(يُسنُّ للمُحلِّين بمكة) وقربها حتى المتمتع - حلَّ من عمرته - (الإحرام بالحج يوم التروية) وهو: ثامن ذي الحجة، سُمِّي بذلك، لأن الناس كانوا يتروون فيه الماء لما بعده (قبل الزوال) فيُصلي بمنى الظهر مع الإمام ويسن أن يحرم (منها) أي: من مكة، والأفضل: من تحت الميزاب (ويُجزئ) إحرامه (من بقية الحرم) ومن خارجه، ولا دم عليه (^١)، والمتمتع إذا عُدم الهدي وأراد الصوم: سُنَّ له أن يُحرم يوم السابع؛
باب صفة الحج والعمرة وبيان أركانهما وواجباتهما وسننهما
وفيه ثمان وثمانون مسألة:
(^١) مسألة: يُستحب للمحل أن يُحرم للحج من المكان الذي هو نازل فيه من مكة، وذلك قبل صلاة الظهر من يوم الثامن من ذي الحجة - وهو يوم التروية -، وإن خرج إلى أي ميقات وأحرم منه: فلا بأس، ويُصلِّي الظهر في مِنى، لقواعد: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد نزل بالأبطح، ثم أحرم منه يوم التروية، الثانية: السنة التقريرية؛ حيث إن أكثر أصحاب النبي ﷺ قد نزلوا بالأبطح، وأحرموا منه، ثم خرجوا إلى منى، وصلوا فيها الظهر، ولم يُنكر عليهم النبي ﷺ: الثالثة: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عباس وابن عمر ﵃ كانا يحرمان يوم التروية قبل صلاة الظهر، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي بيوم التروية؟ قلتُ: لأن الناس كانوا يروون الماء ويجمعونه لاستعماله في اليوم التاسع وهو يوم عرفة، تنبيه: قوله: "والأفضل من تحت الميزاب" يقصد أن المستحب أن يكون الإحرام للحج من تحت ميزاب الكعبة؛ بأن يكون ملاصق لها، قلتُ: هذا لا دليل عليه، فلا يكون مستحبًا، ثم إن هذا ممتنع ضرورة.
[ ٢ / ٥٧٣ ]
ليصوم الثلاثة محرمًا (^٢) (ويبيت بمنى) ويُصلِّي مع الإمام استحبابًا (^٣) (فإذا طلعت الشمس) من يوم عرفة: (سار) من منى (إلى عرفة) فأقام بنمرة إلى الزوال يخطب بها الإمام أو نائبه خطبة قصيرة مُفتتحة بالتكبير، يُعلِّمهم فيها الوقوف ووقته، والدفع منه، والمبيت بمزدلفة (^٤) (وكلها) أي: كل عرفة (موقف إلا بطن عُرَنة)؛
(^٢) مسألة: يُستحب للمتمتع الذي لم يجد الهدي: أن يُحرم من اليوم السابع من ذي الحجة؛ للمصلحة؛ حيث إن هذا سيجعله يصوم الثلاثة الأيام التي في الحج وهو في حالة إحرامه، وفي ذلك من الأجر مالا يحصل في غيره.
(^٣) مسألة: يُستحب للمحرم بالحج أن يُصلِّي في منى الظهر والعصر والمغرب والعشاء في اليوم الثامن، ويبيت فيها ليلة التاسع؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي هذا المكان بمنى؟ قلتُ: لأن الدم يُمنى فيه ويُصبُّ لكثرة ما يذبح فيه.
(^٤) مسألة: إذا صلى الفجر بمنى: فيُستحب له أن يجلس قليلًا فيها حتى تطلع الشمس، وبعد ذلك يسير إلى عرفة، ويقف فيها وهو ركن، ويُستحب للإمام أو نائبه أن يخطب الناس خطبة قصيرة بمسجد نمرة وذلك بعد الزوال، يُعلِّم الناس فيها أحكام الشريعة عامة، وأحكام الحج خاصة باختصار، ويفتتح تلك الخطبة بالتكبير لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "الحج عرفة"، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد خطب الناس في هذا اليوم، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه يعلم الناس أمور حجهم ودينهم، فإن قلتَ: لمَ يبدأ الخطبة بالتكبير؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه بيان أن الله أعظم وأكبر من هذا التجمُّع، وأكبر من كل شيء قد يعظم في نفوس بعض الناس من خلفاء وملوك وسلاطين، فتصح عقيدة المتيقِّن من ذلك، فإن قلتَ: لمَ استحب تقصير الخطبة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن التقصير في هذا المقام =
[ ٢ / ٥٧٤ ]
لقوله ﷺ: "كل عرفة موقف، وارفعوا عن بطن عُرَنة" رواه ابن ماجه (^٥) (وسُنَّ أن يجمع) بعرفة من له الجمع (بين الظهر والعصر) تقديمًا (^٦) (و) أن (يقف راكبًا)
مناسب؛ نظرًا لمراعاة حال الناس من التعب والمشقة، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي هذا المكان بعرفة؟ قلتُ: لأن جبريل قد حج بإبراهيم ﵉، فلما وصل هذا المكان قال إبراهيم: عرفتُ، وهو المروي عن كثير من الصحابة والتابعين، وقيل غير ذلك.
(^٥) مسألة: يُباح للحاج أن يقف بجميع ما يُطلق عليه اسم عرفة، إلا بطن عُرَنَة - وهو: واد يسيل فيه الماء - فلا يجزئ الوقوف فيه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "قد وقفتُ هنا، وعرفة كلها موقف وارفعوا عن بطن عُرَنة" فأوجب الشارع ترك وادي عُرَنَة؛ لأن الأمر في قوله: "وارفعوا" مُطلق، فيقتضي الوجوب، فيلزم منه: أن الوقوف في شيء من وادي عُرَنَة لا يُجزئ؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضدِّه والنهي يقتضي الفساد: فلا صحة للوقوف في المنهي عنه، فإن قلتَ: لمَ قال ﷺ ذلك وهو واقف في عرفة؟ قلتُ: لأنه رأى الناس قد اجتمعوا عليه وتزاحموا فبيَّن لهم أن الأمر فيه سعة.
(^٦) مسألة: يُستحب للإمام أو نائبه ومن صلى خلفه من أهل مكة وغيرهم: أن يجمعوا الظهر والعصر جمع تقديم مع قصرهما بأذان واحد وإقامتين: بأن يؤذن بعد الزوال، ثم يقيم لصلاة الظهر فيُصليها ركعتين، ثم يُسلِّم، ثم يقيم لصلاة العصر فيُصليها ركعتين ثم يُسلِّم؛ للسنة الفعلية والتقريرية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، وصلى بصلاته كل من حج معه من الصحابة وأقرهم على ذلك، ولم يُرو أنه أمر أهل مكة - ممن حج معه - بالإتمام، أو نهاهم عن الجمع، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والاستعداد للدفع إلى مزدلفة فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع المشقة عن الحجاج، =
[ ٢ / ٥٧٥ ]
مستقبل القبلة (عند الصخرات وجبل الرحمة)؛ لقول جابر: "إن النبي ﷺ جعل بطن ناقته القصوى إلى الصَّخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة" ولا يُشرع صعود جبل الرحمة، ويُقال له: "جبل الدعاء" (ويُكثر الدعاء مما ورد) كقوله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد يُحيي ويُميت، وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، ويسر لي أمري" ويكثر الاستغفار، والتضرع، والخشوع، وإظهار الضعف، والافتقار، ويُلحُّ في الدعاء، ولا يستبطئ الإجابة (^٧)
وهو معلوم، ولأجل أن يتفرَّغوا للذكر والدعاء، فإن قلتَ: إنه ﷺ قد أمر أهل مكة بالإتمام قائلًا: "أتموا الصلاة فإنا قوم سفر" لذلك قال المصنف: "ممن له الجمع" يقصدهم؟ قلتُ: إنه ﷺ قال ذلك لأهل مكة في غزوة الفتح لما صلى بهم داخل مكة - كما صحَّت الرواية -، أما عرفة ومزدلفة ومنى فهي خارج مكة فيجوز لهم القصر والجمع فيها.
(^٧) مسألة: يُستحب أن يقف بعرفة قريبًا من جبل الرحمة، ويكون أمامه وهو مُستقبل للقبلة إن استطاع، ولا يُشرع صعوده، ويمكث إلى أن تغرب الشمس، على أية حالة أراد: أي: سواء كان واقفًا، أو جالسًا، أو مضطجعًا، وسواء كان راكبًا أو لا، ويُستحب أن يُكثر وهو في هذه الحالة من الدعاء، والتكبير، والتهليل، والتحميد، وأن يكون خاشعًا متذللًا، مُتلهفًا، مُفتقرًا، مُلحًّا بالدعاء بما شاء من أمور آخرته ودنياه، ولا يجوز له أن يستبطئ الاستجابة؛ لقاعدتين؛ الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فوعد أن يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وهو مخلص العبادة، ولا يُخلف الله وعده، وستأتيه الإجابة قطعًا ولو بعد حين، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد وقف بقرب هذا الجبل راكبًا ناقته، وهو مستقبل القبلة، ولم يصعده، وقد أكثر ﷺ من الدعاء في هذا المكان قال ابن عباس: "رأيت النبي ﷺ بعرفات يدعو ويداه =
[ ٢ / ٥٧٦ ]
(ومن وقف) أي: حصل بعرفة (ولو لحظة) أو نائمًا، أو مارًّا، أو جاهلًا أنها عرفة (من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر وهو أهل له) أي: للحج: بأن يكون مُسلمًا مُحرمًا بالحج، ليس سكرانًا، ولا مجنونًا، ولا مُغمى عليه: (صحَّ حجه)؛ لأنه حصل بعرفة في زمن الوقوف (وإلا) يقف بعرفة، أو وقف في غير زمنه، أو لم يكن أهلًا للحج: (فلا) يصح حجه؛ لفوات الوقوف المعتدِّ به (^٨) (ومن وقف) بعرفة (نهارًا
إلى صدره كاستطعام المسكين"، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، حيث إن استقبال القبلة، وجبل الرحمة في هذا اليوم العظيم سبب للاستجابة.
(^٨) مسألة: الوقوف بعرفة يبدأ من طلوع الفجر يوم عرفة وهو التاسع، وينتهي بطلوع الفجر يوم النحر - وهو اليوم العاشر - فإذا وقف المحرم المسلم العاقل المختار في أي جزء من ذلك الوقت ولو دقيقة: فإنه يصح حجه، سواء بعد الزوال أو قبله ولو كان نائمًا، أو جاهلًا أن هذا المكان هو عرفة، لكنه قاصد له، أما إن كان حالة مروره بهذا المكان كافرًا، أو غير محرم، أو مجنونًا، أو مغمى عليه، أو وقف بغير زمن الوقوف فلا يصح وقوفه وبالتالي لا يصح حجه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ في حديث عروة بن المضرَّس -: "من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تمَّ حجه" قال ذلك في مزدلفة، وهو عام ليوم عرفة، واليوم يكون من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، والليلة تكون من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، فإن قلتَ: لمَ كان وقت الوقوف طويلًا هكذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تمكين المسلمين من الحصول على ذلك؛ لكونه الركن الأعظم في الحج؛ لقوله ﷺ: "الحج عرفة"، فإن قلتَ: لمَ صحَّ حج من وقف وهو لا يعلم أن ما وقف فيه هو عرفة؟ قلتُ: لكونه وجد في أرض عرفة، في زمن الوقوف، وهو مسلم عاقل محرم مختار ناوي للوقوف وقاصد له كما حصل لعروة بن المضرَّس، فإن قلتَ: لمَ صحَّ حج من كان نائمًا طول وقت =
[ ٢ / ٥٧٧ ]
ودفع) منها (قبل الغروب ولم يَعُد) إليها (قبله) أي: قبل الغروب، ويستمر بها إليه: (فعليه دم) أي: شاة؛ لأنه ترك واجبًا، فإن عاد إليها واستمر للغروب، أو عاد بعده قبل الفجر: فلا دم عليه؛ لأنه أتى بالواجب، وهو: الوقوف بالليل والنهار (^٩)،
عرفة مع أنه لا يشعر بشيء؟ قلتُ: لكونه في حكم المستيقظ؛ إذ لو نُبِّه لتنبَّه، بخلاف المجنون، والمغمى عليه، والسكران، فإن قلتَ: لمَ لم يصح وقوف السكران والكافر، والمجنون، والمغمى عليه، ومن وقف بغير مكان عرفة، ومن وقف في غير زمنه؟ قلتُ: لفوات شرط صحة الوقوف الشرعي في هؤلاء الستة، فإن قلتَ: إن من وقف قبل الزوال من يوم عرفة، فلا بدَّ أن يقف بعد الزوال ولو لحظة، فإن ترك الوقوف بعد الزوال: لم يصح حجه وهو قول الجمهور؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد وقف قبل الزوال وبعده وقال: "خذوا عني مناسككم" قلتُ: إن لفظ السنة القولية التي ذكرناها مطلق في الأزمان - وهو قوله: "من شهد صلاتنا … " - فيُجزئ الوقوف قبل الزوال وحده، ويُجزئ الوقوف بعد الزوال وحده، والقولية أقوى من الفعلية؛ لتطرق الاحتمال إلى الفعلية فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية مع القولية" فعملنا بمطلق السنة القولية، لضعف السنة الفعلية هنا.
(^٩) مسألة: إذا وقف في عرفة في النهار: فيجب عليه أن يقف جُزءًا من الليل، فلو خرج من عرفة قبل غروب الشمس، ولم يرجع إليها: فحجه صحيح، ويجب عليه دم وهو ذبح شاة، أما لو رجع إليها واستمر إلى الغروب، أو عاد إليها في الليل: فلا شيء عليه؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما أنه لو وقف ساعة من ليل صحَّ حجُّه، فكذلك يصح حج من وقف ساعة من نهار، والجامع: أن كلًا منهما قد وقف في زمن الوقوف، الثانية: التلازم؛ حيث إن الواجب هو الوقوف بالنهار وإدراك جزء من الليل، فيلزم من ذلك أن من ترك =
[ ٢ / ٥٧٨ ]
(ومن وقف ليلًا فقط: فلا) دم عليه قال في "شرح المقنع": "لا نعلم فيه خلافًا"؛ لقول النبي ﷺ: "من أدرك عرفات بليل: فقد أدرك الحج" (^١٠) (ثم يدفع بعد الغروب) مع الإمام أو نائبه على طريق المأزِمَين (إلى مزدلفة) وهي: ما بين المأزمين إلى وادي "مُحسِّر"، ويُسن: كون دفعه (بسكينة)؛ لقوله ﷺ: "أيها الناس السكينة السكينة" (^١١) (ويُسرع في الفجوة)؛ لقول أسامة: "كان رسول الله ﷺ يسير العنق،
الليل عليه دم؛ لكونه أخلَّ بالواجب عليه، وهذا جبر له، ويلزم عدم وجوب شيء على من عاد إليها في النهار وانتظر حتى غابت الشمس، أو عاد إليها ليلًا؛ لكونه قد أتى بالواجب عليه فبرأت ذمته.
(^١٠) مسألة: إذا وقف في عرفة في ليلة العاشر من ذي الحجة - وهي ليلة العيد - ولو ساعة: صحَّ حجُّه، ولا شيء عليه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "من وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار: فقد تمَّ حجه" وهذا عام فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة: حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين كما هو معلوم.
(^١١) مسألة: إذا غربت الشمس وهو في عرفة: فإنه يدفع ويتحرَّك ذاهبًا إلى مُزدلفة، ويُستحب أن يكون ذلك في حالة السكينة والهدوء والدعاء والذكر؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك وكان يُشير إلى الناس قائلًا: "أيها الناس السكينة السكينة" أي: عليكم بالسكينة والهدوء، فإن قلتَ: لمَ يدفع بعد غروب الشمس؟ قلتُ: لمخالفة الكفار، حيث إنهم يدفعون قبل غروبها، فائدة: طريق "المأزِمَين" يؤدِّي إلى مُزدلفة بصورة سريعة، وهو مخالف لطريق "ضب" الذي دخل منه إلى عرفة، وهذا العمل يُحقِّق دخول عرفة من طريق، والخروج منها عن طريق آخر كصلاة العيد، فإن قلتَ: لمَ استحب أن يمشوا بهدوء وسكينة؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه دفع أذى التزاحم عن الناس، فإن قلتَ: لمَ استحب الدعاء والذكر في حالة الدفع؟ قلتُ: لأنه من أوقات الاستجابة.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
فإذا وجد فجوة نصَّ" أي: أسرع؛ لأن "العنق" انبساط السير، و"النص" فوق العنق (^١٢) (ويجمع بها) أي: بمزدلفة (بين العشائين) أي: يُسنُّ لمن دفع من عرفة: أن لا يصلي المغرب حتى يصل إلى مزدلفة فيجمع بين المغرب والعشاء من يجوز له الجمع قبل حطِّ رَحْلِه (^١٣)، وإن صلى المغرب بالطريق: ترك السنة وأجزأه (^١٤) (ويبيت بها) وجوبًا؛ لأن النبي ﷺ بات بها وقال: "خذوا عني مناسككم" (وله الدفع) من مزدلفة قبل الإمام (بعد نصف الليل)؛ لقول ابن عباس: "كنت فيمن
(^١٢) مسألة: يُستحب الإسراع في الدفع من عرفة إلى مزدلفة إن وجد مُتسعًا لا يوجد فيه أحد؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ يسير العنق، فإذا وجد فجوة نصَّ" - كما قال أسامة - أي: إذا وجد مُتسعًا من المكان أسرع وظهر وهو المراد من "النَّص" هنا، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه جمع بين الوصول إلى مُزدلفة بسرعة؛ وبين عدم إيذائه لغيره.
(^١٣) مسألة: يُستحب لمن دفع إلى مُزدلفة أن يصلي المغرب والعشاء جمعًا وقصرًا في مزدلفة بأذان وإقامتين، وهذا قبل إنزال متاعه من دابته أو سيارته؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك بجميع الحجاج الذين معه: سواء كانوا من أهل مكة أو لا، فإن قلتَ: لمَ استحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين خاصة مع قلة الماء وكثرة الناس، وضيق الوقت، تنبيه: قوله: "من يجوز له الجمع" فيه إشارة إلى أن أهل مكة لا يجمعون ولا يقصرون هنا، وقد أبطلناه في مسألة (٦).
(^١٤) مسألة: إذا صلى المغرب في وقتها في الطريق بين عرفة ومزدلفة: أجزأه ذلك، لكنه مخالف للمستحب؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد صلى المغرب والعشاء في مُزدلفة جمعًا وقصرًا، والنبي ﷺ لا يفعل إلا الواجبات والمستحبَّات فترك ما فعله مخالفة لسنته المستحبة، لكنه يجزئه؛ لكونه فعل ما له فعله.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
قدم النبي ﷺ في ضَعَفَة أهله من مُزدلفة إلى منى" متفق عليه (و) الدفع (قبله) أي: قبل نصف الليل (فيه دم) (^١٥)، على غير سقاة ورعاة (^١٦)، سواء كان عالمًا بالحكم،
(^١٥) مسألة: يجب على الحاج أن يبيت في مُزدلفة إلى ما قبل صلاة الفجر - وهو: ثلثا الليل -، وهو قول المحققين من العلماء؛ للسنة القولية؛ حيث قال ابن عباس: "كنتُ فيمن قدم النبي ﷺ في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى" "وقد رخَّص لأم سلمة ﵂ ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر" وهذا يدل بمفهوم الصفة على أنه يجب على الأقوياء أن يبيتوا ليلة مزدلفة فيها إلى أن يذهب ثلثا تلك الليلة - أي: حتى يغيب القمر - ومن لم يفعل ذلك من الأقوياء فعليه دم، وهو ذبح شاة؛ نظرًا لتركه واجبًا قد فعله ﷺ، وقال "خذوا عني مناسككم"، وإذا بات ثلثي الليل يوصف بأنه بات ليلة، فإن قلتَ: يبيت إلى ما بعد نصف الليل فقط، وله بعد ذلك الذهاب منها، وإن تركها قبل نصف الليل: صحَّ حجه وعليه دم، وهو ذبح شاة وهو الذي ذكره المصنف هنا؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد بات فيها إلى هذا الوقت، وقال: "خذوا عني مناسككم" قلتُ: إن هذا لا يدل على ما ذهبتم إليه؛ لكون البيات لا يطلق ولا يوصف به إلا من بات كامل الليل، أو أكثره، وهو ثلثاه وهو الذي ذكرناه، فإن قلتَ: ما الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف فيما يُطلق عليه البيات" فعندنا: يُطلق على من بات كل الليل أو أكثره وهو ثلثاه، وعندهم يطلق على من بات أكثر من نصفه بقليل.
(^١٦) مسألة: يُباح لمن يخدم الحجاج وهو محرم كالسقاة، والرعاة، ورجال الأمن والصحة: أن يدفعوا من مزدلفة إلى منى قبل منتصف الليل، ولا شيء عليهم؛ للسنة القولية؛ حيث "رخَّص النبي ﷺ للسقاة في ذلك" والرعاة، ورجال الأمن والصحة مثلهم في خدمة الحجاج؛ لعدم الفارق؛ من باب "مفهوم الموافقة" وهذا كله لدفع المفسدة عن الأمة.
[ ٢ / ٥٨١ ]
أو جاهلًا، عامدًا، أو ناسيًا (^١٧) (كوصوله إليها) أي: إلى مزدلفة (بعد الفجر) فعليه دم؛ لأنه ترك نُسُكًا واجبًا (^١٨) (لا) إن وصل إليها (قبله) أي: قبل الفجر فلا دم عليه، وكذا: إن دفع من مزدلفة قبل نصف الليل، وعاد إليها قبل الفجر لا دم عليه (^١٩) (فإذا) أصبح بها: (صلى الصبح) بغلس، ثم (أتى المشعر الحرام) وهو: جبل صغير بالمزدلفة سُمِّي بذلك؛ لأنه من علامات الحج (فيرقاه، أو يقف عنده ويحمد الله ويُكبِّره) ويُهلِّله (ويقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآيتين، ويدعو
(^١٧) مسألة: إذا لم يبت ليلة مُزدلفة فيها وهو جاهل بالحكم، أو ناسي، أو غافل، أو مكره: صحَّ حجُّه ولا شيء عليه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهذا عام لجميع الأحكام ومنها أحكام الحج لأن "الخطأ والنسيان" اسم جنس معرف بأل، وهو من صيغ العموم، ولأن "ما" في قوله: "وما استكرهوا عليه" موصولة وهي من صيغ العموم وقد سبق بيانه، فإن قلتَ: إن من لم يبت فيها وهو من الأقوياء: صحَّ حجه وعليه دم: سواء كان عالمًا أو لا، ناسيًا أو لا، عامدًا أو لا، وهذا قول المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك.
(^١٨) مسألة: إذا وصل إلى مُزدلفة بعد صلاة الفجر بلا عذر من جهل، أو نسيان، أو إكراه أو غفلة - فعليه دم وهو ذبح شاة؛ للتلازم؛ حيث يلزم من عدم مبيته بمزدلفة: وجوب الدم عليه؛ لتركه نسكًا واجبًا؛ لقول ابن عباس: "من ترك نُسُكًا فعليه دم".
(^١٩) مسألة: إذا خرج من مزدلفة قبل مضي ثلثي الليل - أو قبل نصفه عند بعضهم - وعاد إليها قبل صلاة الفجر، أو لم يصل إليها أصلًا إلا قبل صلاة الفجر؛ فلا شيء عليه؛ للتلازم، حيث يلزم من وجوده فيها إلى صلاة الفجر: عدم وجوب شيء عليه؛ لكونه فعل ماله فعله.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
حتى يُسفر)؛ لأنه في حديث جابر: أن النبي ﷺ لم يزل واقفًا عند المشعر الحرام حتى أسفر جدًا، فإذا أسفر: سار قبل طلوع الشمس بسكينة (^٢٠)، (فإذا بلغ مُحسِّرًا) - وهو: واد بين مُزدلفة ومنى، سُمِّي بذلك، لأنه يحسر سالكه -: (أسرع) قدر (رمية حجر) إن كان ماشيًا، وإلا: حرَّك دابته: "لأنه ﷺ لما أتى بطن مُحسِّر: حرَّك قليلًا"
(^٢٠) مسألة: يُستحب أن يمكث في مُزدلفة حتى يصلي الفجر من اليوم العاشر -، ثم يأتي المشعر الحرام - وهو: جبل صغير يقع في مُزدلفة بُني عليه المسجد الموجود الآن - فيقف عنده: فيحمد الله، ويُثني عليه بما هو أهله، ويشكره على ما هداه، ويُكبِّره ويُعظمه، ويستغفره، ويتوب إليه، ويقرأ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثم يدعو بما شاء حتى يُسفر، ثم يسير قبل طلوع الشمس على هيئة السكينة والهدوء متوجهًا إلى منى؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحبَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك من أوقات الاستجابة فإن قلتَ: لمَ سُمِّي هذا الجبل بالمشعر الحرام؟ قلتُ: لكونه من علامات الحج؛ حيث إنه داخل في حدود الحرم، بخلاف عرفة فإنها مشعر ومنسك، لكنها مشعر حلال، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي الدفع بالإفاضة؟ قلتُ: لأنه دفع بكثرة، ومنه قولهم: "أفاض الماء" أي: دفعه وصبَّه بكثرة، فإن قلتَ: لمَ استحب قراءة الآيتين؟ قلتُ: لمناسبتهما للمقام؛ إذ تُذكِّران المسلم بأوامر الله تعالى، كما أنه من المناسب للساعي بين الصفا والمروة أن يقرأ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، فإن قلتَ: لِمَ يُستحب أن يسير إلى منى قبل طلوع الشمس قلتُ: لمخالفة المشركين؛ حيث إنهم يفيضون من مُزدلفة بعد طلوع الشمس، ومخالفتهم مقصد شرعي.
[ ٢ / ٥٨٣ ]
كما ذكره جابر (^٢١) (وأخذ الحصى) أي: حصى الجمار من حيث شاء، وكان ابن عمر يأخذ الحصى من "جَمْع"، وفعله سعيد بن جبير، وقال: "كانوا يتزوَّدون الحصى من جمع" (^٢٢) والرمي: تحية منى فلا يبدأ قبله بشيء (^٢٣)، (وعدده)
(^٢١) مسألة: إذا مرَّ من وادي مُحسِّر - وهو الكائن بين مُزدلفة ومنى وهو سائر إلى منى -: يُستحب أن يسرع في السير قليلًا: سواء كان ماشيًا أو راكبًا؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لأمرين: أولهما: مخالفة الكفار؛ حيث إنهم كانوا إذا مرُّوا بهذا الوادي توقفوا ليتذكَّروا آبائهم، وأجدادهم وأمجادهم، ثانيهما: أن هذا الوادي قد عُذِّب فيه أصحاب الفيل الذين جاءوا مع أبرهة ليهدموا بيت الله، وينقلونه إلى مكان آخر، وكل أرض عُذِّب فيها أقوام يُشرع الإسراع عند المرور بها، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي هذا الوادي بهذا الاسم؟ قلتُ: لأن أصحاب الفيل قد تحسَّروا على أنفسهم لما رأوا العذاب؛ وقيل: لأن الفيل وأصحابه قد حسروا وانقطعوا عن الذهاب.
(^٢٢) مسألة: إذا جاوز وادي مُحسِّر يكون قد دخل حدود منى، فيأخذ الحصى السبع التي يُريد أن يرمي بها جمرة العقبة من "منى" أو من أيِّ مكان شاء؛ للسنة القولية؛ حيث أمر النبي ﷺ ابن عباس "بأن يلتقط الحصى السبع من منى" ولم يُعيِّن الصحابة مكانًا مُعينًا لالتقاطها، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: يُستحب أخذ الحصى من مزدلفة؛ لفعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر كان يفعل ذلك، وكان كثيرًا من الصحابة يفعلون ذلك كما حكاه سعيد بن جبير قلتُ: فعل الصحابي هذا غير مُعتبر؛ لمخالفته السنة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض فعل الصحابي مع السنة القولية".
(^٢٣) مسألة: إذا وصل إلى منى اليوم العاشر: فأول شيء يبدأ به هو رمي جمرة العقبة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ =
[ ٢ / ٥٨٤ ]
أي: عدد حصى الجمار (سبعون) حصاة، كل واحدة (بين الحمَّص والبندق) كحصى الخذف، فلا تُجزئ صغيرة جدًا، ولا كبيرة (^٢٤)، ولا يُسنُّ غسله (^٢٥) (فإذا وصل إلى منى وهي من وادي مُحسِّر إلى جمرة العقبة): بدأ بجمرة العقبة فـ (رماها بسبع حصيات متعاقبات) واحدة بعد واحدة، فلو رمى دفعة واحدة: لم يُجزئه إلا عن واحدة، ولا يُجزئ الوضع (يرفع يده) اليمنى حال الرمي (حتى يُرى بياض إبطه)؛ لأنه أعون على الرمي (ويُكبِّر مع كل حصاة) ويقول: "اللهم اجعله حجًا
قلتُ: لأن الرمي تحية منى، كما أن الطواف تحية المسجد الحرام لمن أراد، وصلاة ركعتين تحية دخول أيِّ مسجد.
(^٢٤) مسألة: عدد حصى رمي الجمار سبعون حصاة، كل حصاة بحجم حبة الحمُّص، أو أقل قليلًا، أو قدر نواة التمرة، أو قدر أنملة الإصبع، ولا يُجزئ الرمي بأكبر من ذلك، وإلا أصغر، وطريقة ذلك: أن يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات في اليوم العاشر، ويرمي الثلاث الجمرات بإحدى وعشرين حصاة في اليوم الحادي عشر، وكذلك يرميها في اليوم الثاني عشر، فيكون مجموع الحصيات تسعًا وأربعين حصاة لمن أراد أن يتعجَّل، ويرميها في اليوم الثالث عشر بإحدى وعشرين فيكون مجموع الحصيات سبعين لمن أراد أن يتأخر، للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد رمى هذا العدد، وبهذا الحجم، ومن رمى بأقل أو أكثر خالف ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: تأسيًا بإبراهيم ﵇ حين عرض له الشيطان في أمكنة الجمرات الثلاث؛ حيث رماه بسبع في كل مكان من هذه الأمكنة، وطردًا للشيطان من تأثيره على إيمان المسلم.
(^٢٥) مسألة: لا يُستحب غسل الحصاة التي تُرمى الجمار بها؛ للاستقراء؛ حيث ثبت بعد الاستقراء أن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ لم يكونوا يغسلوا الجمار، فغسلها يكون من المحدثات، فيكون بدعة.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
مبرورًا وسعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا" (^٢٦) (ولا يُجزئ الرمي بغيرها) أي: غير الحصاة كجوهر، وذهب، ومعادن (^٢٧) (ولا) يُجزئ الرمي (بها ثانيًا)؛ لأنها
(^٢٦) مسألة: يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات: كل واحدة بعد الأخرى مباشرة ويُستحب: أن يرفع يده اليُمنى عند رمي كل حصاة، ويُكبِّر قائلًا: "الله أكبر" ثم يدعو قائلًا: "اللهم اجعله حجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا"، ولا يُجزئ رمي السبع كلها دفعة واحدة، ولو فعل: لكفى ذلك عن حصاة واحدة، ولا يُجزئ وضع السبع في الحوض دون رمي وحذف؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية والقولية؛ حيث "كان ﷺ يرمي كل حصاة منفردة، ويرفع يده اليُمنى عند الرمي، ويُكبر عند ذلك" وقال: "خذوا عني مناسككم، ورمي السبع دفعة واحدة مخالف لذلك، ووضعها في الحوض لا يُسمَّى رميًا، الثانية: فعل الصحابي، حيث كان ابن عمر وابن مسعود ﵃ يقولان عند الرمي: "اللهم اجعله حجًا مبرورًا … "، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: لأن المقصود هو طرد الشيطان ومجاهدته ولا يكون إلا برمي مُتعاقب، دون وضع، أو حذف دفعة واحدة، ورفع اليد يُعينه على ذلك الرمي، والتكبير شرع لتعظيم الله تعالى، وإظهار عظمته على كل سلطان وشيطان، وشرع الدعاء لمناسبته للمقام.
(^٢٧) مسألة: الرمي يكون بحصى من جنس الأرض، فلا يُجزئ الرمي بجواهر، أو معادن، أو ذهب أو فضة أو خشب، أو ثياب أو نعال أو نحو ذلك؛ للاستقراء؛ حيث ثبت بعد استقراء وتتبع أحوال النبي وأصحابه أنهم كانوا يرمون بحجارة من جنس الأرض، فلا يجوز غيرها، لأن غيرها يكون مُحدثًا، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه لو شرع الرمي بماله ثمن لأدَّى إلى إضاعة المال المنهي عنه.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
استعملت في عبادة فلا تستعمل ثانيًا كماء الوضوء (^٢٨) (ولا يقف) عند جمرة العقبة بعد رميها؛ لضيق المكان، ونُدِب: أن يستبطن الوادي، وأن يستقبل القبلة، وأن يرمي على جانبه الأيمن (^٢٩) وإن وقعت الحصاة خارج المرمى، ثم تدحرجت فيه:
(^٢٨) مسألة: يجزئ الرمي بحصاة قد رُمي بها من قبل؛ لقاعدتين: الأولى: الاستصحاب؛ حيث إن الأصل جواز ذلك، فيُستصحب ويعمل به؛ لعدم المغيِّر، الثانية: المصلحة: حيث إن الحصى الصالح للرمي قد لا يُوجد مع كثرة الأعوام، والحجاج ثم إنه قد تسقط حصاة من الحاج في غير الحوض، فيشق عليه أن يأتي بجديدة لم يُرم بها مع شدة الزحام، فإن قلتَ: لا يُجزئ ذلك وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للقياس، بيانه: كما أنه لا يُجزئ الوضوء ورفع الحدث بماء قد تُطهِّر به من قبل، فكذلك الحال هنا والجامع: أن كلًا منهما قد استعمل شيئًا واحدًا في عبادتين وهذا لا يصح، قلتُ: هذا فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن الماء المستعمل في رفع حدث قد أصابته نجاسة أعضاء المتوضئ الأول، فلذلك كان طاهرًا غير مطهر - كما سبق - أما الحصاة فلم تتأثر بشيء عند رميها، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع الاستصحاب والمصلحة".
(^٢٩) مسألة: يُستحب عدم الوقوف بعد الفراغ من رمي جمرة العقبة، وأن يرميها من بطن الوادي إن قدر، وأن يكون حال رميه مستقبل القبلة على جانبه الأيمن؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد مضى سريعًا بعد رميه لها، ورماها من بطن الوادي، وكان مستقبل القبلة، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عمر قد رمى الجمرة على جانبه الأيمن، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن الوقوف بعد الرمي فيه تضييق على المسلمين، ورميه في بطن الوادي فيه الحفاظ على نفسه من السقوط، بخلاف ما لو رمى من أعلى =
[ ٢ / ٥٨٧ ]
أجزأت (^٣٠) (ويقطع التلبية قبلها)؛ لقول الفضل بن عباس: "إن النبي ﷺ لم يزل يُلبِّي حتى رمى جمرة العقبة" أخرجاه في الصحيحين (^٣١) (ويرمي) ندبًا (بعد طلوع الشمس)؛ لقول جابر: "رأيتُ رسول الله ﷺ يرمي الجمرة ضحى يوم النحر وحده" أخرجه مسلم (^٣٢) (ويُجزئ) رميها (بعد نصف الليل) من ليلة النحر؛ لما
الجبل، وشرع استقبال القبلة لأنها أشرف الجهات، والرمي على الجانب الأيمن أقوى وأنشط للرامي.
(^٣٠) مسألة: إذا رمى الحاج حصاة باتجاه الشاخص والحوض فلم تقع فيه مباشرة، ولكنها انحدرت وتدحرجت إليه بعد ذلك: فإنها تُجزئه؛ للتلازم؛ حيث إنه يلزم من وقوعها في الحوض الإجزاء؛ لكونه فعل ماله فعله فإن قلتَ: لمَ أجزأ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يكثر وقوعه، فهو مما تعم به البلوى، فدفعًا للمشقة: شرع الشارع الإجزاء.
(^٣١) مسألة: يُستحب للقارن والمفرد أن يقطع التلبية - وهو قوله: "لبيك اللهم لبيك … " - قبل البدء برمي جمرة العقبة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد قطعها في هذا الوقت والمفرد مثل القارن؛ لعدم الفارق فإن قلتَ: لم استُحب ذلك؟ قلتُ: لكونه شرع فيما يحصل به التحلل من الإحرام الذي يُناسبه التلبية، فشرع في شيء يناسب ذلك التحلُّل وهو التكبير. تنبيه: قد سبق بيان ذلك في مسألة (٤٤) من باب: "طريقة وصفة دخول مكة والطواف والسعي" وبينا أن المتمتع والمعتمر يقطع التلبية عند بدء الطواف لهما.
(^٣٢) مسألة: يُستحب أن يرمي جمرة العقبة في الضُّحى من يوم النحر - وهو العاشر من ذي الحجة -؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه أنسب وقت لذلك، نظرًا لوضوحه؛ حيث يتيقَّن من أن كل حصاة قد سقطت في الحوض، ولتمكنه بعد ذلك من الحلق وطواف الإفاضة والسعي إن أراد ذلك.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
روى أبو داود عن عائشة: "أن النبي ﷺ أمر أمَّ سلمة ليلة النحر فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت" (^٣٣)، فإن غربت شمس يوم الأضحى قبل رميه: رمَى من غدٍ بعد الزوال (^٣٤) (ثم ينحر هديًا إن كان معه) واجبًا كان أو تطوعًا، فإن لم يكن معه هدي، وعليه واجب: اشتراه، وإن لم يكن عليه واجب: سُنَّ له أن يتطوع به، وإذا نحر الهدي: فرَّقه على مساكين الحرم (^٣٥) (ويحلق) ويُسنُّ أن يستقبل
(^٣٣) مسألة: وقت رمي جمرة العقبة يبدأ من بعد مُضي ثُلُثَي الليل من ليلة مُزدلفة - وهو: ليلة يوم النحر، اليوم العاشر - للأقوياء، أما الضعفة من الرجال والنساء المعذورين فيُجزئ الرمي منهم ولو بعد نصف الليل من ليلة مزدلفة وهو ليلة العاشر، وهو يوم النحر، وقد سبق بيان ذلك في مسألة (١٥) بالتفصيل.
(^٣٤) مسألة: إذا غابت شمس يوم النحر - وهو اليوم العاشر - وهو لم يرم جمرة العقبة: فإنه يرميها قضاء في الغد، أي: في اليوم الحادي عشر بعد الزوال مع الحصى التي سيرميها فيه؛ للتلازم؛ حيث يلزم من فوات وقت الرمي هنا: أن يقضيه في وقت الرمي في اليوم الآخر؛ نظرًا لاحترام الوقت المشروع للرمي.
(^٣٥) مسألة: إذا فرغ من رمي جمرة العقبة: فإنه ينحر هديه في منى: سواء كان قد أتى بالهدي معه، أو كان قد اشتراه من مكة، وسواء كان واجبًا كهدي القِران والتمتع، أو مندوبًا كمن تطوع بذبح هدي، ويُباح له أن يأكل من ذبحه، ويُوزِّع الباقي على فقراء مكة إن قدر أو يُعطي الهدي الفقراء وهو حي، ليذبحوه بأنفسهم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، الثانية: المصلحة؛ حيث إن إعطاءهم الهدي حيًا ليذبحوه في وقت الذبح أنسب لكثير منهم.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
القبلة، ويبدأ بشقه الأيمن (^٣٦) (أو يُقصِّر من جميع شعره) لا من كل شعرة بعينها (^٣٧)، ومن لبَّد رأسه أو ضفَّره، أو عقَّصه: فكغيره (^٣٨)، وبأي شيء قصَّر
(^٣٦) مسألة: إذا فرغ من ذبح هديه: فإن الرَّجل يحلق رأسه ويُستحب أن يكون في حالة حلقه مستقبلًا للقبلة بادئًا بشقه الأيمن، ثم الأيسر منه؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إنه ﷺ قد دعى للمحلِّقين ثلاثًا، والقبلة أشرف الجهات، والبدء باليمين أكثر بركة للعمل، فيكون أكثر أجرًا.
(^٣٧) مسألة: إذا لم يحلق رأسه: فإنه يُقصِّر من جميع شعره القدر الذي يُسمَّى تقصيرًا عرفًا، ولا يجب عليه أن يُقصِّر من كل شعرة بعينها، ويُستحب أن يكون في حالة تقصيره مستقبلًا للقبلة، بادئًا بشقه الأيمن ثم الأيسر، وهو - أي: التقصير - أقل أجرًا من الحلق؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد دعى للمحلِّقين ثلاث مرات، ودعا للمقصِّرين مرة واحدة، وهذا يلزم منه: مشروعية التقصير إذا لم يحلق، وأن الحلق أفضل من التقصير، الثانية: القياس، بيانه: كما يُستحب استقبال القبلة والبدء باليمين في الحلق، فكذلك التقصير مثله والجامع: وجود المصلحة الظاهرة فيهما، فإن قلتَ: لمَ كان الحلق أفضل من التقصير؟ قلتُ: لأن المقصود قضاء التفث وإزالة الأقذار، وهذا يُحققه الحلق، فيكون أبلغ وأدل على صدق الإخلاص.
(^٣٨) مسألة: إذا كان الشعر مُلبَّدًا كأن يكون عليه حِنَّاء أو صمغ، أو كان ذا ضفائر وجدايل أو كان معقودًا خلفه: فإنه يُقصِّر منه مثل ما لو لم يكن كذلك، ولا يحتاج إلى إطلاقه وفكِّه؛ للمتلازم؛ حيث إن التقصير يكون كاملًا وهو في حالته تلك، فلا يلزم أن يقوم بإطلاقه؛ لكونه فعل ماله فعله، وفي ذلك تيسير على الناس، وهو المقصد.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
الشعر: أجزأ، وكذا: إن نتفه، أو أزاله بنَوْرة؛ لأن القصد إزالته، لكن السنة الحلق أو التقصير (^٣٩) (وتقصِّر منه المرأة) أي: من شعرها (قدر أنملة) فأقل؛ لحديث ابن عباس يرفعه: "ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير" رواه أبو داود، فتُقصِّر من كل قرن قدر أنملة أو أقل (^٤٠)، وكذا: العبد، ولا يحلق إلا بإذن
(^٣٩) مسألة: يُجزئ الحلق أو التقصير بأي آلة تُزيل الشعر أو تقصِّر منه كأن ينتفه، أو يزيله بنورة - وهو النير المعروف - أو نحو ذلك، ولكن المستحب: أن يحلق ويُقصِّر بما هو معتاد؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد حلق بما هو مُعتاد في زمنه"، والتقصير مثله؛ لعدم الفارق الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من حلقه أو تقصيره بأي آلة: إجزاء ذلك؛ نظرًا لتحقيق المقصود، فإن قلتَ: لم شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة، وهي التوسعة على المسلمين.؟ [فرع]: إذا لم يُوجد على الرأس شعر كالأصلع، أو من حَلَقَه قريبًا: فإنه يسقط عنه الحلق والتقصير؛ للتلازم: حيث يلزم من عجزه عن فعل الواجب: سقوطه؛ لكون الواجب يسقط بالعجز عنه.
(^٤٠) مسألة: يجب على المرأة أن تقصِّر شعرها، ولا يجوز لها حلقه ولو أذن زوجها، فتأخذ من كل قرن وجديلة قدر أنملة - وهو: قدر طرف الإصبع، ويُساوي حبَّة الحمَّص أو أقل من ذلك - هذا إن كان لها قرون وجدايل، أما إن لم يكن كذلك: فتجمع شعرها في مقدِّمة رأسها وتقبضه بيدها وتأخذ منه قدر أنملة أو أقل؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير" فنفى الحلق عن النساء، وأثبت التقصير عليهن، والنفي هنا نهي، وهو مُطلق، فيقتضي التحريم وترك الحرام واجب؛ الثانية: التلازم؛ حيث يلزم من أخذ قدر أنملة: إجزاء ذلك، لكونه يقع اسم التقصير عليه عرفًا؛ وذلك لعدم تقدير الشارع لذلك فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ =
[ ٢ / ٥٩١ ]
سيده (^٤١)، وسُنَّ لمن حلق أو قصَّر: أخذ ظفر وشارب وعانة، وإبط (^٤٢) (ثم) إذا رمى، وحلق، أو قصَّر: فـ (قد حلَّ له كل شيء) كان محظورًا بالإحرام (إلا النساء) وطئًا ومباشرة، وقبلة، ولمسًا بشهوة، وعقد نكاح؛ لما روى سعيد عن عائشة ﵂ مرفوعًا: "إذا رميتم وحلقتم: فقد حلَّ لكم الطيب والثياب، وكل شيء إلا النساء" (^٤٣) (والحلاق والتقصير) ممن لم يحلق (نسك) في تركهما دم؛ لقوله ﷺ:
قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن حلق رأسها يتسبَّب في تشويهها كُلِّيًا، وأخذ أكثر من أنملة يتسبب في تشويهها جُزئيًا، فحفاظًا عليها، وترغيبًا فيها: شرع لها تقصير ذلك من شعرها فقط.
(^٤١) مسألة: يجب على العبد أن يُقصِّر شعره، ولا يحلقه إلا إذا أذن له سيده؛ للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حفاظ على حقوق السيد وماله؛ لأن العبد المحلوق الشعر أقل قيمة من العبد غير المحلوق، أما إن أذن السيد: فقد أسقط حقه في ذلك.
(^٤٢) مسألة: يُستحب لمن حلق أو قصَّر: أن يُزيل ظفرًا، ويحلق عانة، وإبط، ويقص شاربه، للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه قضاء التَّفث وإزالة الأوساخ والأقذار التي تراكمت بسبب تلبُّسه بالإحرام.
(^٤٣) مسألة: إذا رمى جمرة العقبة في اليوم العاشر، ثم حلق، أو قصَّر: فإنه يحلُّ له كل شيء إلا النساء وهذا يُسمَّى "التحلُّل الأول"، فيحلُّ لبس المخيط، وتغطية الرأس، وأخذ الشعر، والأظفار، والطيب، أما النساء وما يتعلق بهن من وطء، ولمس بشهوة، وتقبيل ومباشرة وعقد ونكاح: فلا يحل شيء من ذلك؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "إذا رميتم وحلقتم: فقد حلَّ لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء" حيث أثبت إحلال كل شيء بفعل هذين الشيئين، ونفى إحلال النساء وما يتعلَّق بهن؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، والنفي؛ نهي، وهو مطلق، فيقتضي التحريم، فإن قلتَ: لمَ حُرِّمت النساء هنا؟ قلتُ: لكون =
[ ٢ / ٥٩٢ ]
"فليُقصِّر ثم ليتحلَّل" (ولا يلزم بتأخيره) أي: الحلق أو التقصير عن أيام منى (دم، ولا بتقديمه على الرمي والنحر) ولا إن نحر أو طاف قبل رميه ولو عالمًا لما روى سعيد عن عطاء: أن النبي ﷺ قال: "من قدَّم شيئًا قبل شيء: فلا حرج" (^٤٤)،
الوطء من أغلظ المحظورات، لكونها من المتع الخالصة المخالفة للإحرام وما بعده، وحُرّمت مقدماته؛ منعًا للوقوع في الوطء.
(^٤٤) مسألة: الحلق أو التقصير نسك من أنساك الحج والعمرة، وعبادة وقربة إلى الله تعالى، يجوز تأخيره عن الرمي والنحر إلى آخر ذي الحجة؛ ويجوز تقديمه على الرمي والنحر، وإذا تركه: فعليه دم، أي: ذبح شاة؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ فلو لم يكونا نسكًا لما وُصف الحجاج بذلك؛ الثانية: السنة القولية، وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ دعا للمحلِّقين وفضَّلهم على المقصِّرين، فلو لم يكونا نسكًا لما فاضل بينهما، ثانيهما: أنه ﷺ قال: "من قدَّم شيئًا على شيء فلا حرج" فأباح تقديم الحلق أو التقصير على الرمي والنحر، وتأخيرهما عليهما؛ لأن لفظ "لا حرج" من صيغ الإباحة، الثالثة: إجماع الصحابة؛ حيث إن الصحابة قد حلقوا أو قصَّروا في جميع حججهم وعُمَرهم، الرابعة: التلازم؛ حيث يلزم من بيان أول وقت الحلق أو التقصير، وعدم بيان آخره: أنه لا وقت لآخره إلا وقت نهاية وقت الحج - وهو: آخر ذي الحجة - الخامسة: قول الصحابي؛ حيث إن ابن عباس قال: "من ترك نسكًا فعليه دم" والحلق أو التقصير نسك، فيكون على من تركه دم، فإن قلتَ: إن الحلق أو التقصير ليس بنسك، وإنما هو إطلاق من محظورات كانت محرمة فأطلق فيه الحل وهذه رواية عن الإمام أحمد وهو قول كثير من العلماء؛ للقياس؛ بيانه كما أن المحرم يلبس مخيطًا بعد رميه فكذلك يحلق أو يُقصِّر، وبناء على ذلك يحصل التحلل بالرمي فقط، وبدون حلق أو تقصير، قلتُ: هذا =
[ ٢ / ٥٩٣ ]
ويحصل التحلُّل الأول باثنين من "حلق" و"رمي" و"طواف" والتحلُّل الثاني: بما بقي مع سعي (^٤٥)، ثم يخطب الإمام بمنى يوم النحر خطبة يفتتحها بالتكبير، يُعلِّمهم فيها النحر والإفاضة والرمي (^٤٦)، فصل: (ثم يفيض إلى مكة، ويطوف القارن
لا يصح؛ لأنه قياس قد خالف نصًا وإجماعًا، فلا يصح، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض القياس مع النص والإجماع".
(^٤٥) مسألة: يحصل التحلُّل الأول - وهو: أن يحلَّ له كل شيء إلا النساء - إذا فعل اثنين من ثلاثة وهي: ١ - رمي جمرة العقبة ٢ - حلق أو تقصير ٣ - طواف الإفاضة مع السعي، يختار اثنين كيفما شاء فيحصل له التحلل الأول، ويحصل التحلُّل الثاني - وهو: أن يحل له كل شيء حتى النساء -: إذا فعل الثلاثة السابقة معًا؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ إذا سأله أحد بأن قدَّم شيئًا من تلك الأمور الثلاثة على شيء قال له: "افعل ولا حرج" ولفظ "ولا حرج" من صيغ المباح الصريحة، الثانية: الاستقراء؛ حيث ثبت بعد استقراء وتتبع أحوال النبي ﷺ وأصحابه ﵃ في الحج: أن التحلل الأول والثاني يحصلان بما قلناه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه توسعة على المسلمين، فإن قلتَ: الرمي والحلق أو التقصير يُقدَّمان على طواف الإفاضة، فلو قُدِّم الطواف عليهما لما أجزأ ذلك، وهو قول الإمام مالك؛ لقول الصحابي؛ حيث إن ابن عمر كان يُفتي بذلك قلتُ: هذا معارض للنص، فلا يُحتج به، أو لعلَّه يُفتي بما هو أسهل للناس عن طريق ما تقتضيه المصلحة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض قول الصحابي مع السنة والاستقراء".
(^٤٦) مسألة: يُستحب أن يخطب الإمام أو نائبه في يوم النحر خطبة يفتتحها بالتكبير، ويعلم الناس فيها مناسكهم وكيفية فعلها: من نحر، وطواف إفاضة، وسعي، =
[ ٢ / ٥٩٤ ]
والمفرد بنية الفريضة طواف الزيارة) ويقال: طواف الإفاضة، فيُعيِّنه بالنية، وهو ركن لا يتم حج إلا به، وظاهره: أنهما لا يطوفان للقدوم، ولو لم يكونا دخلا مكة قبل، وكذا: المتمتع يطوف للزيارة فقط كمن دخل المسجد وأُقيمت الصلاة: فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد، واختاره الموفِّق، والشيخ تقي الدين، وابن رجب، ونصَّ الإمام -وأختاره الأكثر-: أن القارن والمفرد إن لم يكونا دخلاها قبل: يطوفان للقدوم برمل، ثم للزيارة، وأن المتمتع يطوف للقدوم، ثم للزيارة بلا رمل (^٤٧)
ورمي ونحو ذلك من أحكام الحج، وتكون هذه الخطبة كصلاة العيد وخطبته بالنسبة لأهل المدن الذين لم يحجوا؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلت: للمصلحة؛ لأن الخطبة في تعليم الناس أمور دينهم وحجهم مفيدة لهم في مثل هذه الأوقات، وخير الكلام ما وقع في وقته.
(^٤٧) مسألة: إذا فرغ من رمي جمرة العقبة، وحلق أو قصَّر: فإنه يفيض ويذهب إلى مكة؛ ليطوف طواف الإفاضة -ويُسمَّى طواف الزيارة- على ما سبق وصفه وطريقته في مسائل (٧ إلى ٣٣) من باب "طريقة وصفة دخول مكة والطواف والعمرة" -وهذا يفعله كل حاج سواء كان مُتمتِّعًا أو قارنًا أو مُفردًا، ويجب أن ينويه على أنه ركن لا يتم الحج إلا به، ولا يرملون فيه: سواء طافوا طواف القدوم ورملوا فيه أو لا؛ لقواعد: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فأوجب الشارع طواف الإفاضة؛ لأن الأمر هنا مطلق، وهو يقتضي الوجوب؛ الثانية: السنة القولية وهي من وجهين: أولهما: أن صفية ﵂ لما حاضت قبل طواف الإفاضة قال ﷺ: "أحابستنا هي؟! " قالوا: إنها أفاضت يوم النحر فقال: "أخرجوا" فلفظ "أحابستنا؟ " يلزم منه أن طواف الإفاضة ركن لا يخرج الحاج من مكة إلا إذا فعله، ثانيهما: قوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" وطواف الإفاضة عمل فلا يصح شرعًا إلا بنية كغيره من الأعمال الشرعية، الثالثة: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد أفاض يوم النحر فطاف بالبيت، ولم يرمل فيه -كما ذكره ابن عباس ﵃- فإن قلتَ: لمَ لا =
[ ٢ / ٥٩٥ ]
(وأول وقته) أي: وقت طواف الزيارة (بعد نصف ليلة النحر) لمن وقف قبل ذلك بعرفات، وإلا: فبعد الوقوف، (^٤٨) (ويُسنُّ) فعله (في يومه)؛ لقول ابن عمر ﵃:
يرمل في هذا الطواف، مع انه يرمل في طواف القدوم؟ قلتُ: لأن الرسول ﷺ وأصحابه ﵃ قد رملوا في طواف القدوم لإثبات أنهم على خلاف ما زعمه كفار قريش وهو: "أن محمدًا وأصحابه قد أنهكتهم حُمَّى المدينة" أما طواف الإفاضة والزيارة فلم يأتوا من المدينة، بل أتوا من منى، فالغرض الذي شُرع الرَّمل لأجله لم يوجد ممن أتى من منى فإن قلتَ: يجب على المتمتع والقارن والمفرد أن يرملوا: فإن لم يكونوا قد طافوا بالبيت طواف القدوم ورملوا فيه من قبل: فإن الواجب على من أتى من منى أن يطوف أولًا طواف القدوم فيرمل فيه، ثم يطوف طواف الإفاضة والزيارة ولا يرمل فيه، وهو ما نصَّ عليه أحمد، وأيَّده بعض الحنابلة قلتُ: هذا بعيد؛ لأمور: أولها: عدم الدليل القوي عليه، وعدم الدليل دليل على عدم الحكم، ثانيها: أنه لم يذكر أحد من الرواة والمحدِّثين أنه ﷺ فعله، أو أمر أحدًا من أصحابه أن يفعله، ثالثها: أنه لم يثبت عن واحد من أصحاب رسول الله ﷺ أنه لما رجع من عرفة طاف للقدوم ورمل، ثم طاف للإفاضة والزيارة ولم يرمل، ذكر هذا الأخير ابن القيم، تنبيه: قوله: "كمن دخل المسجدَ" يُشير به إلى الاستدلال بالقياس قلتُ: لا يصح ذلك القياس؛ لعدم الجامع.
(^٤٨) مسألة: يبدأ وقت طواف الإفاضة وهو الزيارة -من بعد مضي ثلُثَي ليلة يوم النحر -وهي ليلة مزدلفة- للأقوياء، ويبدأ للضعفاء من بعد نصف ليلة يوم النحر -وهي ليلة مُزدلفة- هذا لمن كان قد وقف بعرفة قبل ذلك، أما من لم يقف بها: فإن طوافه للإفاضة يبدأ بعد وقوفه بها؛ لقاعدتين: الأولى: السنة التقريرية؛ حيث "إن أم سلمة ﵂ دفعت من مُزدلفة ورمت جمرة العقبة، وذهبت للمسجد الحرام فطافت بالبيت، ثم رجعت فالتقت بالنبي ﷺ، وهو يرمي الجمرة في صباح يوم النحر، ولم يُنكر عليها ذلك" وهذا يلزم منه =
[ ٢ / ٥٩٦ ]
"أفاض النبي ﷺ يوم النحر" متفق عليه، (^٤٩) ويُستحب: أن يدخل البيت فيُكبِّر في نواحيه ويُصلِّي فيه ركعتين بين العمودين تلقاء وجهه، ويدعو الله ﷿ (^٥٠) (وله تأخيره) أي: تأخير الطواف عن أيام منى؛ لأن آخر وقته غير محدود كالسعي (^٥١) (ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعًا)؛ لأن سعيه أولًا كان للعمرة، فيجب أن يسعى للحج (أو) كان (غيره) أي: غير مُتمتِّع بأن كان قارنًا، أو مفردًا (ولم يكن
أنها طافت بعد نصف ليلة يوم النحر، الثانية: التلازم؛ حيث إنه يلزم من انتهاء وقت المبيت ليلة مزدلفة بمضي ثُلُثي الليل: أن يبدأ وقت طواف الإفاضة بعد ذلك، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير وتوسعة على المسلمين.
(^٤٩) مسألة: يُستحب أن يجعل طواف الإفاضة أو الزيارة في يوم النحر بعد الرمي والحلق أو التقصير؛ للسنة الفعلية؛ حيث إن ذلك قد فعله النبي ﷺ، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث يجعل آخر عمل له في ذلك اليوم هو طواف الإفاضة، فيرجع إلى منى ليستكمل أعمال الحج الأخرى وهو أحزم للأعمال.
(^٥٠) مسألة: يُستحب للحاج: أن يدخل داخل الكعبة -إن استطاع بيسر-، فيُكبِّر، ويدعو بما شاء، وذلك في نواحيها؛ ويصلي داخلها نفلًا بين العمودين تلقاء وجهه إذا دخل من بابها؛ للسنة الفعلية؛ حيث "إنه ﷺ قد فعل ذلك" لفضل الكعبة وشرفها.
(^٥١) مسألة: يُباح تأخير طواف الإفاضة إلى آخر أيام الحج؛ للكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وهذا أمر مطلق في الزمان، فلم يُقيَّد بوقت مُعيَّن فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على المسلمين.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
سعى مع طواف القدوم) فإن كان سعى بعده: لم يُعِدْه؛ لأنه لا يُستحب التطوع بالسعي كسائر الأنساك غير الطواف؛ لأنه صلاة (^٥٢) (ثم قد حلَّ له كل شيء) حتى
(^٥٢) مسألة: بعد طواف الإفاضة يجب على المتمتع أن يسعى بين الصفا والمروة -على ما سبق وصفه وطريقته في مسائل (٣٤ إلى ٤٢) من باب "طريقة وصفة دخول مكة والطواف والسعي"-، ويجب على القارن والمفرد كذلك إذا لم يسعيا بعد طواف القدوم؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي"، وهذا أمر مُطلق، فيقتضي الوجوب، ولفظ "كتب" من صيغ الوجوب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ لم يسع إلا سعيًا واحدًا جعله بعد طواف القدوم؛ لكونه ﷺ قارنًا، ولم يسع بعد طواف الإفاضة، الثالثة: التلازم؛ حيث إن كون الأصل: عدم التطوع بجميع الأنساك -سوى الطواف- يلزم منه: عدم تكرار السعي لنسك واحد، وبناء على ذلك: لا يسعى المفرد إلا مرة واحدة: سواء قبل الوقوف أو بعده، ويلزم من كون المتمتع قد قام بنسكين أن يسعى سعيين هما: سعي للعمرة، وقد سبق فعله بعد طوافه، وسعي للحج يكون بعد طواف الإفاضة، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي بطواف الإفاضة والزيارة؟ قلتُ: سُمِّي للإفاضة؛ لكونه يقوم به عند إفاضته من منى إلى مكة، وسمي بالزيارة، لكونه يأتي من منى فيزور البيت، فإن قلتَ: لمَ يُستحب الطواف أكثر من مرة بخلاف سائر المناسك؟ قلتُ: إن الأصل: عدم التطوع بأي واحد من المناسك، ولكن أستثني الطواف فجاز التطوع به وتكراره؛ نظرًا لكون الطواف صلاة، فكما يُتطوع بالصلاة فكذلك الطواف، ويبقى الباقي على الأصل، وهو عدم التطوع به وتكراره.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
النساء، وهذا هو التحلُّل الثاني (^٥٣) (ثم يشرب من ماء زمزم لما أحب ويتضلَّع منه) ويرشُّ على بدنه وثوبه: ويستقبل القبلة، ويتنفَّس ثلاثًا (ويدعو بما ورد) فيقول: "بسم الله، اللهم اجعله لنا علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وريًا وشبعًا، وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك وحكمتك" (^٥٤) (ثم يرجع) من مكة بعد
(^٥٣) مسألة: إذا رمى جمرة العقبة، وحلق أو قصَّر، وطاف طواف الإفاضة وسعى -من وجب عليه السعي-: فإنه يحل له كل شيء حتى النساء، وهذا هو التحلُّل الثاني؛ للسنة الفعلية؛ حيث قال ابن عمر: "لم يحلَّ النبي ﷺ من شيء حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه" "وكل" من صيغ العموم فتشمل كل أنواع الحلال، ومنها النساء.
(^٥٤) مسألة: إذا فرغ من السعي بين الصفا والمروة -بعد طوافه للإفاضة-: فإنه يُستحب أن يشرب من ماء زمزم، ويتضلَّع منه فيملأ أضلاعه منه بأن يشرب أكثر من حاجته، وينوي بشربه ما أحبَّ أن يُؤتى من الخيرات: سواء الصحة، أو العلم، وأن يكون حال شربه مُستقبلًا للقبلة، وأن يرش على بدنه وثوبه منه، وأن يتنفَّس قليلًا ثم يعود للشرب، وأن يدعو عند شربه قائلًا: "بسم الله، اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاء من كل داء؛ واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك وحكمتك"؛ لقواعد: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "ماء زمزم لما شُرب له" وقال: "ماء زمزم طعام طعم" الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ لما شرب من ماء زمزم صبَّ على رأسه منه، الثالثة: قول الصحابي؛ وفعله؛ حيث إن ابن عباس قد أمر رجلًا بأن يتضلع منه وأمر بالتنفُّس ثلاثًا بعد كل شربة منه، وكان يدعو بذلك الدعاء، وكان يستقبل القبلة أثناء شربه إياه، فإن قلتَ: لمَ =
[ ٢ / ٥٩٩ ]
الطواف والسعي (فـ) يُصلِّي ظهر يوم النحر بمنى و(يبيت بمنى ثلاث ليال) إن لم يتعجل، وليلتين إن تعجَّل في يومين، (^٥٥) ويرمي الجمرات أيام التشريق (فيرمي الجمرة الأولى وتلي مسجد الخيف بسبع حصيات) مُتعاقبات يفعل كما تقدم في جمرة العقبة (ويجعلها) أي: الجمرة (عن يساره ويتأخر قليلًا) بحيث لا يصيبه الحصى (ويدعو طويلًا) رافعًا يديه (ثم) يرمي (الوسطى مثلها) بسبع حصيات، ويتأخر قليلًا، ويدعو طويلًا لكن يجعلها عن يمينه (ثم) يرمي (جمرة العقبة) بسبع كذلك (ويجعلها عن يمينه، ويستبطن الوادي، ولا يقف عندها، يفعل هذا) الرمي للجمار الثلاث على الترتيب والكيفية المذكورين (في كل يوم من أيام التشريق بعد الزوال) فلا يجزئ قبله، (^٥٦) ولا
استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ماء زمزم فيه بركة، فلعله بشربه منه تناله تلك البركة، فيسعد في دنياه وآخرته.
(^٥٥) مسألة: إذا فرغ من طواف الإفاضة والسعي: فإنه يرجع إلى منى، ويُستحب أن يصلي فيها ظهر يوم النحر قصرًا، ويبيت فيها ثلاث ليال: ليلة اليوم الحادي عشر، وليلة اليوم الثاني عشر، وليلة اليوم الثالث عشر، إن كان غير مُتعجِّل، أما إن كان مُتعجِّلًا: فإنه يبيت ليلتين فقط هما: ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر؛ للاستقراء؛ حيث إنه قد ثبت من استقراء وتتبع حجة النبي ﷺ وحجج أصحابه: أنهم كانوا يفعلون ذلك، بدون أن يُنكر بعضهم على بعض.
(^٥٦) مسألة: في اليوم الحادي عشر -وهو: أول يوم من أيام التشريق- يذهب إلى الجمرات الثلاث فيرميها بعد زوال الشمس، ولا يُجزئ قبله، فيبدأ بالجمرة الأولى -وهي التي تلي مسجد الخيف وهي الصغرى، فيرميها بسبع حصيات متعاقبات، ويفعل كما فعل في جمرة العقبة في اليوم العاشر، لكنه يجعل الجمرة الصغرى هذه عن يساره ويتأخر قليلًا عنها، ويدعو كثيرًا رافعًا يديه، ثم يذهب في الحال إلى الجمرة الوسطى فيرميها ويجعلها عن يمينه ويفعل بها كما فعل في =
[ ٢ / ٦٠٠ ]
ليلًا لغير سقاة ورعاة، (^٥٧) والأفضل: الرمي قبل صلاة الظهر (^٥٨) ويكون (مستقبل القبلة) في الكل (^٥٩) (مُرتِّبًا) أي: يجب ترتيب الجمرات الثلاث على ما
الصغرى، ثم يذهب إلى جمرة العقبة، فيرميها ويفعل كما فعل في رميها في اليوم العاشر، ولا يقف عندها، ثم يرمي الجمرات الثلاث في اليوم الثاني عشر كما فعل فيها في اليوم الحادي عشر، ثم يُغادر منى إن كان مُتعجِّلًا، أما إن كان غير مُتعجِّل وبات ليلة الثالث عشر: فيجب عليه أن يرمي الجمرات الثلاث في اليوم الثالث عشر كما فعل في اليوم الحادي والثاني عشر؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك بعد زوال الشمس -كما قالت عائشة ﵂ وقال: "خذوا عني مناسككم"، ويلزم منه: عدم جواز الرمي قبل الزوال في أيام التشريق.
(^٥٧) مسألة: يُجزئ رمي الجمار الثلاث في أيام التشريق في الليل لجميع الناس؛ للقياس: بيانه: كما يجوز الوقوف بعرفة في ليلة العاشر من ذي الحجة فكذلك يجوز رمي الجمار الثلاث في الليل أيام التشريق، والجامع: دفع الضرر عن المسلمين، وهو المقصد الشرعي منه، فإن قلتَ: لا يُجزئ الرمي في الليل هنا إلا لمن يقوم بخدمة الحجاج كالسقاة، والرعاة، والجند ونحوهم، وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا على تخصيص هؤلاء بذلك.
(^٥٨) مسألة: يُستحب أن يرمي قبل صلاة الظهر بعد زوال الشمس؛ للسنة الفعلية؛ "حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك" فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لظهور النهار في هذا الوقت ولأنه أحزم في العمل.
(^٥٩) مسألة: يُستحب أن يكون حال رميه للجمار مستقبلًا للقبلة؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لكونها أشرف الجهات، وقد سبق.
[ ٢ / ٦٠١ ]
تقدَّم (^٦٠) (فإن رماه كله) أي: رمى حصى الجمار السبعين كله (في) اليوم (الثالث) من أيام التشريق: (أجزاء) الرمي أداءً؛ لأن أيام التشريق كلها وقت للرمي، (ويُرتبه بنيته) فيرمي لليوم الأول بنيته، ثم للثاني مُرتَّبًا، وهُلمَّ جَّرا كالفوائت من الصلاة، (^٦١) (فإن أخره) أي: الرمي (عنه) أي: عن ثالث أيام التشريق: فعليه
(^٦٠) مسألة: يُشترط الترتيب في رمي الجمار: بأن يرمي الجمرة الأولى والصغرى، ثم بعدها يرمي الوسطى، ثم الكبرى، وهي جمرة العقبة، فإن قدم الوسطى على الصغرى، أو جمرة العقبة على الوسطى أو نحو ذلك: فلا يُجزئ الرمي، ويجب أن يُعيده؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد رماها بذلك الترتيب، وقال: "خذوا عني مناسككم" فيلزم اشتراطه، الثانية: الإجماع؛ حيث إن الصحابة قد رموها بهذا الترتيب، فيلزم اشتراطه، فإن قلتَ: لمَ اشتُرط ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ترتيب العمل يُسهِّله على العامل. [فرع]: لا تشترط الموالاة في رمي الجمار؛ فيجوز أن يرمي الصغرى، ثم يتريث قليلًا، ثم يرمي الوسطى، ثم يتريث قليلًا، ثم يرمي الكبرى؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد رمى الجمار، وقال: "خذوا عني مناسككم" وهذا مطلق في الوقت، فلم يُفهم أنه رمى الوسطى بعد فراغه من الصغرى مباشرة؛ لعدم ما يدل عليه، فيكون اشتراط الموالاة تقييد بلا مُقيِّد، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن عدم تقييد الشيء بالموالاة فيه تيسير على العباد.
(^٦١) مسألة: يجوز أن يرمي جميع الحصى السبعين في اليوم الثالث عشر، ويكون أداءً، بشرط: أن يُرتِّب هذا الرمي، وينوي كل يوم برميه هذا: فينوي أنه في اليوم العاشر فيرمي جمرة العقبة فيرميها بسبع، ثم ينوي أنه في اليوم الحادي عشر فيرمي الجمرات الثلاث بإحدى وعشرين، كل واحدة يرميها بسبع، ثم ينوي أنه في اليوم الثاني عشر فيرميها بإحدى وعشرين كذلك، ثم ينوي أنه في =
[ ٢ / ٦٠٢ ]
دم (^٦٢) (أو لم يبت بها) أي: بمنى: (فعليه دم)؛ لأنه ترك نسكًا واجبًا، (^٦٣) ولا مبيت على سُقاة ورُعاة، (^٦٤) ويخطب الإمام ثاني أيام التشريق خطبة يُعلِّمهم فيها حكم
اليوم الثالث للمتأخر فيرميها بإحدى وعشرين، فيكون مجموع ما رمى به: سبعين حصاة؛ للقياس، وهو من وجهين: أولهما كما يجوز تأخير الوقوف بعرفة إلى آخر وقته، ويكون أداءً، فكذلك يجوز تأخير الرمي إلى أخر وقته -؛ حيث إن أيام التشريق كلها وقت رمي- والجامع: تأخير الواجب إلى آخر وقته، ثانيهما: كما يجب ترتيب الفوائت من الصلاة بنية كل فائتة، فكذلك يجب ترتيب الرمي بنية كل يوم، والجامع: النية والترتيب شرطان لصحة فعل ما فات.
(^٦٢) مسألة: يجب أن تُرمى الجمار في أيام التشريق، فمن أخَّرها، أو أخَّر شيئًا منها عن اليوم الثالث عشر لغير عذر: فعليه دم، وهو ذبح شاة؛ للتلازم؛ حيث إن وقت الرمي ينتهي باليوم الثالث عشر، فيلزم من تركه للرمي فيه: وجوب الدم عليه؛ لكونه ترك نسكًا لغير عذر، فإن قلتَ: لمَ وجب ذلك؟ قلت: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه حثُّ للناس على فعل ما شُرع في وقته.
(^٦٣) مسألة: يجب المبيت بمنى ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر، ومن ترك ذلك لغير عذر: فعليه دم، وهو ذبح شاة؛ للتلازم؛ حيث إن المبيت ليالي منى نسك، فيلزم من تركه: وجوب الدم؛ لقول ابن عباس ﵃: "من ترك نسكًا فعليه دم".
(^٦٤) مسألة: لا يجب المبيت ليالي منى على السقاة، والرعاة، ونحوهم ممن يقومون بخدمة الحجاج كالجند، أو المعذورين كالمرضى والخائفين على أهلهم أو مالهم؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد رخَّص للسقاة والرعاة وأذن لهم بعدم المبيت، ومن ذكرناهم مثل هؤلاء؛ لعدم الفارق من باب "مفهوم الموافقة" أو من باب "القياس في الرُّخص" وهو جائز، وقد بيّنتهُ في كتابي: "الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس".
[ ٢ / ٦٠٣ ]
التعجيل، والتأخير والتَّوديع (^٦٥) (ومن تعجَّل في يومين: خرج قبل الغروب) ولا إثم عليه، وسقط عنه رمي اليوم الثالث ويدفن حصاه (وإلا) يخرج قبل الغروب: (لزمه المبيت والرمي من الغد) بعد الزوال، قال ابن المنذر: وثبت عن عمر ﵁ أنه قال: "من أدركه المساء في اليوم الثاني فليُقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس"، (^٦٦)
(^٦٥) مسألة: يُستحب للإمام أو نائبه أن يُلقي خطبة على الحجاج في اليوم الثاني عشر يُبيِّن فيها أحكام ما بقي من أعمال الحج كحكم التعجيل، والتأخير، وطريقة توديع البيت؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي واضحة.
(^٦٦) مسألة: إذا أراد الحاج أن يتعجَّل -وهو: أن يرمي الحادي عشر، والثاني عشر فقط-: فله ذلك بشرط: أن يخرج من منى قبل غروب شمس اليوم الثاني عشر، فهذا يسقط عنه رمي اليوم الثالث عشر، أما إن غابت شمس اليوم الثاني عشر وهو لم يخرج من منى: فيجب عليه أن يبيت فيها، وأن يرمي في اليوم الثالث عشر بعد الزوال، لقاعدتين: الأولى: الكتاب؛ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ واليوم ينتهي بغروب الشمس، ونفي الإثم يدل على الإباحة الثانية: قول الصحابي؛ حيث قال عمر ﵁: "من أدركه المساء في اليوم الثاني عشر: فليُقم إلى الغد حتى ينفر الناس" والمساء يبدأ من غروب الشمس، وهذا الأمر مطلق، فيقتضي الوجوب، فإن قلتَ: لمَ شُرع التعجيل؟ قلتُ: لمراعاة ظروف وأحوال الناس، تنبيه: قوله: "ويدفن حصاه" يقصد: أن المتعجِّل يدفن حصى اليوم الثالث عشر وهي: إحدى وعشرون حصاة تحت الأرض قلتُ: لم أجد دليلًا قويًا على ذلك، بل يُلقيها. [فرع]: يُستحب للإمام أو نائبه، ولجميع الحجاج أن يبقوا في اليوم الثالث عشر فيرمون فيه؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ =
[ ٢ / ٦٠٤ ]
(فإذا أراد الخروج من مكة) بعد عودته إليها (لم يخرج حتى يطوف للوداع) إذا فرغ من جميع أموره؛ لقول ابن عباس: "أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خَفِّف عن المرأة الحائض" متفق عليه، ويُسمَّى طواف "الصَّدَر" (^٦٧) (فإن أقام) بعد طواف الوداع (أو اتجر بعده: أعاده) إذا عزم على الخروج وفرغ من جميع أموره؛
قد فعل ذلك، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن أكثر الصحابة ﵃ قد فعلوا ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تزوُّد من الخيرات، وتكثير من الطاعات وهم قدوة في ذلك.
(^٦٧) مسألة: إذا فرغ من رمي الجمار -على ما سبق وصفه- فإنه يتوجَّه إلى مكة ويُقيم فيها ما شاء، فإذا أراد الخروج منها: وجب عليه أن يطوف بالبيت طواف الوداع بعد أن يفرغ من جميع أموره وتعلُّقاته، ويسقط ذلك عن الحائض والنفساء؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ابن عباس: "أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفِّف عن المرأة الحائض" والآمر هنا هو النبي ﷺ؛ لأن هذا هو المفهوم من عبارة الصحابي، والأمر هنا مُطلق، فيقتضي الوجوب، ونفى الوجوب عن الحائض؛ لأن الاستثناء من الإثبات نفي، و"النفساء" مثل "الحائض"؛ لعدم الفارق؛ نظرًا لخروج الدم منهما، فيكون من باب "مفهوم الموافقة"، أو من باب "القياس في الرخص" الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد ارتحل من الأبطح فمرَّ بالبيت فطاف به، ثم سار مُتوجِّهًا إلى المدينة من أسفل مكة من ثنية "كُدَي" فإن قلتَ: لمَ وجب طواف الوداع؟ قلتُ: ليكون آخر عهده بالبيت كما ورد، كما يفعل الزائر لعزيز إذا غادره فائدة: سُمِّي طواف الوداع بطواف الصَّدَر -بفتح الراء- لأن الصَّدَر من كل شيء: الرجوع، والانصراف عن الورد وعن كل أمر، وهو يعني: صدور الناس من حجهم - كما جاء في اللسان (٤/ ٤٤٨).
[ ٢ / ٦٠٥ ]
ليكون آخر عهده بالبيت كما جرت العادة في توديع المسافر أهله وإخوانه (^٦٨) (وإن تركه) أي: طواف الوداع (غير حائض: رجع إليه) بلا إحرام إن لم يبعد عن مكة، ويحرم بعمرة إن بَعُد عن مكة، فيطوف ويسعى للعمرة، ثم للوداع، (فإن شقَّ) الرجوع على من بَعُد عن مكة دون مسافة قصر، أو بَعُد عنها مسافة قصر فأكثر: فعليه دم، ولا يلزمه الرجوع إذًا (أو لم يرجع) إلى الوداع: (فعليه دم)؛ لتركه نسكًا واجبًا (^٦٩) (وإن أخَّر طواف الزيارة) -ونصُّه: "أو القدوم"- (فطافه عند الخروج
(^٦٨) مسألة: إذا طاف طواف الوداع، ثم أقام طويلًا كيوم مثلًا، أو اشتغل بتجارة وقتًا طويلًا: فيجب عليه أن يُعيد طواف الوداع، أما إن أقام بعد طوافه هذا وقتًا قصيرًا كساعات مثلًا، أو اشترى شيئًا وهو في طريقه للخروج من مكة، أو قضى حاجة، أو دخل منزلًا لذلك، أو استراح قليلًا في أطراف مكة، أو صلى فرضًا أو فرضين فيها: فلا شيء عليه، ولا يُعيد طواف الوداع؛ للسنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد "أمر بأن يكون المسلم آخر عهده بالبيت" ومن أقام بعد طوافه وقتًا طويلًا لم يكن آخر عهده بالبيت، فلزمه إعادته ليُحقِّق ذلك، ومن أقام بعده وقتًا قصيرًا: فإن البيت لا زال في ذاكرته ولا يبعد عادة.
(^٦٩) مسألة: إن خرج من مكة قبل طواف الوداع: فإنه يرجع ويطوفه بلا إحرام إن لم يبعد عن مكة مسافة قصر -وهي (٨٢) كم- أما إن بَعُد عنها مسافة قصر: فإنه يحرم من أحد المواقيت بعمرة، فيأتي البيت فيطوف ويسعى ويحلق أو يُقصِّر، ثم يُحل، ثم يطوف طواف الوداع عن الحج والعمرة، فإن شقَّ عليه ذلك، أو لم يُرد هو أن يرجع لأي سبب: فعليه دم وهو ذبح شاة: سواء ابتعد عن مكة مسافة قصر أو لا؛ للتلازم؛ حيث يلزم من كون طواف الوداع واجبًا: الإتيان به أو جبرانه بدم؛ لكونه قد ترك نسكًا، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ وهي واضحة هنا في مُراعاة أحوال المسلم.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
أجزأ عن) طواف (الوداع)؛ لأن المأمور به: أن يكون آخر عهده بالبيت وقد فعل، فإن نوى بطوافه الوداع: لم يُجزئه عن طواف الزيارة، (^٧٠) ولا وداع على حائض
(^٧٠) مسألة: إذا أخِّر طواف الإفاضة -وهو: طواف الزيارة- فطافه عندما أراد الخروج من مكة: فإنه يُجزئ عن طواف الوداع، ثم يسعى سعي الحج ثم يغادر، بشرط: أن ينوي بذلك الطواف أنه طواف الإفاضة، أما إن نواه على أنه طواف الوداع: فإنه لا يُجزئه عن طواف الإفاضة؛ للتلازم؛ حيث إن المقصد من طواف الوداع: أن يجعل آخر عهده بالبيت، فيلزم من تأخيره لطواف الإفاضة إلى قبيل مغادرته مكة: أن يجزئه عن الوداع؛ لكونه قد حقَّق ذلك المقصد بذلك ويدخل الواجب -وهو طواف الوداع- بالركن -وهو طواف الإفاضة- لذا يلزم من عدم نيته وقصده أنه عن طواف الإفاضة: أن لا يصح حجه أصلًا؛ لإخلاله بركن من أركانه، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا فيه تيسير على العباد، خاصة في هذه الأزمنة، فإن قلتَ: إنه إذا طاف طواف الإفاضة في آخر أعمال الحج، ثم سعى -من وجب عليه السعي-: فإنه يكون قد اشتغل بشيء بعد هذا الطواف فيلزمه: أن يطوف طوافًا للوداع بعد سعيه؛ يجعل آخر عهده بالبيت حقيقة كما ورد في الحديث، قلتُ: إن السعي بعد طوافه لا يُؤثر؛ لكونه ضرورة، ولكونه لا يستغرق ساعة أو ساعتين، وهذا ليس بالوقت الطويل الذي يُزيل ذاكرة البيت عن ذهنه، ولكون طوافه للوداع بعد السعي فيه مشقة عظيمة ليست من عادة الشارع أن يأتي بها، وهذا ثابت من استقراء أحكام الشريعة فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في السعي بعد الطواف هل يُعتبر فاصلًا مؤثرًا يلزم منه بعد العهد بالبيت أو لا؟ " فعندنا: لا، وعندهم: نعم.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
ونفساء إلا أن تطهر قبل مُفارقة البنيان (^٧١) (ويقف غير الحائض) والنفساء بعد الوداع في الملتزم -وهو: أربع أذرع- (بين الركن) أي: الذي به الحجر الأسود (والباب) ويُلصق به وجهه: وصدره، وذراعيه، وكفيه مبسوطتين (داعيًا بما ورد) ومنه: "اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخَّرت لي من خلقك، وسيَّرتني في بلادك حتى بلَّغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضى، وإلا: فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، وهذا أوان انصرافي إن أذنت لي، غير مستبدل بك، ولا ببيتك، ولا راغب عنك، ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن مُنقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، وأجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير" ويدعو بما أحبَّ، ويصلي على
(^٧١) مسألة: الحائض والنفساء لا تطوفان طواف الوداع بشرط: عدم طهارتهما قبل مُفارقة بنيان مكة، فإن طهرتا قبل ذلك: فعليهما أن يغتسلا، ويرجعا إلى البيت، ويطوفان طواف الوداع، فإن لم يفعلا والحالة هذه: فعلى كل واحدة منهما دم، وهو ذبح شاة؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث "إنه ﷺ قد خفَّف عن الحائض وأسقط عنها طواف الوداع" والنفساء مثلها، وقد سبق في مسألة (٦٧)، الثانية: القياس، بيانه: كما يجب طواف الوداع على الطاهرة، وإن تركته فعليها دم، فكذلك الحائض والنفساء اللتان قد طهرتا قبل مفارقة بنيان مكة مثلها، والجامع: الطهورية وعدم المشقة، فإن قلتَ: لمَ سقط الطواف عن الحائض والنفساء؟ قلتُ: لاشتراط الطهارة في كل طواف، ولحماية المسجد من نجاستهما؛ حيث إنه يسقط بعض الدماء منهما غالبًا عند الحركة.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
النبي ﷺ، ويأتي الحطيم أيضًا -وهو تحت الميزاب- فيدعوا، (^٧٢) ثم يشرب من ماء زمزم، ويستلم الحجر ويُقبِّله، ثم يخرج (^٧٣) (وتقف الحائض) والنفساء (ببابه) أي: باب المسجد (وتدعو بالدعاء) الذي سبق (^٧٤) (وتُستحب زيارة قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه) ﵃؛ لحديث: "من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي"
(^٧٢) مسألة: إذا فرغ من طواف الوداع -غير الحائض والنفساء-: فيُستحب أن يقف بين الركن الذي الحجر الأسود، وباب الكعبة إن استطاع، فيدعو بما شاء، ثم يصلي على النبي ﷺ؛ لقاعدتين: الأولى: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، الثانية: فعل الصحابي؛ حيث إن ابن عباس كان يفعل ذلك، وكان يقول: "لا يلتزم ما بينهما أحد سأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه" فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن هذا المكان يُعتبر من الأمكنة التي تستجاب الدعوة فيها، وهو ما أشار إليه ابن عباس، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي هذا المكان بالملتزم؟ قلتُ: لأن الناس يلتزمونه للدعاء، فإن قلتَ: لمَ سُمِّي بالحطيم؟ قلتُ: لأن الناس يزدحمون للدعاء فيه، ويُحطّم بعضهم بعضًا، وقيل: هو: ما تحت الميزاب.
(^٧٣) مسألة: يُستحب لمن أراد مغادرة مكة أن يشرب من ماء زمزم، ويستلم الحجر الأسود ويُقبِّله قبلة الوداع، هذا إن قدر على ذلك؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل ذلك، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: ليكون آخر عهده بالبيت حقيقة، وليستفيد من ماء زمزم كما سبق.
(^٧٤) مسألة: يُستحب للحائض والنفساء أن تقفا عند باب من أبواب المسجد الحرام من خارج، وتدعو بما شاءت، ثم تغادر مكة كغيرها؛ للمصلحة، حيث إن ذلك يكون بمنزلة من دعا بين الركن الذي فيه الحجر الأسود والباب، فيُرجى أن لا يحرمها الله من الإجابة، وفيه حماية المسجد من نجاستها.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
رواه الدارقطني، فيُسلِّم عليه مُستقبلًا له، ثم يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره ويدعو بما أحب، (^٧٥) ويحرم الطواف بها، (^٧٦) ويُكره التمسُّح بالحجرة، ورفع
(^٧٥) مسألة: يُستحب السفر إلى مسجد النبي ﷺ في المدينة، فيقوم بعدما يُصلِّي فيه بالسلام على النبي ﷺ وعلى صاحبيه سلامًا عاديًا لا مبالغة فيه، وتكون هذه الزيارة تبعًا لذهابه للصلاة في مسجده ﷺ، ويحرم أن يكون السفر لأجل زيارة قبر من القبور، سواء كان لنبي أو لغيره؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: قوله ﷺ: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها" والأمر بعد النهي: للإباحة، فأباح زيارة القبور، ثانيهما: قوله ﷺ: "لا تشدُّ الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" فنهى أن يُسافر المسلم إلا لهذه المساجد؛ للصلاة فيها، أما السفر لزيارة شيء من القبور فقد نهى الشارع عنه وأثبت تحريمه؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات فأثبت زيارة المساجد، لا القبور، فإن قلتَ: لمَ حُرِّم السفر لزيارة القبور؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه منع لبعض البدع التي تحدث من خلال هذا السفر لأجلها، فإن قلتَ: إذا فرغ من حجه: فإنه يُستحب له أن يزور قبر النبي ﷺ وقبري صاحبيه في المدينة وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة القولية؛ حيث روي عنه ﷺ أنه قال: "من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي" قلتُ: هذا الحديث ضعيف عند أكثر أئمة الحديث، وقال بعضهم: إنه موضوع، ولا يُحتج بمثل ذلك، فإن قلتَ: يُستحب أن يستقبل القبلة أثناء السلام عند قبره ﷺ جاعلًا الحجرة عن يساره، ويدعو وهو ما ذكره المصنف هنا قلتُ: لم أجد دليلًا على ذلك، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "الخلاف في صحة حديث: "من حج فزار قبري … " فعندنا: لم يصح، وعندهم: صحيح.
(^٧٦) مسألة: يحرم الطواف بالحجرة التي فيها قبر النبي ﷺ؛ للإجماع، ومستنده المصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تشبيه بالكعبة، وهذه مبالغة لا دليل عليها.
[ ٢ / ٦١٠ ]
الصوت عندها (^٧٧) وإذا أدار وجهه إلى بلده قال: "لا إله إلا الله آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" (^٧٨) (وصفة العمرة: أن يُحرم بها من الميقات) إن كان مارًّا به (أو من أدنى الحل) كالتنعيم (من مكي ونحوه) ممن بالحرم و(لا) يجوز أن يُحرم بها (من الحرم)؛ لمخالفة أمره ﷺ، وينعقد وعليه دم (وإذا طاف وسعى و) حلق، أو (قصَّر: حلَّ)؛ لإتيانه بأفعالها (^٧٩) (وتباح) العمرة (كل وقت) فلا تكره بأشهر الحج، ولا يوم
(^٧٧) مسألة: يُكره التمسُّح بجدران الحجرة التي فيها قبر النبي ﷺ، ويُكره أن يرفع صوته عندها؛ لقاعدتين: الأولى: القياس، بيانه: كما يُكره رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ وهو حي كما نهى الشارع عنه في قوله: "لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي"، فكذلك ما نحن فيه والجامع: التوقير والاحترام في كل، وهو المقصد منه، الثانية: المصلحة؛ حيث إن التمسُّح بجدرانها فيه مبالغة مما قد يؤدِّي إلى البدع المحرمة، فدفعًا لذلك: كره.
(^٧٨) مسألة: يُستحب للمسلم إذا وجَّه وجهه إلى بلده راجعًا من الحج والعمرة أن يقول: "لا إله إلا الله، آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده"؛ للسنة الفعلية: حيث إنه ﷺ قد قال ذلك حينما وجه وجهه للرجوع من حجة الوداع، فإن قلتَ: لمَ استُحبَّ ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه ذكر الله، وشكر على أفضاله ونعمه التي لا تُعدُّ ولا تُحصى، ومنها تفضُّله بتيسير الحج.
(^٧٩) مسألة: صفة العمرة: أن يُحرم بها من ميقات من المواقيت الخمسة -كما سبق بيانها في مسألة (٢) من باب "المواقيت"- هذا إن كان مارًّا بأحدها، أما من كان دونها وأهل مكة: فإنهم يُحرمون من أدنى الحلِّ- وهو التنعيم، ثم يأتي
[ ٢ / ٦١١ ]
النحر، أو عرفة، ويُكره الإكثار والموالاة بينها باتفاق السلف قاله في "المبدع"، (^٨٠)
إلى مكة فيطوف بالبيت ثم يسعى، ثم يحلق شعره، أو يُقصِّره كما سبق تفصيله؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث إنه ﷺ قد أمر عائشة ﵂ أن تخرج إلى التنعيم حينما أرادت أن تعتمر والأمر مطلق فيقتضي الوجوب، الثانية: السنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد فعل تلك الصفة في عُمَره. [فرع]: إذا أحرم من الحرم للعمرة، ولم يخرج إلى الحل: فإنه ينعقد إحرامه، ويصح وتصح عمرته، لكن يجب عليه دم، وهو ذبح شاة، تقسَّم على فقراء مكة؛ للقياس؛ بيانه: كما أنه لو أحرم بالحج أو العمرة بعد أن جاوز الميقات: فعليه دم، فكذلك إذا أحرم بالحرم للعمرة فعليه ذلك، والجامع: أن كلًا منهما ترك واجبًا -وهو: الإحرام من الميقات- فإن قلتَ: لمَ صحَّت العمرة مع أنه لم يُحرم من الميقات؟ قلتُ: لأن أركان العمرة -وهي: نية الإحرام والطواف، والسعي- قد توفَّرت، فيلزم من ذلك صحَّتها، وترك الواجب يُجبر بدم فإن قلتَ: لمَ وجب جبرانه بذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك يُكمِّل ما نقص من عمرته.
(^٨٠) مسألة: يُباح أن يعتمر المسلم في جميع أوقات السنة، ويُكررها ويوالي بينها، ولا فرق بين أوقات الحج وغيرها في ذلك، فتجوز حتى في يوم النحر، أو يوم عرفة لمن لم يكن مُلبِّيًا بحج؛ للسنة القولية؛ وهي من وجهين: أولهما: أنه ﷺ قد أمر بها وحثَّ عليها، دون تقييد ذلك بزمن معين، ومن ذلك قوله: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما" وهذا يلزم منه جواز تكرارها والموالاة بينها، ثانيهما: أنه ﷺ قد أمر عائشة ﵂ بأن تعتمر وتحرم بها من التنعيم في أيام الحج، فإن قلتَ: لمَ أُبيح ذلك؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن تقييدها بوقتٍ مُعيَّن فيه مشقة وضيق يلحق بعض الناس، فدفعًا لذلك: أُطلقت في الأزمان، فإن قلتَ: إن الإكثار منها والموالاة بينها مكروه، وهو ما ذكره المصنف هنا؛ للسنة الفعلية: حيث إنه ﷺ كان يعتمر كل سنة بعمرة واحدة، ولم يُكرِّر =
[ ٢ / ٦١٢ ]
ويُستحب تكرارها في رمضان؛ لأنها تعدل حجة، (^٨١) (وتجزئ) العمرة من التنعيم وعمرة القارن (عن) عمرة (الفرض) التي هي: عمرة الإسلام (^٨٢) (وأركان الحج)
عمرتين بسنة واحدة قلتُ: يُحتمل أنه ﷺ لم يُكرِّر ذلك؛ لاشتغاله بالدعوة إلى الله، واستقبال الوفود، ويحتمل أن ظروفه وأحواله الشخصية منعت من ذلك، ويُحتمل أنه لو اعتمر كل شهر مثلًا لاتبعه بعض الناس، تأسيًا به ومحبَّة في مرافقته، وهذا يشق عليهم، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال، فلم يكن تركه لذلك دالًا على الكراهية؛ فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة الفعلية والسنة القولية" فنعمل بالسنة القولية؛ لضعف السنة الفعلية؛ نظرًا لتطرق الاحتمال إليها، وهم عملوا بالفعلية؛ لقوتها عندهم.
(^٨١) مسألة: تُستحب العمرة في رمضان، وتكرارها فيه؛ للسنة القولية؛ حيث قال: ﷺ: "العمرة في رمضان تعدل حجة" وهذا يكفي في فضلها، فإن قلتَ: لمَ استُحب ذلك؟ قلتُ: لاجتماع فضل الزمان -وهو شهر رمضان- وفضل المكان -وهو المسجد الحرام- فإن قلتَ: إن تكرار العمرة في أشهر الحج أفضل من تكرارها في رمضان؛ للسنة الفعلية؛ حيث إنه ﷺ قد كرر الاعتمار في أشهر الحج، ولم يكن الله يختار لنبيه إلا الأفضل، قلتُ: إن السنة القولية مقدَّمة على السنة الفعلية إذا تعارضتا، فإن قلتَ: ما سبب الخلاف هنا؟ قلتُ: سببه: "تعارض السنة القولية مع الفعلية" فقدَّمنا: القولية، وقدَّموا؛ الفعلية.
(^٨٢) مسألة: إذا اعتمر المسلم عمرة صحيحة: فإنها تُجزئ عن عمرة الفرض، وهي عمرة الإسلام: سواء أحرم بها مع الحج -وهو المتمتع والقارن- أو أحرم بها منفردة من أي ميقات من المواقيت الخمسة السابقة، أو خرج من مكة إلى التَّنعيم؛ لقاعدتين: الأولى: السنة القولية؛ حيث قال ﷺ لإحدى زوجاته لما =
[ ٢ / ٦١٣ ]
أربعة: (الإحرام) الذي هو نية الدخول في النسك؛ لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (والوقوف) بعرفة؛ لحديث: "الحج عرفة" (وطواف الزيارة)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (والسعي)؛ لحديث: "اسعوا؛ فإن الله كتب عليكم السعي" رواه أحمد (^٨٣) (وواجباته) سبعة: (الإحرام من الميقات المعتبر له) وقد تقدَّم
قرنت وطافت: "لقد حللتِ من حجَّكِ وعمرتك" حيث يلزم منه أن العمرة المقرونة بالحج تكفي عن الفرض، الثانية: التلازم، حيث إن تمام العمرة بأركانها وواجباتها: يلزم منه صحة العمرة بصرف النظر عن موضع ووقت الإحرام بها من الحل، فإن قلتَ: لمَ شُرع هذا؟ قلتُ: للمصلحة؛ حيث إن ذلك فيه تيسير على الناس.
(^٨٣) مسألة: أركان الحج -وهي: التي لا يصح الحج شرعًا إلا بها، ولا تسقط بعذر ولا بغير عذر ولا يُجبر بشيء- أربعة: أولها: الإحرام، وهو نية الدخول في النسك الذي يُريد الدخول فيه من تمتع أو قِران، أو إفراد، فلا يصح بلا نية -كما سبق في مسألتي (١ و١٢) من مسائل باب "الإحرام وكيفيته"-، ثانيها: الوقوف بعرفة ولو لحظة من ليل أو نهار في اليوم التاسع من ذي الحجة من طلوع الشمس منه إلى طلوع الفجر من اليوم العاشر منه، فمن لم يقف بعرفة: فلا حجَّ له -كما سبق في مسألة (٤ و٨) -، ثالثها: طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة، فلا صحة لحج بدون هذا الطواف -كما سبق في مسألة (٤٧) -، رابعها: السعي بين الصفا والمروة، فمن لم يسع لا صحة لحجه -كما سبق في مسألة (٥٢) -، فإن قلتَ: لمَ كانت تلك الأعمال أركانًا؟ قلتُ: لأن الشارع طلب فعلها طلبًا جازمًا بأدلة قطعية، ولو دققت النظر في تلك الأدلة لوجدتها كذلك، فلو طلبها الشارع طلبًا جازمًا بدليل ظني لكانت واجبات، ولو طلبها الشارع طلبًا غير جازم لكانت مستحبَّات وقد فصَّلتُ الكلام عن ذلك في كتبي: "الإتحاف" و"المهذب" و"الجامع" و"الواجب الموسَّع".
[ ٢ / ٦١٤ ]
(والوقوف بعرفة إلى الغروب) على من وقف نهارًا (والمبيت لغير أهل السقاية والرعاية بمنى) ليالي أيام التشريق على ما مرَّ (و) المبيت بـ (مُزدلفة إلى بعد نصف الليل) لمن أدركها قبله على غير السقاة والرعاة (والرمي) مُرتَّبًا (والحلاق) أو التقصير (والوداع، (^٨٤) والباقي) من أفعال الحج، وأقواله السابقة (سُنَن) كطواف
(^٨٤) مسألة: واجبات الحج -وهي التي يصح الحج بدونها، ولكنه ناقص يُجبر بدم وهو ذبح شاة- سبعة: أولها: أن يحرم بالحج من أحد المواقيت المكانية -كما سبق في مسألة (١ وما بعدها) من مسائل باب "المواقيت"-، ثانيها: أن الذي وقف بعرفة نهارًا يجب عليه أن يستمر حتى تغرب الشمس، -كم سبق في مسألة (٩) -، ثالثها: أن يبيت بمزدلفة ليلة العاشر إلى ذهاب ثُلُثي الليل، أو أكثر من نصفه عند بعضهم -كما سبق في مسألة (١٥) -، وهذا لغير السقاة والرعاة ومن في خدمة الحجاج كما سبق في مسألة (١٦)، رابعها: أن يبيت ليلة الحادي عشر والثاني عشر في منى -كما سبق في مسألة (٦٣) -، وهذا لغير السقاة أو الرعاة كما سبق في مسألة (٤)، خامسها: أن يرمي جمرة العقبة في اليوم العاشر، ويرمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق فيما بعده -كما سبق في مسألة (٢٣) وما بعدها، و(٥٦) وما بعدها، سادسها: أن يحلق أو يُقصِّر -كما سبق في مسألة (٣٦) وما بعدها، سابعها: أن يطوف طواف الوداع- كما سبق في مسألة (٦٧)، فإن قلتَ: لمَ كانت تلك واجبات ولم تكن مُستحبَّات؟ قلتُ: لأن الشارع قد طلب فعلها طلبًا جازمًا بدليل ظني، والغالب في الأدلة ذلك، فإن قلتَ: لمَ صح الحج مع عدم فعله لواجب؟ قلتُ: لأن الحج قد استكمل شروطه وأركانه، ولكنه نقص نُقصانًا لا يؤثِّر على أساسياته، فصلح ذبح الدم لأن يجبر ذلك، كما أن سجود السهو يجبر واجبًا قد تركه في الصلاة، [فرع]: إن لم يجد دمًا -وهو ذبح الشاة-: فإنه يصوم =
[ ٢ / ٦١٥ ]
القدوم، والمبيت بمنى ليلة عرفة، والاضطباع، والرَّمل في موضعهما، وتقبيل الحجر، والأذكار، والأدعية، وصعود الصفا والمروة (^٨٥) (وأركان العمرة) ثلاثة: (إحرام وطواف، وسعي) كالحج (^٨٦) (وواجباتها: الحلاق) أو التقصير (والإحرام من ميقاتها)؛ لما تقدَّم (^٨٧) (فمن ترك الإحرام: لم ينعقد نسكه) حجًا كان أو عمرة
عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع؛ قياسًا على المتمتع إذا لم يجد هديًا، وقد سبق بيان ذلك.
(^٨٥) مسألة: سنن ومستحبات الحج -وهي التي يصح الحج بدونها، وبدون نقصان، لكن إن فعلها الحاج فله أجر، وإن تركها فلا إثم ولا شيء عليه- وهي: ما عدا أركان الحج الأربعة، وما عدا واجباته السبعة، وهذه المستحبات قد بيِّنتُ مسائلها بالتفصيل مع قواعدها ومقاصدها في أبواب "المواقيت" و"الإحرام وكيفيته" و"محظورات الإحرام" و"طريقة دخول مكة والطواف والسعي" و"صفة الحج والعمرة" ولا داعي لتكرارها، فإن قلتَ: لمَ كانت تلك مُستحبات وسُنن؟ قلتُ: لأن الشارع قد طلب فعلها طلبًا غير جازم، أو وُجدت قرينة صرفت ذلك من الوجوب إلى الاستحباب.
(^٨٦) مسألة: أركان العمرة -وهي التي لا تصح العمرة إلا بها- ثلاثة: أولها: الإحرام، وهو نية الدخول في نسك العمرة، ثانيها: الطواف بالبيت، ثالثها: السعي بين الصفا والمروة، فمن لم ينوِ، أو لم يطف، أو لم يسع: فلا عمرة له، وهي في ذلك كالحج تمامًا -كما سبق في مسألة (٨٣).
(^٨٧) مسألة: للعمرة واجبان: أولهما: أن يحرم من ميقات من المواقيت الخمسة إن كان مارًّا بها، أو من أدنى الحل -وهو التنعيم- إن كان من أهل مكة ومن في حكمهم، ثانيهما: أن يحلق أو يُقصِّر، فمن لم يحرم من الميقات، أو لم يحلق أو يُقصِّر: فعمرته صحيحة لكنها ناقصة، فيجبرها بالدم -وهو ذبح شاة-، وهي =
[ ٢ / ٦١٦ ]
كالصلاة لا تنعقد إلا بالنية (ومن ترك ركنًا غيره) أي: غير الإحرام (أو نيته) حيث اعتبرت: (لم يتم نسكه) أي: لم يصح (إلا به) أي: بذلك الركن المتروك هو أو نيته المعتبرة، وتقدَّم: أن الوقوف بعرفة يُجزئ حتى من نائم وجاهل أنها عرفة (ومن ترك واجبًا) ولو سهوًا: (فعليه دم) فإن عدمه فكصوم المتعة (أو سنة) أي: ومن ترك سنة: (فلا شيء عليه) قال في "الفصول" وغيره: "ولم يُشرع الدم عنها؛ لأن جبران الصلاة أدخل فيتعدَّى إلى صلاته من صلاة غيره". (^٨٨)
في ذلك كالحج تمامًا كما في مسألة (٨٤). [فرع]: مُستحبات وسُنَن العمرة -وهي وهي التي تصح العمرة بدونها، وبدون نقصان، لكن إن فعلها المعتمر فله أجر، وإن تركها فلا إثم ولا شيء عليه- وهي ما عدا أركان العمرة الثلاثة، وما عدا الواجبين لها، وهذه المستحبات قد بينتها في مسائلها بالتفصيل قواعدها ومقاصدها وذلك في أبواب "المواقيت"، و"الإحرام وكيفيته"، و"طريقة دخول مكة والسعي والطواف"، و"صفة الحج والعمرة"، ولا داعي لتكرارها.
(^٨٨) مسألة: إذا ترك الحاج أو المعتمر ركنًا من أركان الحج الأربعة، أو ركنًا من أركان العمرة الثلاثة: فلا صحة لحجه ولا عمرته، ولا يجبر بشيء، ولو كان نائمًا أو جاهلًا بأن هذا مشعر من المشاعر -كما سبق في مسألتي (٨٣ و٨٦) -، أما إذا ترك واجبًا من واجبات الحج السبعة أو واجبًا من واجبي العمرة: فحجه أو عمرته صحيحة، لكن يجب عليه دم، فإن لم يجد فإنه يصوم عشرة أيام؛ قياسًا على المتمتع -كما سبق في مسألتي (٨٤ و٨٧) -، أما إن ترك مستحبًا وسنة من سنن الحج أو العمرة: فحجه أو عمرته صحيحة، ولا إثم ولا شيء عليه -كما سبق في مسألة (٨٥) والفرع التابع لها، فإن قلتَ: لمَ لا يجب دم في ترك السنة والمستحب؟ قلتُ: قياسًا على الصلاة؛ حيث إن المصلي إذا ترك =
[ ٢ / ٦١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سنة ومستحبًا من أفعال وأقوال الصلاة: فلا يجبره بسجود سهو، مع أن جبران الصلاة بسجود السهو أدخل من جبران الحج بدم؛ لكونه داخلًا ضمن الصلاة وآكد من الحج؛ حيث إنه يسجد للسهو لجبران الصلاة وإن كانت صلاة غيره كما أنه لو سها إمامه فالمأموم يسجد مع إمامه، فيكون مُتعدِّيًا لغيرها، بخلاف الحج، فإذا كان لا يسجد للسهو لجبران صلاة قد ترك فيها سنة مع أن ذلك آكد: فلأن لا يُجبر سقوط سنة ومستحب في حج وعمرة بدم من باب أولى، تنبيه: قوله: "ومن ترك واجبًا ولو سهوًا: فعليه دم" قلتُ: هذا لا يصح؛ حيث كما سبق أن بيِّنا: أن من ترك واجبًا متعمدًا ذاكرًا مختارًا، عالمًا بذلك: فيجب عليه الدم، أما من تركه وهو ساهي أو ناسي أو مخطئ، أو مكره، أو جاهل: فلا شيء عليه؛ للسنة القولية؛ حيث قال ﷺ: "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وهذا بناء على قاعدة: "الأمور بمقاصدها" وقد سبق بيان ذلك مرارًا.
هذه آخر مسائل باب "صفة الحج والعمرة" ويليه باب "الفوات والإحصار"
[ ٢ / ٦١٨ ]