقَّ؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال أنس: "أخر النبي ﷺ صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى" فلو لم يكن مستحبًا لما أخرها فإن قلتَ: لم استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه كلما تأخرت الصلاة كلما كان أكثر أجرًا، إلا أن يكون ذلك يشقُّ على بعض المأمومين: فيكره التأخير دفعًا لهذه المشقة، تنبيه: قوله "في آخر الوقت المختار" يشير به على أن لصلاة العشاء وقتين: وقت اختياري، ووقت ضروري، وهذا مرجوح كما سبق بيانه في مسألة (١٣).
(^١٥) مسألة: يُكره النوم قبل صلاة العشاء، ويُكره الحديث والكلام بعدها إلا كلامًا يسيرًا لا يستغرق إلا دقائق، أو كلامًا كثيرًا في شغل لا يقبل التأخير، أو مع أهل أو ولد؛ لإصلاح شأنهم، أو مع ضيف مضطرًا للكلام معه أو كلام في طلب علم، أو مدارسة، أو محاضرة أو نحو ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ وهي من وجهين: أولهما: قول عمر: "كان رسول الله ﷺ يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين وأنا معه" ثانيهما: "أنه ﷺ تحدَّث مع أهله ساعة بعد العشاء ثم رقد" الثانية: المصلحة؛ حيث إن النوم قبل العشاء =
[ ١ / ٣٦٠ ]
من طلوعه (إلى طلوع الشمس (^١٦) وتعجيلها أفضل) مطلقًا، (^١٧) ويجب التأخير
= يتسبب في ثقل الصلاة عليه، والكلام بعدها يتسبب في السهر المؤدي إلى تأخير صلاة الفجر أو فوات التهجد بالليل، أو فوات عمله بنشاط في الصباح فيقل رزقه بسبب ذلك، تنبيه: قوله: "ويحرم تأخيرها" إلى قوله: "ضرورة" يشير به إلى مذهبه وهو: أن للعشاء وقتين: اختياري وضروري، وقد بينا في مسألة (١٣) أن هذا مرجوح.
(^١٦) مسألة: وقت صلاة الفجر يبدأ من طلوع الفجر الثاني - وهو: البياض المعترض في المشرق الذي يُرى في الأفق، ويسمى بالفجر الصادق وينتهي بطلوع الشمس؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "وقت صلاة الفجر بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس"، فإن قلتَ: لم تصلى الفجر في هذا الوقت؟ قلتُ: لشكر الله تعالى على انسلاخ الليل، ومجيء النهار وطلوع الشمس؛ حيث إن هذه من النعم العظمى التي تستحق الشكر، ولأن آدم ﵇ قد صلاها - كما سبق بيانه، فإن قلتَ: لم سميت بصلاة الفجر؟ قلتُ: لوقوعها في وقت انفجار النهار وبروزه وظهوره، والعرب تسمي ضوء الصبح - وهو حمرة الشمس المختلط بسواد الليل - فجرًا - كما في "اللسان" (٥/ ٤٤) تنبيه: قوله: "ويليه وقت الفجر" يشير به إلى أن وقت صلاة الفجر يلي الوقت الضروري لصلاة العشاء، وهذا بناء على مذهب بعض العلماء أن للعشاء وقتين، وهذا مرجوح كما سبق بيانه في مسألة (١٣).
(^١٧) مسألة: يستحب تعجيل صلاة الفجر في أول وقتها مطلقًا أي: سواء كانت مع جماعة أو لا، وسواء رجالًا أو نساءً، وسواء في صيف أو شتاء؛ للسنة الفعلية؛ حيث قالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ يُصلي الصبح فتنصرف النساء متلفِّعات بمروطهن ما يُعرفن من الغلس" ولفظ "كان" يدل على أنه مستمر في ذلك؛ لأنها من صيغ العموم في الزمان، ويلزم من لفظ "ما يعرفن =
[ ١ / ٣٦١ ]
لتعلُّم فاتحة أو ذكر واجب إن أمكنه تعلمه في الوقت، وكذا: لو أمره والده به ليُصلِّي به، (^١٨) ويُسنُّ لحاقن ونحوه مع سعة الوقت (^١٩) (وتُدرك الصلاة) أداءً (بـ) إدراك تكبيرة (الإحرام في وقتها) فإذا كبر للإحرام قبل طلوع الشمس أو غروبها: كانت كلها أداء حتى ولو كان التأخير لغير عذر لكنه آثم، وكذا: وقت
= من الغلس" أن هذه الصلاة تكون بليل؛ إذ لو كانت في الأسفار لعرفن بسبب ذلك، فإن قلتَ: لم استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي تحصيل أجر الصلاة في أول وقتها، ولأجل أن يقرب من وقت صلاة الليل؛ لعل دعوته تجاب فيسعد في الدنيا والآخرة وللتبكير في الوصول إلى عمله؛ ليبارك الله له فيه؛ لقوله ﷺ: "جُعلت بركة أمتي في بكورها".
(^١٨) مسألة: يجب أن يؤخر المسلم الصلاة عن أول وقتها إلى آخره إذا كان جاهلًا يريد أن يتعلَّم كيفية الصلاة: كقراءة الفاتحة ونحوها، أو أن يتعلم ما يقوله في ركوع، أو سجود، أو جلوس من واجبات، أو يأمره والده بأن يُصلِّي به في آخر الوقت؛ للمصلحة؛ حيث إن تلك الأمور واجبة، وفعل الصلاة مع العلم بها في آخر الوقت أكثر أجرًا من فعل الصلاة مع الجهل بها في أول الوقت؛ لأن تقديم الصلاة في أول وقتها مستحب، والواجب مقدم على المستحب.
(^١٩) مسألة: يستحب أن يؤخر المسلم الصلاة عن أول وقتها إلى آخره إذا وُجد شيء يشغل فكره عن الخشوع وفهم ما يقول كمن به حصر بول - وهو الحاقن -، أو من أشغله غائطه، أو من اشتهى طعامًا، أو من به غضب أو نحو ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن الصلاة مع الخشوع والتركيز فيما يقول أعظم أجرًا من الصلاة في أول الوقت مع انشغال الفكر بشيء طاريء عليه؛ لأن الخشوع والسكون في الصلاة أولى من الصلاة وهو منشغل الفكر.
[ ١ / ٣٦٢ ]
الجمعة يدرك بتكبيرة الإحرام ويأتي (^٢٠) (ولا يُصلي) من جهل الوقت، ولم تمكنه مشاهدة الدلائل (قبل غلبة ظنه بدخول وقتها إما باجتهاد) ونظر في الأدلة، أوله صنعة وجرت عادته بعمل شيء مقدَّر إلى وقت الصلاة، أو جرت عادته بقراءة شيء مقدَّر، ويستحب له التأخير حتى يتيقن (أو بخبر) ثقة (متيقن) كأن يقول: رأيت الفجر طالعًا، أو الشفق غائبًا ونحوه، فإن أخبره عن ظن: لم يعمل بخبره،
(^٢٠) مسألة: تُدرك الصلاة أداءً إذا كبَّر تكبيرة الإحرام قبل خروج وقتها، فمثلًا: لو كبَّر لصلاة الفجر قبل طلوع الشمس بدقيقة واحدة: فإن له أجر الصلاة أداء، ولو صلَّى أكثر الصلاة بعد طلوعها، وكذا: لو كبَّر تكبيرة الإحرام لصلاة العصر قبل غروب الشمس بدقيقة مثل ذلك، وهذا مطلق، أي: سواء أخَّر الصلاة إلى آخر وقتها بعذر أو بغير عذر، وسواء كانت جمعة أو غير جمعة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تحديد أوقات الصلوات السابقة في مسائل (٦ و٨ و١١ و١٣ و١٦) -: أن يصلي كل صلاة في وقتها ويكون أداءً دون تفريق بين أوله ووسطه وآخره في هذا، وإن لم يكن هذا هو المقصود فلا حاجة لتحديد تلك الأوقات، فإن قلت: كيف تكون الصلاة أداءً مع أنه صلى أكثر صلاته بعد خروج وقتها؟ قلتُ: قياسًا على من أدرك سجدة: فإنه يدرك الصلاة حيث قال ﷺ: "من أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها" فكذلك من أدرك تكبيرة الإحرام بجامع: إدراك جزء من الصلاة قبل خروج الوقت؛ لاستواء القليل والكثير في ذلك، وهذا تلطف من الله تعالى في تحصيل أجر الأداء، تنبيه: يأثم إذا أخرج صلاة العصر إلى وقتها الاضطراري وهو قبيل غروب الشمس بغير عذر مع وقوع الصلاة أداء كما سبق في مسألة (٨).
[ ١ / ٣٦٣ ]
ويعمل بأذان ثقة عارف (^٢١) (فإن أحرم باجتهاد) بأن غلب على ظنه دخول
(^٢١) مسألة: لا يجوز للمسلم أن يصلي إلا إذا غلب على ظنه دخول وقت الصلاة: إما باجتهاد من نفسه إذا كان من أهل النظر في أدلة وعلامات دخول الأوقات، أو كان له عادة في صنعته إذا انتهت دخل الوقت، أو له عادة في قراءة إذا انتهى في موضع معين دخل الوقت، أو كانت له ساعة، أو ديك يصيح في وقت معين أو أن يُخبره شخص ثقة عدل بأن وقت الصلاة قد دخل، أو أن الشمس قد غابت، أو أن الفجر قد طلع، أو أن الشفق الأحمر قد غاب عن غلبة ظن، أو أن يسمع مؤذنًا أمينا عارفًا بأوقات دخول الوقت، ويكفي في ذلك من اعتاد الناس متابعته وإن لم يعرفه ونحو ذلك من العلامات التي تغلِّب عند الشخص دخول الوقت؛ لقواعد: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من تحديد أوقات الصلوات - كما سبق -: أن لا تصح أي صلاة إلا إذا غلب على ظننا دخول وقتها؛ إذ لا فائدة من التحديد إلا هذا، الثانية: إجماع الصحابة، حيث اعتاد الصحابة على الاعتماد في أمور صلاتهم وفطرهم وإمساكهم على ما غلب على ظنهم من غروب الشمس، أو زوالها، أو طول ظل أو قصره، أو انفجار صبح، أو أذان ثقة عدل، ولم يرد عن أحدهم الاعتراض على ذلك، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن المجتهد يُقبل كلامه ويُعمل به مع أنه لا يقطع به فكذلك يُقبل قول من أخبر بدخول الوقت مع أنه لا يقطع به والجامع: أن كلًا منهما قد غلب عليه صحة ما أخبر به تنبيه: قوله: "ويُستحب له التأخير حتى يتيقن" وقوله "فإن أخبره عن ظن: لم يُعمل به" يُشير به إلى أنه يشترط التيقن بدخول الوقت، ويُشترط أن يخبره المخبر عن يقين، قلت: هذا لا يشترط، بل يكفي أن يغلب على ظنه دخول الوقت فقط - كما بينا ذلك -؛ لأن القطع واليقين صعب حصوله، والظن يجب العمل به، فإن قلتَ: لِمَ يكفي غلبة الظن بدخول الوقت بتلك الطرق؟ قلتُ: للمصلحة؛ =
[ ١ / ٣٦٤ ]
الوقت؛ لدليل مما تقدم (فبان) إحرامه: (قبله: فـ) صلاته (نفل)؛ لأنها لم تجب، ويُعيد فرضه (وإلا) يتبين له الحال أو ظهر أنه في الوقت (فـ) صلاته (فرض) ولا إعادة عليه؛ لأن الأصل براءة ذمَّته (^٢٢) ويُعيد الأعمى العاجز مطلقًا إن لم يجد من يقلده (^٢٣) (وإن أدرك مكلَّف من وقتها) أي: وقت فريضة (قدر التحريمة) أي:
= حيث إن تلك الطرق متيسرة على جميع الناس على اختلاف طبقاتهم، فيسهل العلم بدخول الوقت بأي طريق، لئلا يُحرج الناس بذلك؛ لأنه سبحانه لم يوجب العبادات على العباد ليُعذبهم بها، بل كانت لرحمتهم.
(^٢٢) مسألة: إذا غلب على ظنه دخول وقت صلاة الظهر - مثلًا - بأي طريق، ثم صلاها، وبعد فراغه منها: بأن أنه صلاها قبل دخول وقتها: فإنها لا تكون فرضًا، بل هي نافلة، ويجب عليه إعادة الفريضة في وقتها، أما إن لم يتبن له شيء، أو تبين أنه صلى بعد دخول الوقت: فإن صلاته تكون فرضًا ولا إعادة عليه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من صلاتها قبل دخول وقتها: عدم صحتها فرضًا؛ لعدم شرطها وهو دخول وقتها، وحملها على أدنى مراتب الصلاة وهي النافلة، ويلزم من عدم بيان أنه صلاها قبل الوقت، أو أنه صلاها في الوقت: صحتها؛ لأنه أتى بما خوطب به وفرض عليه من غلبة ظنه من دخول وقتها، ووجود شرطها وهو: دخول الوقت، فلا شيء يفسدها.
(^٢٣) مسألة: الأعمى العاجز عن معرفة دخول الوقت: يجب عليه أن يقلد غيره ممن يثق به من المبصرين أو العميان القادرين على معرفة دخول الوقت بطرقه، فإن صلى وهو لم يقلد أحدًا في ذلك: فإنه يعيد صلاته - بعد معرفته لدخول الوقت من غيره - وهذا مطلق، أي: يعيد سواء صلى بعد دخول الوقت أو قبله؛ للتلازم؛ حيث إن فرض هذا الأعمى تقليد غيره بدخول الوقت، ولم يوجد هذا منه فيلزم عدم صحة صلاته؛ لكونه صلى وهو شاك بدخول الوقت ولا تصح صلاة مع شك بوجود شرط أو عدمه كالنية وغيرها.
[ ١ / ٣٦٥ ]
تكبيرة الإحرام (ثم زال تكليفه) بنحو جنون (أو) أدركت طاهرة من الوقت قدر التحريمة ثم (حاضت) أو نفست (ثم كُلِّف) الذي زال تكليفه (وطهرت) الحائض أو النفساء: (قضوها) أي: قضوا تلك الفريضة التي أدركوا من وقتها قدر التحريمة قبل؛ لأنها وجبت بدخول وقتها واستقرت، فلا تسقط بوجود المانع (^٢٤) (ومن صار أهلًا لوجوبها) بأن بلغ صبي، أو أسلم كافر، أو أفاق مجنون، أو طهرت حائض أو نفساء (قبل خروج وقتها) أي: وقت الصلاة بأن وجد ذلك قبل الغروب مثلًا ولو بقدر تكبيرة: (لزمته) أي: العصر (وما يجمع إليها قبلها) وهي الظهر، وكذا: لو كان ذلك قبل الفجر: لزمته العشاء والمغرب؛ لأن وقت الثانية وقت الأولى حال العذر، فإذا أدركه المعذور فكأنه أدرك وقتها (^٢٥) (ويجب فورًا) ما لم يتضرر في بدنه،
(^٢٤) مسألة: إذا غربت الشمس - مثلا - وبعد غروبها بمقدار تكبيرة الإحرام: زال تكليف مسلم بأن جُن، أو حاضت امرأة أو نفست، ثم بعد مدة: أفاق المجنون، وطهرت الحائض والنفساء، فإنه يجب على هؤلاء أن يقضوا صلاة المغرب فقط، دون بقية الصلوات؛ للتلازم؛ حيث يلزم من دخول وقت صلاة المغرب: وجوبها على هذا المكلف واستقرار هذا الوجوب في ذمته فلا تسقط تلك الصلاة بوجود ذلك المانع، لكونه أدركها وهو مكلف، وبناء عليه: فلا تبرأ ذمته إلا بفعلها.
(^٢٥) مسألة: إذا صار شخص أهلًا لوجوب الصلاة بأي جزء من أجزاء وقتها: فإن تلك الصلاة تجب عليه فقط، دون ما قبلها، فمثلًا: لو أسلم الكافر، أو بلغ الصبي، أو أفاق المجنون، أو طهرت الحائض أو النفساء قبل غروب الشمس ولو بلحظة: فإن صلاة العصر تجب عليهم فقط، دون الظهر، وجميع الصلوات مثلها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها" فدل ذلك على أن الواجب على المدرك للوقت =
[ ١ / ٣٦٦ ]
أو معيشة يحتاجها، أو يحضر لصلاة عيد (قضاء الفوائت مرتبًا) ولو كثرت، (^٢٦)
= أن يصلي الصلاة التي يخصها ذلك الوقت فقط، وهذا عام لجميع الصلوات من باب مفهوم الموافقة؛ ولم يشر الحديث إلى وجوب فعل ما قبلها سواء كانت تجمع معها أو لا، فإن قلتَ: ثم شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على المسلمين ودفع مشقة عنهم خاصة ممن يتكرر منهم ذلك كالنساء، فإن قلتَ: تجب عليهم - هنا - صلاة العصر، والصلاة التي قبلها مما تجمع معها وهي صلاة الظهر - وهو ما ذكره المصنف هنا - لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من كون وقت الثانية هو وقت الأولى عند العذر: أن إدراك جزء من وقت الثانية مثل إدراك جزء من الوقتين معًا، الثانية: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف يقولان: "إذا طهرت المرأة قبل غروب الشمس: صلَّت الظهر والعصر معًا" قلتُ: أما التلازم فلا يُسلَّم؛ لأن لكل صلاة وقتًا محددًا غير متداخل مع غيره - كما سبق بيانه - والجمع رُخِّص فيه لعذر لا يوجد هنا، أما قول الصحابي: فضعيف - كما قال بعض أئمة الحديث - وعلى فرض قوته: فإنه يحمل على الاحتياط، يؤيد ذلك: أن الحائض غير متأكدة من وقت وقف خروج الدم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض السنة مع التلازم وقول الصحابي" فعندنا: يعمل بالسنة، وعندهم: يعمل بالتلازم وقول الصحابي تنبيه: قوله: "وكذا لو كان ذلك قبل الفجر لزمته العشاء" يشير به إلى أن وقت العشاء يستمر إلى طلوع الفجر الثاني، وقد بينا أن هذا مرجوح في مسألة (١٣).
(^٢٦) مسألة: يجب على المسلم أن يقضي الصلوات المفروضة الفوائت فورًا، أي: يبادر بقضائها على صفتها مرتبة: بأن يقضي المتقدمة ثم المتأخرة على حسب مشروعيتها سواء كان بعذر أو لا بشرط: عدم تضرره، أو حضوره لصلاة عيد، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من نام عن صلاة أو نسيها =
[ ١ / ٣٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فليصلها إذا ذكرها" فقد أوجب الشارع قضاء الصلاة الفائتة فورًا دون تراخي؛ لأن الأمر هنا مطلق فيقتضي الوجوب، والفورية، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ لما أشغله المشركون في غزوة الخندق عن الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قام فصلى الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء فيلزم من ذلك وجوب الترتيب، فإن قلتَ: لم أوجب القضاء فورًا سواء بعذر أو لا؟ قلتُ: لأن الذمة قد انشغلت بهذا الوجوب، فلا يسقط الواجب إلا بالإبراء إن كان دينًا، أو الفعل إن كان غير ذلك، وخروج الوقت ليس بواحد منهما، وهذا شامل للمعذور وغيره، وعليه: فلا تبرأ ذمته إلا بفعل الصلاة وإن كان قد أخرها عن وقتها بدون عذر، فإن قلت: إن خرج وقت الصلاة بدون عذر: فلا يصلي تلك الصلاة وهو قول بعض العلماء ومنهم ابن عثيمين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط دخول الوقت لصحة الصلاة: أن لا تصح إلا به، فلو صلاها بعد خروجه بدون عذر لا تصح منه ولا تقبل، ولا يفهم من الشرط إلا هذا كما لا تصح الصلاة إلا بطهارة وسترة للقادر عليها، قلتُ: إن المقصود باشتراط دخول الوقت: أنه إذا دخل الوقت على هذا المكلف: فإن الصلاة قد وجبت في ذمته، فإن فعلها في الوقت المحدد لها: كانت أداءًا وبرأت ذمته، وإن خرج وقتها وهو لم يفعلها: فإن ذمته تكون مشغولة بذلك الواجب، ولا يسقط عنه إلا بفعله وإن خرج الوقت، لأن "الواجب لا يسقط بفوات وقته" لكنه إن خرج عليه الوقت بدون عذر: فإنه يفعلها ويأثم بذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في الواجب هل يسقط بفوات وقته أو لا؟ " فعندنا: يسقط، وعندهم: لا فإن قلت: لم وجب قضاؤها فورًا بشرط: عدم تضرره، أو عدم حضوره صلاة عيد؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه دفع المضرة عنه، ولأنه لو قضاها وهو حاضر لصلاة العيد لتوهم أحد أنه يصلي العيد فيقتدي به.
[ ١ / ٣٦٨ ]
ويسنُّ صلاتها جماعة (^٢٧) (ويسقط الترتيب بنسيانه)؛ للعذر فإن نسي الترتيب بين الفوائت، أو بين حاضرة وفائتة حتى فرغ من الحاضرة: صحَّت، (^٢٨) ولا يسقط بالجهل (^٢٩) (و) يسقط الترتيب أيضًا (بخشية خروج وقت الحاضرة) فإن خشي
(^٢٧) مسألة: يستحب أن يصلي الفوات مع جماعة إن سهل؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى الفجر لما فاتته مع جماعة، وكذا صلى الفوائت في غزوة الخندق مع الجماعة، فإن قلتَ: لم استُحب ذلك: قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحصيل فضل صلاة الجماعة وهو: سبع وعشرون درجة كما سيأتي.
(^٢٨) مسألة: إذا كان عليه فوائت وهي الظهر والعصر - مثلًا - فنسي الظهر وصلى العصر، ثم تذكر أن عليه صلاة الظهر: فإنه يصليها ولا يعيد العصر، أو كان عليه صلاة الظهر والعصر من يومي السبت والأحد - وهو الآن في يوم الاثنين - ولكنه نسي هل عليه ظهر السبت أو ظهر الأحد، أو عصر السبت أو عصر الأحد: فإنه يقضي ظهرًا وعصرًا مطلقًا، أو كان عليه صلاة الظهر ولكنه نسيها، فلما فرغ من صلاة العصر الحاضرة: تذكر أنه لم يصل الظهر: فإنه يقضي الظهر، ولا يعيد العصر؛ للتلازم؛ حيث إن وجود العذر - وهو: النسيان في هذه الحالات - يلزم منه: سقوط وجوب الترتيب، لكون النسيان من الأعذار المعتبرة شرعًا؛ تيسيرًا على الناس وهذا هو المقصد الشرعي منه.
(^٢٩) مسألة: إذا كان على المسلم فوائت وقضاها بدون ترتيب جهلًا منه بوجوب ذلك: فإنه يجب عليه إعادتها مرتبة إذا علم ذلك؛ للتلازم؛ حيث إنه قادر على تعلم ذلك بسؤال أهل العلم - إذا كان بينهم - فيلزم من ذلك: أن يعيد ما صلاه بالترتيب المشروع؛ لكونه قادرًا عليه، والمقصد منه: الحث على تعلم الأحكام الشرعية.
[ ١ / ٣٦٩ ]
خروج الوقت: قدَّم الحاضرة؛ لأنها آكد، (^٣٠) ولا يجوز تأخيرها عن وقت الجواز، (^٣١) ويجوز التأخير لغرض صحيح كانتظار رفقة، أو جماعة لها، (^٣٢) ومن
(^٣٠) مسألة: إذا كان عليه فائتة وهي الظهر مثلًا وحضرت صلاة العصر، وخشي من خروج وقت العصر: فإنه يجب عليه أن يصلي العصر، ثم يقضي الظهر، ويسقط الترتيب هنا؛ للقياس؛ بيانه: كما لا يجوز تأخير الصيام عن وقته لأجل تقديم قضاء صيام فائت، فكذلك الصلاة مثله، والجامع: فعل العبادة في وقتها في كل، فإن قلتَ: لم شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه إذا فعل ذلك: فإنه سيتحصَّل على أجر صلاة أداء، وصلاة قضاء وهذا بدلًا من أن تكون الصلاتان معًا قضاء، فيقل أجره.
(^٣١) مسألة: إذا كان عليه فائتة وهي الظهر مثلًا وحضرت صلاة العصر وخشي أن يفوت وقتها الاختياري: فإنه يصلي الحاضرة في أول وقتها، ولا يجوز تأخيرها عن وقتها الاختياري إلى وقتها الضروري من أجل أن يقضي الظهر؛ للتلازم؛ حيث يلزم من خشيته فوات وقتها الاختياري: سقوط وجوب الترتيب؛ لأن الحرص على الصلاة في الوقت مقدَّم على ترتيب الفوائت، لعدم معرفة آخر الوقت الاختياري عند أكثر الناس، وهذا هو المقصد من هذا الحكم.
(^٣٢) مسألة: يجوز تأخير قضاء الصلاة الفائتة يسيرًا إذا كان هذا التأخير لغرض صحيح شرعًا كأن ينتظر فرقة، أو اختيار بقعة، أو انتظار جماعة ليصلي معهم؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ لما فاتته صلاة الفجر هو وأصحابه بسبب النوم في السفر أمر بالارتحال عن مكان نومهم قليلًا، ثم قضوا تلك الصلاة، وهو مكان قريب جدًّا، وانتظار الرفقة، أو الجماعة مثل اختيار البقعة؛ لعدم الفارق في الحصول على الأجر الكامل، وعدم المشقة من باب "مفهوم الموافقة".
[ ١ / ٣٧٠ ]
شكَّ فيما عليه من الصلوات وتيقن سبق الوجوب: أبرأ ذمته يقينًا، (^٣٣) وإن لم يعلم وقت الوجوب: فمما تيقن وجوبه (^٣٤) (ومنها) أي: من شروط الصلاة (ستر العورة) قال ابن عبد البر: "أجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به، وصلى عريانًا" و"الستر" بفتح السين: التغطية وبكسرها: ما يُستر به، و"العورة" لغة: النقصان والشيء المستقبح، ومنه كلمة "عوراء" أي: قبيحة، وفي الشرع: القبل والدُّبُّر، وكل ما يُستحى منه - على ما يأتي تفصيله - (^٣٥) (فيجب)
(^٣٣) مسألة: إذا بلغ صبي - مثلًا - في أول شهر رجب: فإنه تجب عليه جميع التكاليف ومنها الصلاة، وهو متيقن بهذا البلوغ، ولكنه في آخر هذا الشهر شك فيما صلاه من الصلوات، حيث صلى بعض الشهر دون بعضه الآخر: فإنه يجتهد ويقضي ما تيقن منه براءة ذمته من الفوائت التي لم يُصلِّها من ذلك الشهر؛ للتلازم؛ حيث إن تلك الفوائت وجبت عليه بيقين فاشتغلت ذمته فيها فيلزم من ذلك: قضاؤها؛ لأن ذمته لا تبرأ إلا بهذا.
(^٣٤) مسألة: إذا لم يعلم الشخص متى بلغ فلا يدري هل بلغ في أول شهر رجب أو في منتصفه؟ ولم يعلم هل صلى بعد بلوغه أو لا؟: فإنه يقضي بداية من الفرض الذي تيقن بلوغه قبله دون المشكوك فيه، فمثلًا: لو شك في بلوغه من أول رجب، ولكنه متيقن بأنه كان بالغًا في منتصفه: فإنه يقضي الصلوات التي تركها من منتصف رجب دون الصلوات التي قبله؛ للتلازم؛ حيث إن الصلوات التي كانت بعد منتصف رجب مخاطبًا بها فوجبت عليه فانشغلت ذمته بها، فلا تبرا تلك الذمة إلا بقضائها، أما التي قبل نصف الشهر فلم يكن مخاطبًا بها؛ لكونه قد شك بها، والشك لا تبنى عليه الأحكام.
(^٣٥) مسألة: في الثالث - من شروط صحة الصلاة - وهو: أن يستر عورته، أي: يُغطِّي الرجل والأمة ما بين السُّرَّة والركبة، وأن تغطي الحرة كل جسمها ما =
[ ١ / ٣٧١ ]
سترها حتى عن نفسه، وخلوة، وفي ظلمة وخارج الصلاة (بما لا يصف بشرتها) أي لون بشرة العورة من بياض، وسواد، لأن الستر إنما يحصل بذلك (^٣٦) ولا يُعتبر
= عدا الوجه - وسيأتي -، وعليه: فلا تصح صلاة العريان وهو قادر على السترة؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أن من صلى عريانًا وهو قادر على ستر عورته: فصلاته فاسدة، فيلزم من ذلك: اشتراط ستر العورة للصلاة ومستند هذا الإجماع السنة القولية؛ حيث قال ﷺ فيمن لا يجد إلا ثوبًا -: "إن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيقًا فاتزر به" حيث أوجب الاتزار في الصلاة؛ حيث إن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ويلزم من وجوب الاتزار: وجوب ستر العورة؛ لأن الإزار هو ما يستر العورة، وترك الواجب حرام، فإن قلت: لم اشترط ستر العورة هنا؟ قلتُ: لأن كشف العورة مستقبح في العقول السليمة وتستقذره الأنفس الطبيعية، فاستقباح ذلك وهو يناجي خالقه أعظم واشد، فلا يليق به أن يقرأ كلمات خالقه، وأن يذكره وأن يدعوه وهو متبذِّل بكشف عورته كما لا يكون كذلك وهو: بحضرة السلاطين ونحوهم، ولله المثل الأعلى - تنبيه: قوله: "وفي الشرع: القُبُل والدُّبُّر وكل ما يستحى منه" قلتُ: هذا فيه نظر؛ فإن كان يقصد العورة المغلظة فنعم، وإن كان يقصد العورة شرعًا: فلا؛ حيث حددنا عورة الرجل والأمة، وعورة الحرة، وقوله: "وكل ما يُستحى منه" هذا غير منضبط؛ إذ بعضهم يستحي من بروز ساقه ونحو ذلك، وبعضهم: لا يستحي ولو ظهر كل شيء منه.
(^٣٦) مسألة: يجب أن يستر عورته في الصلاة، حتى عن نفسه، أو كان في خلوة عن الناس، أو كان في ظلمة لا يراه أحد وذلك بشيء لا يصف لون بشرة العورة ولا يُعلم عنها هل هي بيضاء، أو سوداء، أو حمراء، وكذا: يجب ستر عورته وإن لم يكن في صلاة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط ستر العورة للصلاة: أن =
[ ١ / ٣٧٢ ]
أن لا يصف حجم العضو؛ لأنه لا يمكن التحرز عنه، (^٣٧) ويكفي الستر بغير منسوج كورق وجلد ونبات، (^٣٨) ولا يجب ببارية وحصير، وحفيرة، وطين، وماء كدر لعدم؛ لأنه ليس بسترة، (^٣٩) ويباح كشفها لتداو وتخلٍّ ونحوهما، ولزوج وسيد
= يفعل ذلك، لأنه هذا هو حقيقة الستر الواجب، فإن قلتَ: لم وجب سترها ولو لم يكن في صلاة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه محافظة على المسلمين من الفتنة التي هي سبب كل بلاء حصل في الأمة الإسلامية، فإن قلتَ: لم وجب الستر وإن كان يصلي وحده أو في ظُلْمة أو خلوة؟ قلتُ: لأنه لا يليق أن يناجي ربه وهو منكشف العورة، وللاحتياط لنفسه.
(^٣٧) مسألة: لا يشترط في ستر العورة: أن لا يلبس شيئًا يصف حجم العضو، ويُبين تقاطيع أعضاء الجسم - فيُباح لبسه لذلك والصلاة فيه - دون أن يصف لونها -؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث يلزم من وجود حقيقة ستر العورة: صحة الصلاة نظرًا لوجود شرطها، الثانية: المصلحة؛ حيث إن لبس ما يصف تقاطيع الأعضاء يصعب التحرز منه، فأبيح؛ دفعًا لذلك.
(^٣٨) مسألة: لا يشترط في ستر العورة: أن يكون الساتر منسوجًا، بل يكفي الستر ولو بغير منسوج كورق شجر، أو جلد حيوان طاهر، أو نبات الحشيش، أو شعر طاهر ونحوه لكن بشرط: أن يتمكن من الركوع والسجود بدون انكشاف عورته؛ للتلازم؛ حيث إنه قد تحقق فيه ستر العورة: فيلزم منه صحة الصلاة؛ لوجود شرطه، فإن قلتَ: لم لا يُشترط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فقد لا يجد كل أحد منسوجًا.
(^٣٩) مسألة: إذا لم يجد شيئًا يستر به عورته من منسوج أو غيره مما لا تنكشف عورته فيه: فإنه يصلي عريانًا، وعليه: فلا يجب عليه أن يتكلَّف في السترة كأن يستر عورته بفراش مصنوع من القصب - وهو: البارية أو الحصير - أو يحفر =
[ ١ / ٣٧٣ ]
وزوجة وأمة (^٤٠) (وعورة رجل) ومن بلغ عشرًا (وأمة وأم ولد) ومكاتبة، ومدَّبَّرة
= لنفسه حفرة يجعل نفسه فيها حتى تغطيه إلى السرَّة ويصلي أو يجعل على عورته طينًا رطبًا، أو ماء كدرًا ليغطيها به ويصلي، بل يترك كل ذلك لقاعدتين: الأولى: المصلحة؛ حيث إن ذلك قد يتسبب في إلحاق الأذى إلى نفسه فدفعًا لذلك لا يجب فعله ولا يستحب أيضًا؛ لأن الضرر يزال، ولا يؤتى به، الثانية: التلازم؛ حيث إنه لم تتحقق حقيقة ستر العورة؛ إذ تنكشف بعض العورة - إذا فعل ذلك - حين الركوع، أو السجود، ولا يسمى هذا عند العقلاء سترًا للعورة فلزم: عدم وجوب فعله؛ لأنه لا يحقق شرط الصلاة.
(^٤٠) مسألة: يُباح أن يكشف المسلم عورته لزوجته ولأمته، وهما يكشفان عورتهما للزوج والسيد، ويكشفها هؤلاء للضرورة: كطبيبٍ مداو، أو لمن يختن، أو من يزيل شعر العانة إذا لم يحسن ذلك هو، أو لمعرفة بكارة أو ثيوبة، أو بلوغ، أو ولادة، أو عند الخلاء، أو غُسل، أو استنجاء أو استجمار، ويجوز لمن كُشفت له أن ينظر إليها ويلمسها إن احتاج إلى ذلك؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك" فدل على إباحة نظر الزوج لعورة زوجته، وبالعكس، ونظر السيد لعورة أمته وبالعكس؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي؛ حيث حرم كشف العورة من قولة: "احفظ عورتك" ثم نفى هذا التحريم فيما بين الزوجين والسيد وأمته وما ذكر من الصور مثله من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: المصلحة؛ حيث إن كشف العورة لمن ذكرنا فيه دفع مفسدة الأمراض ونحو ذلك، فأبيح وقُدِّم على ستر العورة هنا؛ لأن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
[ ١ / ٣٧٤ ]
(ومعتق بعضها) وحرَّة مميزة، ومراهقة (من السُّرَّة إلى الركبة) وليسا من العورة، وابن سبع إلى عشر: الفرجان (^٤١) (وكل الحرة) البالغة (عورة إلا وجهها) فليس
(^٤١) مسألة: عورة الرجل البالغ، أو الصبي البالغ سبع سنين والصبية المميزة الحرة البالغة سبع سنين، أو الأمة، أو أم الولد - وهي التي ولدت من سيدها - أو المكاتية - وهي: التي اشترت نفسها من سيدها على أقساط - أو المدَّبَّرة - وهي: التي علق عتقها بموت سيدها، أو المبعضة، - وهي: التي بعضها حر وبعضها الآخر عبد -: من تحت السرة، إلى ما فوق الركبة، والسرة والركبة نفسهما ليسا من العورة فلو صلى هؤلاء وأول الفخذ أو ما تحت السرة ظاهر: فلا صحة لصلاتهم؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "إن ما تحت السرة إلى الركبة عورة" فلزم منه: أن ما تحت السرة عورة، وأن السرة ليست بعورة وأن ما فوق عورة، ثانيهما: قوله ﷺ: "إذا زوج أحدكم عبده أو أمته أو أجيره فلا ينظر إلى شيء من عورتها؛ فإن ما تحت السرة إلى الركبة عورة" والمراد من ذلك الأمة؛ لأن العبد والأجير لا تختلف حالتهما بالتزوج وعدمه، وأم الولد، والمكاتبة، والمدبرة، والمبعضة كالأمة، لعدم الفارق بجامع: عدم الحرية الكاملة في كل من باب "مفهوم الموافقة"، الثانية: السنة الفعلية؛ "حيث إنه ﷺ كان قاعدًا فكشف ركبته" وهذا يدل على عدم كونها عورة، إذ لو كانت الركبة عورة لما كشفها ﷺ، ويدل عدم كشفه لما فوق الركبة على أنه عورة، الثالثة: القياس؛ بيانه: كما أن البالغ والأمة عورتهما من السرة إلى الركبة فكذلك من بلغ السابعة من ذكر أو أنثى أو خنثى بجامع التمييز في كل، فإن قلتَ: لم كان ذلك هو العورة عند هؤلاء بخلاف غيره؟ قلتُ: لأن هذا الموضع هو الذي يثير الفتنة غالبًا ولأنه يُستحى من إظهاره عادة، ولعدم المشقة في ستره، بخلاف ما تحت الركبة، أو فوق السرة فلا يثير الفتنة غالبًا، ولأنه يحتاج إلى إظهاره عند العمل أو المشي أو نحو ذلك، فإن قلتَ: لم =
[ ١ / ٣٧٥ ]
عورة في الصلاة (^٤٢) (وتستحب صلاته في ثوبين) كالقميص والرداء، والإزار أو
= كان حكم الصبي البالغ سبعًا كحكم البالغ مع أنه خالٍ من البلية العظمى وهي الشهوة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن من بلغ هذا السن قد ينظر إليه من في قلبه مرض بشهوة، فحرم إظهار ذلك؛ منعًا للفتنة، فإن قلتَ: لم كانت الصبية المراهقة البالغة سبع سنين حكمها كحكم البالغ في هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنها في هذا السن تثير الفتنة، فوجب تغطية ذلك؛ دفعًا لذلك تنبيه: قوله: "ومن بلغ عشرًا" وقوله: "وابن سبع إلى عشر الفرجان" يقصد: القُبل والدُّبُّر، قلتُ: هذا فيه نظر؛ حيث إن الراجح: أن عورة ابن سبع إلى أن يبلغ: من ذكر أو أنثى أو خنثى من السرة إلى الركبة كما سبق. [فرع]: عورة من دون السابعة من ذكر أو أنثى أو خنثى: الفرجان وهما: القُبُل والدبر فقط، فلا بأس بظهور الفخذين؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم تمييز مَنْ دون السابعة: أن لا حكم لعورته في العبادات ولا غيرها، فإن قلتَ: لم شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الفرجين من غير المميز يثيران الفتنة عند بعض الناس فحُكم عليهما بأنهما عورة، أما غيرهما من حولهما فلا يثير الفتنة عادة، ويصعب التحرز من خروجه من الأطفال.
(^٤٢) مسألة: المرأة البالغة الحرة كل بدنها عورة إلا وجهها في الصلاة، فلو صلَّت ووجهها فقط ظاهر: فصلاتها صحيحة، أما إن صلَّت وشيء من بدنها ظاهر - وهي تستطع ستره - فصلاتها باطلة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "المرأة عورة" فوصف المرأة بأنها عورة، وهذا عام الجميع بدنها؛ لأن لفظ "المرأة" مفرد محلى بأل وهو من صيغ العموم، وإنما خصِّص الوجه وأبيح إظهاره في الصلاة نظرًا للمصلحة؛ حيث إن في إظهاره حماية لنفسها وغيرها مما يضرها عن طريق النظر والشم، وخُصَّ في الحديث الحرة؛ لأن عورة الأمة - وغيرها مما شابهها - عورتها من السرة إلى الركبة كما ثبت في قوله ﷺ: "إذا زوج =
[ ١ / ٣٧٦ ]
السراويل مع القميص (^٤٣) (ويكفي ستر عورته) أي: عورة الرجل (في النفل و) ستر عورته (مع) جميع (أحد عاتقيه في الفرض) ولو بما يصف البشرة؛ لقوله ﷺ:
= أحدكم … " - كما سبق في مسألة (٤١) - فلم تبق إلا الحرة البالغة؛ عملًا بما بقي بعد التخصيص؛ لأنه حجة فإن قلتَ: لم كانت المرأة الحرة كلها عورة بخلاف الأمة؟ قلتُ: لأن الحرة يتزوجها الرجل للاعفاف والاستيلاد والاستمتاع، فتأبى الشرائع والطبائع أن يسمح أحد بأن ينظر الأجانب إلى محلّ استمتاعه، وأن تبتذل، حفاظًا على شعور الزوج، ومنعًا لوقوع الفتنة، فتقع المعصية الكبرى وهي الزنا فتختلط الأنساب، وتتغير النفوس، وتضطرب الحياة، فلا يحصل بعد ذلك أي استقرار، بخلاف الأمة فإن السيد قد اشتراها أصلًا للخدمة، ولا يمكن أن تقوم بعملها على أكمل وجه إلا بإظهار ساقيها، ورأسها، فإن قلتَ: يباح أن تظهر المرأة كفيها وقدميها في الصلاة وهو قول بعض العلماء منهم ابن تيمية وابن عثيمين؛ للاستصحاب؛ حيث لا يوجد دليل يدل على أن الكفين والقدمين من العورة في الصلاة، وعدم الدليل: دليل على عدم الحكم بالمنع، قلتُ: هذا ضعيف؛ لأن عموم قوله ﷺ: "المرأة عورة" عام لجميع بدن المرأة ويشمل الكفين، والقدمين وإنما أبيح إظهار الوجه في الصلاة؛ للمصلحة - كما سبق بيانه - بخلاف القدمين والكفين فلا حاجة لإظهارهما. فإن قلت: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض الاستصحاب مع السنة" فعندنا: قُدِّمت السنة؛ لعمومها وهذا مُغيِّر للاستصحاب، وعندهم: الإبقاء على الاستصحاب.
(^٤٣) مسألة: يُستحب أن يصلي الرجل في ثوبين كالقميص - وهو الساتر لجميع البدن - وسراويل، أو قميص وإزار ورداء؛ لقاعدتين: الأولى: قول الصحابي؛ حيث قال عمر: "إذا وسع الله عليكم فأوسعوا" وهذا عام فيشمل ما نحن فيه وهو: أن يصلي المسلم في ثوبين أو أكثر، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك أكمل في ستر العورة، وأحوط لدين المسلم.
[ ١ / ٣٧٧ ]
"لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" رواه الشيخان عن أبي هريرة (^٤٤) (و) تُستحب (صلاتها) أي: صلاة المرأة (في درع) وهو: القميص
(^٤٤) مسألة: إذا صلى الرجل نافلة فيكفي أن يستر عورته - وهي: ما بين السرة والركبة - وتصح صلاته، أما إن كانت فريضة: فيجب أن يستر عورته ويستر أحد كتفيه إن كان قادرًا على ذلك، ولو كان ذلك يصف البشرة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" فلا تصح صلاة لم يستر الرجل أحد كتفيه بثوبه فيها - إن كان قادرًا -؛ لأن النهي مطلق، وهو يقتضي التحريم والفساد، فإن قلتَ: لم وجب ستر أحد كتفيه؟ قلتُ: لأمرين: أولهما: أنه يأمن من انكشاف عورته عند الركوع أو السجود؛ لأن الكتف يُثبت الثوب، وهذا من باب: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، ثانيهما: أن ستر الكتفين أو أحدهما أقرب إلى الأدب والاحتشام والحياء مع الله تعالى، وهو موافق لأخذ الزينة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، فإن قلتَ: لم لم يجب ذلك في النفل؟ قلتُ: لأن النافلة لو فسدت: فلا شيء عليه، ومن هنا: تساهل الشارع بالنوافل، فإن قلتَ: لم حُمِل لفظ "لا يصلي" الوارد في الحديث على صلاة الفرض دون النافلة؟ قلتُ: لأن لفظ "الصلاة" إذا أطلق فلا ينقدح في الذهن إلا صلاة الفرض؛ لأنها حقيقة شرعية ولا يُحمل على النافلة إلا بقرينة، فإن قلت: تصح الصلاة بدون ستر العاتقين أو أحدهما، وإن كان قادرًا وهو قول الجمهور؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "وإن كان ضيقًا فأتزر به" حيث أوجب الإتزار، وهو ستر العورة فقط، ولم يوجب ستر أحد الكتفين، قلتُ: هذا الحديث الذي ذكرتموه خاص في الشيء الضيق الذي لا يستر إلا العورة دون أن يقدر على ستر أحد الكتفين به، وهذا صحيح؛ لأن الواجب يسقط بالعجز عنه، أما إن كان قادرًا على ستر أحد الكتفين فيجب أن يستره، ولا تصح =
[ ١ / ٣٧٨ ]
(وخمار) وهو: ما تضعه على رأسها وتديره تحت حلقها (وملحفة) أي: ثوب تلتحف به (^٤٥) وتكره صلاتها في نقاب وبرقع (^٤٦) (ويُجزيء) المرأة (ستر عورتها)
= صلاته بدون ذلك؛ لكونه ترك واجبًا قادرًا عليه عمدًا، وهذا طريق الجمع بين ما ذكروه من الحديث، وحديثنا الموجب لستر أحد الكتفين، فإن قلت: لم أكتفي بما يصف البشرة في العاتقين؟ قلتُ: لأن ما فوق السرة ليس بعورة فلا يضر إن وصف لون البشرة؛ لعدم إثارته للفتنة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض السنتين" فعندنا: يصح الجميع بينهما، وعندهم: لا ..
(^٤٥) مسألة: يُستحب للمرأة الحرَّة أن تصلي بثلاثة أشياء: "درع" و"خمار" وو"ملحفة أو عباءة أو جلباب" وإن لم تلبس سروالًا؛ لقول الصحابي؛ حيث إن عائشة قالت: "تلبس المرأة في الصلاة ثلاثة أثواب إذا وجدتها: الخمار، والجلباب، والدرع" وروي ذلك عن عمر وابنه، فإن قلت: لم استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك أكد في سترها، وأحوط لها من أن يظهر منها شيء أثناء الركوع أو السجود، فائدة: "الدرع" هو: القميص الشامل للبدن كله، أما "الخمار" فهو: ما يستر جميع رأسها ويُلف طرف منه تحت حلقها وتوصله برأسها، أما "الملحفة" فهي: كل ما تلتحف به المرأة من شدة برد أو حر وهو كالعباءة، والجلباب.
(^٤٦) مسألة: يكره أن تصلي المرأة بنقاب وبرقع؛ للقياس؛ بيانه: كما يكره أن يصلي الرجل وهو قد غطى فمه فكذلك المرأة يُكره لها أن تصلي بنقاب وبرقع؛ لأنه يلزم منهما تغطية الفم؛ لأن "النقاب" هو: تغطية نصف الوجه: الأنف وما تحته، "والبرقع" هو تغطية جميع الوجه إلا موضع العينين، فإن قلت: لم كره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كشف الوجه فيه مصلحة النظر والشم فتأخذ حذرها مما حولها، بخلاف التنقب والتبرقع.
[ ١ / ٣٧٩ ]
في فرض ونفل (^٤٧) (ومن انكشف بعض عورته) في الصلاة: رجلًا كان أو امرأة (وفحش) عرفًا وطال الزمن: أعاد، وإن قصر الزمان، أو لم يفحش المكشوف ولو طال الزمن: لم يُعِد إن لم يتعمَّده (^٤٨) (أو صلى في ثوب محرم عليه) كمغصوب كله،
(^٤٧) مسألة: إذا صلت المرأة وهي ساترة لعورتها - وهي جميع بدنها إلا وجهها - بثوب واحد: فصلاتها صحيحة: سواء كانت الصلاة فرضًا أو نفلًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تحقق شرط الصلاة - وهو: ستر العورة -: صحتها - إذا توفرت الشروط الأخرى -، فإن قلتَ: لمَ شرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمات، إذ ليس كل مسلمة تجد ثلاثة أثواب: درع، وخمار، وملحفة.
(^٤٨) مسألة: إذا انكشف بعض العورة - للرجل أو المرأة - أثناء الصلاة بلا تعمد فإن تلك الصلاة تبطل إن كان المنكشف منها كثيرًا كنصف الفخذ مثلًا من الرجل، أو الساق من المرأة وطال زمن هذا الانكشاف بان استمر دقائق، أما إن كان الانكشاف قليلًا كظهور جزء مما فوق الركبة من الرجل، أو جزء من القدم، أو أسفل الساق من المرأة، أو بعض شعرها وإن طال زمنه، أو كان الانكشاف كثيرًا، وقصُر زمنه بأن كان ثانية أو قريبًا منها: فإن الصلاة صحيحة، أما إن تعمد إظهار بعض عورته: فالصلاة باطلة مطلقًا: أي سواء كثر أو لا، طال زمنه أو لا؟ لقاعدتين؛ الأولى: القياس؛ بيانه: كما أن النجاسة الخارجة من غير السبيلين كالدم والقيء من غير قصد تنقض الوضوء إن كانت كثيرة، ولا تنقضه إن كانت قليلة، أما إن كان ذلك عن عمد: فتنقضه مطلقًا، فكذلك ظهور بعض العورة مثل ذلك، والجامع: أن كلًّا منهما فيه إخلال بشرط من شروط الصلاة، الثانية: المصلحة؛ حيث إنه يصعب الاحتراز من ظهور قليل من العورة بسبب رياح ونحوها، أو ظهور كثير مع قصر زمنه فدفعًا لمشقة منع ذلك: تسامح الشارع فيه كما تسامح في أثر النجاسة بعد الاستجمار؛ لمشقة إزالته؛ لعموم البلوى فيه، تنبيه: قدر الكثير والقليل من الزمن، ومقدار الانكشاف يُعرف عن طريق المتوسطين من عقلاء الرجال، ولا يُعرف من المتشددين ولا من المتساهلين.
[ ١ / ٣٨٠ ]
أو بعضه، وحرير ومنسوج بذهب أو فضة إن كان رجلًا واجدًا غيره وصلى فيه عالمًا ذاكرًا: أعاد، وكذا: إذا صلى في مكان غصب (^٤٩) (أو) صلى في ثوب (نجس: أعاد) ولو لعدم غيره (^٥٠) (لا من حُبس في محلٍّ) غصب أو (نجس)، ويركع ويسجد
(^٤٩) مسألة: لا تصح الصلاة في ثوب محرم عليه كأن يكون مغصوبًا، أو مسروقًا، ولا على موضع مغصوب كدار مغصوبة، ولا في ثوب حرير أو منسوج بذهب أو فضة، أو كان بعض ذلك محرمًا، فإن فعل فيجب عليه إعادتها هذا إذا كان عالمًا بالتحريم ذاكرًا له، واجدًا ثوبًا وموضعًا آخر مباحًا، أما إن كان جاهلًا بالحكم، أو لا يجد إلا هذا الثوب أو الموضع المحرم: فتجزيء صلاته في الثوب والموضع، لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إنه قد عصى بصلاته بالثوب والموضع المحرمين، آثم بفعلها فيهما؛ لكون حركاته من قيام وركوع وسجود اختيارية واقعة في شيء محرم عليه، ولا يتصوَّر أن يكون ذلك طاعة متقربًا بها إلى الله تعالى، لوقوعها في شيء وعلى شيء محرم، والمعصية لا يمكن أن تكون طاعة فلزم بطلانها، الثانية: المصلحة؛ حيث إن القول بصحة الصلاة بالدور المغصوبة أو الأثواب المغصوبة سيؤدي إلى كثرة الغصب والسرقة ما دام أن العبادات تصح فيها مما يفضِي إلى انتشار الظلم، فدفعًا لهذه المفسدة: قلنا: لا تصح الصلوات فيها إذا وجد غيرها أما إن لم يجد غيرها أو كان جاهلًا بالتحريم وإفساد صلاته فهو مضطر إليها كأكل الميتة، ومعذور بجهله، والمضطر والمعذور يسقط عنهما ذلك.
(^٥٠) مسألة: لا تصح الصلاة في ثوب قد وقع عليه نجاسة لا يعفى عنها كبعض بول أو غائط وإذا صلى بذلك: فتجب إعادتها إن كان واجدًا لطاهر، أما إن لم يجد: فإنه يصلي بالنجس ولا يصلي عريانًا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط الطهارة للصلاة: أن لا تصح بثوب نجس إذا وجد طاهرًا؛ لفقدان شرطها، ويلزم من عدم وجدان غير هذا الثوب النجس: صحّة الصلاة به؛ لأن ستر =
[ ١ / ٣٨١ ]
إن كانت النجاسة يابسة، ويوميء برطبه غاية ما يمكنه ويجلس على قدميه، ويصلي عريانًا مع ثوب مغصوب لم يجد غيره وفي حرير ونحوه؛ لعدم غيره (^٥١)، ولا يصح نفل آبق (^٥٢) (ومن وجد كفاية عورته: سترها) وجوبًا وترك غيرها؛ لأن سترها
العورة من حق الآدمي في الصلاة وغيرها؛ لوجوب الستر عمومًا، فيكون الستر آكد من إزالة النجاسة؛ لأن العام مقدم على الخاص، ولأن دفع المفسدة من فتنة كشف العورة مقدم على جلب المصلحة من الصلاة بثوب طاهر، تنبيه: قوله: "ولو لعدم غيره" هذا مرجوح؛ للمصلحة؛ كما قلنا.
(^٥١) مسألة: إذا حبس في موضع نَجِس أو مغصوب أو مسروق لا يقدر على الخروج منه إلا بضرر يلحقه: فإنه يصلي فيه وتصح صلاته بلا إثم، وطريقتها: أن يصلي الصلاة العادية إن كان المحبوس فيه نجاسته يابسة، أما إن كانت رطبة: فإنه يقف ويركع، ويجلس على قدميه، ويوميء للسجود على حسب قدرته، ولا يسجد على الأرض، ولا يجلس الجلسة العادية للصلاة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا آخر ما يستطيعه هذا المصلي فيجب عليه فعله، ويسقط الباقي؛ للعجز عنه، وهو عام لما نحن فيه ولغيره؛ لأن "ما" موصولة وهو من صيغ العموم، وهذا فيه دفع للمفسدة عنه، وهو المقصد الشرعي منه، تنبيه: قوله: "ويصلي عرينًا" إلي قوله: "لعدم غيره" قد سبق بيان أنه لا يصلي عريانًا، بل يصلي بالثوب وإن كان نجسًا أو حرامًا إذا لم يجد غيره وذلك في مسألتي (٤٩ و٥٠).
(^٥٢) مسألة: إذا هرب العبد من سيده: فإن صلاته الفرض أثناء هربه: تصح، أما صلاته النفل: فلا تصح؛ للتلازم؛ حيث إن زمن صلاة الفرض مشروط شرعًا حين شراء السيد لهذا العبد حيث إنه يصليها سواء رضي السيد أو لا فيلزم من ذلك صحة صلاة الفرض مطلقًا، أما النفل فلا بدَّ أن يأذن له السيد ويعطيه =
[ ١ / ٣٨٢ ]
واجب في غير الصلاة: ففيها أولى (وإلا) يجد ما يسترها كلها بل بعضها: (فـ) ليستر (الفرجين)؛ لأنهما أفحش (فإن لم يكفهما) وكفى أحدهما: (فالدُّبُّر) أولى؛ لأنه ينفرج في الركوع والسجود إلا إذا كفت منكبه وعجزه فقط، فيسترهما ويصلي جالسًا (^٥٣)، ويلزم العريان تحصيل السترة بثمن أو أجرة مثلها أو زائد يسيرًا (وإن
وقتًا له، وهذا مشروط شرعًا وعرفًا عند شراء العبد، فيلزم عدم صحة صلاة العبد الهارب للنفل؛ لأنه صلى في زمن لم يأذن فيه سيده، فيكون قد صلى في زمن مغصوب، [فرع]: الموظفون في الدولة أو المؤسسات أو غيرها لا تصح صلاتهم النفل ولا صيامهم في وقت دوامهم؛ للمصلحة؛ حيث إن الوقت الذي صلوا فيه، أو صاموا فيه النفل وقت مغصوب ومسروق ممن يشتغلون عندهم فيلزم: عدم صحّة ذلك إلا إذا أُذن لهم، وهذا فيه دفع مفسدة ترك بعض من يظهر الطاعة لعملهم بسبب ادِّعائه بفعل النوافل - وما أكثرهم -.
(^٥٣) مسألة: إذا لم يجد ما يستر كل العورة: فيجب أن يستر الفرجين: الدبر والقُبُل، فإن لم تكف السترة لهما: فيجب أن يستر بها الدبر فقط، وإن كفت السترة منكبيه وعجزته: سترهما وصلى جالسًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا عام كما سبق، فيشمل ما نحن فيه، وهذا منتهى ما يقدر عليه فوجب، ويسقط الباقي؛ للعجز عنه، فإن قلتَ: لمَ يفعل ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تقديم أخف المفسدتين على أثقلهما، ولذا: قُدِّم ستر الدبر؛ لأنه أفحش الفرجين؛ لكونه ينفتح عند الركوع والسجود، وقُدِّم القبل والدبر؛ لكونهما العورة المغلَّظة، بخلاف الفخذين، وقُدم ستر العورة على ستر أحد العاتقين؛ لكونها أفحش من الكتفين والعاتقين ولأن ستر العورة واجب بالاتفاق، وستر أحد العاتقين اختلف العلماء في وجوبه، واستحبَّت الصلاة جالسًا؛ لتقليل ما يظهر من العورة.
[ ١ / ٣٨٣ ]
أعير سترة لزمه قبولها)؛ لأنه قادر على ستر عورته بلا ضرر فيه (^٥٤) بخلاف الهبة؛ للمنَّة، ولا يلزمه استعارتها (^٥٥) (ويصلي العاري) العاجز عن تحصيلها (قاعدًا) ولا يتربَّع، بل ينضام (بالإيماء استحبابًا فيهما) أي: في القعود والإيماء بالركوع والسجود، فلو صلى قائمًا وركع وسجد: جاز (^٥٦) (ويكون إمامهم) أي: إمام
(^٥٤) مسألة: يجب على الشخص أن يُحصِّل سترة يستر بها عورته بشراء أو استئجار، أو أخذها من شخص أعارها إياه، وهذا مطلق، سواء كان ثمن شرائها مثل ثمن مثلها، أو أزيد قليلًا وكذلك الأجرة بشرط: أن يكون هذا الثمن فاضلًا عن حاجته، للتلازم؛ حيث يلزم من قدرته على تحقيق السترة: وجوب توفيرها وتحصيلها، فإن صلى عريانًا وهو قادر على تحصيلها بدون ضرر: فلا تصح صلاته؛ لكونه ترك واجبًا عمدًا وبدون ضرر.
(^٥٥) مسألة: إذا وهب شخص عريانا ثوبًا يستر به عورته في الصلاة: فإنه لا يلزمه أن يقبله، ويصلي عريانًا، وكذا: لا يذهب إلى أحد ليستعير منه ثوبًا لذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منَّة عليه عادة، والمنة مفسدة، فدفعًا لذلك: شرع هذا، فإن قلتَ: لمَ وجب عليه أخذ السترة إذا أعارها إياه أحد دون الهبة؟ قلتُ: لأن العارية: إعطاء للمنفعة دون العين، فلا ضرر في ذلك غالبًا، أما الهبة فهي: تمليك للعين ومنافعها فوجد ضرر من منَّةٍ وغيرها غالبًا، فافترقا.
(^٥٦) مسألة: يصلي العريان العاجز عن السترة كالصلاة العادية: بقيام وركوع وجلوس وسجود إن غلب على ظنه عدم وجود أحد حوله، ولكن يُستحب أن يصلي قاعدًا، ويضم بعضه على بعض ولا يتربَّع في القعود، ويوميء للقيام والركوع والسجود، للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا" وهذا يستطيع القيام فيجب أن يفعله إذا لم يوجد حوله أحد، لكن يستحب أن يصلي قاعدًا؛ لكونه أشد في ستر العورة؛ لحرص الشارع على ستر العورة عمومًا، وفي الصلاة خصوصًا.
[ ١ / ٣٨٤ ]
العراة (وسطهم) أي: بينهم وجوبًا ما لم يكونوا عميًا أو في ظلمة (^٥٧) (ويصلِّي كل نوع) من رجال ونساء (وحده) لأنفسهم إن اتسع محلهم (فإن شقَّ) ذلك: (صلى الرجال واستدبرهم النساء ثُم عكسوا) فصلى النساء واستدبرهن الرجال (^٥٨) (فإن وجد) المصلي عريانًا (سترة قريبة) عرفًا (في أثناء الصلاة: ستر) بها عورته (وبنى) على ما مضى من صلاته (وإلا) يجدها قريبة، بل وجدها بعيدة: (ابتدأ) الصلاة بعد ستر عورته (^٥٩)، وكذا: من عتقت فيها واحتاجت
(^٥٧) مسألة: إذا وجدت مجموعة من الرجال العراة وأردوا الصلاة جماعة وكانوا مبصرين أو بعضهم وليسوا في ظلمة: فيجب أن يكون إمامهم وسطهم، وأن يكونا صفًا واحدًا وأن يصلوا قعودًا ويومئون للركوع والسجود، أما إن كانوا عميانًا أو في ظلمة: فإنهم يصلون الصلاة العادية - إن غلب على ظنهم عدم وجود أحد ينظر إليهم -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا عام، فيشمل ما نحن فيه، وهذا نهاية ما يستطيعون في ستر عوراتهم، فتجب، والباقي يسقط؛ للعجز عنه، وهذا فيه دفع مفسدة.
(^٥٨) مسألة: إذا اجتمع رجال ونساء عراة: فإن الرجال يُصلُّون في جهة لا تراهم النساء، والنساء يصلِّين في جهة لا يراهن الرجال، هذا إن كان المكان واسعًا، أما إن كان المكان ضيقًا؛ فإن الرجال يصلون وحدهم نحو القبلة، وتكون ظهور النساء متجهة إلى القبلة، فإذا فرغ الرجال تصلي النساء نحو القبلة، وظهور الرجال متجهة نحو القبلة؛ للسنة القولية؛ وهو قوله ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا غاية ما يستطيعون من ستر عوراتهم فيجب.
(^٥٩) مسألة: إذا صلى شخص عريانًا - لعدم وجود السترة عنده - وفي أثناء صلاته رأى ثوبًا فيجب أن يأخذه ويستر به عورته إن كان قريبًا لا يحتاج إلى فعل أو زمن طويلين، ويستمر في صلاته دون قطعها، أما إن كانت تلك السترة بعيدة =
[ ١ / ٣٨٥ ]
إليها (^٦٠) (ويُكره في الصلاة السَّدل) وهو: طرح ثوب على كتفيه ولا يرد طرفه
تحتاج إلى فعل أو زمن طويلين: فإنه يقطع صلاته، ويأخذ تلك السترة، ويستر عورته بها، ثم يستأنف صلاته ويعيدها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود السترة أثناء صلاته: وجوب أخذها وستر عورته بها، لتوفر شرط الصلاة ويلزم من قربها وعدم الحركة الكثيرة أو الزمن الكثير في الصلاة: عدم قطع ذلك للصلاة؛ لوجود الموالاة فيها، ويلزم من بعدها مما يتسبَّب في حركة وزمن طويلين: بطلان الصلاة؛ لعدم وجود الموالاة، ويلزم من بطلانها: وجوب استئنافها.
(^٦٠) مسألة: إذا شرعت الأمَة في الصلاة وهي مكشوفة الرأس والساقين -؛ لكون عورتها كعورة الرجل: من السرة إلى الركبة كما سبق في مسألة (٤١) - ثم قال لها سيدها أثناء صلاتها: "أنتِ حُرَّة" أو "أعتقتك": فإنها في هذه الحالة تكون عورتها كعورة المرأة الحرة - جميع بدنها إلا وجهها - ففي هذه الحالة: إن وجدت سترة قريبة يمكنها أخذها بدون حركة كثيرة ولا زمن طويل: فإنها تستر بها جميع بدنها وتستمر في صلاتها دون قطعها، وإن كانت السترة بعيدة تحتاج إلى حركة كثيرة وزمن طويل: فإنها تقطع صلاتها، وتستر بدنها ثم تستأنف الصلاة من جديد؛ للتلازم؛ وقد بيناه في مسألة (٥٩)، فإن قلتَ: لمَ صحَّ ما مضى من صلاة العريان الواجد سترة قريبة كما في مسألة (٥٩)، وصح ما مضى من صلاة الأمة قبل عتقها في هذه المسألة أنهما صليا وعورتهما مكشوفة؟ قلتُ: لأنهما فعلا ما لهما فعله من الصلاة؛ حيث إنه يُشرع للعريان الصلاة على حاله إذا لم يجد سترة فلما وجدها تغيَّر الحكم، وكذا الأمة يشرع لها الصلاة وهي مكشوفة، فلما عتقت تغيَّر الحكم. [فرع]: إذا فرغ العريان من صلاته: فوجد سترة: فإن صلاته صحيحة، ولا يعيدها بالسترة وكذا: الأمة التي عتقت بعد فراغها من صلاتها، لا تعيد صلاتها بسترة الحرة؛ حيث إنها =
[ ١ / ٣٨٦ ]
الآخر (^٦١) (و) ويُكره فيها (اشتمال الصَّماء) بأن يضطبع بثوب ليس عليه غيره، و"الاضطباع": أن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر، فإن كان تحته ثوب غيره: لم يُكره (^٦٢) (و) يُكره في الصلاة (تغطية وجهه واللثام على فمه وأنفه) بلا سبب؛ "لنهيه ﷺ أن يغطي الرجل فاه" رواه أبو داود، وفي
صحيحة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن فاقد الطهورين - وهو: فاقد الماء والتراب - يصلي على حسب حاله ولا يعيد تلك الصلاة وإن وجدهما أو أحدهما بعد فراغه منها، فكذلك فاقد السترة، لعورته، إذا وجدها، أو أعتقت الأمة بعد صلاتهما والجامع: أن كلًّا منهما قد فعل ما له فعله شرعًا لما فقد شرطًا من شروط الصلاة؛ حيث يسقط الواجب والشرط بالعجز عنه.
(^٦١) مسألة: يُكره السَّدل في الصلاة - وهو: جعل الرداء أو الثوب على الكتفين دون أن يرد أحد طرفيه على كتفه الآخر -؛ للسنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن السدل" وقول الصحابي صرف هذا النهي من التحريم إلى الكراهية؛ حيث ثبت عن جابر وابن عمر أنهما رخَّصا في السَّدل، فإن قلتَ: لمَ كره السَّدل؟ قلتُ: لأنه يقرب من لبسة العابث، ويؤدي إلى انكشاف بعض الكتفين وما حول السرة.
(^٦٢) مسألة: يُكره في الصلاة اشتمال لبسة الصَّماء - وهو: أن يجعل وسط الرداء تحت كتفه الأيمن وهو الإبط، ويجعل طرفي الرداء فوق كتفه الأيسر - هذا إذا لم يوجد عليه إلا رداء واحد، فأما إن كان عليه غيره: فلا يكره؛ للسنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن اشتمال الصماء في الصلاة" وصرفت المصلحة هذا النهي من التحريم إلى الكراهية؛ حيث إن هذه اللبسة، يُحتمل أن تؤدي على انكشاف عورته، فنظرًا لهذا الاحتمال البعيد: كُرِه شرعًا هذا اللباس، ويؤيد ذلك: أنه إذا كان عليه لباس آخر داخلي فلا تكره هذه اللبسة؛ للقطع بالستر.
[ ١ / ٣٨٧ ]
تغطية الفم: تشبُّه بفعل المجوس عند عبادتهم النيران (^٦٣) (و) ويكره فيها (كفُّ كمه) أي: أن يكفه عن السجود معه (ولفُّه) أي: لف كمه بلا سبب؛ لقوله ﷺ: "ولا أكفُّ شعرًا ولا ثوبًا" متفق عليه (^٦٤) (و) يُكره فيها (شدُّ وسطه كزنَّار) أي: بما يُشبه شدَّ الزنَّار؛ لما فيه من التَّشبُّه بأهل الكتاب، وفي الحديث: "من تشبَّه بقوم فهو منهم" رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح (^٦٥)، ويُكره للمرأة شد وسطها في الصلاة مطلقًا،
(^٦٣) مسألة: يُكره أن يغطي المصلي وجهه، أو فمه، أو أنفه لغير حاجة كوجود زكام أو ريح فإن وجد أحدهما أو نحوهما: فلا يكره؛ للسنة القولية؛ وهو من وجهين: أولهما: "نهى ﷺ أن يغطي الرجل فاه"، ثانيهما: أنه ﷺ "نهى عن التشبه بالكفار" وتغطية الفم والأنف فيه تشبه بالمجوس عند عبادتهم للنار، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك مكروهًا مع أن النهي مطلق؟ قلتُ: لأن ذلك لم يؤثِّر على شروط وأركان وواجبات الصلاة وكونه يُشبه العبث لزم منه أنه للكراهة، فإن قلتَ: لمَ لا يُكره ذلك عند وجود حاجة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه مراعاة لظروف وأحوال الناس.
(^٦٤) مسألة: يُكره أن يكف المصلي كمه وجعله بالقرب من عضده وكذا: يُكره كف شعره وثوبه ورفعه؛ لئلا يقع في الأرض عند السجود بلا سبب، لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكف شعرًا ولا ثوبًا" وهذا النفي بمنزلة النهي وهو يفيد الكراهة؛ إذ لا يؤثر هذا الفعل على شروط وأركان وواجبات الصلاة وكونه يشبه العبث لزم منه أنه للكراهة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن سجود المسلم بدون كف شيء أكثر خضوعًا وتذلُّلًا فيكون بذلك أكثر أجرًا، فكُره هذا الكف؛ لتسبُّبه في نقص الأجر.
(^٦٥) مسألة: يُكره أن يشد المصلي وسطه بخيط يشبه الزنار، ويُرخي طرفًا منه على الأرض؛ للتلازم؛ حيث يلزم من فعله هذا التشبه بالكفار، وقد حذَّر ﷺ من التشبه بهم بقوله: "من تشبه بقوم فهو منهم"، فإن قلتَ: لمَ كُره ذلك؟ قلتُ: =
[ ١ / ٣٨٨ ]
ولا يُكره للرجل بما لا يشبه الزنَّار (^٦٦) (وتحرم الخيلاء في ثوب وغيره) في الصلاة وخارجها في غير الحرب؛ لقوله ﷺ: "من جرَّ ثوبه خُيلاء: لم ينظر الله إليه" متفق عليه (^٦٧)، ويجوز الإسبال من غير الخيلاء،
للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سدٌّ للذرائع؛ حيث إن هذا التشبه بهم قد يكون بسبب الإعجاب بهم، وقد يؤدي هذا إلى الإعجاب بدينهم فكُره من أجل ذلك الاحتمال.
(^٦٦) مسألة: لا يكره أن يشد الرجل المصلي وسطه بشيء لا يشبه الزنار، أو لم يقصد التشبه بالكفار؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ لا يكره ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تقوية المسلم على الصلاة، والصبر على الجوع عند بعضهم. [فرع]: يكره للمرأة أن تشد وسطها أثناء الصلاة مطلقًا، أي سواء كانت قصدت التشبه بالكفار أو لا؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا يؤدي إلى بيان تقاطيع جسمها، والمطلوب من المرأة المبالغة في الستر.
(^٦٧) مسألة: يحرم على المسلم أن يلبس، أو يركب شيئا أو يسكن في شيء، أو يسعى لمنصب فيه خيلاء، وتباهي، وتعاظم، وتفاخر على الآخرين: كثوب أو عباءة، أو خاتم، أو سيارة، أو منزل أو منصب أو نحو ذلك؛ وذلك في الصلاة أو خارجها؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من جرَّ ثوبه؛ خُيلاء: لم ينظر الله إليه" وقال ﷺ: "من لبس لباس شهرة فلن يجد ريح الجنة" فحرَّم لبس الثوب وأي لباس؛ ليتفاخر فيه ويباهي به الآخرين والمركوب، والسكن، والسعي للمناصب، لأجل التباهي مثل اللباس في التحريم؛ لعدم الفارق بجامع: التفاخر والتباهي على المسلمين، وكسر قلوب المساكين من باب مفهوم الموافقة، فإن قلتَ: لمَ حُرم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا المتفاخر بهذه الأمور أعجب بنفسه إلى درجة أنه قد تخيَّل بسبب التخلف العقلي الذي يعاني =
[ ١ / ٣٨٩ ]
للحاجة (^٦٨) (و) يحرم (التصوير) أي: على صورة حيوان؛ لحديث الترمذي
منه أنه أعلى من الخلق؛ لذلك تجده - والعياذ بالله - يستعمل شتى طرق النفاق من إقامته للولائم ودعوته للمسؤولين، وإهدائهم الهدايا الثمينة والتملق لهم بشتى أنواعه؛ لأجل تولي أي منصب؛ ليُري الناس أنه عظيم وأن المناصب ينبغي أن تكون له لا لغيره وهذا يؤدي إلى المهالك، والأمراض المستعصية والعذاب الأليم في الآخرة؛ نظرًا لاحتقاره لمن هم أحسن منه بآلاف المرات: دينًا وخلقًا وعلمًا وأمانةً وإخلاصًا، لذلك حُرِّم الخيلاء بأي شكل؛ والسعي لهذه الأمور. [فرع]: يباح للمسلم أن يلبس لباس الخيلاء، وأن يمشي مشيتها في حالة الحرب؛ للسنة القولية؛ حيث إن النبي ﷺ قال - لما رأى رجلًا يمشي بين الصفين في غزوة ويختال -: "إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن"، فنفى بغض تلك المشية في هذا الموقف، وهذا يدل على إباحتها؛ لأن الاستثناء من الإثبات: نفي، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تخويف للعدو وإنزال الرعب في قلبه، وهذا من أسباب هزيمته ونصر المسلمين.
(^٦٨) مسألة: يحرم الإسبال؛ للخيلاء والتباهي - وهو: أن يلبس ما زاد عن المعتاد في الطول والسعة - وذلك في الصلاة وخارجها، أما إذا لم يقصد الخيلاء والتباهي، بل فعل ذلك لحاجة كتغطيته قدمًا قبيحًا أو نحو ذلك: فيُباح الإسبال؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار" فحرَّم الإسبال هنا؛ لأن ما أسفل الكعبين من الثوب قد زاد عن المعتاد في اللباس فيحرَّم وهذا عام قد خصَّصته السنة القولية وهي قوله ﷺ: "من جرَّ ثوبه خيلاء: لم ينظر الله إليه" فحصَّص التحريم بمن يجر ثوبه قاصدًا الخيلاء والتفاخر، يؤيده ما ورد أن أبا بكر قال للنبي ﷺ: "إن أحد شقيِّ إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه" فقال ﷺ: "إنك لست ممن يفعل ذلك =
[ ١ / ٣٩٠ ]
وصححه: "نهى رسول الله ﷺ عن الصورة في البيت وإن تُصنع" (^٦٩)، وإن أزيل من الصورة ما لا تبقى معه حياة: لم يُكره (^٧٠) (و) يُحرَّم (استعماله) أي: المصوَّر على الذكر والأنثى في لبس وتعليق، وستر جدر، لا افتراشه وجعله مخدًّا (^٧١)
خيلاء"، فإن قلتَ: لمَ أبيح الإسبال لمن لم يقصد الخيلاء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس وهذا واضح.
(^٦٩) مسألة: يُحرَّم تصوير ما فيه نفس كالإنسان والحيوان - وهو: أن ينحته ويُحوِّله إلى تمثال وشكل وصورة -؛ للسنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن الصورة في البيت وأن تصنع" والنهي مطلق، فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ حُرِم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا التصوير قد يؤدي إلى تعظيم أصحابها فتُعبد؛ لأن غالب شرك الأمم السابقة كان سببه التصوير؛ فسدًا للذرائع: حُرِّم. [فرع]: يُباح تصوير ونحت ورسم ونقش ما لا نفس له ولا روح كالأشجار والجبال ونحو ذلك؛ لقول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس: "فإن كنت فاعلًا فاجعل الشجر وما لا نفس له"، وهذا لكونه لا يؤدي إلى التعظيم.
(^٧٠) مسألة: إذا أزيل من صورة ما فيه نفس شيء لا تبقى معه حياة - كما لو أزيل من الحي رأسه، أو قطع نصف جسمه من تحت -: فيُباح بلا كراهية؛ لقول الصحابي؛ حيث قال ابن عباس: "الصورة: الرأس؛ فإذا قطع الرأس فليس بصورة"، وقطع نصف الجسم كقطع الرأس؛ لعدم الفارق بجامع: عدم الحياة، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: لأن قطع ذلك يُفسد الصورة، فلا تُعظَّم عادة.
(^٧١) مسألة: يُحرَّم على المسلم أن يستعمل الصور في لباس أو تعليق على حائط، أو ستر جدران أو جعلها في سيارة إلا إذا قُطِّعت ومزِّقت وجُعلت فرشًا أو كُسيت بها المخدات والوسائد فهذا مباح استعماله فيه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب أو صورة"، ويلزم من عدم دخول الملائكة البيت: عقوبة صاحب البيت، ولا يُعاقب إلا =
[ ١ / ٣٩١ ]
(ويحرم) على الذكر (استعمال منسوج) بذهب أو فضة (أو) استعمال (مموَّه بذهب أو فضة) - غير ما يأتي في الزكاة من أنواع الحلي - (قبل استحالته) فإن تغير لونه، ولم يحصل منه شيء بعرضه على النار: لم يحرم؛ لعدم السرف والخيلاء (و) تحرم (ثياب حرير و) يحرم (ما) أي: ثوب (هو) أي: الحرير (أكثره ظهورًا) مما نسج معه (على الذكور) والخناثي، دون النساء لبسًا بلا حاجة، وافتراشًا، واستنادًا، وتعليقًا وكتابة مهر، وستر جُدُر - غير الكعبة المشرفة -؛ لقوله ﷺ: "لا تلبسوا الحرير؛ فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" متفق عليه (^٧٢)، وإذا فُرش فوقه حائلًا
على فعل محرم، فيكون استعمال الصورة في البيت أو في أي شيء حرامًا، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من تقطيع الصور: إهانتها وذهاب معالمها، فانتفى تعظيمها الذي حرم التصوير من أجله، تنبيه: قوله: "لا افتراشه ولا جعله مخدًا" قلتُ: هذا فيه تساهل؛ لأن افتراش ما فيه صور أو أن يجعل مخدَّات ووسائد يؤدي إلى المحذور، وهو تعظيمها، أو التذكر بأصحابها، وهذا مخالف لعموم قوله ﷺ: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب وصورة" حيث إن هذا شامل لجميع ما في البيت من فرش ومخدات. [فرع]: تُباح الصور الفوتوغرافية، وهي التي تكون بآلات تصوير حديثة إذا اقتضتها المصلحة؛ للمصلحة؛ حيث إن إثبات الشخصية لمهمات كثيرة في الدولة تقتضي ذلك، ولكونها توقيف ظل فقط بدون تصوير ونحت.
(^٧٢) مسألة: يُحرِّم على الرجل أو الخنثى استعمال ثوب منسوج من ذهب أو فضة، أو مموه بهما أو بأحدهما، أو ثوب حرير، أو أكثره منه بلا حاجة، وهذا مطلق، أي: يحرم ذلك، وإن وجدت حاجة في لبس أو فرش، أو مساند، أو تعليق على جدران، أو كتابة مهر الزواج، أو نحو ذلك - إلا الكعبة فيباح أن تكسى بالحرير -؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أُحل الذهب والحرير لإناث =
[ ١ / ٣٩٢ ]
صفيقًا: جاز الجلوس عليه والصلاة (^٧٣) (لا إذا استويا) أي: الحرير وما نسج معه ظهورًا (^٧٤)، ولا الخزّ - وهو: ما سدي بإبريسم وألحم بصوف أو قطن
أمتي، وحُرِّم على ذكورها" وهذا عام يشمل جميع ما ذكرناه، وقال: "لا تلبسوا الحرير؛ فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" ويلزم من حرمان لبسه في الآخرة: عقاب من لبسه في الدنيا، والعقاب لا يكون إلا على فعل محرَّم ومن لبس الذي أكثره حرير فكأنه لبس جميعه؛ لأن الحكم للغالب، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن في استعماله الإسراف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم على الخنثى؟ قلتُ: لاحتمال أن يكون ذكرًا، فغلَّبنا جانب الحظر؛ احتياطًا، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك للنساء؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تزين لزوجها، وهذا فيه مصلحة إحصانه وغض بصره ودفع مفسدة النظر إلى غيرها، فإن قلتَ: لمَ استثنيت الكعبة هنا؟ قلتُ: لأن فيه تعظيم وتشريف لها، حيث قال ﷺ: "اللهم زده تعظيمًا وتشريفًا". [فرع]: إن زال الذهب أو الفضة الذي في الثوب بسبب حرقه، واستحالته: فيجوز استعماله؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من زوال المانع والمحرم: جواز استعماله وإباحته.
(^٧٣) مسألة: إذا فرش ووضع المسلم على الحرير شيئا آخر من القطن لاصق به بحيث لا يُرى الحرير، ثم صلى أو جلس عليه فإن هذا مباح وصحت الصلاة بلا إثم؛ للتلازم؛ حيث يلزم من إخفائه: عدم الخيلاء وكسر قلوب الفقراء فيه: فأبيح ذلك وصحت الصلاة بلا إثم، وهذا هو المقصد منه.
(^٧٤) مسألة: يحرم لبس الثوب الذي أكثره، أو نصفه، أو أقلُّه من الحرير إلا موضع ومقدار أربعة أصابع فيباح؛ للسنة القولية؛ حيث قال عمر: "إنه ﷺ نهى عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة" حيث أثبت إباحة لبس الثوب الذي فيه هذا المقدار من الحرير، وحرم لبس الثوب واستعماله إن =
[ ١ / ٣٩٣ ]
ونحوه (^٧٥) (أو) لبس الحرير الخالص (لضرورة، أو حكَّة أو مرض)، أو قمل (^٧٦)
زاد الحرير عن ذلك المقدار؛ لأن الاستثناء من النفي - وهو النهي هنا - إثبات، فإن قلتَ: إن كان الحرير قد أخذ مقدار النصف من الثوب: فيباح لبسه وهو الذي ذكره المصنف هنا: للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لا تلبسوا الحرير" والمراد: الثوب الذي جميعه من الحرير؛ لأنه مفرد محلى بأل وهو من صيغ العموم، وعومل الأكثر مثل الكل، ودل مفهوم الصفة على جواز لبس ما نصفه حرير، قلتُ: إن حديث عمر خاص؛ لأن فيه زيادة ثقة مقبولة، وحديثكم هذا عام، والخاص مقدم في العمل على العام، ثم إن جواز النصف مأخوذ من مفهوم الصفة من حديثكم، وجواز موضع الأربعة أصابع مأخوذ من منطوق حديث عمر، والمنطوق يقدَّم في العمل على المفهوم، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الحديثين" فعندنا: أن حديث عمر قد خصَّص حديث: "لا تلبسوا الحرير" وعندهم لم يقو على تخصيصه، وأيضًا: "تعارض المنطوق مع المفهوم" فعندنا: يقدم المنطوق؛ وعندهم: يقدم المفهوم هنا.
(^٧٥) مسألة: يباح لبس الثوب المنسوج من وبر - حيوان الخز - إذا خلط معه الابريسم وهو المادة التي يصنع منها الحرير، ثم الصق بصوف أو قطن أو كتان؛ للتلازم؛ حيث إن هذا لا يسمى حريرًا حقيقة: فلزم إباحة لبسه، وهذا من باب التوسعة على المسلمين.
(^٧٦) مسألة: يباح لبس الحرير الخالص؛ للضرورة والحاجة كأن يدفع به بردًا أو حرًا أو لتهدئة حكَّة، أو طرد قمل، أو علاج مرض؛ للسنة القولية؛ حيث "إنه ﷺ قد رخَّص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام بلبس الحرير لما اشتكيا إليه كثرة القمل في بدنهما" وغير القمل مما ذكرناه مثله: لعدم الفارق والجامع: إزالة الضرر ورفعه عن المسلم من باب "مفهوم الموافقة" أصله، قوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" وقاعدة: "الضرر يزال" وهذا هو المقصد من هذا الحكم.
[ ١ / ٣٩٤ ]
(أو حرب) ولو بلا حاجة (^٧٧) (أو) كان الحرير (حشوًا) لجلباب، أو فرش، فلا يحرم؛ لعدم الفخر والخيلاء (^٧٨)، بخلاف البطانة (^٧٩)، ويحرم إلباس صبي ما يحرم على رجل (^٨٠) وتشبُّه رجل بأنثى في لباس وغيره وعكسه (^٨١) (أو كان) الحرير
(^٧٧) مسألة: يباح لبس الحرير الخالص في حالة الحرب بدون حاجة؛ للقياس؛ بيانه: كما أن مشية الخيلاء تباح في الحرب فكذلك يباح لبس الحرير في الحرب والجامع: إظهار الغنى والقوة في كل.
(^٧٨) مسألة: يباح أن يحشى الثوب أو الفرش بالحرير ويستعمله؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم ظهوره: إباحته، لعدم كسر قلوب الفقراء أو التفاخر فيه.
(^٧٩) مسألة: يُحرَّم أن يبطَّن الرجل ثوبه كله أو جبته كلها بالحرير لغير حاجة؛ للتلازم؛ حيث إن هذا فيه إسراف في تبذير الأموال فيلزم تحريم ذلك.
(^٨٠) مسألة: يحرم أن يُلبس الأب أو الولي صبيه شيئا مما يحرم لبسه على البالغ، أو أن يجعله يستعمله كإسبال ثوبه، وجعل في ثيابه تصاوير، أو نسجه بذهب أو فضة، أو حرير؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها" وهذا عام للذكر سواء كان صغيرًا أو كبيرًا، الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال جابر: "كنا ننزعه عن الغلمان" يقصد ما سبق ذكره، الثالثة: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تجنيب الصبي عن استعمال المحرمات؛ لينشأ على ذلك، وغالبًا ينشأ الفتى على ما كان عوده عليه أبوه، أو وليه.
(^٨١) مسألة: يحرم على الرجال أن يتشبهوا بالنساء، ويحرم على النساء أن يتشبهن بالرجال سواء كان التشبُّه باللباس، أو بالكلام، أو بالحركات؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال"، وهذا عام فيشمل كل تشبه مما قلناه؛ لأن لفظ "المتشبهين" =
[ ١ / ٣٩٥ ]
(عَلَمًا) وهو طراز الثوب (أربع أصابع فما دون أو) كان (رقاعًا أو لبنة جيب) وهو الزيق (وسجف فراء) جمع فرو ونحوها مما يُسجف فكل ذلك يباح من الحرير إذا كان قدر أربع أصابع فأقل؛ لما روى مسلم عن عمر أن النبي ﷺ "نهى عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة" (^٨٢)، ويُباح أيضًا كيس مصحف (^٨٣)، وخياطة به وأزرار (^٨٤) (ويُكره المعصفر) في غير إحرام (و) يُكره (المزعفر للرجال)؛ لأنه ﷺ "نهى الرجال عن التزعفر" متفق عليه (^٨٥)، ويُكره
و"المتشبهات" جمع معرف بأل وهو من صيغ العموم. فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن كل جنس له ما يناسبه من لباس وغيره، فإذا تشبَّه أحد الجنسين بالآخر: أدَّى إلى زوال ميزة كل جنس خصَّه الله بها، فتقع المفاسد.
(^٨٢) مسألة: يباح وضع خطوط من الحرير وتطريز الثوب به، وترقيمه، وترقيعه، ووضع شيء منه في الطوق الذي يخرج منه الرأس، ووضع بعض حرير في أطراف الفروة الأمامية، - وهو سجف الفراء - ووضع شيء منه في أطراف الطاقية أو الثوب وذلك بشرط: أن لا يزيد هذا الحرير عن أربعة أصابع، وما زاد فهو حرام؛ للسنة القولية؛ وقد بيناها في مسألة (٧٤).
(^٨٣) مسألة: يُباح وضع كيس من الحرير يجعله لمصحفه؛ للقياس؛ بيانه: كما يباح أن تكسى الكعبة بالحرير فكذلك المصحف مثلها، والجامع: التعظيم والتشريف في كل.
(^٨٤) مسألة: يباح أن يخاط الثوب بخيوط من حرير، وأن تجعل أزرار الثوب أو الجبة أو الفروة منه بشرط: أن لا يزيد ذلك عن مقدار أربعة أصابع؛ للسنة القولية؛ وقد سبق بيانها في مسألة (٧٤).
(^٨٥) مسألة: يحرم أن يلبس الرجل المعصفر - وهو المصنوع من العصفر - وهو نبات معروف -، وكذا: لبس المزعفر؛ في الصلاة وغيرها؛ للسنة القولية؛ وهي =
[ ١ / ٣٩٦ ]
الأحمر الخالص (^٨٦)، والمشي بنعل
من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد نهى الرجال عن التزعفر، ثانيهما: أن عليًا قال: "نهاني النبي ﷺ عن لبس المزعفر"، والنهي فيهما مطلق، فيقتضي التحريم، وهذا لا صارف له، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنها لبسة فيها تشبُّه بلبسة النساء، وفيها خيلاء وشهرة، وكلها ألبسة محرمة كما سبق بيانه، يؤيده أنه ﷺ قال لعمرو بن العاص - لما رآه لابسًا ثوبين معصفرين -: "إن هذا من ثياب الكفار فلا تلبسهما" وهذا النهي مطلق فيقتضي التحريم ولا صارف له، فإن قلتَ: إن لبسهما مكروه - وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للسنة القولية؛ السابقة، قلتُ: لم أجد صارفًا قوي على صرف النهي الوارد في الأحاديث السابقة من التحريم إلى الكراهة، مع تأييد المصلحة للتحريم؛ فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل يوجد صارف للنهي الوارد للحديث أو لا؟ " فعندنا: يحمل على التحريم؛ لأنه الأصل، وعندهم: يحمل على الكراهة لأن الأصل في النهي الكراهة عندهم.
(^٨٦) مسألة: يباح لبس الأحمر الخالص في الصلاة وغيرها للسنة الفعلية؛ "حيث إنه ﷺ قد لبس حُلَّة حمراء" كما رواه البراء، وأبو جحيفة، فإن قلتَ: لمَ أبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على الناس لا سيما وأنه لا يقع في لبسه خيلاء، ولا كسر قلوب الفقراء، وليس من لبسة النساء، ولا الكفار، فلا مانع من لبسه، فإن قلتَ: يكره لبسه والصلاة فيه، وهو ما ذكره المصنف هنا -؛ للسنة الفعلية؛ حيث إن عبد الله بن عمرو قال: "دخل رجل على النبي ﷺ وعليه بردان أحمران فسلَّم فلم يرد النبي ﷺ عليه" فيلزم من عدم ردَّه للسلام، كراهته لهذا اللباس، قلتُ: إن هذا اللازم غير مُسلَّم؛ حيث يُحتمل أنه لم يرد عليه لما قلتموه، ويحتمل أنه من أجل أمر آخر، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ =
[ ١ / ٣٩٧ ]
واحدة (^٨٧) وكون ثيابه فوق نصف ساقه، أو تحت كعبه بلا حاجة (^٨٨)، وللمرأة زيادة إلى ذراع (^٨٩) ويكره لبس الثوب الذي يصف البشرة للرجل
سببه: "تعارض السنة الفعلية مع المصلحة" فعندنا: تقدم المصلحة؛ لضعف السنة هنا، وعندهم: تقدم السنة؛ لقوتها عندهم هنا.
(^٨٧) مسألة: يُكره المشي في نعل واحدة، والقدم الآخر حافي؛ لغير حاجة؛ للمصلحة؛ حيث إن فعل ذلك فيه اختلال التوازن، مما يؤثِّر على القدمين والبدن، فدفعًا لذلك: كره، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك مكروهًا والرسول ﷺ كان يأمر الصحابة بالمشي حفاة أحيانًا؟ قلتُ: كونه يمشي حافي القدمين معًا فيه مصلحة التعلم على شدة الحر والبرد وخشونة الأرض؛ إبعادًا للتنعم الذي لا يحبه الله لعباده في الدنيا لذلك يقول عمر: "اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم" بخلاف المشي على نعل واحدة.
(^٨٨) مسألة: يُكره أن يجعل ثوبه فوق نصف ساقه بلا حاجة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ارفع إزارك إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين" حيث إن الشارع قد استحب رفع الثوب إلى نصف الساق؛ لأن لفظ "فإن أبيت" قرينة صرفته من الوجوب إلى الندب، وعليه: فيُكره رفعه فوق نصفه؛ لأن ترك المستحب مكروه، فإن قلتَ: لمَ كُرِه ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن رفعه إلى فوق الساق قد يؤدي إلى كشف عورته إذا جلس، ويؤدي إلى بعض الضرر من حرٍّ وبرد، وإلى اشتهار صاحبه، تنبيه: قوله: "أو تحت كعبه" يُفهم منه: أن جعل الثوب تحت الكعبين مكروه، وهذا لا يصح؛ لأن جعله كذلك خيلاء محرم - كما سبق في مسألة (٦٨) -.
(^٨٩) مسألة: يستحب للمرأة أن ترخي ثوبها وتجعله يجر في الأرض إذا خرجت من بيتها بمقدار ذراع، للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ أذن للمرأة بذلك وأقرها =
[ ١ / ٣٩٨ ]
والمرأة (^٩٠)، وثوب الشهرة، وهو: ما يشتهر به عند الناس، ويُشار إليه بالأصابع (^٩١) (ومنها) أي: من شروط الصلاة (اجتناب النجاسة) حيث لم يُعف عنها ببدن المصلي وثوبه، وبقعتهما، وعدم حملها؛ لحديث: "تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه" وقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (فمن حمل نجاسة لا يعفى عنها) ولو بقارورة: لم تصح صلاته (^٩٢)، فإن كان معفوًا عنها كمن حمل مستجمرًا
عليه - كما روته أم سلمة -، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا أكمل في الستر، تنبيه: عبارة المصنف يفهم منها: أن هذا مباح للمرأة فقط، والصواب: أنه مستحب، لما ذكرناه من المصلحة.
(^٩٠) مسألة: يُكره للرجل أن يلبس ثوبًا يصف بشرة جلده من بياض وسواد، للمصلحة؛ حيث إن ذلك قد يؤدِّي إلى الفتنة وتأثر هذه البشرة بالبرد أو الحر، تنبيه: يُحرَّم أن يلبس ثوبًا يصف بشرة العورة من الركبة إلى السرة كما سبق في مسألة (٤١)، تنبيه آخر: قوله: "والمرأة" يُفهم منه: أنه يُكره للمرأة أن تلبس ثوبًا يصف البشرة، والصواب: أن هذا محرم؛ لأن جسم المرأة كله عورة كما سبق في مسألة (٤٢).
(^٩١) مسألة: يُكره للمسلم أن يلبس لباسًا يشتهر به من ثوب أو عباءة أو جبَّة أو نحو ذلك، إذا لم يقصد التباهي والتفاخر، ولذا: ينبغي له أن يلبس ويركب ويسكن ما اعتاده الناس أما إذا قصد التباهي والتفاخر فيحرم؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا قد يؤدِّي إلى التعالي والتباهي على خلق الله، وهذه مفسدة عظيمة للإنسان، فدفعًا لذلك: شرع هذا.
(^٩٢) مسألة: في الرابع - من شروط صحة الصلاة - وهو: أن يتجنّب جميع النجاسات - التي لا يُعفى عنها - فيزيلها من بدنه وثوبه، والبقعة التي يُصلي عليها، وعليه: فمن صلى وفي بدنه أو ثوبه أو الموضع الذي يصلي عليه نجاسة، =
[ ١ / ٣٩٩ ]
أو حيوانًا طاهرًا: صحت صلاته (^٩٣) (أو لاقاها) أي: لاقى نجاسة لا يعفى عنها
أو كان حاملًا لها بقارورة: فإن صلاته باطلة: سواء كان ذاكرًا أو ناسيًا أو جاهلًا وسواء علم بذلك قبل أو أثناء أو بعد الصلاة؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فأوجب الشارع تطهير الثوب للصلاة، الثانية: السنة القولية؛ وهي من وجوه: أولها: قوله ﷺ: "تنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه" فأوجب التطهر من البول والغائط أولى بالتطهر منه من باب مفهوم الموافقة الأولى، ثانيها: قوله ﷺ للحائض إذا رأت الدم في الثوب: "فلتقرصه ثم تغسله بالماء" فأوجب غسل الثوب المصلى به من الدم، ثالثها: أنه ﷺ أمر بصب الماء على بول الأعرابي في الأرض التي سيُصلى عليها، وهذا أمر بتطهير البقعة، وهذا كله يدل على اشتراط الطهارة للصلاة، واجتناب جميع النجاسات؛ لأن الأمر في تلك النصوص الأربعة السابقة مطلق؛ فيقتضي الوجوب؛ وهذا عام للأمكنة وللأزمنة وللأقوال، فيشمل ما لصق بثوب، أو حمل بقارورة، أو ما علم به قبل أو أثناء أو بعد الصلاة أو الجاهل بحكمه أو نحو ذلك، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط هذا لصحة الصلاة؟ قلتُ: لتعظيم الله وتشريفه وإكرامه وتبجيله؛ إذا لا يليق أن يتعبَّد الله الخالق لكل شيء وهو متلطِّخ بالنجاسات والقاذورات التي يستقذرها البشر فكيف بالخالق؟!، تنبيه: المقصود بالنجاسة التي لا يعفى عنها: ما يمكن التحرز منها بدون مشقة وكلفة.
(^٩٣) مسألة: تصح صلاة من حمل نجاسة معفوًا عنها عادة كمن وقع على ثوبه رشاش بول حيوان طاهر، أو دم قليل، أو التصق بطفل لا يغلب على الظن نجاسته؛ للقياس، بيانه: كما أن أثر الاستجمار في محلِّه معفو عنه فكذلك هذا مثله والجامع: مشقة الاحتراز منه في كل، إذ تعم البلوى في ذلك؛ لكثرة ما يتعرض الناس لهذا في المنازل والطرقات وهذا هو المقصد الشرعي منه.
[ ١ / ٤٠٠ ]
(بثوبه أو بدنه: لم تصح صلاته)؛ لعدم اجتنابه النجاسة (^٩٤)، وإن مسَّ ثوبه ثوبًا، أو حائطًا نجسًا لم يستند إليه، أو قابلها راكعًا، أو ساجدًا ولم يلاقها: صحَّت (^٩٥) (وإن طيَّن أرضًا نجسه أو فرشها طاهرًا) صفيقًا، أو بسطه على حيوان نجس، أو صلى على بساط باطنه فقط نجس: (كُرِه) له ذلك؛ لاعتماده على ما لا تصح الصلاة عليه (وصحَّت)؛ لأنه ليس حاملًا للنجاسة ولا مباشرًا لها (^٩٦) (وإن كانت) النجاسة (بطرف مُصلَّى
(^٩٤) مسألة: إذا لاقى نجاسة رطبة أثناء صلاته: بأن استند المصلي على جدار كان عليه نجاسة رطبة، أو لمسها بيده أو بأي جزء من أجزاء بدنه: فصلاته باطلة، أما إن كانت النجاسة يابسة: فأزالها بنحو حكٍّ ولم يبق منها شيء: فصلاته صحيحة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من لصوق النجاسة الرطبة بأي شيء منه: بطلان صلاته؛ لعدم اجتناب النجاسة الذي هو شرط صحتها، ويلزم من إزالة النجاسة اليابسة: صحّة صلاته؛ لوجود شرطها.
(^٩٥) مسألة: إذا مسَّ ثوبه ثوبًا نجسًا، أو مسَّ ثوبه حائطًا نجسًا، أو قابل نجاسة أثناء ركوعه أو سجوده أو كانت بين رجليه ولم يلاق النجاسة؛ فلم يستند إليها: فصلاته صحيحة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم لصوقه بالنجاسة: صحة صلاته؛ لتحقق شرطها؛ لكونها بعيدة عنه، والمراد بالمس: المسُّ الذي لا يؤثِّر.
(^٩٦) مسألة: تصح الصلاة على شيء طاهر توجد تحته نجاسة بلا كراهة كأن يُغطي أرضًا نجسة بطين أو أسمنت أو فرش، أو يغطي حيوانًا نجسًا ببساط؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم حمله للنجاسة وعدم مباشرته لها: صحة صلاته لوجود شرطها، فإن قلتَ: تصح الصلاة هنا مع الكراهة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اعتماده على ما لا تصح الصلاة عليه: كراهتها وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لا نسلّم التلازم من ذلك؛ لأن قربه من النجاسة لا يؤثر، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازمين" فعندنا: التلازم الأول أقوى، وعندهم: الثاني أقوى.
[ ١ / ٤٠١ ]
متصل به: صحَّت) الصلاة على الطاهر ولو تحرك النجس بحركته، وكذا: لو كان تحت قدمه حبل مشدود في نجاسة، وما يُصلي عليه منه طاهر (إن لم) يكن متعلقًا به بيده أو وسطه بحيث (ينجرّ) معه (بمشيه) فلا تصح؛ لأنه مستتبع لها فهو كحاملها، وإن كانت سفينة كبيرة أو حيوانًا كبيرًا لا يقدر على جرِّه إذا استعصى عليه: صحَّت؛ لأنه ليس بمستتبع لها (^٩٧) (ومن رأى عليه نجاسة بعد صلاته وجهل كونها) أي: النجاسة (فيها) أي: في الصلاة: (لم يُعد) ها؛ لاحتمال حدوثها بعدها، فلا تبطل بالشك (^٩٨) (وإن علم أنها) أي: النجاسة (كانت فيها) أي: في الصلاة، (لكن
(^٩٧) مسألة: إذا صلى المسلم على فراش، وعلى طرفه نجاسة ولم يصل عليها، أو كان في يده أو بطنه أو تحت قدمه حبل مشدود بشيء نجس وهو لا ينجر معه إذا تحرك كأن يُربط بفيل أو سفينة نجسة: فإن صلاته في هاتين الحالتين صحيحة، أما إن انجرَّ معه إذا تحرك كأن يربط بكلب صغير: فإن صلاته باطلة؛ للتلازم؛ حيث إن صلاته على الطاهر من الفراش، وعدم قدرة الشيء النجس المربوط به على الانجرار عند حركة المصلي كالجدار النجس: يلزم منه صحة صلاته؛ لوجود شرطها وعدم استتباعه لها ويلزم من سهولة انجرار النجس عند حركة المصلي: بطلان صلاته؛ لاحتمال التصاقه به وهو يصلي، فيكون كحامل النجاسة والمستتبع لها.
(^٩٨) مسألة: إذا فرغ من صلاته فرأى نجاسة على بدنه أو ثوبه وشك فيها هل كانت في أثناء صلاته أو بعدها؟: فصلاته صحيحة؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل طهارته وهو متيقن من ذلك فيستصحب ذلك، ويعمل به، ولا يلتفت إلى الشك؛ لعدم بناء الأحكام عليه، فإن قلتَ: لمَ صحَّت صلاته؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن المسلم لو عمل فيما يشك فيه: للحقه ضيق وحرج؛ لكثرة ما يقع للإنسان من الشكوك.
[ ١ / ٤٠٢ ]
جهلها أو نسيها: أعاد) كما لو صلى محدثًا ناسيًا (^٩٩) (ومن جُبر عظمه بـ) عظم (نجس) أو خيط جرحه بخيط نجس وصح: (لم يجب قلعه مع الضرر) بفوات نفس، أو عضو أو مرض، ولا يتيمم له إن غطَّاه اللحم، وإن لم يخف ضررًا: لزمه قلعه (^١٠٠) (وما سقط منه) أي: من آدمي (من عضو أو سنٍّ فـ) هو (طاهر): أعاده،
(^٩٩) مسألة: إذا كان يجهل أن هذه النجاسة تبطل الصلاة، أو كان يعلم أن تلك النجاسة التي على ثوبه أو بدنه تبطل الصلاة ولكنه نسيها ثم صلى، فلما فرغ منها: علم أن تلك النجاسة تبطل الصلاة، وتذكر ما نسيه من النجاسة: فإن صلاته باطلة في الحالتين؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو صلى محدثًا ناسيًا له: فإن صلاته تبطل، فكذلك من صلى وعليه نجاسة مثله، والجامع: الصلاة بدون طهارة في كل، فلم يتحقق شرط الصلاة فلا تصح، فإن قلتَ: إن الصلاة تصح، ولا يُعيدها وهو قول ابن تيمية وتبعه ابن عثيمين؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "عُفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهو عام لما نحن فيه، قلتُ: إن المعفو عنه هنا هو الإثم فقط، أما الفعل فيجب أن يعاد؛ حيث دلت دلالة الاقتضاء على التقدير: "عُفي عن أمتي إثم الخطأ والنسيان .. "، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "تعارض القياس مع السنة القولية هنا" فعندنا: يقدم القياس؛ لقوته، وضعف السنة؛ لاحتياجها إلى التقدير، وعندهم: تقدم السنة، وأيضًا: "الخلاف في المعفو عنه في الحديث هل هو الإثم فقط، أو الإثم مع الفعل؟ " فعندنا: الأول، وعندهم: الإثم مع الفعل.
(^١٠٠) مسألة: إذا جبر عظم المسلم بعظم نجس، أو وضع فيه خيط من جلد نجس - عظم وجلد كلب أو خنزير - فإنه يصلي به وتصح صلاته إن خاف من قلعه أيَّ ضرر، أما إن لم يخف الضرر فيجب قلعه وإزالته في كل صلاة؛ للقياس؛ بيانه؛ كما أنه إذا خاف الضرر من استعمال الماء: فإنه يصلي بالتيمم وإن لم يخف فيجب =
[ ١ / ٤٠٣ ]
أو لم يُعده؛ لأن ما أبين من حي فهو كميتته، وميتة الآدمي: طاهرة (^١٠١)، وإن جعل ضع سِنَّه سن شاه مذكاة: فصلاته معه صحيحة ثبتت أو لم تثبت (^١٠٢)، ووصل
تطهره بالماء فكذلك الحال هنا والجامع: دفع الضرر في كل، وهذا هو المقصد منه. [فرع]: إذا غطَّى اللَّحم ذلك العظم النجس - في الجبيرة -: فإنه يغسله مع أعضاء الوضوء - إن كان فيها - بدون تيمُّم، وإن لم يُغطه اللَّحم: فإنه لا يُمسُّه الماء عند الوضوء؛ دفعًا للضرر، فإذا فرغ: تيمَّم له؛ للتلازم؛ حيث يلزم من غسله بدون ضرر: سقوط التيمم، لعدم وجود شيء لم يمسه الماء، ويلزم من عدم غسله؛ للضرر: وجوب التيمم عن هذا الذي لم يمسه الماء من أعضاء الوضوء.
(^١٠١) مسألة: إذا سقط أو قطع من المسلم أي عضو كيد أو رجل أو سن: فهو طاهر؛ سواء أعاده إلى مكانه أو لا فتصح الصلاة به؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "المؤمن لا ينجس" فنفى النجاسة عن المؤمن وهو عام لجميع أعضائه، وعام في جميع أزمانه: قبل الموت وبعده؛ لأن لفظ "المؤمن" مفرد محلى بأل، وهو من صيغ العموم، فإن قلتَ: لمَ كان طاهرًا؟ قلتُ: لأن ميتة المسلم طاهرة، وما أُبين منه وهو حي: يكون طاهرًا، تنبيه: قوله: "أي: من آدمي" يُفهم منه: أن الكافر يدخل هنا؛ لأنه آدمي والصواب: أن ميتة الكافر نجسة، وإنما كان طاهرًا في حال حياته؛ الاقتضاء المصلحة لذلك؛ حيث يضطر المسلم للتعامل معه، وقد سبق بيانه.
(^١٠٢) مسألة: تصح صلاة من وضع عضوًا طاهرًا داخل جَسَدِه كسنٍّ يأخذه من شاه مذكاة: سواء كان ثابتًا أو لا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من صلاته بشيء طاهر: صحة صلاته.
[ ١ / ٤٠٤ ]
المرأة شعرها بشعر حرام، ولا بأس بوصله بقرامل وهي: الأعقصة، وتركها أفضل، ولا تصح الصلاة إن كان الشعر نجسًا (^١٠٣) (ولا تصح الصلاة) بلا عذر فرضًا كانت أو نفلًا - غير صلاة جنازة - (في مقبرة) بتثليث الباء، ولا يضر قبران، ولا ما دفن بداره (و) لا في (حَشٍّ) بضم الحاء وفتحها وهو: المرحاض (و) لا في (حمام) داخله وخارجه، وجميع ما يتبعه في البيع (وأعطان إبل) واحدها عطن - بفتح الطاء، وهي: المعاطن، جمع معطن - بكسر الطاء - وهي ما تقيم فيها وتأوي إليها (و) لا في
(^١٠٣) مسألة: إذا وصلت المرأة شعرها بشعر نجس كشعر كلب أو خرقه نجسة: فإن صلاتها باطلة، وإن وصلته بشعر طاهر كشعر شاة: فصلاتها صحيحة، ولكنها تأثم في الحالتين؛ لكونها وصلت شعرها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "لعن الله الواصلة والمستوصلة" فحرم الشارع وصل الشعر بشعر آخر أو بخرقة أو نحوها؛ لأن اللعن: عقاب ولا يعاقب إلا على فعل حرام، وهو عام كما قلنا؛ لأن لفظ "الواصلة" مفرد محلى بأل وهو من صيغ العموم، الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من صلاتها بشيء طاهر: صحّة صلاتها، لوجود شرطها، ويلزم من صلاتها بشيء نجس: بطلان صلاتها؛ لفقدان شرطها، فإن قلتَ: لمَ كان الوصل حرامًا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة خداع وغش الآخرين بهذه المرأة، وهذا يستوي فيه كل من وصلت شعرها بأي شيء، فإن قلتَ: لمَ حرم الوصل على الفاعل له؟ قلتُ: لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى الشارع عنه، فإن قلتَ: إن وصل الشعر بخرق من حرير أو صوف ثم تعقصه بحيث تدخل أطراف الشعر بأصوله - وهو: القرامل - هذا مباح؛ للتلازم؛ حيث إن هذا لا يخدع أحدًا فتلزم إباحته قلتُ: إن الحديث السابق عام للشعر ولغيره، ثم إنه يخدع الناظر من بعيد فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلت: سببه: "الخلاف في لفظ "الواصلة" هل هو عام لكل ما يوصل به الشعر، أو أنه خاص بالوصل بالشعر فقط؟ " فعندنا: عام، وعندهم خاص.
[ ١ / ٤٠٥ ]
(مغصوب) ومجزرة ومزبلة وقارعة طريق (و) لا في (استطحتها) أي: أسطحة تلك المواضع وسطح نهر، والمنع في ذلك تعبُّدي؛ لما روى ابن ماجه والترمذي عن ابن عمر أن الرسول ﷺ "نهى عن أن يصلى في سبع مواطن: المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله" (^١٠٤)
(^١٠٤) مسألة: لا تصح الصلاة في تسع مواضع: أولها: كل ما سُمِّي بمقبرة - وهو: ما يدفن فيها عادة الموتى - ما عدا صلاة الجنازة، أو الصلاة في موضع فيه قبران أو الصلاة في منزل دفن فيه أحد: فتصح، ثانيها: المحش وهو: المرحاض والكنيف، ثالثها: الحمام وهو: المكان المعد للاغتسال والتنظيف، وهو يعم داخله وخارجه وكل ما يتبعه عند بيعه، رابعها: أعطان الإبل وهو: الأماكن التي تقعد فيها الإبل وتأوي إليها عادة، خامسها: المواضع المغصوبة والمسروقة، سادسها: المجزرة، وهو: الموضع الذي تذبح فيه الإبل وغيرها، سابعها: المزبلة: وهو: المكان الذي يوضع فيه ما يستقذر، ثامنها: قارعة الطريق، وهو: الموضع الذي يمشي فيه الناس عادة ذهابًا وإيابًا، تاسعها: سطح الكعبة - كما سيأتي - لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "نهى ﷺ عن الصلاة في سبع مواطن: المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله"، والنهي مطلق فيقتضي الفساد، الثانية: القياس، بيانه: كما لا تصح الصلاة في الحمام فكذلك لا تصح في المحش، بجامع: النجاسة في كل، فإن قلتَ: لمَ لا تصح الصلاة في تلك المواضع؟ قلتُ: لما فيها من النجاسات التي تضاد الطهارة المشترطة للصلاة، وما فيها من ذكر وقراءة ومناجاة، ولدفع مفسدة الصلاة في المقبرة وهي عبادة من في القبور أو التشبه بمن يعبدهم، ولأن المحاش، والحمامات ومعاطن الإبل مواضع للشياطين، ولأن الموضع المغصوب لا يتناسب مع فعل الطاعة فيه كما سبق ذكره في مسألة (٤٩)، ولأن من صلى على سطح الكعبة لا يتوجه إلى قبلة وسيأتي بيانه، فإن قلتَ: لمَ صحَّت صلاة =
[ ١ / ٤٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجنازة في المقبرة؟ قلتُ: للسنة الفعلية؛ حيث صلى ﷺ على امرأة في المقبرة بعد دفنها، يؤيد ذلك: أنها لا ركوع لها ولا سجود فلا تشترط الطهارة في البقعة، والصلاة فيها على عين فلا محذور فيها، فإن قلتَ: لمَ صحّت الصلاة في موضع فيه قبران، أو في منزل دفن فيه واحد أو اثنان؟ قلتُ: لعدم إطلاق اسم المقبرة على ذلك فيلزم صحتها، بشرط: عدم القرب من المكان المقبور فيه أحد، وأن لا يؤدي ذلك على عبادة من في القبور أو التوسل به أو التشبه بذلك، وصح ذلك؛ للتوسعة على المسلمين. [فرع]: تصحُّ الصلاة في أسطح تلك المواضع: كسطح المحش، والحمام، ومعاطن الإبل، والمجزرة، والمزبلة، وقارعة الطريق، وكذا تصح على سطح النهر الجاري أو الراكد إلا سطح المقبرة فلا تصح؛ للاستصحاب؛ حيث إن الأصل طهارة أسطح تلك المواضع؛ لعدم وجود ما يُنجِّسها؛ لانفصالها عما تحتها، وللاستقرار في الصلاة، فنستصحب ذلك، ونعمل به، فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: لمَ لا تصح الصلاة في سطح المقبرة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه سدٌّ للذرائع فيُخشى عبادة من في القبور، أو التوسُّل بهم أو التَّشبُّه بهم ولذا يمنع الصلاة فيها وعلى سطحها، فإن قلتَ: لا تصح الصلاة في أسطح تلك المواضع كلها وكذا سطح النهر وهو الذي ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أنه لا تصح الصلاة داخل تلك المواضع - كما في مسألة (١٠٤) - فكذلك لا تصح الصلاة في أسطحتها، وكما لا تصح الصلاة فوق الماء فكذا لا تصح الصلاة فوق سطحه، والجامع: أن كلًّا منهما مسمَّى بذلك الاسم؛ لكونه تابعًا للداخل بدون فرق؟ قلتُ: هذا القياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن داخل تلك المواضع غلب على ظننا وجود نجاسة فيها، فلذا لا تصح الصلاة فيها وأن الواقف على الماء مباشرة لا يمكنه الاستقرار أثناء صلاته؛ بخلاف =
[ ١ / ٤٠٧ ]
(وتصح) الصلاة (إليها) أي: إلى تلك الأماكن مع الكراهة إن لم يكن حائل (^١٠٥)، وتصح صلاة الجنازة، والجمعة، والعيد ونحوها بطريق؛ لضرورة وغصب (^١٠٦)،
المصلي فوق أسطحتها فإنه بعيد عن النجاسة، ويستقر في صلاته ومع الفارق فلا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض الاستصحاب مع القياس" فعندنا: لم يقو القياس على تغيير الأصل المستصحب، وعندهم: يقوى على ذلك، تنبيه: قوله: "والمنع في ذلك تعبُّدي" يقصد: أن النهي عن الصلاة في تلك المواضع تعبدي لا علَّة له، قلتُ: هذا فيه نظر، بل علَّة النهي هنا واضحة جلية لمن عرف موارد ومصادر الشريعة ومقاصدها، وقد ذكرنا طرفًا من تلك العلل في مسألة (١٠٤).
(^١٠٥) مسألة: تصح الصلاة إذا كان أمام المصلي واحد من تلك المواضع - المذكورة في مسألة (١٠٤) - وهذا بلا كراهة؛ للتلازم؛ حيث إن عدم الصلاة فيها، وإكمال الشروط الأخرى والأركان والواجبات يلزم منه صحتها، فإن قلتَ: لمَ صحَّت هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: تصح مع الكراهة - وهو ما ذكره المصنف هنا - بشرط: عدم وجود حائل بين المصلي وتلك المواضع؛ للتلازم؛ حيث إن عدم الحائل يلزم منه الاستقذار وهذا لا يناسب العبادة، قلتُ: هذا لا يلزم؛ لأن ما ذكر لا تعلُّق له بالصلاة وشروطها وأركانها وواجباتها، وهذا يؤدي إلى تضييق مواضع الصلاة، وهذا لم يرده الشارع، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل عدم الحائل هنا مؤثر أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: مؤثر، و"تعارض التلازمين".
(^١٠٦) مسألة: تصح صلاة الجنازة والجمعة والعيد وغيرها من الفروض في طريق، وموضع مغصوب إذا اضطر المسلم لذلك: بأن لم يجد غيره، أو كان خائفًا أو نحو ذلك؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع مفسدة عن المكلَّف، أصله: قوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام".
[ ١ / ٤٠٨ ]
وتصح الصلاة على راحلة بطريق، وفي سفينة ويأتي (^١٠٧) (ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا فوقها) والحجْر منها (^١٠٨)، وإن وقف على منتهاها بحيث لم يبق وراءه شيء منها، أو وقف خارجها وسجد فيها: صحَّت؛ لأنه غير مستدبر لشيء منها (^١٠٩) (وتصح النافلة) والمنذورة فيها وعليها (باستقبال شاخص منها) أي: مع استقبال شاخص من الكعبة، فلو صلى إلى جهة الباب، أو على ظهرها ولا شاخص متصل بها: لم تصح، ذكره في "المغني" و"الشرح" عن الأصحاب؛ لأنه غير مستقبل لشيء منها، وقال في "التنقيح": اختاره الأكثر، وقال في "المغني" الأولى: أنه
(^١٠٧) مسألة: تصح الصلاة على أي راحلة بطريق، وعلى سفينة؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد صلى على راحلته" والسفينة كالراحلة؛ لعدم الفارق بجامع: الحمل في كل، فإن قلتَ: لمَ صحَّت الصلاة هنا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة وتيسير على المسلمين ويأتي بيانه.
(^١٠٨) مسألة: لا تصح صلاة الفريضة داخل الكعبة، ولا داخل حجر إسماعيل؛ لأنه من الكعبة، ولا تصح فريضة فوق الكعبة؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على ذلك، ومستنده: الاستقراء والتتبُّع لأحوال الصحابة والتابعين؛ حيث ثبت بعد ذلك عدم الصلاة في ذلك، فإن قلتَ: لمَ لا تصحُّ هنا؟ قلتُ: لأن المقصود من التوجه إلى الكعبة هو: تعظيم البيت كله، ومن صلى داخلها أو فوق سطحها: فقد عظم بعضه وأهان الآخر؛ لاستدباره إياه.
(^١٠٩) مسألة: تصح صلاة الفرض والنفل إذا وقف في نهاية شيء من الكعبة، أو وقف خارج الكعبة وركوعه وسجوده داخلها بشرط: عدم استدباره لشيء منها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من استقباله لها، وعدم استدبار شيء منها: صحة صلاته؛ لتحقق شرطها وهو: استقبالها لتعظيمها وتشريفها، وهذا هو المقصد من ذلك.
[ ١ / ٤٠٩ ]
لا يشترط؛ لأن الواجب استقبال موضعها وهوائها دون حيطانها، ولهذا تصح على جبل أبي قُبيس وهو أعلى منها، وقدَّمه في "التنقيح"، وصححه في "تصحيح الفروع"، قال في "الإنصاف": وهو المذهب على ما اصطلحناه، ويستحب نفله في الكعبة بين الاسطوانتين وجاهه إذا دخل، لفعله ﷺ (^١١٠) (ومنها) أي: من شروط
(^١١٠) مسألة: تصح صلاة النافلة داخل الكعبة، وفوقها، وكذا: تصح الصلاة المنذورة داخلها وفوقها بشرط: أن يكون أمام المصلي شاخص منها، وهو الشيء القائم المتصل بالكعبة كخشبة وجدار ونحو ذلك، ويستحب أن يكون بين العمودين اللذين يكونان أمامه وهو داخل الكعبة مع بابها، ويسمَّيان بالساريتين والاسطوانتين؛ للسنة الفعلية؛ حيث صلى ﷺ في البيت ركعتين واستقبل شاخصا منها، وفي رواية: "أنه صلى بين الساريتين وأنت داخل" - كما قال ابن عمر - هي زيادة ثقة مقبولة، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط الشاخص؟ قلتُ: لأجل أن يجعله مستقبلًا لشيء منها، فإن قلتَ: لمَ صحت النافلة دون الفريضة؟ قلتُ: لأن الشارع يتساهل في النوافل دون الفرائض، فتقطع النافلة بدون عذر، وتصلى على الراحلة إلى غير القبلة في السفر، بخلاف الفريضة، فإن قلتَ: لا يشترط وجود الشاخص، فتصح بدونه - وهو قول بعض الحنابلة -؛ للقياس، بيانه: كما تصح صلاة المسلم وهو فوق جبل أبي قبيس وهو أعلى من الكعبة فكذلك تصح صلاة من صلى فوق أو داخل الكعبة بدون شاخص والجامع: أن كلًّا منهما قد صلى وهو متجه إلى هواء الكعبة دون حيطانها وهو: الواجب استقباله، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن من صلى فوق جبل أبي قبيس بعيد عن الكعبة، وهذا فرضه أن يتوجه إلى جهتها، لا إلى عينها ويكون بذلك لم يستدبر شيئًا منها، أما من صلى عندها، أو داخلها أو فوقها ففرضه: أن يستقبل عينها، أو شيئًا متصلًا بها، ويكون مستدبرًا شيئًا منها، فاشترط الشاخص لتخفيف =
[ ١ / ٤١٠ ]
الصلاة (استقبال القبلة) أي: الكعبة، أو وجهتها لمن بَعُدَ، سمِّيت "قبلة"؛ لإقبال الناس عليها قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (فلا تصح) الصلاة (بدونه) أي: بدون الاستقبال (^١١١) (إلا لعاجز) كالمربوط لغير القبلة، والمصلوب،
الأمر، ومع الاختلاف لا قياس، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع القياس" فعندنا: تقدم السنة وما فوقها كداخلها، وعندهم: يقدم القياس، تنبيه: قوله: "قال في الإنصاف: وهو: المذهب على ما اصطلحناه" يقصد: أن المرداوي قد اصطلح في مقدمة "الإنصاف" على أنه إذا وقع اختلاف بين علماء الحنابلة - كابن قدامة، وابن تيمية، وابن رجب - فيما هو المذهب عند أحمد؟ فإنه سيُرجِّح ما اصطلح عليه في "الإنصاف".
(^١١١) مسألة: في الخامس - من شروط صحة الصلاة - وهو: أن يستقبل القبلة: بأن يستقبل عين الكعبة لمن استطاع مشاهدتها، أو يستقبل جهتها لمن بَعُدَ عنها، فلا تصح صلاة بدون هذا الاستقبال للقادر عليه؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فأوجب الشارع استقبال الكعبة؛ وجهتها؛ لأن الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، ودل مفهوم الشرط منه على عدم صحة الصلاة بدون ذلك، واستنادًا إلى هذا أجمع العلماء على هذا الشرط، فإن قلتَ: لمَ اشترط ذلك؟ قلتُ: ليجتمع للمسلم اتجاهان: اتجاه قلبي، وهو مناجاة الله في الصلاة، واتجاه جسمي وهو توجه الوجه إلى بيت الله؛ ليقرب من خالقه، فإن قلتَ: لمَ سمِّيت قبلة؟ قلتُ: لأن كل مصلٍ يُقبل عليها بوجهه الذي هو أشرف عضو في الجسم، فإن قلتَ: لمَ سمي بيت الله بالكعبة؟ قلتُ: لأن العرب تسمِّي كل بيت مربع كعبة كما جاء في "اللسان" (١/ ٧١٨).
[ ١ / ٤١١ ]
وعند اشتداد الحرب (^١١٢) (و) إلا لـ (متنفِّل راكب سائر) لا نازل (في سفر) مباح طويل أو قصير إذا كان يقصد جهة معيَّنة (^١١٣) وله أن يتطوع على راحلته حيثما توجَّهت به (ويلزمه افتتاح الصلاة) بالإحرام إن أمكنه (إليها) أي: إلى القبلة بالدابة أو بنفسه، ويركع ويسجد إن أمكنه بلا مشقة، وإلا: فإلى جهة سيره، ويوميء بهما،
(^١١٢) مسألة: تصح صلاة الفرض بدون استقبال القبلة للعاجز عن استقبالها بسبب مرض، أو لربطه لغير القبلة، أو لخوفه عند اشتداد الحرب، أو من عدو، أو حريق أو هدم، أو غرق أو نحو ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" حيث إن هذا عام؛ لأن "ما" الموصولة، من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه، وهذا لا يستطيع استقبال القبلة، فوجب أن يفعل ما يستطيعه ويسقط الباقي بالعجز عنه؛ رخصة وتيسيرًا منه سبحانه؛ لدفع الضرر، وهذا هو المقصد منه.
(^١١٣) مسألة: إذا كان الشخص مسافرًا راكبًا سائرًا لسفر مباح قاصدًا لجهة معيَّنة: فتصح صلاة النفل بدون استقبال القبلة، أما إن كان مقيمًا، أو كان مسافرًا نازلًا، أو كان غير سائر، بل واقف، أو كان سفره سفر معصية، أو كان هائمًا على وجهه لا يقصد بلدًا معينًا: فلا تصح صلاته النفل بدون استقبال القبلة؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال أنس: "كان النبي ﷺ إذا سافر وأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبَّر، ثم صلى حيث كانت وجهة ركابه" فلزمت تلك الشروط الخمسة من هذا الفعل، فهو ﷺ: مسافر راكب سائر لسفر مباح على جهة معينة، فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحصيل ثواب النافلة مع مواصلة سفره، مع الاشتغال بالطاعة عن المعصية، فإن قلتَ: لمَ اشترطت تلك الشروط؟ قلتُ: لأن من توفرت تلك الشروط فيه هو الذي ينبغي أن يراعى ويُقصد بتلك المصلحة، دون غيره.
[ ١ / ٤١٢ ]
ويجعل سجوده أخفض (^١١٤)، وراكب المحفة الواسعة، والسفينة والراحلة الواقفة يلزمه الاستقبال في كل صلاته (^١١٥) (و) إلا لمسافر (ماشٍ)؛ قياسًا على الراكب (ويلزمه) أي: الماشي (الافتتاح) إليها (والركوع والسجود إليها) أي إلى القبلة؛ لتيسر ذلك عليه (^١١٦)، وإن داس النجاسة عمدًا:
(^١١٤) مسألة: طريقة صلاة المتنفِّل بدون استقبال القبلة إذا كان مسافرًا راكبًا سائرًا قاصدًا جهة معينة سفرًا مباحًا هي: أن يكبر تكبيرة الإحرام، وهو متوجه إلى الكعبة سواء وجه الدَّابة إليها أو انحرف بنفسه إليها، ثم يعود إلى جهة سفره، ثم يقرأ الفاتحة، وما شاء من القرآن، ثم يركع ويسجد إلى جهة القبلة إن استطاع، فإن وجدت مشقة يركع ويسجد حيث وجهته، ويوميء بهما، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك - كما سبق في حديث أنس في مسألة (١١٣)، وكما حكاه جابر أيضًا.
(^١١٥) مسألة: إذا أراد شخص أن يتنفَّل وهو راكب هودجًا على جمل، أو سفينة، أو دابة واقفة: فلا تصح صلاته إلا إذا كان مستقبلًا القبلة في جميع صلاته؛ للتلازم؛ حيث يلزم من استطاعته لاستقبال القبلة: وجوبها عليه، ويلزم من عدم ذلك: عدم صحة صلاته وهو حقيقة الشرط.
(^١١٦) مسألة: تصح صلاة النافلة من الماشي على قدميه بدون استقبال القبلة وطريقتها: أن يفتتحها وهو مستقبل القبلة ثم يعود لجهته، ثم يركع ويسجد وهو مستقبل القبلة، ثم يعود لجهة سفره وهكذا يفعل في كل صلاته؛ للقياس، بيانه: كما أن المسافر الراكب السائر لشيء مباح، القاصد جهة معينة تصح صلاته للنافلة وهو كذلك - كما سبق في مسألتي (١١٣ و١١٤) - فكذلك المسافر الماشي مثله، والجامع: أن كلًا منهما مسافر سائر قاصد لجهة معينة وسفره مباح، فإن قلتَ: لمَ وجب عليه أن يركع ويسجد تجاه القبلة، بخلاف =
[ ١ / ٤١٣ ]
بطلت (^١١٧)، وإن داسها مركوبه: فلا (^١١٨)، وإن لم يعذر من عدلت به دابَّته أو عدل إلى غير القبلة عن جهة سيره مع علمه، أو عُذِر وطال عدوله عرفًا: بطلت (^١١٩)
المسافر الراكب؟ قلتُ: لأن الماشي يسهل عليه أن يقف فيركع ويسجد، بخلاف الراكب فيشق عليه ذلك؛ لأن الدابة لا تقف بسهولة.
(^١١٧) مسألة: إذا صلى نافلة وهو ماشي فوطأ بقدمه على نجاسة من بول أو غائط: بطلت صلاته سواء كان عمدًا أو سهوًا أو جهلًا أو نسيانًا؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من وجود تلك النجاسة بقدمه: عدم صحة صلاته؛ لعدم تحقق شرط الطهارة، تنبيه: قوله "عمدًا" فيه نظر؛ حيث لا تصح الصلاة بها مطلقًا، قياسًا على الحدث كما سبق في مسألة (٩٩).
(^١١٨) مسألة: إذا صلى النافلة وهو راكب لدابته - كما سبق في مسألتي (١١٣ و١١٤) - فداست تلك الدابة بأرجلها نجاسة: فصلاته صحيحة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم مباشرة المصلي للنجاسة: صحة صلاته؛ لتحقق شرط الطهارة؛ كما لو صلى على طين طاهر وتحته شيء نجس.
(^١١٩) مسألة: تبطل صلاة المتنفل وهو مسافر راكب في حالات: أولها: إذا كان مسافرًا إلى الشرق فعدلت به دابته إلى الجنوب، وهو قادر على ردها إلى الشرق، ولكنه لم يفعل، ثانيها: إذا عدل بالدابة إلى غير جهة سفره وإلى غير جهة القبلة من غير عذر، ثالثها: إذا عدلت به الدابة عن غير طريق سفره، أو عدل هو عنه لعذر، إما لغفلة، أو جهل، أو عجز عن دابته، وطال عدوله هذا عرفًا؛ للتلازم؛ حيث إن صحّة النافلة قد شُرع رخصة لتحصيل مصلحتين: "تحصيل الثواب" و"مواصلته لسفره" فلما لم يردَّ دابته عن الجهة التي انحرفت إليها، أو عدل هو بها إلى غير جهة سفره، أو طال العدول والانحراف عن جهته أو جهة القبلة: لزم منه: بطلان تلك النافلة؛ لعدم حصول المقصود من =
[ ١ / ٤١٤ ]
(وفرض من قرب من القبلة) أي: الكعبة، وهو من أمكنه معاينتها، أو الخبر عن يقين: (إصابة عينها) ببدنه كله، بحيث لا يخرج شيء منه عن الكعبة، ولا يضرُّ علو ولا نزول (^١٢٠) (و) فرض (من بَعُد) عن الكعبة: استقبال (جهتها) فلا يضرُّ التيامن ولا التياسر اليسيران عرفًا (^١٢١) إلا من كان بمسجده ﷺ؛ لأن قبلته
مشروعية صحة النافلة وهو راكب، ويلزم من العدول الطويل: بطلانها أيضًا: لأنه كالحركة الكثيرة في الصلاة.
(^١٢٠) مسألة: يجب على من كان يشاهد الكعبة: أن يستقبل عينها، وكذا: من أخبره متيقن من أن هذه الجهة هي جهة الكعبة، فإن مال قليلًا عنها بأن كان بعضه على غير اتجاه الكعبة: فلا تصح صلاته: ولا يضر علو عن الكعبة أو نزول عنها؛ للاستصحاب؛ حيث إن ذلك هو الأصل في استقبال القبلة فيُستصحب ويُعمل به، ولا يجوز تركه إلا بدليل، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلتُ: لقدرته على الاتجاه إلى عينها بدون مشقة، فلا يجوز العمل بالظن مع الاستطاعة على العمل بالقطع فإن قلتَ: لِمَ لا يضر علو، أو نزول، قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لا يمكن الاحتراز من ذلك.
(^١٢١) مسألة: يجب على من لا يشاهد الكعبة: أن يستقبل جهتها، فلا يضرُّ ميله عنها قليلًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ لأهل المدينة: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"، وهذا يلزم منه: وجوب الاتجاه إلى جهة القبلة لا إلى عينها وسكان غير المدينة مثل سكان المدينة؛ لعدم الفارق في ذلك، من باب مفهوم الموافقة، الثانية: الإجماع؛ حيث أجمع العلماء على صحة صلاة المصلين في صف طويل على خط مستو، مع العلم أنه لن يصيب كل واحد منهم عين الكعبة، فيلزم منه: وجوب إصابة جهة الكعبة، لا عينها، فإن قلتَ: لمَ شُرِع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على العباد؛ لكثرة العباد وتفرقهم في البلاد.
[ ١ / ٤١٥ ]
متيقنة (^١٢٢) (فإن أخبره) بالقبلة مكلَّف (ثقة) عدل ظاهرًا وباطنًا (بيقين): عمل به: حرًا كان أو عبدًا، رجلًا كان أو امرأة (أو وجد محاريب إسلامية: عمل بها)؛ لأن اتفاقهم عليها مع تكرار الأعصار إجماع عليها، فلا تجوز مخالفتها، حيث علمها للمسلمين ولا ينحرف (^١٢٣) (ويستدلُّ عليها في السَّفر بالقطب) وهو: أثبت أدلتها؛ لأنه لا يزول عن مكانه إلا قليلًا، وهو: نجم خفي شمالي، وحوله أنجم دائرة كفراشة الرَّحى في أحد طرفيه "الجدي" والآخر "الفرقدان" يكون وراء ظهر المصلي
(^١٢٢) مسألة: يجب على من صلى بمسجد النبي ﷺ في المدينة المنورة: أن يصلي إلى قبلته ومحرابه، فلا يميل عن ذلك؛ للتلازم؛ حيث إن قبلة المسجد النبوي قد قطع باتجاهها إلى عين الكعبة؛ حيث رُفعت له الكعبة فرآها حين بنى مسجده، فيلزم الاتجاه إلى ذلك.
(^١٢٣) مسألة يعرف المقيم القبلة بطريقين: أولهما: أن يخبره مكلف عدل ثقة: سواء كان رجلًا أو امرأة، حرًا أو عبدًا عن غلبة ظن أن هذا الاتجاه هو القبلة، ثانيهما: أن يجد محرابًا في مسجد من المساجد الإسلامية، وهو موضع صلاة الإمام عادة - فلا يجوز الاجتهاد مع وجود ذلك؛ للقياس، بيانه: كما أن الراوي للحديث يُقبل خبره إن كان مكلَّفًا عدلًا ثقة فكذلك يُقبل خبره ويُعمل به إذا أخبر عن القبلة، وكذا وجود المحراب ومخبر عن القبلة، والجامع: أن كلًّا منهما قد أخبر بشيء يُعمل به، بل إن ما يلزم من وجود المحراب من وجوب الاتجاه إليه أولى لاتفاق المصلين على مرِّ الأعصار، فيكون قياسًا أولى، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك تعرف به القبلة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على العباد؛ إذ لو كُلِّف كل واحد بمعرفة القبلة بنفسه للحق أكثر المسلمين ضيق ومشقة، تنبيه: قوله: "بيقين" قلتُ: هذا لا يشترط، بل يكفي غلبة الظن؛ لوجوب العمل بما غلب على الظن، وهو مقدور عليه.
[ ١ / ٤١٦ ]
بالشام وعلى عاتقه الأيسر بمصر (و) يُستدل عليها بـ (الشمس والقمر ومنازلهما) أي: منازل الشمس والقمر: تطلع من المشرق وتغرب من المغرب (^١٢٤)،
(^١٢٤) مسألة: يعرف المسافر القبلة بطريقين: أولهما: أن يرى القطب، وهو: نجم يوجد في جهة الشمال الشرقي قليلًا من السماء للمصلين في نجد والعراق من جهة كتفه الأيمن، وهو خلف المصلي إذا كان في الشام، وهو يكون على الكتف الأيسر للمصلي في مصر، وهو أمام المصلي في اليمن، ويوجد قريب منه نجمان يُستدل عليه بهما وهما: "الجدي" و"الفرقدان" حيث إن لهما نور واضح، وتوجد بين "الجدي" و"الفرقدان" نجوم صغيرة: ثلاثة من فوق، وثلاثة من تحت، وهي تدور حول نجم القطب كما تدور فراشة الرحى والطاحون الذي يدير الماء، وهذا يكون مرة في كل يوم وليلة، ويمكن الاستدلال على القبلة بالجدي؛ لعدم وضوح ذلك القطب؛ حيث إنهما متجاوران، ثانيهما: أن يرى الشمس والقمر ومنازلهما؛ حيث إنهما يطلعان من المشرق عن يسار المصلي في البلاد الشمالية، وعلى يمين المصلي في البلاد الجنوبية، ويغربان في المغرب على يمين المصلي في البلاد الشمالية، وعلى يسار المصلي في البلاد الجنوبية، وعلى ذلك يقاس كل بلد؛ لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ فوصفهم بأنهم يهتدون بالنجوم، ولم ينكر عليهم، وهو عام فيشمل من يعرف بها القبلة، الثانية: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ لأهل المدينة ومن ساواهم -: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" فجعل إشراق الشمس والقمر، ومغربهما دليلًا على القبلة، فإن قلتَ: لمَ جُعل هذا من طرق معرفة القبلة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على العباد في كل البلاد؛ إذا النجم، والشمس والقمر لا تخلو منها بلد.
[ ١ / ٤١٧ ]
ويستحب تعلُّم أدلة القبلة والوقت (^١٢٥)، فإن دخل الوقت، وخفيت عليه: لزمه، ويُقلِّد إن ضاق الوقت (^١٢٦) (وإن اجتهد مجتهدان فاختلفا جهة: لم يتبع أحدهما الآخر) وإن كان أعلم منه، ولا يقتدي به؛ لأن كلًّا منهما يعتقد خطأ الآخر (^١٢٧) (ويتبع المقلِّد) لجهل أو عمى (أوثقهما) أي: أعلمهما وأصدقهما
(^١٢٥) مسألة: يُستحب أن يتعلم المسلم طرق معرفة القبلة المذكورة في مسألتي (١٢٣ و١٢٤) وكذا: يُستحب تعلم طرق معرفة دخول أوقات الصلوات كما سبق في مسائل (٦ و٨ و١١ و١٣ و١٦)؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتسهيل معرفة ذلك وإغناء نفسه بذلك وتعليم غيره.
(^١٢٦) مسألة: إذا دخل وقت الصلاة وخفيت عليه جهة القبلة: فيجب عليه تعلُّم الطرق التي يعرف بها جهتها إن كان الوقت واسعًا، أما إن كان ضيقًا وخشي من خروج الوقت قبل تعلُّمه لذلك: فيجب عليه تقليد غيره، ويعمل بما يقول ذلك الغير إن كان ثقة بصيرًا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا عام؛ لأن "ما" الموصولة من صيغ العموم، فيشمل ما نحن فيه، حيث إن هذا قادر على تعلمها، والوقت متسع لذلك، وعنده الآلة فوجب أما إن ضاق الوقت: فيجب أن يقلد غيره في ذلك؛ لأنه هو المستطاع له فوجب؛ لأن الأمر في الحديث مطلق فيقتضي الوجوب ويسقط غيره، للعجز عنه.
(^١٢٧) مسألة: إذا اختلف مجتهدان في القبلة: كل واحد منهما يقول: إن القبلة غير الذي يقوله الآخر: فكل واحد منهما يصلي اتجاه القبلة التي يراها ولا يتبع أحدهما الآخر؛ للقياس، بيانه: كما أن المجتهدين المختلفين في حكم شرعي لا يجوز لأحدهما أن يقلد الآخر فكذلك الحال هنا والجامع: أن كل واحد منهما يعتقد خطأ الآخر، ولا يجوز أن يعمل الشخص بشيء يغلب على ظنه خطأوه.
[ ١ / ٤١٨ ]
وأشدهما تحريًا لدينه (عنده): لأن الصواب إليه أقرب، فإن تساويا خُيِّر (^١٢٨)، وإن قلَّد اثنين: لم يرجع برجوع أحدهما (^١٢٩) (ومن صلى بغير اجتهاد) إن كان يحسنه (ولا تقليد) إن لم يحسن الاجتهاد: (قضى) ولو أصاب (إن وجد من يقلِّده) (^١٣٠)
(^١٢٨) مسألة: إذا اختلف مجتهدان في القبلة: كل واحد يقول: إن القبلة هي كذا، فيجب على الثالث الجاهل، أو الأعمى أن يتبع أقواهما من حيث: العلم والصدق والدين والثقة؛ لقربه من الصواب، فإن تساويا في تلك الصفات: فإنه يتخيَّر - ويتبع أيهما شاء وتبرأ ذمته؛ للقياس، بيانه: كما أن العامي يتبع الأقوى من المجتهدين في مسألته - علمًا ودينًا، وصدقًا وعدالةً وثقةً - فإن تساويا في ذلك: تخيَّر فيتبع ما شاء منهما فكذلك الحال هنا والجامع: العمل بما غلب على ظنه في كل، وإبراء ذمته في كل.
(^١٢٩) مسألة: إذا صلى جاهل اتجاه القبلة التي اتفق عليها مجتهدان، ثم بعد صلاته رجع أحد المجتهدين قائلًا: إني أخطأت في القبلة: فإن صلاة ذلك الجاهل صحيحة، ولا يلتفت إلى رجوع من رجع من المجتهدين؛ للتلازم؛ حيث إنه قد صلى بناء على اتفاقهما على جهتها فيلزم صحتها منه، فلا يؤثر رجوع أحدهما في صلاة من اقتدى بهما.
(^١٣٠) مسألة: إذا صلى مجتهد في القبلة، بدون بذل اجتهاده، أو كان جاهلًا، وصلى بدون أن يقلِّد أحدًا: فإن صلاة هذين باطلة ولو أصابا القبلة، ويجب عليهما إعادتها بعد أن يجتهد المجتهد، أو يقلد العامي غيره؛ للتلازم؛ حيث يلزم من استطاعتهما لاستقبال القبلة باجتهاد أو تقليد: أن يستقبلاها بذلك لتصح صلاتهما؛ لأن هذا شرطها، ويلزم من عدم ذلك مع قدرتهما على إيجاده: بطلان صلاتهما، لتفريطهما في تحقيق شرط من شروط الصلاة، فإن قلتَ: لمَ بطلت الصلاة مع إصابتهما للقبلة بدون اجتهاد أو تقليد؟ قلتُ: لأن إصابتهما كانت مصادفة فقطن بدون غلبة ظن.
[ ١ / ٤١٩ ]
فإن لم يجد أعمى أو جاهل من يقلده فتحريا وصليا: فلا إعادة (^١٣١)، وإن صلى بصير حضرًا فأخطأ، أو صلى أعمى بلا دليل من لمس محراب أو نحوه، أو خبر ثقة: أعادا (^١٣٢) (ويجتهد العارف بأدلة القبلة لكل صلاة)؛ لأنها واقعة متجدِّدة فتستدعي طلبًا جديدًا (ويصلي بـ) الاجتهاد (الثاني)؛ لأنه ترجَّح في ظنه، ولو كان في صلاته ويبني (ولا يقضي ما صلى بـ) الاجتهاد (الأول)؛ لأن الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد (^١٣٣)، ومن أخبر فيها بالخطأ يقينًا: لزمه
(^١٣١) مسألة: إذا حضرت الصلاة ولم يجد الأعمى أو الجاهل المسافر من يقلِّدانه ويتبعانه في اتجاه القبلة وخشيا أن يخرج الوقت فتحريا واجتهدا، ثم صليا على حسب ما غلب على ظنهما أنها القبلة: فإن صلاتهما تصح، ولا إعادة عليهما سواء أصابا القبلة أو لا؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأوتوا منه ما استطعتم" وهذان لم يستطيعا إلا فعل ذلك فكان هو الواجب عليهما؛ لأنهما فعلا ما لهما فعله ويسقط الباقي بالعجز عنه.
(^١٣٢) مسألة: إذا حضرت الصلاة في الحضر فصلى بصير جاهل، أو أعمى بلا دليل أو علامة على القبلة من لمس محراب، أو سؤال ثقة: فإن صلاتهما باطلة، ويجب عليهما إعادتها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من تساهلهما وعدم تحرِّيهما مع قدرتهما على ذلك: بطلان صلاتهما وقد سبقت.
(^١٣٣) مسألة: لكل صلاة اجتهاد في القبلة، أي: إذا أراد أن يصلِّي الظهر يجتهد في القبلة، وإذا أراد أن يصلي العصر يستأنف الاجتهاد فيها، فإن كانت هي القبلة التي صلى إليها في الظهر تبعها، وإن كانت غيرها صلى على حسب اجتهاده الثاني، وإن كانت مخالفة للجهة التي صلى إليها الظهر، يفعل ذلك ولو كان داخل الصلاة فينحرف إلى الجهة التي غلب على ظنه أنها القبلة، ولا يقضي الصلاة التي صلاها وهو متوجه إلى جهة غلب على ظنه أنها خطأ فيما بعد؛ =
[ ١ / ٤٢٠ ]
قبوله (^١٣٤)، وإن لم يظهر لمجتهد جهة في السفر: صلى على حسب حاله (^١٣٥) (ومنها) أي: من شروط الصلاة (النية) وبها تمَّت الشروط، وهي: لغة: القصد، وهو: عزم القلب على الشيء، وشرعًا: العزم على فعل العبادة؛ تقرُّبًا إلى الله تعالى، ومحلها القلب، والتلفظ بها ليس بشرط؛ إذ الغرض جعل العبادة لله تعالى، وإن
للقياس، بيانه: كما أن المجتهد في الأحكام يجتهد لكل حادثة وإن كانت الحوادث متشابهة، وإذا بان له خطأ الاجتهاد الأول: عمل بالثاني، ولا يفتي بالأول، ولا يعود إلى من أفتى لهم وينقض حكمهم؛ حيث لا يجب إخبارهم بالاجتهاد الثاني حيث لا ينقض الاجتهاد الاجتهاد، فكذلك المجتهد بالقبلة مثله، والجامع: أن كلًّا منهما مخبر عن شيء يجب العمل به، فإن قلتَ: لمَ شُرِع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على الخلق وتوسعة.
(^١٣٤) مسألة: إذا دخل شخص في صلاة وتوجه إلى جهة على أنها هي القبلة ثم أخبره مكلف عدل بأن الجهة التي صلى إليها ليست هي القبلة يقينًا: فيجب على الشخص المخبَر أن يقبل هذا ويتجه على القبلة التي أخبره بها: سواء كان قد دخل المخبَر في الصلاة أو لا؛ للقياس، بيانه: كما يجب قبول خبر المكلف العدل عن يقين القبلة قبل أن يجتهد أو يقلّد أحدًا فكذلك الحال بعد اجتهاد أو تقليد غيره، والجامع: تقديم اليقين على الظاهر؛ تحقيقًا للشرط بيقين، وهو المقصد منه.
(^١٣٥) مسألة: إذا لم يظهر عند المسافر جهة معينة على أنها هي القبلة وخشي من خروج الوقت: فيجب عليه أن يصلي على حسب حاله، وتصح صلاته، ولا يعيدها إذا خرج وقتها، ولو علم أنه صلاها إلى غير القبلة؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" وهذا المسافر لم يستطع إلا ما فعله فوجب، وصحَّت صلاته، وعجز عن الباقي فسقط وجوبه عنه، وهذا تيسير من الله تعالى، وهو المقصد الشرعي.
[ ١ / ٤٢١ ]
سبق لسانه إلى غير ما نواه: لم يضر (فيجب أن ينوي عين صلاة معينة) فرضًا كانت كالظهر والعصر، أو نفلًا كالوتر والسنة الراتبة؛ لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (^١٣٦) (ولا يُشترط في الفرض) أن ينويه فرضًا فتكفي نية الظهر ونحوه (و) لا في (الأداء و) لا في (القضاء) نيتهما؛ لأن التعيين يغني عن ذلك، ويصح قضاء بنية أداء وعكسه إذا بان خلاف ظنه (و) لا يشترط في (النفل والإعادة) أي: الصلاة المعادة (نيتهنَّ) فلا يُعتبر أن ينوي الصبي الظهر نفلًا، ولا أن ينوي الظهر من أعادها معادة كما لا تعتبر نية الفرض وأولى (^١٣٧)، ولا تعتبر إضافة
(^١٣٦) مسألة: في السادس والأخير - من شروط صحة الصلاة - وهو: أن ينوي عين الصلاة التي أراد أن يصلِّيها وأن يحضرها في ذهنه: فإذا أراد أن يصلي الظهر مثلًا نواها وقصدها أنها ظهر، وإذا أراد أن يصلي نافلة كوتر أو سنة راتبة: فإنه ينويها ويقصدها وهكذا فلا تصح صلاة بلا نية؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى" فلا شيء صحيح شرعًا إلا ما نُوي وقُصد تنبيه: قوله: "وهي لغة … إلى قوله: "لم يضرُه"" قد سبق بيانه في مسائل (١٤ إلى ١٩) من باب "فروض الوضوء وصفته وشروطه" من كتاب الطهارة، وكذا: بيان المقصد الشرعي من اشتراط النية.
(^١٣٧) مسألة: لا يشترط أنه ينوي أنه سيصلي فرضًا، بل ينوي أنه سيصلي ظهرًا أو عصرًا ونحو ذلك، ولا يشترط أن ينوي أن هذه الصلاة أداء، أو قضاء، وكذا: ينوي أنه سيصلي الوتر، أو السنة الراتبة، دون أن ينوي أنها نافلة ويصح قضاء بنية أداء، ويصح أداء بنية قضاء: فلو نوى أن هذه الصلاة - وهي العصر مثلًا - أنها قضاء لظنه بخروج وقتها، فبان أنه صلاها في وقتها: فإنها تكون أداء ولا عبرة بنيته، وكذلك لو صلاها ونوى أنها أداء لظنه بعدم خروج وقتها، فبان أنها صلاها بعد خروج وقتها: فإنها تكون قضاء، ولا عبرة بنيته، ولا يُعتبر أن =
[ ١ / ٤٢٢ ]
الفعل إلى الله تعالى فيها ولا في باقي العبادات، ولا عدد الركعات (^١٣٨)، ومن عليه ظهران: عيَّن السابقة؛ لأجل الترتيب (^١٣٩)، ولا يمنع صحتها قصد تعليمها ونحوه (^١٤٠)، (وينوي مع التحريمة)؛ لتكون النية مقارنة للعبادة (وله تقديمها) أي:
ينوي الصبي أن صلاته الظهر التي صلاها هي نفل في حقه؛ لكونها كذلك في الأصل؛ للسنة القولية؛ وهو حديث: "إنما الأعمال بالنيات" حيث إنه عام وشامل لنيتين هما: "نية العمل" و"نية تعيين عين الصلاة هل هي الظهر أو العصر أو غيرهما؟ " ولا زيادة على ذلك، ونية تعيين كونها ظهرًا تكفي عن نية كونها فرضًا، أو أداء أو قضاء، وهو على حسب الوقت الذي صليَّت فيه؛ حيث إنها إن كانت من الصلوات الخمس: فإنها تكون فرضًا، وإن كانت غيرها: فتكون نفلًا، وإن كان صلاها في وقتها فإنها تكون أداء، وإن صلاها بعد خروجه: فإنها تكون قضاء دون الحاجة إلى النية؛ لعدم وجود غير ما سبق من النيتين.
(^١٣٨) مسألة: لا يشترط أن ينوي أنه سيصلِّي تلك الصلاة لله تعالى ويضيفها إليه سبحانه، ولا ينوي أنه سيزكِّي أو يصوم أو يحج لله تعالى، وكذا: لا ينوي أنه سيصلي الظهر أربع ركعات - مثلًا -؛ للتلازم؛ حيث إن تلك العبادات لا تكون أصلًا إلا لله، والظهر لا تكون أصلًا إلا أربع ركعات، فيلزم عدم نية ذلك؛ لكونه معلومًا معروفًا ثابتًا.
(^١٣٩) مسألة: إذا فاتته صلاة الظهر من يوم السبت، والظهر من يوم الأحد، وأراد قضاءهما في يوم الاثنين: فيجب أن يعين صلاة الظهر السابقة بالنية - وهي ظهر السبت هنا - فيصليها، ثم يُعيِّن صلاة الظهر اللاحق - وهو ظهر الأحد هنا - فيصلِّيها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من اشتراط ترتيب قضاء الفوائت: أن ينوي السابقة، ثم اللاحقة على حسب ترتيبها وقد سبق ذلك في مسألة (٢٦).
(^١٤٠) مسألة: إذا نوى في صلاته أن تبرأ ذمته منها، وأن يعلِّمها لغيره، أو أطالها للتخلُّص من عدو: فإنها تصح؛ للتلازم؛ حيث يلزم من وجود نية إيقاعها على =
[ ١ / ٤٢٣ ]
النية (عليها) أي: على تكبيرة الإحرام (بزمن يسير) عرفًا إن وجدت النية (في الوقت) أي: وقت المؤداة والراتبة ما لم يفسخها (^١٤١) (فإن قطعها في أثناء الصلاة أو تردَّد) في فسخها: (بطلت)؛ لأن استدامة النية شرط، ومع الفسخ أو التردد لا يبقى مستديمًا، وكذا: لو علَّقه على شرط (^١٤٢)، لا إن عزم على فعل محظور قبل
حسب أمر الشارع بها وإبراء الذمة: صحتها؛ لتوفر شرطها، ولا يمنع قصده تعليمها ونحوه من صحتها؛ لعدم صلاحيته لذلك.
(^١٤١) مسألة: يجب أن ينوي للصلاة مع أول تكبيرة الإحرام، أو قبيل ذلك بزمن يسير جدًا كثوانٍ مثلًا في وقت الصلاة، أو السنة الراتبة، ولا يشتغل بشيء يفسخها كالكلام، أو تعمُّد حَدَثٍ ونحو ذلك لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ حيث دلَّ هذا على أن وقت النية - وهو الإخلاص - حال العبادة؛ لكون "مخلصين" حال من قوله: "ليعبدوا"، الثانية: القياس، بيانه: كما يجوز تقديم نية الصيام على الدخول فيه، فكذلك يجوز تقديم نية الصلاة على الدخول فيها والجامع: أن كلًّا منهما عبادة اشترطت لها النية، فإن قلتَ: لمَ كان ذلك وقتًا للنية؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه احتياط من الغفلة عن النية، أو البعد عن خاطره فتفسد عبادته.
(^١٤٢) مسألة: إذا نوى الصلاة، ثم دخل فيها، ثم قطع تلك النية في أثناء الصلاة، أو تردد هل يقطعها أو لا؟، أو علَّقها على شرط بأن ينوي: إن طرق أحد الباب وأنا في الصلاة هل أقطع الصلاة وأفتح الباب أو لا؟ فإن صلاته تبطل في هذه الحالات الثلاث؛ للتلازم؛ حيث إن من شروط صحة النية لأي عبادة: أن تبدأ من أوله وتستمر إلى آخره بدون انقطاع أو تشكيك أو تعليق، فيلزم من قطعها أو التردُّد والشك فيها أو التعليق: بطلانها، ويلزم من بطلان النية: بطلان المنوي وهي: الصلاة؛ حيث فقدت شرطها.
[ ١ / ٤٢٤ ]
فعله (^١٤٣) (وإذا شك فيها) أي: في النية أو التحريمة: (استأنفها) وإن ذكر قبل قطعها: فإن لم يكن أتى بشيء من أعمال الصلاة: بنى، وإن عمل مع الشك عملًا: استأنف (^١٤٤)، وبعد الفراغ لا أثر للشك (^١٤٥) (وإن
(^١٤٣) مسألة: إذا نوى الصلاة، ونوى مع ذلك أنه سيفعل محظورًا في الصلاة كأن ينوي أنه سيتكلَّم أو يُحدث في أثنائها، ولم يفعل شيئًا مما نواه من كلام أو حدث: فصلاته صحيحة؛ للتلازم؛ حيث إن نيته الصلاة نية صحيحة، وعدم ما يناقضها من قطع أو تردد أو كلام أو حدث يلزم منه: صحة النية، ويلزم من صحتها: صحة الصلاة؛ لأن المحظور قد يفعله وقد لا يفعله، وهذا لا يناقض النية المتقدمة.
(^١٤٤) مسألة: إذا دخل في الصلاة، وفي أثنائها شك: "هل نوى الصلاة أو لا؟ " أو شك: "هل كبَّر تكبيرة الإحرام أو لا؟ " أو شك: "هل عيَّن في النية أنها صلاة ظهر أو عصر أو نحوهما؟ ": ففي ذلك تفصيل هو: أولًا: إن شك في ذلك ولم يتذكر أنه نواها: فإن صلاته تبطل، ثانيًا: إن تذكَّر أنه نواها قبل أن يأتي بشيء من أعمال الصلاة: فإن صلاته صحيحة ويبني على ما سبق ولا يقطعها، ثالثًا: إن تذكَّر أنه نواها بعد أن أتى بشيء من أعمال الصلاة كركوع ونحوه: فإن صلاته تبطل ويجب عليه أن يستأنفها؛ للتلازم؛ حيث يلزم من شكِّه بالنية وعدم تذكره لشيء، أو تذكره أنه نواها بعد أن ركع أو سجد: بطلان الصلاة؛ لكونه قطع النية بالشك، ووقوع بعض الصلاة كركوع بدون نية، ويلزم من تذكره أنه نواها قبل أن يأتي بشيء من الصلاة: صحة الصلاة؛ لعدم انقطاع النية، فلم يوجد ما يبطل الصلاة، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا التفصيل؟ قلتُ: للتأكد من وجود النية التي هي سرُّ العبودية وشرط قبول العبادات كلها، وعدم قطعها بأي شيء.
(^١٤٥) مسألة: إذا فرغ المسلم من صلاته ثم شكَّ: "هل نوى الصلاة التي صلاها أو لا؟ أو شك هل كبر تكبيرة الإحرام أو لا، أو هل عيَّنها أو لا؟ " فصلاته =
[ ١ / ٤٢٥ ]
قلب منفرد) أو مأموم (فرضه نفلًا في وقته المتَّسع: جاز)؛ لأنه إكمال في المعنى كنقض المسجد للإصلاح، لكن يكره لغير غرض صحيح مثل: أن يحرم منفردًا فيُريد الصلاة في جماعة، ونص أحمد - فيمن صلى ركعة من فريضة منفردًا، ثم حضر الإمام وأقيمت الصلاة -: "يقطع صلاته ويدخل معهم" (^١٤٦) فيتخرَّج منه: قطع
صحيحة، ولا يلتفت إلى هذا الشك؛ للإجماع؛ حيث أجمع العلماء على أنه لا يُلتفت إلى الشك بعد الفراغ من أي عبادة سواء كانت صلاةً أو وضوءًا أو صيامًا، أو غيرها، ومستند هذا الإجماع: الاستصحاب؛ لأن الأصل: أن ينوي وأن يُكبِّر تكبيرة الإحرام، فيُستصحب ذلك ويعمل به ولا يؤثر عليه الشك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على الناس، إذ لو عمل كلٌّ شخص بما يشكُّ فيه: لَلَحق كثيرًا من الناس الضِّيق والمشقَّة ولاضطربت حياته.
(^١٤٦) مسألة: إذا نوى صلاة الفرض ودخل فيها، ثم في أثنائها نوى قلب الفرض إلى نافلة: فإن هذا يصح، وتكون له نافلة إذا كان الوقتُ متسعًا بحيث يبقى وقت لصلاة الفرض مرة ثانية، لكن هذا الفعل يكره لغير غرض صحيح كأن يحرم بالفرض منفردًا، ثم يرى الإمام داخلًا، فينويها نافلة ويكملها خفيفة، ثم يُسلِّم، ويدخل مع الجماعة فهذا جائز بلا كراهة، أما قلب الفرض نافلة لغير مقصد صحيح فهو مباح مع الكراهة؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما يجوز هدم المسجد لأجل إصلاحه، فكذلك يجوز قلب الفرض نفلًا والجامع: أن كلًّا منهما فيه وصف العبادة الكاملة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تحصيل أجر الجماعة -؛ حيث إنها تفضل على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة - كما ثبت في الحديث -، فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: لكون نية عمل الطاعة لم تبطل؛ حيث إن نية النفل تدخل في نية الفرض؛ لكون الفرض: نفل وزيادة، فإن قلتَ: لمَ كره ذلك إن لم يكن له غرض صحيح؟ قلتُ: لأنه يقرب =
[ ١ / ٤٢٦ ]
النافلة بحضور الجماعة بطريق الأولى (^١٤٧) (وإن انتقل بنية) من غير تحريمه (من فرض إلى فرض) آخر: (بطلا)؛ لأنه قطع نية الأول، ولم ينو الثاني من أوله (^١٤٨) وإن نوى الثاني من أوله بتكبيرة إحرام: صح (^١٤٩)، وينقلب:
من العبث، تنبيه: قوله: "فإنه يقطعها ويدخل معهم" قلتُ: هذا على غير المشهور عن أحمد، أما المشهور عنه: فهو يقلبها نافلة ثم يُكملها خفيفة أو يقطعها، ثم يدخل مع الجماعة لصلاة الفرض وهو الصحيح؛ للمصلحة كما سبق.
(^١٤٧) مسألة: إذا دخل مسلم في صلاة نافلة، ثم أقيمت جماعة لصلاة الفرض: فإنه يُتمها خفيفة إن أمكن وإن لم يمكن: قطعها ودخل مع الجماعة؛ للقياس، بيانه: كما يجوز للمنفرد أن يقلب فرضه نفلًا، ثم يُتم النفل سريعًا أو يقطعها، فمن باب أولى أنه إذا دخل نافلة أصلًا: أن يفعل ذلك والجامع: تحصيل ثواب صلاة الجماعة في كل، تنبيه: قوله: "فيتخرَّج عنه" يقصد: أن قول الإمام أحمد: "إن المنفرد الداخل في فريضة يقطعها لأجل الجماعة" يستنبط منه: أن قطع النافلة لأجل صلاة الفرض مع الجماعة أولى من قطع الفريضة، وهذا بناء على الرواية غير المشهورة - كما سبق -.
(^١٤٨) مسألة: إذا نوى بصلاته التي أحرم بها أنها صلاة العصر، ثم تذكّر في أثنائها أنه لم يُصلِّ الظهر، فنوى أن هذه الصلاة التي يصليها الآن أنها الظهر من غير تكبيرة الإحرام للظهر: فإن هذه الصلاة لا تصح عن أي واحدة منهما؛ للتلازم؛ حيث يلزم من قطع نية صلاة العصر: بطلانها، ويلزم من عدم نية صلاة الظهر من أول تكبيرة الإحرام: بطلانها، فتكون النية فاسدة في العصر، ومعدومة في الظهر، ولا صلاة بلا نية.
(^١٤٩) مسألة: إذا دخل في صلاة العصر - وهو: الفرض الأول - ثم نوى بتلك الصلاة أنها صلاة الظهر - وهو: الفرض الثاني - بتكبيرة الإحرام للظهر: فإن =
[ ١ / ٤٢٧ ]
نفلًا ما بان عدمه كفائتة، فلم تكن، وفرض لم يدخل وقته (^١٥٠) (ويجب) للجماعة (نية) الإمام (الإمامة و) نية المأموم (الائتمام)؛ لأن الجماعة يتعلق بها أحكام، وإنما يتميزان بالنية فكانت شرطًا: رجلًا كان المأموم أو امرأة، وإن اعتقد كل منهما أنه إمام الآخر أو مأمومه: فسدت صلاتهما كما لو نوى إمامة من لا يصح أن يؤمُّه، أو شك في كونه إمامًا أو مأمومًا (^١٥١)، ولا يشترط تعيين الإمام ولا
الصلاة تصح ظهرًا؛ للقياس، بيانه: كما أنه لو نوى صلاة الظهر ثم كبر لها تكبيرة الإحرام، دون أن يتقدم ذلك إحرام بغيرها فإنه يصح: فكذلك الحال هنا، والجامع: وجود النية في موضعها في كل.
(^١٥٠) مسألة: إذا نوى صلاة فرض وبعد الدخول فيها تبيَّن عدم دخول وقتها، أو ظن أن عليه فائتة من الفروض، فلما دخل فيها تذكر أنه قد صلَّاها فإنه يكمل تلك الصلاة وتكون منقلبة إلى نفل؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم صلاحيتها لتكون فرضًا: انقلابها لتكون نفلًا، ونية الفرض تكفي عن نية النفل؛ لأن الفرض: نفل وزيادة.
(^١٥١) مسألة: إذا أراد زيد وبكر أن يصليا جماعة، وكان بكر إمامًا، وزيد مأمومًا: فإنه يشترط أن ينوي بكر أنه إمام، وأن ينوي زيد أنه مأموم قبل الدخول في تلك الصلاة، فلو لم ينويا ذلك، أو نوى كل واحد منهما أنه إمام للآخر في نفس الصلاة: فإن صلاتهما باطلة؛ للتلازم؛ حيث إن كلًّا من الإمامة والائتمام يشترط له النية؛ لتمييز أحدهما عن الآخر، وليُعرف كل واحد منهما بأحكامه فيلزم من ذلك أن ينوي كل واحد من الإمام والمأموم حالته التي هو فيها، ويلزم من عدم ذلك: عدم صحة هذه الإمامة والائتمام مما يلزم منه: عدم صحة الجماعة؛ لفقدان شرطها كما أن الأمي لا يجوز أن ينوي أنه إمام لقاريء ولا يجوز للفاسق أن ينوي أن يكون إمامًا للعدل، فكذلك لا ينوي بكر أنه =
[ ١ / ٤٢٨ ]
المأموم (^١٥٢) ولا يضر جهل المأموم ما قرأ به إمامه (^١٥٣)، وإن نوى زيد الاقتداء بعمرو، ولم ينو عمرو الإمامة صحَّت صلاة عمرو وحده (^١٥٤)، وتصح نية الإمامة ظانًا حضور مأموم، لا
مأموم مع أنه إمام، ولا ينوي زيد أنه إمام مع أنه مأموم بجامع: عدم صحة الإمامة والائتمام، فإن قلتَ: لمَ اُشترط ذلك؟ قلتُ: لإعطاء كل حالة أحكامها التي تستحقها: فالمأموم يجب عليه الاتباع، ويسقط عنه السهو، وتفسد صلاته بسبب فساد صلاة إمامه بخلاف الإمام، فنظرًا لهذا الاختلاف وغيره: جُعل لكل واحد نيته الخاصة به والتي لا تصلح للآخر.
(^١٥٢) مسألة: لا يشترط في صحة الإمامة والائتمام تعيين إمام بعينه، ولا تعيين مأموم بعينه؛ للتلازم؛ حيث إن المأموم إذا صلى خلف من يصلي بالناس: صحَّت صلاته، والإمام إذا صلى وراءه الناس: صحَّت إمامته بدون تعيين مسبق، فيلزم من ذلك: عدم اشتراط تعيينهما.
(^١٥٣) مسألة: إذا جهل المأموم الآيات التي قرأ بها إمامه ولم يتذكرها - في الصلاة الجهرية -: فإن صلاته تصح؛ للتلازم؛ حيث إن معرفة المأموم لما قرأ إمامه لا يشترط في صحة صلاته: فيلزم من عدم اشتراط المعرفة: صحتها.
(^١٥٤) مسألة: إذا نوى عمرو الانفراد ودخل في الصلاة فجاء زيد واقتدى بعمرو ونوى أن يكون له مأمومًا: فإن صلاة عمرو صحيحة، وصلاة زيد باطلة؛ للتلازم؛ حيث إن عمرو لم ينو الإمامة من أول صلاته ففقد شرطًا من شروط الإمامة - كما قلنا في مسألة (١٥١) - فلزم عدم صلاحيته إمامًا لزيد، ويلزم من هذا اللازم: أن صلاة زيد باطلة؛ لكونه جعل نفسه مأمومًا لإمام لم ينو الإمامة من أول صلاته، ويلزم من نية عمرو الصلاة منفردًا في أولها: صحة صلاته: لوجود نيته وعدم تغييرها.
[ ١ / ٤٢٩ ]
شاكًا (^١٥٥) (وإن نوى المنفرد الائتمام) في أثناء الصلاة: (لم يصح)؛ لأنه لم ينو الائتمام في ابتداء الصلاة سواء صلى وحده ركعة أو لا، فرضًا كانت الصلاة أو نفلًا (كـ) ما لا تصح (نية إمامته) في أثناء الصلاة إن كانت (فرضًا)؛ لأنه لم ينو الإمامة في ابتداء الصلاة، ومقتضاه: أنه يصح في النفل، وقدَّمه في "المقنع" و"المحرَّر"، وغيرهما؛ "لأنه ﷺ قام يتهجَّد وحده فجاء ابن عباس فأحرم معه فصلَّى به النبي ﷺ" متفق عليه، واختار الأكثر: لا يصح في فرض ولا نفل؛ لأنه لم ينو الإمامة في الابتداء وقدَّمه في "التنقيح" وقطع به في "المنتهى" (^١٥٦) (وإن انفرد) أي:
(^١٥٥) مسألة: إذا نوى عمرو الإمامة وهو يغلب على ظنه حضور شخص معه، ثم حضر: فإن النية والصلاة تصح، وإن شك بحضوره - أي: تساوى الطرفان -: فإن النية لا تصح، وإن حضر أحد ودخل معه واتمَّ به؛ للتلازم؛ حيث إن الظن الغالب تُبنى عليه الأحكام ويُعمل به كما يُعمل بالمقطوع به فيلزم: الصحة، أما الشك فلا تُبنى عليه أحكام، ولا يُعمل به: فيلزم عدم الصحة.
(^١٥٦) مسألة: إذا نوى عمرو الانفراد، ودخل في الصلاة وفي أثنائها نوى أن يتبع زيدًا، فجعل عمرو نفسه مأمومًا لزيد أو نوى عمرو الانفراد في الصلاة فجاء زيد وانضم إليه فنوى عمرو في أثناء صلاته: أن يكون إمامًا لزيد: فإن صلاة عمرو في الحالتين لا تصح، سواء كانت صلاة فرض أو نفل؛ للتلازم؛ حيث إنه يشترط في الإمامة والائتمام أن تكون نيتهما الإمامة أو الائتمام في ابتداء الصلاة - كما سبق في مسألة (١٥١) - وتستمر إلى آخرها، وعمرو هنا لم ينو الائتمام بزيد، ولم ينو أن يكون إمامًا له من ابتداء الصلاة: فلزم بطلان الصلاة في الحالتين ولعدم استمرار النية التي كانت من أول الصلاة واختلافها، وهذا يكون في النفل كما كان في الفرض؛ لعدم الفارق بينهما في النية وهذا موافق =
[ ١ / ٤٣٠ ]
نوى الانفراد (مؤتمٌ بلا عذر) كمرض وغلبة نعاس، وتطويل إمام: (بطلت) صلاته؛ لتركه متابعة إمامه، ولعذر: صحَّت (^١٥٧) فإن فارق في ثانية جمعة لعذر: أتمّها
للقواعد، فإن قلتَ: إن فعل عمرو في صلاة النافلة يصح، فتصح صلاته فيها وهذا قاله كثير من الحنابلة وغيرهم؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال ابن عباس: "كان النبي ﷺ يُصلِّي التَّهجد عند خالتي ميمونة فقمت إلى شقه الأيسر فأخذ بيدي وجعلني في الشق الأيمن" حيث انضم ابن عباس إلى النبي ﷺ في صلاة النافلة، فغيَّر نيته من كونه منفردًا إلى الإمامة فلو لم يكن جائزًا لما فعله النبي ﷺ، قلتُ: يُحتمل أنه ﷺ كان يغلب على ظنه أن ابن عباس سينضم إليه؛ لعلمه بمبيته عند خالته ميمونة، فكانت نيته ﷺ الإمامة في ابتداء الصلاة، وهذا يصح - كما سبق في مسألة (١٥٥) -، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض ما يلزم من اشتراط نية الإمامة والائتمام مع السنة الفعلية في النفل" فعندنا: إن ذلك التلازم عام لكل صلاة، وعندهم: خاص في الفرض فقط وقويت السنة الفعلية على إخراج النفل منه.
(^١٥٧) مسألة: إذا صلى مسلم خلف إمام ونوى الائتمام، وفي أثناء صلاته نوى الانفراد فترك الجماعة وأكمل الصلاة لوحده: فإن كان ذلك بسبب عذر وغرض صحيح كأن يصاب بمرض أو نُعاس، أو تطويل إمام، أو غلبة قيء، أو بول أو غائط، أو خاف من فوات رفقة، أو خاف على مال أو ولد أو أهل، أو فوات أيِّ مصلحة: فإن صلاته صحيحة، أما إن فعل ذلك لغير عذر: فلا يصح، وتبطل صلاته، ويجب عليه أن يستأنفها؛ للسنة التقريرية؛ حيث إن رجلًا كان يُصلِّي خلف معاذ، فتركه، وأكمل صلاته منفردًا؛ نظرًا لتطويل معاذ الصلاة، فلما علم النبي ﷺ بذلك أنكر على معاذ تطويله للصلاة ولم يأمر ذلك الرجل بإعادة الصلاة، فلو لم يجز ذلك؛ للعذر لما أقره عليه ﷺ؛ لأنه لا يجوز =
[ ١ / ٤٣١ ]
جمعة (^١٥٨) (وتبطل صلاة مأموم ببطلان صلاة إمامه)؛ لعذر أو غيره (فلا استخلاف) أي فليس للإمام أن يستخلف من يُتمَّ بهم إن سبقه الحدث (^١٥٩) ولا تبطل صلاة إمام ببطلان صلاة مأموم ويُتمُّها
تأخير البيان عن وقت الحاجة، والأعذار الأخرى كعذر التطويل؛ لعدم الفارق من باب مفهوم الموافقة، بجامع: دفع المفسدة في كلٍّ ويلزم من هذا: أنه لا يصح فعل ذلك لغير عذر؛ فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك بالعذر؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُعتبر من الرُّخص لدفع الضيق والمشقة فقد يعتري المسلم إذا دخل في صلاته أشياء لا يمكنه الصبر معه فرخَّص الشارع ذلك لقضاء ذلك، فإن قلتَ: كيف يصح ذلك مع إن فيه تغيير نية، وهذا لا يجوز كما سبق في مسألتي (١٥١ و١٥٦)؟ قلتُ: الأصل عدم جواز تغيير النية، وعدم صحة الصلاة إذا غيَّرها، وإنما خولِف هذا الأصل؛ للعذر الذي ذكرناه، وهذا من باب الرُّخص كما رخَّص في أكل الميتة عند الاضطرار، وكما رخَّص في الأكل والشرب في نهار رمضان عند الضرورة والحاجة.
(^١٥٨) مسألة: إذا كان زيد مأمومًا في صلاة الجمعة، وصلى مع إمامه ركعة كاملة، وقام للركعة الثانية، وأراد زيد أن يفارق إمامه هنا ويُصلِّي منفردًا؛ لعذر طرأ عليه: فله ذلك، ويكملها جمعة فيُصلِّي زيد ركعة أخرى فقط؛ للقياس، بيانه: كما يجوز ذلك في جميع الصلوات - كما سبق في مسألة (١٥٧) - فكذا: يجوز في صلاة الجمعة والجامع: الفرضية في كل، فإن قلتَ: لمَ صحَّ ذلك؟ قلتُ: لأن صلاة الجمعة تدرك بصلاة ركعة واحدة، أما إن فارق إمامه لغير عذر، أو قبل أن يصلي ركعة كاملة: فإنه لا يكملها جمعة، بل يصليها ظهرًا، وسيأتي في باب "الجمعة".
(^١٥٩) مسألة: إذا أحدث الإمام بسبب خروج ريح ونحوه، أو طرأ له عذر: فإن صلاة المأمومين لا تبطل، بل يستخلف هذا الإمام من المأمومين من يُتم الصلاة =
[ ١ / ٤٣٢ ]
منفردًا (^١٦٠) (وإذا أحرم إمام الحي) أي: الراتب (بمن) أي: بمأمومين (أحرم بهم
عنه؛ لإجماع الصحابة السكوتي؛ حيث إن عمر لما طُعن في صلاة الفجر أمر عبد الرحمن بن عوف بأن يصلي بالناس ويكملها لهم، ولم ينقل أنه استأنفها، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة هذا الفعل، فإن قلتَ: لمَ لا تبطل صلاة المأمومين؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الإمام قد بطلت صلاته لعذره، ولم يوجد هذا عند المأمومين ولم يكن بطلان صلاة الإمام بحدث من مبطلات الصلاة، ثم إن تغير نية الذي أمَّ الناس بعد أن كانت نيته أنه مأموم يصح؛ لوجود العذر، وهو وجود الحدث عند إمامه كما قلنا في انفراد المأموم عن الإمام في مسألة (١٥٧)، فإن قلتَ: تبطل صلاة المأمومين بذلك، وهو ما ذكره المصنف هنا، وعلى هذا: فلا استخلاف؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إنما جعل الإمام ليؤتمَّ به" حيث إن هذا قد دلَّ على أن المأموم يتبع الإمام في كل شيء، ومن ذلك: أنه إذا بطلت صلاة الإمام فإن صلاة المأموم تبطل؛ نظرًا لهذه التبعية، قلتُ: إن المتابعة الواجبة هي: في الركوع والسجود والانصراف ونحو ذلك مما ورد فيه النص لصلة المأموم بها، أما بطلان صلاة الإمام بحدث فلا يتابعه المأموم على ذلك؛ لأنه لا صلة لذلك بالمأموم لا من قريب ولا من بعيد، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في المراد بالمتابعة هل هي في كل شيء، أم بشيء مخصوص؟ " فعندنا: بشيء مخصوص وهي الركوع والسجود والانصراف، وعندهم: في كل شيء.
(^١٦٠) مسألة: إذا بطلت صلاة مأموم بخروج بول أو ريح ونحوهما: فلا تبطل صلاة إمامه، ويكمل هذا الإمام صلاته منفردًا - إن لم يكن معه آخر - وهذا يصح ولو تغيَّرت نيته من كونه إمامًا إلى كونه منفردًا للقياس، بيانه: كما أن صلاة المأموم لا تبطل ببطلان صلاة إمامه لعذر - كما سبق في مسألة (١٥٩) - =
[ ١ / ٤٣٣ ]
نائبه)؛ لغيبته، وبنى على صلاة نائبه (وعاد) الإمام (النائب مؤتمًا: صح)؛ "لأن أبا بكر صلى فجاء النبي ﷺ والناس في الصلاة فتخلَّص حتى وقف في الصف، وتقدَّم فصلى بهم" متفق عليه (^١٦١)، وإن سبق اثنان فأكثر ببعض الصلاة فأتمَّ أحدهما
فكذلك لا تبطل صلاة الإمام ببطلان صلاة المأموم والجامع: أن كلًّا منهما لا صلة له بالآخر، وليس بطلان صلاة أحدهما مؤثر في بطلان صلاة الآخر؛ لأن هذا ليس من مبطلات الصلاة.
(^١٦١) مسألة: إذا غاب إمام المسجد الراتب فتقدَّم نائب عنه ليصلي بالناس، وبعد دخول النائب في الصلاة حضر الإمام الراتب: فإن هذا الراتب يكون مع المأمومين ويكمل النائب عنه إمامته التي بدأها ولا يتقدَّم الراتب عليه؛ لقاعدتين: الأولى: التلازم؛ حيث إن الذي أمَّ الناس أولًا - وهو النائب - قد نوى الإمامة من أول الصلاة فيجب أن يستمر بها ولا يقطعها إلا لعذر بحدث ونحوه كما سبق في مسألة (١٥٩)، وحضور الإمام الراتب ليس بعذر، فيلزم من ترك النائب للإمامة بسبب حضور الإمام الراتب قطع نيتها بلا عذر، وهذا يلزم منه بطلان الصلاة، الثانية: المصلحة؛ حيث إن تقدم الإمام الراتب للإمامة أثناء الصلاة وتأخر نائبه الذي بدأ بالإمامة فيه مفاسد، ومنها: كسر قلب النائب عند عوام الناس، وإيجاد حركة من غير جنس الصلاة قد تؤدي إلى بطلان الصلاة، وإشغال المأمومين بتلك الحركة مما يؤثر على الخشوع فيها، في حين أنه لا توجد حاجة لهذا الأمر، ودفعًا لذلك شرع هذا الحكم، وهذا هو المقصد منه، فإن قلتَ: إن الإمام النائب هنا يتأخر عند حضور الإمام الراتب أثناء الصلاة، ويتقدم الإمام الراتب، ويُكمل الصلاة التي بدأها نائبه، وتصح صلاتهما وهذا الذي ذكره المصنف هنا؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد تأخر مرة، فتقدم أبو بكر فصلى بالناس، وفي أثناء الصلاة حضر رسول الله ﷺ، فتأخر أبو بكر وتقدم النبي ﷺ وأكمل الصلاة التي بدأها أبو بكر" - كما روى =
[ ١ / ٤٣٤ ]
بصاحبه في قضاء ما فاتهما، أو ائتمَّ مقيم بمثله إذا سلَّم إمام مسافر: صح (^١٦٢).
ذلك سهل بن سعد - وهذا يدل على جواز فعله لكل أحد؛ قياسًا عليه، قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إنه ﷺ لا يساويه أحد من الصحابة في الفضل، فلا يجوز لأحد أن يتقدم عليه في الإمامة، بخلاف الأمة؛ لذلك تجد أبا بكر قال: "ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي النبي ﷺ"، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "هل يقاس على النبي ﷺ غيره في الإمامة أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
(^١٦٢) مسألة: إذا سلم الإمام من الصلاة، وكان زيد وعمرو قد فاتتهما بعض ركعات منها أو كان الإمام مسافرًا فقصر الصلاة، وصلى بصلاته زيد وعمرو المقيمان، فقاما ليقضيان ما فاتهما، أو يتمان تلك الصلاة التي قصرها المسافر، فجعل زيد عمرًا إمامًا له في هذه الصلاة: فإن هذا لا يصح، بل تبطل صلاتهما؛ للتلازم؛ حيث إن زيدًا وعمرًا قد دخلا الصلاة في ابتدائها بنية كونهما مأمومين معًا، فيلزم من تغيير نيتهما بلا عذر إلى كون أحدهما إمامًا والآخر مأمومًا: بطلان تلك النية التي يشترط فيها الاستمرار فيما نوياه من ابتداء صلاتهما - كما سبق -، ويلزم من بطلان النية: بطلان الصلاة، فإن قلتَ: إنه يصح ذلك، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أنه يصح أن يستخلف الإمام من يُكمل عنه الصلاة من المأمومين إذا حدث له حدث - كما سبق في مسألة (١٥٩) - فكذلك يصح ذلك هنا، والجامع: أنه في كل منهما حصل انتقال من إمام لإمام آخر، قلتُ: هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ حيث إن مسألة الاستخلاف - وهي مسألة (١٥٩) - قد رُخِّص فيها تغيير النية لوجود العذر - وهو خروج حدث أو غلبته - وفائدته: استمرار المأمومين في صلاتهم دون انقطاع، بخلاف هذه المسألة فلا يوجد عذر، فكل منهما قد فاته شيء من الصلاة مثل صاحبه، ووجد ثواب تحصيل صلاة =
[ ١ / ٤٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجماعة، فلا فائدة من جعل زيد لعمرو إمامًا له، فإن قلتَ: ما الخلاف سبب هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض التلازم مع القياس" فعندنا: يُعمل بالتلازم، وعندهم: يُعمل بالقياس وكأنه مخصِّص لعموم التلازم.
هذه آخر مسائل باب: "شروط صحة الصلاة" ويليه باب: "صفة الصلاة وبيان أركانها وواجباتها ومستحباتها"
[ ١ / ٤٣٦ ]